Sajda. 5 - recommended (السجدة 5 - موصى به) (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ اَنْعَمَ اللہُ عَلَيْہِمْ مِّنَ النَّبِيّٖنَ مِنْ ذُرِّيَّۃِ اٰدَمَ۝۰ۤ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوْحٍ۝۰ۡوَّمِنْ ذُرِّيَّۃِ اِبْرٰہِيْمَ وَاِسْرَاۗءِيْلَ۝۰ۡوَمِمَّنْ ہَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا۝۰ۭ اِذَا تُتْلٰى عَلَيْہِمْ اٰيٰتُ الرَّحْمٰنِ خَرُّوْا سُجَّدًا وَّبُكِيًّا۝۵۸۞
Olaika allatheena anAAama Allahu AAalayhim mina alnnabiyyeena min thurriyyati adama wamimman hamalna maAAa noohin wamin thurriyyati ibraheema waisraeela wamimman hadayna waijtabayna itha tutla AAalayhim ayatu alrrahmani kharroo sujjadan wabukiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك» مبتدأ «الذين أنعم الله عليهم» صفة له «من النبيين» بيان له وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين فقوله «من ذرية آدم» أي إدريس «وممن حملنا مع نوح» في السفينة أي إبراهيم ابن ابنه سام «ومن ذرية إبراهيم» أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب «و» من ذرية «إسرائيل» هو يعقوب أي موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى «وممن هدينا واجتبينا» أي من جملتهم وخبر أولئك «إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا» جمع ساجد وباك أي فكونوا مثلهم وأصل بكي بكوي قبلت الواو ياء والضمة كسرة.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ثم جمعهم آخراً فقال: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } أي بالنبوة وغيرها مما تقدم وصفه وأولئك إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس، ثم جمعهم في كونهم من ذرية آدم ثم خص بعضهم بأنه من ذرية من حمل مع نوح، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نوح هو إدريس عليه السلام، فقد كان سابقاً على نوح على ما ثبت في الأخبار والذين هم من ذرية من حمل مع نوح هو إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح وإسمعيل وإسحق ويعقوب من ذرية إبراهيم ثم خص بعضهم بأنهم من ولد إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من قبل الأم فرتب الله سبحانه وتعالى أحوال الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبهاً بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم مزيد في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبهاً بذلك على أنهم اختصوا بهذه المنازل لهداية الله تعالى لهم، ولأنه اختارهم للرسالة ثم قال: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً} تتلى عليهم أي على هؤلاء الأنبياء فبين تعالى أنهم مع نعم الله عليهم قد بلغوا الحد الذي عند تلاوة آيات الله يخرون سجداً وبكياً خضوعاً وخشوعاً وحذراً وخوفاً، والمراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم. وقال أبو مسلم المراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب المنزل بالكفار وهو بعيد لأن سائر الأيات التي فيها ذكر الجنة والنار إلى غير ذلك أولى أن يسجدوا عنده ويبكوا فيجب حمله على كل آية تتلى مما يتضمن الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، لأن كل ذلك إذا فكر فيه المتفكر صح أن يسجد عنده وأن يبكي، واختلفوا فقال بعضهم في السجود: إنه الصلاة وقال بعضهم: المراد سجود التلاوة على حسب ما تعبدنا به وقيل: المراد الخضوع والخشوع والظاهر يقتضي سجوداً مخصوصاً عند التلاوة ثم يحتمل أن يكون المراد سجود التلاوة للقرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لا لأجل ذكر السجود في الآية، قال الزجاج في بكياً: جمع باك مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود ثم قال الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا مقدرين للسجود ومن قال في بكياً إنه مصدر فقد أخطأ لأن سجداً جمع ساجد وبكياً معطوف عليه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : اتلو القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » تفسير : وعن صالح المري قال: قرأت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : القرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن » تفسير : وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: » حديث : ما اغرورقت عين به بماء إلا حرم الله على النار جسدها « تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه: « حديث : لا يلج النار من بكى من خشية الله » تفسير : وقال العلماء: يدعو في سجود التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وإن قرأ هذه السجدة قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آيات كتابك.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ} يريد إدريس وحده. {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} يريد إبراهيم وحده. {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب. {و} من ذرية {إِسْرَائِيلَ} موسى وهارون وزكريا ويحيـى وعيسى. فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم. {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} أي إلى الإسلام: {وَٱجْتَبَيْنَآ} بالإيمان. {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ}. وقرأ شِبل بن عباد المكي «يتلى» بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل. {خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} وصفهم بالخشوع لله والبكاء. وقد مضى في «سبحان». يقال: بكى يبكي بكاء وبُكًى وبُكيَّا، إلا أن الخليل قال: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن؛ أي ليس معه صوت كما قال الشاعر: شعر : بكت عينِي وحُقَّ لها بكاها وما يغنِي البكاءُ ولا العَوِيلُ تفسير : «وسُجَّداً» نصب على الحال «وَبُكِيّاً» عطف عليه. الثانية: في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيراً في القلوب. قال الحسن: «إذا تتلى عليهِم آيات الرحمنِ خروا سجداً وبكيا» في الصلاة. وقال الأصم: المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروي عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته؛ قال الكيا: وفي هذه الآية دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مختصاً بإنزاله إليه. الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارىء. قال الكيا: وهذا بعيد، فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى. وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة. الرابعة: قال العلماء: ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها، فإن قرأ سورة السجدة «الۤـمۤ تَنْزِيلُ» قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة «سبحان» قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

البيضاوي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس عليهم الصلاة والسلام. {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } بأنواع النعم الدينية والدنيوية {مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} بيان للموصول. {مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ} بدل منه بإعادة الجار، ويجوز أن تكون {مِنْ} فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية. {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي ومن ذرية من حملنا خصوصاً، وهم من عدا إدريس فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح. {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ} الباقون. {وَإِسْرٰءِيلَ} عطف على {إِبْرَاهِيمَ} أي ومن ذرية إسرائيل، وكان منهم موسى وهرون وزكريا ويحيـى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية. {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} ومن جملة من هديناهم إلى الحق. {وَٱجْتَبَيْنَا} للنبوة والكرامة. {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيًّا} خبر لـ {أُوْلَـٰئِكَ} إن جعلت الموصول صفته، واستئناف إن جعلته خبره لبيان خشيتهم من الله وإخباتهم له مع ما لهم من علو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله تعالى. وعن النبي الصلاة والسلام «حديث : اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكو فتباكوا»تفسير : والبكي جمع باك كالسجود في جمع ساجد. وقرىء «يتلى» بالياء لأن التأنيث غير حقيقي، وقرأ حمزة والكسائي {بِكياً} بكسر الباء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: هؤلاء النبيون - وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء عليهم السلام، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس - {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ} الآية، قال السدي وابن جرير رحمه الله: فالذي عنى به من ذرية آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم، قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، فإنه جد نوح (قلت): هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما السلام، وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل؛ أخذاً من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم عليهما السلام. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن عمر: أن إدريس أقدم من نوح، فبعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا، فأهلكهم الله عز وجل، ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِين وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : -إلى قوله - {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 83 - 90] وقال سبحانه وتعالى: {أية : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} تفسير : [غافر: 78]. وفي "صحيح البخاري" عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي {صۤ} سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه الآية: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم، يعني: داود. وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعاً واستكانة وحمداً وشكراً على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم واتباعاً لمنوالهم. قال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة مريم، فسجد، وقال: هذا السجود، فأين البكي؟ يريد البكاء، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وسقط من روايته ذكر أبي معمر فيما رأيت، فالله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ } مبتدأ {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } صفة له {مِّنَ ٱلنَّبِيِّنَ } بيان له، وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين فقوله {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ } أي إدريس {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } في السفينة أي إبراهيم ابن ابنه سام {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ } أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب {وَ} من ذرية {إِسْرٰءِيلَ } وهو يعقوب أي موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَا } أي من جملتهم، وخبر أولئك {إِذَا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰةُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّاْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} جمع ساجد وباك أي فكونوا مثلهم وأصل (بُكِيّ) (بُكُويْ)، قلبت الواو ياء والضمة كسرة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... خَرّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} أي سُجّداً لله، وبكياً جمع باك، ليكون السجود رغبة والبكاء رهبة. وقد روي في الحديث: "حديث : فَهذَا السُّجُودُ فَأَينَ البُكَاءُ؟" تفسير : يعني هذه الرغبة فأين الرهبة؟ لأن الطاعة لا تخلص إلا بالرغبة والرهبة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَبُكِيّاً} سجودهم رغبة وبكاؤهم رهبة.

النسفي

تفسير : {أَوْلَئِكَ} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكرياء إلى إدريس {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ } «من» للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ } «من» للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ } إسماعيل وإسحاق ويعقوب {وَإِسْرٰءيلَ } أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى لأن مريم من ذريته {وَمِمَّن } يحتمل العطف على «من» الأولى والثانية {هَدَيْنَا } لمحاسن الإسلام {وَٱجْتَبَيْنَا } من الأنام أو لشرح الشريعة وكشف الحقيقة {إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن} أي إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة وهو كلام مستأنف. إن جعلت {الذين} خبراً لـ {أولئك} وإن جعلته صفة له كان خبراً. {يتلى} بالياء: قتيبة لوجود الفاصل مع أن التأنيث غير حقيقي {خَرُّواْ سُجَّداً } سقطوا على وجوههم رغبةً {وَبُكِيّاً } باكين رهبة جمع باكٍ كسجود وقعود في جمع ساجد وقاعد في الحديث «حديث : اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا»تفسير : وعن صالح المري: قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا صالح: «حديث : هذه القراءة فأين البكاء؟»تفسير : ويقول في سجود التلاوة سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ } فجاء من بعد هؤلاء المفضلين {خَلْفٌ } أولاد سوء وبفتح اللام العقب الخير. عن ابن عباس: هم اليهود {أَضاعُوا الصلاة} تركوا الصلاة المفروضة {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } ملاذ النفوس. وعن عليّ رضي الله عنه: من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور. وعن قتادة رضي الله عنه: هو في هذه الأمة {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } جزاء غي وكل شر عند العرب غي وكل خير رشاد. وعن ابن عباس وابن مسعود: هو وادٍ في جهنم أعدّ للمصرين على الزنا وشارب الخمر وآكل الربا والعاق وشاهد الزور.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أولئك الذي أنعم الله عليهم من النبيين} أولئك إشارة إلى المذكورين في هذه السورة أنعم الله عليهم بالنبوة وغيرها ما تقدم وصفه {من ذرية آدم} يعني إدريس ونوحاً {وممن حملنا مع نوح} أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة يريد إبراهيم لأنه ولد سام بن نوح {ومن ذرية إبراهيم} يعني إسحاق وإسماعيل ويعقوب {وإسرائيل} أي ومن ذرية إسرائيل وهو يعقوب وهم موسى ويحيى وهارون وزكريا وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منها بذلك على أنهم كما شرفوا بالنسب ثم قال تعالى {ومن هدينا واجتبينا} أي هؤلاء من أرشدنا واصطفينا وقيل من هدينا إلى الإسلام واجتبينا على الأنام {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً} جمع ساجد {وبكياً} جمع باك، أخبر الله تعالى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا خضوعاً وخشوعاً وخوفاً حذراً. والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة عليهم، وقيل المراد من الآيات ذكر الجنة والنار والوعد والوعيد ففيه استحباب البكاء خشوع القلب عند سماع القرآن. (فصل) وسجدة سورة مريم من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند تلاوة هذه السجدة، وقيل يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما يناسب تلك السجدة، فإن قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين إليك والخاشعين لك. وإن قرأ سجدة مريم قال اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك. وإن سجد سجدة ألم السجدة قال اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. قوله تعالى {فخلف من بعدهم} أي من بعد النبيين المذكورين {خلف} أي قوم سواء أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وتابعهم وقيل هم في هذه الأمة {أضاعوا الصلاة} أي تركوا الصلاة المفروضة. وقيل أخروها عن وقتها وهو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا العصر حتى تأتي المغرب {واتبعوا الشهوات} أي آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله وقيل اتبعوا المعاصي وشرب الخمور، وقيل هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان بنزو بعضهم على بضع في الأسواق والأزقة {فسوف يلقون غياً} قال ابن عباس: الغي واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن له ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق، ولشاهد الزور وقيل هو وادٍ في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه يسيل قيحاً ودماً، وقيل: واد في جهنم أبعدها قعراً وأشدها حراً فيه بئر تسمى الهيم كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فتستعر بها جهنم وقيل معنى غياً خسراناً وقيل هلاكاً وعذاباً، وليس معنى يلقون يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله تعالى {إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً} يعني إلا من تاب من التقصير في الصلوات والمعاصي وآمن من الكفر وعمل صالحاً بطاعة الله تعالى {فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً} أي لا ينقصون شيئاً ثم وصف الجنة فقال تعالى {جنات عدن} أي بساتين إقامة وصفها بالدوام بخلاف جنات الدنيا فإنها لا تدوم {التي وعد الرحمن عباده بالغيب} أي إنهم لا يرونها فهي غائبة عنهم وهم غائبون عنها {إنه كان وعده مأتياً} أي آتياً وقيل معنى وعده موعود وهو الجنة مأتياً أي يأتيه أولياء الله وأهل طاعته {لا يسمعون فيها لغواً} أي باطلاً وفحشاً وهو فضول الكلام {إلا سلاماً} يعني بل يسمعون فيها سلاماً والسلام اسم جامع للخير لأنه يتضمن معنى السلامة، وذلك أن أهل الجنة لا يسمعون فيها ما يؤلمهم، وإنما يسمعون تسليمهم، وقيل هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم، وقيل هو تسليم الله عليهم {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} قال أهل التفسير: يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار كعادتهم في الدنيا, وقيل إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وقيل المراد منه رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق ولا تقتير، وقيل: كانت العرب لا تعرف أفضل من الرزق الذي يؤتى به البكرة والعشي، فوصف الله تعالى الجنة بذلك.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} الآية. "مِنْ" الأولى؛ للبيان؛ لأنَّ كلَّ الأنبياء مُنَعَّمٌ عليهم، فالتبعيضُ محالٌ؛ والثانيةُ للتبعيض؛ فمجرورها بدلٌ مما قبله بإعادة العاملِ، بدلُ بعضٍ من كلٍّ. وقوله: "وإسرائيلَ" عطفٌ على ["إبْراهيمَ". قوله: "وممَّنْ هديْنَا" يحتملُ أن يكون عطفاً على "مِنَ النبيِّينَ" وأنْ يكون عطفاً على] {مِنْ ذرَّية آدمَ}. فصل اعلم أنَّه تعالى أثنى على كل واحدٍ ممَّن تقدم ذكرهُ [من الأنبياء]، بما يخُصُّهُ من الثناء، ثمَّ جمعهم آخراً؛ فقال تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} أي: بالنبوَّةِ، وغيرها، و "أولئِكَ" إشارةٌ إلى المذكورين في هذه السورة من "زكريَّا" إلى "إدريس" - صلوات الله عليهم - ثُمَّ جمعهُم في كونهم من ذرية آدم. ثُمَّ خصَّ بعضهم بأنهم من ذُرِّيَّةِ آدمَ، ممَّن حمله مع نُوحٍ، ومنهم من هو من ذرية آدم، دُون من حمله مع نُوحٍ؛ وهو إدريسُ - عليه السلام - فقد كان سابقاً على نُوحٍ. والذين هم من ذُريَّة من حمل مع نُوحٍ، وهو "إبراهيمُ"؛ لأنَّه [ولدُ] سام بن نُوح، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ من ذريةِ إبراهيم. ثم خصَّ بعضهم أنه من ولد إسرائيل، أي: يعقوب، وهم: مُوسَى، وهارونُ، وزكريَّا، ويحيى، وعيسى؛ من قبل الأمِّ. فرتَّب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب؛ منبهاً بذلك على أنَّهُم كما فُضِّلُوا بأعمالهم، فلهم منزلةٌ في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء. ثُمَّ بيَّن أنَّهم ممَّن هدينا، واجتبينا؛ مُنبِّهاً بذلك على أنَّهُم خُصُّوا بهذه المنازِلِ؛ لهداية الله تعالى لهمُ، ولأنَّهم اختارهم للرسالةِ. قوله: "إذا تُتْلَى" جملةٌ شرطيةٌ فيها قولان: أظهرهما: أنها لا محلَّ لها؛ لاستئنافها. والثاني: أنها خبرُ "أولئكَ" والموصولُ قبلها صفةٌ لاسم الإشارة، وعلى الأول؛ يكونُ الموصول نفس الخبر. وقرأ العامَّةُ "تُتْلَى" بتاءين من فوق، وقرأ عبدُ الله، وشيبةُ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثير، وابن عامرٍ، وورشٌ عن نافعٍ في رواياتٍ شاذةٍ: بالياء أوَّلاً من تحت، والتأنيثُ مجازيٌّ؛ فلذلك جاز في الفعل الوجهان. قوله تعالى: "سُجَّداً" حالٌ مقدرةٌ؛ قال الزجاج: "لأنهم وقت الخُرُورِ ليسُوا سُجَّداً". و "بُكِيًّا" فيها وجهان: أظهرهما: أنه جمعُ باكٍ، وليس بقياس، بل قياسُ جمعه على فعلة؛ كقاضٍ وقُضاة، ولم يسمع فيه هذا الأصلُ، وقد تقدَّم أنَّ الأخوين يكسران فاءهُ على الإتباع. والثاني: أنه مصدرٌ على فعولٍ؛ نحو: جلس جُلُوساً، وقَعَد قُعُوداً؛ والأصلُ فيه على كلا القولين "بكُويٌ" بواوٍ وياء، فأعلَّ الإعلال المشهور في مثله، وقال ابن عطيَّة: "وبكيًّا بكسر الباء، وهو مصدرٌ لا يحتمل غير ذلك" قال أبو حيَّان: "وليس بسديدٍ، بل الإتباعُ جائزٌ فيه" وهو جمعٌ؛ كقولهم: عُصِيٌّ ودُلِيٌّ، جمعِ عصاً ودلو، وعلى هذا؛ فيكون "بكيًّا": إمَّا مصدراً مؤكِّداً لفعلٍ محذوفٍ، أي: وبكوا بُكِيًّا، أي: بكاء، وإمَّا مصدراً واقعاً موقع الحال، أي باكينَ، أو ذوي بكاء، أو جعلُوا نفس البكاءِ مبالغةً. قال الزجاج: "بُكِيًّا" جمع باكٍ؛ مثل شاهدٍ وشُهودٍ، وقاعدٍ وقُعُودٍ، ثمَّ قال: الإنسانُ في حال خُرُوره لا يكون ساجداً، والمرادُ: خرُّوا مقدِّمين للسُّجُود، ومن قال في "بُكِيًّا": إنَّه مصدرٌ، فقد أخطأ؛ لأنَّ سُجَّداً جمع ساجدٍ، وبكياً معطوف عليه. فصل قال المفسِّرون: إنَّ الأنبياء - عليهم السلام - كانُوا إذا سمعُوا آيات الله؛ والمرادُ: الآياتُ التي تتضمنُ الوعد والوعيد، والتَّرغيبَ والتَّرهيبَ خروا سُجداً جمع ساجدٍ، وبكيًّا: جمع باكٍ خشُوعاً وخُضُوعاً، وحذراً وخوفاً. قال بعضهم: المراد بالسُّجود: الصَّلاة. وقال بعضهم: المراد: سجودُ التَّلاوة. وقيل: المرادُ بالسُّجُود: الخضوعُ والخشُوع عند التِّلاوة. قال - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : اتلُوا القُرآنَ، وابْكُوا، فإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين‏} ‏ قال‏:‏ هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم‏.‏ أما من ذرية آدم‏:‏ فإدريس ونوح، وأما من حمل مع نوح‏:‏ فإبراهيم - وأما ذرية إبراهيم‏:‏ فإسماعيل، وإسحق، ويعقوب‏.‏ وأما بني اسرئيل‏:‏ فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏واجتبينا‏} ‏ قال خلصنا‏. وأخرج عبد بن حميد، عن قيس بن سعد قال‏:‏ جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال‏:‏ ‏{أية : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبيا‏ً}‏ تفسير : ‏[مريم: 41‏]‏ ‏{أية : ‏واذكر في الكتاب إسماعيل‏}‏ ‏تفسير : [‏مريم: 54‏]‏ الآية ‏ {‏واذكر في الكتاب إدريس‏} ‏ الآية‏.‏ حتى بلغ ‏ {‏أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{أية : ‏وذكرهم بأيام الله‏}‏ ‏تفسير : [‏إبراهيم: 5‏]‏ وأثن على من أثنى الله عليه‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في البكاء، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب‏:‏ أنه قرأ سورة مريم فسجد، ثم قال‏:‏ هذا السجود فأين البكاء‏؟‏.

القشيري

تفسير : أقامهم بشواهد الجمع، وأخبر أن مِنَّتَه كامِنَةٌ في تخصيصِهم بأحوالهم، وتأهيلهم لِمَا رقَّاهم إليه من المآل، وأنه بفضله اختارهم واجتباهم. ومما أنعم به عليهم من الخصائص رِقَّةُ قلوبِهم؛ فهم إذا تُتْلَى عليهم الآياتُ سجدوا، وسجوُد ظواهرِهم يدل على سجود سرائرهم بما حقَّقَ لهم من شواهد الجمع، وأمارة صحته ما وفقهم إليه من عين الفرق؛ فبوصف التفرقة قاموا بحق آداب العبودية، وبِنعَت الجمع تحققوا بحقائق الربوبية.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} اشارة الى المذكورين فى هذه السورة من زكريا الى ادريس وهو مبتدأ خبره قوله {الذين انعم الله عليهم} بانواع النعم الدينية والدنيوية واصناف المواهب الصورية والمعنوية وقد اشير الى بعض ما يخص كلا منهم {من النبيين} بيان للموصول ونظيره فى سورة الفتح {أية : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة}تفسير : {من ذرية آدم} بدل منه باعادة الجار يقال ذرأ الشئ كثر ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين كما فى القاموس {وممن حملنا مع نوح} اى ومن ذرية من حملنا معه فى سفينته خصوصا وهم من عدا ادريس فان ابراهيم كان من ذرية سام بن نوح {ومن ذرية ابراهيم} وهم الباقون {واسرائيل} عطف على ابراهيم اى ومن ذرية اسرائيل اى يعقوب وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. وفيه دليل عى ان اولاد البنات من الذرية لان عيسى من مريم وهى من نسل يعقوب {وممن هدينا واجتبينا} اى ومن جملة من هديناهم الى الحق واصطفيناهم للنبوة والكرامة قالوا من فيه للتبيين ان عطف على من النبيين وللتبعيض ان عطف على ومن ذرية آدم {اذا تتلى} تقرأ {عليهم} على هؤلاء الانبياء {آيات الرحمن} اى آيات الترغيب والترهيب فى كتبهم المنزلة {خروا} سقطوا على الارض حال كونهم {سجدا} ساجدين جمع ساجد {وبكيا} باكين جمع باك واصله بكويا والمعنى ان الانبياء قبلكم مع مالهم من علو الرتبة فى شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله تعالى كانوا يسجدون ويبكون لسماع آيات الله فكونوا مثلهم وفى الحديث "حديث : اتلوا القرآن وابكوا فان لم تبكوا فتباكوا"تفسير : يقالوا تباكى فلان اذا تكلف البكاء اى ان لم تبك اعينكم فلتبك قلوبكم يعنى تحزنوا عند سماع القرآن فان القرآن نزل بحزن على المحزونين. قال الكاشفى [كلام دوست مهيج شوقست جون آتش شوق بركانون دل بر افروخته كردد ازديده خون ريختن كيرد شعر : اى دريغا اشك من دريايدى تانثار دلبر زيبا بدى اشك كان ازبهر آن بارند خلق كوهرست واشك بندارندخلق تفسير : قال فى التأويلات النجمية {خروا} بقلوبهم على عتبة العبودية {سجدا} بالتسليم للاحكام الازلية {وبكيا} بكاء السمع بذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة انتهى. قالوا ينبغى ان يدعو الساجد فى سجدته بما يليق بآياتها فههنا يقول (اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك) وفى آية الاسراء (اللهم اجعلنى من الباكين اليك الخاشعين لك) وفى آية تنزيل السجدة يقول (اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك واعوذ بك ان اكون من المستكبرين عن امرك). قال الكاشفى [اين سجدهُ نجمست از سجدات كلام الله حضرت شيخ قدس سره اين سجده را كه بجهت تلاوة آيات رحمانى مى بايد سجود انعام عام كفته وكريه كه متفرع براوست انرا كريه فرح وسرور ميداند جه رحمت رحمانيست مقتضى لطف ورأفت است وموجب بهجت ومسرت بس نتيجه او طربست نه اندوه وتعب].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أولئك}: مبتدأ، و {الذين}: خبره، أو {الذين}: صفته، و {إذا تتلى}: خبره. والإشارة إلى المذكورين في السورة، وما فيه من معنى البُعد؛ للإشعار بعلو رتبتهم وبُعد منزلتهم في الفضل، و {من النبيين}: بيان للموصول، و {من ذرية}: بدل منه بإعادة الجار، و {سُجدًا وبُكيًّا}: حالان من الواو، و {بكيًّا}: جمع باك، كمساجد وسجود، وأصله: بكوى، فاجتمع الواو والياء، وسُبق إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وحركت الكاف بالكسر المجانس للياء. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أولئك} المذكورون في السورة الكريمة هم {الذين أنعم الله عليهم} بفنون النعم الدينية والدنيوية، {من النبيين من ذرية آدم}، وهو إدريس عليه السلام ونوح، {وممن حملنا مع نوحٍ} أي: ومن ذرية من حملناهم في السفينة، وهو إبراهيم؛ لأنه من ذرية سام بن نوح، {ومن ذرية إبراهيم}، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقوله: {وإِسرائيلَ} أي: ومن ذرية إسرائيل، وهو يعقوب، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية. {وممن هدينا} أي: ومن جملة من هديناهم إلى الحق واجتبيناهم إلى النبوة من غير هؤلاء. {إِذا تُتلى عليهم آياتُ الرحمن خَرُّوا سُجدًا وبُكيًّا}، هذا استئناف؛ لبيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له، مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب، وكمال النفس والزلفى من الله عزّ وجلّ، أي: إذا تتلى عليهم، آيات الرحمن، إما عند نزولها عليهم، أو بسماعها من غيرهم، لحديث: "حديث : أحب أن أسمعه من غيري"تفسير : . ثم بكى صلى الله عليه وسلم عند قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النِّساء: 41] فكان الأنبياء عليهم السلام مثله، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ساجدين وباكين. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا، فَإِنْ لمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"تفسير : . وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ سورة مريم، فسجد فيها، فقال: (هذا السجود، فأين البكاء)؟ قال بعضهم: ينبغي أن يدعو الساجد في سجوده بما يليق بآيتها، فهاهنا يقول: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك. وفي الإسراء يقول: اللهم اجعلني من الخاضعين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، وهكذا. والذي ورد في الخبر: يقول: "سَجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَه وصوَّره، وشقَّ سمعَه وَبَصَرَه، بحوله وقُوته، اللهم اكتب لي بها أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام". والله تعالى أعلم. الإشارة: قد أثنى الله تعالى على هؤلاء السادات المُنعَم عليهم بكونهم إذا سمعوا كلام الحبيب خضعوا ورقَّت قلوبهم، وهو أول درجة المحبة، وفوقه الفرح بكلام الحبيب من مكان قريب، وفوقه الفرح بشهود المتكلم، وهنا ينقطع البكاء؛ لدخول صاحب هذا المقام جنة المعارف، وليس في الجنة بكاء. وأيضًا: من شأن القلب في أول أمره الرطوبة، يتأثر بالواردات والأحوال، فإذا استمر عليها اشتد وصلُب بحيث لا يؤثر فيه شيء من الواردات الإلهية. وفي هذا المعنى قال أبو بكر رضي الله عنه، حين رأى قومًا يبكون عند سماع القرآن: (كذلك كنا ثم قست القلوب)، فعبَّر عن تمكنه بالقسوة، تواضعًا واستتارًا، وإنما أثنى على هؤلاء السادات بهذه الخصلة؛ لأنها سُلّم لما فوقها. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر أضدادهم فقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ...}

الجنابذي

تفسير : {أُولَـٰئِكَ} الّذين تقدّم ذكرهم {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} بالولاية واستتبع الولاية النّبوّة والرّسالة وسائر النّعم بها تصير نعمة فانّ النّعمة حقيقةً هى الولاية وكلّما اتّصل بالولاية سواء كان بسبب البيعة الولويّة او بطلب تلك البيعة كان نعمةً، وما لم يتّصل سواء كان من النّعم الصّوريّة الدّنيويّة او من النّعم الصّدريّة الاخرويّة من الاذواق والوجدانات ومن العلوم والمشاهدات والمعاينات الصّوريّة كان نقمةً الاّ اذا اتّصلت بالولاية فانقلبت نعمةً، فأصل النّعم هو الولاية وفرعها هو هى ايضاً؛ انّ ذكر الخير كنتم بولايتكم اصله وفرعه ومعدنه ومنتهاه، واولئك مبتدء والجملة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ وخبره الّذين أنعم الله او هو صفته او مبتدءٌ ثانٍ وقوله تعالى {مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} خبر او حال وقوله تعالى {مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ} خبر او هو حال او بدل، وقوله تعالى اذا يتلى عليهم (الى آخره) خبر ومن فى قوله تعالى: من النّبيّين بيانيّة او تبعيضيّة، وهكذا من فى قوله من ذرِّيِّة آدم تبعيضيّة او بيانيّة {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} عطف على من ذرّيّة آدم والمقصود من ذرّيّة من حملنا لكنّه اسقط الذّرّيّة ههنا تشريفاً لهم لانّه يشعر بانّ المحمول مع نوحٍ (ع) لم يكن منظوراً اليه بنفسه فى الحمل بل كان المنظور اليه فى الحمل هو تلك الذّرّيّة فكأنّه لم يكن المحمول محمولاً لانّه لم يكن منظوراً اليه وكان المنظور اليه من الذّرّيّة محمولاً {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} وكلّ هذه من قبيل عطف الخاصّ على العامّ لتشريف الخاصّ بالاختصاص بكثرة الانساب الشّريفة فانّ الكلّ كانوا من ذرّيّة آدم (ع) واختصّ عنهم بهذه النّسبة ادريس (ع) وبعد ادريس كان الكلّ من ذرّيّة المحمولين مع نوحٍ وامتاز عنهم بهذه النّسبة ابراهيم (ع) وبعد ابراهيم كان الكلّ من ذرّيّة ابراهيم فانّ اسحاق (ع) واسرائيل وموسى وهارون واسماعيل وزكريّا ويحيى وعيسى (ع) كانوا من ذرّيّة ابراهيم (ع) واسرائيل وامتاز عنهم بالاختصاص بابراهيم (ع) اسحاق واسماعيل (ع) واذا كان المراد بقوله تعالى وهبنا لهم من رحمتنا محمّداً (ص) وكان المراد بقوله لسان صدقٍ عليّاً محمّداً (ص) وعليّاً (ع) كما اشير اليه فى الخبر كانا ايضاً ممتازين بالاختصاص بابراهيم (ع) {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} عطف على من النَّبيِّين او على من ذرِّيَّة آدم ولفظ من للتّبعيض او للتّبيين والتّقدير من ذرّيّة من هدينا واسقاط الذّريّة لما ذكر فى ممّن حملنا او ليست الذّرّيّة مقدّرة {وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ} قرئ بالتّاء وبالياء وهو خبرٌ كما سبق او حال او مستأنف لبيان حالهم وانّهم مع علوّ نسبهم وشرف النّبوّة والرّسالة لهم كمال التّضرّع والالتجاء الى الله، او ممّن هدينا قائم مقام المبتدأ، وذا تتلى خبر عنه يعنى بعض ممّن هدينا واجتبينا اذا تتلى {عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً} لكمال خضوعهم لله وتواضعهم لآياته {وَبُكِيّاً} لكمال خوفهم من الله ولالتجائهم اليه وقرئ بكيّاً بضمّ الباء على الاصل، وبكسرها على الاتّباع.

اطفيش

تفسير : {أُولَئِكَ} الأنبياء المذكورون فى السورة مبتدأ خبره قوله: {الذِينَ} وجملة: إذا تتلى الخ استئناف لبيان خشيتهم من الله سبحانه وتعالى وإخباتهم له، مع ما لهم من علو الطبقة فى شرف النسب، وكمال النفس، والزلفى من الله عز وجل. أو الذين تابع لأولئك وجملة إذا تتلى الخ خبره. {أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ} بأنواع النعم الدينية والدنيوية. {مِنَ النَّبِيِّينَ} بيان للموصول وقوله: {مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} بدل من الجار والمجرور قبله. ويجوز أن تكون من للتبعيض فى قوله: {من ذرية آدم} لأن الأنبياء بعض الذرية والذى من ذرية آدم عليه السلام: إدريس ونوح لقربهما بعض قرب بالنسبة لغيرهما وإدريس أقرب. وقيل: المراد إدريس. {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} فى السفينة أى ومن ذرية من حملنا معه خصوصا. والمراد إبراهيم فإنه من ذرية سام بن نوح وهذا العطف وما بعده عطف خاص؛ فإن الكل من ذرية آدم. وأيضاً الذى هو من ذرية إبراهيم ذرية لنوح والذى من ذرية إسرائيل هو من ذرية إبراهيم. وفعل ذلك لتجدد الفضل، وشرف تلك الأجداد وشهرتهم. {وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ} أراد إسماعيل وإسحاق ويعقوب. {وَإسْرَائِيلَ} أى ومن ذرية إسرائيل وهو يعقوب، وأراد موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى؛ فإن أمه من ذرية إسرائيل. وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية، فلو أوصى لذريته دخلت أولاد البنات حيث جازت الوصية، وكذا الإقرار وغيره. وللمانع أن يقول: لا دليل هنا لأن هذا من حيث إن عيسى لا أب له، فيدخل بأمه، بخلاف من له أب فافهم. وقيل: المراد أن ذرية إبراهيم وإسرائيل واحدة وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} إلى الحق عطف على {من النبيين} أو على {من ذرية} والأول أولى. {وَاجْتبَيْنا} اصطفينا للنبوة والكرامة. {إذَا تُتْلَى} وقرئ بالتحتية. {علَيْهم آيَاتُ الرَّحْمَنِ} المنزلة. وقيل: الجنة والنار وغيرها {خَرُّوا} وقعوا على وجوههم. {سُجَّداً} جمع ساجد. {وَبُكِيّاً} جمع باك كشاهد وشهود وقاعد وقعود. أصلهُ يكوى بضم الكاف وإسكان الواو وقلبت ياء وأدغمت فى الياء وقلبت الضمة كسرة. وقالت فرقة: هو مصدر بمعنى البكاء واختاره الطبرى ومكى، واستدلا بأن عمر رضى الله عنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال: هذا السجود فأين البُكِىّ؟ يعنى البكاء. قلت: يحتمل أن يعنى: أين الباكون؟ وعنهُ صلى الله عليه وسلم: حديث : اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا . تفسير : وعن صالح المرى:حديث : قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال لى: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ؟ تفسير : وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبُه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا . تفسير : ويستحب أن يدعو فى سجدة التلاوة بما يليق بآيتها. فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلنى من الباكين إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

اطفيش

تفسير : {أولئك} إشارة ببعد علو المرتبة إلى المذكورين فى السورة الكريمة {الَّذِين} خبر على حذف مضاف، أى بعض الذين، لأن الله تبارك وتعالى أنعم أيضا على غير من ذكر فى السورة من سائر الأنبياء وغيرهم، أو نقول الحصر إضافى بالنسبة الى غير الأنبياء جعل نعم غير الأنبياء كلها نعمة بالنسبة الى نعمة من ذكر فيها، قيل أو أولئك منصوب على المدح، والذين تابع أى أمدح أو أعظم الذين ولا تضع الى مثل هذا، إذ لا دليل عليه. {أنعَم الله عليْهِم} بنعم الدين والدنيا والآخرة {من النَّبيِّين} من للبيان للموصول، أو لهائه أو للتبعيض حال من أحدهما ويندفع إشكال الحصر، جعل من النبيين خبر أولئك، والذين تابع، وفائدة الإخبار أن لله أنبياء كثيرين وما هو إلا بعضهم ويجعل الخبر قوله {من ذرِّية آدم} وفائدته ما عطف عليه بمعنى أنهم من آدم ونوح الخ، وبالحصر على طريقة العرب فى المبالغة، ودعواها كما يقولون: الرجل هو زيد مع معرفتهم بوجود مثل زيد، وأعظم عنه، وبجعل الإشارة الى الأنبياء كلهم على طريق الاستخدام، أو بجعل الخبر إذا تتلى عليهم الخ ورجحه بعض المحققين. وقيل: من للبيان، وهى ومدخولها بدل من قوله: {من النبيين} بدل بعض من كل، على أن المراد بالذرية الأنبياء خاصة، وهى غير شاملة لآدم، وفيه إطلاق البعض على الكل إلا واحداً، وأصل إطلاقه أن يكون للقليل أو للنصف، ومع بعده هو خال من الرابط، وقيل تبعيضه، لأن المنعم عليه أخص من الذرية من وجه لشمولها بناء على الظاهر المتبادر عنها، غير المنعم عليه دونه. {وممَّن حمَلْنا مع نُوحٍ} ومن ذرية من حملنا مع نوح، وهم سام وحام ويافث، إذ لم يلد غيرهم ممن فى السفينة، ولا ممن لم يعرفون أن ولد نوح الثلاثة بعد الطوفان فهم فى صلبه معه فى السفينة، والمراد من عدا، أنه إدريس، لأنه قبل نوح عليهما السلام، وأجمعوا أن إبراهيم من ذرية سام. {ومن ذرية إبراهيم} وهم الباقون وأنت خبير بأن هوداً أو صالحاً عليهما السلام قبل إبراهيم، فهم من ذرية نوح {وإِسرائيل} يعقوب، أى ومن ذرية إسرائيل كموسى وهارون وزكرياء ويحيى وعيسى فأولاد البنات من الذرية، لدخول عيسى ولا أب له، وجعْل إطلاقها عليه مجازاً بطريق التغليب خلاف الظاهر. {وممَّن هَدينا واجْتَبيْنا} عطف على من ذرية آدم، ومن للتبعيض، أى ومن جملة من هديناهم الى الحق، واخترناهم للكرامة والبنوة، أو عطف على من الذين، ومن للبيان، وفيه أن ظاهر العطف المغايرة، فيحتاج الىأن يقال المراد من جمعنا له الهداية والنبوة والاجتباء للكرامة، وهو خلاف الظاهر. {إذا تُتْلى عَليهمْ آياتُ الرَّحْمن خروا سُجَّداً وبُكياً} استئناف أو خبر ثان لأولئك، وهما جمعا ساجد وباك، وأصله بكوياً، قلبت الواو ياء وأدغمت، وكسر ما قبلها، وذلك كشاهد وشهود، وقاعد وقعود، وجالس وجلوس، وحالية سجداً مقدرة، على أن السجود كون الجبهة فى الأرض وأما على أنه الانحناء إليه فمقارنة وحالية بكياً مقارنة والسجود كسجود الصلاة، أو الخضوع، والخشوع أو الصلاة وهو ضعيف أو سجود التلاوة إذا قرأ آياتها عليهم، فالمراد آيات السجود، وهو لا يتبادر فضلا عن أن يستدل بالآية على وجوب سجود التلاوة، والصحيح آيات القرآن مطلقا والكتب الإلهيات قبله، والسجود الخضوع وقيل آيات العذاب، وقيل الجنة والنار، والوعد والوعيد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" تفسير : رواه ابن ماجه وإسحاق بن رواهويه، والبزار عن سعد ابن أبى وقاص، وقرأ عمر رضى الله عنه سورة مريم، فسجد ثم قال هذا السجود فأين البُكى، أى أين الذين يبكون كما فى الآية، رواه الطبرى وابن أبى حاتم والبيهقى بياء مشددة مصدر فى كلام عمر، ولا يتعين به، ولا يقرب أن يكون فى الآية مصدراً وينبغى أن يدعو الساجد بما يناسب آية السجود التى تلاها، فيقول هنا: اللهم اجعلنا من عبادى المنعم عليهم، المهتدين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، وفى الإسراء: اللهم اجعلنا من الباكين إليك، الخاشعين لك، وفى تنزيل السجدة: اللهم اجعلنا من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، ورحمتك، وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين عن أمرك، وفى الحج: اللهم لا تهنَّا وأكرمنا، واجعل بنا من الخير ما أنت أهله، ولا تفعل بنا من الشر ما نحن أهله.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المذكورين في السورة الكريمة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } أي بفنون النعم الدينية الدنيوية حسبما أشير إليه مجملاً خبره على ما استظهره في «البحر»، والحصر عند القائل به إضافي بالنسبة إلى غير الأنبياء الباقين عليهم الصلاة والسلام لأنهم معروفون بكونهم منعماً عليهم فينزل الإنعام على غيرهم منزلة العدم، وقيل: يقدر مضاف أي بعض الذين أنعم الله عليهم وقوله تعالى: {مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ } بيان للموصول، وقيل: من تبعيضية بناءً على أن المراد أولئك المذكورون الذين أنعم الله تعالى عليهم بالنعم المعهودة المذكورة هنا فيكون الموضوع والمحمول مخصوصاً بمن سمعت وهم بعض النبيين وعموم المفهوم المراد من المحمول في نفسه ومن حيث هو في الذهن لا ينافي أن يقصد به أمر خاص في الخارج كما لا يخفى؛ واختير حمل التعريف في الخبر عن الجنس للمبالغة كما في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 2]، والمحذور مندفع بما ذكرنا و {مِنْ } في قوله سبحانه: {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ } قيل بيانية والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور السابق والمجرور بدل من المجرور بإعادة الجار وهو بدل بعض من كل بناء على أن المراد ذريته الأنبياء وهي غير شاملة لآدم عليه السلام ولا يخفى بعده، وقيل: هي تبعيضية لأن المنعم عليه أخص من الذرية من وجه لشمولها بناءً على الظاهر المتبادر منها غير من أنعم عليه دونه ولا يضر في ذلك كونها أعم منها من وجه لشموله آدم والملك ومؤمني الجن دونها {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي ومن ذرية من حملناهم معه عليه السلام خصوصاً وهم من عدا إدريس عليه السلام لما سمعت من أنه قبل نوح وإبراهيم عليه السلام كان بالإجماع من ذرية سام بن نوح عليهما السلام {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ } وهم الباقون. / {وَإِسْرٰءيلَ } عطف على {إِبْرَاهِيمَ } أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب عليه السلام وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيـى وعيسى عليهم السلام، وفي الآية دليل على أن أولاد البنات من الذرية لدخول عيسى عليه السلام ولا أب له، وجعل إطلاق الذرية عليه بطريق التغليب خلاف الظاهر {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَا } عطف على قوله تعالى: {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ } ومن للتبعيض أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق واخترناهم للنبوة والكرامة. وجوز أن يكون عطفاً على قوله سبحانه: {مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ }. ومن للبيان وأورد عليه أن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال: المراد ممن جمعنا له بين النبوة والهداية والاجتباء للكرامة وهو خلاف الظاهر. وقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً } استئناف مساق لبيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له سبحانه مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله عز سلطانه. وقيل: خبر بعد خبر لاسم الإشارة، وقيل: إن الكلام انقطع عند قوله تعالى: {وَإِسْرٰءيلَ }، وقوله سبحانه: {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } خبر مبتدأ محذوف وهذه الجملة صفة لذلك المحذوف أي وممن هدينا واجتبينا قوم إذا تتلى عليهم الخ، ونقل ذلك عن أبـي مسلم، وروى بعض الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قال: نحن عنينا بهؤلاء القوم، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جداً وحال روايات الإمامية لا يخفى على أرباب التمييز، وظاهر صنيع بعض المحققين اختيار أن يكون الموصول صفة لاسم الإشارة على ما هو الشائع فيما بعد اسم الإشارة وهذه الجملة هي الخبر لأن ذلك أمدح لهم، ووجه ذلك ظاهر عند من يعرف حكم الأوصاف والأخبار. وسجداً جمع ساجد وكذا بكياً جمع باك كشاهد وشهود وأصله بكوى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وحركت الكاف بالكسر لمناسبة الياء وجمعه المقيس بكاة كرام ورماة إلا أنه لم يسمع على ما في «البحر» وهو مخالف لما في «القاموس» وغيره، وجوز بعضهم أن يكون مصدر بكى كجلوساً مصدر جلس وهو خلاف الظاهر، نعم ربما يقتضيه ما أخرجه ابن أبـي الدنيا في «البكاء» وابن جرير وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الشعب» عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال: هذا السجود فأين البكاء، وزعم ابن عطية أن ذلك متعين في قراءة عبد الله ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي {بكياً} بكسر أوله وليس كما زعم لأن ذلك اتباع، وظاهر أنه لا يعين المصدرية. ونصب الاسمين على الحالية من ضمير {خَرُّواْ } أي ساجدين وباكين والأول حال مقدرة كما قال الزجاج. والظاهر أن المراد من السجود معناه الشرعي والمراد من الآيات ما تضمنته الكتب السماوية سواء كان مشتملاً على ذكر السجود أم لا وسواء كان متضمناً لذكر العذاب المنزل بالكفار أم لا، ومن هنا استدل بالآية على استحباب السجود والبكاء عند تلاوة القرآن. وقد أخرج ابن ماجه وإسحاق بن راهويه والبزار في «مسنديهما» من حديث سعيد بن أبـي وقاص مرفوعاً حديث : اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكواتفسير : ، وقيل: المراد من السجود سجود التلاوة حسبما تعبدنا به عند سماع بعض الآيات القرآنية فالمراد بآيات الرحمن آيات مخصوصة متضمنة لذكر السجود، وقيل: المراد منه الصلاة وهو قول ساقط جداً، وقيل: المراد منه الخشوع والخضوع، والمراد من الآيات ما تضمن العذاب المنزل بالكفار وهذا قريب من سابقه، ونقل الجلال السيوطي عن الرازي أنه استدل بالآية على وجوب سجود التلاوة وهو كما قال إلكيا: بعيد، وذكروا أنه ينبغي أن يدعو الساجد في سجدته بما يليق بآيتها فهٰهنا يقول: اللهم / اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك، وفي آية الإسراء اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك، وفي آية تنزيل السجدة اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك ورحمتك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وقرأ عبد الله وأبو جعفر وشيبة وشبل بن عباد وأبو حيوة وعبد الله بن أحمد العجلي عن حمزة وقتيبة في رواية وورش في رواية النحاس وابن ذكوان في رواية التغلبـي {يتلىٰ} بالياء التحتية لأن التأنيث غير حقيقي ولوجود الفاصل.

ابن عاشور

تفسير : الجملة استئناف ابتدائي، واسم الإشارة عائد إلى المذكورين من قوله {أية : ذكر رحمة ربك عبده زكريا}تفسير : [مريم: 2] إلى هنا. والإتيان به دون الضمير للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر مع المشار إليهم من الأوصاف، أي كانوا أحرياء بنعمة الله عليهم وكونهم في عداد المهديين المجتبيْن وخليقين بمحبتهم لله تعالى وتعظيمهم إياه. والمذكور بعد اسم الإشارة هو مضمون قوله {أنعم الله عليهم} وقوله {وممّن هدينا واجتبينا}، فإن ذلك أحسن جزاء على ما قدموه من الأعمال، ومن أعطوه من مزايا النبوءة والصديقية ونحوهما. وتلك وإن كانت نعماً وهداية واجتباء فقد زادت هذه الآية بإسناد تلك العطايا إلى الله تعالى تشريفاً لها، فكان ذلك التشريف هو الجزاء عليها إذ لا أزيد من المجازَى عليه إلاّ تشريفه. وقرأ الجمهور {من النّبييّن} بياءين بعد الموحدة. وقرأه نافع وحده بهمزة بعد الموحدة. وجملة {إذَا تُتْلىٰ عَليهم ءَاياتُ الرَّحْمانِ} مستأنفة دالة على شكرهم نعم الله عليهم وتقريبه إياهم بالخضوع له بالسجود عند تلاوة آياته وبالبكاء. والمراد به البكاء الناشىء عن انفعال النفس انفعالاً مختلطاً من التعظيم والخوف. و{سُجداً} جمع ساجد. {وبُكيّاً} جمع بَاك. والأول بوزن فُعّل مثل عُذَّل، والثاني وزنه فعُول جمع فاعل مثل قوم قعود، وهو يائي لأنّ فعله بكى يبكي، فأصله: بُكُويٌ. فلما اجتمع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وحركت عين الكلمة بحركة مناسبة للياء. وهذا الوزن سماعي في جمع فاعل ومثله. وهذه الآية من مواضع سجود القرآن المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتداء بأولئك الأنبياء في السجود عند تلاوة القرآن، فهم سجدوا كثيراً عند تلاوة آيات الله التي أنزلت عليهم، ونحن نسجد اقتداء بهم عند تلاوة الآيات التي أنزلت إلينا. وأثنت على سجودهم قصداً للتشبه بهم بقدر الطاقة حين نحن متلبسون بذكر صنيعهم. وقد سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عند هذه الآية وسنّ ذلك لأمته.

الشنقيطي

تفسير : الإشارة في قوله {أُولَـٰئِكَ} راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة. وقد بين الله هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم. وزاد على هذا في سورة "النساء" بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في قوله: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}تفسير : [النساء: 69]. وبين في سورة الفاتحة: أن صراط الذين أنعم عليهم غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين في قوله: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الفاتحة: 6-7]. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: قال السدي وابن جرير رحمهما الله: فالذي عنى به من ذرية آدم: "إدريس". والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: "إبراهيم". والذي عنى به من ذرية إبراهيم: "إسحاق ويعقوب وإسماعيل". والذي عنى به من ذرية إسرائيل: "موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم". قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح. قلت: هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذاً من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النَّبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً بالنَّبي الصالح، والأخ الصالح، ولم يقل والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة السلام - انتهى الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقال ابن كثير أيضاً في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى هؤلاء النَّبيون، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط. بل جنس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس، إلى أن قال في آخر كلامه: ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة "الأنعام": {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}تفسير : [الأنعام: 83]{أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ}تفسير : [الأنعام: 84] - إلى قوله - {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90] - اهـ. وقد قال تعالى في صفة هؤلاء المذكورين في "الأنعام": {أية : وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الأنعام: 87]. كما قال في صفة هؤلاء المذكورين في سورة "مريم" {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ}. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} بين فيه أن هؤلاء الأنبياء المذكورين إذا تتلى عليهم آيات ربهم بكوا وسجدوا. وأشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر بالنسبة إلى المؤمنين لا خصوص الأنبياء، كقوله تعالى: {أية : قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}تفسير : [الإسراء: 107-109]، وقوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [المائدة: 83]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}تفسير : [الأنفال: 2]، وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 23]. فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم تتلى تأثروا تأثراً عظيماً، يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود. ولبعضهم قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود، ونحو ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَبُكِيّاً} جمع باك. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية من سورة "مريم" فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكى؟ يريد البكاء. وهذا الموضع من عزائم السجود بلا خلاف بين العلماء في ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُولَـٰئِكَ} {ٱلنَّبِيِّيْنَ} {ءَادَمَ} {إِبْرَاهِيمَ} {وَإِسْرَائِيلَ} {آيَاتُ} (58) - وَهؤلاءِ النَّبِيُّونَ الذِينَ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم قَصَصَهُمْ، هُمُ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ، وَمَنْ هَدَاهُمْ وَقَرَّبَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا كَلاَمَ اللهِ المُتَضَمِّنَ حُجَجَهُ وَدَلاَئِلَهُ وَبَرَاهينَهُ، سَجَدُوا لِرَبِّهِمْ خُضُوعاً وَخُشُوعاً وَحَمْداً وَشُكْراً عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ وَهُمْ يَبْكُونَ. اجْتَبَيْنَا - اصْطَفَيْنَا وَاخْتَرْنَا لِلنُّبُوَّةِ. بُكِيّاً - بَاكِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ..} [مريم: 58] أي: الذين تقدَّموا وسبق الحديث عنهم من الأنبياء والرسل {مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ..} [مريم: 58] أي: مباشرة مثل إدريس عليه السلام {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ..} [مريم: 58] الذين جاءوا بعد إدريس مباشرة {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ..} [مريم: 58] أي: الذين جاءوا بعد نوح. وقد انقسموا إلى فرعين من ذرية إبراهيم. الأول: فرع إسحاق الذي جاء منه جمهرة النبوة، بداية من يعقوب، ثم يوسف، ثم موسى وهارون، ثم داود وسليمان، ثم زكريا ويحيى، ثم ذو الكفل، ثم أيوب، ثم ذو النون. والفرع الآخر: فرع إسماعيل عليه السلام الذي جاء منه جماع جواهر النبوة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. {وَإِسْرَائِيلَ ..} [مريم: 58] هو نبيّ الله يعقوب {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ..} [مريم: 58] الذين هديناهم واجتبيناهم. أي: اخترناهم واصطفيناهم للنبوة {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58]. لماذا قال {آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} [مريم: 58] ولم يقُلْ: آيات الله؟ قالوا: لأن آيات الله تحمل منهجاً وتكليفاً، وهذا يشقُّ على الناس، فكأنه يقول لنا: إياكم أنْ تفهموا أن الله يُكلّفكم بالمشقة، وإنما يُكلّفكم بما يُسعِد حركة حياتكم وتتساندون، ثم يسعدكم به في الآخرة؛ لذلك اختار هنا صفة الرحمانية. وقوله: {خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58] لم يقُل: سجدوا، بل سقطوا بوجوههم سريعاً إلى الأرض. وهذا انفعال قَسْري طبيعي، لا دَخْلَ للعقل فيه ولا للتفكير، فالساجد يستطيع أنْ يسجدَ بهدوء ونظام، أما الذي يخرُّ فلا يفكر في ذلك، وهذا أشبه بقوله تعالى: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ..}تفسير : [النحل: 26] أي: سقط عليهم فجأة. وهذا الانفعال يُسمُّونه "انفعال نزوعي" ناتج عن الوجدان، والوجدان ناتج عن الإدراك، وهذه مظاهر الشعور الثلاثة: الإدراك، ثم الوجدان، ثم النزوع. والإنسان له حواس يُدرِك بها: العين والأذن والأنف واللسان.. الخ. فهذه وسائل إدراك المحسّات، فإذا أدركتَ شيئاً بحواسِّك تجد له تأثيراً في نفسك، إما حُباً وإما بُغْضاً، إما إعجاباً وإما انصرافاً، وهذا الأثر في نفسك هو الوجدان، ثم يصدر عن هذا الوجدان حركة هي "النزوع". فمثلاً، لو رأيتَ وردة جميلة فهذه الرؤيا "إدراك"، فإنْ أُعجبْتَ بها وسُ رِرْتَ فهذا "وجدان"، فإنْ مددْتَ يدك لتقطفها فهذا "نزوع". والشرع لا يحاسبك على الإدراك ولا على الوجدان، لكن حين تمد يدك لقطف هذه الوردة نقول لك: قفْ فهذه ليست لك، ولا يمنعك الشارع ويتركك، إنما يمنعك ويوحي لك بالحلِّ المناسب لنزوعك، فعليك أنْ تزرع مثلها، فتكون مِلْكاً لك أو على الأقل تستأذن صاحبها. كذلك الحال فيمن يتسمّع لكلام الله وقرآنه يدرك القرآن بسمعه فينشأ عنه حلاوة ومواجيد في نفسه، وهذا هو الوجدان الذي ينشأ عنه انفعال نُزوعي، فلا يجد إلا أنْ يخر ساجداً لله تعالى. والنزوع هنا لم يُكنْ نزوعاً ظاهرياً بل وأيضاً داخلياً، ففاضت أعينهم بالدمع {سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58]. وقد عُولج هذا المعنى في عِدّة مواضع أُخَر، كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}تفسير : [الإسراء: 107]. ومعنى: للأذقان: مبالغة في الخضوع والخشوع واستيفاء السجود؛ لأن السجود يكون أولاً على الجبهة ثم الأنف لكن على الأذقان، فهذا سجود على حَقٍّ، وليس كنقْر الديكَة كما يقولون. إذن: فأهل الكتاب كانوا على علم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه سيأتي بالقرآن على فَتْرة من الرسل، وها هم الآن يسمعون القرآن؛ لذلك يقولون: {أية : سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}تفسير : [الإسراء: 108]. ومن النزوع الانفعالي أيضاً قوله تعالى عن أهل الكتاب: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ ..}تفسير : [المائدة: 83]. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الزمر: 23]. فلماذا يُؤثِّر الانفعال بالقرآن في كُلِّ هذه الحواس والأعضاء من جسم الإنسان؟ قالوا: لأن الذي خلق التكوين الإنساني هو الذي يتكلم، والخالق سبحانه حينما يتكلم وحينما تفهم عنه وتعي، فإنه سبحانه لا يخاطب عقلك فقط، بل يخاطب كل ذرة من ذَرّات تكوينك؛ لذلك تخِرُّ الأعضاء ساجدة، وتدمع العيون، وتقشعر الجلود، وتلين القلوب، كيف لا والمتكلم هو الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَبُكِيّاً} جمعُ بَاكٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر هؤلاء الأنبياء المكرمين، وخواص المرسلين، وذكر فضائلهم ومراتبهم قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } أي: أنعم الله عليهم نعمة لا تلحق، ومنة لا تسبق، من النبوة والرسالة، وهم الذين أمرنا أن ندعو الله أن يهدينا صراط الذين أنعمت عليهم، وأن من أطاع الله، كان {أية : مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } تفسير : الآية. وأن بعضهم { مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي: من ذريته { وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ } فهذه خير بيوت العالم، اصطفاهم الله، واختارهم، واجتباهم،. وكان حالهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم، المتضمنة للإخبار بالغيوب وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد. { خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } أي: خضعوا لآيات الله، وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة، ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود لربهم، ولم يكونوا من الذين إذا سمعوا آيات الله خروا عليها صما وعميانا. وفي إضافة الآيات إلى اسمه { الرحمن } دلالة على أن آياته، من رحمته بعباده وإحسانه إليهم حيث هداهم بها إلى الحق، وبصرهم من العمى، وأنقذهم من الضلالة، وعلمهم من الجهالة.