١ - ٱلْفَاتِحَة
1 - Al-Fatiha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
المنزل الاول
جزء
١
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين، وفيه ست وثلاثون مسألة: الأولى: قوله سبحانه وتعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : <a href='javascript:openwindow(4753)'; title='اضغط هنا لعرض تخريج الحديث' style='color: red' class='textresultarabic'>"إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي"</a>»تفسير : . وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها»تفسير : . وقال الحسن: ما مِن نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ٱبن ماجه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أَخذ»تفسير : . وفي (نوادر الأصول) عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضلَ من ذلك»تفسير : . قال أبو عبد اللَّه: معناه عندنا أنه قد أُعطي الدنيا، ثم أُعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها، لأن الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات؛ قال الله تعالى: {أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} تفسير : [الكهف: 46]. وقيل في بعض الروايات: لكان ما أَعطى أكثر مما أخذ. فصير الكلمة إعطاءً من العبد، والدنيا أخذاً من الله؛ فهذا في التدبير. كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد، والدنيا من الله؛ وكلاهما من الله في الأصل، الدنيا منه والكلمة منه؛ أعطاه الدنيا فأغناه، وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة. وروى ٱبن ماجه عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم:"حديث : أن عبداً من عباد الله قال يا رَب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فَعَضَلَتْ بالمَلَكَيْن فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا رَبَّنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله عزّ وجلّ وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا ربّ إنه قد قال يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما ٱكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجْزِيَهُ بها"تفسير : . قال أهل اللغة: أعضل الأمر: ٱشتد وٱستغلق؛ والمعضّلات (بتشديد الضاد): الشدائد. وعضَّلت المرأة والشاة: إذا نَشِب ولدها فلم يسهل مخرجه؛ بتشديد الضاد أيضاً؛ فعلى هذا يكون: أَعْضَلت الملكين أو عَضَّلَت الملكين بغير ياء. والله أعلم. ورُوي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الطُّهور شَطْرُ الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض»تفسير : وذكر الحديث. الثانية: اختلف العلماء أيُّما أفضل؛ قول العبد: الحمد لله رب العالمين، أو قول لا إلٰه إلا الله؟ فقالت طائفة: قوله الحمد لله رب العالمين أفضل؛ لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إلٰه إلا الله؛ ففي قوله توحيد وحمد؛ وفي قوله لا إلٰه إلا الله توحيد فقط. وقال طائفة: لا إلٰه إلا الله أفضل؛ لأنها تدفع الكفر والإشراك، وعليها يقاتل الخلق؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلٰه إلا الله»تفسير : . وٱختار هذا القول ٱبن عطية قال: والحاكم بذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل ما قلت أنا والنبيون مِن قبلي لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له»تفسير : الثالثة: أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه، وأن مما أنعم الله به الإيمان؛ فدلّ على أن الإيمان فعله وخلقه؛ والدليل على ذلك قوله: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. والعالَمون جملة المخلوقات، ومن جملتها الإيمان، لا كما قال القَدَرِيَّةُ: إنه خَلْقٌ لهم؛ على ما يأتي بيانه. الرابعة: الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل؛ والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد؛ فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وقد جُمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر:شعر : وأبلج محمودِ الثّناءِ خَصَصْتُه بأفْضَلِ أقوالي وأَفْضَلِ أحْمُدي تفسير : فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحْمَدُه حَمْداً فهو حميد ومحمود؛ والتحميد أبلغ من الحمد. والحمد أعمّ من الشكر، والمحمَّد: الذي كثرت خصاله المحمودة. قال الشاعر:شعر : إلى الماجد القَرْم الجَوَاد المُحَمَّدِ تفسير : وبذلك سُمّي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشاعر:شعر : فَشَقّ له مِن ٱسمه لِيُجِلَّه فذو العَرْش محمودُ وهذا مُحَمَّدُ تفسير : والمَحْمَدة: خلاف المذمّة. وأَحْمَد الرجلُ: صار أمره إلى الحمد. وأحمدته: وجدته محموداً؛ تقول: أتيت موضع كذا فأحمدته؛ أي صادفته محموداً موافقاً، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حُمَدَة ـ مثل هُمَزَة ـ يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحَمدة النار ـ بالتحريك ـ: صوت التهابها. الخامسة: ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء، وليس بمرضي. وحكاه أبو عبد الرحمن السلميّ في كتاب «الحقائق» له عن جعفر الصادق وٱبن عطاء. قال ٱبن عطاء: معناه الشكر لله؛ إذْ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. وٱستدل الطبري على أنهما بمعنىً بصحة قولك: الحمد لله شكراً. قال ٱبن عطية: وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه؛ لأن قولك شكراً، إنما خصصت به الحمد؛ لأنه على نعمة من النعم. وقال بعض العلماء: إن الشكر أعمّ من الحمد؛ لأنه باللسان وبالجوارح والقلب؛ والحمد إنما يكون باللسان خاصّة. وقيل: الحمد أعمّ، لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح، وهو أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد. ورُوي عن ٱبن عباس أنه قال: الحمد لله كلمةُ كل شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عَطَس: الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام: {أية : فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم عليه السلام: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}تفسير : [إبراهيم: 39]. وقال في قصة داود وسليمان: {أية : وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النمل: 15]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} تفسير : [الإسراء: 111]. وقال أهل الجنة: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ}تفسير : [فاطر:34] {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 34]. فهي كلمة كلّ شاكر. قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان. وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا: الحمد أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر؛ والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أوْلاك معروفاً؛ فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويُذكر الحمد بمعنى الرضا؛ يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى: {أية : مَقَاماً مَّحْمُوداً}تفسير : [الإسراء: 79]. وقال عليه السلام: «حديث : أحمد إليكم غسل الإحليل»تفسير : أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله «الحمد لله»: من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد؛ لأن الحمد حاء وميم ودال؛ فالحاء من الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الدّيمومية؛ فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير «الحمد لله» قال: هو على ثلاثة أوجه: أوّلها إذا أعطاك الله شيئاً تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه؛ فهذه شرائط الحمد. السادسة: أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه، وٱفتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره؛ بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيّه عليه السلام، فقال: {أية : فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم: 32]. وقال عليه السلام: «حديث : ٱحْثُوا في وجوه المدّاحين التراب» تفسير : رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في «النساء» إن شاء الله تعالى. فمعنى «الحمد لله رب العالمين»: أي سبق الحمد منّي لنفسي قبل أن يَحْمَدني أحد من العالمين، وحَمْدِي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحَمْدِي الخلق مشوب بالعلل. قال علماؤنا: فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده، حَمِد نفسه لنفسه في الأزل؛ فٱستفراغ طَوْق عباده هو محل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: «حديث : لا أُحصِي ثناء عليك»تفسير : . وأنشدوا:شعر : إذا نَحْنُ أثْنَيْنَا عليك بصالحٍ فأنْتَ كما نُثْنِي وفوقَ الذي نُثْنِي تفسير : وقيل: حَمِد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فَحمِد نفسه عنهم؛ لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم به ثقل المِنّة. السابعة: وأجمع القرّاء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من «الحمدُ لله». ورُوي عن سفيان بن عُيينة ورؤُبة بن العَجَّاج: «الحمدَ لله» بنصب الدال؛ وهذا على إضمار فعل. ويقال: «الحمدُ لله» بالرفع مبتدأ وخبر، وسبيل الخبر أن يفيد؛ فما الفائدة في هذا؟ فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمدُ لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك: حمدت الله حمداً؛ إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله؛ والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرّضاً لعفو الله ومغفرته وتعظيماً له وتمجيداً؛ فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: «حديث : مَن شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»تفسير : . وقيل: إن مدحه عزّ وجلّ لنفسه وثناءه عليها ليعلِّم ذلك عباده؛ فالمعنى على هذا: قولوا الحمد لله. قال الطبري: «الحمد لله» ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمرَ عباده أن يثنوا عليه؛ فكأنه قال: قولوا الحمد لله؛ وعلى هذا يجيء قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه، كما قال الشاعر:شعر : وأعلَمُ أنّني سأكونُ رَمْساً إذا سار النّواعِجُ لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم فقال القائلون لهم وزير تفسير : المعنى: المحفور له وزير، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه، وهذا كثير. وروي عن ٱبن أبي عَبَلَة: «الحمد لله» بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأوّل؛ وليتجانس اللفظ، وطلبُ التجانس في اللفظ كثير في كلامهم؛ نحو: أجُوءُك، وهو منحدُرٌ من الجبل، بضم الدال والجيم. قال:شعر : ....ٱضرب الساقينُ أُمّك هابل تفسير : بضم النون لأجل ضم الهمزة. وفي قراءةٍ لأهل مكة «مُرُدفين» بضم الراء إتباعاً للميم، وعلى ذلك «مُقُتلين» بضم القاف. وقالوا: لإمِّك، فكسروا الهمزة ٱتباعاً للاّم؛ وأنشد للنعمان بن بشير:شعر : ويل ٱمِّها في هَواءِ الْجَو طالبةً ولا كهذا الذي في الأرضِ مَطْلُوبُ تفسير : الأصل: ويلٌ لأمها؛ فحذفت اللام الأولى وٱستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للام ثم أتبع اللام الميمَ. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن عليّ: «الحمدِ للهِ» بكسر الدال على إتباع الأوّل الثاني. الثامنة: قوله تعالى: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي مالكهم، وكل من ملك شيئاً فهو رَبّه؛ فالربُّ: المالك. وفي الصحاح: والرب ٱسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة؛ وقد قالوه في الجاهلية للملِك، قال الحارث بن حِلِّزة: شعر : وَهُوَ الربّ والشَّهيدُ على يَوْ مِ الْحِيَارَيْنِ والْبَلاَءُ بَلاءُ تفسير : والرب: السيد؛ ومنه قوله تعالى: {أية : ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}تفسير : [يوسف: 42]. وفي الحديث: «حديث : أنْ تلد الأَمَةُ ربَّتها»تفسير : أي سيدتها؛ وقد بينّاه في كتاب (التذكرة). والربّ: المصلح والمدبّر والجابر والقائم. قال الهَرَوِيّ وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبّه يَرُبّه فهو رَبٌّ له ورابٌّ؛ ومنه سمي الربّانيون لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: «حديث : هل لك مِن نعمة تَرُبُّها عليه»تفسير : أي تقوم بها وتصلحها. والربّ: المعبود؛ ومنه قول الشاعر:شعر : أَرَبٌّ يبول الثُّعْلُبَانُ برأسه لَقَدْ ذلّ مَنْ بالتْ عليه الثَّعالِبُ تفسير : ويقال على التكثير: ربّاه وربّبه وربَّتَه؛ حكاه النحاس. وفي الصحاح: ورَبّ فلانٌ ولدَه يُرُّبه رَبًّا، وربَّبَه وَتَرَبَّبه بمعنىً؛ أي ربّاه. والمَرْبوب: المربَّى. التاسعة: قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو ٱسم الله الأعظم؛ لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن، كما في آخر «آل عمران» وسورة «إبراهيم» وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الربّ والمَرْبوب، مع ما يتضمّنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال. وٱختلِف في ٱشتقاقه؛ فقيل: إنه مشتق من التربية؛ فالله سبحانه وتعالى مدبِّر لخلقه ومربيّهم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}تفسير : [النساء: 23]. فسمى بنت الزوجة رَبِيبة لتربية الزوج لها. فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل؛ وعلى أن الربّ بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات. العاشرة: متى أدخلت الألف واللام على «ربّ» ٱختص الله تعالى به؛ لأنها للعهد، وإن حذفنا منه صار مشتركاً بين الله وبين عباده. فيقال: الله رَبّ العباد، وزيد رَبّ الدّار؛ فالله سبحانه رَبّ الأرباب؛ يملك المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رَبٍّ سواه غير خالق ولا رازق، وكل مملوك فَمُملَّك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده، وإنما يملك شيئاً دون شيء؛ وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني، فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين. الحادية عشرة: قوله تعالى: {ٱلْعَالَمِينَ} اختلف أهل التأويل في {ٱلْعَـٰلَمِينَ} اختلافاً كثيراً؛ فقال قتادة: العالمَون جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم؛ قاله الحسين بن الفضل؛ لقوله تعالى: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 165] أي من الناس. وقال العَجَاج:شعر : فَخنْدِفٌ هامةُ هذا العالَمِ تفسير : وقال جرير بن الخَطَفَى:شعر : تَنَصَّفُه البريّةُ وهْوَ سامٍ ويُضحِي العالَمون له عِيالا تفسير : وقال ٱبن عباس: العالَمون الجنّ والإنس؛ دليله قوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان: 1] ولم يكن نذيراً للبهائم. وقال الفرّاء وأبو عبيدة: العالَم عبارة عمن يعقل؛ وهم أربع أمم: الإنس والجنّ والملائكة والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالَم؛ لأن هذا الجمع إنما هو جَمْع مَن يعقل خاصّة. قال الأعشى:شعر : ما إنْ سمعتُ بمثلهم في العالَمينا تفسير : وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون؛ ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ٱبن عباس أيضاً: كل ذي رُوح دبّ على وجه الأرض. وقال وَهَب بن مُنَبّه: إن لله عزّ وجلّ ثمانية عشر ألف عالَم؛ الدنيا عالَم منها. وقال أبو سعيد الخُدْرِي: إن لله أربعين ألف عالَم؛ الدنيا مِن شرقها إلى غربها عالَمٌ واحد. وقال مقاتل: العالمُون ثمانون ألف عالَم، أربعون ألف عالَم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجنّ عالم، والإنس عالَم؛ وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالَم، خلقهم لعبادته. قلت: والقول الأوّل أصحّ هذه الأقوال؛ لأنه شامل لكل مخلوق وموجود؛ دليله قوله تعالى: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ}تفسير : [الشعراء: 23]. ثم هو مأخوذ من العَلَم والعَلاَمة؛ لأنه يدل على مُوجده. كذا قال الزجاج قال: العالَم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. وقال الخليل: العَلَم والعَلاَمة والمَعْلَم: ما دَلّ على الشيء؛ فالعالَم دالٌّ على أن له خالقاً ومدبراً، وهذا واضح. وقد ذُكر أن رجلاً قال بين يدي الجُنَيد: الحمد لله؛ فقال له: أتمها كما قال الله، قل: رَبّ العالمين؛ فقال الرجل: ومَن العالَمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدَث إذا قُرن مع القديم لا يبقى له أثر. الثانية عشرة: يجوز الرفع والنصب في «ربّ» فالنصب على المدح، والرفع على القطع؛ أي هو رب العالمين. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وصف نفسه تعالى بعد {رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، بأنه {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}؛ لأنه لما كان في ٱتصافه بـ {رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ترهيبٌ قَرَنه بـ {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه؛ فيكون أعون على طاعته وأمنع؛ كما قال: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } تفسير : [الحجر: 49 ـ 50]. وقال: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ}تفسير : [غافر: 3]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمِع بجنّته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنَطَ من جنّته أحد»تفسير : . وقد تقدّم ما في هذين الاسمين من المعاني، فلا معنى لإعادته. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} قرأ محمد بن السَّمَيْقَع بنصب مالك؛ وفيه أربع لغات: مالِك ومَلِك ومَلْك ـ مخففة من مَلِك ـ ومَلِيك؛ قال الشاعر:شعر : وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوال عصينا المَلْك فيها أن نَدينا تفسير : وقال آخر:شعر : فاقنعْ بما قَسَم المليكُ فإنّما قَسَم الخلائقَ بيننا علاّمُها تفسير : الخلائق: الطبائع التي جُبِل الإنسان عليها. وروي عن نافع إشباع الكسرة في «مَلِك» فيقرأ «مَلِكِي» على لغة من يشبع الحركات، وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره. الخامسة عشرة: اختلف العلماء أيّما أبلغ: ملِك أو مالك؟ والقراءتان مَرْوِيتَان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. ذكرهما الترمذي؛ فقيل: «مَلِك» أعمّ وأبلغ من «مالك» إذ كل مَلِك مالك، وليس كل مالك مَلِكا؛ ولأن أمر الملِك نافذ على المالك في مِلْكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك؛ قاله أبو عبيدة والمبرد. وقيل: «مالك» أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم؛ فالمالك أبلغ تصرُّفاً وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التّملك. وقال أبو عليّ: حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من ٱختار القراءة بـ «ـملك» أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كلّ شيء بقوله: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فلا فائدة في قراءة من قرأ «مالك» لأنها تكرار. قال أبو عليّ: ولا حجة في هذا؛ لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدُّم العام ثم ذِكر الخاص كقوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ}تفسير : [الحشر: 24] فالخالق يعمّ. وذكر المصوّر لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة؛ وكما قال تعالى: {أية : وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة: 4] بعد قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة: 3]. والغيب يعم الآخرة وغيرها؛ ولكن ذكرها لعظمها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والردّ على الكفرة الجاحدين لها؛ وكما قال: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فذكر «الرحمن» الذي هو عام وذكر «الرحيم» بعده، لتخصيص المؤمنين به في قوله: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43]. وقال أبو حاتم: إن «مالكاً» أبلغ في مدح الخالق من «ملِك»، و «ملك» أبلغ في مدح المخلوقين من مالك؛ والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً، وٱختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة أوجه؛ الأوّل: أنك تضيفه إلى الخاص والعام؛ فتقول: مالك الدار والأرض والثوب، كما تقول: مالك الملوك. الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير؛ وإذا تأمّلت هذين القولين وجدتهما واحداً. والثالث: أنك تقول: مالك المُلْك؛ ولا تقول: مِلك المُلْك. قال ٱبن الحصار: إنما كان ذلك لأن المراد من «مالك» الدلالة على المِلك ـ بكسر الميم - وهو لا يتضمن «المُلْك» ـ بضم الميم ـ و «ملِك» يتضمن الأمرين جميعاً فهو أوْلى بالمبالغة. ويتضمن أيضاً الكمال، ولذلك استحق الملك على من دونه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [ البقرة: 247]، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : الإمامة في قريش»تفسير : وقريش أفضل قبائل العرب، والعرب أفضل من العَجَم وأشرف. ويتضمن الاقتدار والاختيار، وذلك أمر ضروري في المَلِك، إن لم يكن قادراً مختاراً نافذاً حكمه وأمره، قهره عدوّه وغلبه غيره وازدرته رعيته؛ ويتضمن البطش والأمر والنهي والوعد والوعيد؛ ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ.لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً}تفسير : [النمل: 20 ـ 21] إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك. قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكاً أبلغ لأن فيه زيادة حرف؛ فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك. قلت: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك، وفيه من المعنى ما ليس في مالك، على ما بينا والله أعلم. السادسة عشرة: لا يجوز أن يتسمَى أحد بهذا الاسم ولا يدعى به إلا الله تعالى؛ روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض»تفسير : وعنه أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أَخْنَع اسم عند الله رجل تسمّى ملك الأملاك ـ زاد مسلم ـ لا مالك إلا الله عزّ وجلّ»تفسير : قال سفيان: «مثل: شاهانْ شَاهْ. وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو الشيبانيّ عن اخنع؛ فقال: أوْضع». وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل (كان) يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه»تفسير : . قال ٱبن الحصار: وكذلك {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} و {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} لا ينبغي أن يُختلف في أن هذا محرّم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الأملاك سواء، وأما الوصف بمالك وملك. السابعة عشرة: فيجوز أن يوصف بهما من ٱتصف بمفهومهما؛ قال الله العظيم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} تفسير : [البقرة: 247]. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ناس من أمتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله يركبون ثَبَجَ هذا البحر ملوكا على الأسِرّة أو مثل الملوك على الأسرة»تفسير : الثامنة عشرة: إن قال قائل: كيف قال: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} ويوم الدين لم يوجد بعدُ، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده؟ قيل له: اعلم أن مالكاً اسم فاعل من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاماً سديداً معقولا صحيحاً؛ كقولك: هذا ضارب زيد غدا؛ أي سيضرب زيداً. وكذلك: هذا حاجّ بيت الله في العام المقبل، تأويله سيحج في العام المقبل؛ أفلا ترى أن الفعل قد يُنسب إليه وهو لم يفعله بعدُ، وإنما أريد به الاستقبال؛ فكذلك قوله عزّ وجلّ: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} على تأويل الاستقبال، أي سيملك يوم الدِّين أو في يوم الدين إذا حضر. ووجه ثان: أن يكون تأويل المالك راجعاً إلى القدرة؛ أي إنه قادر في يوم الدين، أو على يوم الدين وإحداثه؛ لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه؛ والله عزّ وجلّ مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء. والوجه الأوّل أمَسُّ بالعربية وأنفذ في طريقها؛ قاله أبو القاسم الزجاجي. ووجه ثالث: فيقال لِمَ خصص يوم الدِّين وهو مالك يوم الدين وغيره؟ قيل له: لأن في الدنيا كانوا منازعين في الملك، مثل فرعون ونمروذ وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له، كما قال تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} فلذلك قال: مالك يوم الدين؛ أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاضٍ ولا مُجازٍ غيره؛ سبحانه لا إله إلا هو. التاسعة عشرة: إنْ وُصِف الله سبحانه بأنه مَلِكٌ كان ذلك من صفات ذاته، وإن وُصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. الموفية العشرين: اليوم: عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، فٱستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما. وقد يطلق اليوم على الساعة منه؛ قال الله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة: 3]. وجَمْعُ يومٍ أيام؛ وأصله أَيْوَام فأدغم؛ وربما عبّروا عن الشدة باليوم، يقال: يوم أيْوَم، كما يقال: ليلةٌ لَيْلاَء. قال الراجز:شعر : نِعْمَ أخو الهيجاء في اليوم ٱلْيَمِي تفسير : وهو مقلوب منه، أخَّر الواو وقدّم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طَرَفا؛ كما قالوا: أدْلٍ في جمع دَلْوٍ. الحادية والعشرون: الدِّين: الجزاء على الأعمال والحساب بها؛ كذلك قال ٱبن عباس وٱبن مسعود وٱبن جريج وقتادة وغيرهم، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ويدل عليه قوله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ} تفسير : [النور: 25] أي حسابهم. وقال: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} تفسير : [غافر: 17] و {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 28] وقال: {أية : أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} تفسير : [الصافات: 53] أي مجزيُّون محاسبون. وقال لَبيد:شعر : حصَادُك يوماً ما زرعتَ وإنما يُدَانُ الفتى يوماً كما هو دائن تفسير : آخر:شعر : إذا ما رمونا رميناهمُ ودِنّاهُم مثل ما يُقرضونا تفسير : آخر:شعر : وٱعلم يقينا أن مُلْكك زائلٌ وٱعلم بأن كما تَدين تُدانُ تفسير : وحكى أهل اللغة: دِنْته بفعله دَيْناً (بفتح الدال) ودِيناً (بكسرها) جزيته؛ ومنه الدّيّان في صفة الرب تعالى أي المجازي؛ وفي الحديث: «حديث : الكيِّس من دان نفسه»تفسير : أي حاسب. وقيل: القضاء. روي عن ٱبن عباس أيضاً؛ ومنه قول طَرَفة:شعر : لَعَمْرُكَ ما كانت حمُولة مَعْبَدٍ على جُدّها حَرْباً لدِينكَ من مُضَرْ تفسير : ومعاني هذه الثلاثة متقاربة. والدِّين أيضاً: الطاعة؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم:شعر : وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ عَصينا المَلْكَ فيها أن ندِينا تفسير : فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي: الثانية والعشرون: قال ثعلب: دان الرجل إذا أطاع، ودان إذا عصى، ودان إذا عَزّ، ودان إذا ذلّ، ودان إذا قهر؛ فهو من الأضداد. ويطلق الدِّين على العادة والشأن، كما قال:شعر : كدِينك من أمّ الحُوَيْرِث قبلها تفسير : وقال المُثقِّب (يذكر ناقته):شعر : تقول إذا دَرَأتُ لها وضِيني أهذا دينُه أبداً ودِيني تفسير : والدِّين: سيرة الملك. قال زُهير:شعر : لئن حللتَ بجوّفي بني أسد في دِين عمرو وحالت بيننا فَدَكُ تفسير : أراد في موضع طاعة عمرو. والدِّين: الدّاء؛ عن اللّحياني. وأنشد:شعر : يا دِينَ قلبِك من سَلْمَى وقد دِينَا تفسير : الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنّ من أوّل السورة إلى ها هنا خبراً عن الله تعالى وثناءً عليه، كقوله: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]. ثم قال: «إنَّ هَذَا كَان لَكُمْ جَزَاءً». وعكسه: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22] على ما يأتي. و {نَعْبُدُ} معناه نطيع؛ والعبادة الطاعة والتذلل. وطريق مُعبَّد إذا كان مذلّلا للسالكين؛ قاله الهَرَوِيّ. ونُطقُ المكلّف به إقرارٌ بالربوبية وتحقيقٌ لعبادة الله تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نطلب العَوْن والتأييد والتوفيق. قال السُّلَمِيّ في حقائقه: سمعت محمد بن عبد اللَّه بن شاذان يقول: سمعت أبا حفص الفرغاني يقول: من أقرّ بـ «إياك نعبد وإياك نستعين» فقد برىء من الجَبْر والقَدَر. الرابعة والعشرون: إن قيل: لم قدّم المفعول على الفعل؟ قيل له: قدّم ٱهتماماً، وشأن العرب تقديم الأهم. يذكر أن أعرابياً سبّ آخر فأعرض المسبوبُ عنه؛ فقال له الساب: إياك أعْني: فقال له الآخر: وعنك أُعرض؛ فقدّما الأهم. وأيضاً لئلا يتقدّم ذكر العبد والعبادة على المعبود؛ فلا يجوز نعبدك ونستعينك، ولا نعبد إياك ونستعين إياك؛ فيقدّم الفعل على كناية المفعول، وإنما يتبع لفظ القرآن. وقال العَجّاج:شعر : إيّاك أدْعُو فتقّبل مَلَقِي وٱغفِر خطاياي وكثّر ورقي تفسير : ويروى: وثَمِّر. وأمّا قول الشاعر:شعر : إليكَ حتى بَلَغَتْ إيّاكا تفسير : فشاذٌ لا يقاس عليه. والورِق بكسر الرّاء من الدراهم، وبفتحها المال. وكرر الاسم لئلا يتوهّم إياك نعبد ونستعين غيرك. الخامسة والعشرون: الجمهور من القرّاء والعلماء على شدّ الياء من «إياك» في الموضعين. وقرأ عمرو بن فائد: «إيَاك» بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها. وهذه قراءة مرغوب عنها، فإن المعنى يصير: شمسَك نعبد أو ضوءك؛ وإيَاةُ الشمس (بكسر الهمزة): ضوءها؛ وقد تُفتح. وقال:شعر : سَقَتْهُ إيَاةُ الشّمس إلا لِثاتِه أُسِفَّ فلم تَكْدِم عليه بإثمد تفسير : فإن أسقطت الهاء مددت. ويقال: الإياة للشمس كالهالة للقمر، وهي الدّارة حولها. وقرأ الفضل الرّقاشيّ: «أياك» (بفتح الهمزة) وهي لغة مشهورة. وقرأ أبو السَّوّار الغَنَوِي: «هياك» في الموضعين، وهي لغة؛ قال:شعر : فهِيّاكَ والأمر الذي إن توسّعتْ موارده ضاقت عليك مصادره تفسير : السادسة والعشرون: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. عطف جملة على جملة. وقرأ يحيى بن وَثَّاب والأعمش: «نِستعين» بكسر النون، وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة، ليدل على أنه من ٱستعان، فكُسرت النون كما تُكسر ألف الوصل. وأصل «نستعين» نستعوِن، قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء، والمصدر ٱستعانة، والأصل ٱستعوان؛ قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة، وقيل الأولى لأن الثانية للمعنى، ولزمت الهاء عِوَضاً. السابعة والعشرون: قوله تعالى:{ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب؛ والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقُرْبك. قال بعض العلماء: فجعل الله جلّ وعزّ عظم الدعاء وجملته موضوعاً في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به (الداعي) لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به؛ وفي الحديث: «حديث : ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»تفسير : . وقيل المعنى: أرشدنا باستعمال السُّنن في أداء فرائضك؛ وقيل: الأصل فيه الإمالة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] أي مِلْنا؛ وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين ٱثنين، أي يتمايل. ومنه الهدية؛ لأنها تمال من مِلك إلى مِلك. ومنه الهَدْيُ للحيوان الذي يساق إلى الحَرَم؛ فالمعنى مِل بقلوبنا إلى الحق. وقال الفُضيل بن عِيَاض: «الصراط المستقيم» طريق الحج، وهذا خاص والعموم أولى. قال محمد بن الحنفية في قوله عزّ وجل: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عاصم الأحْوَل عن أبي العالية: {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قال عاصم فقلت للحسن: إن أبا العالية يقول: «الصراط المستقيم» رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه، قال: صدق ونصح. الثامنة والعشرون: أصل الصراط في كلام العرب الطريق؛ قال عامر بن الطُّفيل:شعر : شحنَّا أرْضَهم بالخَيْل حتى تركناهم أَذلّ مِن الصّراط تفسير : وقال جَرير:شعر : أمير المؤمنين على صِراط إذا ٱعْوَج المواردُ مُستقيم تفسير : وقال آخر:شعر : فَصَدّ عنْ نَهْج الصِّراطِ الواضِح تفسير : وحكى النقاش: الصراط الطريق بلغة الروم؛ قال ٱبن عطية: وهذا ضعيف جدّاً. وقُرىء: السراط (بالسين) من الاستراط بمعنى الابتلاع؛ كأن الطريق يسترط مَن يسلكه. وقرىء بين الزاي والصاد. وقرىء بزاي خالصة والسين الأصل. وحكى سَلَمَة عن الفرّاء قال: الزراط بإخلاص الزاي لغة لعُذْرة وكَلْب وبنى الْقَيْن، قال: وهؤلاء يقولون (في أصدق): أزدق. وقد قالوا: الأَزْد والأَسْد، ولسق به ولصق به. و «الصِّراط» نصب على المفعول الثاني؛ لأن الفعل من الهداية يتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف جر؛ قال الله تعالى: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 23]. وبغير حرف كما في هذه الآية. «المستقيم» صفة لـ «ـلصراط»، وهو الذي لا ٱعوجاج فيه ولا ٱنحراف؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 153] وأصله مُستقْوِم، نقلت الحركة إلى القاف وٱنقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. التاسعة والعشرون: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. صراط بدل من الأوّل بدل الشيء من الشيء؛ كقولك: جاءني زيد أبوك. ومعناه: أدِم هدايتنا، فإن الإنسان قد يُهدَى إلى الطريق ثم يُقطع به. وقيل: هو صراط آخر، ومعناه العلم بالله جلّ وعزّ والفهم عنه؛ قاله جعفر بن محمد. ولغة القرآن «الَّذِين» في الرفع والنصب والجر؛ وهُذَيل تقول: اللّذُون في الرفع، ومن العرب من يقول: اللذو، ومنهم من يقول: الذي؛ وسيأتي. وفي «عليهم» عشر لغات؛ قرىء بعامتها: «عليهُمْ» بضم الهاء وإسكان الميم. «وعليهِم» بكسر الهاء وإسكان الميم. و «عليهِمِي» بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة. و «عليهِمُو» بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة. و «عليهُمُو» بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم. و «عليهُمُ» بضم الهاء والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القرّاء. وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القرّاء: «عليهُمِي» بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم؛ حكاها الأخفش البصري عن العرب. و «عليهُمِ» بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء. و «عليهِمُ» بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و «عليهِمِ» بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلها صواب؛ قاله ٱبن الأنباري. الموفية الثلاثين: قرأ عمر بن الخطاب وٱبن الزبير رضي الله عنهما «صراط مَن أنعمت عليهم». وٱختلف الناس في المُنْعَم عليهم؛ فقال الجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. وٱنتزعوا ذلك من قوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد؛ وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان. الحادية والثلاثون: في هذه الآية ردّ على القَدَرية والمعتزلة والإمامية، لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصيةً؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه؛ وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم؛ فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة؛ وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه؛ وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألاّ يُضلّهم، وكذلك يدعون فيقولون: {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} تفسير : [آل عمران: 8] الآية. الثانية والثلاثون: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. ٱختلف في «المغضوب عليهم» و «الضالين» من هم؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسراً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث عَدِي بن حاتم. وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في جامعه. وشهد لهذا التفسير أيضاً قوله سبحانه في اليهود: {أية : وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 112] وقال: {أية : وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الفتح: 6] وقال في النصارى: {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 77]. وقيل: «المغضوب عليهم» المشركون. و «الضالين» المنافقون. وقيل: «المغضوب عليهم» هو مَن أسقط فرض هذه السورة في الصلاة؛ و «الضالين» عن بركة قراءتها. حكاه السُّلَمِيّ في حقائقه والماوردي في تفسيره؛ وليس بشيء. قال الماوردي: وهذا وجه مردود؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وٱنتشر فيه الخلاف، لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. وقيل: «المغضوب عليهم» بٱتباع البدع؛ و «الضالين» عن سنن الهدى. قلت: وهذا حسن؛ وتفسير النبيّ صلى الله عليه وسلم أوْلَى وأعلى وأحسن. و «عليهم» في موضع رفع، لأن المعنى غضب عليهم. والغضب في اللغة الشدّة. ورجل غضوب أي شديد الخُلُق. والغَضُوب: الحية الخبيثة لشدّتها. والغَضْبَة: الدَّرَقَة من جلد البعير يُطوى بعضها على بعض؛ سُمِّيت بذلك لشدّتها. ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته؛ أو نفس العقوبة، ومنه الحديث: «حديث : إن الصدقة لتطفىء غضب الرب»تفسير : فهو صفة فعل. الثالثة والثلاثون: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنَن القصد وطريق الحق؛ ضل اللبن في الماء أي غاب. ومنه: «أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْض» أي غبنا بالموت وصرنا تراباً؛ قال:شعر : ألم تَسْألْ فَتُخْبِرَك الدِّيارُ عن الحَيِّ المُضَلَّل أَيْنَ ساروا تفسير : والضُّلَضِلَة: حجر أملس يردّده الماء في الوادي. وكذلك الغضبة: صخرة في الجبل مخالفةٌ لونَه، قال: أَوْ غَضْبَة في هَضْبَةٍ ما أمْنَعا. الرابعة والثلاثون: قرأ عمر بن الخطاب وأَبَيّ بن كعب «غير المغضوب عليهم وغير الضالين» وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين؛ فالخفض على البدل من «الذين» أو من الهاء والميم في «عليهم»؛ أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف، إلا أنّ الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام؛ فالكلام بمنزلة قولك: إني لأمُرّ بمثلك فأكرمه؛ أو لأن «غير» تعرّفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما، كما تقول: الحيّ غير الميت، والساكن غير المتحرّك، والقائم غير القاعد، قولان: الأوّل للفارسيّ، والثاني للزمخشريّ. والنصب في الراء على وجهين: على الحال من الذين، أو من الهاء والميم في عليهم، كأنك قلت: أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم. أو على الاستثناء، كأنك قلت: إلا المغضوب عليهم. ويجوز النصب بأعني؛ وحُكي عن الخليل. الخامسة والثلاثون: «لا» في قوله «ولا الضالين» ٱختلف فيها، فقيل هي زائدة؛ قاله الطبريّ. ومنه قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}تفسير : [الأعراف: 12]. وقيل: هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين، حكاه مكيّ والمهدويّ. وقال الكوفيون: «لا» بمعنى غير، وهي قراءة عمر وأُبَيّ؛ وقد تقدّم. السادسة والثلاثون: الأصل في «الضالين»: الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فٱجتمع ساكنان مَدّة الألف واللام المدغمة. وقرأ أيوب السختيانيّ: «ولا الضألين» بهمزة غير ممدودة؛ كأنه فرّ من التقاء الساكنين وهي لغة. حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عُبيد يقرأ: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب: دأبّة وشأبّة. قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كُثَيّر:شعر : إذا ما العَوَالي بالعبيط احمأرّت تفسير : نجز تفسير سورة الحمد، ولله الحمد والمنة.
البيضاوي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} من الفاتحة، ومن كل سورة، وعليه قرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك رحمه الله تعالى والشافعي. وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها ومالك والأوزاعي، ولم ينص أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيه بشيء فظن أنها ليست من السورة عنده. وسئل محمد بن الحسن عنها فقال: ما بين الدفتين كلام الله تعالى. ولنا أحاديث كثيرة: منها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : فاتحة الكتاب سبع آيات، أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم»تفسير : وقول أم سلمة رضي الله عنها «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين» آية ومن أجلهما اختلف في أنها آية برأسها أم بما بعدها، والإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله سبحانه وتعالى، والوفاق على إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن حتى لم تكتب آمين. والباء متعلقة بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه مقروء. وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له، وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه ويدل عليه. أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه، وتقديم المعمول ههنا أوقع كما في قوله: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا }تفسير : [هود: 41] وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } لأنه أهم وأدل على الاختصاص، وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه سبحانه وتعالى مقدم على القراءة، كيف لا وقد جعل آلة لها من حيث إن الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعاً ما لم يصدر باسمه تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»تفسير : وقيل الباء للمصاحبة، والمعنى متبركاً باسم الله تعالى اقرأ، وهذه وما بعده إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا كيف يتبرك باسمه، ويحمد على نعمه، ويُسأل من فضله، وإنما كسرت ومن حق الحروف المفردة أن تفتح، لاختصاصها باللزوم الحرفية والجر، كما كسرت لام الأمر ولام الإضافة داخلة على المظهر للفصل بينهما وبين لام الابتداء، والاسم عند أصحابنا البصريين من الأسماء التي حذفت أعجازها لكثرة الاستعمال، وبنيت أوائلها على السكون، وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل، لأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن. ويشهد له تصريفه على أسماء وأسامي وسمى وسميت ومجيء سمي كهدى لغة فيه قال:شعر : والله أسماك سمىً مُباركاً آثرك الله بهِ إيَثَاركا تفسير : والقلب بعيد غير مطرد، واشتقاقه من السمو لأنه رفعة للمسمى وشعار له. ومن السمة عند الكوفيين، وأصله وسم حذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليقل إعلاله. ورد بأن الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم، ومن لغاته سم وسم قال:شعر : بِسْمِ الذي في كُلِّ سُورةٍ سِمُهْ تفسير : والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى، لأنه يتألف من أصوات متقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى. والمسمى لا يكون كذلك، وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى وقوله تعالى: {أية : تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبّكَ }تفسير : [الرحمن: 78] و {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } تفسير : [الأعلى: 1] المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ذاته سبحانه وتعالى وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر:شعر : إلى الحولِ ثُم اسمُ السلامِ عليكُما تفسير : وإن أريد به الصفة، كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري، انقسم انقسام الصفة عنده: إلى ما هو نفس المسمى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره. وإنما قال بسم الله ولم يقل بالله، لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه. أو للفرق بين اليمين والتيمن. ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط لكثرة الاستعمال وطولت الباء عوضاً عنها. والله أصله إله، فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام ولذلك قيل: يا الله، بالقطع إلا أنه مختص بالمعبود بالحق. والإله في الأصل لكل معبود، ثم غلب على المعبود بالحق. واشتقاقه من أله ألهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد، ومنه تأله واستأله، وقيل من أله إذا تحير لأن العقول تتحير في معرفته. أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه، لأن القلوب تطمئن بذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته. أو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه، وآلهة غيره أجاره إذ العائذ يفزع إليه وهو يجيره حقيقة أو بزعمه. أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه، إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد. أو من وله إذا تحير وتخبط عقله، وكان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه، فقيل إله كإعاء وإشاح، ويرده الجمع على آلهة دون أولهة. وقيل أصله لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها، إذا احتجب وارتفع لأنه سبحانه وتعالى محجوب عن إدراك الأبصار، ومرتفع على كل شيء وعما لا يليق به ويشهد له قول الشاعر:شعر : كحِلفةٍ من أبي رباحٍ يُشهِدْهَا لاهَهْ الكِبَارُ تفسير : وقيل علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به، ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه، ولأنه لو كان وصفاً لم يكن قول: لا إله إلا الله، توحيداً مثل: لا إله إلا الرحمن، فإنه لا يمنع الشركة، والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل: الثريا والصعق أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه، وامتناع الوصف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه، لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر، فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ، ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد ظاهر قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الأنعام: 3] معنى صحيحاً، ولأن معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب، وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة، وقيل أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة، وإدخال اللام عليه، وتفخيم لامه إذا انفتح ما قبله أو انضم سنة، وقيل مطلقاً، وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة، ولا ينعقد به صريح اليمين، وقد جاء لضرورة الشعر:شعر : ألاَ لا باركَ الله في سُهيلٍ إذا ما الله باركَ في الرِّجالِ تفسير : و{ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة: رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرَّحِم لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون انفعالات. و {ٱلرَّحْمَـٰنُ } أبلغ من {ٱلرَّحِيمِ }، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قَطَّعَ وقَطَعَ وكَبَّار وكِبَار، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتبار الكيفية، فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة، وإنما قدم والقياس يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى، لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة الجنسية أو حب المال عن القلب، ثم إنه كالواسطة في ذلك لأن ذات النعم ووجودها، والقدرة على إيصالها، والداعية الباعثة عليه، والتمكن من الانتفاع بها، والقوى التي بها يحصل الانتفاع، إلى غير ذلك من خلقه لا يقدر عليها أحد غيره. أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأوصلها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمة والرديف له. أو للمحافظة على رؤوس الآي. والأظهر أنه غير مصروف وإن حظر اختصاصه بالله تعالى أن يكون له مؤنث على فعلى أو فعلانة إلحاقاً له بما هو الغالب في بابه. وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور، هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجه بشَرَاشِرِِهِ إلى جناب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق، ويشغل سره بذكره والاستعداد به عن غيره.
ابن كثير
تفسير : سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع بسم الله الرحمن الرحيم يقال لها الفاتحة، أي: فاتحة الكتاب خطاً، وبها تفتتح القراءة في الصلوات، ويقال لها أيضاً: أم الكتاب، عند الجمهور، ذكره أنس، والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك، قال الحسن وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ، وقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب، ولذا كرها أيضاً أن يقال لها: أم القرآن. وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم»تفسير : ويقال لها: (الحمد) ويقال لها: (الصلاة) لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه: «حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي»تفسير : ... الحديثَ. فسميت الفاتحة صلاة؛ لأنها شرط فيها. ويقال لها: (الشفاء) لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعاً: «حديث : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم»تفسير : ويقال لها: (الرقية) لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وما يدريك أنها رقية»تفسير : ؟ وروى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها (أساس القرآن) قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم. وسماها سفيان بن عيينة (بالواقية) وسماها يحيى بن أبي كثير (الكافية) لأنها تكفي عما عداها، ولا يكفي ما سواها عنها؛ كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة: «حديث : أم القرآن عوض من غيرها، وليس من غيرها عوض منها» تفسير : ويقال لها: سورة الصلاة، والكنز، ذكرهما الزمخشري في كشافه. وهي مكية، قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية، وقيل: مدنية، قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري. ويقال: نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، والأول أشبه لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي}تفسير : [الحجر: 87] والله تعالى أعلم. وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة، وهو غريب جداً، نقله القرطبي عنه. وهي سبع آيات بلا خلاف، وقال عمرو بن عبيد: ثمان، وقال حسين الجعفي: ست، وهذان القولان شاذان، وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها؛ كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف، أو بعض آية، أو لا تعد من أولها بالكلية؛ كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء، على ثلاثة أقوال؛ كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفاً. قال البخاري في أول كتاب التفسير: وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير: والعرب تسمي كل جامع أمر أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع: أمّاً، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: أم الرأس، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها: أمّاً، واستشهد بقول ذي الرمة:شعر : على رأسِهِ أُمٌّ لنا نَقْتَدي بها جماعُ أُمورٍ ليسَ نَعْصي لها أَمْراً تفسير : - يعني الرمح - قال: وسميت مكة أم القرى؛ لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها. وقيل: لأن الأرض دحيت منها. ويقال لها أيضاً: الفاتحة؛ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام. وصح تسميتها بالسبع المثاني، قالوا: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة؛ وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم القرآن: «حديث : هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم»تفسير : ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني»تفسير : وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد حدثنا محمد بن غالب بن حارث، حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدثنا المعافى بن عمران عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب، وفاتحة الكتاب»تفسير : وقد رواه الدارقطني أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه، أو مثله، وقال: كلهم ثقات، وروى البيهقي عن علي وابن عباس أنهم فسروا قوله تعالى: {أية : سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي}تفسير : [الحجر: 87] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها، وسيأتي تمام هذا عند البسملة. وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال: قيل لابن مسعود: لمَ لم تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة، قال أبو بكر بن أبي داود: يعني حيث يقرأ في الصلاة، قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها. وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة، وقيل: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} تفسير : [المدثر: 1] كما في حديث جابر في الصحيح وقيل{أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1] وهذا هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه والله المستعان. ذكر ما ورد في فضل الفاتحة قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: حديث : كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت، قال: فأتيته فقال: مامنعك أن تأتيني؟ قال قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، قال: نعم {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته»تفسير : وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي بن المديني، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به، ورواه في موضع آخر من التفسير، وأبو داوود والنسائي وابن ماجه من طرق عن شعبة به، ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب، فذكر نحوه. وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ما ينبغي التنبيه عليه، فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أن أبا سعيد مولى ابن عامر بن كريز أخبرهم حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها قال أُبي رضي الله عنه: فجعلت أبطىء في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت عليه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت»تفسير : فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أُبي بن كعب، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم والله أعلم. على أنه قد روي عن أُبي بن كعب من غير وجه كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب، وهو يصلي، فقال: يا أبيّ فالتفت، ثم لم يجبه، ثم قال: أبيّ فخفف أبي، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك أي رسول الله قال: وعليك السلام، ما منعك أي أبي إذ دعوتك أن تجيبني؟ فقال: أي رسول الله إني كنت في الصلاة، قال: أولست تجد فيما أوحى الله تعالى إلي {;سْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]؟ قال: بلى يا رسول الله لا أعود، قال: أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل لا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؟ قلت: نعم أي رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن لا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني، وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال: ما تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأت عليه أم القرآن، قال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني»تفسير : . ورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكره، وعنده: «حديث : أنها من السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته»تفسير : .ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أنس بن مالك، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم بن معمر عن أبى أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب، فذكره مطولاً بنحوه أو قريباً منه. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن أبي عمار حسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين»تفسير : . هذا لفظ النسائي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا هاشم، يعني ابن البريد، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا خلفه، حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيباً حزيناً، فخرج عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تطهر، فقال: «حديث : عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله ثم قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخْيَر سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: اقرأ: الحمد لله رب العالمين حتى تختمها»تفسير : هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا يحتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا هو الصحابي، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي والله أعلم، ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض؛ كما هو المحكي عن كثير من العلماء، منهم إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن العربي وابن الحفار من المالكية، وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلاً، نقله القرطبي عن الأشعري وأبي بكر الباقلاني وأبي حاتم بن حبان البستي، وأبي حيان، ويحيى بن يحيى ورواية عن الإمام مالك أيضاً. حديث آخر، قال البخاري في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن المثنى، حديث : حدثنا وهب حدثنا هشام عن محمد عن معبد عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غُيَّبٌ، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبناً. فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ فقال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي ونسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم»تفسير : وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا هشام، حدثنا محمد بن سيرين حدثني معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري بهذا، وهكذا رواه مسلم وأبو داود من رواية هشام وهو ابن حسان عن ابن سيرين به، وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم، يعني اللديغ، ويسمونه بذلك تفاؤلاً. (حديث آخر): روى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم عن عمار بن زريق عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبرائيل، إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيتهتفسير : ، وهذا لفظ النسائي. ولمسلم نحوه حديث آخر، قال مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هو ابن راهويه حدثنا سفيان ابن عيينة عن العلاء، يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثاً - غير تمام فقيل لأبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قال الله: أثنىٰ عليّ عبدي، فإذا قال {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} قال الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»تفسير : . وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وقد روياه أيضاً عن قتيبة عن مالك عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة، وفي هذا السياق: «حديث : فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل»تفسير : . وهكذا رواه ابن إسحاق عن العلاء. وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا. ورواه أيضاً من حديث ابن أبي أويس عن العلاء عن أبيه وأبي السائب، كلاهما عن أبي هريرة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وسألت أبا زرعة عنه، فقال: كلا الحديثين صحيح، من قال: عن العلاء عن أبيه، وعن العلاء عن أبي السائب. وقد روى هذا الحديث عبد الله بن الإمام أحمد من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب مطولاً. وقال ابن جرير: حدثنا صالح ابن مسمار المروزي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عنبسة بن سعيد عن مطرف بن طريف عن سعد بن إسحاق عن كعب بن عجرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل، فإذا قال العبد: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: حمدني عبدي، وإذا قال: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قال: أثنى عليّ عبدي، ثم قال: هذا لي وله ما بقي»تفسير : ، وهذا غريب من هذا الوجه. الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه (أحدها) أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 110] أي: بقراءتك؛ كما جاء مصرحاً به في الصحيح عن ابن عباس، وهكذا قال في هذا الحديث: «حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» تفسير : ثم بين تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها؛ إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة، والمراد به الصلاة في قوله: {أية : وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}تفسير : [الإسراء: 78] والمراد صلاة الفجر؛ كما جاء مصرحاً به في الصحيحين: «أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار» فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني، وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب، أم تجزىء هي أو غيرها؟ على قولين مشهورين، فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم، أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : إذا قمت إلى الصلاة، فكبر ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن»تفسير : قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلنا. (والقول الثاني) أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزىء الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة؛ مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: «حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»تفسير : والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث «حديث : غير تمام»تفسير : ، واحتجوا أيضاً بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» تفسير : وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن»تفسير : والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة ههنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك رحمهم الله. ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات. وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذاً بمطلق الحديث: «حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»تفسير : وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه؛ لقوله تعالى:{أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ}تفسير : [المزمل: 20] والله أعلم. وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً: «حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة، في فريضة أو غيرها»تفسير : وفي صحة هذا نظر، وموضع تحرير هذا كله في كتاب (الأحكام الكبير) والله أعلم. (والوجه الثالث) هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء (أحدها) أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه؛ لعموم الأحاديث المتقدمة (والثاني) لا تجب على المأموم قراءة بالكلية، لا الفاتحة ولا غيرها، ولا في صلاة الجهرية ولا في صلاة السرية؛ لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»تفسير : ولكن في إسناده ضعف. ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. (والقول الثالث) أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا يجب ذلك في الجهرية؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»تفسير : وذكر بقية الحديث، وهكذا رواه أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : وإذا قرأ فأنصتوا»تفسير : وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضاً، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله والله أعلم، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. والغرض من ذكر هذه المسائل ههنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، فقد أمنت من كل شيء إلا الموت»تفسير : تفسير الاستعاذة وأحكامها قال الله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 199 - 200] وقال تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } تفسير : [المؤمنون: 96 ـ 98] وقال تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ}تفسير : [فصلت: 34 - 36] فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه؛ ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم؛ لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل؛ كما قال تعالى: {أية : يَـٰبَنِىۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف: 27] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 6] وقال: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً}تفسير : [الكهف: 50] وقد أقسم للوالد آدم عليه السلام أنه له لمن الناصحين، وكذب، فكيف معاملته لنا وقد قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ }تفسير : [النحل: 98 ـ 100]. قالت طائفة من القراء وغيرهم: يتعوذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما نقله عنه ابن قلوقا وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جنادة الهذلي المغربي في كتاب العبادة (الكامل)، وروي عن أبي هريرة أيضاً، وهو غريب، ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري. وحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي عن المجموعة عن مالك رحمه الله: أن القارىء يتعوذ بعد الفاتحة، واستغربه ابن العربي. وحكى قولاً ثالثاً، وهو الاستعاذة أولاً وآخراً جمعاً بين الدليلين، نقله الرازي. والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة؛ لدفع الموسوس عنها، ومعنى الآية عندهم {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ}تفسير : [النحل: 98] أي إذا أردت القراءة؛ كقوله تعالى {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}تفسير : [المائدة: 6] الآية: أي إذا أردتم القيام، والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس حدثنا جعفر بن سليمان عن علي بن علي الرفاعي اليشكري عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: «حديث : سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»تفسير : وقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان عن علي بن علي، وهو الرفاعي، وقال الترمذي: هو أشهر شيء في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة، وهي الخنق، والنفخ بالكبر، والنفث بالشعر، كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن نافع ابن جبير بن مطعم عن أبيه قال: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة قال: الله أكبر كبيراً، ثلاثاً، الحمد لله كثيراً، ثلاثاً، سبحان الله بكرة وأصيلاً، ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»تفسير : قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر، وقال ابن ماجه: حدثنا علي بن المنذر حدثنا ابن فضيل حدثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه»تفسير : قال: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر، وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك عن يعلى بن عطاء عن رجل حدثه أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثاً، ثم قال: «حديث : لا إله إلا الله، ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده، ثلاث مرات»تفسير : ثم قال: «حديث : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن يزيد بن زياد عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: حديث : تلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فتمزع أنف أحدهما غضباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم شيئاً لو قاله لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»تفسير : وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن يوسف بن عيسى المروزي عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، به، وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل عن أبي سعيد عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة عن بندار عن ابن مهدي عن الثوري والنسائي أيضاً من حديث زائدة بن قدامة، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: حديث : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فغضب أحدهما غضباً شديداً حتى يخيل إليّ أن أحدهما يتمزع أنفه من شدة غضبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب فقال: ما هي يا رسول الله؟ قال: يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم قال: فجعل معاذ يأمره فأبى، وجعل يزداد غضباً"تفسير : . وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل؛ فإنه مات قبل سنة عشرين (قلت): وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب كما تقدم، وبلغه عن معاذ بن جبل؛ فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم. قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن عدي بن ثابت قال: قال سليمان بن صرد رضي الله عنه:حديث : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضباً، قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لست بمجنونتفسير : . وقد رواه أيضاً مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش به. وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها ههنا، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال والله أعلم. وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالاستعاذة؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: «يا محمد استعذ» قال: «حديث : أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»تفسير : ثم قال: «قل: بسم الله الرحمن الرحيم» ثم قال:{أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}تفسير : [العلق: 1] قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان جبريل. وهذا الأثر غريب وإنما ذكرناه ليعرف فإن في إسناده ضعفاً وانقطاعاً والله أعلم. (مسألة) وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة، قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب. واحتج الرازي لعطاء بظاهر الآية {فَٱسْتَعِذْ} وهو أمر ظاهره الوجوب، وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ولأنها تدرأ شر الشيطان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب. وقال بعضهم: كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ لقيام رمضان في أول ليلة منه. (مسألة) وقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوذ وإن أسر فلا يضر وقال في الأم بالتخيير؛ لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها على قولين ورجح عدم الاستحباب، والله أعلم فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة، وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون بل يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، قاله الثوري والأوزاعي وحكي عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لمطابقة أمر الآية ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور، والأحاديث الصحيحة كما تقدم أولى بالاتباع من هذا والله أعلم. (مسألة) ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة، فعلى هذا يتعوذ المأموم، وإن كان لا يقرأ، ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد، والجمهور بعدها قبل القراءة، ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له، وهو لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني. وقال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً}تفسير : [الإسراء: 65] وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهر البشري كان شهيداً، ومن قتله العدو الباطني كان طريداً، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجوراً، ومن قهره العدو الباطني كان مفتوناً أو موزوراً، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان. (فصل) والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير؛ كما قال المتنبي:شعر : يا مَنْ ألوذُ به فيما أؤملُهُ ومَنْ أعوذُ به مِمَّنْ أحاذرُهُ لا يَجْبُرُ الناسُ عَظْماً أنتَ كاسِرُهُ ولا يَهيضُونَ عَظْماً أنتَ جابِرُهُ تفسير : ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه؛ ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه. وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة: قوله في الأعراف: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ}تفسير : [الأعراف: 199] فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال:{أية : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 200] وقال تعالى في سورة (قد أفلح المؤمنون): {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ }تفسير : [المؤمنون: 96 ـ 98] وقال تعالى في سورة حم السجدة: {أية : وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [فصلت: 34 ـ 36]. الشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير. وقيل: مشتق من شاط؛ لأنه مخلوق من نار. ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان عليه السلام:شعر : أيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ثُمَّ يُلْقى في السجْنِ والأَغْلالِ تفسير : فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط. وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر ابن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان:شعر : نَأَتْ بسعاد عنك نَوًى شَطونُ فبانَتْ والفؤادُ بِها رهينُ تفسير : يقول: بعدت بها طريق بعيد. وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل فعل الشياطين، ولو كان من شاط لقالوا: تشيط، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح، ولهذا يسمون كل من تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطاناً، قال الله تعالى:{أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112] وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن فقلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود فقلت: يا رسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: الكلب الأسود شيطان»تفسير : وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب برذوناً، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي، إسناده صحيح. والرجيم فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَـٰطِينِ}تفسير : [الملك: 5] وقال تعالى: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَٰكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : [الصافات: 6 ـ 10] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } تفسير : [الحجر: 16 ـ 18] إلى غير ذلك من الآيات. وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس، والربائث، والأول أشهر وأصح. [{بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}] افتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من أول كل سورة كتبت في أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما كتبت للفصل، لا أنها آية؟ على أقوال للعلماء سلفاً وخلفاً، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضاً، وروي مرسلاً عن سعيد بن جبير. وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة، وعدها آية، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي ـ وفيه ضعف ـ عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها، وروى له الدارقطني متابعاً عن أبي هريرة مرفوعاً، وروي مثله عن علي وابن عباس وغيرهما، وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي، ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمهم الله. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: ليست هي آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور. وقال الشافعي في قول في بعض طرق مذهبه: هي آية من الفاتحة، وليست من غيرها. وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة، وهما غريبان. وقال داود: هي آية مستقلة في أول كل سورة، لا منها، وهذا رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله. هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم لا. فأما الجهر بها، فمفرع على هذا، فمن رأى أنها ليست من الفاتحة، فلا يجهر بها. وكذا من قال: إنها آية من أولها، وأما من قال بأنها من أوائل السور، فاختلفوا، فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفاً وخلفاً، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومعاوية، وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عمر وعلي، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو غريب، ومن التابعين عن سعيد بن جبير وعكرمة وأبي قلابة والزهري وعلي بن الحُسين وابنه محمد وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وسالم ومحمد بن كعب القرظي وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبي وائل وابن سيرين ومحمد بن المنكدر وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وعمر بن عبد العزيز والأزرق بن قيس وحبيب بن أبي ثابت وأبي الشعثاء ومكحول وعبد الله بن معقل بن مقرن، زاد البيهقي: وعبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية، زاد ابن عبد البر، وعمرو بن دينار، والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها. وأيضاً فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم. وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال الترمذي: وليس إسناده بذاك. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: صحيح. وفي صحيح البخاري: عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت قراءته مدّاً، ثم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} وقال الدارقطني: إسناده صحيح. وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي والحاكم في مستدركه عن أنس أن معاوية صلى بالمدينة، فترك البسملة، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرة الثانية بسمل. وفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأما المعارضات والروايات الغريبة وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر. وذهب آخرون أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مغفل، وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية، لا جهراً ولا سراً، واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين. وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، ولمسلم: ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها، ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. فهذه مآخذ الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة، وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر، ولله الحمد والمنة. فصل في فضلها قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله في تفسيره: حدثنا أبي حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني حدثنا سلام بن وهب الجندي حدثنا أبي عن طاوس عن ابن عباس حديث : أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}؟ فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب"تفسير : وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه عن سليمان بن أحمد عن علي بن المبارك عن زيد بن المبارك به، وقد روى الحافظ بن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن عيسى بن مريم عليه السلام أسلمته أمه إلى الكتّاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: بسم الله، قال له عيسى: وما بسم الله؟ قال المعلم، ما أدري، قال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة»تفسير : وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب زبرِيق عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل ابن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود ومسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره، وهذا غريب جداً، وقد يكون صحيحاً إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات والله أعلم. وقد روى جويبر عن الضحاك نحوه من قبله، وقد روى ابن مردويه من حديث يزيد بن خالد عن سليمان بن بريدة، وفي رواية: عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن دواد وغيري، وهي {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}»تفسير : وروي بإسناده عن عبد الكريم بن المعافى بن عمران عن أبيه عن عمر بن ذر عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: لما نزل {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه. وقال وكيع: عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فيجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد. ذكره ابن عطية والقرطبي، ووجهه ابن عطية، ونصره بحديث: «حديث : لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها»تفسير : لقول الرجل: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفاً، وغير ذلك. وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب»تفسير : هكذا وقع في رواية الإمام أحمد، وقد روى النسائي في اليوم والليلة وابن مردويه في تفيسره من حديث خالد الحذاء عن أبي تميمة، وهو الهجيمي، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه قال:حديث : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وقال: لا تقل هكذا؛ فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت، ولكن قل: بسم الله؛ فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة»تفسير : فهذا من تأثير بركة بسم الله، ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة؛ لما جاء: «حديث : كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم»تفسير : وتستحب البسملة عند دخول الخلاء؛ لما ورد من الحديث في ذلك، وتستحب في أول الوضوء؛ لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن من رواية أبي هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد مرفوعاً: «حديث : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»تفسير : وهو حديث حسن. ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا، ومنهم من قال بوجوبها مطلقاً. وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر، ومطلقاً في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وقد ذكر الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث منها: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أتيت أهلك فسم الله؛ فإنه إن وجد لك ولد، كتب بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات»تفسير : وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها، ولا غيرها، وهكذا تستحب عند الأكل؛ لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: «حديث : قل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»تفسير : ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه. وكذلك تستحب عند الجماع؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يقدر بينهما ولد، لم يضره الشيطان أبداً».تفسير : ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قوله: بسم الله، هل هو اسم أو فعل متقاربان، وكل قد ورد به القرآن، أما من قدره باسم تقديره بسم الله ابتدائي فلقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [هود: 41] ومن قدره بالفعل أمراً أو خبراً نحو أبدأ بسم الله، أو ابتدأت باسم الله، فلقوله تعالى:{ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] وكلاهما صحيح؛ فإن الفعل لا بد له من مصدر، فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله، إن كان قياماً أو قعوداً أو أكلاً أو شراباً أو قراءة أو وضوءاً أو صلاة، فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله تبركاً وتيمناً، واستعانة على الإتمام والتقبل والله أعلم. ولهذا روى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: «يا محمد قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» ثم قال: «قل: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قال: قال له جبريل: بسم الله، يا محمد يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى» لفظ ابن جرير. وأما مسألة الاسم، هل هو المسمى، أو غيره؟ ففيها للناس ثلاثة أقوال: أحدها أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال الرازي، وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري في مقدمات تفسيره: قالت الحشوية والكرامية والأشعرية: الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات، وهوعبث، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث، ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى، بأنه قد يكون الاسم موجوداً، والمسمى مفقوداً؛ كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة؛ كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحداً، والمسميات متعددة كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى، وأيضاً فالاسم لفظ، وهو عرض، والمسمى قد يكون ذاتاً ممكنة، أو واجبة بذاتها. وأيضاً فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى، لوجد اللافظ بذلك حر النار، أو برد الثلج، ونحو ذلك، ولا يقوله عاقل. وأيضاً فقد قال الله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف؛ 180] وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً»تفسير : فهذه أسماء كثيرة، والمسمى واحد، وهو الله تعالى. وأيضاً فقوله: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ}تفسير : [الأعراف: 180] أضافها إليه كما قال: {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ }تفسير : [الواقعة: 74] ونحو ذلك، فالإضافة تقتضي المغايرة. وقوله تعالى: {أية : فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 180] أي فادعوا الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره. واحتج من قال: الاسم هو المسمى، بقوله تعالى: {أية : تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 78] والمتبارك هو الله تعالى. والجواب أن الاسم معظم؛ لتعظيم الذات المقدسة. وأيضاً فإذا قال الرجل: زينب طالق، يعني امرأته، طلقت، ولو كان الاسم غير المسمى؛ لما وقع الطلاق. والجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي: وأما التسمية؛ فإنه جعل الاسم معيناً لهذه الذات، فهي غير الاسم أيضاً والله أعلم. (الله) علم على الرب تبارك وتعالى، يقال: إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات؛ كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }تفسير : [الحشر: 22 ـ 24] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 180] وقال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الإسراء: 110] وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة»تفسير : وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجه، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان، وقد ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم: ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ. وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى، ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له، وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيره، وروي عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: ياألله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة، لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام. وقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:شعر : لِلّهِ دَرُّ الغانِياتِ المدَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهي تفسير : فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله، من أله يأله إلاهة وتألهاً؛ كما روي عن ابن عباس أنه قرأ: (ويذرك وإلاهتك) قال: عبادتك، أي أنه كان يُعبد ولا يَعبد. وكذا قال مجاهد وغيره. وقد استدل بعضهم على كونه مشتقاً بقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 3] كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}تفسير : [الزخرف: 84] ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلاً من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس، أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة لاه، فدخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه. قال الشاعر: شعر : لاهِ ابنُ عَمكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَني ولا أنتَ دَيَّانِي فَتَخُزُونِي تفسير : قال القرطبي: بالخاء المعجمة أي: فتسوسني، وقال الكسائي والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة، وأدغموا اللام الأولى في الثانية؛ كما قال تعالى: {أية : لَّكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى} تفسير : [الكهف: 38] أي: لكن أنا، وقد قرأها كذلك الحسن، قال القرطبي: ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير، والوله ذهاب العقل. يقال: رجل واله، وامرأة ولهى ومولوهة، إذا أرسل في الصحراء، فالله تعالى يحير أولئك، في الفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون ولاه، فأبدلت الواو همزة؛ كما قالوا في وشاح: إِشاح، ووسادة: إِسادة. وقال الرازي: وقيل: إنه مشتق من ألهت إلى فلان، أي: سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال الله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28] قال: وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب. وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل: أولع بأمه. والمعنى أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال، قال: وقيل: مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به، فألهه، أي: أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} تفسير : [المؤمنون: 88] وهو المنعم؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 53] وهو المطعم؛ لقوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}تفسير : [الأنعام: 14] وهو الموجد؛ لقوله تعالى: {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 78] وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق ألبتة، قال: وهو قول الخليل وسيبويه، وأكثر الأصوليين والفقهاء، ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها: أنه لو كان مشتقاً لاشترك في معناه كثيرون، ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل أنه ليس بمشتق. قال: فأما قوله تعالى: {أية : ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [إبراهيم: 1] على قراءة الجر، فجعل ذلك من باب عطف البيان، ومنها قوله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65] وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر والله أعلم. وحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف كما قال، وقد حكى الرازي هذا القول، ثم قال: واعلم أن الخلائق قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة، فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم، وأما الواجدون، فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته، وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بفتح اللام وكسرها، لغتان. وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: إنه مشتق من أله الرجل: إذا تعبد، وتأله: إذا تنسك، وقرأ ابن عباس: (ويذرك وإلاهتك) وأصل ذلك الإله، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة، وفخمت تعظيماً، فقيل: الله. (الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك كما تقدم في الأثر عن عيسى عليه السلام أنه قال: والرحمن: رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة، وزعم بعضهم أنه غير مشتق، إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم، وقد قال: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43]. وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد أن الرحمن: اسم عبراني ليس بعربي. وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي، والرحمن عبراني؛ فلهذا جمع بينهما. قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه. وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما خرّجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«حديث : قال الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته»تفسير : قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن؛ لجهلهم بالله، وبما وجب له، قال القرطبي: ثم قيل: هما بمعنى واحد؛ كندمان ونديم، قاله أبو عبيد، وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل؛ فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان للرجل الممتلىء غضباً، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب: 43] وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي: أكثر رحمة، ثم حكي عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا: لعله أرفق؛ كما في الحديث «حديث : إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»تفسير : وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب؛ وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه»تفسير : وقال بعض الشعراء:شعر : اللّهُ يغضبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ وبنيّ آدمَ حينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر سمعت العزرمي يقول: {الرحمن الرحيم} قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم قال: بالمؤمنين، قالوا: ولهذا قال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 59] وقال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال:{أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43] فخصهم باسمه الرحيم. قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة؛ لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين، لكن جاء في الدعاء المأثور: رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما قال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110] وقال تعالى: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 45] ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشهر به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب. وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن؛ لأنه أكدّ به، والمؤكد لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد، والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد، وإنما هو من باب النعت، ولا يلزم فيه ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقدير اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره ووصفه أولاً بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره كما قال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110] وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة. وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره، قال: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128] كما وصف غيره بذلك من أسمائه كما قال تعالى {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً }تفسير : [الإنسان: 2] والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره؛ كاسم الله والرحمن والخالق والرازق، ونحو ذلك، فلهذا بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم، لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة، فهلا اكتفى به عن الرحيم، فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن، جيء بلفظ الرحيم؛ ليقطع الوهم بذلك، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء، ووجهه بذلك والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الإسراء: 110]. ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «حديث : اكتب {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}»تفسير : فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} تفسير : [الفرقان: 60] والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم؛ فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن، قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:شعر : ألا ضربَتْ تلك الفتاةُ هجينَها ألا قَضَبَ الرَّحْمٰنُ رَبي يَمِيْنَها تفسير : وقال سلامة بن جندب الطهوي:شعر : عَجِلْتُمْ عَلَيْنا إِذْ عَجِلْنا عَلَيْكُمُ وما يَشَإِ الرَّحْمٰنْ يُعْقَدْ ويُطْلَقِ تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: الرحمن: الفعلان، من الرحمة، هو من كلام العرب. وقال: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} الرفيق الرقيق لمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو الأشهب عن الحسن قال: الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به تبارك وتعالى. وقد جاء في حديث أم سلمة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته حرفاً حرفاً {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : فقرأ بعضهم كذلك، وهم طائفة، ومنهم من وصلها بقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. وكسرت الميم لالتقاء الساكنين، وهم الجمهور، وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة، فيقولون: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمـٰنِ الَّرحِيْمَ الحَمْدُ لِلَّهِ رب العَالَمِينَ} فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها، كما قُرىء قول الله تعالى: {أية : الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُو} تفسير : [آل عمران: 1 ـ 2] قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها من أنه تعالى مالك: لجميع الحمد من الخلق أو مستحق لأن يحمدوه و(الله) علم على المعبود بحق {رَبّ ٱلْعَٰلَمِينَ } أي مالك جميع الخلق من الإنس والجنّ والملائكة والدواب وغيرهم وكل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس وعالم الجنّ إلى غير ذلك. وغلب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم وهو من العلامة لأنه علامة على موجده.
الشوكاني
تفسير : اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك. وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل. وقد جزم قرّاء مكة، والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة. وخالفهم قّراء المدينة، والبصرة، والشام، فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، قالوا: وإنما كتبت للفصل والتبرّك. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بسم الله الرحمٰن الرحيم}. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية». وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي، وفيه ضعف، وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة. وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة. وقد أخرج النسائي في سننه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة: «أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»، وصححه الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وغيرهم. وروى أبو داود، والترمذي عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بـ {بسم الله الرحمن الرحيم} قال الترمذي: وليس إسناده بذلك. وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بـ {بسم الله الرحمٰن الرحيم}، ثم قال: صحيح. وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت قراءتُه مدّاً، ثم قرأ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمٰن، ويمدّ الرحيِّم. وأخرج أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته {بسم الله الرحمٰن الرحيِّم الحمد لله ربّ العالمين. الرحمٰن الرحيِّم. مالك يوم الدين} وقال الدارقطني: إسناده صحيح. واحتجّ من قال بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ {الحمد لله ربّ العالمين}. وفي الصحيحين عن أنس قال: «صليت خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ {الحمد لله ربّ العالمين}. ولمسلم لا يذكرون {بسم الله الرحمن الرحيم} في أول قراءة، ولا في آخرها. وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مُغَفّل. وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة. وأحاديث الترك، وإن كانت أصح، ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح، فالأخذ به أولى، ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني كونها قرآناً؛ والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. ولتنقيح البحث، والكلام على أطرافه استدلالاً، وردّاً، وتعقُّباً، ودفعاً، ورواية، ودراية موضعٌ غير هذا. ومتعلق "الباء" محذوف، وهو: أقرأ، أو أتلو؛ لأنه المناسب لما جعلت البسملة مبدأ له، فمن قَدَّره متقدماً كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل، ومن قدره متأخراً كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص، مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم، والإشارة إلى أن البداية به أهمّ، لكون التبرّك حصل به، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام، ولا يعارضه قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } تفسير : [العلق: 1] لأن ذلك المقام مقام القراءة، فكان الأمر بها أهمّ، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة. و"الباء" للاستعانة أو للمصاحبة، ورجح الثاني الزمخشري. واسم أصله: سمو، حذفت لامه، ولما كان من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوّله الهمزة إذا نطقوا به؛ لئلا يقع الابتداء بالساكن، وهو اللفظ الدَّالُّ على المسمَّى؛ ومن زعم أن الاسم هو: المسمى كما قاله أبو عبيدة، وسيبويه، والباقلاني، وابن فورك، وحكاه الرازي عن الحشوية والكَّرامية والأشعرية، فقد غلط غلطاً بيَّناً، وجاء بما لا يعقل، مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو: أصوات مقطعة، وحروف مؤلفة، غير المسمى الذي هو: مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة «حديث : إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»تفسير : ، وقال الله عزّ وجلّ: {أية : وَللَّهِ ٱلاسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] وقال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَى} تفسير : [الإسراء: 110] فله الأسماء الحسنى ــ. والله علم لذات الواجب الوجود لم يطلق على غيره، وأصله: إله حذفت الهمزة، وعُوّضت عنها أداة التعريف، فلزمت. وكان قبل الحذف من أسماء الأجناس، يقع على كل معبود بحق، أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كالنجم، والصعق، فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة، وبعده من الأعلام المختصة. {والرحمٰن الرحيم}: اسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة، ورحمٰن أشد مبالغة من رحيِّم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا، ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا. وقد تقررّ أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال ابن الأنباري، والزجّاج: إن الرحمٰن عَبْرَاني، والرحيِّم عربي. وخالفهما غيرهما. والرحمٰن من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عزّ وجل. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمٰن اليمامة، فقال في الكشاف: إنه باب من تعنتهم في كفرهم. قال أبو عليّ الفارسيّ: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو: في جهة المؤمنين، قال الله تعالى {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } تفسير : [الأحزاب: 43] وقد ورد في فضلها أحاديث. منها: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس، قال: استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن: {بسم الله الرحمٰن الرحيم}. وأخرج نحوه أبو عبيد، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضاً. وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان جبريلُ إذا جاءني بالوحي أوّلُ ما يلقي عليّ {بسم الله الرحمٰن الرحيم}.تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس؛ أن عثمان بن عفان سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن {بسم الله الرحمٰن الرحيم}، فقال: حديث : هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين، وبياضها من القرب».تفسير : وأخرج ابن جرير وابن عديّ في الكامل، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبي بسند ضعيف جداً عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّهُ إلى الكتاب لتعلِّمه، فقال له المعلم: اكتب {بسم الله الرحمٰن الرحيم}، فقال له عيسى: وما بسم الله الرحمٰن الرحيم؟ قال المعلم: لا أدري، فقال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمٰن رحمٰن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة» تفسير : وفي إسناده إسماعيل بن يحيـى، وهو: كذاب. وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات. وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر قال: لما نزلت {بسم الله الرحمٰن الرحيم} هرب الغَيْمُ إلى المشرق، وسكنت الريحُ، وهاج البحرُ، وأصغت البهائمُ بآذانها، ورُجِمَت الشياطينُ من السماء، وحلفَ اللهُ بعزته وجلاله ألا تُسَمَّى على شيء إلا بارك فيه. وأخرج أبو نعيم، والديلمي عن عائشة قالت: لما نزلت {بسم الله الرحمٰن الرحيم} ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويَّها فقالوا: سَحَرَ محمد الجبالَ، فبعث الله دخاناً حتى أظل على أهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} موقناً سبَّحت معه الجبالُ إلا أنه لا يُسْمَع ذلك منها»تفسير : . وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة»تفسير : . وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : {بسم الله الرحمن الرحيم} مفتاح كل كتاب»تفسير : . وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها، والكلام عنها بما يتبين بعد البحث إن شاء الله. وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة، قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل، وعند الجماع وغير ذلك.
الماوردي
تفسير : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) قوله عز وجل: {بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} أجمعوا أنها من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في إثباتها في فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة، فأثبتها الشافعي في طائفة، ونفاها أبو حنيفة في آخرين. واختُلِفَ في قوله: {بِسْمِ}: فذهب أبو عبيدة وطائفة إلى أنها صلة زائدة، وإنما هو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، واستشهدوا بقول لبيد: شعر : إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُما وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ تفسير : فذكر اسم السلام زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما. واختلف من قال بهذا في معنى زيادته على قولين: أحدهما: لإجلال ذكره وتعظيمه، ليقع الفرق به بين ذكره وذكر غيره من المخلوقين، وهذا قول قطرب. والثاني: ليخرج به من حكم القسم إلى قصد التبرُّك، وهذا قول الأخفش. وذهب الجمهور إلى أن "بسم" أصل مقصود، واختلفوا في معنى دخول الباء عليه، ـ فهل دخلت على معنى الأمر أو على معنى الخبر ـ على قولين: أحدهما: دخلت على معنى الأمر وتقديره: ابدؤوا بسم الله الرحمن الرحيم وهذا قول الفراء. والثاني: على معنى الإخبار وتقديره: بدأت بسم الله الرحمن الرحيم وهذا قولُ الزجَّاج. وحُذِفت ألف الوصل، بالإلصاق في اللفظ والخط، لكثرة الاستعمال كما حُذفت من الرحمن، ولم تحذف من الخط في قوله: {أية : إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ} تفسير : [العلق: آية1] لقلَّة استعماله. الاسم: كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ، والصفة كلمة تدل على الموصُوف دلالة إفادة، فإن جعلت الصفة اسماً، دلَّت على الأمرين: على الإشارة والإفادة. وزعم قوم أن الاسم ذاتُ المسمى، واللفظ هو التسمية دون الاسم، وهذا فاسد، لأنه لو كان أسماءُ الذواتِ هي الذواتُ، لكان أسماءُ الأفعال هي الأفعال، وهذا ممتنع في الأفعال فامتنع في الذوات. واختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين: أحدهما: أنه مشتق من السمة، وهي العلامة، لما في الاسم من تمييز المسمى، وهذا قول الفرَّاء. والثاني: أنه مشتق من السمو، وهي الرفعة لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه من غيره، وهذا قول الخليل والزجَّاج. وأنشد قول عمرو بن معدي كرب: شعر : إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْراً فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ وَصِلْهُ بِالدُّعَاءِ فَكُلُّ أَمْرٍ سَمَا لَكَ أَوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ تفسير : وتكلف من رَاعَى معاني الحروف ببسم الله تأويلاً، أجرى عليه أحكام الحروف المعنوية، حتى صار مقصوداً عند ذكر الله في كل تسمية، ولهم فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الباء بهاؤه وبركته، وبره وبصيرته، والسين سناؤه وسموُّه وسيادته، والميم مجده ومملكته ومَنُّه، وهذا قول الكلبي. والثاني: أن الباء بريء من الأولاد، والسين سميع الأصوات والميم مجيب الدعوات، وهذا قول سليمان بن يسار. والثالث: أن الباء بارئ الخلق، والسين ساتر العيوب، والميم المنان، وهذا قول أبي روق. ولو أن هذا الاستنباط يحكي عمَّن يُقْتدى به في علم التفسير لرغب عن ذكره، لخروجه عما اختص الله تعالى به من أسمائه، لكن قاله متبوع فذكرتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكياً، لا محققاً ليكون الكتاب جامعاً لما قيل. ويقال لمن قال "بسم الله" بَسْمَلَ على لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ، وقد جاءت في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا فَيَا حَبَّذا ذَاكَ الْحَبِيبُ المُبَسْمِلُ تفسير : فأما قوله: "الله"، فهو أخص أسمائه به، لأنه لم يتسَمَّ باسمه الذي هو "الله" غيره. والتأويل الثاني: أن معناه هل تعلم له شبيهاً، وهذا أعمُّ التأويلين، لأنه يتناول الاسم والفعل. وحُكي عن أبي حنيفة أنه الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، لأن غيره لا يشاركه فيه. واختلفوا في هذا الاسم هل هو اسم عَلَمٍ للذات أو اسم مُشْتَقٌّ من صفةٍ، على قولين: أحدهما: أنه اسم علم لذاته، غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يكن بُدٌّ من أن يختص باسم ذاتٍ، يكون علماً لتكون أسماء الصفات والنعوت تبعاً. والقول الثاني: أنه مشتق من أَلَهَ، صار باشتقاقه عند حذف همزِهِ، وتفخيم لفظه الله. واختلفوا فيما اشْتُقَ منه إله على قولين: أحدهما: أنه مشتق من الَولَه، لأن العباد يألهون إليه، أي يفزعون إليه في أمورهم، فقيل للمألوه إليه إله، كما قيل للمؤتمِّ به إمام. والقول الثاني: أنه مشتق من الألوهية، وهي العبادة، من قولهم فلان يتألَّه، أي يتعبد، قال رؤبةُ بن العجاج: شعر : لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ المُدَّهِ لَمَّا رَأَيْنَ خَلِقَ الْمُمَوَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألهِي تفسير : أي من تعبد، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قرأ: {وَيَذَرَكَ وءالِهَتَكَ} أي وعبادتك. ثم اختلفوا، هل اشتق اسم الإله من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين: أحدهما: أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلق خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهاً لم يزل، لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود. والقول الثاني: أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون ذلك صفة لازمة لذاته، لأنه لم يزل مستحقّاً للعبادة، فلم يزل إلهاً، وهذا أصح القولين، لأنه لو كان مشتقّاً من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى عليه السلام إلهاً، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا دليل، على اشتقاقه من استحقاق العبادة، لا من فعلها، فصار قولنا "إله" على هذا القول صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل. وأما "الرحمن الرحيم"، فهما اسمان من أسماء الله تعالى، والرحيم فيها اسم مشتق من صفته. وأما الرحمن ففيه قولان: أحدهما: أنه اسم عبراني معرب، وليس بعربي، كالفسطاط رومي معرب، والإستبرق فارسي معرب، لأن قريشاً وهم فَطَنَةُ العرب وفُصَحَاؤهم، لم يعرفوهُ حتى ذكر لهم، وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: {أية : ... وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} تفسير : [الفرقان: 60]، وهذا قول ثعلب واستشهد بقول جرير: شعر : أو تتركون إلى القسّين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمن قربانا تفسير : قال: ولذلك جمع بين الرحمن والرحيم، ليزول الالتباس، فعلى هذا يكون الأصل فيه تقديم الرحيم على الرحمن لعربيته، لكن قدَّم الرحمن لمبالغته. والقول الثاني: أن الرحمن اسم عربي كالرحيم لامتزاج حروفهما، وقد ظهر ذلك في كلام العرب، وجاءت به أشعارهم، قال الشنفري: شعر : أَلاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا أَلاَ ضَرَبَ الرًّحْمنُ رَبِّي يَمِينَهَا تفسير : فإذا كانا اسمين عربيين فهما مشتقان من الرحمة، والرحمة هي النعمة على المحتاج، قال الله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]، يعني نعمةً عليهم، وإنما سميت النعمةُ رحمةً لحدوثها عن الرحمة. والرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم، لأن الرحمن يتعدى لفظه ومعناه، والرحيم لا يتعدى لفظه، وإنما يتعدى معناه، ولذلك سمي قوم بالرحيم، ولم يتَسَمَّ أحدٌ بالرحمن، وكانت الجاهليةُ تُسمِّي اللهَ تعالى به وعليه بيت الشنفرى، ثم إن مسيلمة الكذاب تسمَّى بالرحمن، واقتطعه من أسماء الله تعالى، قال عطاء: فلذلك قرنه الله تعالى بالرحيم، لأن أحداً لم يتسمَّ بالرحمن الرحيم ليفصل اسمه عن اسم غيره، فيكون الفرق في المبالغة، وفرَّق أبو عبيدة بينهما، فقال بأن الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم. واختلفوا في اشتقاق الرحمن والرحيم على قولين: أحدهما: أنهما مشتقان من رحمة واحدةٍ، جُعِل لفظ الرحمن أشدَّ مبالغة من الرحيم. والقول الثاني: أنهما مشتقان من رحمتين، والرحمة التي اشتق منها الرحمن، غير الرحمة التي اشتق منها الرحيم، ليصح امتياز الاسمين، وتغاير الصفتين، ومن قال بهذا القول اختلفوا في الرحمتين على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرحمن مشتق من رحمة الله لجميع خلقه، والرحيم مشتق من رحمة الله لأهل طاعته. والقول الثاني: أن الرحمن مشتق من رحمة الله تعالى لأهل الدنيا والآخرة، والرحيم مشتق من رحمتِهِ لأهل الدنيا دُون الآخرة. والقول الثالث: أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص الله تعالى بها دون عباده، والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلُها.
ابن عطية
تفسير : قال ابن عباس، وموسى بن جعفر عن أبيه، وعلي بن الحسين، وقتادة، وأبو العالية، ومحمد بن يحيى ابن حبان: إنها مكية، ويؤيد هذا أن في سورة الحجر {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} تفسير : [الحجر:87] والحجر مكية بإجماع. وفي حديث أبي بن كعب أنها السبع المثاني، والسبع الطُّول نزلت بعد الحجر بمدد، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنها كانت قط في الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين. وروي عن عطاء بن يسار، وسوادة بن زياد، والزهري محمد بن مسلم، وعبد الله بن عبيد بن عمير أن سورة الحمد مدنية. وأما أسماؤها فلا خلاف أنها يقال لها فاتحة الكتاب، لأن موضعها يعطي ذلك، واختلف هل يقال لها أم الكتاب، فكره الحسن بن أبي الحسن ذلك وقال: "أم الكتاب والحلال والحرام". قال الله تعالى: {أية : آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} تفسير : [آل عمران: 7]. وقال ابن عباس وغيره: "يقال لها أم الكتاب". وقال البخاري: سميت أم الكتاب لأنها يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في الصلاة، وفي تسميتها بأم الكتاب حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه، واختلف هل يقال لها أم القرآن؟ فكره ذلك ابن سيرين وجوزه جمهور العلماء. قال يحيى بن يعمر: "أم القرى مكة، وأم خراسان مرو، وأم القرآن سورة الحمد". وقال الحسن بن أبي الحسن: اسمها أم القرآن. وأما المثاني فقيل سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة وقيل سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخراً لها. وأما فضل هذه السورة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب "حديث : إنها لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها" تفسير : .ويروى أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون تفضيلاً من الله تعالى لا يعلل، وكذلك يجيء عدل {أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الإخلاص: 1] وعدل {أية : زلزلت} تفسير : [الزلزلة:1]. وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الحمد لله رب العالمين فضل ثلاثين حسنة على سائر الكلام" تفسير : .وورد حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال لا إله إلا الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة " تفسير : وهذا الحديث هو في الذي يقولها من المؤمنين مؤتجراً طالب ثواب، لأن قوله الحمد لله في ضمنها التوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قول لا إله إلا الله توحيد فقط. فأما إذا أخذا بموضعهما من شرع الملة ومحلهما من رفع الكفر والإشراك فلا إله إلا الله أفضل، والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله " تفسير : {الحمد} معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئاً، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات. وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وذلك غير مرضي. وحكي عن بعض الناس أنه قال: "الشكر ثناء على الله بأفعاله وأنعامه، والحمدُ ثناء بأوصافِه". قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح معنى من أنهما بمعنى واحد. واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك الحمد لله شكراً. وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه. لأن قولك شكراً إنما خصصت به الحمد أنه على نعمة من النعم. وأجمع السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمدُ لله". وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج "الحمدَ لله" بفتح الدال وهذا على إضمار فعل. وروي عن الحسن بن الحسن وزيد بن علي: "الحمدِ لله"، بكسر الدال على إتباع الأول الثاني. وروي عن ابن أبي عبلة: "الحمدُ لُله"، بضم الدال واللام، على اتباع الثاني والأول. قال الطبري: {الحمد لله} ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه، فكأنه قال: "قولوا الحمد لله" وعلى هذا يجيء "قولوا إياك" قال: وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه، كما قال الشاعر: شعر : وأعلَمُ أنني سأكونُ رمساً إذا سار النواعِجُ لا يسيرُ فقالَ السائلونَ لِمَنْ حفرْتُمْ فقال القائلونَ لهمْ وزيرُ تفسير : المعنى المحفور له وزير، فحذف لدلالةِ ظاهرِ الكلامِ عليه، وهذا كثير. وقرأت طائفة "ربَّ" بالنصب. فقال بعضهم: "هو نصب على المدح". وقال بعضهم: "هو على النداء، وعليه يجيء {إياك} ". والرب في اللغة: المعبود، والسيد المالك، والقائم بالأمور المصلح لما يفسد منها، والملك،- تأتي اللفظة لهذه المعاني-. فمما جاء بمعنى المعبود قول الشاعر [غاوي بن عبد العزى]: شعر : أربّ يبولُ الثعلبان برأسه لقد هانَ من بالَتْ عليه الثَّعالبُ تفسير : ومما جاء بمعنى السيد المالك قولهم: رب العبيد والمماليك. ومما جاء بمعنى القائم بالأمور الرئيس فيها قول لبيد: شعر : وأهلكن يوماً ربَّ كندة وابنَهُ وربَّ معدٍّ بين خَبْتٍ وعَرْعَرٍ تفسير : ومما جاء بمعنى الملك قوله النابغة: شعر : تخبُّ إلى النعمان حتّى تنالَهُ فدى لك من ربٍّ طريفي وتالدي تفسير : ومن معنى الإصلاح قولهم: أديم مربوب، أي مصلح، قال الشاعر الفرزدق: [البسيط]. شعر : كانوا كسالئةٍ حمقاء إذْ حقنتْ سلاءَها في أديمٍ غيرِ مَرْبُوبِ تفسير : ومن معنى الملك قول صفوان بن أمية لأخيه يوم حنين: "لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن". ومنه قول ابن عباس في شأن عبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان: "وإن كان لا بد لأن يربني رجل من بني عمي أحبّ إليّ من أن يربني غيرهم". ذكره البخاري في تفسير سورة براءة. ومن ذلك قول الشاعر علقمة بن عبدة: [الطويل]. شعر : وكنت أمراً أفضت إليك ربابتي ومن قبل ربتني فضعت ربوبُ تفسير : وهذه الاستعمالات قد تتداخل، فالرب على الإطلاق الذي هو رب الأرباب على كل جهة هو الله تعالى. و {العالمين} جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، يقال لجملته عالم، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عالم، وبحسب ذلك يجمع على العالمين، ومن حيث عالم الزمان متبدل في زمان آخر حسن جمعها، ولفظة العالم جمع لا واحد له من لفظه وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده، كذا قال الزجاج. وقد تقدم القول في "الرحمن الرحيم". واختلف القراء في قوله تعالى: {ملك يوم الدين}. فقرأ عاصم والكسائي "مالك يوم الدين". قال الفارسي: "وكذلك قرأها قتادة والأعمش". قال مكي: "وروى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك بالألف، وكذلك قرأها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وطلحة، والزبير، رضي الله عنهم". وقرأ بقية السبعة "ملك يوم الدين" وأبو عمرو منهم يسكن اللام فيقرأ "ملْك يوم الدين". هذه رواية عبد الوارث عنه. وروي عن نافع إشباع الكسرة من الكاف في ملك فيقرأ "ملكي" وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي. وقرأ أبو حيوة "ملِكَ" بفتح الكاف وكسر اللام. وقرأ ابن السميفع، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وأبو صالح السمان، وأبو عبد الملك الشامي "مالكَ" بفتح الكاف. وهذان على النداء ليكون ذلك توطئة لقوله {إياك}. ورد الطبري على هذا وقال: "إن معنى السورة: قولوا الحمد لله، وعلى ذلك يجيء {إياك} و {اهدنا}. وذكر أيضاً أن من فصيح كلام العرب الخروج من الغيبة إلى الخطاب. وبالعكس، وبالعكس، كقول أبي كبير الهذلي: [الكامل]. شعر : يا ويح نفسي كان جلدة خالد وبياض وجهك للتراب الأعفر تفسير : وكما قال لبيد: [البسيط]. شعر : قامت تشكّى إليَّ النفسُ مجهشة وقد حملتُكَ سبعاً سبعينا تفسير : وكقول الله تعالى: {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} تفسير : [يونس: 22]. وقرأ يحيى بن يعمر والحسن بن أبي الحسن، وعلي بن أبي طالب "ملك يوم الدين" على أنه فعل ماض. وقرأ أبو هريرة "مليك" بالياء وكسر الكاف. قال أبو علي: ولم يمل أحد من القراء ألف "مالك"، وذلك جائز، إلا أنه يقرأ بما يجوز، إلا أن يأتي بذلك أثر مستفيض، و"المُلك" و "المِلك" بضم الميم وكسرها وما تصرف منهما راجع كله إلى ملك بمعنى شد وضبط، ثم يختص كل تصريف من اللفظة بنوع من المعنى، يدلك على الأصل في ملك قول الشاعر قيس بن الخطيم: [الطويل]: شعر : ملكتُ بها كفّي فأنهرتُ فَتْقَها تفسير : وهذا يصف طعنة فأراد شددت، ومن ذلك قول أوس بن حجر: [الطويل]. شعر : فملَّكَ بالليطِ تحتَ قشرِها كغرقىء بيضٍ كنَّه القيضُ من علِ تفسير : أراد شدد، وهذا يصف صانع قوس ترك من قشرها ما يحفظ قلب القوس، والذي مفعول وليس بصفة لليط، ومن ذلك قولهم: إملاك المرأة وإملاك فلان إنما هو ربط النكاح، كما قالوا: عقدة النكاح، إذ النكاح موضع شد وربط، فالمالك للشيء شادّ عليه ضابط له، وكذلك الملك، واحتج من قرأ "ملك" بأن لفظة "ملك" أعم من لفظة "مالك" إذ كل ملك مالك وليس كل مالك ملكاً، والملك الذي يدبر المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك. وتتابع المفسرون على سرد هذه الحجة وهي عندي غير لازمة، لأنهم أخذوا اللفظتين مطلقتين لا بنسبة إلى ما هو المملوك وفيه الملك. فأما إذا كانت نسبة الملك هي نسبة المالك فالمالك أبلغ، مثال ذلك أن نقدر مدينة آهلة عظيمة ثم نقدر لها رجلاً يملكها أجمع أو رجلاً هو ملكها فقط إنما يملك التدبير والأحكام، فلا شك أن المالك أبلغ تصرفاً وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع فيها، كما لكل أحد في ملكه، ثم عنده زيادة التملك، وملك الله تعالى ليوم الدين هو على هذا الحد، فهو مالكه وملكه، والقراءتان حسنتان. وحكى أبو علي في حجة من قرأ "مالك يوم الدين" أن أول من قرأ "ملك يوم الدين" مروان بن الحكم وأنه قد يدخل في المالك ما لا يدخل في الملك فيقال مالك الدنانير، والدراهم، والطير، والبهائم، ولا يقال ملكها، ومالك في صفة الله تعالى يعم ملك أعيان الأشياء وملك الحكم فيها، وقد قال الله تعالى: {أية : قل اللهم مالك الملك} تفسير : [آل عمران: 26]. قال أبو بكر: "الأخبار الواردة تبطل أن أول من قرأ "ملك يوم الدين" مروان بن الحكم بل القراءة بذلك أوسع ولعل قائل ذلك أرد أنه أول من قرأ في ذلك العصر أو البلد ونحوه". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما قرؤوا "ملك يوم الدين" بغير ألف، وفيه أيضاً أنهم قرؤوا "مالك يوم الدين" بألف. قال أبو بكر: والاختيار عندي "ملك يوم الدين" لأن "الملك" و "الملك" يجمعهما معنى واحد وهو الشد والرّبط كما قالوا ملكت العجين أي شددته إلى غير ذلك من الأمثلة، والملك أفخم وأدخل في المدح، والآية إنما نزلت بالثناء والمدح لله سبحانه، فالمعنى أنه ملك الملوك في ذلك اليوم، لا ملك لغيره. قال: والوجه لمن قرأ "ملك" أن يقول: إن المعنى أن الله تعالى يملك ذلك اليوم أن يأتي به كما يملك سائر الأيام لكن خصّصه بالذكر لعظمه في جمعه وحوادثه. قال أبو الحسن الأخفش: "يقال "ملك" بين الملك، بضم الميم، ومالك بين "المِلك" و "المَلك" بفتح الميم وكسرها، وزعموا أن ضم الميم لغة في هذا المعنى، وروى بعض البغداديين في هذا الوادي "مَلك" و "ملك" و "مِلك" بمعنى واحد". قال أبو علي: "حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القرءة بــ"ملك" أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله (رب العالمين) فلا فائدة في قراءة من قرأ مالك لأنها تكرير". قال أبو علي ولا حجة في هذا، لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص، كقوله تعالى: {أية : هو الله الخالق البارىء المصور} تفسير : [الحشر: 24] فـ {الخالق} يعم وذكر {المصور} لما في ذلك من التنبيه على الصنعة ووجوه الحكمة، وكما قال تعالى: {أية : وبالآخرة هم يوقنون} تفسير : [البقرة: 4] بعد قوله: {أية : الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : [البقرة: 3] والغيب يعم الآخرة وغيرها ولكن ذكرها لعظمها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها، وكما قال تعالى: {الرحمن الرحيم} فذكر الرحمن الذي هو عام، وذكر الرحيم بعده لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: {أية : وكان بالمؤمنين رحيماً} تفسير : [الأحزاب: 43]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وأيضاً: فإن الرب يتصرف في كلام العرب بمعنى الملك كقوله: [الطويل]. شعر : (ومن قبل ربتني فضعت ربوب) تفسير : وغير ذلك من الشواهد، فتنعكس الحجة على من قرأ "مالك يوم الدين" والجر في "ملك" أو "مالك" على كلتا القراءتين هو على الصفة للاسم المجرور قبله، والصفات تجري على موصوفيها إذا لم تقطع عنهم لذم أو مدح، والإضافة إلى {يوم الدين} في كلتا القراءتين من باب يا سارق الليلة أهل الدار، اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به، ثم وقعت الإضافة إليه على هذا الحد، وليس هذا كإضافة قوله تعالى: {أية : وعنده علم الساعة} تفسير : [الزخرف: 85]، لأن الساعة مفعول بها على الحقيقة، أي إنه يعلم الساعة وحقيقتها، فليس أمرها على ما الكفار عليه من إنكارها. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وأما على المعنى الذي قاله ابن السراج من أن معنى "مالك يوم الدين" أنه يملك مجيئه ووقوعه، فإن الإضافة إلى اليوم كإضافة المصدر إلى الساعة، لأن اليوم على قوله مفعول به على الحقيقة، وليس ظرفاً اتسع فيه. قال أبو علي: ومن قرأ "مالك يوم الدين" فأضاف اسم الفاعل إلى الظرف المتسع فيه فإنه حذف المفعول من الكلام للدلالة عليه تقديره مالك يوم الدين الاحكام، ومثل هذه الآية في حذف المفعول به مع الظرف قوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : [البقرة: 185] فنصب {الشهر} على أنه ظرف والتقدير فمن شهد منكم المصر في الشهر، ولو كان الشهر مفعولاً للزم الصوم للمسافر، لأن شهادته لشهر كشهادة المقيم، وشهد يتعدى إلى مفعول يدل على ذلك قول الشاعر: [الطويل]. شعر : ويوماً شهدناه سليماً وعامرا تفسير : والدين لفظ يجيء في كلام العرب على أنحاء، منها الملة. قال الله تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19] إلى كثير من الشواهد في هذا المعنى، وسمي حظ الرجل منها في أقواله وأعماله واعتقاداته ديناً، فيقال فلان حسن الدين، ومنه حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه في قميص عمر الذي رآه يجره: "قيل: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين" تفسير : وقال علي بن أبي طالب: "محبة العلماء دين يدان به". ومن أنحاء اللفظة الدين بمعنى العادة: فمنه قول العرب في الريح: "عادت هيف لأديانها" ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : كدينك من أمّ الحويرثِ قبلَها تفسير : ومنه قول الشاعر: [المثقب العبدي] [الوافر]: شعر : أهذا دينه أبداً وديني تفسير : إلى غير من الشواهد، يقال دين ودينة أي عادة، ومن أنحاء اللفظة: الدين سيرة الملك وملكته، ومنه قول زهير: [البسيط]. شعر : لئن حَلَلْتَ بجوٍّ في بني أسد في دين عمروٍ وحالتْ بينَنَا فَدَكُ تفسير : أراد في موضع طاعة عمرو وسيرته، وهذه الأنحاء الثلاثة لا يفسر بها قوله {ملك يوم الدين}. ومن أنحاء اللفظة الدين الجزاء، فمن ذلك قول الفند الزماني: [شهل بن شيبان] [الهزج]. شعر : ولم يبق سوى العدوا ن دنّاهم كما دانوا تفسير : أي جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل: [المتقارب]. شعر : إذا ما رمونا رميناهمُ ودناهمُ مثل ما يقرضونا تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : واعلمْ يقيناً أنّ ملكَكَ زائلٌ واعلمْ بأنَّ كما تدينُ تدانُ تفسير : وهذا النحو من المعنى هو الذي يصلحُ لتفسير قوله تعالى: {ملك يوم الدين} أي يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وقتادة وغيرهم. قال أبو علي: يدل على ذلك قوله تعالى: {أية : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} تفسير : [غافر: 17]، و {أية : اليوم تجزون ما كنتم تعملون} تفسير : [الجاثية: 28]. وحكى أهل اللغة: دنته بفعله ديناً بفتح الدال وديناً بكسرها جزيته، وقيل الدين المصدر والدين بكسر الاسم. وقال مجاهد: {ملك يوم الدين} أي يوم الحساب، مدينين محاسبين وهذا عندي يرجع إلى معنى الجزاء. ومن أنحاء اللفظة الدين الذل، والمدين العبد، والمدينة الأمة، ومنه قول الأخطل: شعر : رَبَتْ وَرَبَا في حِجْرِها ابنُ مدينةٍ تراه على مِسْحاتِه يَتَرَكَّلُ تفسير : أي ابن أمة، وقيل بل أراد ابن مدينة من المدن، الميم أصلية، ونسبه إليها كما يقال ابن ماء وغيره. وهذا البيت في صفة كرمة فأراد أن أهل المدن أعلم بفلاحة الكرم من أهل بادية العرب. ومن أنحاء اللفظة الدين السياسة، والديان السائس، ومنه قول ذي الأصبع الحدثان بن الحارث: [البسيط]. شعر : لاهِ ابنِ عمّك لا أفضلتَ في حسبٍ يوماً ولا أنتَ دياني فتخزوني تفسير : ومن أنحاء اللفظة الدين الحال. قال النضر بن شميل: "سألت أعرابياً عن شيء فقال لي لو لقيتني على دين غير هذه لأخبرتك". ومن أنحاء اللفظة الدين الداء، عن اللحياني وأنشد: [البسيط] شعر : ما دين قلبك من سلمى وقد دينا تفسير : قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو، فلم يبق إلا قول اللحياني. وقوله تعالى: {إياك نعبد}. نطق المؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل وتحقيق لعبادة الله، إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك، وقدم المفعول على الفعل اهتماماً، وشأن العرب تقديم الأهم. ويذكر أن أعرابياً سبّ آخر فأعرضَ المسبوبُ عنهُ، فقال له السابُّ: "إياك أعني" فقال الآخر: "وعنكَ أُعرِضُ" فقدَّما الأهم. وقرأ الفضل الرقاشي: "أياك" بفتح الهمزة، وهي لغة مشهورة وقرأ عمرو بن فائد: "إيَاك" بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذاك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها، وهذا كتخفيف "ربْ" و "إنْ" وقرأ أبو السوار الغنوي: "هيّاك نعبد وهيّاك نستعين" بالهاء، وهي لغة. واختلف النحويون في {إيّاك} فقال الخليل: إيّا اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكي عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب. وقال المبرد: إيّا اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن كيسان عن بعض الكوفيين أنّ {إيّاك} بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء والياء هي الاسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها ولا تكون إلا متصلات، فإذا تقدمت الأفعال جعل "إيّا" عماداً لها. فيقال "إياك" و"إياه" و "إيّاي"، وإذا تأخرت اتصلت بالأفعال واستغني عن "إيا". وحكي عن بعضهم أن أيا اسم مبهم يكنى به عن المنصوب، وزيدت الكاف والياء والهاء تفرقة بين المخاطب والغائب والمتكلم، ولا موضع لها من الإعراب فهي كالكاف في ذلك وفي أرايتك زيداً ما فعل. و {نعبد} معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة، والطريق المذلل يقال له معبد، وكذلك البعير. وقال طرفة: [الطويل]. شعر : تباري عتاق الناجيات وأتبعت وظيفاً وظيفاً فوق مور معبد تفسير : وتكررت {إياك} بحسب اختلاف الفعلين، فاحتاج كل واحد منهما إلى تأكيد واهتمام. و {نستعين} معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرؤ من الأصنام. وقرأ الأعمش وابن وثاب والنخعي: "ونستعين" بكسر النون، وهي لغة لبعض قريش في النون والتاء والهمزة ولا يقولونها في ياء الغائب وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو فيما يأتي من الثلاثي على فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل نحوعلم وشرب، وكذلك فيما جاء معتل العين نحو خال يخال، فإنهم يقولون تخال وأخال. و {نستعين} أصله نستعون نقلت حركة الواو إلى العين وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، والمصدر استعانة أصله استعواناً نقلت حركة الواو إلى العين فلما انفتح ما قبلها وهي في نية الحركة انقلبت ألفاً، فوجب حذف أحد الألفين الساكنين، فقيل حذفت الأولى لأن الثانية مجلوبة لمعنى، فهي أولى بالبقاء، وقيل حذفت الثانية لأن الأولى أصلية فهي أولى بالبقاء، ثم لزمت الهاء عوضاً من المحذوف، وقوله تعالى: {اهدنا} رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر كلها، فإذا كانت من الأعلى فهي أمر، والهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبرعنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تؤملت رجعت إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم} تفسير : [البقرة: 5] وقوله تعالى: {أية : والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} تفسير : [يونس: 25] وقوله تعالى: {أية : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} تفسير : [القصص: 56] وقوله تعالى: {أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} تفسير : [الأنعام: 125]. قال أبو المعالي: فهذه آية لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء، من ذلك قوله تعالى: {أية : ولكل قوم هاد} تفسير : [الرعد: 7] أي داع وقوله تعالى: {أية : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} تفسير : [الشورى: 52] وهذا أيضاً يبين فيه الإرشاد، لأنه ابتداء إرشاد، أجاب المدعو أو لم يجب، وقد جاء بمعنى الإلهام، من ذلك قوله تعالى: {أية : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} تفسير : [طه: 5]. قال المفسرون: معناه "ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها". وهذا أيضاً بين فيه معنى الإرشاد، وقد جاء الهدى بمعنى البيان، من ذلك قوله تعالى: {أية : وأما ثمود فهديناهم} تفسير : [فصلت: 17]. قال المفسرون: "معناه بينا لهم". قال أبو المعالي: معناه دعوناهم ومن ذلك قوله تعالى: {أية : إن علينا للهدى} تفسير : [الليل: 12] أي علينا أن نبين، وفي هذا كله معنى الإرشاد. قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: {أية : فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} تفسير : [محمد: 5] ومنه قوله تعالى: {أية : فاهدوهم إلى صراط الجحيم} تفسير : [الصافات: 23] معناه فاسلكوهم إليها. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذه الهداية بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضد الضلال وهي الواقعة في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} على صحيح التأويل، وذلك بين من لفظ {الصراط}، والهدى لفظ مؤنث، وقال اللحياني: "هو مذكر" قال ابن سيده: "والهدى اسم من أسماء النهار" قال ابن مقبل: [البسيط]. شعر : حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يخشعن في الآل غلفاً أو يصلينا تفسير : و {الصراط} في اللغة الطريق الواضح فمن ذلك قول جرير: [الوافر]. شعر : أمير المؤمنين على صراط إذ اعوج الموارد مستقيم تفسير : ومنه قول الآخر: فصد عن نهج الصراط الواضح. وحكى النقاش: "الصراط الطريق بلغة الروم". قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف جداً. واختلف القراء في {الصراط} فقرأ ابن كثير وجماعة من العلماء: "السراط" بالسين، وهذا هو أصل اللفظة. قال الفارسي: "ورويت عن ابن كثير بالصاد". وقرأ باقي السبعة غير حمزة بصاد خالصة وهذا بدل السين بالصاد لتناسبها مع الطاء في الاطباق فيحسنان في السمع، وحكاها سيبويه لغة. قال أبو علي: روي عن أبي عمرو السين والصاد، والمضارعة بين الصاد والزاي، رواه عنه العريان بن أبي سفيان. وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأها بزاي خالصة. قال بعض اللغويين: "ما حكاه الأصمعي من هذه القراءة خطأ منه، إنما سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة فتوهمها زاياً، ولم يكن الأصمعي نحوياً فيؤمن على هذا". قال القاضي أبو محمد: وحكى هذا الكلام أبو علي عن أبي بكر بن مجاهد. وقرأ حمزة بين الصاد والزاي. وروي أيضاً عنه أنه إنما يلتزم ذلك في المعرفة دون النكرة. قال ابن مجاهد: "وهذه القراءة تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على اللسان، وليس بحرف يبنى عليه الكلام ولا هو من حروف المعجم، ولست أدفع أنه من كلام فصحاء العرب، إلا أن الصاد أفصح وأوسع". وقرأ الحسن والضحاك: "اهدنا صراطاً مستقيماً" دون تعريف وقرأ جعفر بن محمد الصادق: "اهدنا صراطَ المستقيم" بالإضافة وقرأ ثابت البناني: "بصرنا الصراط". واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له {الصراط} في هذا الموضع وما المراد به، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " {الصراط المستقيم} هنا القرآن" وقال جابر: "هو الإسلام" يعني الحنيفية. وقال: سعته ما بين السماء والأرض. وقال محمد بن الحنفية: "هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره" وقال أبو العالية: "هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر". وذكر ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح. قال القاضي أبو محمد: ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في أن يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام، وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وهذا الدعاء إنما أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قولهم {اهدنا} فيما هو حاصل عندهم طلب التثبيت والدوام، وفيما ليس بحاصل إما من جهة الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه. وأقول إن كل داع فإنما يريد {الصراط} بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته، فيحسن على هذا أن يدعو في الصراط على الكمال من عنده بعضه ولا يتجه أن يراد بـ {اهدنا} في هذه الآية اخلق الإيمان في قلوبنا، لأنها هداية مقيدة إلى صراط ولا أن يراد بها ادعنا، وسائر وجوه الهداية يتجه، و{الصراط} نصب على المفعول الثاني، و {المستقيم} الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة، وإعلال {مستقيم} أن أصله مستقوم نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وصراط الذين بدل من الأول. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن الزبير: "صراط من أنعمت عليهم". و{الذين} جمع الذي، وأصله "لذٍ"، حذفتْ منه الياء للتنوين كما تحذف من عمٍ، وقاضٍ، فلما دخلته الألف واللام ثبتت الياء. و "الذي" اسم مبهم ناقص محتاج إلى صلة وعائد، وهو مبني في إفراده. وجمعه معرب في تثنيته. ومن العرب من يعرب جمعه، فيقول في الرفع اللذون، وكتب الذي بلام واحدة في الإفراد والجمع تخفيفاً لكثرة الاستعمال، واختلف الناس في المشار إليهم بأنه أنعم عليهم. فقال ابن عباس وجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: {أية : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، وإذاً لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً ومن يطع اللَّهَ والرسولَ فأولئكَ مع الذينَ أنعمَ اللَّهُ عليهمْ من النبيين والصدّيقين والشهداءِ والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً} تفسير : [النساء: 66-69] فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم. وهو المطلوب في آية الحمد. وقال ابن عباس أيضاً: "المنعم عليهم هو المؤمنون". وقال الحسن بن أبي الحسن: "المنعم عليهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم". وحكى مكي وغيره عن فرقة من المفسرين أن المنعم عليهمْ مؤمنو بني إسرائيل، بدليل قوله تعالى: {أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} تفسير : [البقرة: 40، 47، 122]. وقال ابن عباس: "المنعم عليهم أصحابُ موسى قبل أن يبدلوا". قال القاضي أبو محمد: وهذا والذي قبله سواء. وقال قتادة بن دعامة: "المنعم عليهم الأنبياء خاصة". وحكى مكي عن أبي العالية أنه قال: "المنعم عليهم محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عمر". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد تقدم ما حكاه عنه الطبري من أنه فسر {الصراط المستقيم} بذلك، وعلى ما حكى مكي ينتقض الأول ويكون {الصراط المستقيم} طريق محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذا أقوى في المعنى، لأن تسمية أشخاصهم طريقاً تجوز، واختلف القراء في الهاء من {عليهم}، فقرأ حمزة "عليهُمْ" بضم الهاء وإسكان الميم، وكذلك لديهم وإليهم، قرأ الباقون في جميعها بكسر الهاء واختلفوا في الميم. فروي عن نافع التخيير بين ضمها وسكونها، وروي عنه أنه كان لا يعيب ضم الميم، فدل ذلك على أن قراءته كانت بالإسكان. وكان عبد الله بن كثير يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت فيقرأ "عليهمو وقلوبهمو وسمعهمو وأبصارهمو". وقرأ ورش الهاء مكسورة والميم موقوفة، إلا أن تلقى الميم ألفاً أصلية فيلحق في اللفظ واواً مثل قوله: {أية : سواء عليهم أأنذرتهم} تفسير : [البقرة: 6]. وكان أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، والكسائي، يكسرون، ويسكنون الميم، فإذا لقي الميم حرف ساكن اختلفوا فكان عاصم، وابن كثير، ونافع يمضون على كسر الهاء وضم الميم، مثل قوله تعالى: {أية : عليهم الذلة} تفسير : [البقرة: 61، آل عمران: 112] و {أية : من دونهم امرأتين} تفسير : [القصص: 23] وما أشبه ذلك، وكان أبو عمرو يكسر الهاء والميم فيقول: {عليهم الذلة} و {أية : إليهم اثنين} تفسير : [يس: 14] وما أشبه ذلك. وكان الكسائي يضم الهاء والميم معاً، فيقرأ {عليهم الذلة} و {من دونهم امرأتين}. قال أبو بكر أحمد بن موسى: وكل هذا الاختلاف في كسر الهاء وضمها إنما هو في الهاء التي قبلها كسرة أو ياء ساكنة، فإذا جاوزت هذين لم يكن في الهاء إلا الضم، فإذا لم يكن قبل الميم هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة لم يجز في الميم إلا الضم والتسكين في مثل قوله تعالى: منكم وأنتم. قال القاضي أبو محمد: وحكى صاحب الدلائل قال: "قرأ بعضهم عليهمو بواو وضمتين، وبعضهم بضمتين وألغى الواو، وبعضهم بكسرتين وألحق الياء، وبعضهم بكسرتين وألغى الياء، وبعضهم بكسر الهاء وضم الميم". قال: "وذلك مروي عن الأئمة ورؤساء اللغة". قال ابن جني: "حكى أحمد بن موسى عليهمو وعليهمُ بضم الميم من غير إشباع إلى الواو، وعليهم بسكون الميم". وقرأ الحسن وعمرو بن فائد "عليهمي". وقرىء "عليهمِ" بكسر الميم دون إشباع إلى الياء. وقرأ الأعرج: "علِيهمُ" بكسر الهاء وضم الميم من غير إشباع. وهذه القراءات كلها بضم الهاء إلا الأخيرة وبإزاء كل واحدة منها قراءة بكسر الهاء فيجيء في الجميع عشر قراءات. قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. اختلف القراء في الراء من غير، فقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بخفض الراء، وقرأ بن كثير بالنصب، وروي عنه الخفض. قال أبو علي: "الخفض على ضربين: على البدل، من {الذين}، أو على الصفة للنكرة، كما تقول مررت برجل غيرك، وإنما وقع هنا صفة لــ {الذين} لأن {الذين} هنا ليس بمقصود قصدهم، فالكلام بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه". قال: "والنصب في الراء على ضربين: على الحال كأنك قلت أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم، أو على الاستثناء كأنك قلت إلا المغضوب عليهم، ويجوز النصب على أعني". وحكي نحو هذا عن الخليل. ومما يحتج به لمن ينصب أن {غير} نكرة فكره أن يوصف بها المعرفة. والاختيار الذي لا خفاء به الكسر. وقد روي عن ابن كثير، فأولى القولين ما لم يخرج عن إجماع قراء الأمصار. قال أبو بكر بن السراج: "والذي عندي أن {غير} في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس، فليفهم عني ما أقول: اعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو غيره، وكذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة، فأنما صارا نكرتين من أجل المعنى فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت إثباته، ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو معرفة، وذلك كقولك عليك بالحركة غير السكون، وكذلك قولك غير المغضوب لأن من أنعم عليه لا يعاقبه إلا من غضب عليه، ومن لم يغضب عليه فهو الذي أنعم عليه، فمتى كانت غير على هذه الصفة وقصد بها هذا المقصد فهي معرفة". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أبقى أبو بكر {الذين} على حد التعريف، وجوز نعتها بــ {غير} لما بينه من تعرف غير في هذا الموضع، وغير أبي بكر وقف مع تنكر غير، وذهب إلى تقريب {الذين} من النكرة إذ هو اسم شائع لا يختص به معين، وعلى هذا جوز نعتها بالنكرة، و {المغضوب عليهم} اليهود، والضالون النصارى. وهكذا قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد، وروي ذلك عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بين من كتاب الله تعالى، لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه كقوله: {أية : وباؤوا بغضب من الله} تفسير : [البقرة: 61، آل عمران: 112]، وكقوله تعالى: {أية : قل أؤنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} تفسير : [المائدة: 60] فهؤلاء اليهود، بدلالة قوله تعالى بعده: {أية : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} تفسير : [البقرة: 65] والغضب عليهم هو من الله تعالى، وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محناً وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته بعداً مؤكداً مبالغاً فيه، والنصارى كان محققوهم على شرعة قبل ورود شرع محمد صلى الله عليه وسلم، فلما ورد ضلوا، وأما غير محققيهم فضلالهم متقرر منذ تفرقت أقوالهم في عيسى عليه السلام. وقد قال الله تعالى فيهم: {أية : ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل} تفسير : [المائدة: 77]. قال مكي رحمه الله حكاية: دخلت {لا} في قوله {ولا الضالين} لئلا يتوهم أن {الضالين} عطف على {الذين}. قال: "وقيل هي مؤكدة بمعنى غير". وحكى الطبري أن {لا} زائدة، وقال: هي هنا على نحو ما هي عليه في قول الراجز: شعر : فما ألوم البيض ألا تسخرا- أراد أن تسخر- تفسير : وفي قول الأحوص: [الطويل] شعر : ويلحينني في اللهو أن لا أحبّه وللهو داعٍ دائبٌ غيرُ غافلِ تفسير : وقال الطبري: يريد: ويلحينني في اللهو أن أحبه". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبيت الأحوص إنما معناه إرادة أن لا أحبه فــ"لا" فيه متمكنة. قال الطبري: ومنه قوله تعالى: {أية : ما منعك أن لا تسجد} تفسير : [الأعراف: 12] وإنما جاز أن تكون لا بمعنى الحذف، ولأنها تقدمها الجحد في صدر الكلام، فسيق الكلام الآخر مناسباً للأول، كما قال الشاعر: شعر : ما كان يرضي رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر تفسير : وقرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين". وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين. قال الطبري: "فإن قال قائل أليس الضلال من صفة اليهود، كما أن النصارى عليهم غضب فلم خص كل فريق بذكر شيء مفرد؟ قيل: هم كذلك ولكن وسم الله لعباده كل فريق بما قد تكررت العبارة عنه به وفهم به أمره". قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا غير شاف، والقول في ذلك أن أفاعيل اليهود من اعتدائهم، وتعنتهم، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء أمور توجب الغضب في عرفنا، فسمى تعالى ما أحل بهم غضباً، والنصارى لم يقع لهم شيء من ذلك، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضباً خاصاً بأفاعيلهم، بل هو الذي يعم كل كافر وإن اجتهد، فلهذا تقررت العبارة عن الطائفتين بما ذكر، وليس في العبارة بــ {الضالين} تعلق للقدرية في أنهم أضلوا أنفسهم لأن هذا إنما هو كقولهم تهدم الجدار وتحركت الشجرة والهادم والمحرك غيرهما، وكذلك النصارى خلق الله الضلال فيهم وضلوا هم بتكسبهم. وقرأ أيوب السختياني: "الضألين" بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهي لغة. حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ: "فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن" فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة. قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير [الطويل]. شعر : إذا ما العوالي بالعبيط احْمَأَرَّتِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل]. شعر : وللأرض أما سودُها فتجللَتْ بياضاً وأمّا بيضُها فادْهأَمَّتِ تفسير : وأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبعُ آيات: {العالمين} آية، {الرحيم} آية، {الدين} آية، {نستعين} آية، {المستقيم} آية، {أنعمت عليهم} آية، {ولا الضالين} آية، وقد ذكرنا في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك. القول في آمين روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال الإمام: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] فقولوا آمين. فإن الملائكة في السماء تقول آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. ورويحديث : أن جبريل عليه السلام لما علم النبي عليه السلام فاتحة الكتاب وقت نزولها فقرأها قال له: "قل آمين" . تفسير : وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "آمين خاتم رب العالمين، يختم بها دعاء عبده المؤمن". وروي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو فقال: "أوجب إن ختم. فقال له رجل بأي شيء يختم يا رسول الله؟ قال: "بآمين" . تفسير : ومعنى "آمين" عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب، أو أجب يا رب، ونحو هذا. قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، ونص عليه أحمد بن يحيى ثعلب وغيره. وقال قوم: "هو اسم من أسماء الله تعالى"، روي ذلك عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف، وقد روي أن "آمين" اسم خاتم يطبع به كتب أهل الجنة التي تؤخذ بالإيمان. قال القاضي أبو محمد: فمقتضى هذه الآثار أن كلّ داعٍ ينبغي له في آخر دعائه أن يقول: "آمين" وكذلك كل قارىء للحمد في غير صلاة، لكن ليس بجهر الترتيل. وأما في الصلاة فقال بعض العلماء: "يقولها كل مصلّ من إمام وفذ ومأموم قرأها أو سمعها". وقال مالك في المدونة: "لا يقول الإمام "آمين" ولكن يقولها من خلفه ويخفون، ويقولها الفذ". وقد روي عن مالك رضي الله عنه: أن الإمام يقولها أسرّ أم جَهَرَ. وروي عنه: "الإمام لا يؤمن في الجهر". وقال ابن حبيب: "يؤمن". وقال ابن بكير: "هو مخير". قال القاضي أبو محمد عبدالحق رضي الله عنه: فهذا الخلاف إنما هو في الإمام، ولم يختلف في الفذ ولا في المأموم إلا ابن نافع. قال في كتاب ابن حارث: "لا يقولها المأموم إلا إن سمع الإمام يقول {ولا الضالين} [الفاتحة: 7]، وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل". وقال ابن عبدوس: "يتحرى قدر القراءة ويقول آمين". وهي لفظة مبنية على الفتح لالتقاء الساكنين، وكأن الفتح مع الياء أخف من سائر الحركات، ومن العرب من يقول "آمين" فيمده، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا تفسير : ومن العرب من يقول "أمين" بالقصر، ومنه قول الشاعر: [جبير بن الأضبط]. شعر : تباعد مني فَطْحَلٌ إذْ رأيتُه أمين فزاد الله ما بيننا بعدا تفسير : واختلف الناس في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة" تفسير : فقيل في الإجابة، وقيل في خلوص النية، وقيل في الوقت، والذي يترجح أن المعنى فمن وافق في الوقت مع خلوص النية، والإقبال على الرغبة إلى الله تعالى بقلب سليم، والإجابة تتبع حينئذ، لأنّ من هذه حاله فهو على الصراطِ المستقيم.
ابن عبد السلام
تفسير : {بسمِ اللَّهِ} أبدأ بسم الله، أو بدأت بسم الله، الاسم صلة، أو ليس بصلة عند الجمهور، واشتق من السمة، وهي العلامة، أو من السمو. (الله) أخص أسماء الرب لم يتسم به غيره {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65] تسمى باسمه، أو شبيهاً. أبو حنيفة: "هو الاسم الأعظم " وهو علم إذ لا بد للذات من اسم علم يتبعه أسماء الصفات، أو هو مشتق من الوله لأنه يأله إليه العباد: أي يفزعون إليه في أمورهم، فالمألوه إليه إله، كما أن المأموم [به] إمام أو اشتق من التأله وهو التعبد, تأله فلان: تعبد، واشتق من فعل العبادة فلا يتصف به في الأزل، أو من استحقاقها على الأصح فيتصف به أزلاً {الرَّحْمَن الرَّحِيمِ} الرحمن والرحيم الراحم، أو الرحمن أبلغ، وكانت الجاهلية تصرفه للرب سبحانه وتعالى، الشنفري: شعر : إلا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا هدر الرحمن ربي يمينها تفسير : ولما سُمي مسيلمة بالرحمن قُرِن لله تعالى الرحمن الرحيم، لأن أحداً لم يتسم بهما،، واشتقا من رحمة واحدة، أو الرحمن من رحمته لجميع الخلق، والرحيم من رحمته لأهل طاعته، أو الرحمن من رحمته لأهل الدنيا، والرحيم من رحمته لأهل [الآخرة]، أو الرحمن من الرحمة التي يختص بها، والرحيم من الرحمة التي يوجد في العباد مثلها.
النسفي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك للابتداء بها، وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه رحمهم الله، ولذا لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ولذا يجهرون بها في الصلاة وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن عما ليس منه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله. ولنا حديث أبي هريرة قال: سمعت النبي عليه السلام يقول: «حديث : قال الله تعالى قسمت الصلاة ــ أي الفاتحة ــ بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } قال: مجدني عبدي. وإذا قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ } قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» تفسير : فالابتداء بقوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة، وإذا لم تكن من الفاتحة لا تكون من غيرها إجماعاً، والحديث مذكور في صحاح المصابيح. وما ذكروا لا يضرنا لأن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور عندنا ذكره فخر الإسلام في المبسوط. وإنما يرد علينا أن لو لم نجعلها آية في القرآن وتمام تقريره في «الكافي». وتعلقت الباء بمحذوف تقديره: باسم الله أقرأ أو أتلو، لأن الذي يتلو التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال باسم الله والبركات كان المعنى باسم الله أحل وباسم الله أرتحل، وكذا الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله باسم الله كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له. وإنما قدر المحذوف متأخراً لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به، وكانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات وباسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذا بتقديمه وتأخير الفعل. وإنما قدم الفعل في {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] لأنها أول سورة نزلت في قول، وكان الأمر بالقراءة أهم فكان تقديم الفعل أوقع. ويجوز أن يحمل {ٱقْرَأْ } على معنى افعل القراءة وحققها كقولهم فلان يعطي ويمنع غير متعدٍ إلى مقروء به، وأن يكون {بِٱسْمِ رَبّكَ } مفعول {ٱقْرَأْ } الذي بعده. واسم الله يتعلق بالقراءة تعلق الدهن بالإنبات في قوله {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20] على معنى متبركاً باسم الله أقرأ ففيه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه. وبنيت الباء على الكسر لأنها تلازم الحرفية والجر فكسرت لتشابه حركتها عملها، والاسم من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون كالابن والابنة وغيرهما؛ فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة تفادياً عن الابتداء بالساكن تعذراً، وإذا وقعت في الدرج لم يفتقر إلى زيادة شيء. ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال «سم» و«سم» وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز كيد ودم وأصله «سمو» بدليل تصريفه كأسماء وسمي وسميت. واشتقاقه من السمو وهو الرفعة لأن التسمية تنويه بالمسمّى وإشادة بذكره، وحذفت الألف في الخط هنا وأثبتت في قوله: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } لأنه اجتمع فيها ـــ أي في التسمية ـــ مع أنها تسقط في اللفظ لكثرة الاستعمال، وطولت الباء عوضاً عن حذفها، وقال عمر بن عبد العزيز لكاتبه: طول الباء وأظهر السينات ودور الميم، والله أصله الإله ونظيره الناس أصله الأناس، حذفت الهمزة وعوض منها حرف التعريف. والإله من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بالحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا. وأما الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره، وهو اسم غير صفة لأنك تصفه ولا تصف به، لا تقول شيء إله كما لا تقول شيء رجل، وتقول الله واحد صمد، ولأن صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجري عليه فلو جعلتها كلها صفات لبقيت صفات غير جارية على اسم موصوف بها وذا لا يجوز. ولا اشتقاق لهذا الاسم عند الخليل والزجاج ومحمد ابن الحسن والحسين بن الفضل. وقيل: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم «أله» إذا تحير ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن ولذا كثر الضلال وفشا الباطل وقل النظر الصحيح. وقيل: هو من قولهم أله يأله إلاهاً إذا عبد فهو مصدر بمعنى مألوه أي معبود كقوله {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 11] أي مخلوقه. وتفخم لامه إذا كان قبلها فتحة أو ضمة، وترقق إذا كان قبلها كسرة. ومنهم من يرققها بكل حال، ومنهم من يفخم بكل حال والجمهور على الأول. والرحمن فعلان من رحم وهو الذي وسعت رحمته كل شيء كغضبان من غضب وهو الممتلىء غضباً، وكذا الرحيم فعيل منه كمريض من مرض. وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم لأن في الرحيم زيادة واحدة وفي الرحمن زيادتين، وزيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى، ولذا جاء في الدعاء يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن. وقالوا: الرحمن خاص تسمية لأنه لا يوصف به غيره، وعام معنى لما بينا. والرحيم بعكسه لأنه يوصف به غيره ويخص المؤمنين ولذا قدم الرحمن وإن كان أبلغ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى. يقال: فلان عالم ذو فنون نحرير لأنه كالعلم لما لم يوصف به غير الله، ورحمة الله إنعامه على عباده وأصلها العطف وأما قول الشاعر في مسيلمة: شعر : وأنت غيـث الورى لا زلــت رحمانـا تفسير : فباب من تعنتهم في كفرهم. ورحمن غير منصرف عند من زعم أن الشرط انتفاء فعلانة إذ ليس له فعلانة، ومن زعم أن الشرط وجود فعلي صرفه إذ ليس له فعلى، والأول أوجه. {ٱلْحَمْدُ } الوصف بالجميل على جهة التفضيل، وهو رفع بالابتداء وأصله النصب. وقد قرىء بإضمار فعله على أنه من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم شكراً وكفراً. والعدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره والخبر. {لِلَّهِ } واللام متعلق بمحذوف أي واجب أو ثابت. وقيل: الحمد والمدح أخوان وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها. تقول: حمدت الرجل على إنعامه وحمدته على شجاعته وحسبه، وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال: شعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا تفسير : أي القلب، والحمد باللسان وحده وهو إحدى شعب الشكر ومنه الحديث «حديث : الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده» تفسير : وجعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان أشيع لها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال، ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفران. وقيل: المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الكمال ككونه باقياً قادراً عالماً أبدياً أزلياً، والشكر ثناء على ما هو منه من أوصاف الإفضال والحمد يشملهما. والألف واللام فيه للإستغراق عندنا خلافاً للمعتزلة، ولذا قرن باسم الله لأنه اسم ذات فيستجمع صفات الكمال وهو بناء على مسألة خلق الأفعال وقد حققته في مواضع. {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } الرب المالك ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن. تقول ربه يربه رباً فهو رب، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل. ولم يطلقوا الرب إلاّ في الله وحده وهو في العبيد مع التقييد {أية : إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَايَّ } تفسير : [يوسف: 23] {أية : قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ } تفسير : [يوسف: 50]، وقال الواسطي: هو الخالق ابتداء، والمربي غذاء، والغافر انتهاء. وهو اسم الله الأعظم والعالم كل ما علم به الخالق من الأجسام والجواهر والأعراض، أو كل موجود سوى الله تعالى سمي به لأنه علم على وجوده. وإنما جمع بالواو والنون مع أنه يختص بصفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم. {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } ذكرهما قد مر وهو دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة إذ لو كانت منها لما أعادهما لخلو الإعادة عن الإفادة. {مَـٰلِكِ }: عاصم وعليّ ملك: غيرهما وهو الاختيار عند البعض لاستغنائه عن الإضافة ولقوله: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } تفسير : [غافر: 16] ولأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكاً، ولأن أمر الملك ينفذ على المالك دون عكسه. وقيل: المالك أكثر ثواباً لأنه أكثر حروفاً. وقرأ أبو حنيفة والحسن رضي الله عنهما «ملك» {يَوْمِ ٱلدّينِ } أي يوم الجزاء ويقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى، وهذه إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع كقولهم: شعر : يا سارق الليلة أهل الدار تفسير : أي مالك الأمر كله في يوم الدين. والتخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده، وإنما ساغ وقوعه صفة للمعرفة مع أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية لأنه أريد به الاستمرار فكانت الإضافة حقيقية، فساغ أن يكون صفة للمعرفة، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه رباً أي مالكاً للعالمين ومنعماً بالنعم كلها ومالكاً للأمر كله يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه.{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } «إيا» عند الخليل وسيبويه اسم مضمر، والكاف حرف خطاب عند سيبويه ولا محل له من الإعراب. وعند الخليل هو اسم مضمر أضيف «إيا» إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل والفاعل. وقال للكوفيون: إياك بكمالها اسم وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، والمعنى نخصك بالعبادة وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونخصك بطلب المعونة، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب للالتفات، وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } تفسير : [يونس: 22]، وقوله: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ } تفسير : [فاطر: 9]، وقول امريء القيس: شعر : تطاول ليلك بالإثمد ونام الخلي ولم ترقد وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبإٍ جاءني وخبرته عن أبي الأسود تفسير : فالتفت في الأبيات الثلاثة حيث لم يقل ليلي وبت وجاءك، والعرب يستكثرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبوب عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ لاستلذاذ إصغائه، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة والعلماء النحارير وقليل ما هم. ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء، وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك. وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة، أو لنظم الآي كما قدم الرحمن، وإن كان الأبلغ لا يقدم. وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان، فيه، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات ويكون قوله: «اهدنا» بياناً للمطلوب من المعونة كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي ثبتنا على المنهاج الواضح كقولك للقائم: قم حتى أعود إليك أي أثبت على ما أنت عليه. أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال. وهدى يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد، فأما تعديه إلى مفعول آخر فقد جاء متعدياً إليه بنفسه كهذه الآية، وقد جاء متعدياً باللام وبإلى كقوله تعالى: {أية : هَدَانَا لِهَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 43] وقوله: {أية : هَدَانِي رَبّي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [الأنعام: 161]. والسراط: الجادة من سرط الشيء إذا ابتلعه كأنه يسرط السابلة إذا سلكوه. والصراط من قلب السين صاداً لتجانس الطاء في الإطباق لأن الصاد والضاد والطاء والظاء من حروف الإطباق، وقد تشم الصاد صوت الزاي لأن الزاي إلى الطاء أقرب لأنهما مجهورتان وهي قراءة حمزة، والسين قراءة ابن كثير في كل القرآن وهي الأصل في الكلمة، والباقون بالصاد الخالصة وهي لغة قريش وهي الثابتة في المصحف الإمام، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، والمراد به طريق الحق وهو ملة الإسلام. {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط وهو في حكم تكرير العامل، وفائدته التأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم تفسيره صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده وهم المؤمنون و الأنبياء عليهم السلام أو قوم موسى صلى الله عليه وسلم قبل أن يغيروا {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ } بدل من الذين أنعمت عليهم، يعني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال أو صفة للذين، يعني أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال. وإنما ساغ وقوعه صفة للذين وهو معرفة و «غير» لا يتعرف بالإضافة لأنه إذا وقع بين متضادين وكانا معرفتين تعرف بالإضافة نحو »عجبت من الحركة غير السكون«. والمنعم عليهم والمغضوب عليهم متضادان، ولأن الذين قريب من النكرة لأنه لم يرد به قوم بأعيانهم »وغير المغضوب عليهم« قريب من المعرفة للتخصيص الحاصل له بإضافته، فكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه فاستويا. »وعليهم« الأولى محلها النصب على المفعولية، ومحل الثانية الرفع على الفاعلية. وغضب الله إرادة الانتقام من المكذبين وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على ما تحت يده. وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } تفسير : [المائدة: 60] والضالون هم النصارى لقوله تعالى {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } تفسير : [المائدة: 77]، »ولا« زائدة عند البصريين للتوكيد، وعند الكوفيين هي بمعنى غير. آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجب كما أن رويد اسم لأمهل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آمين فقال: «افعل» وهو مبني وفيه لغتان: مد ألفه وقصرها وهو الأصل والمد بإشباع الهمزة قال: شعر : يا رب لا تسلبّني حبها أبدا ويرحم الله عبداً قال آمينا تفسير : وقال: آمين فزاد الله ما بيننا بعداً. قال عليه السلام: «حديث : لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب» تفسير : وقال: إنه كالختم على الكتاب. وليس من القرآن بدليل أنه لم يثبت في المصاحف.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الحمد لله} لفظه خبر كأنه سبحانه وتعالى يخبر أن المستحق للحمد هو الله تعالى، ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله وفيه تعليم الخلق كيف يحمدونه والحمد والمدح أخوان، وقيل بينهما فرق وهو أن المدح قد يكون قبل الإحسان وبعده والحمد لا يكون إلا بعد الإحسان، وقيل إن المدح قد يكون منهياً عنه، وأما الحمد فمأمور به، والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة ويكون بمعنى الثناء بجميل الأفعال، تقول: حمدت الرجل على علمه وكرمه والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر، إذ لا تقول شكرت فلاناً على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامداً، وقيل: الحمد باللسان قولاً، والشكر بالأركان فعلاً، والحمد ضد الذم واللام في لله لام الاستحقاق كقولك الدار لزيد يعني أنه المستحق للحمد لانه المحسن المتفضل على كافة الخلق على الإطلاق {رب العالمين} الرب بمعنى المالك كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أصلحها فالله تعالى، مالك العالمين ومربيهم ومصلحهم، ولا يقال الرب للمخلوق معرفاً بل يقال رب الشيء مضافاً. والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لكل موجود سوى الله تعالى فيدخل فيه جميع الخلق. وقال ابن عباس: هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب وقيل العالم اسم لذوي العلم من الملائكة والجن والإنس ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل. واختلف في مبلغ عددهم فقيل لله ألف عالم ستمائة عالم في البحر وأربعمائة في البر. وقيل ثمانون ألف عالم أربعون ألفاً في البر ومثلهم في البحر. وقيل ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. الفسطاط الخيمة واشتقاق العالم من العلم وقيل من العلامة، وإنما سمي بذلك لأنه دال على الخالق سبحانه وتعالى {الرحمن الرحيم} فالرحمن هو المنعم بما لا يتصور صدور تلك النعمة من العباد، والرحيم هو المنعم بما يتصور صدور تلك النعمة من العباد، فلا يقال لغير الله رحمن، ويقال لغيره من العباد رحيم. فإن قلت قد سمي مسيلمة الكذاب برحمان اليمامة وهو قول شاعرهم فيه: وأنت غيث الورى لا زلت رحماناً. قلت هو من باب تعنتهم في كفرهم ومبالغتهم في مدح صاحبهم فلا يلتفت إلى قولهم هذا. فإن قلت: قد ذكر الرحمن الرحيم في البسملة فما فائدة تكريره هنا مرة ثانية. قلت: ليعلم أن العناية بالرحمة أكثرها من غيرها من الأمور وأن الحاجة إليها أكثر فنبه سبحانه وتعالى بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها وأنه هو المتفضل بها على خلقه. قوله تعالى: {مالك يوم الدين} يعني أنه تعالى صاحب ذلك اليوم الذي يكون فيه الجزاء. والمالك هو المتصرف بالأمر والنهي، وقيل: هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى. وقيل: مالك أوسع من ملك لأنه يقال مالك العبد والدابة ولا يقال ملك هذه الأشياء ولأنه لا يكون ملكاً لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون مالكاً لشيء ولا يملكه وقيل ملك أولى، لأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكاً وقيل هما بمعنى واحد مثل فرهين وفارهين، قال ابن عباس: مالك يوم الدين قاضي يوم الحساب. وقيل: الدين الجزاء ويقع على الخير والشر يقال كما تدين تدان وقيل هو يوم لا ينفع فيه إلا الدين وقيل الدين القهر. يقال: دنته فدان أي قهرته فذل. فإن قلت: لم خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكاً للأيام كلها؟ قلت: لأن ملك الأملاك يومئذ زائل فلا ملك ولا أمر يومئذ إلا لله تعالى كما قال تعالى:{أية : الملك يومئذ الحق للرحمن} تفسير : [الفرقان: 26] وقال: {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} تفسير : [غافر: 16] وقد يسمى في دار الدنيا آحاد الناس بالملك وذلك على المجاز لا على الحقيقة. قوله تعالى: {إياك نعبد} رجع من الخبر إلى الخطاب، وفائدة ذلك من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء في الغيبة أولى. ومن قوله: إياك نعبد دعاء والخطاب في الدعاء أولى. وقيل فيه ضمير أي قولوا: إياك نعبد والمعنى إياك نخص بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، وسمي العبد عبداً لذلته وانقياده. وقيل: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤدي به الفرض لتعظيم الله تعالى، فقول العبد إياك نعبد معناه لا أعبد أحداً سواك، والعبادة غاية التذلل من العبد ونهاية التعظيم للرب سبحانه وتعالى لأنه العظيم المستحق للعبادة ولا تستعمل العبادة إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم وهي إيجاد العبد من العدم إلى الوجود ثم هداه إلى دينه فكان العبد حقيقاً بالخضوع والتذلل به {وإياك نستعين} أي منك نطلب المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا. فإن قلت: الاستعانة على العمل إنما تكون قبل الشروع فيه فلم أخر الاستعانة على العبادة وما الحكمة فيه؟. قلت ذكروا فيه وجوهاً أحدها أن هذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل ونحن بحمد الله نجعل التوفيق والاستطاعة مع الفعل فلا فرق بين التقديم والتأخير. الثاني أن الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولاً ثم ذكر ما هو من تفاصيلها ثانياً. الثالث كأن العبد يقول شرعت في العبادة فإني أستعين بك على إتمامها فلا يمنعني من إتمامها مانع. الرابع إن العبد إذا قال إياك نعبد حصل له الفخر وذلك منزلة عظيمة فيحصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك بقوله وإياك نستعين ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك العبادة {اهدنا الصراط المستقيم} أي أرشدنا، وقيل ثبتنا، وهو كما تقول للقائم قم حتى أعود إليك ومعناه دم على ما أنت عليه وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية يعني سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية لأن الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى وهذا مذهب أهل السنّة والصراط الطريق، قال جرير: شعر : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم تفسير : أي على طريقة حسنة، قال ابن عباس: هو دين الإسلام، وقيل هو القرآن وروى ذلك مرفوعاً. وقيل السنّة والجماعة وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين للجنة {صراط الذين أنعمت عليهم} هذا بدل من الأول، أي الذين مننت عليهم بالهداية والتوفيق، وهم الأنبياء والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {أية : فأولـئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين} تفسير : [النساء: 69] وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى الذين لم يغيّروا ولم يبدلوا وقيل هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته {غير المغضوب عليهم} يعني غير صراط الذين غضبت عليهم. والغضب في الأصل هو ثوران دم القلب لإرادة الانتقام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه" تفسير : وإذا وصف الله به فالمراد منه الانتقام فقط دون غيره وهو انتقامه من العصاة وغضب الله لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين {ولا الضالين} أي وغير الضالين عن الهدى وأصل الضلال الغيبوبة والهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه وهلك وقيل غير المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى. عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال" تفسير : أخرجه الترمذي، وذلك لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: {أية : من لعنه الله وغضب عليه} تفسير : [المائدة: 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال: {أية : ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل} تفسير : [المائدة: 77]ٍ وقيل: غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة والله أعلم. فصل: في آمين وحكم الفاتحة وفيه مسألتان: الأولى: السنّة للقارئ بعد فراغه من الفاتحة أن يقول آمين مفصولاً عنها بسكتة، وهو مخفف وفيه لغتان المد والقصر قال في المد: ويرحم الله عبداً قال آمينا. وقال في القصر: آمين فزاد الله ما بيننا بعداً. ومعنى آمين اللهم اسمع واستجب. وقال ابن عباس: معناه كذلك يكون. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى وقيل هو خاتم الله تعالى على عباده به يدفع عنهم الآثام (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"تفسير : قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين وفي رواية للبخاري "حديث : أن الإمام إذا قرا غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ". تفسير : (قوله: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة). معناه وافقهم في وقت التأمين فأمن مع تأمينهم، وقيل: وافقهم في الصفة والخشوع والإخلاص والقول الأول هو الصحيح. واختلفوا في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة وقيل غيرهم من الملائكة. (قوله غفر له ما تقدم من ذنبه): يعني تغفر له الذنوب الصغائر دون الكبائر وقول ابن شهاب: كان رسول الله صلى عليه وسلم يقول آمين معناه أن هذه صيغة تأمينه صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية في حكم الفاتحة: اختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة فذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى وجوب الفاتحة وأنها متعينة في الصلاة ولا تجزئ إلا بها، واحتجوا بما روى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" تفسير : أخرجاه في الصحيحين وبحديث أبي هريرة: "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ثلاثاً غير تمام" تفسير : الحديث وقد تقدم في فضل سورة الفاتحة وذهب أبو حنيفة إلى أن الفاتحة لا تتعين على المصلي بل الواجب عليه قراءة آية من القرآن طويلة أو ثلاث آيات قصار واحتج بقوله تعالى: {أية : فاقرءوا ما تيسر منه} تفسير : [المزمل: 20] وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي المسيء صلاته "حديث : ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن" تفسير : أخرجاه في الصحيحين دليل الجمهور ما تقدم من الأحاديث. فإن قيل المراد من الحديث لا صلاة كاملة قلنا هذا خلاف ظاهر لفظ الحديث ومما يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" تفسير : أخرجه الدارقطني وقال إسناده صحيح وعنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد" أخرجه أبو داود. وأجيب عن حديث الأعرابي بأنه محمول على الفاتحة فإنها متيسرة أو على ما زاد على الفاتحة أو على العاجز عن قراءة الفاتحة، والله أعلم.
ابن عرفة
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}: قال ابن رشد في البيان (في رسم نذر سنة): لم يختلف قول مالك: إنّها لا تقرأ في الفريضة لا في أوّل الحمد، ولا في (أول) السورة التي بعدها لأنها ليست آية منها. (وليست) من القرآن إلا في سورة النمل: وإنما ثبت في المصحف الاستفتاح بها. قال: ويتحصل في قراءتها في أول الحمد في الفريضة أربعة (وجوه): قراءتها للشافعي - وكراهتها لمالك - واستحبابها لمحمد ابن مسلمة - والرابع قراءتها سرّا استحبابا -. وأما النافلة فلمالك فيها في الحمد قولان، وله فيما عدا الحمد ثلاثة، فله في هذه الرواية القراءة، وله في رواية أشهب عنه عدمها إلا أن يقرأ القرآن في صلاته عرضا، وفي المدونة أنّه يخيّر -انتهى. قال القاضي عماد الدين: ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها آية من الفاتحة وعنه في كونها آية من (أول) كل سورة قولان: ((فمن أصحابه من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، ومنهم من حملها على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع كل آية من أول كل سورة آية؟ ونقل السهيلي)) في الروض الأنف (عن) داود وأبي حنيفة أنها آية مقترنة مع السورة. ابن عرفة: قيل البسملة آية من كل سورة. فقال الغزالي في المستصفى: معناه أنها آية مع كل سورة وليست جزءا من كل سورة. وقال غيره: معناه أنها آية أي جزء من كل سورة. وورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها: (ما كنا نعلم تمام السورة إلا بالبسملة) فظاهره (أنها) تكرر إنزالها مع كل سورة مثل {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : وظاهر غيره من الأحاديث أنه لم يتكَرر فإذا قلنا: إنها مع أول كل سورة فكيف (تصح) قراءة ورش بإسقاطها. قال: لكن يجاب بما (قال) ابن الحاجب بتعارض الشبهات: أي أن كل واحد من الخصمين يرى أن ما أتى به خصمه شبهة أعني دليلا باطلا وهما قويان فتعارضت الشبهات. قال ابن عرفة: ولا بد من زيادة ضميمة أخرى وهي الإجماع على أنها قرآن من حيث الجملة، فلذلك صح التعارض. قال بعضهم: والنافي هنا دليله أقوى، وظاهر كلام ابن عطية في آخر سورة الحمد (أنّ عدد آي السور قياسي لا سماعي) لأنّه قال: أجمع الناس على أنّ (عدد) آي الحمد سبع. (ربّ) العَالمين آية - الرّحْمَان الرحِيمِ آية - (مَالِكِ يَوْمِ) الدّينِ آية -نَسْتَعينُ آية - أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية - وَلاَ الضّالّينَ آية. ونص الغزالي (في المستصفى) على أنه مسموع وكذلك قال الزمخشري في أول سورة البقرة في تفسير قوله: الم. قال الزمخشري: وذكر الزجاج أنه يفخم (لاَمَهُ) وعلى ذلك العرب كلهم وإطباقهم عليه دليل على أنهم ورثوه كابرا عن كابر. قال ابن عرفة: إنما يفخم في الرفع، والنصب أما الخفض فلا. قال ابن عرفة: وكان الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد (بن عثمان) بن أيوب (الهزميري) يحكي عن علماء الشافعية بالمشرق أنهم يقسمون البسملة ثلاثة أقسام: قسم هي فيه آية في أول الفاتحة، وقسم هي فيه بعض آية، وذلك في (سورة) النمل، وقسم بعضها فيه آية، وهو: {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. {بِسْمِ اللهِ}: إما متعلق بفعل أو اسم وقدّره الزمخشري (في) "بسم الله أقرأ وأتلو" وقدره ابن عطية: بِسم الله أبتدئ. قال (ابن عرفة): وكان الشيوخ يستصوبون تقدير الزمخشري، فإنه يجعل (قراءته) من أولها إلى آخرها مصاحبة لاسم الله تعالى. وقد قال الشيخ عز الدين في قواعده: في قول الإنسان عند الأكل {بِسْمِ اللهِ} معناه: آكل باسم الله، وليس معناه: أبدأ باسم الله، ولهذا كانوا ينتقدون على الشاطبي في قوله: في (النّظم) أولا" وهلا قال "نظمت باسم الله (في الذكر أولا"). (حتى تكون التسمية مصاحبة له في جميع نظمه) فإن قلت: لِمَ قدر الفعل متأخرا؟ فالجواب: (إنّه إنما) قدره كذلك ليفيد الاختصاص لأنهم كانوا يقولون: واللاّت والعزى ويبدؤون بآلهتهم، قُدّم اسم الله هنا (للتوجيه والحصر) كما في إياك نعبد. وابن أبي الربيع وغيره كانوا يقولون: إنّما قدم بِسْمِ الله (هنا) للاهتمام به. قوله تعالى: {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}: إن قلت: لِمَ قدم الوصف بالرّحمان مع أنه أبلغ على الوصف بالرحيم فيلزم أن يكون تأكيدا للأقوى بالأضعف. (فأجيب) (بوجهين): - الأول: الرّحمان لما كان خاصا بالله تعالى جرى مجرى (الأسماء) الأعلام التي تلي العوامل فقدم على الرحيم. - (الثاني): إن الرّحمان دال على جلائل النعم والرّحيم على دقائقها. قاله الزمخشري. قال ابن عرفة: وكان (يسبق) لنا تقريره بأنّهما يختلفان (باعتبار) المتعلق، فالرحمة قسمان لأنّ الرحمة بالإنقاذ من الموت أشد من الرّحمة بإزالة شوكة، فقد يرحم الإنسان عَدُوّهُ بالإنقاذ من الموت ولا تطيب نفسه أن يرحمه بإزالة شوكة تؤلمه في (بدنه) (فتقديم) الرّحمة الأُولى لا يستلزم هذه بوجه. قلت: وقرر ابن عرفة لنا في الختمة الثانية السؤال المتقدم: بأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص (فيبدأ) في الثبوت بالأعم، ثم بالأخص وفي النفي على العكس ورَحمان أخص من رحيم. وقرر لنا جوابه بأن الرحمان دال على كثير النّعم بالمطابقة وعلى دقائقها بالالتزام ودلالة المطابقة أقوى من دلالة الالتزام فذكر الرحيم بعده ليدل على دقائق النعم بالمطابقة. وإليه أشار الزمخشري بقوله: والرحيم أتى به (كالتّتمة) ليتناول ما دق منها. ولما (رأى)، وذكر أن الرّحْمَانَ أبلغ لكونه أكثر حروفا قال: وهو من الصفات الغالبة كالدّبران (والعرب) لم (تستعمله) في غير الله أما قول بني حنيفة في (مسيلمة) الكذاب: رحمان اليَمامة. وقول شاعرهم: شعر : وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا (فباب) من تعنتهم في كفرهم تفسير : قال ابن عرفة: هو لا يحتاج إليه، وكان (يظهر) لنا الجواب عنه بأن رَحْمانا في قولهم: رحمان اليمامة (استعمل مضافا) ورحمانا في البيت منكرا. وأما الرحمان المعرّف بالألف واللام فخاص بالله لم يستعمل في غيره (فانتفى) السؤال. وكذا نص إمام الحرمين في الإرشاد خلافا (للفاسي) في شرح الشاطبية، فإنه نص على أن المختصّ بالله مجموع الرّحْمَانِ الرّحِيم ونحوه في أسئلة ابن السيد البطليوسي. قلت: ونقل لي بعضهم عن القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام أنه أجاب عن السؤال المتقدم بوجوه. أحدها: الجواب المتقدم: أتى بالرحيم على سبيل التتمة، وقد حصل الغرض بذكر الرّحْمَانِ وفائدته تحقق دخول ما يتوهم خروجه. - الثاني: مراعاة الفواصل، عند من يرى أنها من الفاتحة. - الثالث: أن الرّحمان يستلزم الرّحيم لكنه ذكر ليدل عليه مطابقة. قال: وأجاب ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح بأن الرّحمان كثر استعماله حتى عُومل معاملة العلم بخلاف الرّحيم فإنه لم يخرج عن كونه صفة. قال: أو تقول إنها ليست للمبالغة. وقول الزمخشري: إن العرب لا تزيد حرفا إلا لمعنى ممنوع، (وسند) المنع قولهم في حذر وبطر وأشد إنها أبلغ من حاذر وباطر وأشد. قلت: وأجاب بعض النحاة المعاصرين بأن حذر ناب مناب محذور، ومحذور أكثر حروفا من حاذر بخلاف حاذر، فإنه لم ينب مناب شيء (حسبما) نص عليه ابن عصفور في (مقربه) في باب الأمثلة. قلت: وأجاب ابن عرفة: بأنّ ذلك فيما عدل فيه عن الأصل والقياس إلى غيره كحذر وحاذر فإن القياس في اسم الفاعل منه أن يكون على وزن فاعل (فإنما) عدل عن ذلك لمعنى وغرض زائد، وهو إرادة المبالغة، وأما الذي لم يعدل فيه عن الأصل كرحمان ورحيم فنقول الأكثر حروفا (أبلغ) ولهذا (قرر) القاضي العماد (رحمان) أبلغ. قال: ورحمان ورحيم كلاهما معدولان وحذر معه كذلك بخلاف حاذر فما عدل إلا للمبالغة. واستشكل الغزالي (في الإحياء) قولهم: أَرْحَمُ الرّاحمِينَ مع أن الكفار في جهنم لم تصلهم رحمة بوجه، وهنالك قال: ما في الإمكان (أبدع) مما كان. وانتقدها الناس عليه. وأجاب ابن عرفة: عن الإشكال بأن ذلك باعتبار مراعاة جميع الصفات لله تعالى لأن من صفاته -شديد العقاب - وذلك صادق بعذاب أهل النَار ونعيم أهل الجنة. فرحمته (هي) أشد الرحمة، وعقابه هو أشد العقاب. وعادتهم يخطئون الغزالي في هذه المسألة، ويقولون: كل عذاب فالعقل يجوز أن يكون أشد منه في الوجود، وكل نعيم فالعقل يجوز أن يكون هناك أحسن منه. قال الزمخشري: فإن قلت ما معنى وصفه (بالرحمة ومعناها العطف والحنو ومنه) الرّحم لانعطافها على ما فيها. قلت: هو مجاز على إنعامه على عباده. قال ابن عرفة: قالوا كل مجاز لا بد له من حقيقة الاّ هذا فإن الرحمة هي العطف (والحنو)، وذلك (ما هو) حقيقته إلا في الأجسام وتقرر أن غير الله لا يطلق عليه اسم الرحمان فهو مجاز لا حقيقة له. وتكلم ابن عطية هنا في الاسم هل هو عين المسمى أو غيره؟ قال الفخر ابن الخطيب في نهاية العقول: المشهور عن أصحابنا أنّ الاسم هو المسمى، وعن المعتزلة أنه التسمية، وعن الغزالي أنه مغاير لهما، والناس طوّلوا في هذا وهو عندي (فضول) لأن البحث عن ذلك مسبوق بتصور ماهية الاسم وماهية المسمى، فالاسم هو الاسم الدال بالوضع لمعنى من غير زمان والمسمى هو وضع ذلك اللفظ بإزائه، فقد يكون اللفظ غير المسمى لعلمنا أن لفظ الجواز مغاير لحقيقة (المجاز)، وقد يكون نفسه لأن لفظ الاسم اسم (للفظ) الدال على المعنى المجرد (عن) الزمان، ومن جملة تلك الألفاظ (لفظ) الاسم، فيكون الاسم اسما لنفسه من حيث هو اسم. وقال غيره: إنّ السؤال (سفسطة). وقال الآمدي (في أبكار الأفكار)، وهو أحسن من تكلم عليه لأن المسألة لها تعلق باللغة (وتعلق بأصول الدين) أما اللغة فمن حيث إطلاق لفظ (الاسم) هل المراد به الذات فيكون الاسم (هو) المسمى أو اللفظ الدال عليه كـ {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : أما تعلقها بأصول الدين فهو (هل) المعقول (من الذات) (منها) وحدها أو منها مع اسمها (أم لا)؟ فإن كان (المعقول) منهما واحدا كان الاسم هو المسمى كالعالم والقادر. وقال ابن عرفة: والصواب أن المعقول من الذات من حيث اتصالها بالصفة غير المعقول منها مجردة عن تلك الصفة، (فإنا) إذا فهمنا من لفظ العالم الذات من حيث اتصافها بالعلم استحال اتصافها بالجهل، بخلاف قولنا: "إن المعقول هو الذات القابلة (للاتصاف) بالعلم وبضده ولا شك أن المعقولين متغايران". وانظر كلام الآمدي، فهو طويل نقلته بكامله في آخر سورة الحشر وانظر مختصر ابن عرفة في فصل (الحقيقة) وما قيدته أنا في أواخر مسلم على حديث (إن لله) تسعا وتسعينا اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة. قلت: وقال ابن عرفة مرة أخرى: منهم من قال: تارة يراد بالاسم المسمى مثل: زيد عاقل، وتارة يراد به التسمية: كزيد (وزنه فعل)، ومنهم من قال: يراد به المسمى: كزيد قادر، إذا أردت الذات. وتارة يراد به الصفة، فقادر موضوع لأن يولد به القدرة، وهو صفة من صفات الذات، والله أعلم بالصواب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: "مالك": بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك: {الرحيم ملك} مدغماً: أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل {أية : قال لهم} تفسير : [البقرة: 249] أو مخرج واحد مثل {أية : ولتأت طائفة} تفسير : [النساء: 102] أو قريبي المخرج مثل {أية : خلقكم} تفسير : [لقمان: 28] و {أية : لقد جاءكم} تفسير : [البقرة: 92] سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل {أية : أنبتت سبع سنابل} تفسير : [البقرة: 261] ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل {أية : قيل لهم} تفسير : [البقرة: 11] و {أية : لذهب بسمعهم} تفسير : [البقرة: 20] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو {أية : أحل لكم} تفسير : [البقرة: 187] و {أية : مس سقر} تفسير : [القمر: 48] أو منقوصاً مثل {أية : وما كنت ترجو} تفسير : [القصص: 86] و {أية : كنت تراباً} تفسير : [النبأ: 40] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل {أية : البحر لتأكلوا} تفسير : [النحل: 14] و {أية : والحمير لتركبوها} تفسير : [النحل: 8] إلا في مواضع أربعة {أية : كاد يزيغ} تفسير : [التوبة: 117] و {أية : قال رب} تفسير : [المؤمنون: 26] في كل القرآن و {أية : الصلاة طرفي النهار} تفسير : [هود: 114] و {أية : بعد توكيدها} تفسير : [النحل: 91] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو {أية : أفأنت تهدي} تفسير : [يونس: 43] {أية : أفأنت تسمع} تفسير : [الزخرف: 40] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. "الصراط" بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن: حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. "عليهم": وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن: حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو {أية : أأنذرتهم أم} تفسير : [يس: 10]. الوقوف: العالمين (لا) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم (لا) لذلك. الدين (ط) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين (ط) لابتداء الدعاء. المستقيم (لا) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم (لا) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين(ه). التفسير: روي عن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ" تفسير : وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" تفسير : فذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في تفسير القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه. وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف وقد "حديث : دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" تفسير : فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك؟! وإنما النهي يحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوّل القرآن على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك، ولكن يلبس على خصمه. وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وقد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: المراد بفرعون في قوله تعالى {أية : اذهب إلى فرعون إنه طغى} تفسير : [النازعات: 17] هو النفس. الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير. فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أوّلاً ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة كقوله تعالى {أية : وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} تفسير : [الإسراء: 59] معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها. فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، وما يدري بما ظلموا وإنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم. وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية. واعلم أن مقتضى الديانة أن لا يؤوّل المسلم شيئاً من القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح مثل: الجنة والنار والصراط والميزان والحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها، ولكنه يجب أن يثبت تلك الأعيان كما جاءت. ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزاً ولطائف بحسب ما كوشف فلا بأس، فإن الله تعالى ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، وما خلق في العالمين شيئاً إلا وله أنموذج في عالم الإنسان والله تعالى أعلم. والتفسير أصله الكشف والإظهار وكذلك سائر تقاليبه. من ذلك: سفرت المرأة كشفت عن وجهها، والسفر لأنه يكشف به عن وجوه الحوائج، ومنه السرف لأنه يكشف به عن ماله حينئذ. والرفس لأنه يكشف عن عضوه وانكشاف حال المقيد في رسفانه واضح. فمن التفسير ما يتعلق باللغة ومنه ما يتعلق بالصرف أو النحو أو المعاني أو البيان إلى غير ذلك من العلوم كما أشرنا إلى ذلك في آخر المقدمة العاشرة، ومنه أسباب النزول وذكر القصص والأخبار وغير ذلك. ونحن على أن نورد بعد القرآن مع الترجمة القراءة ثم الوقوف ثم أسباب النزول ثم التفسير الشامل لجميع ذلك، ثم التأويل إن كان، ولم نذكره في التفسير ونذكر منه ما هو أقرب إلى الإمكان والله المستعان. فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول: في البسملة مسائل: الأولى: الجار والمجرور لا بد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو: ابدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال: بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى {أية : بسم الله مجريها ومرساها} تفسير : [هود: 41] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون: ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقول: باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في {إياك نعبد} صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. قال في الكشاف: وإنما قدم الفعل في {أية : اقرأ باسم ربك} تفسير : [العلق: 1] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنهما أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. وقال صاحب المفتاح: الصواب أن يقال: معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان: إما تعلق القلم بالكتبة في قولك "كتبت بالقلم" كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" تفسير : وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى {أية : تنبت بالدهن} تفسير : [المؤمنون: 20] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله "بالرفاء والبنين" أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره. الثانية: أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ "الله" بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة: أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال. الثالثة: طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله. وقال أهل الإشارة: الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ "الله" ارتفعت واستعملت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه. الرابعة: إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة. قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا "الله" الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ: ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف قبل النون من لفظ "الرحمن" فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن. الخامسة: الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل: لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في "يد" و "دم" فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول: سم كما قال: باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال: "سم" كأن الأصل عنده "سمو". وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً. السادسة: قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري: إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة: الاسم نفس المسمى لقوله تعالى {أية : تبارك اسم ربك} تفسير : [الرحمن: 78] مكان "تبارك ربك": والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي. وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. قالوا: إذا قال الرجل: زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً. قلنا: المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا. السابعة: وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً. وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل. وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر. الثامنة: أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: أولها: لاسم الواقع على الذات. ثانيها: الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على الإنسان ثالثها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ. رابعها: الواقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها: الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها: صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً. ثامنها: صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق. تاسعها صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته. التاسعة: هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟ ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته؟ وما الفائدة في ذلك؟ أقول: لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبداً، وأنه تعالى بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقاً. فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضاً إذا كان الواضع هو الله تعالى وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسماً مخصوصاً لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور. فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات. ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه. منهم من قال: هو ذو الجلال والإكرام ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" تفسير : ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات. ومنهم من يقول: إنه الحي القيوم" حديث : لقوله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب حين قال له: ما أعظم آية في كتاب الله؟ فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال صلى الله عليه وسلم:"ليهنك العلم يا أبا المنذر".تفسير : وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوّماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي. ومنهم من قال: إن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا ينبغي أن يفاوت بينها، ورد بما مرّ من أن اسم الذات أشرف من اسم الصفة، ومنهم من قال: إن الإسم الأعظم هو الله وهذا أقرب، لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه سبحانه، وإذا كان كذلك كان دالاً على ذاته المخصوصة، ويؤيد ذلك ما روت أسماء بنت زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] وفاتحه سورة آل عمران {ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تفسير : [آل عمران: 1 - 2] وعن بريدة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ". تفسير : ولا شك أن اسم الله في الآية والحديث أصل والصفات مرتبة عليه هذا، وأما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزائه فمحال في حق الله تعالى، لأن ذاته تعالى مبرأ عن شائبة التركيب بوجه من الوجوه. وأما الاسم الدال بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة، فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود، وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود، فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأسماء الدالة على الوجود منها الشيء ويجوز إطلاقه على الله تعالى عند الأكثرين لقوله تعالى {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم}تفسير : [الأنعام: 19] {أية : كل شيء هالك إلا وجهه} تفسير : [القصص: 88] أي ذاته. وفي الخبر "حديث : كان الله ولم يكن شيء غيره" تفسير : ولأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذاته تعالى كذلك. حجة المخالف قوله تعالى {أية : الله خالق كل شيء} تفسير : [الرعد: 16] فلو كان الله تعالى شيئاً لزم أن يكون خالق نفسه. ومثله {أية : وهو على كل شيء قدير} تفسير : [التغابن: 1] قلنا: خص بالدليل العقلي. قالوا: ليس من صفات المدح. قلنا: نعم هو خير من لا شيء، وإن كان سائر الأشياء مشتركة معه في ذلك كالموجود والكريم والحليم، فإن كلاً منها مدح بالنسبة إلى من لا وجود له ولا كرم ولا حلم، بل الشيء بالحقيقة هو وباقي الأشياء شيئيتها مستعارة كوجودها ومنها الموجود. وأطبق المسلمون على جواز إطلاقه عليه تعالى وكيف لا؟ ومعنى قول الموحد لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله. ومنها الذات ولا شك في جواز إطلاقه عليه إذ يصدق على كل حقيقة أنها ذات الصفات أي صاحبة الصفات القائمة بها، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن إبراهيم لم يكذّب إلا في ثلاث: ثنتين في ذات الله" تفسير : - أي في طلب مرضاته ـ ومنها النفس قال تعالى: {أية : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} تفسير : [المائدة: 116] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنت كما أثنيت على نفسك" تفسير : أي على ذاتك وحقيقتك. ومنها الشخص قال: "حديث : لا شخص أغير من الله تعالى ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" "ولا شخص أحب إليه العذْر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين" "ولا شخص أحب إليه المدحة من الله" تفسير : والمراد بالشخص الحقيقة المتعينة الممتازة عما عداها. ومنها النور قال عز من قائل: {أية : الله نور السماوات والأرض} تفسير : [النور: 35] وليس المراد به ما يشبه الكيفية المبصرة وإنما المراد أنه الظاهر في نفسه المظهر لغيره. وإذ لا ظهور ولا إظهار فوق ظهوره وإظهاره فإنه واجب الوجود لذاته أزلاً وأبداً، ومخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود. فإذن هو نور الأنوار تعالى وتقدس، وسوف يأتيك تمام التحقيق إذا وصلنا إلى سورة النور وهو أعلم بحقائق الأمور. ومنها الصورة وقد ورد في الخبر "حديث : أن الله خلق آدم على صورته" تفسير : فقيل: معناه خلق آدم على صورته التي كان عليها يعني ما تولد من نطفة ودم وما كان جنيناً، ورضيعاً بل خلقه الله تعالى رجلاً كاملاً دفعة واحدة. وقيل في حديث آخر "حديث : لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" تفسير : المراد من الصورة الصفة كما يقال: صورة هذه المسألة كذا أي خلقه على صفته في كونه خليفة في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية كما أنه تعالى نافذ القدرة في جميع العالم. ويمكن أن يقال: الصورة إشارة إلى وجه المناسبة التي ينبغي أن تكون بين كل علة ومعلولها، فإن الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، وكنا قد كتبنا في هذا رسالة. ومنها الجوهر وأنه لا يطلق عليه بمعنى موجود لا في موضوع، أي إذا وجد كان وجودهن بحيث لا يحتاج إلى محل يقوم به ويستغني المحل عنه، لأن ذلك ينبئ عن كون وجوده زائداً على ماهيته. وإنما يمكن أن يطلق عليه بمعنى آخر وهو كونه قائماً بذاته غير مفتقر إلى شيء في شيء أصلاً لكن الإذن الشرعي حيث لم يرد بذلك وجب الامتناع عنه. ومنها الجسم ولا يطلقه عليه إلا المجسمة، فإن أرادوا الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة فمحال للزوم التركيب والتجزي، وإن أرادوا معنى يليق بذاته من كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل فالإذن الشرعي لم يرد به فلزم الامتناع. ومنها الماهية والآنية أي الحقيقة التي يسأل عنها بما هي وثبوته الدال عليه لفظ "ان"، ولا بأس بإطلاقهما عليه إذا أريد بهما الحقيقة والذات المخصوصة إلا من حيث الشرع. ومنها الحق فإنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم، إما بحسب ذاته فلأنه الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله، والحق يقال بإزاء الباطل والباطل يقال للمعدوم قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وإما بحسب ما يقال إن هذا الخبر حق وصدق فهذا الخبر أحق وأصدق، وإما بحسب ما يقال إن هذا الاعتقاد حق فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه أصوب الاعتقادات المطابقة. القسم الثاني في الأسماء الدالة على كيفية الوجود منها القديم وهو في اللغة يفيد طول المدة، وفي الشرع يرادفه الأزلي، ويراد بهما ما لا أول له في الطرف الماضي كالأبدي في الطرف المستقبل. وكذا السرمدي واشتقاقه من السرد التوالي والتعاقب، زيدت الميم للمبالغة. ونعني بالنسبة في هذه الألفاظ أنه تعالى منسوب إلى عدم البداية والنهاية في كلا طرفي الامتداد الوهمي المسمى بالزمان. ومنها الممتد والمستمر ونعني بهما تلاحق الأجزاء وتعاقب الأبعاض، ولا يخفى أن أمثال هذه الألفاظ إنما يصح إطلاقها بالحقيقة على الزمان والزمانيات، وأما في حق الله جل ذكره فلا يصح إلا بالمجاز بعد التوقيف. ومنها الباقي قال تعالى: {أية : كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} تفسير : [الرحمن: 26 - 27] وأنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم. ومنها الدائم وهو كالباقي. ومنها واجب الوجود لذاته أي ذاته اقتضى وجوده، وما بالذات لا ينفك عنه أبداً فهو ممتنع الفناء والعدم أزلاً وأبداً ولهذا قيل: خداي معناه خوداي أي أنه جاء بنفسه. ومنها الكائن قال تعالى: {أية : وكان الله عليماً حكيماً} تفسير : [الفتح: 4] وفي بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا كائناً قبل كل كون، ويا حاضراً مع كل كون، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون" تفسير : واعلم: أن لفظة "كان" تفيد الحصول والثبوت والوجود، إلا أن هذا قسمان: منه ما يفيد حصول الشيء في نفسه، ومنه ما يفيد حصول موصوفية شيء بشيء. والأول يتم باستناده إلى ذلك الشيء وهي التامة، والثاني لا يتم إلا بذكر شيئين وهي الناقصة نحو: كان زيد عالماً أي حصل موصوفية زيد بالعلم وكلا القسمين يجوز إطلاقه عليه تعالى. القسم الثالث في الصفات الحقيقية المغايرة للوجود ولكيفيات الوجود. الفلاسفة والمعتزلة أنكروا قيام مثل هذه الصفات بذات الله تعالى أشد إنكار لأن واجب الوجود لذاته يجب أن يكون واحداً من جميع جهاته، ولأن تلك الصفة لو كانت واجبة الوجود لزم شريك للباري مع أن الجمع بين الوجود الذاتي وبين كونه صفة للغير، والصفة مفتقرة إلى الموصوف محال، وإن كانت ممكنة الوجود فلها علة موجدة، ومحال أن يكون هو الله تعالى لأنه قابل لها فلا يكون فاعلاً لها، ولأن ذاته لو كانت كافية في تحصيل تلك الصفة فتكون ذاته بدون تلك الصفة كاملة في العلية وهو المطلوب، وإن لم تكن كافية لزم النقص المنافي لوجوب الوجود. حجة المثبتين أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً، ثم إنا ندرك التفرقة بين قولنا: "ذات الله تعالى ذات" وبين قولنا: "ذاته عالم قادر" وذلك يدل على المغايرة بين الذات وهذه الصفات. وإذا قلنا بإثبات الصفة الحقيقية فنقول: العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور. والصفة الحقيقية العارية عن النسب والإضافات في حقه تعالى ليست إلا صفة الحياة إن لم نقل إنها عبارة عن الدرّاكية والفعالية، بل يقال: إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً وقادراً، والتحقيق أن الحياة عبارة عن كون الشيء بحيث يصدر عنه ما من شأنه أن يصدر عنه كما ينبغي أن يصدر عنه، ولا ريب أن واجب الوجود تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم، لأن وجوب الوجود يقتضي اتصافه بجميع الصفات الكمالية وصدور الأشياء الممكنة عنه على النحو الأفضل، ولهذا مدح الله تعالى به نفسه قائلاً {أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تفسير : [البقرة: 255] {أية : وعنت الوجوه للحي القيوم} تفسير : [طه: 111] وأما الأسماء الدالة على الصفات الإضافية، فمنها التكوين وهو عند المعتزلة والأشعري نفس المكوّن. وقال غيرهم: إنه غيره. حجة الأولين أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة وهي القدرة لا غير، أو على سبيل الوجوب. ويلزم كونه موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار. وأيضاً إن كانت قديمة لزم قدم الآثار، وإن كانت حادثة افتقرت إلى تكوين آخر وتسلسل الآخرون. قالوا: كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية، لأن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً، فإن القادر على الفعل قد يوجد وقد لا يوجد. ومنها كونه تعالى معلوماً ومذكوراً مسبحاً ممجداً فيقال: يا أيها المسبح بكل لسان، ويا أيها الممدوح عند كل إنسان، ويا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان. ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية. ومنها ألفاظ متقاربة تدل على مجرد كونه موجداً مثل الموجد ومعناه المؤثر في الموجود، والمحدث وهو أخص لأنه الذي جعله موجوداً بعد العدم، والمكوّن وهو كالموجد والمنشئ ومعناه ينشئ على التدريج والمبدع والمخترع ويفهم منهما الإيجاد الدفعي، وكذا الفاطر مثل الصانع ويفهم منه تكلف، وأما الخلق فهو التقدير وأنه في حق الله تعالى يرجع إلى العلم، وأما الباري فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة. يقال: برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقاً لغرض معين. ومنها ألفاظ تدل على إيجاد شيء بعينه وأنها تكاد تكون غير متناهية. ومنها ألفاظ تدل على إيجاد النوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية، فإذا خلق المنافع سمي نافعاً، وإذا خلق الألم سمي ضاراً، وإذا خلق الحياة سمي محيياً، وإذا خلق الموت سمي مميتاً، وإذا خصهم بالإكرام سمي براً لطيفاً، وإذا خصهم بالقهر سمي قهاراً جباراً، وإذا أقلّ العطاء سمي قابضاً، وإذا أكثر سمي باسطاً، وإذا جازى الذنوب بالعقاب سمي منتقماً، وإذا ترك ذلك الجزاء سمي عفوّاً غفوراً رحماناً رحيماً، وإذا حصل المنع والإعطاء في المال سمي قابضاً باسطاً، وإذا حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضاً رافعاً. وأما الصفات السلبية فمنها ما يعود إلى الذات كقولنا إنه ليس جوهراً ولا جسماً ولا مكانياً ولا زمانياً ولا حالاً ولا محلاً ولا مفتقراً إلى شيء غيره، تعالى في ذاته وفي صفاته، وإنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ومنها ما يعود إلى الصفات، ولا يخفى أن كل صفة من صفات النقص يجب تنزيه الله عنها، وذلك إما راجع إلى أضداد العلم كنفي النوم {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم} تفسير : [البقرة: 255] وكنفي النسيان {أية : وما كان ربك نسياً} تفسير : [مريم: 64] وكنفي الجهل {أية : لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} تفسير : [سبأ: 3] وكأن لا يمنعه العلم ببعض المعلومات عن العلم بغيره لا يشغله شأن عن شأن. وإما راجع إلى أضداد القدرة ككونه منزهاً في أفعاله عن التعب والنصب {أية : وما مسنا من لغوب} تفسير : [ق: 38] وإنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات وتقديم المادة والمدّة {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} تفسير : [النحل: 40] وأنه لا يتفاوت في قدرته القليل والكثير {أية : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} تفسير : [النحل: 77] وأنه لا تنتهي قدرته {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} تفسير : [إبراهيم: 19] وإما راجع إلى صفة الوحدة كنفي الأنداد والأضداد {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11] {أية : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} تفسير : [المؤمنون: 91] أو إلى صفة الاستغناء {أية : وهو يطعم ولا يُطْعَم } تفسير : [الأنعام: 14] {أية : وهو يجير ولا يجار عليه} تفسير : [المؤمنون: 88] ومنها ما يعود إلا الأفعال لا يخلق الباطل {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} تفسير : [ص: 27] لا يخلق اللعب {أية : وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} تفسير : [الأنبياء: 17] لا يخلق العبث {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} تفسير : [المؤمنون: 115] لا يرضى بالكفر، لا يريد الظلم، لا يحب الفساد لا يؤذي من غير سابقة جرم {أية : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}تفسير : [النساء: 146] لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}تفسير : [الإسراء: 7] ليس لأحد أن يعترض عليه في أفعاله وأحكامه {أية : لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}تفسير : [الأنبياء: 23] {أية : لا يخلف الميعاد}تفسير : [آل عمران: 9] ومن أسماء السلوب القدوس والسلام لأنه منزه وسالم من نقائص الإمكان. ومنها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير أو لا يغلبه شيء، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة ولا يمنع من إيصال الرحمة، والصبور الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه، وربما يفرق بينهما بأن المكلف يأمن العقوبة في صفة الحليم دون صفة الصبور. وأما الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية فمنها: القادر والقدير والمقتدر والمالك والملك ومالك الملك والمليك والقوي وذو القوة ومعانيها ترجع إلى القدرة ومنها ما يرجع إلى العلم {أية : ولا يحيطون بشيء من علمه}تفسير : [البقرة: 255] {أية : عالم الغيب والشهادة}تفسير : [التغابن: 18] {أية : وهو بكل شيء عليم}تفسير : [البقرة: 29] {أية : علام الغيوب}تفسير : [المائدة: 109] {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] {أية : علم الله أنكم كنتم تختانون}تفسير : [البقرة: 187] {أية : والله يعلم ما تسرون وما تعلنون}تفسير : [النحل: 19] {أية : وعلم آدم الأسماء} تفسير : [البقرة: 31] ولم يرد علامة وإن كان يفيد المبالغة لأن ذلك بتأويل أمة أو جماعة. والخبير يقرب من العليم وكذا الشهيد إذا فسر بكونه مشاهداً لها، وإذ أخذ من الشهادة كان من وصف الكلام. والحكمة تشارك العلم من حيث إنه إدراك حقائق الأشياء كما هي وتباينه بأنها أيضاً صدور الأشياء عنه كما ينبغي. واللطيف قد يراد به إيصال المنافع إلى الغير بطرق خفية عجيبة، والتحقيق أنه الذي ينفذ تصرفه في جميع الأشياء. ومنها ما يرجع إلى الكلام {أية : وكلم الله موسى تكليماً}تفسير : [النساء: 164] {أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً} تفسير : [الشورى: 51] {أية : وإذ قال ربك}تفسير : [البقرة: 30] {أية : ما يبدل القول لديَّ} تفسير : [ق: 30] {أية : ومن أصدق من الله قيلاً}تفسير : [النساء: 122] {أية : إنما أمره}تفسير : [يس: 81] {أية : إن الله يأمركم}تفسير : [النساء: 58] {أية : وعد الله حقاً}تفسير : [النساء: 122] {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى}تفسير : [النجم: 9] {أية : وكان الله شاكراً عليماً} تفسير : [النساء: 147] {أية : كان سعيكم مشكوراً}تفسير : [الدهر: 22] وذلك أنه أثنى على عبده بمثل قوله {أية : كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} تفسير : [الذاريات: 18 - 19] وهذا صورة الشكر. ومنها ما يرجع إلى الإرادات {أية : يريد الله بكم اليسر}تفسير : [البقرة: 85] رضي الله عنهم أي صار مريداً لأفعالهم {أية : يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] {أية : والله يحب المطهرين}تفسير : [التوبة: 108] يريد إيصال الخير إليهم {أية : كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً}تفسير : [الإسراء: 38]. الأشعرية: الكراهية عبارة عن إرادة عدم الفعل. المعتزلة: له صفة أخرى غير الإرادة. ومنها ما يرجع إلى السمع والبصر {أية : إنني معكما أسمع وأرى} تفسير : [طه: 46] {أية : إنه هو السميع البصير} تفسير : [الإسراء: 1] {أية : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} تفسير : [الأنعام: 103] وأما الصفات الإضافية مع السلبية فكالأول لأنه مركب من معنيين: أحدهما أنه سابق على غيره، والثاني لا يسبق عليه غيرهن وكالآخر فإنه الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعد غيرهن، وكالقيوم فإنه الذي يفتقر إليه غيره ولا يفتقر إلى غيره، والظاهر إضافة محضة وكذا الباطن، أي أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب الماهية. وأما الاسم الدال على مجموع الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية فالإله، ولا يجوز إطلاق هذا اللفظ في الإسلام على غير الله وأما الله، فسيأتي أنه اسم علم. وقد بقي ههنا أسماء يطلقها عليه تعالى أهل التشبيه ككونه متحيزاً أو حالاً في المتحيز استبعاداً منهم أنه كيف يكون موجود خالياً عن كلا الوصفين وهو عند أهل التقديس محال للزوم الافتقار، اللهم إلا أن يقال استصحاب المكان لا يستلزم الافتقار إلى المكان ومنها العظيم والكبير وهما متقاربان لقوله تعالى في موضع {أية : وهو العلي العظيم}تفسير : [البقرة: 255] وفي آخر {أية : وهو العلي الكبير}تفسير : [سبأ: 23] وقد يفرق بينهما بأنه ورد "حديث : الكبرياء ردائي و العظمة إزاري" تفسير : والرداء أرفع من الإزار. وأيضاً اختص تحريم الصلاة بالله أكبر دون الله أعظم. ولا ريب أن إطلاق العظمة والكبر على الله تعالى بحسب الحجمية والمقدار كما للأجسام محال للزوم التبعيض والتجزئة. ومنها العلي والمتعالي، فإن العلو بالمعنى المستلزم للتمكن محال على الله فإما أن يراد بمثل هذه الألفاظ مزيد الرتبة والشرف على الممكنات، وإما أن يقال: إنا نطلق هذه الأسماء للإذن الشرعي فنكل معانيها إلى مراد الله تعالى، وإما أن نستمد في إدراكها بضرب من الكشف والعيان. (العاشر في الأسماء المضمرة) قال عز من قائل: {أية : إنني أنا الله لا إله إلا أنا}تفسير : [طه: 14] ولا يصح لغيره هذا الذكر إلا حكاية. وما جاء من قول بعض أهل الكمال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا. إشارة إلى كمال المحبة وغاية إرادة الاتصاف بصفة المحبوب وفناء إرادته في إرادته، وقال: {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}تفسير : [الأنبياء: 87] ولا يصح هذا إلا من العبد بشرط الحضور والمشاهدة. وقال {أية : لا إله إلا هو}تفسير : [البقرة: 255] وإنما يصح هذا من الغائبين. واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه، فكل حاضر غائب بالنسبة إلى ما فوق تلك الدرجة، ورب غائب حاضر كما قيل: شعر : أيا غائباً حاضراً في الفؤاد سلام على الغائب الحاضر تفسير : وفي لفظة "هو" أسرار عجيبة منها: أن العبد إذا قال: يا هو فكأنه يقول: ما للتراب ورب الأرباب؟ وما المناسبة بين المتولد من النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم؟ فلهذا ينادي نداء الغائبين ويقول: يا هو. ومنها أنه إذا قال: يا هو فقد حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه نفي محض، لأنه لو حصل في الوجود شيئان لكان قوله "هو" صالحاً لهما جميعاً فلا يتعين النداء. ومنها إذا قال: يا رحمن فكأنه يتذكر رحمته أو يطلب رحمته، وكذا إذا قال: يا كريم وغيره من الصفات. فأما إذا قال: "يا هو" فكأنه استغرق في بحر العرفان وفني عما سوى الذات. ومنها إذا قال: "يا هو" فكأنه يقول: أجلّ حضرتك أن أمدحك، وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك وهي صفات الجلال نحو: لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا في المحل، أو بإسناد كمالات الممكنات إليك وهي صفات الإكرام ككونه مرتباً للموجودات على النحو الأكمل، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي. ومنها أن هذا الذكر يفيد أن المنادي بسيط محض لا طريق إلى تصوره إلا بالإشارة العقلية. ومنها أن العبد كأنه دهش حتى ذهل عن كل ما يوصف به مالكه إلا عن هذه الإشارة. ولاختصاص هذا الذكر بهذه الأسرار ذكر الغزالي لا إله إلا الله توحيد العوام، ولا إله إلا هو توحيد الخواص. وذلك أن قوله "لا هو" معناه كل شيء هالك، وقوله "إلا هو" معناه إلا وجهه. ومن جملة الأذكار الشريفة: يا هو يا من لا هو إلا هو، يا أزل يا أبد يا دهر يا ديهور يا من هو الحي الذي لا يموت. ولقد لقنني بعض المشايخ من الذكر: يا هو يا من هو هو يا من لا هو إلا هو يا من لا هو بلا هو إلا هو. فالأول فناء عما سوى الله، والثاني فناء في الله، والثالث فناء عما سوى الذات، والرابع فناء عن الفناء عما سوى الذات. الحادي عشر في بقية مباحث الأسماء اختلفوا في أسماء الله تعالى توقيفية أم لا. فمال بعضهم إلى التوقيف لأنا نصف الله تعالى بكونه عالماً ولا نصفه بكونه طبيباً وفقيهاً ومستيقناً، فلولا أن أسماءه توقيفية لوصف بمثلها وإن كان على سبيل التجوز. القائلون بعدم التوقيف احتجوا بأن أسماء الله تعالى وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية وأن شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها. والجواب أن عدم التوقيف في غير اللغة العربية لا يوجب عدمه في العربية، وبأن الله تعالى قال: {أية : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} تفسير : [الأعراف: 180] وكل اسم دل على صفات الكمال ونعوت الجلال كان حسناً ويجوز إطلاقه. والجواب أنه يجوز ولكن بعد التوقيف لم قلتم إنه ليس كذلك؟ والغزالي فرق بين اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوّز الثاني. واعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على معانٍ لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق الله تعالى منها: الاستهزاء {أية : الله يستهزئ بهم}تفسير : [البقرة: 15] والاستهزاء مذموم لكونه جهلاً {أية : قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : [البقرة: 67]. ومنها المكر {أية : ومكروا ومكر الله}تفسير : [آل عمران: 54] ومنها الغضب {أية : وغضب الله عليهم}تفسير : [الفتح: 6] ومنها التعجب {أية : بل عجبت ويسخرون}تفسير : [الصافات: 12] فيمن قرأ بضم التاء. والتعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر {أية : الجبار المتكبر}تفسير : [الحشر: 23] ومنها الحياء {أية : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً}تفسير : [البقرة: 26] والحياء تغير يعرض للقلب والوجه عند فعل شيء قبيح. والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها في النهاية مثاله: الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه. فالغضب في حقه تعالى محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن في البداية، وقس على هذا. قيل: إن لله تعالى أربعة آلاف اسم، ألف منها في القرآن والأخبار، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور. وقد يقال: ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد، فإن أقسام صفات الله تعالى بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر، وكل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله تعالى في تدبير العالم العلوي والعالم السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء الله أكثر. وإن قلنا: إن له بكل مخلوق اسماً وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار، خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عز من قائل: {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34] فإن قلت: إنا نرى في كتب العزائم أذكاراً غير معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضاً غير معلومة، فما بال تلك الأذكار والرقى؟ قلت: لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلاً لم تفد، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئاً من هذه الأدعية. ولا ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات، إلا أن أكثر الناس إذا قرأوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات، لم يكد يظهر عليهم شروق أنوارها ولهذا قد ورد "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" نعوذ بالله من هذه الحالة. أما إذا قرأوا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئاً وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية، استولى الفزع والرعب على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة. واعلم أن بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات عجيبة، والنفوس مختلفة والجنسية علة الضم، فكل اسم يغلب معناه على بعض النفوس فإذا واظب صاحبه على ذلك الاسم كان انتفاعه به أسرع والله الموفق. حكي أن الشيخ أبا النجيب البغدادي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يرى مصلحته فيه، ثم يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين. وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له: اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق، وإن رآه تأثر مزيد تأثر عند سماع اسم خاص أمره بالمواظبة على ذلك الذكر وقال: إن أبواب المكاشفات تنفتح عليك من هذا الطريق. وذلك أن الرياضة والمجاهدة لا تغلب النفوس عن أحوالها الفطرية، ولكنها تضعف بحيث لا تستولي على الإنسان ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" "حديث : الأرواح جنود مجندة" "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له"تفسير : فهذا تمام البحث عن مطلق الأسماء. (الثاني عشر في الأبحاث المختصة باسم الله) المختار عند الخليل ومتابعيه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن هذا اللفظ ليس بمشتق ألبتة، وأنه اسم علم له سبحانه وتعالى. لأنه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كلياً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا "إلا الله" موجباً للتوحيد المحض. فلا يدخل الكافر بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" في الإسلام كما لو قال: "أشهد أن لا إله إلا الرحمن" أو "إلا الملك" لا يدخل بذلك في الإسلام بالاتفاق. وأيضاً الترتيب العقلي ذكر الذات ثم تعقيبه بالصفات نحو: زيد الفقيه الأصولي النحوي. ثم إنا نقول: الله الرحمن الرحيم العالم القادر ولا نقول بالعكس، فدل ذلك على أن "الله" اسم علم. وقراءة من قرأ {أية : إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض}تفسير : [إبراهيم: 1 - 2] بخفض اسم الله ليست لأجل أن جعله وصفاً وإنما هو للبيان، فوازنه وزان قولك: "مررت بالعالم الفاضل الكامل زيد". وأيضاً قال تعالى: {أية : هل تعلم له سمياً} تفسير : [مريم: 65] وليس المراد به الصفة والإلزام خلاف الواقع، فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلا الله. حجة القائلين باشتقاقه قوله عز من قائل {أية : وهو الله في السموات وفي الأرض} تفسير : [الأنعام: 3] فإنه لا يجوز أن يقال هو زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك جارياً مجرى قولك "هو زيد الذي لا نظير له في البلد"؟ قالوا: لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه تعالى، كان اسم العلم له ممتنعاً. وأيضاً العلم للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز. قلنا: وضع العلم لتعيين الذات المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة، وكأن النزاع بين الفريقين لفظي، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه. وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره. وينبغي أن يكون المراد من كون الله تعالى معبوداً كونه مستحقاً ومستأهلاً لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات. ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلاً وأبداً، فيكون إلهاً أزلاً وأبداً وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : [الإسراء: 44] {أية : إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا}تفسير : [مريم: 93] والعبد الصالح من يعبد الله تعالى لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، حتى لو فرض حصول المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابداً، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن عبادته أيضاً. وقيل: اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه. فالنفوس لا تسكن إلا إليه تعالى، والعقول لا تقف إلا لديه، لأن الكمال محبوب لذاته {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا}تفسير : [الرعد: 28 - 29] وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان. وقيل: من لاه ارتفع لأنه تعالى ارتفع عن مشابهة الممكانات ومناسبة المحدثات. وقيل: من أله في الشيء إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ذاته نظراً إلى وجود مصنوعاته، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه، فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه الجلال والجمال، وههنا العجز عن درك الإدراك إدراك. وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول. فإنا إنما نستدلّ على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانه معها وجوداً وعدماً وشروقاً وأفولاً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان يكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كان ذاته تعالى باقياً على حاله وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال الضعفاء أن هذه الأشياء موجودة بذواتها فلا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق محجوب. وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأن العباد مولعون بالتضرع إليه في البليات {أية : وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه}تفسير : [الروم: 33] هذا شأن الناقصين، وأما الكاملون فهو جليسهم وأنيسهم أبداً. شكا بعض المريدين كثرة الوسواس فقال الشيخ: كنت حدّاداً عشر سنين وقصاراً عشراً وبواباً عشراً. فقيل: وكيف وما رأينا منك؟ قال: القلب كالحديد ألينه بنار الخوف عشراً، ثم شرعت في غسله عن الأوضار والأوزار عشراً، ثم وقفت على باب القلب عشراً أسل سيف "لا إله إلا الله" فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله ويدخل فيه حب الله، فلما خلت عرصة القلب من غيره وقويت فيه محبته سقطت من بحر عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض سر "لا إله إلا الله". وقيل: من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره. والمجير للخلائق من كره المضارّ هو الله {أية : وهو يجير ولا يجار عليه}تفسير : [المؤمنون: 88] ومن لطائف اسم الله أنك إذا لم تتلفظ بالهمزة بقي "الله" {أية : ولله جنود السموات والأرض}تفسير : [الفتح: 4] فإن تركت من هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة "له" {أية : له ما في السموات وما في الأرض}تفسير : [البقرة: 255] وإن تركت اللام الباقية أيضاً بقي الهاء المضمومة من "هو" {أية : قل هو الله أحد}تفسير : [الإخلاص: 1] والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع هما هم. هذا بحسب اللفظ، وأما بحسب المعنى فإذا دعوت الله به فكأنك دعوته بجميع الصفات بخلاف سائر الأسماء ولهذا صحت كلمة الشهادة به فقط والله تعالى أعلم. (الثالث عشر فيما يتعلق بالرحمن الرحيم) الرحمن فعلان من رحم، والرحيم فعيل منه واشتقاقه من الرحمة وهي ترك عقوبة من يستحقها أو إرادة الخير لأهله. وأصله الرقة والتعطف ومنه الرحم لرقتها وانعطافها على ما فيها. واختلف في منع صرف رحمن إذ ليس له مؤنث على فعلى كعطشى، ولا على فعلانة كندمانة، فمن شرط في منع صرف فعلان صفة وجود فعلي صرفه، ومن شرط فيه انتفاء فعلانة لم يصرفه، وإذا تساقط الدليلان للتعارض فللصرف وجه، وهو أن الأصل في الأسماء الصرف ولمنع الصرف وجه وهو القياس على أخوته من بابه نحو: عطشان وغرثان. وزعم قوم أنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، وجمع بينهما للتأكيد والاتساع كقولهم جاد مجدّ قال طرفة. شعر : متى أدن منه ينأ عني ويبعد تفسير : وقال قوم: الرحمن أشد مبالغة استدلالاً بالزيادة في اللفظ على الزيادة في المعنى. قالوا: ولهذا جاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، وربما يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، وفي الآخرة اختصت بالمؤمنين. فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم بالعكس. أما خصوص الرحمن فمن حيث لا يسمى به إلا الله تعالى لأنه من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق، وأما عمومه فمن حيث إنه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع. وأما عموم الرحيم فاشتراك تسمية الخلق به، وأما خصوصه فرجوعه إلى اللطف بالمؤمنين والتوفيق. الضحاك: الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات وأنطق ألسنتهم بأنواع التسبيحات وجنبهم الآفات وقطع عنهم المطامع واللذات، والرحيم بأهل الأرض حيث أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب. فقال عكرمة: الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن لله تعالى مائة رحمة وإنه أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة" تفسير : قال ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه"تفسير : الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا، والرحيم باللأواء وهي ما صرف وزوى. الرحمن بالإنقاذ من النار {أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}تفسير : [آل عمران: 103] والرحيم بإدخالهم الجنان {أية : ادخلوها بسلام آمنين} تفسير : [الحجر: 46] الرحمن الراحم القادر على كشف الضر، والرحيم الراحم وإن لم يقدر على كشف الضر. وتسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن تعنت منهم واقتطاع من أسماء الله تعالى. قال عطاء: ولذلك قرنه الله تعالى بالرحيم لأن هذا المجموع لم يسم غيره. وإنما قدم الرحمن وهو الأعلى على الرحيم، والعادة التدرج من الأدنى إلى الأعلى، لأن الرحمن يتناول عظائم النعم وأصولها، فإردافه بالرحيم كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف. واعلم أن الأشياء التي أنعم الله تعالى بها على الخلق أربعة أقسام: الأول: ما يكون نافعاً وضرورياً معاً وذلك في الدنيا التنفس، فإنه لو انقطع لحظة واحدة مات، وفي الآخرة معرفة الله فإنها إذا زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب واستوجب عذاب الأبد. الثاني: أن يكون نافعاً لا ضرورياً كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة. الثالث: أن يكون ضرورياً لا نافعاً كالآفات والعلل ولا نظير لهذا القسم في الآخرة الرابع: أن لا يكون نافعاً ولا ضرورياً كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة. وبالجملة فكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنما تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمة الله تعالى وفضله من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة، لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا يخشى إلا عقابه. (الرابع عشر في نكت شريفة). الأولى: كل العلوم تندرج في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلوم القرآن في الفاتحة، وعلوم الفاتحة في "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعلومها في الباء، من بسم الله، وذلك أن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه الباء للإلصاق، فهو يوصل العبد إلى الرب وهو نهاية المطلب وأقصى الأمد. وقيل: إنما وقع ابتداء كتاب الله تعالى بالباء دون الألف، لأن الألف تطاول وترفع والباء انكسار وتساقط ومن تواضع لله رفعه الله. الثانية: مرض موسى عليه السلام واشتد وجع بطنه، فشكا إلى الله فدله على عشب في المفازة فأكله فعوفي بإذن الله، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه، فقال: يا رب أكلته أوّلاً فاشتفيت به وأكلته ثانياً فضرني. فقال: لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء. وفي الثانية: ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض. أما علمت أن الدنيا كلها سم وترياقها اسمي. الثالثة: باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة، فلما انفجر الصبح نامت فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها، وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد الباب، وفعل ذلك ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت: ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان. الرابعة: كان بعض العارفين يرعى غنماً فحضر في غنمه الذئب ولا يضر أغنامه، فمر عليه رجل وناداه متى اصطلح الغنم والذئب؟ قال الراعي: من حين اصطلح الراعي مع الله. الخامسة: روي أن فرعون قبل أن ادعى الألوهية قصد أو أمر أن يكتب باسم الله على بابه الخارج، فلما ادعى الألوهية وأرسل الله إليه موسى ودعا فلم ير به أثر الرشد قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً، فقال تعالى: يا موسى لعلك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه. والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً، فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله!؟ السادسة: سمى نفسه رحماناً ورحيماً فكيف لا يرحم؟ روي أن سائلاً وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلاً فجاء بفأس وأخذ يخرب الباب، فقيل له: لم تفعل؟ قال: إما أن تجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب. إلهي كما أثبت في أول كتابك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين من فضلك. السابعة: إذا اشترى العبيد شيئاً من الدواب أو المتاع وضعوا عليه سمة الملك لئلا يطمع فيه العدوّ، فالله تعالى يقول: عبدي عدوّك الشيطان فإذا شرعت في عمل وطاعة فاجعل عليها سمتي وقل: {بسم الله الرحمن الرحيم}. الثامنة: اجعل ذكر الله قرينك حتى لا تبعد عنه في أحوالك. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خاتماً إلى أبي بكر وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله" فدفعه إلى النقاش وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فكتب النقاش ذلك، فأتى أبو بكر بذلك الخاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى النبي فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق" فقال: يا أبا بكر ما هذه الزوائد؟ فقال: يا رسول الله ما رضيت أن أفرق اسمك من اسم الله فما رضي الله أن يفرق اسمي عن اسمك. التاسعة: أن نوحاً صلى الله عليه وسلم لما ركب السفينة قال: {أية : بسم الله مجريها ومرساها} تفسير : [هود: 41] فنجا بنصف هذه الكلمة، فما ظنك بمن واظب على الكلمة طول عمره كيف يبقى محروماً عن النجاة؟ العاشرة: الناس ثلاثة: سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه. فقال: الله للسابقين، الرحمن للمقتصدين، الرحيم للظالمين. الله معطي العطاء، الرحمن المتجاوز عن زلات الأولياء، الرحيم الساتر لعيوب الأغنياء. يعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك، ولو علمت المرأة لجفتك، ولو علمت الأمة لأقدمت على الفرار، ولو علم الجار لسعى في تخريب الدار. الله يوجب ولايته {أية : الله ولي الذين آمنوا}تفسير : [البقرة: 257] الرحمن يستدعي محبته {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}تفسير : [مريم: 96] الرحيم يفيض رحمته {أية : وكان بالمؤمنين رحيماً}تفسير : [الأحزاب: 43] هو رحيم بهم في ستة مواضع: في القبر وحسراته، والقيامة وظلماته، وقراءة الكتب وفزعاته، والصراط ومخافاته، والنار ودركاته والجنة ودرجاته. الحادية عشرة: مر عيسى عليه السلام بقبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتاً، فلما انصرف من حاجته مر بالقبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور. فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله فأوحى الله تعالى إليه: يا عيسى، كان هذا العبد عاصياً وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت وربت ولده حتى كبر فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعلم "بسم الله الرحمن الرحيم" فاستحييت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على ظهر الأرض. الثانية عشرة: كتب عارف "بسم الله الرحمن الرحيم" وأوصى أن تجعل في كفنه. فقيل له في ذلك؟ فقال: أقول يوم القيامة: إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه "بسم الله الرحمن الرحيم" فعاملني بعنوان كتابك. الثالثة عشرة: "بسم الله الرحمن الرحيم" تسعة عشر حرفاً والزبانية تسعة عشر، فالله تعالى يدفع بليتهم بهذه الحروف التسعة عشر. الرابعة عشرة: اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة، ثم فرض خمس صلوات في خمس ساعات فبقي التسعة عشرة ساعة لا تستغرق بذكر الله تعالى، وهذه التسعة عشر حرفاً تقع كفارات للذنوب الواقعة في تلك التسع عشرة. الخامسة عشرة: لما كانت سورة التوبة مشتملة على القتال والبراءة لم يكتب في أولها "بسم الله الرحمن الرحيم" وأيضاً السنة أن يقال عند الذبح: "بسم الله والله أكبر" ولا يقال: "بسم الله الرحمن الرحيم" فلما وفقك الله لذكر هذه الكلمات كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب وإنما خلقك للرحمة والثواب. السادسة عشرة: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رفع قرطاساً من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالاً لله تعالى كتب عند الله من الصدّيقين وخفف عن والديه وإن كانا من المشركين" تفسير : وعن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول ما نزلت هذه الآية على آدم قال: أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم عليه السلام فتلاها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله عليه النار برداً وسلاماً، ثم رفعت بعده فما أنزلت إلا على سليمان وعندها قالت الملائكة: الآن تم والله ملكك، ثم رفعت فأنزلها الله تعالى عليّ، ثم يأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون: "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا وضعت أعمالهم في الميزان ترجحت حسناتهم. وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فإن حفظتك لا يستريحون أن يكتبوا لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك المواقعة ولد كتبت لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد. يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل: "باسم الله والحمد لله" يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة، وإذا ركبت سفينة فقل: "باسم الله والحمد لله" يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها"تفسير : وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم" تفسير : والإشارة فيه إذا صار هذا الاسم حجاباً بينك وبين أعدائك من الجن في الدنيا أفلا يصير حجاباً بينك وبين الزبانية في العقبى؟ شعر : كانت لنفسي أهواء مفرّقة فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي تركت للناس دنياهم ودينهم شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي تفسير : هذا تمام الكلام في تفسير البسملة. وأما تفسير الفاتحة ففيه أيضاً مسائل: الأولى: في أسماء هذه السورة وهي كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. فالأول: فاتحة الكتاب سميت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء. الثاني: سورة الحمد لأن أولها الحمد. الثالث: أم الكتاب وأم القرآن لأنها أصل القرآن وأصل كل كتاب منزل لاشتمالها على الإلهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والنبوات، أو لأن فيها حاصل جميع الكتب السماوية وذلك هو الثناء على الله والاشتغال بالخدمة والطاعة وطلب المكاشفات والمشاهدات، أو لأن المقصود من جميع العلوم معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، أو لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة وهي أم القرى أشرف البلدان، أو أصل لجميع البلدان حيث دحيت من تحتها، وكما أن الحمى سميت أم ملدم لأنهم جعلوها معظم الأوجاع واللدم الضرب. الرابع: السبع المثاني لأنها سبع آيات ولأنها تثنى في كل صلاة، أو لأن نصفها ثناء العبد للرب والنصف الآخر إعطاء الرب العبد، أو لأنها مستثناة لهذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة والإنجيل ولا في الزبور مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم" تفسير : أو لأنها نزلت مرتين، أو لأنها أثنية ومدائح لله تعالى. الخامس: الوافية لأنها تجب قراءة كلها ولا يجزئ بعضها في الصلاة. السادس: الكافية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضاً عنها " تفسير : السابع: الشفاء والشافية لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم " تفسير : الثامن: الأساس لأنها أول سور القرآن فهي كالأساس، أو لأنها تشتمل على أساس العبادات والمطالب. قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس يقول: أساس الكتب القرآن، وأساس القرآن فاتحة الكتاب، وأساس الفاتحة "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس تشف بإذن الله تعالى. التاسع: الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"تفسير : . يعني الفاتحة وهو من باب تسمية الشيء بمعظم أركانه. ومنه يعلم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. العاشر: سورة تعليم المسألة لأن الله تعالى علم عباده فيها آداب السؤال فبدأ بالثناء ثم بالإخلاص ثم بالدعاء. الحادي عشر: سورة الكنز لما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ولهذا قال أكثر العلماء: إنها مكية وخطؤا مجاهداً في قوله: إنها مدنية، وكيف لا؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب أنها من أول ما نزل من القرآن وأنها السبع المثاني، وسورة الحجر مكية بلا خلاف وفيها قوله تعالى: {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني}تفسير : [الحجر: 87] ولا يسعنا القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب. وقد جمع طائفة من العلماء بين القولين فقالوا إنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وعلى هذا فإنها لم تثبت في المصحف مرتين لأنه لم يقع التواتر على نزولها مرتين. ومن فضائل هذه السورة أنه لم يوجد فيها الثاء وهو الثبور {أية : لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً}تفسير : [الفرقان: 14] والجيم وهو جهنم {أية : وإن جهنم لموعدهم أجمعين}تفسير : [الحجر: 43] والخاء وهو الخزي {أية : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} تفسير : [التحريم: 8] والزاء وهو الزفير والزقوم. والشين وهو الشهيق {أية : لهم فيها زفير وشهيق} تفسير : [هود: 106] والظاء وهو لظى {أية : كلا إنها لظى}تفسير : [المعارج: 15] والفاء وهو الفراق {أية : ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون}تفسير : [الروم: 14] فلما أسقط الله تعالى من الفاتحة هذه الحروف الدالة على العذاب وهي بعدد أبواب جهنم لقوله تعالى: {أية : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم}تفسير : [الحجر: 44] غلب على الظن أن من قرأ الفاتحة نجا من جهنم ودخول أبوابها وتخلص من دركات النار وعذابها. الثانية: في المباحث اللفظية. الحمد مبتدأ والله خبره أي الحمد ثابت لله. وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله كقولهم شكراً وعجباً وسبحانك ومعاذ الله، فعدل إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره نحو قوله تعالى {أية : قالوا سلاماً قال سلام}تفسير : [الذاريات: 25] ولهذا كان تحية إبراهيم عليه السلام أحسن من تحيتهم كما جاء {أية : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها}تفسير : [النساء: 86] ومما يدل على أن أصله النصب أن قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} بيان لحمدهم فكأنه قيل: كيف يحمدون؟ فقيل: إياك نعبد. والأصل توافق الجملتين. واللام في "الحمد" لتعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والاستغراق وهم لأنه لو سلم كونه اللام للاستغراق فحمد أبويه مثلاً لا يدخل فيه. وأيضاً نحو نحمد الله لا يفهم منه إلا حقيقة الحمد من حيث هي فكذا ما ناب منابه وهو الحمد لله. وقرأ بعضهم بكسر الدال إتباعاً، وبعضهم بضم اللام. الرب المالك، ربه يربه فهو رب، أو مصدر وصف به للمبالغة كالعدل. وهو مطلقاً مختص بالله تعالى، ومضافاً يجوز إطلاقه على غيره نحو: رب الدار {أية : ارجع إلى ربك} تفسير : [يوسف: 50] وقرئ بالنصب على المدح أو بتقدير نحمد. والعالم اسم موضوع للجمع كالأنام والرهط، وهو ما يعقل من الملائكة والثقلين قاله ابن عباس والأكثرون. وقيل: كل ما علم به الخالق من الجواهر والأعراض كقوله تعالى {أية : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما}تفسير : [الشعراء: 23، 24] فعلى الأول مشتق من العلم وخصوا بالذكر للتغليب، وعلى الثاني من العلامة وجمع ليشمل كل جنس مما سمي به، وجمع بالواو والنون تغليباً لما فيه من صفات العقلاء. {مالك يوم الدين} صفة أخرى. واليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها، أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في عرف الشرع. ويراد به في الآية الوقت لعدم الشمس ثمة. والدين الجزاء بالخير والشر "حديث : كما تدين تدان" تفسير : وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع وإجراء للظرف مجرى المفعول به مثل: يا سارق الليلة أهل الدار. وإنما أفادت التعريف حتى جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه إما بمعنى الماضي نحو {أية : ونادى أصحاب الأعراف}تفسير : [الأعراف: 48] {أية : وسيق الذين اتقوا ربهم} تفسير : [الزمر: 73] أو بمعنى الاستمرار نحو: زيد مالك العبيد. فيكون بمعنى من يملك المفيد للاستمرار نحو: فلان يعطي ويمنع. وحينئذ لا تعمل، فتكون الإضافة حقيقية، وقرئ بنصب الكاف ورفعها مدحاً، وبسكون اللام مخفف ملك مكسور اللام وبجعله فعلاً ماضياً ونصب يوم و مليك رفعاً ونصباً وجراً. "إيا" ضمير منصوب منفصل ولا محل لكاف الخطاب نحو "أرأيتك" وهو مذهب الأخفش والمحققين وحكاية الخليل "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب" شاذ. والأصل نعبدك ونستعينك، فلما قدم الضمير المتصل للاختصاص صار منفصلاً. وقرئ إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء، قال طفيل: شعر : فهياك والأمر الذي إن تراحبت موارده ضاقت عليك مصادره تفسير : فإن قيل: لم عدل عن الغيبة إلى الخطاب؟ قلنا: هذا يسمى الالتفات في علم البيان وذلك على عادة افتنانهم في الكلام والتنقل من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع. وقد يختص مواقعه بفوائد وسننظم لك في سلك التقرير فائدته في هذا الموضع. والعبادة أقصى غاية الخضوع. طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة في غاية الصفاقة وقوة النسج هدى يتعدى باللام أو بإلى {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} تفسير : [الإسراء: 9] {أية : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}تفسير : [الشورى: 52] فعومل معاملة اختار في قوله تعالى {أية : واختار موسى قومه} تفسير : [الأعراف: 155] والأصل فيه الإمالة ومنه {أية : إنا هدنا إليك}تفسير : [الأعراف: 156] أي ملنا والهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك والهدي للذي يساق إلى الحرم أي أمل قلوبنا إلى الحق. والصراط الجادة، وأصله السين من سرط الشيء ابتلعه لأنه يسرط السابلة إذا سلكوه كما سمي لقماً لأنه يلتقمهم، ومثله مسيطر ومصيطر. والصراط يذكر ويؤنث كالطريق والسبيل و {صراط الذين أنعمت عليهم} بدل الكل من {الصراط المستقيم} وفائدته التوكيد كقولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان؟ ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملاً أوّلاً ومفصلاً ثانياً. وقراءة ابن مسعود {صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب} بدل من "الذين" أو صفة. وإنما جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلاً تعريف كقوله: "ولقد أمر على اللئيم يسبني". أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك: عليك بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلاً وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت للإفادة. والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل. وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال: دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه. وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية. والنعمة بفتح النون التنعم وسعة العيش {أية : ونعمة كانوا فيها فاكهين} تفسير : [الدخان: 27] والغضب في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق. وأصل الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق. قال تعالى: {أية : أئذا ضللنا في الأرض}تفسير : [السجدة: 10] و "غير" ههنا بمعنى "لا" و "لا" بمعنى "غير" ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر. تقول: أنا زيداً غير ضارب كما تقول: أنا زيداً لا ضارب. ويعضده ما قرئ وغير الضالين وقرأ أيوب السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد {ولا جأنّ} وآمين مداً وقصراً معناه استجب، كما أن رويد معناه أمهل. وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه إفعل. (الثالث في المباحث الفقهية). البحث الأول: أجمع الأكثرون ومنهم الشافعي على أن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وإن ترك منها حرفا واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته. وعند أبي حنيفة قراءتها غير واجبة لنا أنه صلى الله عليه وسلم واظب طول عمره على قراءتها في الصلاة فتجب علينا لقوله تعالى {أية : فاتبعوه}تفسير : [الأنعام: 153] وأيضاً أقيموا الصلاة معناه الصلاة التي أتى بها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه كان يقرأ الفاتحة فيها فتجب. وأيضاً روي في ذلك أخبار كثيرة مثل "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" "حديث : كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" تفسير : وروى رفاعة بن مالك حديث : أن رجلاً دخل المسجد وصلى، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل: علمني الصلاة يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب"تفسير : ، وظاهر الأمر للوجوب ولا سيما في معرض التعليم. وأيضاً الخلفاء الراشدون واظبوا على قراءتها طول العمر وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"تفسير : وأيضاً المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز إن لم تكن واجبة فثبت أنها واجبة. حجة أبي حنيفة {أية : فاقرءوا ما تيسر من القرآن} تفسير : [المزمل: 20] قلنا: الفاتحة هي المتيسرة المحفوظة على جميع الألسنة. ثم قال: إذا قرأ آية واحدة كفت مثل {الم} أو {أية : حم}تفسير : [الدخان: 1] {أية : والطور}تفسير : [الطور: 1] و {أية : مدهامتان} تفسير : [الرحمن: 64]. أبو يوسف ومحمد: لا بد من قراءة ثلاث آيات أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين. البحث الثاني: قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد {بسم الله الرحمن الرحيم} آية، {الحمد لله رب العالمين} آية، {الرحمن الرحيم} آية، {مالك يوم الدين}آية، {إياك نعبد وإياك نستعين} آية، {اهدنا الصراط المستقيم} آية {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} آية. وعن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن "بسم الله الرحمن الرحيم" تفسير : وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟ فقلت: بلى فقال: بأي شيء تفتتح القرآن إذ افتتحت الصلاة؟ قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: هي هي. وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول "الحمد لله" قال: قل "بسم الله الرحمن الرحيم" وبإسناده عن علي بن أبي طالب أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص في صلاته وبإسناده عن ابن عباس في قوله {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} تفسير : [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب. فقيل لابن عباس: فأين السابع؟ فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم". وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله سبحانه "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فإذا قال العبد "بسم الله الرحمن الرحيم" قال الله: مجدني عبدي وإذا قال: "الحمد لله رب العالمين" قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: "الرحمن الرحيم" قال الله: أثنى عليّ عبدي وإذا قال: "مالك يوم الدين" قال الله: فوّض إلي عبدي وإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين" قال الله: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: "اهدنا الصراط المستقيم" قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار. وأيضاً التسمية مكتوبة بخط القرآن في مصاحف السلف مع توصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه ولذلك لم يثبتوا "آمين". وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: ما أعظم آية في كتاب الله؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فصدّقه النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله {أية : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} تفسير : [النمل: 30] فتكون آية في غير هذا الموضع. وأيضاً إن أكثر الأنبياء أوجبوا على أنفسهم الابتداء بذكر الله قال نوح عند ركوب السفينة: {أية : باسم الله مجريها ومرساها}تفسير : [هود: 41] وكتب سليمان إلى بلقيس "بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله {إنه من سليمان} من قول بلقيس قبل فتح الكتاب، فلما فتحت الكتاب قرأت التسمية فقالت: وإنه {بسم الله الرحمن الرحيم} ولما ثبت الابتداء بالتسمية في حقهم ثبت في حق نبينا أيضاً {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90] وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم". وعن ابن عمر قال: نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" في كل سورة. وأيضاً البسملة من القرآن في النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن فوجب أن نعتقد كونه من القرآن مثل {أية : فبأي آلاء ربكما تكذبان} تفسير : [الرحمن: 13] {أية : ويل يومئذ للمكذبين}تفسير : [المرسلات: 15] حجة المخالف خبر أبي هريرة أيضاً في رواية أخرى قال: "حديث : يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" يقول الله حمدني عبدي"تفسير : إلى آخره. قال: لم يذكر التسمية، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها. قلنا: إذا تعارضت الروايتان فالترجيح للمثبت لا للنافي. قالوا: التنصيف إنما يحصل إذا لم تعد التسمية آية حتى يحصل للرب ثلاث آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف من "إياك نستعين" إلى آخر السورة. أما إذا قلنا التسمية آية صار القسم الأول أربع آيات ونصفاً فينخرم التنصيف. قلنا: نحن نعد التسمية آية ولا نعد "أنعمت عليهم" وهذا أولى رعاية لتشابه المقاطع، ولأن غير صفة أو بدل ويختل الكلام بجعله منقطعاً عما قبله لأن طلب الاهتداء بصراط المنعم عليهم لا يجوز إلا بشرط كون المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالاً بدليل قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً} تفسير : [إبراهيم: 28] فهذا المجموع كلام واحد، وهذا بخلاف {الرحمن الرحيم} فإنا لو قطعنا النظر عن الصفة كان الكلام مع الموصوف غير مختل النظام. قالوا: روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. قلنا: قال الشافعي: لعل عائشة جعلت {الحمد لله رب العالمين} اسماً لهذه السورة كما يقال قرأ فلان "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض". قالوا: لو كانت من الفاتحة لزم التكرار في {الرحمن الرحيم} قلنا: التكرار للتأكيد غير عزيز في القرآن. فإن قيل: إذا عد التسمية آية من كل سورة على ما يروى عن ابن عباس، فمن تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله. فما وجه ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سورة الملك: إنها ثلاثون آية وفي الكوثر إنها ثلاث آيات مع أن العدد حاصل بدون التسمية؟ قلنا: إما أن تعد التسمية مع ما بعدها آية وذلك غير بعيد، ألا ترى أن قوله "الحمد لله رب العالمين" آية تامة، وفي قوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] بعض آية؟ وإما أن يراد ما هو خاصة الكوثر ثلاث آيات، فإن التسمية كالشيء المشترك فيه بين السور. البحث الثالث: عن أحمد بن حنبل أن التسمية آية من الفاتحة، ويسرّ بها في كل ركعة. أبو حنيفة: ليست بآية ويسر بها. مالك: لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً. الشافعي: آية ويجهر بها لأنها بعد ما ثبت كونها من الفاتحة والقرآن لا يعقل فرق بينها وبين باقي الفاتحة حتى يسر بهذه ويجهر بذلك. وأيضاً إنه ثناء على الله وذكر له فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله عز من قائل {أية : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} تفسير : [البقرة: 200] وأيضاً الإخفاء والسر إنما يليق بما فيه نقيصة ومثلبة لا بما فيه مفخرة وفضيلة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله" تفسير : وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين. وكان مذهبه الجهر بها في جميع الصلوات، وقد ثبت هذا منه تواتراً ومن اقتدى به لن يضل. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أدر الحق معه حيث دار" تفسير : وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. وروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير مثل ذلك، وروى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت من الصلاة أين "بسم الله الرحمن الرحيم" أين التكبير عند الركوع والسجود؟ ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير. قال: وكان معاوية شديد الشكيمة ذا شوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية كان مقرراً عند كل الصحابة لم يجسروا على ذلك حجة المخالف ما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. وفي رواية ولم أسمع أحداً منهم قال: {بسم الله الرحمن الرحيم} وفي رواية ولم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم. وعن عبد الله بن المغفل أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول {بسم الله الرحمن الرحيم} فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام! وقد صليت خلف أبي بكر فقال: {الحمد لله رب العالمين} وصليت خلف عمر فقال: {الحمد لله رب العالمين} وصليت خلف عثمان فقال: {الحمد لله رب العالمين} فإذا صليت فقل" {الحمد لله رب العالمين}. والجواب أن حديث أنس معارض بما يروى عنه أيضاً أن معاوية لما ترك التسمية في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار. وروى أيضاً أبو قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. ويروى أيضاً أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة، وإذا اضطربت الروايات عنه وجب الرجوع إلى سائر الدلائل. وأيضاً ففيها تهمة أخرى وهي أن علياً رضي الله عنه كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار علي بن أبي طالب، فلعل أنساً خاف منهم فلهذا اضطربت أقواله. وأيضاً من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم أولى الأحلام والنهي والأكابر والعلماء على غيرهم، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً من أنس وابن المغفل وأقرب موقفاً، وأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يبالغ في الجهر لقوله تعالى {أية : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً}تفسير : [الإسراء: 110] فلهذا لم يسمعا. ورواية المثبت أولى من رواية النافي، والدلائل العقلية معنا ويؤيدها عمل علي بن أبي طالب كما مر. البحث الرابع: تقديم التسمية على الوضوء سنة عند عامة العلماء وليست بواجبة خلافاً لبعض أهل الظاهر حيث قالوا: لو تركها عمداً أو سهواً لم تصح صلاته لنا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : توضأ كما أمرك الله" تفسير : والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء. والصحيح عندنا أن الجنب والحائض لا يقولها بقصد القراءة، والتسمية عند الذبح وعند الرمي إلى الصيد وعند إرسال الكلب مستحبة، فلو تركها عامداً أو ناسياً، لم تحرم الذبيحة عند الشافعي ولكن تركها عمداً مكروه، وعند أبي حنيفة إن ترك التسمية عمداً لم يحل، وإن نسي حل. والعلماء أجمعوا على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال إلا أن يقول: باسم الله، فإذا نام قال باسم الله، وإذا انتبه قال: باسم الله، وإذا قام من المقام قال: باسم الله، وإذا أكل أو شرب قال: باسم الله، وإذا أعطى أو أخذ قال: باسم الله، ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول باسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل باسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا، وإذا قام من القبر قال: باسم الله، وإذا حضر الموقف قال: باسم الله، فلا جرم يدخل الجنة ببركة اسم الله. البحث الخامس: قال الشافعي: ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها. وقال أبو حنيفة: إنها كافية في حق القادر والعاجز. وقال أبو يوسف ومحمد: كافية في حق العاجز لا القادر لنا أنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده وجميع الصحابة ما قرأوا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي فوجب علينا اتباعهم، وكيف يجوّز عاقل قيام الترجمة بأي لغة كانت وهي كلام البشر مقام كلام خالق القوى والقدر؟ وقالوا: وروي عن عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم رجلاً أن شجرة الزقوم طعام الأثيم والرجل لا يحسنه. فقال: قل طعام الفاجر، ثم قال عبدالله: ليس الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم الحكيم إنما الخطأ بأن تضع آية الرحمة مكان آية العذاب. قلنا: الظن بابن مسعود غير ذلك. قالوا {أية : وإنه لفي زبر الأولين}تفسير : [الشعراء: 196] {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}تفسير : [الأعلى: 18 - 19] ولا ريب أن القرآن بهذا اللفظ ما كان في زبر الأولين لكن بالعبرية والسريانية. قلنا إن القصص والمواعظ موجودة لا باللفظ بل بالمعنى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الموجود فيها قرآناً، فإن النظم المعجز جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل. البحث السادس: الشافعي في القول الجديد قال: تجب قراءة الفاتحة على المقتدي سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها. وفي القديم: تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وأحمد أبو حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال لنا قوله تعالى {أية : فاقرءوا ما تيسر من القرآن}تفسير : [المزمل: 20] وقوله: "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"تفسير : يشمل المنفرد والمقتدي، وأيضاً روى الترمذي في جامعه بإسناده عن عبادة بن الصامت "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم قال: إني أراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا: أي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها". تفسير : قال: وهذا حديث حسن. وأيضاً قراءتها لا تبطل الصلاة عندهم ولكن يجوّزون تركها ويبطلها عدم القراءة عندنا، فالأحوط قراءتها. احتج المخالف بقوله تعالى {أية : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}تفسير : [الأعراف: 204] وبأخبار بين ضعفها البيهقي في كتابه، ونحن نقول: أما القرآن فمخصوص بغير الفاتحة لما مر، وأما الأخبار فهب أنها صحيحة إلا أن الترجيح معنا لأن الاشتغال بقراءة القرآن من أعظم الطاعات ولأنه أحوط. البحث السابع: مذهب الشافعي أن الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في ركعة بطلت صلاته، وبه قال أبو بكر وعمر وعلي عليهم السلام وابن مسعود ومعظم الصحابة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأوها في كل ركعة، ولأنه قال للأعرابي الذي علمه الصلاة وكذلك فأفعل في كل ركعة. "حديث : وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة".تفسير : وأيضاً القراءة في كل ركعة أحوط فيجب المصير إليها. وقيل: غير واجبة أصلاً، وقيل: تجب في كل صلاة في ركعة واحدة فقط وبه يحصل امتثال قوله "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"تفسير : وعند أبي حنيفة القراءة تجب في الركعتين الأوليين لقول عائشة: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر. فهما أصل والزائد تبع. قلنا: ما ذكرنا أحوط، وقيل: تجب الفاتحة في الأوليين وتكره في الآخرتين. وعند مالك تجب في أكثر الركعات، ففي الثنائية فيهما وفي الثلاثية في اثنتين وفي الرباعية في ثلاث. البحث الثامن: إذا ثبت أن القراءة شرط في الصلاة فلو تركها أو حرفاً من حروفها عمداً بطلت صلاته وكذا سهواً على الجديد. وما روي أن عمر بن الخطاب صلى المغرب فترك القراءة فقيل له: تركت القراءة. قال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسناً. قال: فلا بأس، معارض بما روى الشعبي عنه أنه أعاد الصلاة. وأيضاً لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة. البحث التاسع: يجب رعاية الترتيب في أجزاء الفاتحة وما وقع غير مرتب فغير محسوب. البحث العاشر: إن لم يحفظ شيئاً من الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها من القرآن، ثم من ذكر من الأذكار، ثم عليه مثل وقفة بقدرها فإن تعلم قرأ ما لم يفرغ منه. البحث الحادي عشر: نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر أن تكون الفاتحة والمعوذتان من جملة القرآن والظن به أن هذا النقل عنه كذب وإلا فجحد المتواتر كيف يليق بحاله؟ الرابع فيما يختص بتفسير الحمد لله من الفوائد. الفائدة الأولى في الفرق بين الحمد والمدح والشكر. المدح للحي ولغير الحي كاللؤلؤة والياقوتة الثمينة، والحمد للحي فقط. والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده، والحمد إنما يكون بعد الإحسان. والمدح قد يكون منهياً عنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : احثوا التراب في وجوه المداحين"تفسير : والحمد مأمور به مطلقاً قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يحمد الناس لم يحمد الله" تفسير : والمدح عبارة عن القول الدال على أنه مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره، والحمد قول دال على أنه مختص بفضيلة اختيارية معينة وهي فضيلة الإنعام إليك وإلى غيرك، ولا بد أن يكون على جهة التفضيل لا على سبيل التهكم والاستهزاء، والشكر على النعمة الواصلة إليك خاصة وهو باللسان، وقد يكون بالقلب والجوارح قال الشاعر: شعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا تفسير : والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده" تفسير : وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وأداء الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي. والحمد نقيضه الذم ولهذا قيل: الشعير يؤكل ويذم. والمدح نقيضه الهجاء، والشكر نقيضه الكفران، إذا عرفت ذلك فنقول: إذا قال المدح لله لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلاً مختاراً لما مر أن المدح قد يكون لغير المختار. ولو قال: الشكر لله كان ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل. وإذا قال: الحمد لله فكأنه يقول سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد العظيم، ولا ريب أن هذا أولى. وقيل: الحمد لله على ما دفع من البلاء، فكأنه يقول: أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف بأعلاهما؟ ويمكن أن يقال: إن المنع غير متناه والإعطاء متناه، والابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى، وأيضاً دفع الضرر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى. الثانية: لو قال: أحمد الله أفاد كون ذلك القائل على حمده، وإذا قال: الحمد لله أفاد أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين. وأيضاً الحمد لله معناه أن مطلق الحمد والثناء حق لله وملكه كما ينبئ عنه اللام الجنسية واللام الجارة وذلك بسبب كثرة إيلائه أنواع آلائه على عبيده وإمائه. ولا يخفى أن هذا أولى من أن يحمده شخص واحد فقط، ولهذا لو سئلت هل حصل لفلان عليك نعمة؟ فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمداً ضعيفاً، ولو قلت في الجواب بل نعمه على كل الخلائق كان أكمل. فإن قيل: أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه؟ فالأستاذ يستحق الحمد من التلميذ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يحمد الناس لم يحمد الله"تفسير : قلنا: المنعم في الحقيقة هو الله لأنه خلق تلك الداعية في ذلك المنعم بعد أن خلق تلك النعمة وسلط المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع وأمنه من فوات الانقطاع، ولهذا قال عز من قائل {أية : وما بكم من نعمة فمن الله}تفسير : [النحل: 53] وأيضاً كل مخلوق ينعم على غيره فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إما ثواباً أو ثناء، أو تحصيل خلق أو تخلصاً من رذيلة البخل. وطالب العوض لا يكون منعماً ولا مستحقاً للحمد في الحقيقة، أما الله سبحانه فإنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال، لأن تحصيل الحاصل محال فكان عطاؤه جوداً محضاً، فثبت أن لا مستحق للحمد إلا الله تعالى. الثالثة: إنما لم يقل "احمدوا الله" لأن الإنسان عاجز عن الإتيان بحمد الله وشكره فلم يحسن أن يكلف فوق ما يستطيعه، وذلك أن نعم الله على العباد غير محصورة {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}تفسير : [إبراهيم: 34] وإذا امتنع الوقوف عليها امتنع اقتداره على الشكر والثناء اللائق بها. وأيضاً إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله على ذلك الحمد والشكر وخلق في قلبه داعية ذلك وأزال عنه العوائق والصوارف، وكل ذلك إنعام من الله فيتسلسل. وأيضاً الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل إنعام المنعم بشكر نفسه، ومن اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعمة الله فقد أشرك، وهذا معنى قول الواسطي "الشكر شرك" أما إذا قال: "الحمد لله" فالمعنى أن كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا. ونقل أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك الشكر؟ فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك. الرابعة: عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أنعم الله على عبد فقال: "الحمد لله" يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له " تفسير : ومعناه أن ما أنعم الله على العبد شيء واحد، وإذا قال: الحمد لك فمعناه المحامد التي أتى بها الأولون والآخرون من الملائكة والثقلين لله تعالى، وكذا المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قوله تعالى {أية : دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] وإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين فالمنعم به متناه والحمد غير متناه، وإذا أسقط المتناهي من غير المتناهي بقي غير المتناهي. فالذي بقي للعبد طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعم غير متناهية، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي. الخامسة: لا شك أن الوجود خير من العدم، وأن وجود كل ما سوى الله فإنه حصل بإيجاد الله وجوده، فإنعام الله تعالى واصل إلى كل من سواه، فإذا قال العبد: "الحمد لله" فكأنه قال: الحمد لله على كل مخلوق خلقه، وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي وذات وصفة وجسم وعرض من أزل الآزال إلى أبد الآباد، وأنا أشهد أنها بأسرها لك لا شركة لأحد فيها معك. السادسة: التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال: سبحان الله والحمد لله. فما السبب في وقع البداءة بالتحميد؟ والجواب أن التسبيح داخل في التحميد دون العكس، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص، والتحميد يدل على كونه محسناً إلى العباد، ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم مواقع الحاجات وإلا إذا كان قادراً على المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنياً في نفسه وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائص والآفات. السابعة: الحمد له تعلق بالماضي وهو وقوعه شكراً على النعم السابقة، وتعلق بالمستقبل وهو اقتضاء تجدد النعم لقوله تعالى {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم}تفسير : [إبراهيم: 7] فبالأول يغلق عنك أبواب النيران، وبالثاني يفتح لك أبواب الجنان، فإن الحمد لله ثمانية أحرف بعدد أبواب الجنة. الثامنة: الحمد لله كلمة جليلة لكنه يجب أن تذكر في موضعها ليحصل المقصود. قال السري: منذ ثلاثين سنة أستغفر الله لقولي مرة واحدة الحمد لله. وذلك أنه وقع الحريق في بغداد وأحرقت دكاكين الناس فأخبرني واحد أن دكاني لم يحترق فقلت: الحمد لله. وكان من حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة. فالحمد على نعم الدين أفضل من الحمد على نعم الدنيا، والحمد على أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها عطية المنعم أولى من الحمد عليها من حيث هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يقع الحمد في موضعه اللائق به. التاسعة: أول ما بلغ الروح إلى سرة آدم عطس فقال: {الحمد لله رب العالمين} وآخر دعوى أهل الجنة {الحمد لله رب العالمين}. ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد، فاجتهد أن يكون أول أعمالك وآخرك مقروناً بكلمة الحمد. العاشرة: لا يحسن عندنا أن يقدّر قولوا: "الحمد لله" لأن الإضمار خلاف القياس، ولأن الوالد إذا قال لولده: أعمل كذا وكذا فلم يمتثل كان عاقاً، فالأولى أن يقول الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل. ثم إن كان الولد باراً فإنه يجيبه ويطيعه وإن كان عاقاً كان إثمه أقل، فكذلك إذا قال: الحمد لله فمن كان مطيعاً حمده ومن كان عاصياً كان إثمه أقل، بخلاف ما لو قدر "قولوا الحمد لله". الحادية عشرة: شنعت الجبرية على المعتزلة ومن يجري مجراهم بأنكم تثبتون للعبد فعلاً واختياراً، واستحقاق الحمد إنما يكون على أشرف النعم وهو الإيمان، فلو كان الإيمان بفعل العبد لكان المستحق للحمد هو العبد. والجواب أن الإيمان باختيار العبد لكن الاختيار أيضاً مستند إلى الله تعالى فاستحق الحمد لذلك. وشنعت المعتزلة على الجبرية بأن قوله "الحمد لله" لا يتم إلا على مذهبنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبح في فعله ولا جور في قضيته، وعندكم لا قبح إلا وهو فعله، ولا جور إلا وهو حكمه. والجواب أن القبح والجور إنما يثبتان لو أمكن تصور الفعل المخصوص في القابل المخصوص أحسن وأتم مما صدر لكنه محال، فإنه تعالى حكيم وكل ما يصدر عن الحكيم كان على أفضل ما يمكن بالنسبة إلى المحل المخصوص. الثانية عشرة: اختلفوا في أن شكر المنعم واجب عقلاً أو شرعاً. فمنهم من قال عقلاً ومن جملة أدلتهم قوله "الحمد لله" فإنه يدل على ثبوت الاستحقاق على الإطلاق. وأيضاً عقبه بقوله "رب العالمين" وترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل ذلك على أن استحقاقه للحمد ثابت بكونه رباً للعالمين قبل مجيء الشرع وبعده. والجواب أن استحقاقه لمثل هذا الحمد عرفناه من قبل الشرع. واعلم أن الحمد سبيله سبيل سائر الأذكار والعبادات في أنها إنما يؤتى بها لا لأن الله تعالى مستكمل بها ولا لأنه تعالى مجازي بها، ولكنها لتحقيق نسبة العبودية وإضافة الإمكان الله حسبي الخامس في فوائد قوله رب العالمين. الأولى: الموجود إما واجب لذاته وهو الله سبحانه وتعالى فقط، وإما ممكن لذاته وهو كل ما سواه ويسمى العالم كما مر، وذلك إما متحيز أو صفة للمتحيز أو لا هذا ولا ذاك. القسم الأوّل: إن كان قابلاً للقسمة فهو الجسم وإلا فالجوهر الفرد. فالجسم إما علوي أو سفلي، والعلوي كالسماويات ويندرج فيها العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة والكواكب، والسفلي إما بسيط وهو العناصر الأربعة: الأرض بما عليها وفيها والماء وهو البحر المحيط وما يتشعب منه في القدر المكشوف من الأرض، والهواء ومنه كرة البخار وكرة النسيم ومنه الهواء الصافي والنار. وإما مركب وهو المعادن والنبات والحيوان على تباين أنواعها وأصنافها. القسم الثاني: الأعراض بأجناسها وأنواعها. القسم الثالث: الأرواح وهي إما سفلية خيرة كالجن، أو شريرة كالشياطين. وإما علوية متعلقة بالأجسام كملائكة السموات قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد"تفسير : أو غير متعلقة وهي الملائكة المقربون {أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو}تفسير : [المدثر: 31] ولأن كل موجود سوى الواجب يحتاج إلى الواجب في الوجود. وفي البقاء أيضاً فهو إله العالمين من حيث إنه أخرجها من العدم إلى الوجود، ورب العالمين من حيث إنه يبقيها حال استقرارها. فكل من كان أكثر إحاطة بأحوال الموجودات وتفاصيلها كان أكثر وقوفاً على تفسير قوله {رب العالمين}. الثانية: المربي قسمان: أحدهما أن يربي ليربح عليهم، والثاني أن يربي ليربحوا عليه. والأول شأن المخلوقين الذين غرضهم من التربية إما ثواب أو ثناء أو تعصب أو غير ذلك، والثاني دأب الحق سبحانه وتعالى كما قال: "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" وكيف لا يربحون عليه وأنه متعال عن الاستكمال منزه عن أن يحدث في خزائنه بسبب التربية والإفادة والإفاضة اختلال يحب الملحين في الدعاء {أية : ويزيد في الخلق ما يشاء} تفسير : [فاطر: 1] يكفي علمه من المقال ويغني كرمه عن السؤال {أية : وسع كل شيء علماً}تفسير : [طه: 98] ويربي كل حي كرماً وحلماً {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} تفسير : [المؤمنون: 12 - 13، 14] {أية : فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم}تفسير : [عبس: 24 - 32] {أية : ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً وجناتٍ ألفافاً}تفسير : [النبأ: 6 - 16]. الثالثة: لما كان الله أحسن الأسماء عقبه بأكمل الصفات وهو {رب العالمين} إذ معناه أن وجود ما سواه فائض عن تربيته، وإحسانه وجوده وامتنانه، فالأول يدل على التمام والثاني على أنه فوق التمام. الرابعة: رب العالمين ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وهو الله الواحد الأحد الصمد، وأنت تخدمه كأنّ لك أرباباً غيره فما إنصافك أيها الإنسان؟ {أية : قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن} تفسير : [الأنبياء: 42] خلقت لعبادة الرب فلا تهدم حقيقتك بمعصية الرب، الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب. السادس: في فوائد قوله {الرحمن الرحيم}. الأولى: الرحمن بما لا يتصور صدوره من العباد، والرحيم بما يقدر عليه العباد. أنا الرحمن لأنك تسلم إليّ نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة، أنا الرحيم لأنك تسلم إليّ طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة. الثانية: ذهب بعضهم إلى ملك فقال: جئتك لمهم يسير. فقال: أطلب المهم اليسير من الرجل اليسير. فكأن الله تعالى يقول: لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت مني ولتعذر عليك سؤالي الأمور اليسيرة، فأنا الرحمن لتطلب مني الأمور العظيمة، وأنا الرحيم لتطلب مني شراك نعلك وملح قدرك. الثالثة: الوالد إذا أهمل حال ولده ولم يؤدبه ظن أن ذلك رحمة وهو في الحقيقة عذاب. من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان، وعكسه حال من تقطع يده لأكلة فيها، أو يضرب لتعليم حرفة، أو لتأدب بخصلة شريفة. فكل ما في العالم من محنة وبلية فهو في الحقيقة رحمة ونعمة {أية : وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} تفسير : [البقرة: 216] وقصة موسى مع الخضر كما تجيء في موضعها تؤيد ما ذكرناه، والحكيم المحقق هو الذي يبني الأمور على الحقائق لا على الظواهر، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. الرابعة: أعطى مريم عليها السلام رحمة {أية : ولنجعله آية للناس ورحمة منّا}تفسير : [مريم: 21] فصارت سبباً لنجاتها من توبيخ الكفار والفجار، وأعطانا رحمة {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107] فكيف لا ننجو بسببه من عذاب النار. الخامسة: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة فكان من حاله أنه لما كسرت أسنانه قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وأنه يوم القيامة يقول: أمتي أمتي. فلما وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً أيضاً فكأنه يقول: الرحمة الواحدة لا تكفي لصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي فإني أنا الرحمن الرحيم، رحمتي غير متناهية ومعصيتهم متناهية والمتناهي لا يدرك غير المتناهي فستغرق معصيتهم في بحار رحمتي {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : [الضحى: 5]. السادسة: حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: كنت ضيفاً لبعض القوم، فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفاً فاتبعته تعجباً، فنزل في بعض التلال فإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه. وعن ذي النون أنه قال: كنت في البيت إذ وقعت في قلبي داعية أن أخرج من البيت، فانتهيت إلى شط النيل فرأيت عقرباً قوياً يعدو، فلما وصل إلى النيل فإذا هو بضفدع على طرف النهر، فقفز العقرب عليه وأخذ الضفدع يسبح، فركبت السفينة فاتبعته حتى إذا وصل الضفدع إلى الطرف الآخر نزل العقرب عن ظهره وأخذ يعدو، فتبعته فرأيت شاباً نائماً تحت شجرة وعنده أفعى يقصده، فلما قرب الأفعى من ذلك الشاب وصلت العقرب إلى الأفعى ولدغتها والأفعى أيضاً لدغتها وماتتا معاً. وفي أدعية العرب: يا رازق النعاب في عشه. وحكايته أن ولد الغراب لما يخرج من البيض يكون كأنه قطعة لحم فتهجره أمه تنفراً منه، حتى إذا خرج ريشه عادت إليه، فيبعث الله تعالى إليه في تلك المدة ذباباً يغتذي به. وروي "حديث : أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه، فقام فدخل عليه وكان يعرض عليه الشهادة ولا يعمل لسانه فقال صلى الله عليه وسلم: أما كان يصلي أما كان يزكي أما كان يصوم؟ فقالوا: بلى. فقال: فهل عق والدته؟ قالوا: نعم. فقال: هاتوا أمه. فأتي بعجوز عوراء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا عفوت عنه؟ فقالت: لا أعفو عنه لأنه لطمني ففقأ عيني. فقال صلى الله عليه وسلم: هاتوا بالحطب والنار فقالت: وما تصنع بالنار؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أحرقه بالنار بين يديك جزاء بما عمل. فقالت: عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر أللنار أرضعته سنتين فأين رحمة الأم؟ فعند ذلك انطلق لسانه وذكر "أشهد أن لا إله إلا الله""تفسير : والنكتة أنها كانت رحيمة فقط ولم تجوّز الإحراق، فالرحمن الرحيم كيف يجوز إحراق عبد واظب على ذكر الرحمن الرحيم سبعين سنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون، وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة"تفسير : ولعل هذا على سبيل التفهيم والتمثيل وإلا فكرمه بلا غاية ورحمته بلا نهاية. السابع: في فوائد قوله {مالك يوم الدين}. الأولى: من قضية العدالة الفرق بين المحسن والمسيء، والمطبع والعاصي، والموافق والمخالف، ولا يظهر ذلك إلا في يوم الجزاء {أية : إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى} تفسير : [طه: 15] {أية : يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}تفسير : [الزلزلة: 6 - 8] روي أنه يجاء برجل يوم القيامة وينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة، فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك. فيقول: إلهي ماذا عملت؟ فيقول الله: ألست لما كنت نائماً تقلب من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك "الله"، ثم غلبك النوم في الحال فنسيت؟ أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم، فما نسيت ذلك. ويجاء برجل وتوزن حسناته بسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة "أن لا إله إلا الله" فلا يثقل مع ذكر الله غيره. واعلم أن حقوق الله تعالى على المسامحة لأنه غني عن العالمين، وأما حقوق العباد فهي أولى بالاحتراز عنها. روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار " تفسير : الثانية: من قرأ "مالك" احتج بوجوه: الأول أن فيه حرفاً زائداً فيكون ثوابه أكثر. الثاني: في القيامة ملوك ولا مالك إلا الله. الثالث: المالكية سبب لإطلاق التصرف والملكية ليست كذلك. الرابع: العبد أدون حالاً من الرعية فيكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية. الخامس: الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك بالاختيار بخلاف المملوك. السادس: الملك يجب عليه رعاية حال الرعية "حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"تفسير : ولا يجب على الرعية خدمة الملك، أما المملوك فيجب عليه خدمة مالكه وأن لا يستقل في الأمر إلا بإذنه حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة، ويصير مسافراً إذا نوى مولاه السفر، ومقيماً إذا نوى الإقامة. حجة من قرأ "ملك" أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً، والملك لا يكون إلا أعلاهم شأناً. وأيضاً {أية : قل أعوذ برب الناس ملك الناس}تفسير : [الناس: 1 - 2] لم يقرأ فيه غير "ملك" فتعين. وأيضاً الملك أقصر ومالك يلزم منه تطويل الأمل فإنه يمكن أن يدركه الموت قبل تمام التلفظ به. وأجيب بأن العزم يقوم مقام الفعل لو مات قبل الإتمام، كما لو نوى بعد غروب الشمس صوم يوم يجب صومه بخلاف ما لو نوى في النهار عن الغد. ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام، أما المتفرعة على الأول فقراءة "مالك" أرجى من قراءة "ملك" لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس، والمالك يطلب العبد منه الكسوة والطعام والتربية والإنعام "حديث : يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" تفسير : والملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه، والملك لا يختار من العسكر إلا كل قوي سويّ ويترك من كان مريضاً عاجزاً، والمالك إن مرض عبده عالجه، وإن ضعف أعانه. الملك له هيبة وسياسة، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة. وأما المتفرعة على الثانية فإنه في الدنيا ملك الملوك {أية : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} تفسير : [آل عمران: 26] وفي الآخرة لا ملك إلا هو {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : [غافر: 16] وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا قلَّت خزائنهم ونفدت ذخائرهم، وأنه سبحانه كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً. فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد. ومن لوازم ملكه كمال الرحمة فلهذا قرن بقوله "ملك يوم الدين" قوله "رب العالمين الرحمن الرحيم" ومثله {أية : الملك يومئذ الحق للرحمن}تفسير : [الفرقان: 26] {أية : قل أعوذ برب الناس ملك الناس}تفسير : [الناس: 1 - 2] فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل الله في الأرض. الكفر سبب لخراب العالم {أية : تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا. أن دعوا للرحمن ولداً} تفسير : [مريم: 90 - 91] والطاعة تتضمن صلاح المعاش والمعاد {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97] فعلى الناس أن يطيعوا ملوكهم، وعلى الملوك أن يطيعوا مالك الملك حتى تنتظم أمور معاشهم ومعادهم لما وصف نفسه بأنه "ملك يوم الدين" أظهر للعالمين كمال عدله بنفي الظلم تارة {أية : وما ربك بظلام للعبيد} تفسير : [ق: 29] وبثبوت العدل أخرى {أية : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة}تفسير : [الأنبياء: 47] فلا خلة للملك أعم نفعاً وأتم وقعاً من أن يكون عادلاً. ومن هنا تظهر البركة في العالم أو ترتفع إن كان السلطان عادلاً أو جائراً. يحكى أن أنوشروان خرج يوماً إلى الصيد وانقطع عن عسكره واستولى عليه العطش، فرأى بستاناً فيه رمان. فلما دخله قال لصبي فيه: أعطني رمانة، فأعطاه فعصرها وأخرج منها ماء كثيراً، فشربه وأعجبه ذلك، فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه. ثم قال لذلك الصبي: أعطني رمانة أخرى، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصاً. فقال: أيها الصبي، لم صار الرمان هكذا؟ فقال الصبي: فلعل ملك البلد عزم على الظلم فلشؤم ظلمه صار هكذا، فتاب أنوشروان في قلبه وأناب، وقال للصبي: أعطني رمانة أخرى فعصرها فوجدها أطيب من الأولى فقال للصبي: لم بدلت هذه الحالة؟ فقال: لعل الملك تاب عن ظلمه. فلما وجد أنوشروان مقالة الصبي مطابقة لأحواله في قلبه تاب بالكلية، فكان من ميامن عدله أن ورد في حقه قول نبينا صلى الله عليه وسلم "ولدت في زمن الملك العادل". الثالثة: كونه مالكاً وملكاً معناه أنه قادر على ترجيح جانب وجود الممكنات على عدمها، وأنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة كما يشاء من غير مانع ولا منازع. وعلى قضية الحكمة والعدالة فهو الملك الحق وأنه ملك يوم الدين أيضاً، لأن القدرة على إحياء الخلق بعد إماتتهم والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس لا يختص به أحد غيره، فإذا كان الحشر والنشور لا يتأتى إلا بعلم يتعلق بجميع المعلومات وقدرة تنفذ في كل الممكنات، فلا مالك ليوم الدين إلا الله. فإن قيل: لا يكون مالكاً إلا إذا كان المملوك موجوداً لكن القيامة غير موجودة فينبغي أن يقال "مالك يوم الدين" بالتنوين بدليل أنه لو قال: أنا قاتل زيد كان إقراراً، ولو قال: أنا قاتل زيداً كان تهديداً. قلنا: لما كان قيام القيامة أمراً حقاً لا يجوز الإخلال به في الحكمة، جعل وجوده كالشيء القائم في الحال. ولو قيل: من مات فقد قامت قيامته زال السؤال. الرابعة: قالت القدرية: إن كان الكل من الله فثواب الرجل على ما لم يعمله عبث وعقابه على ما لم يفعله ظلم، فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين. قلنا: خلق الجنة وخلق اهلاً لها، وخلق النار وخلق أهلاً لها، وذلك أن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك. فخلق لكل صفة مظهراً ولا يسأل عما يفعل، لأن كل سؤال ينقلب فهو باطل. الخامسة: في هذه السورة من أسماء الله تعالى خمسة: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، المالك. كأنه يقول: خلقتك أولاً فأنا الله، ثم ربيتك بأصناف النعم فأنا الرب، ثم عصيت فسترت عليك فأنا الرحمن، ثم تبت فغفرت لك فأنا الرحيم، ثم أجازيك بما عملت فأنا مالك يوم الدين وذكر الرحمن الرحيم مرة في التسمية ومرة أخرى في السورة دليل على أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأوصاف، ومع ذلك عقبها بقوله "مالك يوم الدين" كيلا يغتروا بها. ونظيره {أية : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} تفسير : [غافر: 3]. السادسة: الحمد والمدح والتعظيم فيما بين الناس إنما يكون لكونه كاملاً في ذاته وإن لم يكن له إحسان إليك، وإما لكونه محسناً إليك، وإما رجاء وطمعاً في المستقبل، وإما خوفاً ورهبة، فكأنه سبحانه يقول: إن كنتم تعظمون للكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كنتم تعظمون للإحسان السالف فأنا رب العالمين، وإن كنتم تعظمون للإحسان المترقب فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون رهبة عن العقاب فأنا مالك يوم الدين. الثامن: في فوائد قوله "إياك نعبد". الأولى: لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص أي لا نعبد أحداً سواك والحاكم فيه الذوق السليم. واستحقاق هذا الاختصاص لله تعالى ظاهر، لأن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله تعالى. وذلك أن للعبد أحوالاً ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. أما الماضي فقد كان معدوماً فأوجده {أية : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً}تفسير : [مريم: 9] {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه}تفسير : [الأنعام: 122] {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : [البقرة: 28] وكان جاهلاً فعلمه {أية : أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً}تفسير : [النحل: 78] ثم أسمعه وأبصره وأعقله {أية : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} تفسير : [الملك: 23] فهو إله بهذه المعاني. وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول عمره إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمن رحيم من هذه الوجوه. وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق عبادة العبد إلا هو. وأيضاً ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه تعالى عالماً قادراً جواداً غنياً حكيماً إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله سبحانه، وأيضاً العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ وأمرأ. ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، فعبوديته أولى، وأيضاً كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه إفادة غيره. فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : [الإسراء: 23]. الثانية: تقديم ذكر الله تعالى يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في العبادة يميناً وشمالاً بخلاف العكس. (يحكى) أن واحداً من المصارعين الأستاذين صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه، فصرع الأستاذ مراراً فقيل له: فلان الأستاذ فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه. وأيضاً ذكره تعالى أوّلاً مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه، كما أن من أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك، كما أن العاشق يسهل عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه. وأيضاً {أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} تفسير : [الأعراف: 201] فالنفس إذا مسها طائف الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال الله من مشرق "إياك نعبد" فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية. وأيضاً إن بدأ بالعبادة فض إبليس قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس، أما إذا غير هذا الترتيب وقال: "إياك نعبد" كان بعيداً عن احتمال الشرك. وأيضاً الواجب لذاته متقدم في الوجود فيناسب أن يكون مقدماً في الذكر. وأيضاً المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة، ولهذا قيل لبني إسرائيل {أية : اذكروا نعمتي}تفسير : [البقرة: 40] ولأمة محمد {أية : اذكروني}تفسير : [البقرة: 152] فذكر المعبود عندهم أولى من ذكر العبادة. الثالثة: النون في قوله "نعبد" فيه وجوه من الحكمة منها: أنه تشريف من الله تعالى للعبد حيث لقنه لفظاً ينبئ عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن نفسه {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص}تفسير : [يوسف: 2] كأنه قال: لما أظهرت عبوديتي ولم تستنكف أن تكون عبداً ليّ جعلناك أمة {أية : إن إبراهيم كان أمة}تفسير : [النحل: 120] ومنها أنه لو قال: إياك أعبد كان إخباراً عن كونه عبداً فقط، ولما قال: "إياك نعبد" صار معناه إني واحد من عبيدك، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع. ومنها أن يكون تنبيهاً على أن الصلاة بالجماعة أولى قال صلى الله عليه وسلم: "التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها" وههنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة كيلا يتأذى منه جاره، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم؟ ومنها أن يكون المراد أعبدك والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين. ومنها أن المؤمنين إخوة فكأن الله تعالى قال: لما أثنيت عليّ بقولك {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} ارتفعت منزلتك عندنا، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح حال جميع إخوانك فقل: {إياك نعبد وإياك نستعين}. ومنها أن العبد يقول: إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين، فلا يليق بكرمك أن تميز بين العبادات، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء والأولياء بل الملائكة المقربين. وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة أعبد، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة. الرابعة: من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه، فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وأيضاً التكاليف أمانة {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان}تفسير : [الأحزاب: 72] وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً {أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}تفسير : [النساء: 58] وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر. قال بعض الصحابة: أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا، فلما خرج لم يجد الناقة فقال: إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي؟ قال الرواي: فزدنا تعجباً، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه. "حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات" تفسير : وأيضاً الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من الخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة. (يحكى) عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر بها. ووقعت الأكلة في بعض أعضاء عبد الله بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في الصلاة ولم يشعر به. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزاً كأزيز المرجل. ومن استبعد فليقرأ قوله تعالى {أية : فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن}تفسير : [يوسف: 31] فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد؟! وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين؟! واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أشرف منها وأدوم، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين. وإما أن يعبد الله تشرفاً بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية. وإما أن يعبد الله لكونه إلهاً ولكونه عبداً له، والإلهية توجب العزة والهيبة، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي: أصلي لله فإنه لو قال: أصلي لثواب الله أو هرباً من عقابه فسدت صلاته. (يحكى) أن عابداً في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله تعالى سبعين سنة، فأرسل الله تعالى إليه ملكاً فقال: إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود. فرجع الملك فقال الله: بم أجاب العابد؟ فقال: أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا. فقال الله تعالى: ارجع إليه وقل له: قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك. والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين. وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين. قال عز من قائل {أية : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 97 - 99] ولأن العبودية أشرف المقامات. مدح الله تعالى نبيه في قوله {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً}تفسير : [الإسراء: 1] وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال: {أية : إني عبد الله} تفسير : [مريم: 30] وكان عليّ يقول: كفاني فخراً أن أكون لك عبداً وكفاني شرفاً أن تكون لي رباً. اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت، فاجعلني عبداً كما أردت. ومنهم من قال: العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" {أية : لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون}تفسير : [النساء: 172]. التاسع: في فوائد قوله {وإياك نستعين}. الأولى: لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وإنما يحصل الرجحان بمرجح. ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم، فلا بد أن ينتهي إلى الله تعالى. وأيضاً كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ولا يفوز به إلا بعضهم، فليس ذلك إلا بإعانة الحق. وأيضاً قد يطلب الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته، فإلقاء تلك الداعية في القلب ليس إلا من الله، فثبت أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما جعل الله تعالى ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ونحوه، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم. الثانية: لقائل أن يقول: الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه لا بعده، فهلا قدّمت الاستعانة على ذكر العبادة؟ والجواب كأنه يقول: شرعت في العبادة فأستعين بك على إتمامها حتى لا يمنعني مانع ولا يعارضني صارف، فإن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن. وأيضاً إن قيل: الاستعانة مطلقة تتناول كل مستعان فيه فذكر العبادة كالوسيلة إلى طلب الإعانة على الحوائج وتقديم الوسيلة مناسب. الثالثة: لا أريد بالإعانة غيرك إقتداء بالخليل صلى الله عليه وسلم حيث قيد نمروذ يديه ورجليه ورماه إلى النار فجاءه جبرائيل وقال: هل لك حاجة؟ فقال له: أما إليك فلا. قال: فاسأل الله. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وهنا نكتة وهي أن المؤمن في الصلاة مقيدة رجلاه عن المشي، ويداه عن البطش، ولسانه إلا عن القراءة والذكر، فكما أن الله قال {أية : يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}تفسير : [الأنبياء: 69] فكذلك تقول له نار جهنم: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. الرابعة: لا أستعين غيرك لأن الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته، فأنا أقطع الواسطة ولا أنظر إلا إلى إعانتك. الخامسة: "إياك نعبد" تورث العجب بالعبادة فأردفه بقوله "وإياك نستعين" لإزالة ذلك. السادسة: ههنا مقامان: معرفة الربوبية ومعرفة العبودية، وعند اجتماعهما يحصل الربط المذكور في قوله {أية : أوفوا بعهدي أوف بعهدكم} تفسير : [البقرة: 40] أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلهاً، وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه رباً رحماناً رحيماً، وأحوال معادة تدل على أنه مالك يوم الدين، وأما معرفة العبودية فمبدؤها "إياك نعبد" وكمالها "إياك نستعين" في جميع المطالب، وإذا تم الوفاء بالعهدين ترتبت عليه الثمرة وهو قوله: "اهدنا" إلى آخره. وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه. السابعة: في الالتفات الوارد في السورة وجوه: منها أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بالألفاظ الغائبة إلى قوله: {مالك يوم الدين}. ثم الله تعالى كأنه يقول: حمدتني وأقررت بأني إله، رب العالمين، رحمن رحيم، مالك يوم الدين، فنعم العبد أنت يا عبد. رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل "إياك نعبد". ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه رباً لا يخرج شيء من ملكوته منعماً على الخلق بأنواع النعم - جلائلها ودقائقها - مالكاً للأمر كله في العاقبة، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بغاية الخضوع والاستعانة في المهام، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل "إياك" يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به. ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى، وهكذا فعل الأنبياء عليهم السلام {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : [الأعراف: 23] {أية : رب هب لي حكماً} تفسير : [الشعراء: 83] {أية : رب زدني علماً}تفسير : [طه: 114] {أية : ربي أرني}تفسير : [الأعراف: 143] {أية : رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين}تفسير : [الأنبياء: 89] ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى القربة فأثنى على الله بما هو أهله، فاستجاب الله دعاءه في تحصيل تلك القربة ونقله إلى مقام الحضور من مقام الغيبة. الثامنة: اعلم أن المشركين طوائف، منهم من اتخذ إلهه من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس، ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر المعين، ومنهم من اتخذه من الإنسان كعبدة المسيح وعزير، ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة، إما السفلية كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب. ومنهم من قال: مدبر العالم نور وظلمة وهم الثنوية، ومنهم من قال: الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يدبره وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم، فيتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة. ومنهم من قال: للعالم إلهان، أحدهما خير وهو الله، والآخر شرير وهو إبليس. إذا عرفت ذلك فنقول: قد مر أن "الحمد لله" يتضمن التسبيح له وسائر الصفات منبئة عن سبب إثبات جميع أنواع "الحمد لله" "وإياك نعبد" يدل على التوحيد المحض والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأن الله أكبر من جميع المعبودين، فيقوم مقام قوله "لا إله إلا الله والله أكبر" "وإياك نستعين" يدل على قوله "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" فثبت أن سورة الفاتحة مشتملة إلى هنا على الذكر المشهور "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". العاشر في فوائد قوله {اهدنا الصراط المستقيم}. الأولى: سئل أن طلب الهداية من المؤمن وهو مهدي تحصيل للحاصل. وأجيب بأن المراد منه صراط الأولين في تحمل ما يشق، وكان تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى. يحكى أن نوحاً عليه السلام كان يضرب في كل يوم مرات بحيث يغشى عليه وكان يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. وأيضاً إن في كل خلق من الأخلاق طرفي إفراط وتفريط هما مذمومان، والحق هو الوسط والصواب. فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مهتدياً، لكنه لا بد مع ذلك من حصول الملكات والأخلاق الفاضلة التي هي وسط بين الطرفين ومستقيم بين المنحرفين. ففي القوة الشهوية طرف الإفراط فجور وطرف التفريط خمود وهما مذمومان، والوسط وهو استعمالها في مواضعها على قضية العدالة والشريعة محمود وهو العفة، وكذا في القوة الغضبية طرفا التهور والجبن مذمومان والوسط وهو الشجاعة محمود، وفي القوة النفسانية الجربزة والبله مذمومان والوسط وهو الحكمة محمود. وبالجملة فإنه يحصل من توسيط استعمال القوة الشهوية الحياء والرفق والصبر والقناعة والورع والحرية والسخاء، ومن توابع السخاء الكرم والإيثاء والعفو والمروءة والمسامحة، ويلزم من توسط استعمال القوة الغضبية كبر النفس وعلو الهمة والثبات والحلم والسكون والتحمل والتواضع والحمية والرقة، ومن توسط استعمال القوة النطقية الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ والتذكر، ويحصل من كمال التوسط في القوى الثلاث كمال العدالة ويتبعها الصداقة والألفة والوفاء والشفقة وصلة الرحم والمكافأة وحسن الشركة والتسليم والتوكل وتعظيم المعبود الحق وملائكته وأنبيائه وأولي الأمر والانقياد لأوامرهم ونواهيهم. والتقوى تكمل هذه المعاني وتتممها، ولأن القوة النطقية ذاتية للإنسان، والشهوية والغضبية حصلتا له بواسطة التعلقِ البدني، فكمال التوسط في النطقية أن يستعملها بحيث لا يمكن أزيد منها. وكمال التوسط في الأخريين أن يستعملهما بحيث لا يمكن أقل من ذلك ليفضي إلى تحصيل سعادة الدارين. وأيضاً العلم النظري يقبل الزيادة بمعنى تواصل أوقاته وقلة الفترات، وبمعنى زيادة الأدلة فليس من علم بدليل كمن علم بأدلة، فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلالة على وجود الله وعلمه وقدرته، وجوده ورحمته وحكمته. وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلاً عن سائر الدلائل فكأنه يقول: عرفنا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وعلمك وقدرتك. وأيضاً قد يراد بالصراط المستقيم الاقتداء بالأنبياء، وهو أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله مقبلاً بكلية قلبه وفكره وذكره على الله، حتى لو أمر بذبح ولده لأطاع كالخليل، ولو أمر أن يذبح لانقاد كإسماعيل، ولو أمر بإلقاء نفسه في البحر امتثل كيونس، ولو أمر بتلمذة من هو أعلم منه بعد بلوغه أعلى منصب ائتمر كموسى مع الخضر. وعن خباب قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ويجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه. وأيضاً كأن العبد يقول: الأحباب يدعونني إلى طريق، والأعداء إلى طريق ثانٍ، والشيطان إلى ثالث. وكذا القول في الشهوة والغضب والاعتقادات والآراء، والعقل ضعيف، والعمر قصير، والقضاء عسير، فاهدني هذا الطريق السوي الذي لا أزيغ به. حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله، فإذا أعرابي على ناقة له. فقال: يا شيخ إلى أين؟ فقال: إلى بيت الله. قال: كأنك مجنون، لا أرى لك مركباً ولا زاداً والسفر طويل! فقال إبراهيم: إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها. قال: وما هي؟ قال: إذا نزلت عليّ بلية ركبت مركب الصبر، وإذا أسديت إليّ نعمة ركبت مركب الشكر، وإذا ألم بي القضاء ركبت مركب الرضا، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى. فقال الأعرابي: سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل. وقيل: الصراط القرآن أو الإسلام وليس بشيء، إذ يصير المعنى اهدنا صراط المتقدمين، مع أنه لم يكن لهم قرآن ولا إسلام، اللهم إلا أن يراد أصول هذه الشريعة وقوانينها كما قال {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90]. وعن علي كرم الله وجهه: ثبتنا على الهداية كقوله {أية : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}تفسير : [آل عمران: 8] فكم من عالم يزل ومهتد يضل. وفي اختيار لفظ الصراط دون الطريق أو السبيل، تذكير للصراط الذي هو الجسر الممدود بين طرفي جهنم، سهل الله تعالى علينا عبوره ووروده. الثانية: إنما قبل "اهدنا" بلفظ الجمع لأن الدعاء متى كان أعم كان إلى الإجابة أقرب، ولهذا قال بعض العلماء لتلميذه: إذا قلت قبل القراءة "رضي الله عنك، وعن جماعة المسلمين" فإياك وأن تنساني في قولك "وعن جماعة المسلمين" فإن ذلك أوقع عندي من قولك "رضي الله عنك"، لأن هذا تخصيص بالدعاء ويجوز أن لا يقبل، وأما قولك "وعن المسلمين" فإنه أرجى لأنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة، وإذا أجاب الله دعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي. ومن هنا ورد في السنة أن يصلي على النبي صلى الله علبه وسلم قبل كل دعاء وبعده، لأن الدعاء في الطرفين مستجاب ألبتة لأنه في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيستجاب الوسط بتبعية ذلك لا محالة. وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها. قالوا: يا رسول الله، ومن لنا بتلك الألسنة؟ قال: "يدعو بعضكم لبعض لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك" " تفسير : وأيضاً "الحمد لله" شامل لحمد جميع الحامدين، و "إياك نعبد" لعبادة الجميع، "وإياك نستعين" لاستعانة الكل، فلا جرم لما طلب الهداية طلبها للكل كما طلب الاقتداء بالصالحين جميعاً في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} والفرار من الطالحين جميعاً في قوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. وإذاكان كذلك في الدنيا يرجى أن يكون كذلك في الآخرة {أية : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً}تفسير : [النساء: 69]. الثالثة: الخط المستقيم أقرب خط يصل بين النقطتين، والعبد عاجز فلا يليق بضعفه إلا الطريق المستقيم. وأيضاً المستقيم واحد وما سواه معوجة يشبه بعضها بعضاً في الاعوجاج، فكان أبعد من الخوف وأقرب إلى الخلاص. وأيضاً ميل الطباع إلى الاستقامة أكثري فلهذه الأسباب سئل الصراط المستقيم. الحادي عشر في فوائد قوله {صراط الذين أنعمت عليهم}. الأولى: حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولاً على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر. ثم نقول: كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله تعالى لقوله {أية : وما بكم من نعمة فمن الله} تفسير : [النحل: 53] ولأن الواصل من جهة غير الله ينتهي إليه أيضاً لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه. والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضاً من الله تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار. وأول نعمة من الله تعالى على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال تعالى: {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : [البقرة: 28] ثم عقب ذلك بقوله {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29]. الثانية: هل لله تعالى على الكافر نعمة أم لا؟ أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها: قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى. والجواب أن قوله {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} يدفع ذلك، ومنها قوله {أية : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} تفسير : [آل عمران: 178] والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيراً ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك. على أن نفس الإملاء أيضاً تمتيع حالي {أية : قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار} تفسير : [البقرة: 126] وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصاً حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضاً وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح"تفسير : وكيف لا تعم نعم الله تعالى وقد قال على العموم: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء}تفسير : [البقرة: 21 - 22] وقال: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم} تفسير : [البقرة: 28] كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم. وقال: {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] {أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين} تفسير : [الأعراف: 17] والشكر لا يكون إلا بعد النعمة. الثالثة: ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله "أنعمت عليهم"؟ قلنا: يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية. ثم إنه يخرج بقوله {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات. وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده {أية : إنك لا تسمع الموتى} تفسير : [النمل: 80] {أية : وما أنت بمسمع من في القبور}تفسير : [فاطر: 22] وكما أن حياة البدن من الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه. وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب. والمؤمن لا يبقى مخلداً في النار، فإن من شرفه الله تعالى بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا بالإتمام. قيل: لو كان رعاية الأصلح على الله واجباً لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاماً. قلت: النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه. الثاني عشر في فوائد قوله {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} الأولى: من المغضوب عليهم ومن الضالون؟ قلت: المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى. وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك. وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان {أية : كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران}تفسير : [الأنعام: 71] فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم {أية : يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}تفسير : [الأعراف: 138] {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}تفسير : [البقرة: 55] ولهذا قال عز من قائل {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} تفسير : [الأحزاب: 69] والنصارى أفرطوا وقالوا {أية : المسيح ابن الله}تفسير : [التوبة: 30] {أية : إن الله ثالث ثلاثة} تفسير : [المائدة: 73] روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : غير المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى" تفسير : وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود {أية : وباءوا بغضب من الله} تفسير : [آل عمران: 112] وفي النصارى {أية : وضلوا عن سواء السبيل}تفسير : [المائدة: 77] هذا شأن الفريقين. وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله تعالى بهم وفضله عليهم {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143] {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : [آل عمران: 110] وخير الأمور أوسطها. الثانية: الآية تدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالاً لقوله تعالى {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}تفسير : [يونس: 32] يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه. الثالثة: ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل؟ قلت: الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" تفسير : فقوله {صراط الذين أنعمت عليهم} يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه. الثالث عشر: في تفسير السورة مجموعة وفيه مناهج: المنهج الأول نسبة عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ونسبة الأصل إلى الفرع، والنور إلى الظلمة، فكل شاهد. فله في الغائب أصل وإلا كان كسراب زائل وخيال باطل، وكل غائب فله في الشاهد مثال وإلا كان كشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل، وكل شريف فهو بالنسبة إلى ما دونه مطاع كما قال عز من قائل {أية : ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين}تفسير : [التكوير: 20 - 21] والمطاع في عالم الروحانيات مطاع في عالم الجسمانيات، والمطاع في عالم الأرواح هو المصدر، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر. ولا بد من أن يكون بينهما ملاقاة ومجانسة وبهما تتم سعادة الدارين لأنهما يدعوان إلى الله بالرسالة. وحاصل الدعوة أمور سبعة تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، أربعة منها تتعلق بالمبدأ وهي معرفة الربوبية أعني معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله {أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله}تفسير : [البقرة: 285] واثنان منها تتعلق بالوسط أحدهما مبدأ العبودية {أية : وقالوا سمعنا وأطعنا} تفسير : [البقرة: 285] والثاني كمال العبودية وهو الالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه {أية : غفرانك ربنا} تفسير : [البقرة: 285] وواحد يتعلق بالمعاد وهو الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب {أية : وإليك المصير}تفسير : [البقرة: 285] ويتفرع على هذه المراتب سبع مراتب في الدعاء والتضرع أولها {أية : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}تفسير : [البقرة: 286] فضد النسيان هو الذكر {أية : واذكر ربك إذا نسيت}تفسير : [الكهف: 24] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله {بسم الله الرحمن الرحيم}. وثانيها {أية : ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا}تفسير : [البقرة: 286] ودفع الإصر والثقل يوجب {الحمد لله رب العالمين}. وثالثها: {أية : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}تفسير : [البقرة: 286]. ذلك إشارة إلى كمال رحمته "الرحمن الرحيم" ورابعها {أية : واعف عنا} تفسير : [البقرة: 286] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين {مالك يوم الدين}. وخامسها {أية : واغفر لنا}تفسير : [البقرة: 286] لأنا التجأنا بكليتنا إليك وتوكلنا في جميع الأمور عليك {إياك نعبد وإياك نستعين}. وسادسها {أية : وارحمنا}تفسير : [البقرة: 286] لأنا طلبنا الهداية منك {اهدنا الصراط المستقيم} وسابعها {أية : أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} تفسير : [البقرة: 286] {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. فهذه المراتب ذكرها محمد صلى الله عليه وسلم في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من المصدر إلى المظهر، فلهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة معراج المؤمن ". تفسير : المنهج الثاني: المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة: الشهوة والغضب والهوى. الشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى شيطانية أرضية، ولهذا قال: فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منها، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه. قال تعالى {أية : وينهىٰ عن الفحشاء}تفسير : [النحل: 90] أي الشهوة، والمنكر الغضب، والبغي الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب ظالماً لغيره، وبالهوى لربه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه" تفسير : ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العجب والكبر، ونتيجة الهوى الكفر والبدعة. ويحصل من اجتماع هذه الست في بني آدم خصلة سابعة هي الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله تعالى مجامع الشرور الإنسانية بالحسد في قوله تعالى: {أية : ومن شر حاسد إذا حسد}تفسير : [الفلق: 5] كما ختم جوامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة في قوله {أية : يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس}تفسير : [الناس: 5، 6] روي أن إبليس أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون: من هذا؟ قال: إبليس ولو كنت إلهاً ما جهلت. فلما دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شراً مني ومنك؟ قال: نعم، الحاسد، وبالحسد وقعت فيما وقعت. ثم نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق الثلاثة الأصلية، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة، بيان ذلك من عرف الله تباعد عنه شيطان الهوى {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}تفسير : [الجاثية: 23] يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً نازعني في ملكي إلا هواك. ومن عرف أنه رحمن لم يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن {أية : الملك يومئذ الحق للرحمن} تفسير : [الفرقان: 26] ومن عرف أنه رحيم صحح نسبته إليه فلا يظلم نفسه ولا يلطخها بالأفعال البهيمية. وأما الفاتحة فإذا قال "الحمد لله" فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد، ومن عرف أنه {مالك يوم الدين} بعد أن عرف إنه {الرحمن الرحيم} زال غضبه، ومن قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} زال كبره بالأول وعجبه بالثاني، وإذا قال {اهدنا الصراط المستقيم} اندفع عنه شيطان الهوى، وإذا قال {صراط الذين أنعمت عليهم} زال عنه كفره، وإذا قال {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} اندفعت بدعته، وإذا زالت عنه الأخلاق الستة اندفع عنه الحسد، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة. وهنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله وبسببها ختم القرآن عليها، كأنه قال: إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس، وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس. المنهج الثالث: في أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في معرفة المبدأ والوسط والمعاد "الحمد لله" إشارة إلى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم المستحق للحمد والثناء والتعظيم. "رب العالمين" يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه، ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق كثيراً {أية : قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت}تفسير : [البقرة: 285] {أية : الذي خلقني فهو يهدين} تفسير : [الشعراء: 78] {أية : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 50] {أية : ربكم ورب آبائكم الأولين} تفسير : [الشعراء: 26] {أية : اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} تفسير : [البقرة: 21] {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق} تفسير : [العلق: 1 - 2] وهذه الحالة كما أنها في نفسها دليل على وجود الرب فكذلك هي في نفسها إنعام عظيم، وذلك أن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع، وكل منها مطابق للمطلوب وموافق للغرض كما يشهد به علم تشريح الأبدان. فلا أحق بالحمد والثناء من هذا المنعم المنان الكريم الرحمن الرحيم الذي شمل إحسانه قبل الموت وعند الموت وبعد الموت. {مالك يوم الدين} يدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يقدر بعد هذا اليوم يوماً آخر يظهر فيه تمييز المحسن من المسيء والمظلوم من الظالم، وههنا تمت معرفة الربوبية. ثم إن قوله "إياك نعبد" إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي نوعان: الأعمال والآثار المتفرعة على الأعمال أما الأعمال فلها ركنان: أحدهما الإتيان بالعبادة وهو قوله "إياك نعبد" والثاني علمه بأنه لا يمكنه ذلك إلا بإعانة الله وهو قوله "وإياك نستعين". وأما الآثار المتفرعة على الأعمال فهي حصول الهداية والتحلي بالأخلاق الفاضلة المتوسطة بين الطرفين المستقيمة بين المنحرفين {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخره وفي قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} دليل على أن الاستضاءة بأنوار أرباب الكمال خلة محمودة وسنة مرضية "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}تفسير : [آل عمران: 31] وفي قوله {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} إشارة إلى أن التجنب عن مرافقة أصحاب البدع والأهواء واجب. شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي والجمر يوضع في الرماد فيخمد تفسير : المنهج الرابع: قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد {بسم الله الرحمن الرحيم} يقول الله: ذكرني عبدي. وإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} يقول الله: حمدني عبدي وإذا قال: "الرحمن الرحيم" يقول الله: عظمني عبدي. وإذا قال: {مالك يوم الدين} يقول الله: مجدني عبدي - وفي رواية فوض إلي عبدي - وإذا قال: "إياك نعبد" يقول الله: عبدني عبدي وإذا قال: "وإياك نستعين" يقول الله: توكّل عليّ عبدي - وفي رواية وإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فقوله "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" إشارة إلى أن أهم مهمات العبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] {أية : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} تفسير : [البقرة: 40] فلا جرم أنزل الله تعالى هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد وقوله "إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرني عبدي" مناسب لقوله تعالى {فاذكروني أذكركم} "أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" والذكر مقام عالٍ شريف ذكره الله تعالى في القرآن كثيراً {أية : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً}تفسير : [الأحزاب: 41] {أية : واذكر ربك في نفسك}تفسير : [الأعراف: 205] {أية : تذكروا فإذا هم مبصرون}تفسير : [الأعراف: 201] {أية : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} تفسير : [آل عمران: 191] ولهذا وقع الإبتداء به. وقوله "ذكرني عبدي" دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله {بسم الله الرحمن الرحيم} وهذا يدل على أن الله اسم علم. وقوله "إذا قال: الله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي" يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أول كلام في أول خلق العالم حيث قالت الملائكة: {أية : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}تفسير : [البقرة: 30] وآخر كلام في الجنة {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} تفسير : [يونس: 10] ولأن الفكر في ذات الله تعالى غير ممكن "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فيحمد الله تعالى أكثر، فقوله "حمدني عبدي" شهادة من الله تعالى على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه في ترتيب العالم وتربية العالمين، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه. قوله "وإذا قال: الرحمن الرحيم" "يقول الله: عظمني عبدي" يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل والند والضد، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده. ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام وهو التعظيم لله. وقوله "وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي" أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معاداً يحشر إليه العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف. شعر : أيحسب الظالم في ظلمه أهمله القادر أم أمهلا ما أهملوه بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا تفسير : وقوله "وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي" معناه أن "إياك نعبد" يدل على إقدام العبد على الطاعة والعبادة ولا يتم ذلك إلا بإعانة الله بخلق داعية فيه خالصة عن المعارض، فإن العبد غير مستقل بالإتيان بذلك العمل فهو المراد من قوله "وإياك نستعين" وقوله "وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" تقريره أن أهل العلم مختلفون بالنفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية أو أكثرها، وفي المعاد والنبوات وغيرها مع استواء الكل في العقل والنظر. فالاهتداء إلى ما هو الحق في الأمر نفسه ليس إلا بهداية الله تعالى وإرشاده كما قالت الملائكة {أية : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}تفسير : [البقرة: 32] وقال إبراهيم عليه السلام {أية : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين}تفسير : [الأنعام: 77] وقال موسى {أية : رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري}تفسير : [طه: 25 - 26]. المنهج الخامس: آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة في الصلاة أيضاً سبعة: القيام والركوع والانتصاب منه والسجود الأول والانتصاب منه والسجود الثاني والقعدة. فهذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح، وإنما يحصل الكمال عند اتصال الروح بالجسد، فقوله {بسم الله الرحمن الرحيم} بإزاء القيام، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله حصل قائماً مرتفعاً. وأيضاً التسمية لبداية الأمور "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أبتر" والقيام أيضاً أول الأعمال. وقوله {الحمد لله رب العالمين} بإزاء الركوع لأن الحمد في مقام التوحيد نظراً إلى الحق وإلى الخلق والمنعم والنعمة، لأنه الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالة متوسطة بين الإعراض والاستغراق، كما أن الركوع متوسط بين القيام والسجود، وأيضاً ذكر النعم الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني وقوله "الرحمن الرحيم" مناسب للانتصاب، لأن العبد لما تضرع إلى الله بالركوع فاللائق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قال العبد: سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة" تفسير : وقوله {مالك يوم الدين} مناسب للسجدة الأولى لدلالته على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع. وقوله {إياك نعبد وإياك نستعين} مناسب للقعدة بين السجدتين لأن إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت و "إياك نستعين" استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية، وقوله {اهدنا الصراط المستقيم} سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية ليدل على نهاية الخشوع. وقوله {صراط الذين أنعمت عليهم} إلخ. مناسب للقعود لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابله الله بالإكرام والقعود بين يديه وحينئذ يقرأ "التحيات لله" كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم قرأها في معراجه فالصلاة معراج المؤمن. المنهج السادس: آيات الفاتحة سبع وأعمال الصلاة المحسومة سبعة كما تقدم، ومراتب خلق الإنسان سبع {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} تفسير : [المؤمنون: 12 - 14] فنور آيات الفاتحة يسري إلى الأعمال السبعة، ونور الأعمال السبعة يسري إلى هذه المراتب فيحصل في القلب نور على نور، ثم ينعكس إلى وجه المؤمن "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". المنهج السابع: إنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم من المسجد الأقصى إلى عالم الملكوت. هذا في عالم الحس، وأما في عالم الأرواح، فمن الشهادة إلى الغيب، ثم من الغيب إلى غيب الغيب، فهذا بمنزلة قوسين متلاصقين، فتخطاهما محمد صلى الله عليه وسلم فكان قاب قوسين. وقوله "أو أدنى" إشارة إلى فنائه في نفسه. والمراد بعالم الشهادة كل ما يتعلق بعالم الجسم والجسمانيات، وبعالم الأرواح ما فوق ذلك من الأرواح السفلية، ثم المتعلقة بسماء سماء إلى الملائكة الحافين من حول العرش، ثم إلى حملة العرش ومن عند الله الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبته وأنسهم بالثناء عليه ولذتهم في خدمته {أية : لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون}تفسير : [الأنبياء: 19 - 20] وهكذا يتصاعد إلى أن ينتهي إلى نور الأنوار وروح الأرواح ولا يعلم تفاصيلها إلا الله أو من ارتضاه، والمقصود أن نبينا صلى الله عليه وسلم لما عرج وأراد أن يرجع قال رب العزة: المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني بالأفعال والروحاني بالأذكار. فليكن المصلي ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً لأنه بالوادي المقدس طوى. وأيضاً عنده ملك وشيطان، ودين ودنيا، وعقل وهوى، وخير وشر، وصدق وكذب، وحق وباطل، وحلم وطيش، وقناعة وحرص، وسائر الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية، فلينظر أيها يختار فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة، اختار الصديق صحبة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه في الدنيا وفي القبر ويكون معه في القيامة وفي الجنة، وصحب كلب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا والآخرة قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}تفسير : [التوبة: 119] ثم إذا تطهر فليرفع يديه إشارة إلى توديع الدنيا والآخرة وليوجه قلبه وروحه وسره إلى الله ثم ليقل "الله أكبر" أي من كل الموجودات بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره بأنه أكبر منه، ثم ليقل "سبحانك اللهم وبحمدك" وفي هذا المقام ينكشف له نور سبحات الجلال، ثم ليقل "تبارك اسمك" إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ليطالع حقيقة الأزل في القدم وحقيقة الأبد في البقاء، فيتجلى له نور الأزل والأبد، ثم ليقل "وتعالى جدك" إشارة إلى أنه أعلى وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور، ثم ليقل "ولا إله غيرك" إشارة إلى أن صفات الجلال وسمات الكمال له تعالى لا لغيره فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو، وههنا بكل اللسان وتدهش الألباب، ثم عد أيها المصلي إلى نفسك وحالك وقل "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" فقولك "سبحانك اللهم وبحمدك" معراج الملائكة المقربين حيث قالوا {أية : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} تفسير : [البقرة: 30] وهو أيضاً معراج محمد صلى الله عليه وسلم لأن معراجه مفتتح بقوله "سبحانك اللهم وبحمدك" وقوله "وجهت وجهي" معراج الخليل صلى الله عليه وسلم، وقولك "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي" معراج الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. فقد جمع المصلي بين معراج الملائكة المقربين ومعراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لتدفع العجب عن نفسك، وفي هذه المقام يفتح لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة، وبقولك {بسم الله الرحمن الرحيم} يفتح باب الذكر، وبقولك {الحمد لله رب العالمين} يفتح باب الشكر، وبقولك "الرحمن الرحيم" يفتح باب الرجاء، وبقولك {مالك يوم الدين} يفتح باب الخوف، وبقولك {إياك نعبد وإياك نستعين} يفتح باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وبقولك {اهدنا الصراط المستقيم} يفتح باب الدعاء والتضرع {أية : ادعوني استجب لكم}تفسير : [غافر: 60] وبقولك: {صراط الذين أنعمت عليهم} الخ. يفتح باب الاقتداء بالأرواح الطيبة والاهتداء بأنوارهم، فجنات المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد الروحانية، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة، وأما الجسماني فأولى المراتب أن تقوم بين يدي الله كقيام أصحاب الكهف {أية : إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض} تفسير : [الكهف: 14] بل قيام أهل القيامة {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين}تفسير : [المطففين: 6] ثم اقرأ "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم "وجهت وجهي" ثم "الفاتحة" وبعدها "ما تيسر لك من القرآن" واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها، وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا سر قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} واعلم أن نفسك إلى الآن جارية مجرى خشية عرضتها على نار خوف الجلال فلانت، فاجعلها منحنية بالركوع ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض طاعة الله إلى نفسك "فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بغاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو وقل: "سبحان ربي الأعلى" فإذا سجدت ثانية حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة... ركوع واحد وسجدتان، فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات، وبالسجود الأول من عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات، وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي إلى كل المضلات. فإذا تجاوزت هذه الصفات وتخلصت عن هذه الدركات، وصلت إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات، وانتهيت إلى عقبة جلال مدبر الأرض والسموات، فقل عند ذلك "التحيات المباركات" باللسان، و "الصلوات" بالأركان و "الطيبات" بالجنان وقوة الإيمان بالله، فيصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى الله عليه وسلم فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والريحان فقل "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فعند ذلك يقول محمد صلى الله عليه وسلم "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فكأنه قيل لك: بم نلت هذه الكرامات؟ فقل: بقولي: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً رسول الله" فقيل: إن محمداً الذي هداك أي شيء هديتك له صلى الله عليه وسلم؟ فقل "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فقيل لك: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم}تفسير : [البقرة: 129] فما جزاؤك له صلى الله عليه وسلم؟ فقل "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين" فيقال لك: هذه الخيرات من محمد وإبراهيم أو من الله؟ فقل: بل من الحميد المجيد "إنك حميد مجيد". ثم إن العبد إذا ذكر الله تعالى بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله تعالى في محافل الملائكة "حديث : إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه" تفسير : فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى العبد فقال الله تعالى: إن الملائكة اشتاقوا إلى زيارتك وقد جاؤوك زائرين فابدأ بالسلام عليهم لتكون من السابقين، فقل عن اليمين وعن الشمال "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" فلا جرم إذا دخل المصلون الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتهم فنعم عقبى الدار. المنهج الثامن: أعظم المخلوقين جلالة ومهابة المكان والزمان، فالمكان فضاء لا نهاية له، وخلاء لا غاية له، والزمان امتداد وهمي شبيه بنهر خرج من قعر جبل الأزل فامتد ودخل في قعر الأبد، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل. فالأول والآخر صفة الزمان، والظاهر والباطن صفة المكان، وكمال هذه الأربعة "الرحمن الرحيم" فالحق سبحانه وسع المكان ظاهراً وباطناً، ووسع الزمان أولاً وآخراً، وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه كان ولا مكان ولا زمان، فعقد المكان بالكرسي {أية : وسع كرسيه السموات والأرض} تفسير : [البقرة: 255] وعقد الزمان بالعرش {أية : وكان عرشه على الماء} تفسير : [هود: 7] لأن جري الزمان يشبه جري الماء، فالعلو صفة الكرسي {أية : وسع كرسيه}تفسير : [البقرة: 255] والعظمة صفة العرش {أية : رب العرش العظيم}تفسير : [التوبة: 129] وكمال العلو والعظمة لله {أية : ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم}تفسير : [البقرة: 255] والعلو والعظمة درجتان من درجات الكمال إلا أن العظمة أقوى وفوق الكل درجة الكبرياء "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" تفسير : ولا يخفى أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع الصفات صفة الجلال وهي تقدسه في هويته المخصوصة عن مناسبة الممكنات وبه استحق الإلهية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" تفسير : وفي التنزيل {أية : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}تفسير : [الرحمن: 27] فالمصلي يبتغي وجه الله، والداخل على السلطان يجب أن يتطهر من الأدناس والأرجاس، وأولى المراتب التطهر من دنس الذنوب {أية : توبوا إلى الله توبة نصوحاً} تفسير : [التحريم: 8] ثم من الدنيا حلالها وحرامها وهو الزهد، ثم من الكونين الدنيا والآخرة وهو مقام المعرفة، ثم من الالتفات إلى أعماله وهو مقام الإخلاص، ثم من الالتفات إلى عدم الالتفات وهو مقام المحسنين، ثم من الالتفات إلى كل ما سوى الله وهو مقام الصديقين، ثم قم قائماً {أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً}تفسير : [الروم: 30] واستحضر في نفسك جميع أقسام العالم من الروحانيات والجسمانيات فقل "الله أكبر" أي من الكل كما مر، أو من لا يراني ولا يسمع كلامي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : أو أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأفهامهم كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التوحيد أن لا تتوهمه أو أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فإذا قلت "الله أكبر" فأجل طرف عقلك في ميادين جلال الله وقل "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم قل "وجهت وجهي" ثم انتقل إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لكي تبصر فيها عجائب الدنيا والآخرة، وتطلع منها على أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والكتب الإلهية والشرائع النبوية فتصل إلى الشريعة ومنها إلى الطريقة ومنها إلىالحقيقة وتشاهد درجات الكاملين ودركات الناقصين، فإذا قلت {بسم الله الرحمن الرحيم} أبصرت به الدنيا فباسمه قامت السموات والأرضون، وإذا قلت {الحمد لله رب العالمين} أبصرت به الآخرة فبالحمد قامت الآخرة {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] وإذا قلت {الرحمن الرحيم} أبصرت به عالم الجمال المشتمل على أصول النعم وفروع النوال، وإذا قلت {مالك يوم الدين} أبصرت به عالم الجلال وما يحصل هناك من الأحوال والأهوال، وإذا قلت "إياك نعبد" أبصرت به عالم الشريعة، وإذا قلت "وإياك نستعين" أبصرت به عالم الطريقة، وإذا قلت {اهدنا الصراط المستقيم} أبصرت به عالم الحقيقة وإذا قلت {صراط الذين أنعمت عليهم} أبصرت به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات، وإذا قلت {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} لاحظت دركات أهل التفريط والإفراط فإذا انكشفت لك هذه المقامات فلا تظن أنك قد بلغت الغايات بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالهوان وقل "الله أكبر" ثم انزل من صفة الكبرياء إلى العظمة وقل "سبحان ربي العظيم" ثم انتصب ثانياً وادع لمن وقف موفقك وحمد حمدك وقل "سمع الله لمن حمده" فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم. ولا تكبير في هذا المقام لأن التكبير من الكبرياء والهيبة والخوف وهذا مقام الشفاعة، ثم عد إلى التكبير وانحدر به إلى غاية العلو وقل "سبحان ربي الأعلى" لأن السجود أكثر تواضعاً. روي أن لله ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل. فأوحى إليه أيها الملك طر فطار ثلاثين ألف سنة، ثم ثلاثين ألف سنة، فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني فأوحى الله إليه: لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش. فقال الملك عند ذلك: سبحان ربي الأعلى. أما فوائد السجدتين فالأولى الأزل والثانية الأبد، والقعدة بينهما هي الدنيا، فتعرف بأزليته أنه لا أول له فتسجد له، وبأبديته أنه لا آخر له فتسجد له ثانياً. وأيضاً الأولى فناء الدنيا في الآخرة، والثانية فناء الآخرة في جلال الله تعالى، وأيضاً الأولى فناء الكل في أنفسها، والثانية بقاؤها ببقائه، وأيضاً الأولى انقياد عالم الشهادة لقدرته، والثانية انقياد عالم الأرواح لعزته {أية : ألا له الخلق والأمر} تفسير : [الأعراف: 54] وأيضاً الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته، والثانية سجدة الخوف مما فاتنا من أداء حقوق كبريائه. وأيضاً صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم فتواضع السجدتين بإزاء تواضع ركوع واحد، وأيضاً ليكونا شاهدين للعبد على أداء العبادة، وأيضاً ليناسب الوجود الأخذ من الوحدة إلى الكثرة ومن الفردية إلى الزوجية، وأيضاً الانتصاب صفة الإنسان والانحناء صفة الأنعام والجثوم صفة النبات. ففي الركوع هضم للنفس بمرتبة واحدة، وفي السجود بمرتبتين، ولعل ما فاتنا من الفوائد أكثر مما أدركنا. المنهج التاسع في اللطائف: عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل ربه فقال: ما جزاء من حمدك؟ فقال تعالى: الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته. فقال أهل التحقيق: من ههنا جعلها الله فاتحة كتابه وخاتمة كلام أحبائه في جنته {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} تفسير : [يونس: 10] وعن علي عليه السلام أن أول ما خلق الله العقل من نوره المكنون، ثم قال له: تكلم فقال: الحمد لله فقال الرب: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز عليّ منك. ونقل عن آدم عليه السلام لما عطس قال: الحمد لله فأول كلام لفاتحة المحدثات الحمد، وأول كلام لخاتمة المحدثات الحمد، فلا جرم جعلها الله تعالى فاتحة كتابه. وأيضاً أول كلام الله "الحمد لله" وآخر أنبيائه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأول والآخر مناسبة، فجعل "الحمد لله" أول آية من كتاب محمد رسول الله، ولما كان كذلك وضع لمحمد رسول الله من كلمة الحمد اسمان: محمد وأحمد. وعند هذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد" تفسير : فأهل السماء في تحميد الله ورسوله أحمدهم، والله تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال: {أية : فأولئك كان سعيهم مشكوراً}تفسير : [الإسراء: 19] ورسول الله محمدهم. أخرى: الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالرحمة والنعمة، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال فلهذا قال "حديث : سبقت رحمتي غضبي ". تفسير : أخرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه أحمد أي أكثر الحامدين حمداً فوجب أن تكون رحمة الله في حقه أكثر فلهذا جاء رحمة للعالمين. أخرى: إن من أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى اسمه محمد وأحمد الحامد والمحمود على ما جاء في الروايات، وكلها تدل على الرحمة، لأن الحمد يتضمن النعمة فقال تعالى: {أية : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} تفسير : [الحجر: 49] فقوله "نبئ" إشارة إلى محمد وهو مذكور قبل العباد، والياء في قوله "عبادي" ضمير الله سبحانه. وكذا في "أني" و "أنا" و "الغفور" و "الرحيم" صفتان لله، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول صلى الله عليه وسلم مع خمسة أسماء تدل على الرحمة، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله تعالى تدل على الرحمة، ورحمة الرسول كثيرة {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107] ورحمة الله تعالى غير متناهية {أية : ورحمتي وسعت كل شيء} تفسير : [الأعراف: 156] فكيف يضيع المذنب فيما بين هذه الأصناف من الرحمة؟!. أخرى: في الفاتحة عشرة أشياء، خمسة من صفات الربوبية: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، وخمسة من صفات العبودية: العبادة الاستعانة طلب الهداية طلب الاستقامة طلب النعمة في قوله "أنعمت عليهم" وكأنه قيل "إياك نعبد" لأنك أنت الله "وإياك نستعين" يا رب اهدنا يا رحمن، وارزقنا الاستقامة يا رحيم، وأفض علينا سجال فضلك يا مالك. أخرى: الإنسان مركب من خمسة أشياء: بدن ونفس شيطانية ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي. فتجلى اسم الله للجوهر الملكي فاطمأن إليه {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد: 28] وتجلى للنفس الشيطانية باسم الرب فلان وانقاد لطاعة الديان {أية : رب أعوذ بك من همزات الشياطين}تفسير : [المؤمنون: 97] وتجلى للنفس السبعية باسم الرحمن وهو مركب من القهر واللطف {أية : الملك يومئذ الحق للرحمن}تفسير : [الفرقان: 26] فترك الخصومة والعدوان. وتجلى للنفس البهيمية باسم الرحيم {أية : أحل لكم الطيبات} تفسير : [المائدة: 4] فترك العصيان، وتجلى للأبدان بصفة القهر والمالكية لأن البدن غليظ كثيف فيحتاج إلى قهر شديد {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : [غافر: 16] فدان. فلمكان هذه التجليات انغلقت له أبواب النيران وفتحت عليه أبواب الجنان ورجع القهقرى كما جاء، فلطاعة الأبدان قال: "إياك نعبد" ولطاعة النفس البهيمية قال: "وإياك نستعين" على ترك اللذات وارتكاب المنكرات، ولطاعة النفس السبعية قال: "اهدنا وأرشدنا وعلى دينك ثبتنا" ولطاعة النفس الشيطانية طلب الاستقامة فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} ولجوهره العقلي الملكي طلب مرافقة الأرواح المقدسة لا المدنسة فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. أخرى: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فشهادة أن لا إله إلا الله من تجلي نور اسم الله، وإقام الصلاة من تجلي نور اسم الرب لأن الرب من التربية، والعبد يربي أمانة عدد الصلاة، وإيتاء الزكاة من تجلي اسم الرحمن لأن الزكاة سببها الرحمة على الفقراء، وصوم رمضان من تجلي اسم الرحيم لأن الصائم إذا جاع يذكر جوع الفقراء فيعطيهم (يحكى) أن يوسف حين تمكن من مصر كان لا يشبع فقيل له في ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع. وأيضاً الصائم يرحم نفسه لأنه إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات، فعند الموت يسهل عليه مفارقتها. ووجوب الحج من تجلي اسم "مالك يوم الدين" لأن الحج يوجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد وذلك يشبه سفر القيامة. وأيضاً الحاج يكون عارياً حافياً حاسراً وهو يشبه أحوال القيامة. أخرى: الحواس خمس ولكل أدب فأدب البصر {أية : ما زاغ البصر وما طغى}تفسير : [النجم: 17] {أية : فاعتبروا يا أولي الأبصار}تفسير : [الحشر: 2] وأدب السمع {أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}تفسير : [الزمر: 18] وأدب الذوق {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} تفسير : [المؤمنون: 51] وأدب الشم {أية : إني لأجد ريح يوسف} تفسير : [يوسف: 94] وأدب المس {أية : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} تفسير : [المؤمنون: 6] فاستعن بأنوار الأسماء الخمسة: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، على تأديب هذه الحواس الخمس. أخرى: الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة لله فيفيض أنوارها على الأسرار، والشطر الثاني مشتمل على الصفات الخمس للعبد فتصعد منها أسراره إلى تلك الأنوار ويحصل للعبد معراج في قراءته، وتقرير الأسرار أن حاجة العبد إما لدفع ضر أو جلب خير، وكل منهما إما في الدنيا وإما في الآخرة، فهذه أربعة، وههنا قسم خامس هو الأشرف وذلك الإقبال على طاعة الله وعبوديته لا لأجل رغبة أو رهبة، فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب منه شيئاً سوى الله، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة، وإن طالعت نور الرحمن طلبت منه خيرات الدنيا، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه العصمة عن مضار الآخرة، وإن طالعت نور "مالك يوم الدين" طلبت منه الصون عن آفات الدنيا الموقعة في عذاب الآخرة أعاذنا الله منها. أخرى: للتجلي ثلاث مراتب: تجلي الذات {أية : قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} تفسير : [الأنعام: 91] وهذا لعظماء الأنبياء والملائكة المقربين وهذه نهاية الأحوال ويدل عليه اسم الله، وتجلي الصفات وهو في أواسط الأحوال ويكون للأولياء وأولي الألباب {أية : الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً}تفسير : [آل عمران: 191] ويدل عليه اسم الرحمن. وتجلي الأفعال والآيات وهو في بداية الأحوال ويكون لعامة العباد {أية : الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي}تفسير : [طه: 53 - 54] ويدل علي لفظ الرحيم {أية : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً}تفسير : [غافر: 7]. أخرى: في الفاتحة كلمتان مضافتان إلى اسم الله "بسم الله" و "الحمد لله" بسم الله لبداية الأمور والحمد لله لخواتيم الأمور، "بسم الله" ذكر "والحمد لله" شكر بسم الله أستحق الرحمة رحمن الدنيا، وبالحمد لله أستحق رحمة أخرى رحيم الآخرة. كلمتان أضيف إليهما اسمان لله "رب العالمين" "مالك يوم الدين" فالربوبية لبداية حالهم {أية : ألست بربكم قالوا بلى}تفسير : [الأعراف: 172] والملك لنهاية حالهم {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} تفسير : [غافر: 16] وبينهما اسمان مطلقان لوسط حالهم "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". المنهج العاشر: للخلق خمس أحوال: أولها: الإيجاد والتكوين والإبداع ويدل عليه اسم الله. وثانيها: التربية في مصالح الدنيا ويدل عليه اسم الرب. وثالثها: التربية في معرفة المبدأ ويدل عليها اسم الرحمن. ورابعها: في معرفة المعاد ويدل عليها اسم الرحيم كي يقدم على ما ينبغي ويحجم عما لا ينبغي. وخامسها: نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى المعاد ويدل عليه اسم "مالك يوم الدين" ثم إن العبد إذا انتفع بهذه الأسماء صار من أهل المشاهدة فقال: "إياك نعبد" لأنك أنت الله الخالق "وإياك نستعين" لأنك أنت الرب الرازق "إياك نعبد" لأنك الرحمن "وإياك نستعين" لأنك الرحيم "إياك نعبد" لأنك الملك "وإياك نستعين" لأنك المالك، "إياك نعبد" لأنا ننتقل من دار الشرور إلى دار السرور ولا بد من زاد وخير الزاد العبادة، "وإياك نستعين" لأن الذي نكتسب بقوتنا وقدرتنا لا يكفينا فإن السفر طويل والزاد قليل. ثم إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة، فلا طريق إلا أن يطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق {اهدنا الصراط المستقيم}. ثم إنه لا بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل {صراط الذين أنعمت عليهم} فالأنبياء أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء، غير المغضوب عليهم ولا الضالين لأن الحجب قسمان: نارية وهي الدنيا بما فيها، ونورية وهي ما سواها. اللهم ادفع عنا كل ما يحجب بينك وبيننا إنك رب العالمين ومالك يوم الدين.
الثعالبي
تفسير : قال ابن عبَّاس وغيره: إنها مكية؛ ويؤيد هذا أن في سُوَرةِ الحِجْرِ: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} تفسير : [الحجر:87] والحجر مكية بإِجماع، وفي حديث أُبَيِّ بن كعب أنَّها السبْعُ المثانِي. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاةٌ بغير: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وروي عن عطاء بن يسار وغيره؛................. أنها مدنية، وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها فاتحة الكتاب، واختلف، هل يقال لها أم الكتاب؟ فكره ذلك الحسن بن أبي الحسن، وأجازه ابن عبَّاس وغيره. وفى تسميتها بـ «أُمِّ الْكِتَاب» حديثٌ رواه أبو هريرة، واختلف هل يقال لها: «أُمَّ القُرْآنِ»؟ فكره ذلك ابن سيرين، وجوزه جمهور العلماء. وسميت «المَثَانِيَ»؛ لأنها تثنَّى في كل ركعة؛ وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة. وأما فضل هذه السورة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبيِّ بن كعب؛ أنَّها لم ينزل في التوراة، ولا في الإِنجيل، ولا في الفرقان مثلها، وروي أنها تعدل ثلثَي القرآن، وهذا العدل إِما أنْ يكون في المعاني، وإِما أنْ يكون تفضيلاً من الله تعالَىٰ لا يعلل؛ وكذلك يجيء عدل: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1] وعدل: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ} تفسير : [الزلزلة:1] وغيره. * ت *: ونحو حديث أُبَيٍّ حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى؛ إِذ قال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}؛ هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيْتُهُ"تفسير : . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجة. انتهى من «سِلاَح المُؤْمِنِ» تأليف الشيخ المحدِّث أبي الفتح تقي الدين محمَّد بن علي بن همام - رحمه اللَّه -.
البقاعي
تفسير : ولما أثبت بقوله: {الحمد لله} أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه أيضاً من حيث كونه رباً مالكاً منعماً فقال: {رب} وأشار بقوله: {العالمين} إلى ابتداء الخلق تنبيهاً على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع وبالبداءة على الإعادة كما ابتدأ التوراة بذلك لذلك قال الحرالي: و {الحمد} المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه تعالى وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملاً معرفاً بكلمة "أل" وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله. انتهى. ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي {الرحمن الرحيم } ترغبياً في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلاً؛ وسيأتي سر لتكرير هاتين الصفتين في الأنعام عند {أية : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه}تفسير : [الأنعام: 118] عن الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى أنه لا مكرر في القرآن. ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكاً وكانت الربوبية لا تتم إلا بالمِلك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر اتبع ذلك بقوله: {مالِك يوم الدين } ترهيباً من سطوات مجده. قال الحرالّي: واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر، ثم قال: و {يوم الدين } في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل أثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة والسلام:"حديث : إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء "تفسير : وأيضاً فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من الله وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما قالوا:{أية : مس آباءنا الضراء والسراء}تفسير : [الأعراف:95] ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما هو كمال قال تعالى: {أية : وما أَصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}تفسير : [الشورى:30] وكما ورد عنه عليه الصلاة والسلام:"حديث : الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها "تفسير : وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به، ومنهل التجهّم الذي أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : المرض سوط الله في الأرض يؤدب به عباده " تفسير : وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك، وهو تعالى مَلِك ذلك كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدح أو لم يدع، فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملِك يوم الدين ومالكه مطلقاً في الدنيا والآخرة وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عوداً على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى: {أية : سيجزيهم وصفهم} تفسير : [الأنعام:139] و {أية : جزاء بما كانوا يعملون} تفسير : [السجدة: 17]. [الأحقاف: 4]، [الواقعة: 24] وبه تم انتهاء الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: "مجدني عبدي" انتهى، ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة "مَلِك" وقراءة "مالك" جاءت الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للمَلِك سوى هذا، ولما لم تُفد إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في {أية : ملِك الناس } تفسير : [الناس: 2]. فلما استجمع الأمر استحقاقاً وتحبيباً وترغيباً وترهيباً كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلاً عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا مقدماً للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة {إياك} أي يا من هذه الصفات صفاته! {نعبد } إرشاداً لهم إلى ذلك؛ ومعنى {نعبد} كما قال الحرالي: تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكرراً للضمير حثاً على المبالغة في طلب العون {وإياك نستعين } إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيدة: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها: "أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك" ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله: "لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك" وفي آخر سورة اقرأ شرح بديع لهذا الحديث. قال الحرالي: وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جارياً على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلاً لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهراً منهم لطفاً بهم وإتماماً للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذاً ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي عبر عنها فيما صح عنه علية الصلاة والسلام من قوله تعالى:"حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين "تفسير : ثم تلا هذه السورة؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمداً وثناء وتمجيداًَ، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عُهَد العبادة وهو ما يرجع إلى العبد وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيّته تعالى، لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبداً وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: {نعبد} بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى. وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} تلقيناً لأهل لطفه وتنبيهاً على محل السلوك الذي لا وصول بدونه، والهدى قال الحرالي: مرجع الضال إلى ما ضل عنه، والصراط الطريق الخطر السلوك، والآية من كلام الله تعالى على لسان العُلّية من خلقه، وجاء مكملاً بكلمة "أل" لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقاً لشمول معنى الحمد في الوجود كله وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت بالميل إلى واحد من جانبيه وهو الذي ينصب مثاله. وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل، وهذا الصراط الأكمل وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له، وهو ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة فحقه الوقوف عن كل وجهة وهو ضلال يستلزم هدى محيطاً منه {أية : ووجدك ضالاً فهدى } تفسير : [الضحى: 6] وأما من هدى وجهة ما فضلّ عن مرجعها فهو ضلال مذموم لأنه ضلال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في الجبلة. انتهى. ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبهاً بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم } فأشار إلى أن الاعتصام به في اتباع رسله، ولما كان سبحانه عام النعمة لكل موجود عدواً كان أو ولياً، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية. يعني لو قيل: اتبع طريق أهل مصر مثلاً لا أهل دمشق، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفاه كما صرحوا به، بخلاف ما لو قيل: اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة، فإنه يعلم أن الظلمة منهم، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ، فعرف أن المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم تحذيراً منهم، فعرف أنهم قسمان: قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب، وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفاً بعد الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفاً بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة: {غير المغضوب عليهم } أي الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه، وتعرفت "غير" لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل: الحركة غير السكون، ولما كان المقصود من "غير " النفي لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة على بناء الكلام بادىء بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصوناً للكلام عن إفهام أن ما يعد أقل ودون لا {ولا الضالين } فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامداً أو مخطئاً شقي ليشمّر أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم. قال الحرالي: {المغضوب عليهم} الذين ظهر منهم المراغمة وتعمد المخالفة فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى. {الضالين } الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك. "أمين" كلمة عزم من الأمن، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه وهي لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب الشيطان فأخذتهم النقمة، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز، ومن ثم اشتراط في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم. قال الأصبهاني: فإن القرآن معجز والركن الأبين الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب. انتهى. والحاصل أنه لما رفعت تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض الكرم ونشرت له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز وأومضت له بوارق النقم من ذلك الجناب الأشم وصل إلى مقام الفناء عن الفاني وتمكن في رتبة شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له عن السوى حاكماً على الأغيار بما لها من ذواتها من العدم والتوى فقال: {إياك نعبد } وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية ذلك المقام ما له من الحق فقال: {وإياك نستعين}. فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحوالاً جمة وأودية مدلهمة وبحاراً مغرقة وأنواراً هادية وأخرى محرقة، ورأى لكل أهلاً قد أسلكوا فجاء تارة حزناً وأخرى سهلاً، وعلم أن لا نجاة إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل نعمته؛ فلما أشرق واستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له: ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب؟ فقال: {اهدنا الصراط المستقيم}. ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم } ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين }. وقد أشير في أم الكتاب. كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو التفتازاني الشافعي. إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً وإلى إيجاد وإبقاء ثانياً في دار الفناء والبقاء، أما الإيجاد الأول فبقوله {الحمد لله رب العالمين} فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية، وأما الإبقاء الأول فبقوله: {الرحمن الرحيم } أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التى بها البقاء، وأما الإيجاد الثاني فبقوله: {مالك يوم الدين } وهو ظاهر، وأما الإبقاء الثاني فبقوله: {إياك نعبد } إلى آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة. ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل سورة منها إلى نعمة من هذه النعم ترتيبها. انتهى، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى، ثم في أول سبأ تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح من حيث تصديرها بالحمد جزئياً فكلياً الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه فهو أجذم؛ وتعقبه بمدح المحمود بما ذكر من أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له عنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل في آخر الباب التاسع منه: ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ومحتواها عليه، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر، الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان. اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادىء الحمد بمحمد، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها قبل ذلك، لأن ظهورها يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعاً ومرأى وذلك لمن يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنَشّؤ الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفاً فصحفاً وكتاباً فكتاباً، فالصحف لما يتبدل سريعاً، والكتاب لما يثبت ويدوم أمداً، والألواح لما يقيم وقتاً. ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود، ومعارف الصوفية من مؤاخذة المصائب؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بـأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت، وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية، وفي الزبور تطريب الخلق وجداً وهم عن أنفسهم إلى ربهم، وفي الفرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة، ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه، فصار قرآناً جامعاً للكل متمماً للنعمة مكملاً للدين {أية : اليوم أكملت لكم دينكم } تفسير : [المائدة: 3] الآية، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وإن إلى ربك المنتهى. ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع، فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة، واحدة إثر واحدة، والجوامع في أم القرآن منتطمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه؛ أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه من بدء الملك إلى ختم الحمد، وبما لعبده مصورة تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم، {أية : ووجدك ضالاً فهدى } تفسير : [الضحى:7] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلاً من مبينه وهو ما عوينت آية مسموعة، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم، يعلم ما شهد فكان معلوماً بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق وجل وخفي وبدا، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلاً، وما أهوى به من علو إلى سفل كان إنزالاً، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل. آخر آية أنزلت {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } تفسير : [البقرة:281 ] قال صلى الله عليه وسلم في مضمون قوله تعالى {أية : إن علينا جمعه وقرآنه } تفسير : [القيامة:17] "حديث : اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها" تفسير : لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها، آية {أية : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك } تفسير : [الأحزاب: 50 ] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية {أية : لا يحل لك النساء من بعد}تفسير : [الأحزاب: 52] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحاً واحداً إلى أم القرآن {أية : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} تفسير : [القمر:50] فهو جمع في قلبه، وقرآن على لسانه، وبيان في أخلاقه وأفعاله، وجملة في صدره، وتنزيل في تلاوته، {أية : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} تفسير : [الفرقان:32] قال الله تعالى: كذلك أي كذلك أنزلناه، إلا ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون {أية : إنا أنزلناه في ليلة مباركة } تفسير : [الدخان:3] أي إلى سماء الدنيا {أية : ونزلناه تنزيلاً} تفسير : [الإسراء:106] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة، وقال في تفسيره: القرآن باطن وظاهره محمد صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضى الله عنها: كان خلقه القرآن، فمحمد صلى الله عليه وسلم صورة باطن سورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره {أية : نزل به الروح الأمين * على قلبك } تفسير : [الشعراء: 194]. وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أمّاً للقرآن، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأخر من قوله: {اهدنا} شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين مما ظاهرهن هذه من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية {إياك نعبد وإياك نستعين} انتهى. ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال "الرحمن الرحيم " قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: "مالك يوم الدين" قال الله: مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إليّ عبدي، وإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين " قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "تفسير : والله أعلم.
السيوطي
تفسير : قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّّهِ} أخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس والثعلبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ {الحمد} رأس الشكر، فما شكر الله عبد لا يحمده ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النوّاس بن سمعان قال: سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : لئن ردها الله لأشكرن ربي، فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فوقع في خلدها أن تهرب عليها، فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها ثم حركتها فصبحت بها المدينة، فلما رأها المسلمون فرحوا بها، ومشوا بمجيئها حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأها قال {الحمد لله} فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوماً أو صلاة؟ فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت لئن ردها الله لأشكرن ربي. قال: ألم أقل {الحمد لله}؟ ". تفسير : وأخرج ابن جرير والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قلت {الحمد لله رب العالمين} فقد شكرت الله فزادك ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال {الحمد لله} كلمة الشكر إذا قال العبد{الحمد لله} قال الله شكرني عبدي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال {الحمد} هو الشكر والاستحذاء لله، والاقرار بنعمه، وهدايته، وابتدائه. وغير ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله، ولا إلَه إلا الله، فما الحمد؟ قال علي: كلمة رضيها الله لنفسه، وأحب أن تقال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال {الحمد لله} ثناء على الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحمد لله} رداء الرحمن. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الجبائي قال: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تفعله لله شكر، وأفضل الشكر {الحمد}. وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء {الحمد لله} ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أنعم الله على عبده نعمة فقال {الحمد لله} إلاَّ كان الذي أعطى أفضل مما أخذه ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد ينعم الله عليه بنعمة إلاَّ كان {الحمد} أفضل منها ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أنعم الله على عبد نعمة يحمد الله عليها إلاَّ كان حمد الله أعظم منها، كائنة ما كانت ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال {الحمد لله} لكان الحمد أفضل من ذلك ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الطهور شطر الإيمان {والحمد لله} تملأ الميزان، وسبحان الله تملآن ـ أو تملأ ـ مابين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو. فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والطهور نصف الميزان، والصوم نصف الصبر ". تفسير : وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملأه ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن الأسود بن سريع التميمي قال " حديث : قلت: يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى قال: أما أن ربك يحب الحمد ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس شيء أحب إليه الحمد من الله، ولذلك أثنى على نفسه فقال{الحمد لله} ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : التأنّي من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد ". تفسير : وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي من طريق أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : التوحيد ثمن الجنة، و{الحمد لله} ثمن كل نعمة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم ". تفسير : وأخرج الخطيب في تالي التلخيص من طريق ثابت عن أنس مرفوعاً "حديث : التوحيد ثمن الجنة، والحمد وفاء شكر كل نعمة ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل أمر ذي بال لايبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم فقال {الحمد لله} قال الملك: رب العالمين فإذا قال رب العالمين قال الملك يرحمك الله. وأخرج البخاري في الأدب وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي عن علي بن أبي طالب قال: من قال عند كل عطسة سمعها {الحمد لله رب العالمين} على كل حال ما كان. لم يجد وجع الضرس والأذن أبداً. وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من بادر العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن موسى بن طلحة قال: أوحى إلى سليمان : إن عطس عاطس من وراء سبعة أبحر فاذكرني. وأخرج البيهقي عن علي قال: "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أهله فقال: اللهم لك عليّ إن رددتهم سالمين أن أشكرك حقّ شكرك. فما لبثوا أن جاؤوا سالمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم{الحمد لله} على سابغ نعم الله فقلت يا رسول الله ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره فقال أو لم أفعل ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر وابن مردويه والبيهقي من طريق سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً من الأنصار وقال: إن سلمهم الله وأغنمهم فإن لله علي في ذلك شكراً. فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول إن سلمهم الله وأغنمهم فإن لله عليّ في ذلك شكراً قال: قد فعلت! قلت: اللهم شكراً، ولك الفضل المن فضلاً ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي عن جعفر بن محمد قال: فقد أبي بغلته فقال: لئن ردها الله عليّ لأحمدنَّه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها رفع رأسه إلى السماء فقال {الحمد لله} لم يزد عليها فقيل له في ذلك.... فقال: وهل تركت شيئاً أو أبقيت شيئاً؟ جعلت الحمد كله لله عز وجل. وأخرج البيهقي من طريق منصور عن ابراهيم قال: يقال إن {الحمد لله} أكثر الكلام تضعيفاً. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن محمد بن حرب قال: قال سفيان الثوري: {الحمد لله} ذكر وشكر، وليس شيء يكون ذكراً وشكراً غيره. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن العبد إذا قال: سبحان الله فهي صلاة الخلائق، وإذا قال {الحمد لله} فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها؛ وإذا قال لا إله إلا الله فهي كلمة الإِخلاص التي لم يقبل الله من عبد قط عملاً حتى يقولها ، وإذا قال: الله أكبر ملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله قال الله: أسلم واستسلم. قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله {رب العالمين} قال: الجن والإِنس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {رب العالمين} قال: الجن والإِنس. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {رب العالمين} قال: إله الخلق كله. السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلي في مسنده وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في التاريخ بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قل الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك فأرسل راكباً يضرب إلى كداء، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أو لا؟ فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه. فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خلق الله ألف أمة. ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا أهلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه ". تفسير : وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله {رب العالمين} قال: كل صنف عالم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن تتبع الجهري قال: العالمون ألف أمة.. فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {رب العالمين} قال: الإِنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من الملائكة، وللأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته. وأخرج الثعلبي من طريق شهر بن حوشب عن أبي كعب قال: العالمون الملائكة وهم ثمانون ثمانية عشر ألف ملك، منهم أربعمائة أو خمسمائة ملك بالمشرق، ومثلها بالمغرب، ومثلها بالكتف الثالث من الدنيا، ومثلها بالكتف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله. وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم. الدنيا منها عالم واحد.
ابو السعود
تفسير : (سورة فاتحة الكتاب وهي سبع آيات) معنى سورة الفاتحة الفاتحة في الأصل: أولُ ما من شأنه أن يُفتح، كالكتاب والثوب، أُطلقت عليه لكونه واسطةً في فتحِ الكل، ثم أُطلقت على أول كلِّ شيء فيه تدريجٌ بوجه من الوجوه كالكلام التدريجي حصولاً، والسطور والأوراق التدريجية قراءةً وعداً والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، أو هي مصدر بمعنى الفتح، أطلقت عليه تسميةً للمفعول باسم المصدر، إشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح، فإن تعلقه به بالذات، وبالباقي بواسطته، لكن لا على معنى أنه واسطة في تعلقه بالباقي ثانياً. حتى يرد أنه لا يتسنى في الخاتمة، لما أن خَتْم الشيء عبارة عن بلوغ آخره، وذلك إنما يتحقق بعد انقطاع الملابسة عن أجزائه الأُوَل، بل على معنى أن الفتح المتعلق بالأول فتح له أولاً وبالذات، وهو بعينه فتح للمجموع بواسطته، لكونه جزءاً منه، وكذا الكلامُ في الخاتمة فإن بلوغَ آخِرِ الشيء يعرِضُ للآخر أولاً وبالذات، وللكل بواسطته، على الوجه الذي تحقَّقْتَه. والمراد بالأول ما يعُم الإضافيَّ فلا حاجة إلى الإعتذار بأن إطلاقَ الفاتحة على السورة الكريمة بتمامها باعتبار جزئها الأول، والمرادُ بالكتاب هو المجموع الشخصي، لا القدر المشترك بـينه وبـين أجزائه، على ما عليه اصطلاحُ أهل الأصول، ولا ضيرَ في اشتهار السورة الكريمة بهذا الاسم في أوائل عهد النبوة، قبل تحصيل المجموع بنزول الكل، لما أن التسمية من جهة الله عزَّ اسمه أو من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإذن فيكفي فيها تحصُّلُهُ باعتبار تحققه في علمه عزَّ وجل أو في اللوح أو باعتبار أنه أُنزل جُملةً إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل على السَفَرة، ثم كان يُنزِله على النبـي صلى الله عليه وسلم نُجوماً في ثلاثٍ وعشرين سنةٍ كما هو المشهور. والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى مِنْ كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه، لا جزئي له، ومدار التسمية كونه مبدأً للكتاب على الترتيب المعهود، لا في القراءة في الصلاة، ولا في التعليم ولا في النزول كما قيل. أما الأول فبـيِّنٌ، إذ ليس المرادُ بالكتاب القدرَ المشترك الصادقَ على ما يقرأ في الصلاة حتى تُعتبرَ في التسمية مبدئيتَها له. وأما الأخيران فلأن اعتبار المبدئية من حيث التعليمُ، أو من حيث النزولُ يستدعي مراعاةَ الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين، ولا ريب في أن الترتيب التعليمي والترتيب النزولي ليسا على نسق الترتيب المعهود. - وتسمى أمَّ القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له، إما لمبدئيتها له، وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل، والتعبُّدِ بأمره ونهيه، وبـيانِ وعدِه ووعيده، أو على جملةِ معانيه من الحِكَم النظرية، والأحكام العملية، التي هي سلوكُ الصراط المستقيم، والاطلاعُ على معارج السعداء، ومنازلِ الأشقياء، والمرادُ بالقرآن هو المراد بالكتاب. - وتسمى أمَّ الكتاب أيضاً كما يسمَّى بها اللوحُ المحفوظ، لكونِهِ أصلاً لكل الكائنات، والآياتُ الواضحةُ الدالة على معانيها - لكونها بـينةً - تُحْمل عليها المتشابهاتُ، ومناطُ التسمية ما ذُكر في أم القرآن، لا ما أورده الإمامُ البخاري في صحيحه من أنه يُبدأ بقراءتها في الصلاة، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه، وتسمى سورةَ الكنز، لقوله عليه السلام: «حديث : إنَّها أُنْزِلَتْ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ»تفسير : أو لِمَا ذُكِرَ في أُمِّ القُرآن، كما أنه الوجهُ في تسميتها الأساسَ، والكافية، والوافية، وتسمى سورةَ الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسئلة، لاشتمالها عليها، وسورةَ الصلاة لوجوب قراءتها فيها، وسورةَ الشفاء والشافية لقوله عليه السلام: «حديث : هي شفاءٌ من كُلِّ داءٍ»تفسير : ، والسبع المثاني لأنها سبعُ آيات تُثَنَّى في الصلاة، أو لتكرّر نزولِها على ما رُوي أنها نزلت مرة بمكَّة حين فرضت الصلاة وبالمدينة أخرى حين حُوِّلت القبلة، وقد صح أنها مكيةٌ لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}تفسير : [الحجر، الآية 87] وهو مكي بالنص. أقوال العلماء في البسملة {بِسْمِ الله الرَّحَمنِ الرَّحَيمِ} اختلف الأئمة في شأن التسمية في أوائل السور الكريمة فقيل: إنها ليست من القرآن أصلاً، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ومذهبُ مالك، والمشهورُ من مذهب قدماء الحنفية، وعليه قرّاءُ المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها. وقيل: إنها آية مفردة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وهو الصحيحُ من مذهب الحنفية، وقيل: هي آية تامة من كل سورة صُدِّرت بها، وهو قولُ ابن عباس وقد نُسب إلى ابن عمر أيضاً رضي الله عنهم، وعليه يُحمل إطلاقُ عبارة ابن الجوزي في زاد المسير حيث قال: روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أنزلت مع كل سورة، وهو أيضاً مذهبُ سعيد بنِ جبـيرٍ والزُّهري وعطاءٍ وعبدِ اللّه بن المبارك، وعليه قُرَّاءُ مكَّة والكوفةِ وفقهاؤهما، وهو القولُ الجديد للشافعي رحمه الله، ولذلك يُجْهر بها عنده، فلا عبرة بما نُقِلَ عن الجصاص من أن هذا القول من الشافعي لم يسبقه إليه أحد، وقيل إنها آية من الفاتحة مع كونها قرآناً في سائر السور أيضاً من غير تعرض لكونها جزأ منها أَوْ لا، ولا لكونها آية تامَّةً أَوْ لا، وهو أحدُ قولَي الشافعي على ما ذكره القرطبـي. ونقل عن الخطابـي أنه قول ابن عباس وأبـي هريرة رضي الله عنهم. وقيل إنها آية تامة في الفاتحة وبعضٌ في البواقي. وقيل بعضُ آية في الفاتحة وآية تامة في البواقي، وقيل إنها بعض آية في الكل، وقيل إنها آياتٌ من القرآن متعددة بعدد السور المُصدّرة بها من غير أن تكون جزأ منها، وهذا القول غير معزى في الكتاب إلى أحد، وهناك قول آخرُ ذكره بعض المتأخرين ولم ينسُبْه إلى أحد وهو إنها آية تامة في الفاتحة وليست بقرآن في سائر السور، ولولا اعتبارُ كونها آيةً تامةً لكان ذلك أحدَ محملَيْ ترددِ الشافعي، فإنه قد نقل عنه أنها بعض آية في الفاتحة، وأما في غيرها فقوله فيها متردد، فقيل: بـين أن يكون قرآناً أَوْ لا، وقيل: بـين أن يكون آيةً تامَّةً أَوْ لا، قال الإمام الغزالي: والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني. وعن أحمد بنِ حنبلٍ في كونها آيةً كاملة وفي كونها من الفاتحة روايتان ذكرهما ابن الجوزي، ونقل أنه مع مالك، وغيره ممن يقول أنها ليست من القرآن. هذا والمشهور من هذه الأقاويل هي الثلاث الأُول، والاتفاقُ على إثباتها في المصاحف مع الإجماع على أن ما بـين الدفتين كلام الله عز وجل يقضي بنفي القول الأول، وثبوت القدر المشترك بـين الأخيرين من غير دلالة على خصوصية أحدهما، فإن كونها جزأ من القرآن لا يستدعي كونها جزأ من كل سورة منه، كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه. وأما ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما "من أن مَنْ تركها فقد ترك مائة وأربعَ عشرةً آيةً من كتاب الله تعالى" وما روي عن أبـي هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فاتحةُ الكتاب سبعُ آياتٍ أولاهن بسم الله الرحمٰن الرحيم»تفسير : ، وما روي عن أم سلمة من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفاتحة وعدَّ بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين آية، وإن دل كلُ واحد منها على نفي القول الثاني فليس شيء منها نصاً في إثبات القولِ الثالث، أما الأول فلأنه لا يدل إلا على كونها آياتٍ من كتاب الله تعالى متعددةً بعدد السور المصدرة بها، لا على ما هو المطلوبُ من كونها آية تامة من كل واحدة منها، إلا أن يُلْتجأ إلى أن يقال أن كونها آيةً متعددةً بعدد السور المصدّرةِ بها من غير أن تكون جزءاً منها قولٌ لم يقل به أحد، وأما الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور، وأما الثالثُ فناطقٌ بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور. والباء فيها متعلقةٌ بمضمرٍ يُنبىء عنه الفعلُ المصدَّرُ بها، كما أنها كذلك في تسمية المسافر عند الحلول والارتحال، وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال. تفسير البسملة ومعناها الإستعانةُ أو الملابسةُ تبركاً، أي باسم الله أقرأ، أو أتلو، وتقديم المعمول للإعتناء به والقصد إلى التخصيص، كما في إياك نعبد، وتقديرُ أبدأ لاقتضائه اقتصارَ التبرك على البداية مُخلّ بما هو المقصودُ، أعني شمولَ البركة للكل، وادعاءُ أن فيه امتـثالاً بالحديث الشريف من جهة اللفظ والمعنى معاً، وفي تقدير أقرأُ من جهة المعنى فقط ليس بشيء، فإن مدارَ الامتثالِ هو البدءُ بالتسمية لا تقديرُ فعله، إذ لم يقل في الحديث الكريم: كلُّ أمرٍ ذي بال لم يُقَل فيه أو لم يُضْمَر فيه أَبدأُ، وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقولٌ على ألسنة العباد تلقيناً لهم، وإرشاداً إلى كيفية التبرك باسمه تعالى، وهدايةً إلى منهاج الحمد وسؤالِ الفضل، ولذلك سُميت السورةُ الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة، وإنما كُسرت ومن حق الحروف المفردة أن تُفتَحَ لاختصاصها بلزوم الحرفية والجر، كما كسرت لامُ الأمر، ولامُ الإضافة داخلةً على المُظْهَر للفصل بـينهما وبـين لام الابتداء. والاسم عند البصريـين من الأسماء المحذوفة الأعْجَاز. المبنية الأوائل على السكون قد أُدخلت عليها عند الابتداء همزة، لأن مِنْ دأبهم البدءَ بالمتحرِّك والوقفَ على الساكن، ويشهد له تصريفُهم على أسماء وسُمَيٌّ وسمَّيتُ، وسُميً كهُدىً لغة فيه قال: [الرجز] شعر : واللَّه أسماكَ سُمى مباركا آثرك اللَّهُ به إيثاركا تفسير : والقلبُ بعيدٌ غير مطرد، واشتقاقه من السُمو لأنه رفعٌ للمُسمَّى وتنويهٌ له، وعند الكوفيـين من السِّمة، وأصله وَسَمَ، حذفت الواو وعُوِّضت عنها همزةُ الوصل ليقِلَّ إعلالُها، ورُدَّ عليه بأن الهمزة لم تُعهَدْ داخلةً على ما حُذف صدرُه في كلامهم، ومن لغاتهم سِمٌ وسُمٌ قال: [الرجز] شعر : باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ تفسير : وإنما لم يقل باللَّهِ للفرق بـين اليمين والتيمُّن، أو لتحقيق ما هو المقصودُ بالإستعانة هٰهنا، فإنها تكون تارة بذاته تعالى. وحقيقتها طلبُ المعونة على إيقاع الفعل وإحداثه، أي إفاضةُ القدرةِ المفسرةِ عند الأصوليـين من أصحابنا بما يتمكن به العبدُ من أداء مالزِمه، المنقسمةِ إلى ممكِنة وميسِّرة، وهي المطلوبة بإياك نستعين، وتارة أخرى باسمه عز وعلا. وحقيقتها طلبُ المعونة في كون الفعل معتداً به شرعاً فإنه ما لم يُصَدَّر باسمهِ تعالى يكون بمنزلةِ المعدوم. ولما كانت كل واحدة من الإستعانتين واقعةً وجب تعيـينُ المراد بذكر الاسم، وإلا فالمتبادَرُ من قولنا بالله عند الإطلاق لا سيما عند الوصف بالرحمٰن الرحيم هي الإستعانة الأولى. إن قيل: فليُحمل الباء على التبرك وليستَغْنَ عن ذكر الاسم، لما أن التبرك لا يكون إلا به، قلنا: ذاك فرعُ كون المراد بالله هو الاسم، وهل التشاجرُ إلا فيه، فلا بد من ذكر الاسم لينقطعَ احتمالُ إرادة المسمَّى. ويتَعَينُ حمل الباء على الإستعانة الثانية أو التبرك. وإنما لم يكتب الألف لكثرة الإستعمال قالوا: وطُوِّلتِ الباءُ عوضاً عنها. (والله) أصله الإله، فحذفت همزته على غير قياس كما يُنْبِىءُ عنه وجوب الإدغام، وتعويض الألف واللام عنها، حيث لزماه وجُرِّدا من معنى التعريف، ولذلك قيل: يالله بالقطع، فإن المحذوف القياسيَّ في حكم الثابت، فلا يحتاج إلى التدارك بما ذُكِرَ من الإدغام والتعويض. وقيل: على قياس تخفيف الهمزة، فيكون الإدغام والتعويض من خواص الاسم الجليل، ليمتاز بذلك عما عداه امتياز مسمّاه عما سواه بما لا يوجد فيه من نعوت الكمال. والإله في الأصل اسمُ جنسٍ يقع على كل معبود بحقٍ أو باطل، أي مع قطع النظرِ عن وصف الحقية والبطلان، لا مع اعتبارِ أحدهما بعينه، ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصَّعِقْ. وأما الله بحذف الهمزة فعلمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يطلق على غيره أصلاً، واشتقاقه من الإلاهة والأُلوهَة، والأُلوهِية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري، على أنه اسمٌ منها بمعنى المألوه، كالكتاب بمعنى المكتوب، لا على أنه صفة منها، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به، حيث يُقال إله واحد، ولا يُقال شيء إلهٌ، كما يُقال كتاب مرقوم، ولا يقال شيء كتاب. والفرق بـينهما أن الموضوع له في الصفة هو الذاتُ المبهمةُ باعتبار اتصافِها بمعنىً معيّنٍ وقيامِهِ بها. فمدلولها مركبٌ من ذاتٍ مُبهمةٍ لم يُلاحظ معها خصوصية أصلاً، ومِن معنىً معينٍ قائمٍ بها على أن مَلاك الأمرِ تلك الخصوصية، فبأيِّ ذاتٍ يقومُ ذلك المعنى يصحّ إطلاقُ الصفة عليها، كما في الأفعال. ولذلك تَعْمَلُ عملها كاسمي الفاعلِ والمفعول. والموضوع له في الاسم المذكور هو الذاتُ المعينة والمعنى الخاص، فمدلوله مركب من ذَيْنِكَ المعنيين من غيرِ رجحانٍ للمعنى على الذات كما في الصفة، ولذلك لم يعمل عملها. وقيل: اشتقاقه من أَلِه بمعنى تحير، لأنه سبحانه يحارُ في شأنه العقول والأفهام. وأما أَلَهَ كعَبَدَ وزناً ومعنىً فمشتق من الألَه المشتق من أَلِهَ بالكسر، وكذا تألَّه واستَأْلَه اشتقاق: استنوق واستحجر من الناقة والحَجَر. وقيل: من أَلِهَ إلى فلان أي سكن إليه، لاطمئنان القلوب بذكره تعالى وسكون الأرواح إلى معرفته. وقيل: من أَلِهَ إذا فزِع من أمرٍ نزل به، وآلَهَهُ غيرُه إذا أجاره، إذ العائذُ به تعالى يفزَع إليه وهو يُجيره حقيقة أو في زعمه. وقيل: أصله لاهٌ على أنه مصدر من لاهَ يَلِيهُ بمعنى احتجب وارتفع، أطلق على الفاعل مبالغة. وقيل: هو اسمُ علمٍ للذات الجليل ابتداء وعليه مدار أمر التوحيد في قولنا «لا إله إلاَّ الله». ولا يخفى أن اختصاصَ الاسم الجليل بذاته سبحانه بحيث لا يمكن إطلاقُه على غيره أصلاً كافٍ في ذلك، ولا يقدَح فيه كونُ ذلك الاختصاصِ بطريق الغَلَبة بعد أن كان اسمَ جنسٍ في الأصل، وقيل: هو وصفٌ في الأصل لكنه لما غلب عليه بحيث لا يُطلق على غيره أصلاً صار كالعلم، ويردّه امتناعُ الوصف به. واعلم أن المراد بالمنَكَّر في كلمة التوحيد هو المعبودُ بالحق، فمعناها: فردَ من أفراد المعبود بالحق إلا ذلك المعبودُ بالحق. وقيل: أصلُه لاَهَا بالسريانية فعُرِّب بحذف الألف الثانية، وإدخال الألف واللام عليه وتفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبله سنة، وقيل: مطلقاً، وحذفُ ألفِه لحنٌ تفسد به الصلاة، ولا ينعقد به صريحُ اليمين، وقد جاء لضرورة الشعر في قوله: [الوافر] شعر : ألا لا بارك اللَّهُ في سُهيل إذا ما اللَّهُ باركَ في الرجالِ تفسير : [تفسير الرحمن الرَّحيم] و {الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ} صفتان مبنيتان من رَحِمَ «بعد جعله لازماً» بمنزلة الغرائز، بنقله إلى رَحُمَ بالضم كما هو المشهور. وقد قيل: إن الرحيم ليس بصفة مشبَّهة، بل هي صيغة مبالغة، نص عليه سِيبَويه في قولهم: هو رحيمٌ فلاناً. والرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف، ومنه الرَّحِمُ لانعطافها على ما فيها. والمراد هٰهنا التفضل والإحسان، وإرادتهما بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسَبّبِهِ البعيد أو القريب، فإنَّ أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات. والأولُ من الصفات الغالبة حيث لم يطلق على غيره تعالى، وإنما امتنع صرفُه إلحاقاً له بالأغلب في بابه من غير نظر إلى الاختصاص العارض، فإنه كما حظِر وجود فعلىٰ حُظِر وجود فعلانة، فاعتبارُه يوجب اجتماعَ الصرف وعدمَه، فلزم الرجوع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص، بأن تقاس إلى نظائرها من باب فَعِلَ يَفْعَلُ، فإذا كانت كلها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فَعْلى فيها، علم أن هذه الكلمة أيضاً في أصلها مما تحقق فيها وجود فعلى، فتُمنع من الصرف، وفيه من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك قيل: يا رحمٰن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا وتقديمه مع كون القياسِ تأخيرَه رعايةً لأسلوب الترقي إلى الأعلى، كما في قولهم فلان عالمٌ نِحْرير، وشجاعٌ باسل، وجَوَادٌ فيَّاض، لأنه باختصاصه به عز وجل صار حقيقاً بأن يكون قريناً للاسم الجليل الخاص به تعالى، ولأن ما يدل على جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحقُّ بالتقديم مما يدل على دقائقها وفروعها. وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة. [تفسير الحمد لله] {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} الحمد هو: النعتُ بالجميل على الجميل، اختيارياً كان أو مبدأً له، على وجه يُشْعِرُ بتوجيهه إلى المنعوت وبهذه الحيثية يمتازُ عن المدحِ، فإنَّهُ خالٍ عنها، يرشدك إلى ذلك ما ترى بـينهما من الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول في قولك: حمدته ومدحته، فإن تعلق الثاني بمفعوله على منهاج تعلق عامة الأفعال بمفعولاتها، وأما الأولُ فتعلقه بمفعوله مُنْبىء عن معنى الإنهاء، كما في قولك: كَلَّمْتُه، فإنه مُعْرَبٌ عما تفيده لام التبليغ في قولك: قلتُ له، ونظيرُه وشَكَرْتُه وعبدتُه وخدمتُه، فإن تعلّق كلَ منها منبىء عن المعنى المذكور، وتحقيقُه: أن مفعول كلِّ فعلٍ في الحقيقة هو الحدث الصادرُ عن فاعله ولا يُتصور في كيفية تعلق الفعل به ــ أيَّ فعل كان ــ اختلافٌ أصلاً. وأما المفعولُ به الذي هو محلُّه وموقِعُه، فلما كان تعلقه به ووقوعُه عليه على أنحاءَ مختلفةٍ حسبما تقتضيه خصوصياتُ الأفعال بحسب معانيها المختلفة، فإن بعضها يقتضي أن يلابسه ملابسةً تامَّةً مؤثرة فيه كعامة الأفعال، وبعضها يستدعي أن يلابسَه أدنى ملابسة. إما بالانتهاء إليه كالإعانة مثلاً، أو بالإبتداءِ منه كالإستعانة مثلاً، اعتبر في كل نحو من أنحاءِ تعلّقِه به كيفية لائقةٌ بذلك النحو، مغايرةٌ لما اعتبر في النحْوَيْنِ الأخيرين. فنظمُ القسمِ الأول من التعلق في سلك التعلقِ بالمفعولِ الحقيقي مراعاةً لقوة الملابسة، وجَعلُ كلِّ واحدٍ من القسمين الأخيرين من قبيل التعلق بواسطة الجارّ المناسب له، فإن قولَكَ أعنتُه مشعرٌ بانتهاء الإعانةِ إليه، وقولك استعنتُه بابتدائها منه، وقد يكون لفعلٍ واحدٍ مفعولان يتعلق بأحدهما على الكيفية الأولى، وبالآخَرِ على الثانية أو الثالثة، كما في قولك حدثني الحديث، وسألني المالَ، فإن التحديثَ مع كونه فعلاً واحداً قد تعلّقَ بك على الكيفية الثانية، وبالحديث على الأولى، وكذا السؤال فإنه فعل واحد، وقد تعلّق بك على الكيفية الثالثة وبالمال على الأولى. ولا ريب في أن اختلافَ هذه الكيفيات الثلاثِ وتبايُنَها واختصاصَ كلِّ من المفاعيلِ المذكورةِ بما نُسِبَ إليه منها مما لا يُتصور فيه تردُّدٌ ولا نَكيرٌ وإن كان لا يتضحُ حقَّ الاتضاح إلا عند الترجمة والتفسير، وإن مدارَ ذلك لاختلاف ليس إلا اختلافَ الفعل أو اختلاف المفعول، وإذ لا اختلاف في مفعول الحمد والمدح تَعَيَّنَ أن اختلافهما في كيفيةِ التعلق، لاختلافهما في المعنى قطعاً. هذا وقد قيلَ: المدحُ مطلقٌ عن قيدِ الإختيار، يُقال: مدحتُ زيداً على حُسْنِهِ ورشاقةِ قَدِّهِ، وأيًّا ما كان فليس بـينهما ترادفٌ، بل أُخوّةٌ من جهةِ الاشتقاق الكبـير، وتناسبٌ تام في المعنى كالنصر والتأيـيد فإنهما متناسبان معنىً من غير ترادفٍ لما ترى بـينهما من الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول، وإنما مرادفُ النصر الإعانة، ومرادف التأيـيد التقوية، فتدبر. ثم إن ما ذُكِرَ من التفسير هو المشهورُ من معنى الحمد، واللائقُ بالإرادة في مقام التعظيم، وأما ما ذُكِرَ في كُتُبِ اللغةِ من معنى الرضىٰ مطلقاً كما في قوله تعالى: {أية : عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }تفسير : [الإسراء، الآية: 79] وفي قولهم: لهذا الأمر عاقبةٌ حميدةٌ، وفي قول الأطباء: بُحْرَانٌ محمود، مما لا يختص بالفاعل فضلاً عن الإختيار فبمعزل عن استحقاق الإرادة هٰهنا استقلالاً، أو استتباعاً بحملِ الحمدِ على ما يعم المعنيـين، إذ ليس في إثباته له عز وجل فائدةٌ يُعْتَدُ بها. وأما الشكْرُ فهو مقابلة النعمة بالثناء وآداب الجوارح، وعقدُ القلبِ على وصفِ المنعم بنعت الكمال كما قال من قال: شعر : أفادتكم النَّعْمَاءُ مني ثلاثة يدي ولساني والضميرَ المُحجبا تفسير : فإذن هو أعمُّ منهما من جهة، وأخص من أخرى. ونقيضُهُ الكفران، ولما كان الحمد من بـين شُعَبِ الشكر أَدْخَلَ في إشاعةِ النعمةِ والاعتدادِ بشأنِها، وأدلَّ على مكانها لِما في عمل القلب من الخفاء، وفي أعمال الجوارحِ من الاحتمال، جُعِلَ الحمدُ رأسَ الشكر، ومِلاكاً لأمره في قوله عليه السلام: «حديث : الحمدُ رأسُ الشُّكرِ، ما شكرَ الله عبدٌ لم يحمدْهُ»تفسير : وارتفاعُهُ بالابتداء، وخبرُه الظرف، وأصلُه النَصْبُ كما هو شأن المصادر المنصوبة بأفعالها المُضمرة التي لا تكاد تُستعمل معها، نحو شُكراً وعجباً، كأنه قيل: نحمد الله حمداً بنون الحكاية، ليوافق ما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة، الآية: 5] لاتحاد الفاعل في الكل، وأما ما قيل من أنه بـيانٌ لحمدِهم له تعالى، كأنَّهُ قيل: كيف تحمَدون؟ فقيل: إياكَ نعبد فمع أنه لا حاجةَ إليه مما لا صحةَ له في نفسِهِ، فإنَّ السؤالَ المقدرَ لا بدَّ أنْ يكون بحيثُ يقتضيهِ انتظامُ الكلامِ وتنساقُ إليه الأذهانُ والأفهامُ، ولا ريبَ في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفيةِ اللائقةِ لا يَخْطُرُ ببالِ أحدٍ أن يسألَ عن كيفيتهِ على أنَّ ما قُدِرَ من السؤال غيرُ مطابقٍ للجواب، فإنه مسوقٌ لتعيـين المعبود، لا لبـيان العبادة، حتى يُتَوَهم كونُه بـياناً لحمدهم والاعتذارُ بأن المعنى نخصك بالعبادة وبه يتبـين كيفيةُ الحمد تعكيسٌ للأمرِ، وتَمَحّلٌ لتوفيق المُنَّزَل المقرَّرِ بالموهومِ المُقدّر. وبعدَ اللُّتَيا والتي إنْ فُرِضَ السؤال من جهتِهِ عز وجل فأتَتْ نُكْتَةُ الإلتفاتِ التي أجمع عليها السلف والخلف، وإن فُرِضَ من جهةِ الغيرِ يختلُ النظام لابتناءِ الجوابِ على خطابِهِ تعالى، وبهذا يتضحُ فسادَ ما قيل: إنه استئنافٌ جواباً لسؤال يقتضيه إجراءُ تلك الصفات العظامِ على الموصوف بها، فكأنه قيل: ما شأنُكم معه وكيف توجُّهكم إليه، فأجيب بحصْر العبادة والاستعانة فيه، فإن تناسِيَ جانبِ السائل بالكلية وبناءَ الجواب على خِطابه عز وعلا مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله. والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أنَّهُ استئنافٌ صدرَ عن الحامد بمحضِ ملاحظةِ اتصافِهِ تعالى بما ذُكِرَ من النعوت الجليلةِ الموجبة للإقبال الكليّ عليه، من غير أن يتوسط هناك شيء آخرُ كما ستحيط به خُبرا، وإيثارُ الرفعِ على النصب الذي هو الأصلُ للإيذان بأن ثبوتَ الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مُثبت، وأن ذلك أمرٌ دائمٌ مستمرٌ لا حادثٌ متجددٌ كما تفيده قراءةُ النصب، وهو السر في كون تحية الخليل للملائكة عليهم التحيةُ والسلام أحسنَ من تحيتهم له في قوله تعالى: {أية : قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ}تفسير : [هود، الآية 69] وتعريفُه للجنس، ومعناه الإشارةُ إلى الحقيقة من حيث هي حاضرةٌ في ذهن السامع، والمراد تخصيصُ حقيقةِ الحمدِ به تعالى المستدعي لتخصيص جميعِ أفرادِها به سبحانه على الطريق البرهاني، لكن لا بناءً على أن أفعال العبادِ مخلوقةٌ له تعالى، فتكونَ الأفرادُ الواقعة بمقابلة ما صدر عنهم من الأفعال الجميلة راجعةً إليه تعالى، بل بناءً على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها في المقام الخطابـيّ منزلةَ العدم كيفاً وكماً. وقد قيل: للإستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحققُها في ضمن جميع أفرادها، حسبما يقتضيه المقام، وقرىء: الحمدُ لُلَّهِ بكسر الدال إتباعاً لها باللام، وبضم اللام إتباعاً لها بالدال، بناء على تنزيل الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين منزلة كلمةٍ واحدة، مثل المِغِيرة ومُنْحَدُرُ الجبل. [تفسير رب العالمين] {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} بالجر على أنه صفة لله، فإن إضافته حقيقيةً مفيدةٌ للتعريف على كل حال، ضرورةَ تعيُّن إرادة الاستمرار، وقرىء منصوباً على المدح، أو بما دلت عليه الجملةُ السابقة، كأنه قيل: نحمد الله ربَّ العالمين ولا مساغَ لنصبه بالحمد لقلة إعمال المصدر المُحلى باللام، وللزوم الفصل بـين العامل والمعمول بالخبر، والرب: في الأصل مصدرٌ بمعنى التربـية وهي تبليغُ الشيءِ إلى كماله شيئاً فشيئاً، وُصف به الفاعل مبالغةً كالعدل. وقيل: صفة مشبهة، من ربَّه يرُبُّه، مثل نمَّه يُنمُّه، بعد جعله لازماً بنقله إلى فعُل بالضم، كما هو المشهور، سُمّي به المالكُ لأنه يحفظ ما يملِكه ويربـيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً كربُّ الدار وربُّ الدابة، ومنه قوله تعالى: {أية : فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا } تفسير : [يوسف، الآية 41] وقوله تعالى: {أية : ارْجِعْ إِلَى رَبّكَ }تفسير : [يوسف، الآية 50] وما في الصحيحين من أنه عليه السلام قال: «حديث : لا يَقُل أحدُكم أطعِمْ ربك، وضِّىء ربَّك، ولا يَقُلْ أحدُكم ربِّـي، ولْيَقُل سَيّدي ومولاي » تفسير : . فقد قيل: إن النهيَ فيه للتنزيه، وأما الأربابُ فحيث لم يمكن إطلاقُه على الله سبحانه جاز في إطلاقه الإطلاق والتقيـيد، كما في قوله تعالى: {أية : أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ }تفسير : [يوسف، الآية 39] الآية. و(العالم) اسمٌ لما يُعْلَم به، كالخاتَم والقالَب، غلب فيما يُعْلَم به الصانعُ تعالى من المصنوعات أي في القَدْرِ المشترك بـين أجناسها وبـين مجموعِها، فإنه كما يُطلق على كل جنسٍ جنسٌ منها في قولهم عالم الأفلاك، وعالمُ العناصر، وعالمُ النبات، وعالم الحيوان، إلى غير ذلك، يطلق على المجموع أيضاً، كما في قولنا العالم بجميع أجزائه مُحْدَث، وقيل: هو اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين وتناولُه لما سواهم بطريق الاستتباع. وقيل: أريد به الناسُ فقط، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهم من حيث اشتمالُه على نظائِر ما في العالم الكبـير من الجواهر والأعراض يُعلم بها الصانع، كما يُعلم بما في كل عالَم على حِيالِه، ولذلك أمُر بالنظر في الأنفس كالنظر في الآفاق، فقيل: {أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الذاريات، الآية 21] والأول هو الأحق الأظهر، وإيثارُ صيغة الجمع لبـيان شمول ربوبـيته تعالى لجميع الأجناس، والتعريفُ لاستغراق أفراد كلِّ منها بأسرها، إذ لو أفرد لربما تُوهِّم أن المقصود بالتعريف هو الحقيقة من حيث هي، أو استغراقُ أفرادِ جنسٍ واحد على الوجه الذي أشير إليه في تعريف الحمد، وحيث صح ذلك بمساعدة التعريف نُزِّلَ العالم - وإن لم يُطلق على آحاد مدلوله - منزلة الجمع، حتى قيل: إنه جمعٌ لا واحد له من لفظه، فكما أن الجمعَ المعَرَّفَ يستغرق آحادَ مُفرَدِه وإن لم يصدُقْ عليها كما في مثل قوله تعالى: {أية : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }تفسير : [آل عمران، الآية 134] أي كلَّ محسن، كذلك العالمُ يشملُ أفرادَ الجنسِ المسمَّى به، وإن لم يُطلق عليها، كأنها آحادُ مفردِه التقديريّ، ومن قضية هذا التنزيلِ تنزيلُ جمعِه منزلةَ جمعِ الجمع، فكما أن الأقاويلَ تتناول كلَّ واحد من آحادِ الأقوال، يتناول لفظُ العالمين كلَّ واحد من آحادِ الأجناس التي لا تكاد تُحصى. روي عن وهْب ابن منبه أنه قال: «لله تعالى ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَم، والدنيا عالم منها» وإنما جُمِع بالواو والنون مع اختصاصِ ذلك بصفاتِ العُقلاء وما في حكمها من الأعلام لدلالته على معنى العَلَم، مع اعتبار تغليبِ العقلاء على غيرهم. واعلم أن عدم إطلاقِ اسم العالَم على كل واحد من تلك الآحادِ ليس إلا باعتبار الغلَبة والاصطلاح، وأما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الإطلاقِ قطعاً لتحقّق المصداقِ حتماً، فإنه كما يُستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه، وبكل جنسٍ من أجناسِه يُستدل عليه تعالى بكل جزءٍ من أجزاءِ ذلك المجموع، وبكل فردٍ من أفراد تلك الأجناس، لتحقّق الحاجةِ إلى المؤثِّر الواجب لذاته في الكُلِّ، فإنَّ كل ما ظهرَ في المظاهر - مما عزَّ وهانَ - وحضَرَ في هذه المحاضر كائناً ما كان دليلٌ لائح على الصانع المجيد، وسبـيلٌ واضح إلى عالم التوحيد، وأما شمولُ ربوبـيته عز وجل للكل فمما لا حاجة إلى بـيانه، إذ لا شيءَ مما أحدق به نطاقُ الإمكان والوجود من العُلويات والسُفليات والمجرّدات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حدّ ذاته بحيث لو فُرض انقطاعُ آثارِ التربـية عنه آناً واحداً لما استقر له القرار، ولا اطمأنت به الدار، إلا في مطمورة العدم ومهاوي البوار، لكن يُفيضُ عليه من الجناب الأقدس، تعالى شأنُه وتقدس، في كل زمانٍ يمضي، وكل آنٍ يمر وينقضي، من فنون الفيوضِ المتعلقةِ بذاته، ووجودِه وصفاتِه وكمالاتِه مما لا يحيطُ به فَلَكُ التعبـير ولا يعلمه إلا العليمُ الخبـير، ضرورةَ أنه كما لا يستحق شيءٌ من الممكنات بذاتِه الوجودَ ابتداءً لا يستحقه بقاءً، وإنما ذلك من جناب المُبدئِ الأول عز وعلا، فكما لا يُتصور وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الأصلي، لا يتصور بقاؤُه على الوجود ــ بعد تحققه بعِلَّته ــ ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمِه الطارىء، لما أن الدوام من خصائص الوجودِ الواجبـي، وظاهرٌ أن ما يتوقف عليهما وجودُه من الأمور الوجودية التي هي عِلَلُهُ وشرائِطُه وإن كانت متناهيةً لوجوب تناهي ما دخلَ تحتَ الوجود، لكنِ الأمورُ العدميةُ التي لها دخلٌ في وجوده وهي المعبَّر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك، إذْ لا استحالة في أن يكون لشيءٍ واحدٍ موانعُ غيرُ متناهية يتوقف وجودُه أو بقاؤه على ارتفاعها، أو بقائها على العدم مع إمكان وجودها في نفسها، فإبقاءُ تلك الموانِع التي لا تتناهى على العدم تربـيةٌ لذلك الشيءِ من وجوهٍ غيرِ متناهية. وبالجملة فآثارُ تربـيتِه عز وجل الفائضةُ على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آنٍ من آنات الوجود غيرُ متناهية، فسبحانه ما أعظمَ شأنَه لا تلاحظه العيونُ بأنظارها، ولا تطالعُه العقولُ بأفكارها، شأنُه لا يُضاهى، وإحسانُه لا يتناهىٰ، ونحن في معرفته حائِرون، وفي إقامة مراسمِ شكرِه قاصرون، نسألك اللهم الهدايةَ إلى مناهج معرفتِك، والتوفيقَ لأداء حقوقِ نعمتك، لا نُحصي ثناءً عليك لا إله إلاّ أنت، نستغفرُك ونتوب إليك. {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} صفتان لله، فإن أريد بما فيهما من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يَفيضُ على الكل بعد الخروج إلى طوْر الوجودِ من النعم، فوجهُ تأخيرِهما عن وصف الربوبـية ظاهر، وإن أريد ما يعمّ الكلَّ في الأطوار كلِّها حسبما في قوله تعالى: {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ }تفسير : [الأعراف، الآية 156] فوجهُ الترتيب أن التربـية لا تقتضي المقارنة للرحمة، فإيرادُهما في عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضلٌ فيها، فاعلٌ بقضية رحمتِه السابقةِ من غير وجوبٍ عليه، وبأنها واقعةٌ على أحسنِ ما يكون، والاقتصارُ على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه الأنسبُ بحال المتبرِّك المستعين باسمه الجليل، والأوفقُ لمقاصده. {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ} صفةٌ رابعة له تعالى، وتأخيرُها عن الصفات الأُوَل مما لا حاجة إلى بـيان وجهِه، وقرأ أهلُ الحرمَيْن المحترمَيْن (ملِك) من المُلْك الذي هو عبارةٌ عن السلطان القاهر، والاستيلاءِ الباهر، والغلبةِ التامة، والقُدرةِ على التصرف الكليّ في أمور العامة، بالأمر والنهي، وهو الأنسبُ بمقام الإضافة إلى يوم الدين، كما في قوله تعالى: {أية : لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ }تفسير : [غافر، الآية 16] وقرىء (مَلْكِ) بالتخفيف و(مَلَكَ) بلفظ الماضي، (ومَالِكَ) بالنصب على المدح، أو الحال، وبالرفع منوناً ومضافاً على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوف، (وملِكُ) مضافاً وبالرفع والنصب. واليومُ في العرف عبارةٌ عما بـين طلوعِ الشمس وغروبها من الزمان، وفي الشرع عما بـين طلوعِ الفجرِ الثاني وغروبِ الشمس، والمرادُ ها هنا مطلقُ الوقت. والدينُ الجزاءُ خيراً كان أو شرًّا، ومنه الثاني في المثل السائر كما تَدين تُدان، والأول في بـيت الحماسة: [الهزج] شعر : ولم يبقَ سوى العُدوا نِ دِنّاهم كما دانوا تفسير : وأما الأول في الأول والثاني في الثاني فليس بجزاءٍ حقيقة، وإنما سُمّي به مشاكلة، أو تسميةٌ للشيء باسم مسبَّبِهِ كما سُميت إرادةُ القيام والقراءة باسمهما في قوله عز اسمه: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}تفسير : [المائدة، الآية 6] وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِاللَّهِ } تفسير : [النحل، الآية 98] ولعله هو السرُّ في بناء المفاعلة من الأفعال التي تقوم أسبابُها بمفعولاتها، نحو عاقبتُ اللصَّ ونظائرِه، فإن قيام السرقة التي هي سببٌ للعقوبة باللص نُزّل منزلةَ قيام المسبَّبِ به، وهي العقوبة، فصار كأنها قامت بالجانبـين، وصدَرَت عنهما، فَبُنيت صيغةُ المفاعلةِ الدالَّةِ على المشاركة بـين اثنين. وإضافةُ اليوم إليه لأدنىٰ ملابسةٍ كإضافة سائرِ الظروفِ الزمانية إلى ما وقع فيها من الحوادث، كيوم الأحزابِ وعامِ الفتح، وتخصيصُه من بـين سائرِ ما يقع فيه من القيامة والجمعِ والحسابِ لكونه أدخلَ في الترغيب والترهيب، فإن ما ذكر من القيامة وغيرِها من مبادىءِ الجزاءِ ومقدِّماته، وإضافةُ (مالك) إلى اليوم [من] إضافة اسم الفاعل إلى الظرف، على نهج الاتساعِ المبنيّ على إجرائه مُجرىٰ المفعولِ به، مع بقاء المعنى على حاله، كقولهم: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار. أي: مالِكَ أمورِ العالمين كلِّها في يومِ الدين. وخُلوُّ إضافتِه عن إفادة التعريفِ المسوّغ لوقوعه صفةً للمعرفة إنما هو إذا أُريد به الحالُ، أو الاستقبالُ، وأما عند إرادة الاستمرارِ الثبوتيّ كما هو اللائقُ بالمقام فلا ريب في كونها إضافةً حقيقية كإضافة الصفة المشبهة إلى غير معمولها في قراءة (ملك يوم الدين). ويومُ الدين وإن لم يكن مستمراً في جميع الأزمنة إلا أنه لتحقق وقوعِه وبقائه أبداً أُجْرِيٍ مُجرىٰ المتحقّقِ المستمر. ويجوز أن يُراد به الماضي بهذا الاعتبار، كما تشهد به القراءةُ على صيغة الماضي، وما ذكر من إجراء الظرف مُجرى المفعولِ به إنما هو من حيث المعنى، لا من حيث الإعراب، حتى يلزمَ كونُ الإضافة لفظية، ألا ترى أنك تقول في: مالكُ عبدِه أمسِ إنه مضاف إلى المفعول به، على أنه كذلك معنىً، لا أنه منصوب محلاً، وتخصيصُه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله، أو لبـيان تفرّدهِ تعالى بإجراء الأمر فيه، وانقطاعِ العلائق المجازية بـين المُلاَّك والأمْلاَك حينئذٍ بالكلية، وإجراءُ هاتيك الصفاتِ الجليلةِ عليه سبحانه تعليلٌ لما سبق من اختصاص الحمدِ به تعالى، المستلزمِ لاختصاص استحقاقِه به تعالى، وتمهيدٌ لما لَحِقَ من اقتصار العبادةِ والاستعانةِ عليه، فإنَّ كلَّ واحدةٍ منها مفصِحةٌ عن وجوب ثبوتِ كلِّ واحدٍ منها له تعالى، وامتناعِ ثبوتِها لما سواه. أما الأولى والرابعةُ فظاهرٌ، لأنهما متعرِّضتان صراحةً لكونه تعالى رباً مالكاً وما سواه مربوباً مملوكاً له تعالى. وأما الثانية والثالثة فلأن اتصافَه تعالى بهما ليس إلا بالنسبة إلى ما سواه من العالمين وذلك يستدعي أن يكون الكلُّ منعماً عليهم، فظهر أن كل واحدةٍ من تلك الصفات كما دلت على وجوب ثبوتِ الأمورِ المذكورةِ له تعالى دلت على امتناع ثبوتِها لما عداه على الإطلاق، وهو المعنى بالاختصاص. {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. [سر تكرار الفاتحة في الصلاة] التفات من الغَيْبة إلى الخطاب، وتلوينٌ للنظم من باب إلى باب، جارٍ على نهج البلاغة في افتنان الكلام، ومسلَكِ البراعة حسبما يقتضي المقام، لما أن التنقلَ من أسلوب إلى أسلوب، أدخلُ في استجلاب النفوسِ واستمالةِ القلوب يقع من كل واحدٍ من التكلم والخطاب والغَيبة إلى كل واحد من الآخَرَيْن، كما في قوله عز وجل: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـاباً } تفسير : [فاطر، الآية 9] الآية، وقوله تعالى: {أية : حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }تفسير : [يونس، الآية 22] إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردةِ في التنزيل لأسرارٍ تقتضيها، ومزايا تستدعيها، ومما استَأثر به هذا المقام الجليلِ من النُكت الرائقةِ الدالةِ على أن تخصيصَ العبادةِ والاستعانةِ به تعالى لما أُجريَ عليه من النعوت الجليلة التي أوجبت له تعالى أكملَ تميّز، وأتمَّ ظهورٍ، بحيث تبدّل خفاءُ الغَيبة بجلاءِ الحضور، فاستدعى استعمالَ صيغةِ الخطاب، والإيذانَ بأن حقّ التالي - بعد ما تأمل فيما سَلَف من تفرّده تعالى بذاته الأقدس، المستوجبِ للعبودية، وامتيازِه بذاته عما سواه بالكلية، واستبدادِه بجلائل الصفات وأحكام الربوبـية المميِّزة له عن جميع أفرادِ العالمين، وافتقارِ الكلِّ إليه في الذات والوجودِ ابتداءً وبقاءً، على التفصيل الذي مرَّت إليه الإشارةُ - أن يترقىٰ من رتبة البرهان إلى طبقة العيان، وينتقلَ من عالم الغَيبة إلى معالم الشهود، ويلاحظَ نفسَه في حظائر القدْسِ حاضراً في محاضر الأنس، كأنه واقفٌ لدى مولاه ماثلٌ بـين يديه، وهو يدعو بالخضوع والإخبات، ويقرَعُ بالضَّراعة بابَ المناجاة قائلاً: يا من هذه شوؤنُ ذاتهِ وصفاتهِ، نخصُّك بالعبادة والاستعانة، فإن ما سواك كائناً ما كان بمعزل من استحقاق الوجود، فضلاً عن استحقاق أن يُعبد ويُستعان، ولعل هذا هو السرُ في اختصاص السورةِ الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعةٍ من الصلاة التي هي مناجاةُ العبدِ لمولاه ومِنّتُه للتبتل إليه بالكلية. و(إيا) ضميرٌ منفصلٌ منصوبٌ، وما يلحَقه من الكاف والياءِ والهاءِ حروفٌ زيدت لتعيـين الخطاب، والتكلمُ والغَيبةُ لا محل لها من الإعراب، كالتاء في أنت والكاف في أرأيتَكَ، وما ادعاه الخليلُ من الإضافة محتجاً عليه بما حكاه عن بعض العرب: إذا بلغ الرجلُ الستين فإياه وإيا الشوابِّ، فمما لا يعول عليه. وقيل: هي الضمائر، وإيا دِعامةٌ لها لتُصيرَها منفصلة، وقيل: الضميرُ هو المجموع، وقُرِىء (إَيَّاك) بالتخفيف وبفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء. [معنى العبادة والعبودية والاستعانة] والعبادةُ أقصى غايةِ التذلل والخضوع، ومنه طريقٌ معبّدٌ أي مذَلَّل، والعبوديةُ أدنى منها، وقيل: العبادةُ فعلُ ما يرضَى به الله، والعبوديةُ الرضى بما فعلَ الله تعالى، والاستعانةُ طلبُ المعونةِ على الوجه الذي مر بـيانه، وتقديم المفعول فيهما لما ذُكر من القصر والتخصيص، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِيَّـاىَ فَٱرْهَبُونِ }تفسير : [البقرة، الآية 40] مع ما فيه من التعظيم والاهتمامِ به، قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرَك، وتكريرُ الضمير المنصوبِ للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة، ولإبراز الاستلذاذِ بالمناجاة والخطاب، وتقديمُ العبادة لِما أنها من مقتَضَيات مدلولِ الاسم الجليل، وإن ساعدته الصفاتُ المُجْراةُ عليه أيضاً، وأما الاستعانةُ فمن الأحكامِ المبنية على الصفات المذكورة ولأن العبادةَ من حقوق الله تعالى، والاستعانة من حقوق المُستعين، ولأن العبادة واجبة حتماً، والاستعانةُ تابعةٌ للمستعان فيه في الوجوب وعدمِه، وقيل: لأن تقديمَ الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول، هذا على تقدير كونِ إطلاقِ الاستعانةِ [على المفعول فيه] ليتناول كلَّ مستعانٍ فيه، كما قالوا، وقد قيل: إنه لما كان المسؤولُ هو المعونةَ في العبادة والتوفيقَ لإقامة مراسِمِهما على ما ينبغي، وهو اللائقُ بشأن التنزيل، والمناسبُ لحال الحامد، فإن استعانتَه مسبوقةٌ بملاحظة فعلٍ من أفعاله، ليستعينَه تعالى في إيقاعه، ومن البـيِّن أنه عند استغراقه في ملاحظة شؤونه تعالى، واشتغالِهِ بأداء ما تُوجبه تلك الملاحظةُ من الحمد والثناء، لا يكادُ يخطُر بباله من أفعاله وأحواله إلا الإقبالُ الكليُّ عليه، والتوجهُ التامّ إليه، ولقد فَعل ذلك بتخصيص العبادةِ به تعالى أولاً، وباستدعاء الهدايةِ إلى ما يوصِلُ إليه آخِراً، فكيف يُتصور أن يَشتغل فيما بـينهما بما لا يَعنيه من أمور دنياه أو بما يعمُّها وغيرَها، كأنه قيل: وإياك نستعين في ذلك، فإنّا غيرُ قادرين على أداء حقوقِك من غير إعانةٍ منك، فوجهُ الترتيب حينئذٍ واضح، وفيه من الإشعار بعلوّ رُتبةِ عبادته تعالى وعزّةِ منالِها، وبكونها عند العابدِ أشرفَ المباغي والمقاصدِ وبكونها من مواهبهِ تعالى لا من أعمال نفسِه، ومن الملأَمة لما يعقبُه من الدعاء ما لا يخفىٰ. وقيل: الواوُ للحال، أي إياك نعبدُ مستعينين بك، وإيثارُ صيغةِ المتكلم مع الغير في الفعلين للإيذان بقصورِ نفسه، وعدمِ لِياقتِه للوقوف في مواقف الكبرياءِ منفرداً، وعَرْضِ العبادة، واستدعاءِ المعونة والهداية مستقلاً، وأن ذلك إنما يُتصور من عصابةٍ هو من جُملتهم، وجماعةٍ هو من زُمرتهم، كما هو ديدَنُ الملوك، أو للإشعار باشتراك سائر الموحِّدين له في الحالة العارضة له، بناءً على تعاضُد الأدلةِ المُلْجئة إلى ذلك، وقُرىء (نِسْتعين) بكسر النون على لغة بني تميم. {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} إفراد - لمعظم أفراد المعونة المسؤولة - بالذكر، وتعيـينٌ لما هو الأهمُ أو بـيان لها، كأنه قيل: كيف أُعينكم فقيل: اهدنا. [تعريف الهداية وأنواعها] والهدايةُ دلالةٌ بلطفٍ على ما يوصِلُ إلى البُغية، ولذلك اختصّتْ بالخير، وقوله تعالى: {أية : فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِراطِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات، الآية 23] وارد على نهج التهكّم، والأصلُ تعديتُها بإلى واللام، كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ }تفسير : [يونس، الآية 35] فعومل معاملةَ اختارٍ في قوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف، الآية 155] وعليه قولُه تعالى: {أية : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت، الآية 69] وهدايةُ الله تعالى مع تنوعها إلى أنواع لا تكاد تُحصر منحصرةٌ في أجناس مترتبة، (منها) أنفسيةٌ، كإفاضة القُوى الطبـيعيةِ والحيوانية التي بها يصدُر عن المرء فاعليته الطبـيعية الحيوانية، والقوى المدرِكة، والمشاعرُ الظاهرةُ والباطنة التي بها يتمكن من إقامة مصالِحه المعاشيةِ والمعاديّة، (ومنها) آفاقيةٌ، فإما تكوينيةٌ مُعْرِبة عن الحق بلسان الحال، وهي نصبُ الأدلةِ المُودَعةِ في كل فردٍ من أفراد العالم حسبما لُوِّحَ به فيما سلف، وإما تنزيليةٌ مُفْصِحةٌ عن تفاصيل الأحكامِ النظريةِ والعمليةِ بلسان المقالِ، بإرسال الرسل، وإنزال الكتبِ المنطويةِ على فنون الهدايات التي من جملتها الإرشادُ إلى مسلك الاستدلالِ بتلك الأدلة التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفسية، والتنبـيهُ على مكانها، كما أشير إليه مُجملاً في قوله تعالى: {أية : وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـاتٌ لّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الذاريات، الآية 20و21] وفي قوله عز وعلا: {أية : إِنَّ فِى ٱخْتِلافِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لآيَـاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ }تفسير : [يونس، الآية 6] (ومنها) الهدايةُ الخاصة وهي كشفُ الأسرارِ على قلب المُهْدَى بالوحي، أو الإلهام. ولكل مرتبةٍ من هذه المراتب صاحبٌ ينتحيها، وطالبٌ يستدعيها، والمطلوب إما زيادتُها كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى }تفسير : [محمد: الآية 17] وإما الثباتُ عليها كما روي عن علي وأبـي رضي الله عنهما: إهدنا ثبّتنا، ولفظ الهداية على الوجه الأخير مَجازٌ قطعاً، وأما على الأول فإن اعتُبر مفهومُ الزيادة داخلاً في المعنى المستعمل فيه كان مجازاً أيضاً، وإن اعتُبر خارجاً عنه مدلولاً عليه بالقرائنِ كان حقيقة، لأن الهداية الزائدةَ هداية، كما أن العبادة الزائدةَ عبادة، فلا يلزم الجمعُ بـين الحقيقة والمجاز، وقُرىء أرشِدْنا، والصراطُ الجادةُ وأصلُه السين، قُلبت صاداً لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر، من سَرَط الشيء إذا ابتلعه، سُمّيت به لأنها تسترِطُ السابلةَ إذا سلكوها، كما سميت لَقْماً لأنها تلتقمهم وقد تُشَمُّ الصاد صوت الزاي تحرياً للقرب من المبدَل منه. وقد قرىء بهن جميعاً، وفُصحاهن إخلاصُ الصاد، وهي لغة قريش، وهي الثابتةُ في الإمام، وجمعه صُرُط ككتاب وكُتب، وهو كالطريق والسبـيل في التذكير والتأنيث، و(المستقيمُ) المستوي، والمراد به طريقُ الحق وهي الملة الحنيفية السمْحة المتوسطةُ بـين الإفراط والتفريط. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدلٌ من الأول بدلَ كل، وهو في حكم تكريرِ العامل من حيث إنه المقصودُ بالنسبة، وفائدتُه التأكيدُ والتنصيصُ على أن طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون هو العَلَمُ في الاستقامة، والمشهودُ له بالاستواء بحيث لا يذهب الوهمُ عند ذكر الطريقِ المستقيم إلا إليه. وإطلاقُ الإنعامِ لقصد الشمول، فإن نِعمةَ الإسلام عنوانُ النعم كلِّها، فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها. وقيل: المراد بهم الأنبـياءُ عليهم السلام، ولعل الأظهرَ أنهم المذكورون في قوله عز قائلاً: {أية : فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النساء، الآية 69] بشهادة ما قبله من قوله تعالى: {أية : وَلَهَدَيْنَـاهُمْ صِراطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [النساء، الآية 68] وقيل: هم أصحابُ موسى وعيسى عليهما السلام قبل النسخِ والتحريفِ، وقُرىءَ صراطَ مَنْ أنعمتَ عليهم، والإنعامُ إيصالُ النعمة وهي في الأصل الحالةُ التي يستلِذُّها الإنسان، من النعمة وهي اللينُ، ثم أطلقت على ما تستلذّه النَّفسُ من طيّبات الدنيا. ونِعَمُ الله تعالى مع استحالة إحصائِها تنحصرُ أصولُها في دنيويٍ وأُخروي والأول قسمان: وهبـيّ وكسبـيّ، والوهبـي أيضاً قسمان: روحاني كنفخ الروح فيه، وإمدادِه بالعقل، وما يتبعه من القُوى المدرِكة، فإنها مع كونها من قبـيل الهدايات نعمٌ جليلة في أنفسها، وجُسماني كتخليق البدن والقُوى الحالَّةِ فيه، والهيئاتِ العارضةِ له من الصّحة وسلامةِ الأعضاء، والكسبـيُّ تخليةُ النفسِ عن الرذائل، وتحليتُها بالأخلاقِ السَّنية، والملَكات البهيَّة، وتزيـينُ البدن بالهيئات المطبوعة والحِلىٰ المرضية، وحصول الجاه والمال. والثاني مغفرةُ ما فَرط منه، والرضى عنه، وتَبْوئتُه في أعلى عليـين، مع المقربـين، والمطلوبُ هو القسم الأخير، وما هو ذريعةٌ إلى نيلِه من القسم الأول، اللهم ارزُقنا ذلك بفضلك العظيم، ورحمتِك الواسعة. {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالّينَ} صفةٌ للموصول على أنه عبارةٌ عن إحدى الطوائفِ المذكورةِ المشهورةِ بالإنعام عليهم، وباستقامة المسْلك، ومن ضرورة هذه الشهرةِ شهرتُهم بالمغايَرَة لما أضيف إليه كلمةُ (غير) من المتصفين بضدَّي الوصفين المذكورين، أعني مطلقَ المغضوب عليهم والضالين، فاكتسبت بذلك تَعرُّفاً مصححاً لوقوعها صفةً للمعرفة كما في قولك: عليك بالحركة غيرِ السكون، وُصفوا بذلك تكملةً لما قبله وإيذاناً بأن السلامة مما ابتُلي به أولئك نعمةٌ جليلةٌ في نفسها، أي الذين جمعوا بـين النعمة المُطلقة التي هي نعمةُ الإيمان ونعمةُ السلامة من الغضب والضلال. وقيل: المرادُ بالموصول طائفةٌ من المؤمنين لا بأعيانهم، فيكون بمعنى النكرة كذي اللام إذا أريد به الجنسُ في ضمن بعضِ الأفراد لا بعينه، وهو المسمى بالمعهود الذهني، وبالمغضوب عليهم والضالين اليهودُ والنصارى، كما ورد في مسند أحمدَ والترمذي فيبقى لفظُ (غير) على إبهامه نكرةً مثل موصوفِه، وأنت خبـير بأن جعْلَ الموصول عبارةَ عما ذكر من طائفةٍ غيرِ معيَّنة مُخلٌّ ببدليةِ ما أضيف إليه مما قبله فإن مدارَها كونُ صراطِ المؤمنين علَماً في الاستقامة مشهوداً له بالاستواء على الوجه الذي تحقَّقْتَه فيما سلف، ومن البـيِّن أن ذلك من حيثُ إضافتُه وانتسابُه إلى كلهم لا إلى بعضٍ مُبْهَمٍ منهم، وبهذا تبـين ألاَّ سبـيلَ إلى جعل: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} بدلاً من الموصول، لما عرفت من أن شأنَ البدلِ أن يُفيدَ متبوعَهُ مزيدَ تأكيدٍ وتقرير، وفضلَ إيضاحٍ وتفسيرٍ، ولا ريب في أن قُصارىٰ أمرِ ما نحن فيه أن يكتسبَ مما أضيف إليه نوعَ تعرُّفٍ مصحِّحٍ لوقوعه صفةً للموصول، وأما استحقاقُ أن يكون مقصوداً بالنسبة مفيداً لما ذكر من الفوائد فكلاّ. وقُرىء بالنصب على الحال، والعاملُ أنعمتَ، أو على المدح، أو على الاستثناء إنْ فُسّر النعمةُ بما يعمُّ القليل. والغضبُ هيجانُ النفس لإرادة الانتقام، وعند إسنادِه إلى الله سبحانه يُراد به غايتُه بطريق إطلاقِ اسمِ السبب بالنسبة إلينا على مسبّبِهِ القريبِ إنْ أريد به إرادةُ الانتقام، وعلى مسبّبِهِ البعيدِ إن أريد به نفسُ الانتقام، ويجوز حملُ الكلام على التمثيل، بأنْ تُشبَّه الهيئةُ المنتزَعةُ من سَخَطه تعالى للعصاة وإرادةُ الانتقام منهم لمعاصيهم بما يُنتَزَعُ من حال الملِك إذا غضِب على الذين عصَوْه، وأراد أن ينتقم منهم ويعاقِبَهم، وعليهم مرتفِعٌ بالمغضوب، قائم مَقامَ فاعلِه، والعدولُ عن إسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرَى على منهاج الآداب التنزيلية في نسبة النعمِ والخيرِ إليه عز وجل، دون أضدادها، كما في قوله تعالى: {أية : الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }، تفسير : [الشعراء، الآية 78 - 80] وقوله تعالى: {أية : وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }تفسير : [الجن، الآية 10] و«لا» مزيدةٌ لتأكيد ما أفاده «غير» من معنى النفي كأنه قيل: لا المغضوبِ عليهم ولا الضالين، ولذلك جاز أنا زيداً غيرُ ضاربٍ، جوازَ أنا زيداً لا ضَارِبٌ وإن امتنع أنا زيداً مثلُ ضاربٍ، والضلالُ هو العدول على الصراط السوي، وقُرىء وغيرِ الضالين، وقُرىء ولا الضأْلين، بالهمزة على لغة مَنْ جدَّ في الهرب عن التقاء الساكنين. . {أَمِينٌ} اسم فعلٍ هو: استجبْ، «حديث : وعن ابن عباس رضي الله عنهما سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آمِين، فقال: "افعل"»تفسير : . بُني على الفتح كأينَ لالتقاء الساكنين، وفيه لغتان مدُّ ألفه وقصرُها قال: [البسيط] شعر : [يا رب لا تسلبني حبُّها أبداً] ويرحم الله عبداً قال آمينا تفسير : وقال: [الطويل] شعر : [تباعد مني فطحلٌ إذ سألته] أمين فزاد الله ما بـيننا بعداً تفسير : عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقّنني جبريلُ آمينَ عند فراغي من قراءة فاتحةِ الكتاب، وقال: إنه كالختم على الكتاب». تفسير : وليست من القرآن وِفاقاً، ولكن يسن ختمُ السورة الكريمة بها، والمشهورُ عن أبـي حنيفة رحمه الله أن المصلّيَ يأتي بها مخافتةً، وعنه أنه لا يأتي بها الإمامُ لأنه الداعي وعن الحسنِ مثلُه، وروَى الإخفاءَ عبدُ اللَّه بنُ مغفّل، وأنسُ بنُ مالك، عن النبـي عليه الصلاة والسلام، وعند الشافعيِّ رحمه الله يُجهر بها، لما روىٰ وائلُ بنُ حجر «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين قال: "آمين"، ورفع بها صوته»تفسير : . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبـيّ بنِ كعب: «حديث : ألا أخبرك بسورة لم ينزِلْ في التوراة والإنجيل والقرآن مثلُها؟ قلت: بلى، يا رسول الله قال: فاتِحةُ الكتاب إنها السبعُ المثاني والقرآنُ العظيم الذي أوتيتُه»تفسير : . وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن القومَ ليبعثُ الله عليهم العذابَ حتماً مقضياً، فيقرأ صبـيٌّ من صبـيانهم في الكتاب الحمدُ لله رب العالمين، فيسمعه الله تعالى فيرفعُ عنهم بذلك العذابَ أربعين سنة».
التستري
تفسير : فصل في قوله بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ قال أبو بكر: سئل سهل عن معنى: {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فقال: الباء بَهاء الله عزَّ وجلَّ: والسين سناء الله عزَّ وجلَّ. والميم مجد الله عزَّ وجلَّ. والله: هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنى غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة. لا ينال فهمه إلاَّ الطاهر من الأدناس، الآخذ من الحلال قواماً ضرورة الإيمان. والرحمن: اسم فيه خاصية من الحرف المكنى بين الألف واللام. والرحيم: هو العاطف على عباده بالرزق في الفرع والابتداء في الأصل رحمة لسابق علمه القديم. قال أبو بكر: أي بنسيم روح الله اخترع من ملكه ما شاء رحمة لأنه رحيم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الرحمن الرحيم" اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر، فنفى الله تعالى بهما القنوط عن المؤمنين من عباده.
السلمي
تفسير : قال أبو القاسم الحكيم: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} إشارة إلى المودة بدءًا. حُكى عن العباس بن عطاء أنه قال: الباء بره لأرواح الأنبياء بإلهام الرسالة والنبوة، والسين سره مع أهل المعرفة بإلهام القربة والأنس. والميم منته على المريدين بدوام نظره إليهم بعين الشفقة والرحمة. وقال الجنيد في {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}: بسم الله هيبته، وفي الرحمن عونه، وفي الرحيم مودته ومحبته. وقيل الباء في {بسم ٱلله} بالله ظهرت الأنبياء وبه فنيت وبتجليه حسنت المحاسن وباستناره فتحت وسمحت. وحكى عن الجنيد رحمه الله أنه قال: إن أهل المعرفة نفوا عن قلوبهم كل شئ سوى الله عز وجل، وصفُّوا قلوبهم لله، وكان أول ما وهب الله تعالى لهم فناهم عن كل شئ سوى الله قولوا بسم الله إلينا فانتسبوا ودعوا انتسابكم إلى آدم عليه السلام. وقيل أيضاً: إن {بسم} لبقاء هياكل الخلق، فلو افتتح كتابه باسمه؛ لذابت تحت حقيقتها الخلائق إلا من كان من نبى أو ولى، والاسم بنور نعيم الحق على قلوب أهل معرفته. وقيل في {بسم ٱلله}: إنه صفاة أهل الحقيقة لئلا يتزينوا إلا بالحق، ولا يقسموا إلا به. وقال أبو بكر بن طاهر: الباء سر الله بالعارفين، والسين السلام عليهم، والميم محبته لهم. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنْ صح هذا، الباء بهاؤه والسين سناؤه، والميم مجده. وقيل: إن الباء في {بسم ٱلله} إلينا وصلهم إلى {بسم ٱلله}. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يذكر عن على بن القاسم موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: {بسم} الباء بقاؤه والسين أسماؤه والميم ملكه، فإيمان المؤمن ذكره ببقائه وخدمة المريد ذكره بأسمائه، والعارف عن المملكة بالمالك لها. وقال أيضاً: {بسم} ثلاثة أحرف: باء وسين وميم فالباء باب النبوة، والسين سر النبوة الذي أسرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم به إلى خواص أمته، والميم مملكة الدين الذى أنعم به للأبيض والأسود، وأما {ٱلله} فإن محمد بن موسى الواسطى قال: ما دعى الله أحد باسم من أسمائه، إلا ولنفسه في ذلك نصيب إلا قوله {ٱلله}، فإن هذا الاسم يدعوه إلى الوحدانية وليس للنقص فيه نصيب، وقيل: كل أسمائه تقتضى عوضًا عند الدعاء إلا {ٱلله}، فإنه اسم تفرد الحق به. وقيل: كل من قال: {ٱلله} فمن عادة قالها إلا من غيب عن شاهده، وقام الحق بتوليته عنه، عند ذاك زالت العيوب والزلل. وقال الحسين: بسم الله منك منزلة "كن" منه فإذا أحسنت أن تقول: {بسم ٱلله} وأنكرت فيه فضل من الله أن تقول الله وأنتم عند الغفلة والحيرة تحققت الأشياء بقولك {بسم ٱلله} كما يتحقق له كن. وحُكى عن الشبلى أنه قال: ما قال الله أحد سوى الله، فإن كل من قاله قاله بحظ وأنَّى يدرك الحقائق الحظوظ. وقال أبو سعيد الخراز في كتاب درجات المريدين: ومنهم من جاوز نسيان حظوظ نفسه، فوقع في نسيان حظه من الله ونسيان حاجته إلى الله فهو يقول: لا أوركها أريد وما أقواه وما أنا ومن أين أنا، ضاع اسمى فلا اسم لى، وجهلت فلا علم لى، وضللت فلا جهل لى، وأسوق إلى من يعرف أقول فيساعدنى فيما أقول، وإذا قيل لأحدهم ما تريد قال: الله وما تقول الله قال وما علمت قال: الله فلو تكلمت جوارحه لقالت: الله وأعضاؤه ومفاصله ممتلئة من نور الله المخزون عنده، ثم يصيرون فى القرب إلى غاية لا يقدر أحد منهم أن يقول الله؛ لأنه ورد في الحقيقة على الحقيقة ومن الله على الله ولا حيرة، ومعناه لا حيرة فيما فيه الحيرة. وسُئل الحسين بن منصور هل ذكره أحد على الحقيقة فقال: كيف يذكر على الحقيقة من لا أمد لكونه ولا علة لفعله ليس له كدُّك، ولا لغيبه هدَّك له من الأسماء معناها والحروف مجراها إذ الحروف مبدوعة والأنفاس مصنوعة، والحروف قول القائل تنزغن ذلك من الأحوال خلقة، رجع الوصف في الموصف، وعمى العقل عن الفهم، والفهم عن الدرك، والدرك عن الاستنباط، ودار المُلكُ في المِلك، وانتهى المخلوق إلى مثله، عدا قدره الظن، ودها نوره الغيبة. وقيل: إن الألف الأول من اسمه الله ابتداؤه، واللام الأول لام المعرفة، واللام الثاني لام الآلاء والنعماء والسطر الذي بين اللامين معانى مخاطبات الأمر والنهى، والهاء نهاية مما تكن العبادة عنه من الحقيقة لا غير. وقيل: إن الألف آلاء الله، واللام لطف الله واللام الثانى لقاء الله والهاء هيبة بآلاء الله فَوَلِهَ به المحبون والمشتاقون حين عجزوا عن علم شئ منه. وحكى أن أبا الحسين النورى بقى في منزله سبعة أيام لم يأكل ولم ينم ولم يشرب، ويقول في ولَهِه ودهشه: الله الله، وهو قائم يدور فأُخبر الجنيد بذلك فقال: انظروا أمحفوظ عليه أوقاته أم لا؟ فقيل: إنه يصلى الفرائض فقال: الحمد لله الذى لم يجعل للشيطان عليه سبيلاً ثم قال: قوموا حتى نزوره إما نستفيد منه أو نفيده فدخل عليه وهو في ولهه قال: يا أبا الحسين ما الذي دهاك؟ قال: أقول: الله الله زيدوا علىَّ فقال له الجنيد: انظر هل قولك الله الله أم قولك قولك إن كنت القائل الله فالله ولست القائل له وإن كنت تقوله بنفسك فأنت مع نفسك فما معنى الوله فقال: نعم الود فسكنت وسكن عن ولهه فكان الشبلى يقول: الله فقيل له لم لا يقول لا إله إلا الله؟ فقال: لا أنفى به ضدًا. وقيل في قوله: الله هو المانع الذى يمنع الوصول إليه لما امتنع هذا الاسم عن الوصول إليه حقيقة كانت اللذات أشد امتناعاً لعجزهم في إظهار اسم الله، ليعلموا بذلك عجزهم عن ذكر ذاته. وقيل في قوله الله: الألف إشارة إلى الوحدانية واللام إشارة إلى محو الإشارة، واللام الثانى إشارة إلى محو المحو في كشف الهاء. وقيل: إن الإشارة في الألف هو قيام الحق بنفسه وانفصاله عن جميع خلقه ولا اتصال له بشئ من خلقه كامتناع الألف أن يتصل بشئ من الحروف ابتداء بل تتصل الحروف به على حد الاحتياج إليه واستغنائه عنها. وقيل: إنه ليس من أسماء الله عز وجل اسم يبقى على إسقاط كل حرف منه اسم الله إلا الله فإنه الله، فإذا أسقطت منه الألف يكون {ٱلله} فإذا أسقطت إحدى لاميه يكون "له" فإذا أسقطت اللامين بقى "الهاء" وهو غاية الإشارات. وأما وَلَهِ الخلق في تولهم فمنهم من وَلِهَ سره في عظمة جلاله، ومنهم من وَلِهَ قلبه في وجوه معرفته، ومنهم من وَلِهَ لسانه بدوام ذكره. وحكى عن ابن الشبلى قال في تجلى الجنيد في ولهه: الله فقال له الجنيد: يا أبا بكر الغيبة حرام أى أن ذكر الغائب غيبة فإن كنت غائبًا فالذكر غيبه وإن كنت تذكره عن مشاهدة فهو ترك الحرمة. وقيل: من قال الله بالحروف، فإنه لم يقل الله لأنه خارج عن الحروف والخصوص والأوهام ولكن رضى منك بذلك لأنه لا سبيل إلى توحيده من حيث لا حال ولا قال. وقيل إن معنى قول الله: إن الأسماء كلها داخل فى هذا الاسم وخارج منه، يخرج من هذا الاسم معنى الأسماء كلها ولا يخرج هذا الاسم من اسم سواه وذلك أن الله عز وجل يفرد به الاسم دون خلقه وشارك خلقه في اشتقاقات أساميه. وقال بعض البغدادين: ليس الله ما يبدو لكم وبكم ووالله والله ما هذا فهو الله هذه حروف تبدو لكم وبكم، فإذا انظهر انتقيت فمعناه ها هو الله، وقال أبو العباس بن عطاء: قوله {ٱلله} هو إظهار هيبته وكبريائه. وكتب أبو سعيد الخراز إلى بعض إخوانه: هل هو إلا الله، وهل يقدر أحد أن يقول الله إلا الله، وهل يرى الله إلا الله، وهل عرف الله أو يعرفه إلا الله، وهل كان قبل العبد وقبل الخلق إلا الله، وهل الآن فى السماوات وفى الأرضين وما بينهما إلا الله؟ إذ لم تكونوا فكونوا بالله ولله. قال أبو سعيد الخراز: رأيت حكيماً من الحكماء فقلت له: ما غاية هذا الأمر قال: الله. قلت: فما معنى قولك الله؟ قال: يقول اللهم دلنى عليك وثبتنى عند وجودك ولا تجعلنى ممن يرضى بجميع ما هو ذلك عوضاً وأقر قرارى عند لقائك. وقال أبو سعيد: إن الله عز وجل أول ما دعا عباده دعاهم إلى كلمة واحدة فمن فهمها فقد فهم ما وراءها وهى قوله {ٱلله} ألا يراه يقول قل هو الله فتم به الكلام لأهل الحقائق ثم زاد بيانًا للخاص فقال: أحد، ثم زاد بيانًا للأولياء فقال: الصمد، ثم زاد بيانًا للعوام، فقال: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فأهل الحقائق استغنوا باسمه الله وهذه الزيادات لمن نزلت مرتبته عن مراتبهم. وقيل: إن كل أسمائه تتهيئ أن يتخلق به إلا قوله الله فإنما هو للتعلق دون التخلق وقيل: إن الإشارة في {ٱلله} هو اتصال اللامين والهاء وانفصال الألف عنه أى إنما أشرتم به إلى الله من ألف التعريف منفصل عنى لا بكم بإياكم. يقولون: وما كان من صفاتى فإنه متصل به كلله حيث اتصلت حروفه. سمعت منصوراً بإسناده عن جعفر أنه قال فى قوله {ٱلله}: إنه اسم تام لأنه أربعة: أحرف الألف وهى عمود التوحيد واللام الأول لوح القلم واللام الثانى لوح النبوة والهاء النهاية فى الإشارة، والله هو الاسم المتفرد لا يضاف إلى شئ بل تضاف الأشياء كلها إليه، وتفسير المعبود الذى هو إله الخلق منزه عن درك ماهيته والإحاطة بكيفيته وهو المستور عن الأبصار، والأفهام والمتحجب بجلاله عن الإدراك. قوله تعالى: {الرَّحْمٰنِ}. باسم الرحمن خرجت جميع الكرامات للمؤمنين مثل الإيمان والطاعات والولاية والعصمة وسائر المنن وكل نعمة تدوم ولا يستحق أحد من المخلوقين هذا الاسم لإن المخلوق عاجز عن إعطاء شئ لأحد يدوم ويبقى. وأيضًا فإن رحمة الرحمانية للمريدين بها ينفصلون عما دون الرحمن، ولما عمت رحمته في العاجلة على الولى والعدو في معايشهم وأرزاقهم وغير ذلك سمى رحمن. وقيل فى اسمه الرحمن: حلاوة المنة ومشاهدة القربة ومحافظة الخدمة. وقيل: إن المحبين يتنعمون بأسرارهم فى رياض معانى اسمه الرحمن فيجتنون منها ثمرة الأنس ويشربون منها ماء القربة ويتنعمون على ضفاف أنهار القدس ويرجعون منها برؤية الآلاء والنعماء، والخائفون يتلذذون فى قلوبهم فى معانى اسمه الرحمن ويتزودون منها حلاوة السكون والأمن، والتائبون يتروحون بأسرارهم فى معانى اسمه الرحمن فيرجعون منها بصفا السر وطهارة القلوب، والعاصون يمرون على ميادين اسمه الرحمن فيرجعون منها بالندم والاستغفار. وقال ابن عطاء: فى اسمه الرحمن عونه ونصرته. وقال الواسطى: الرحمن لا يتقرب إليه أحد إلا بصرف رحمانيته، والرحيم يتقرب إليه بالطاعات لأنه يشارك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: { أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. قوله تعالى: {الرَّحِيـمِ}. يقال: إن معنى الرحيم هو ما يخرج من الرحمة الرحيمية لمعاش الخلق ومصالح أبدانهم فلذلك لم يمنعوا أن يتسمَّوا بالرحيم ومنعوا بالتسمية بالرحمن. وقيل: إن معنى الرحيم أى بالرحيم وصلتم إلى الله وإلى الرحمن والرحيم بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم في قوله: { أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] كأن معناه يقول بسم الله الرحمن الرحيم وبالرحيم محمد وصلتم إلى أن قلتم بسم الله الرحمن الرحيم، والرحيم هو الذى يقبلك بجميع عيوبك إذا أقبلت عليه، ويحفظك أتم الحفظ فى العاجلة وإن أدبرت عنه، لاستغنائه عنك مقبلاً ومدبرًا. قال ابن عطاء: فى اسمه {الرَّحِيـمِ} مودته ورحمته، سمعت منصورًا بإسناده عن جعفر فى قوله {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} قال: هو واقع على المريدين والمرادين، فاسم الرحمن للمرادين لاستغراقهم فى الأنوار والحقائق، والرحيم للمريدين لبقائهم مع أنفسهم واشتغالهم بإصلاح الظواهر، والرحمن المنتهى بكرامته إلى ما غاية له لأنه قد أوصل الرحمة بالأزل وهو غاية الكرامة ومنتهاه بدءًا وعاقبة، والرحيم وصل رحمته بالياء والميم وهو ما يتصل به من رحمة الدنيا والهدى والأرزاق.
القشيري
تفسير : الباء في بسم الله حرف التضمين؛ أي بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت المخلوقات، فما من حادث مخلوق، وحاصل منسوق، من عين وأثر وغبر، وغيرٍ من حجر ومدر، ونجم وشجر، ورسم وطلل، وحكم وعلل - إلا بالحق وجوده، والحق مَلِكُه، ومن الحق بدؤه، وإلى الحق عوده، فبه وَجَدَ من وَحَّد، وبه جحد من الحد، وبه عرف من اعترف، وبه تخلَّف من اقترف. وقال: {بسم ٱلله} ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم، وللفَرْقِ بين هذا وبين القَسَم عند الآخرين، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء، ولاستصفاء القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان، ليكون ورود قوله {ٱلله} على قلبٍ مُنقَّىً وسرٍ مُصَفَّىً. وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء (بره) بأوليائه ومن السين سره مع أصفيائه ومن الميم منته على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سرّه، وبمنته عليهم حفظوا أمره، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره. وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء براءة الله سبحانه وتعالى من كل سوء، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه، وعند السين سناءه، وعند الميم ملكه، فلما أعاد الله سبحانه وتعالى هذه الآية أعني بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة وثبت أنها منها أردنا أن نذكر في كل سورة من إشارات هذه الآية كلمات غير مكررة، وإشارات غير معادة، فلذلك نستقصي القول ها هنا وبه الثقة.
البقلي
تفسير : {بِسمِ} الباء كشف البقاء لأهل الفَنَاء والسين كشف سناء القدس لأهل الأنس والميم كشف الملكوت لأهل النعوت والباء بره للعموم والسين سره للخصوصُ والميم محبّته لخصوص الخصوص والياء بدو العبودية والسين سِرّ الربوبية والميم منة في أزليته على أهل الصفوة والباء من بِسمِ أي ببهاء بقاء ارواح العارفين في بحار العظمة والسين من بسم اي بسنائى سمت أسرار السابقين في هواء الهوية والميم من بسم اى بمجدى وردت المواجيد الى قلوب الواجدين من انوار المشاهدة وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ان الباء بهاؤه والسين سناؤه والميم مجده وقيل في بسم الله بالله ظهرت الاشياء وبه فتيت وبتحليله حسنت المحاسن وباستناره فتحت المفاتيح وحكى عن الجنيد انه قال ان اهل المعرفة تقوا عن قلوبهم كل شيء سوى الله فقال لهم قولوا بسم الله اى بى فتسمّوا ودعوا انسابكم الى اده وقيل ان بسم يبقى به كل الخلق فلو افتتح كتابه باسمه لذاب تحته حقيقة الخلائق الا من كان محفوظاً من نبىّ او ولىِّ وروى علىّ بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمد قال بسم الباء بقاؤه والسين سماؤه والميم ملكه فايمان المومن ذكره ببقائه وخدمةُ المريد ذكره باسمائه والعارف فناؤه عن المملكة بالمالك لها واما الله فانه اسم الجمع لا ينكشف الا لاهل الجمع وكل اسم يتعلق بصفة من صفاته الا الله فانه يتعلق بذاته وجميع صفاته لاجل ذلك وهو اسم الجمع اخبر الحق عن نفسه باسمه الله فيما يعرفه الا هو ولا يسمعه الا هو ولا يتكلّم به الا هو لان الالف اشارة الى الانانيّة والوحدانية ولا سبيل للخلق الى معرفتها الا بالحق تعالىوفي اسمه الله لا مان الاول اشارة الى الجمال والثاني اشارة الى الجلال والصفتان لا يعرفها الا صاحب الصفات والهاء اشارة الى هويته وهويته لا يعرفها الا هو والخلق معزولون عن حقائقه فيحتجبون بحروفه عن مَعْرفَته بالالف تجلى الحقُّ من انانيته لقلوب الموحدين فتوحدوا به وباللام الاول تجلى الحق من ازليته لارواح العارفين فانفرد بانفراده وباللام الثاني تجلى الحق من جمال مشاهدته لاسرار المحبّين فغابوا في بحار حبّه وبالهاء تجلى الحق من هويته لفواد المقربين فَتَاهُوا في بيداء التحير من سَطَوات عظمته قال الشبلى ما قال الله احد سوى الله فان كان من قاله بحظ وانّى يدرك الحقائق بالمحظوظ وقال الشبلىّ الله فقيل له لِمَ لا تقول لا اله الا الله فقال لا ابقى به ضدّا وقيل في قوله الله هو المانع الذى يمنع الوصول اليه كما امتنع هذا الاسم عن الوصول اليه حقيقة كان الذات اشد امتناعاً عجزهم في اظهار اسمه لهم ليعلموا بذلك عجزهم عن درك ذاته وقيل فى قوله ان الالف اشارة الى الوحدانية واللام الاولى اشارة الى محو الاشارات واللام الثانية اشارة الى محو المجوف كشف الهاء وقيل الاشارة فى الالف هو بقاء الحق بنفسه وانفصاله عن جميع خلقه فلا اتصال له بشئ من خلقه كامتناع الالف ان يتصل بشئ من الحروف ابتداءً بل يتصل الحروف به على حد الاحتياج اليه وابتغائه عنهم وقيل ليس من اسماء الله اسم يبقى تلى اسقاط كل حرف منه الا الله فانه الله فاذا اسقطت منه الالف يكون لله فاذا اسقطت احد لامَيه يكون له فاذا اسقطت اللامين بقى الهاء وهو غايةُ الاشارة وقال بعضهم الباء باب خزانة الله والسين سين الرسالة والميم ملك الولاية وقال بعضهم بالله سلم قلوب اولياء الله من عذاب الله وبنقطته تطرفت اسرار اصفياء الله الى حضرته وبرحمته تفرَّدت افئدة خواص عباده معه وقال بعضهم بالله تحيّرت قلوب العارفين فى علم ذات الله وبشفقته توصلت علوم العالمين الى صفات الله وبرحمته ادركت عقول المؤمنين شواهد ما اشهدهُم الله من بيان الله وقيل بالهيته تفرَّدت قلوب عباد الله وبتعطُّفه صفت ارواحُ محبيه وبرحمته ذكرت نفوس عابديه وقيل بسم الله ترياق اعطى المومنين يدفع الله به عنهم سم الدنيا وضَررها وقالَ جعفر الصادق بسم للعامة ولله الخاص الخاص وقال سهل الله هو اسم الله الاعظم الذي حق الاسماء والاسامى كلها وبين الالف واللام منه حرف مكنّى غيب من غيب الى غيبه وسرُّ من سرِّ الى سِرّ حقيقةٌ من حقيقةٍ الى حقيقته الا ينال فهمه الا الطاهر من الادناس الاخذ من الحلال قواماً ضرورة الايمان وقيل من قال بالحروف فانه لم يقل الله لانه خارج عن الحروف والحسوس والاوهَام والافهام ولكن رضى منا بذلك لانه لا سبيل الا توحيده من حيث لا حال ولا قال وحكى ان ابا الحسَنِ النوريُّ بقى في منزله سبعة ايام لم ياكل ولم يشرب ولم ينم ويقول فى ولهة ودهشة الله الله وهو قائمٌ يَدُور فاخبر الجنيد قال انظروا محفوظ عليه اوقاته فقيل انه يصلي الفرائض فقال الحمد لله الذى لم يجعل للشيطان له سبيلاً ثم قال قوموا حتى نزوره اما ان نستفيد منه او نقيده فدخل عليه وهو في ولهه وقال يا ابا الحسن ما الذى ولهك قال اقوال لله الله زيدُ اعلى فقال له الجنيد انظر هل قولك الله الله ام قولك ان كان كنت القائل لله الله فلست القائل له وان كنت تقول بنفسك فانت مع نفسك فما معنى الوله قال نعم المودب كنت وسكن من ولهه امّا قوله {الرحمن} رحم على اوليائه بسم الرحمن بتعريف نفسه لهم حتّى عرفوا به اسمائه وصفاته وجلاله وجماله وبه خرجت جميع الكرامات للابدال والصديقين وبه تهيّات اسرار المقامات للاسفياء والمقربين وبه تجلت انوار المعارف للاتقياء والعارفين لان اسم الرحمن مخبرٌ عن خلق الخلق وكرمه على جميع الخلق وفى اسمه الرحمن ترويحُ ارواح الموحدين ومزيد افراح العارفين وتربية اشباح العالمين وفيه نزهة المحبّين وبَهْجة الشائقين وفرحة العاشقين وامان المذنبين ورجاء الخائفين وقال بعضهم اسمه الرحمن حلاوة المنّة ومشاهدة القرية ومحافظة الحرمة وقال ابن عطافى اسمه الرحمن عونه نصرته وقوله {الرحيم} موهبة الخاص لاهل الخاص هو مستند لذوي العثرات ومسرّة لاهل القربات والرّحمن مطيّة السالكين تسير بهم الى معدن العناية والرحيم حبل الحق المجذوبين تجذبهم به الى جَمال الوصلة باسم الرحمن اَمَنهم من العقاب وباسمه الرّحين اَتَاهُم من نفايس الثواب الاول مفتاح المكاشفة والاخر مرقاة المشاهدة باسمه الرحمن فتح لهم الغيوب وباسمه الرحيم غفر لهم الذنوب وقال ابن عطافى اسمه الرحيم مودّة ومحبّة وعن جعفر بن محمد فى قوله الرحمن الرحيم انه قال هو واقع على المريدين والمرادين فاسم الرحمن للمرادين لاستغراقهم فى انوار الحقائق والرحيم للمريدين لبقائهم مع انفسهم واشتغالهم بالظاهر.
اسماعيل حقي
تفسير : {بسم الله الرحمن الرحيم} الاصح المقبول عند متأخرى الحنفية ان البسملة آية فذة ليست جزأ من سورة انزلت للفصل والتبرك بالابتداء كما بذكرها في كل أمر ذى بال وهى مفتاح القرآن واول ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ واول ما نزل على آدم عليه السلام وحكمة تأخرها واول ما جرى به القلم فى اللوح المحفوظ واول ما نزل على آدم عليه السلام وحكمة تأخرها عن الاستعاذة تقدم التخلية بالمعجمة على التحلية والاعراض عما سوى الله على الاقبال والتوجه اليه. {بسم الله} كانت الكفار يبدؤون باسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات والعزى فوجب ان يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل فلذلك قدر المحذوف متأخرا اى باسم الله اقرأ او اتلو أو غير ذلك مما جعلت التسمية مبدأ له. قالوا واودع جميع العلوم في الباء اى بى كان ما كان وبى يكون ما يكون فوجود العوالم بى وليس لغيرى وجود حقيقى الا بالاسم والمجاز وهو معنى قولهم ما نظرت شياً الا ورأيت الله فيه او قبله ومعنى قوله عليه السلام "حديث : لا تسبوا الدهر فان الدهر هو الله"تفسير : فان قلت ما الحكمة والسر في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختارها من سائر الحروف لا سيما على الألف فإنه أسقط الألف من الاسم واثبت مكانه الباء في باسم فالجواب في افتتاح الله بالباء عشرة معان. احدها ان فى الالف ترفعا وتكبرا وتطاولا وفى الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا فمن تواضع لله رفعه الله. وثانيها ان الباء مخصوصة بالالصاق بخلاف اكثر الحروف خصوصا الالف من حروف القطع ثالثها: أن الباء مكسوره أبداً فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصوره وجدت شرف العندية من الله تعالى كما قال الله تعالى "حديث : انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى"تفسير : ورابعها ان فى الباء تساقطا وتكسرا فى الظاهر ولكن رفعة درجة وعلوهمة فى الحقيقة وهى من صفات الصديقين وفى الالف ضدها اما رفعة درجتها فبانها اعطيت نقطة وليست للالف هذه الدرجة واما علو الهمة فانه لما عرضت عليها النقط ما قبلت الا واحدة ليكون حالها كحال محب لا يقبل الا محبوبا واحدا. وخامسها ان فى الباء صدقا فى طلب قربة الحق لانها لما وجدت درجة حصول النقطة وضعتها تحت قدمها وما تفاخرت بها ولا يناقضه الجيم والياء لان نقطهما فى وضع الحروف ليست تحتهما بل فى وسطهما وانما موضع النقط تحتهما عند اتصالهما بحرف آخر لئلا يشتبها بالخاء والتاء بخلاف الباء فان نقطتها موضوعة تحتها سواء كانت مفردة أو متصلة بحرف آخر. وسادسها ان الالف حرف علة بخلاف الباء. وسابعها ان الباء حرف تام متبوع فى المعنى وان كان تابعا صورة من حيث ان موضعه بعد الالف فى وضع الحروف وذلك لان الالف فى لفظ الباء يتبعه بخلاف لفظ الالف فان الباء لا يتبعه والمتبوع فى المعنى اقوى وثامنها ان الباء حرف عامل ومتصرف فى غيره فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة فصلحت للابتداء بخلاف الالف فانه ليس بعامل. وتاسعها أن الباء حرف كامل فى صفات نفسه بانه للالصاق والاستعانة والاضافة مكمل لغيره بان يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسوراً متصفاً بصفات نفسه وله علو وقدرة في تكميل الغير بالتوحيد والارشاد كما اشارة اليه سيدنا على رضى الله عنه بقوله [ان النقطة تحت الباء] فالباء له مرتبة الارشاد والدلالة على التوحيد وعاشرها ان الباء حرف شفوى تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية ولذلك كان اول انفتاح فم الذرة الانسانية فى عهد الست بربكم بالباء فى جواب بلى فلما كان الباء اول حرف نطق به الانسان وفتح به فمه وكان مخصوصا بهذه المعانى اقتضت الحكمة الالهية اختياره من سائر الحروف فاختارها ورفع قدرها واظهر برهانها وجعلها مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وخطا به تعالى وتقدس كذا فى التأويلات النجمية. واسم الله ما يصح ان يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من افعاله كالخالق ولكنها توقيفية عند بعض العلماء كما فى الشرح المشارق لابن الملك ثم المختار ان كلمة الله هو الاسم الاعظم فان سأل سائل وقال أن من شرط الاسم الاعظم انه إن دعي الله به أجاب وان سئل به أعطى فنحن ندعو به ونسأل ولم نر الاجابه في أكثر الاوقات قلنا ان للدعاء آدابا وشرائط لا يستجاب الدعاء الا بها كما ان للصلاة كذلك فاول شرائطه اصلاح الباطن باللقمة الحلال وقد قيل "الدعاء مفتاح السماء واسنانه لقمة الحلال" وآخر شرائطه الاخلاص وحضور القلب كما قال الله تعالى {فادعوا الله مخلصين له الدين} فان حركة الانسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارث على السطح اما اذا كان حاضرا فالقلب الحاضر فى الحضرة شفيع له. قال الشيخ مؤيد الدين الجندى قدس سره ان للاسم الاعظم الذى اشتهر ذكره وطاب خبره ووجب طيه وحرم نشره من عالم الحقائق والمعانى حقيقة ومعنى ومن عالم الصور والالفاظ صورة ولفظا اما حقيقته فهى احدية جمع جميع الحقائق الجمعية الكمالية كلها واما معناه فهو الانسان الكامل فى كل عصر وهو قطب الاقطاب حامل الامانة الالهية خليفة الله واما صورته فهى صورة كامل ذلك العصر وعلمه كان محرما على سائر الامم لما لم تكن الحقيقة الانسانيه ظهرت بعد في أكمل صورته بل كانت في ظهورها بحسب قابلية كامل ذلك العصر فحسب فلما وجد معنى الاسم الاعظم وصورته بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم اباح الله العلم به كرامة له. {الرحمن} الرحمة فى اللغة رقة القلب والانعطاف ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها والمراد بها ههنا هو التفضل والاحسان او ارادتهما بطريق اطلاق اسم السبب بالنسبة الينا على مسببه البعيد او القريب فان اسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التى هي افعال دون المبادى التي هى انفعالات فالمعنى العاطف على خلقه بالرزق لهم ودفع الآفات عنهم لا يزيد فى رزق المتقى لقبل تقواه ولا ينقص من رزق الفاجر لقبل فجوره بل يرزق الكل بما يشاء {الرحيم} المترحم اذا سئل اعطى واذا لم يسأل غضب وبنى آدم حين يسأل يغضب. واعلم ان الرحمة من صفات الذات وهو ارادته ايصال الخير ودفع الشر والارادة صفة الذات لان الله تعالى لو لم يكن موصوفا بهذه الصفة لما خلق الموجودات فلما خلق الخلق علمنا ان رحمته صفة ذاتية لان الخلق ايصال خير الوجود الى المخلوق ودفع شر العدم عنهم فان الوجود خير كله. قال الشيخ القيصرى اعلم ان الرحمة صفة من الصفات الآلهية وهى حقيقة واحدة لكنها تنقسم بالذاتية والصفاتية اى تقتضيها اسماء الذات واسماء الصفات وكل منهما عامة وخاصة فصارت اربعا ويتفرع منها الى ان يصير المجموع مائة رحمة واليها اشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : ان لله مائة رحمة اعطى واحدة منها لاهل الدنيا كلها وادخر تسعا وتسعين الى الآخرة يرحم بها عباده ." تفسير : فالرحمة العامة والخاصة الذاتيتان ما جاء فى البسملة من الرحمن الرحيم والرحمة الرحمانية عامة لشمول الذات جميع الاشياء علما وعينا والرحيمية خاصة لانها تفصيل تلك الرحمة العامة الموجب لتعيين كل من الأعيان بالاستعداد الخاص بالفيض الاقدس والصفاتية ما ذكره فى الفاتحة من الرحمن الرحيم الاولى عامة الحكم لترتبها على ما افاض الوجود العام العلمى من الرحمة العامة الذاتية والثانية خاصة وتخصيصها بحسب استعداد الاصلى الذى لكل عين من الاعيان وهما نتيجتان للرحمتين الذاتيتين العامة والخاصة انتهى كلامه. قالوا لله تعالى ثلاثة آلاف اسم الف عرفها الملائكة لا غير والف عرفها الانبياء لا يغر وثلاثمائة فى التوراة وثلاثمائة فى الانجيل وثلاثمائة فى الزبور وتسعة وتسعون في القرآن وواحد استأثر الله به ثم معنى هذه الثلاثة آلاف فى هذه الاسماء الثلاثة فمن علمها وقالها فكأنما ذكر الله تعالى بكل اسمائه وفى الخبر ان النبى عليه السلام قال "حديث : ليلة اسرى بى الى السماء عرض على جميع الجنان فرأيت فيها اربعة انهار نهرا من ماء ونهرا من لبن ونهرا نم خمر ونهرا من عسل فقلت يا جبريل من اين تجيئ هذه الانهار والى اين تذهب قال تذهب الى حوض الكوثر ولا ادرى من اين تجئ فادع الله تعالى ليعلمك او يريك فدعا ربه فجاء ملك فسلم على النبى عليه السلام ثم قال يا محمد غمض عينيك قال فغمضت عينى ثم قال افتح عينيك ففتحت فاذا انا عند شجرة ورأيت قبة من درة بيضاء ولها باب من ذهب احمر وقفل لو أن جميع ما فى الدنيا من الجن والانس وضعوا على تلك القبة لكانوا مثل طائر جالس على جبل فرأيت هذه الانهار الاربعة تخرج من تحت هذه القبة فلما اردت ان ارجع قال لى ذلك الملك لم لا تدخل القبة قلت كيف ادخل وعلى بابها قفل لا مفتاح له عندى قال مفتاحه بسم الله الرحمن الرحيم فلما دنوت من القفل وقلت بسم الله الرحمن الرحيم انفتح القفل فدخلت فى القبة فرأيت هذه الانهار تجرى من اربعة اركان القبة ورأيت مكتوبا على اربعة اركان القبة بسم الله الرحمن الرحيم ورأيت نهر الماء يخرج من ميم بسم الله ورأيت نهر اللبن يخرج من هاء الله ونهر الخمر يخرج من ميم الرحمن ونهر العسل من ميم الرحيم فعلمت ان اصل هذه الانهار الاربعة من البسملة فقال الله عز وجل يا محمد من ذكرنى بهذه الاسماء من امتك بقلب خالص من رياء وقال بسم الله الرحمن الرحيم سقيته من هذه الانهار ". تفسير : وفى الحديث "حديث : لا يرد دعاء اوله بسم الله الرحمن الرحيم ". تفسير : وفي الحديث ايضا "حديث : من رفع قرطاسا من الارض مكتوبا عليه بسم الله الرحمن الرحيم اجلالا له ولاسمه عن ان يدنس كان عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وان كانا مشركين ". تفسير : وذكر الشيخ احمد البونى فى لطائف الاشارات ان شجرة الوجود تفرعت عن بسم الله الرحمن الرحيم وان العالم كله قائم بها جملة وتفصيلا فلذلك من اكثر من ذكرها رزق الهيبة عند العالم العلوى والسفلى. وكتب قيصر ملك الروم الى عمررضى الله عنه أن بي صداعاً لا يسكن فابعث لي دواء إن كان عندك فإن الأطباء عجزوا عن المعالجة فبعث عمر رضي الله عنه قلنسوة فكان اذا وضعها على رأسه سكن صداعه واذا رفعها عن رأسه عاد صداعه فتعجب منه ففتش فى القلنسوة فاذا فيها كاغد مكتوب عليه بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ الاكبر في الفتوحات اذا قرأت فاتحة الكتاب فصل بسملتها معها في نفس واحد من غير قطع وعن محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم حالفاً عن جبريل عليه السلام حالفا عن ميكائيل عليه السلام حالفا عن اسرافيل عليه السلام قال الله تعالى "حديث : يا اسرافيل بعزتي وجلالى وجودى وكرمى من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم متصلة بفاتحة الكتاب مرة واحدة فاشهدوا على انى قد غفرت له وقبلت منه الحسنات وتجاوزت له عن السيآت ولا احرق لسانه بالنار واجيره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب يوم القيامة والفزع الاكبر وتلقانى قبل الانبياء والاولياء اجميعن ". تفسير : (سورة فاتحة الكتاب). وجه التسمية بفاتحة الكتاب اما لافتتاح المصاحف والتعليم وقراءة القرآن والصلاة بها واما لان الحمد فاتحة كل كلام واما لانها اول سورة نزلت واما لانها اول ما كتب في اللوح المحفوظ واما لانها فاتحة ابواب المقاصد فى الدنيا وابواب الجنان فى العقبى واما لان انفتاح ابواب خزائن اسرار الكتاب بها لانها مفتاح كنوز لطائف الخطاب بانجلائها ينكشف جميع القرآن لاهل البيان لان من عرف معانيها يفتح بها اقفال المتشابهات ويتقبس بسناها انوار الآيات. وسميت بام القرآن وما الشئ اصله لان المقصود من كل القرآن تقرير امور اربعة اقرار بالالوهية والنبوة واثبات القضاء والقدرة لله تعالى فقوله (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم يدل على الألوهيه وقوله (مالك يوم الدين) يدل على المعاد وقوله{أية : إياك نعبد وإياك نستعين}تفسير : [الفاتحة: 5] على نفى الجبر والقدر وعلى اثبات ان الكل بقضاء الله تعالى وسميت بالسبع المثانى لانها سبع آيات او لان كل آية منها تقوم مقام سبع من القرآن فمن قرأها اعطى ثواب قراءة الكل او لان من فتح فاه بقراءة آياتها السبع غلقت عنه ابواب النيران السبعة هذه وجوه التسمية بالسبع واما بالمثانى فلانها تثنى فى كل صلاة او فى كل ركعة بالنسبة الى الاخرى او المراد تشفع فى كل ركعة سورة حقيقية او حكما او لان نزولها مرتين مرة فى مكة ومرة فى المدينة. وسميت بسورة الصلاة وسورة الشفاء والشافية واساس القرآن والكافية والوافية وسورة الحمد وسورة السؤال وسورة الشكر وسورة الدعاء لاشتمالها عليها وسورة الكنز لما يروى ان الله تعالى قال "حديث : فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشى ".
ابن عجيبة
تفسير : قلت : {الحمد} مبتدأ، و {الله} خبر، وأصله النصب، وقرئ به، والأصل: أحمد الله حمداً، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته، دون تجدده وحدوثه، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي: الحمد لله وإن لم تحمدوه. ولو قال (أحمد الله) لما أفاد هذا المعنى، وهو من المصادر التي تُنْصَب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها. والتعريف للجنس؛ أي: للحقيقة من حيث هي، من غير قيد شيوعها، ومعناه: الإشارة إلى ما يَعْرِفه كل أحد أن الحمد ما هو. أو للاستغراق؛ إذ الحمد في الحقيقة كُلُّه لله؛ إذ ما من خير إلا وهو مُولِيهِ بواسطة وبغير واسطة. كما قال:{أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}تفسير : [النّحل: 53]، وقيل: للعهد، والمعهودُ حمدُه تعالى نَفْسَه في أزله. وقُرِئ {الحمد لله} بإتباع الدال للام، وبالعكس، تنزيلاً لهما من حيث إنهما يستعملان معاً منزلة كلمة واحدة. ومعناه في اللغة: الثناءُ بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل، وفي العُرف: فعل يُنبئ عن تعظيم المُنعم بسبب كونه منعماً. والشكر في اللغة: فعل يُشعر بتعظيم المنعم، فهو مرادف للحمد العرفي، وفي العرف: صرفُ العبد جميعَ ما أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خُلِقَ لأجله وأعطاه إياه. وانظر شرحنا الكبير للفاتحة في النَّسَبِ التي بيناها نظماً ونثراً. و{الله} اسم مُرْتَجَلٌ جامد، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف، قال الواحدي: اسم تفرِّد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يُعرف له اشتقاق، وقال الأقْلِيشي: إن هذا الاسم مهما لم يكن مشتقّاً كان دليلاً على عين الذات، دون أن يُنظر فيها إلى صفة من الصفات، وليس باسمٍ مشتق من صفة، كالعالِم والحق والخالق والرازق، فالألف واللام على هذا في (الله) من نفس الكلمة، كالزاي من زيد، وذهب إلى هذا جماعة، واختاره الغزالي، وقال: كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسُّف. وقيل: مشتق من التَّأَلُّهِ وهو التعبد، وقيل: من الوَلَهَان، وهو الحيرة؟ لتحيُّر العقول في شأنه. وقيل: أصله: الإلهُ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام، ثم وقع الإدغام وفُخمت للتعظيم، إلا إذا كان قبلها كسر. و {رب} نعت {لله}، وهو في الأصل: مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً، ثم وُصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو وصفٌ من رَبِّه يَرُبُّهُ، وأصله: رَبَبَ ثم أُدغم، سُمي به المالكُ؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى:{أية : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ}تفسير : [يُوسُف: 50]. قال ابن جُزَيّ: ومعانيه أربعة: الإله والسيد والمالك والمصلح، وكلها تصلح في رب العالمين، إلا أن الأرجح في معناه، الإله؛ لاختصاصه بالله تعالى. و {العالمين} جمع عالَم، والعالَمُ: اسم لما يُعْلَمُ به، كالخاتم لما يُختم به، والطابع لما يطبع به. غلب فيما يُعلم به الصانع. وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مُؤثِرٍ واجبٍ لذاته، تدل على وجوده، وإنما جُمع ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجُمِعَ بالياء والنون كسائر أوصافهم، فهو جمع، لا اسم جمع، خلافاً لابن مالك. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناولُه لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل: عني به هنا الناس، فإن كل واحد منهم عالَمٌ، حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير، ولذا سوّى بين النظر فيهما فقال:{أية : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الذّاريَات: 21]. {قلت}: وإليه يشير قول الشاعر: شعر : يا تَائهاً في مَهْمَهٍ عَنْ سِرِّه انْظُرْ تجِدْ فِيكَ الوُجُودُ بأَسْره أنْتَ الكمَالُ طَرِيقَةً وحَقِيقَةً يا جَامِعاً سِرَّ الإلّهِ بِأَسْرِه تفسير : و {الرحمن الرحيم} اسمان بُنيا للمبالغة، من رَحِمَ، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة، رَقَّةُ القلب، وانعطافٌ يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرَّحِم؛ لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تُؤخذ باعتبار الغايات، التي هي أفعال، دون المبادئ التي هي انفعالات، و {الرحمن} أبلغ من {الرحيم}؛ لأن زيادةَ المبنى تدل على زيادة المعنى، كقَطَّعَ وقَطَعَ، وذلك إنما يُؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية. فعلى الأول: قيل: يا رحمنَ الدنيا؛ لأنه يَعُمُّ المؤمنَ والكافر، ورحيمَ الآخرة؛ لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا؛ لأن النعم الأخروية كلها جِسَام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. وإنما قدّم {الرحمن} - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدُّم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعَلَم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغُ في الرحمة غايتَها، وذلك لا يصدُق على غيره تعالى. انظر البيضاوي. وسيأتي الكلام عليهما في المعنى. و {مَلِكَ} نِعت لما قبله، قراءةُ الجماعة بغير ألف من (المُلك) بالضم، وقرأ عاصم والكسائي بالألف، من (المِلك) بالكسر، والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءةُ الجماعة أرجح، لثلاثة أوجه: الأول: أن الملك أعظم من مالك، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما المَلِكُ فهو سيد الناس، والثاني: قوله:{أية : وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ}تفسير : [الأنعَام: 73]، والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والحدف خلاف الأصل. و {يوم الدين} ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي: الملك في يوم الدين، أو ملك الأمر يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رُويت القراءتان - أي: القصر والمد - عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قرئ {ملك} بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها. فإن قيل: ملك ومالك نكرة؛ لأن إضافة اسم الفاعل لا تُخصص، وكيف يُنعت به {الرحمان الرحيم} وهما معرفتان؟ قلت: إنما تكون إضافةُ اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال؛ لأنها حينئذٍ غيرُ مَحْضَةٍ، وأما هذا فهو مستمر دائماً، فإضافته محضة. قاله ابن جُزَيّ. يقول الحقّ جلّ جلاله مُعلَّماً لعباده كيف يُثْنُونَ عليه ويعظمونه ثم يسألونه: يا عبادي قولوا {الحمد لله رب العالمين} أي: الثناء الجميل إنما يستحقه العظيم الجليل، فلا يستحق الحمدَ سواه، إذ لا منعم علىالحقيقة إلا الله،{أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}تفسير : [النّحل: 53]. أو جميعُ المحامدِ كلُّها لله، أو الحمدُ المعهودُ في الأذهان هو حمدُ الله تعالى نفسَه في أزله، قبل أن يُوجِدَ خلقّه، فلما أوجد خلقه قال لهم: الحمد لله، أي: احْمَدُوني بذلك المعهود في الأزل. وإنما استحق الحمد وحده لأنه {ربّ العالمين}، وكأن سائلاً سأله: لم اختصصت بالحمد؟ فقال: لأني ربُّ العالمين، أنا أوجدتُهم برحمتي، وأمددتهم بنعمتي، فلا منعم غيري، فاستحققت الحمد وحدي، مِنِّي كان الإيجاد وعليَّ توالي الإِمْدَاد، فأنا ربُّ العباد، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتي ورعايتي. قال بعضهم: خلق الله ثمانيةَ عَشرَ ألف عالَم، نصفها في البر ونصفها في البحر. وقال الفخرُ الرازي: رُوِيَ أن بني آدم عُشْرُ الجن، وبنو آدم والجنُ عُشْرُ حيوانات البر، وهؤلاء كلُّهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية، ثم على هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكلُّ في مقابلة الكرسي نَزْرٌ قليل، ثم هؤلاء عشر ملائكة السُّرَادِق الواحد من سُرادقات العرش، التي عددُها: مائةُ ألف، طول كل سرادق وعرضُه - إذا قُوبلتْ به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - يكون شيئاً يسيراً ونَزْراً قليلاً. وما من موضع شِبْرٍ، إلا وفيه مَلَكٌ ساجد أو راكع أو قائم، وله زَجَل بالتسبيح والتهليل. ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين يَجُولُون حول العرش كالقطرة في البحر، ولا يَعلم عددّهم إلا الله تعالى:{أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدَّثِّر: 31]. هـ. وقال وَهْبُ بن مُنّبِّه: (قائمُ العرش ثلاثُمائةٍ وست وستون قائمة، وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صحراء، وفي كل صحراء ستون ألف عالم، وكل عالم قَدْرُ الثقلين). فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه، يوصل المدد إلى كل واحد وهو في مستقرِّه ومستودعه، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف، وإما إلى بشريته من قوة الأشباح، من العرش إلى الفرش، كلها مقدَّرة أرزاقها محصورة آجالُها، محفوظة أشباحُها، معلومات أماكنها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصلَه بقوله: {الرحمن الرحيم}، أي: الرحمن بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. "نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مُكَوَّنَ منهما: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولاً بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد". كما في (الحِكَم). فاسمُه {الرحمن} يقتضي إيجادَ الأشياء وإبرازها، واسمه {الرحيم} يقتضي تربيتَها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم {الرحمان} على أحد، ولم يَتَسَمَّ أحد به؛ إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه {الرحيم} فيجوز إطلاقه على غيره تعالى؛ لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازاً وعاريةً. أو: الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة: لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل: نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائقُ النعم مثل: الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المُنْعَم عليهم. ثم من تحقق منه الإيجادُ والإمداد استحق أن يكون ملكاً لجميع العباد، ولذلك ذكرَهِ بِأَثَره فقال: {ملك يوم الدين} أي: المتصرف في عباده كيف شاء، لا رادّ لما قضى ولا مانع لما أعطى، فهو ملكُ الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار.. وإنما خصّ يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية؛ لأن ذلك اليوم يظهرُ فيه المُلْكُ لله عيَاناً لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلّى لفصل عباده، حتى يراه المؤمنون عياناً، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكَمَلَةُ من المؤمنين، ولذلك ادَّعى كثير من الجهلة الملكَ ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى:{أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غَافر: 16]. الإشارة: لما تلجَّى الحق سبحانه من عالَم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجَّد نفسه بنفسه، ووحَّد نفسه بنفسه، ولله دَرُّ الهَرَوِيّ، حيث قال: شعر : ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ إذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ توحيدُ مَنْ ينطقُ عن نَعْتِهِ عاريةُ أَبْطَلَهَا الواحِدُ توحيدُه إياه توحيدُه ونعتُ من يَنْعَتُه لاَحِدُ تفسير : فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجماً عن نفسه بنفسه: {الحمد لله رب العالمين}، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه: أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرَضين، بل أنا المتوحِّدُ في وجودي، والمتجلِّي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، مَمْحُوَّةٌ بأحدية ذاتي. قال رجل بين يدي الجنيد: {الحمد لله} ولم يقل: {رب العالمين}، فقال له الجنيد: كَمِّلْهَا يا أخي، فقال الرجل: وأيّ قَدْر للعالمين حتى تُذكر معه؟! فقال الجنيد: قُلها يا أخي؛ فإن الحادث إذا قُرن بالقديم تلاشى الحادُ وبقي القديم. يقول سبحانه: "حديث : يا مَن هو مني قريب، تَدبر سِرِّي فإنه غريب أنا المحبُ، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمن، وأنا الملك الديّان، أنا الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بتوالي الإمداد. منِّي كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديَّان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ". تفسير : قال في الرسائل الكبرى: لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غَطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عينُ ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله:{أية : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الحَجّ: 56]، وقوله:{أية : وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الانفِطار: 19]؟! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ.
الطوسي
تفسير : الاعراب ـ اجمع القراء على ضم الدال من الحمد وكسر اللام الاولى من لله وكان يجوز أن يفتح الدال مع كسر اللام ويكسر الدال واللام لكن لم يقرأ به إلا أهل البوادي. ومن نصب فعلى المصدر. ومن كسرهما اتبع كسرة الدال كسرة اللام ومن ضمهما اتبع ضم الدال بضمة اللام. ونصب الدال لغة في قريش والحارث بن اسامة بن لؤي. وكسرها لغة في تمميم وغطفان. وضمها لغة في ربيعة توهموا انه حرف واحد مثل الحلم. وقوله: لله مخفوض بالاضافة ورب العالمين مخفوض لانه نعت ويجوز نصبه على الحال والنداء وما قرىء به. والعالمين مخفوض بالاضافة ونونها مفتوحة لانها نون الجمع فرقاً بينها وبين نون التثنية. وبعض قيس يحذف الالف التي قبل الهاء ويخلس الهاء ويشددها ويقصرها. انشد بعضهم: شعر : ألا لا بارك الله في سهيل اذا ما بارك الله في الرجال تفسير : اختلس الاولى واشبع الثانية. ولا يقرأ بهذا. ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده من ضروب النعم الدينية والدنياوية وقال بعضهم: الحمد لله ثناء عليه باسمائه وصفاته وقوله الشكر لله ثناء على نعمه وأياديه؛ والأول أصح في اللغة، لأن الحمد والشكر يوضع كل واحد منهما موضع صاحبه. ويقال أيضاً: الحمد الله شكراً فنصب شكراً على المصدر، ولو لم يكن في معناه لما نصبه، ودخول الألف واللام فيه لفائدة الاستيعاب، فكانه قال جميع الحمد لله، لأن التالي مخبر بذلك، ولو نصبه فقال حمداً لله أفاد أن القائل هو الحامد فحسب وليس ذلك المراد، ولذلك اجتمعت القراء على ضم الدال على ما بيناه، والتقدير: قوله الحمد لله. واذا كان الحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة على ضرب من التعظيم فالمدح ليس من الشكر في شيء وانما هو القول المنبىء عن عظم حال الممدوح مع القصد اليه. وأما الرب فله معان في اللغة: فيسمى السيد المطاع رباً، قال لبيد بن ربيعة: شعر : فاهلكن يوماً رب كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر تفسير : يعني سيد كندة. ومنه قوله تعالى: {أما أحدكما فيسقي ربه خمراً} يعني سيده ويسمى الرجل المصلح رباً. قال الفرزدق بن غالب: شعر : كانوا كسالئة حمقاء اذ حقنت سلائها في اديم غير مربوب تفسير : يعني غير مصلح ومنه قيل فلان رب ضيعة اذا كان يحاول اتمامها. والربانيون من هذا من حيث كانوا مدبرين لهم. واشتق رب من التربية يقال ربيته وربيته بمعنى واحد والربىّ الشاة ولدت حديثاً لأنها تربى. وقوله {رب العالمين} أي المالك لتدبيرهم. والمالك للشيء يسمى ربه ولا يطلق هذا الاسم إلا على الله، وأما في غيره فبقيد فيقال: رب الدار ورب الضيعة. وقيل انه مشتق من التربية ومنه قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ومتى قيل في الله انه رب بمعنى انه سيد فهو من صفات ذاته. واذا قيل بمعنى انه مدبر مصلح فهو من صفات الأفعال والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغير ذلك، والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني عالم من الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن جميع المخلوقات وقيل انه ايضاً اسم لكل صنف من الأصناف وأهل كل زمن من كل صنف يسمى عاماً ولذلك جمع. وقيل عالمون لعالم كل زمان. قال العجاج: فخندف هامة هذا العالم وهذا قول اكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم. واشتقاقه من العلامة لأنه علامة ودلالة على الصانع تعالى. وقيل انه من العلم ـ على ما روى ابن عباس ـ قال هم صنف من الملائكة والانس والجن لأنه يصح ان يكون كل صنف منهم عالماً. فان قيل كيف يجوز ان يقول الحمد لله والقائل هو الله تعالى وان كان يجب ان يقول الحمد لنا. قيل العالي الرتبة اذا خاطب من دونه لا يقول كما يقول للنظير. ألا ترى ان السيد يقول لعبده الواجب ان تطيع سيدك ولا تعصيه، وكذلك يقول الأب لابنه يلزمك أن تبر أباك والمنة لأبيك. والخلفاء يكتبون عن انفسهم إن أمير المؤمنين رأى كيت وكيت ليقع ذلك موقع اجلال واكرام واعظام. على انا قد بينا ان المراد بذلك: قولوا الحمد لله، وحذف لدلالة الكلام عليه.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أعلموا - أيّها المعتنون بفهم معاني الكتاب هداكم الله طريق الصواب - أنّ هاهنا أبحاثاً لفظية بعضها متعلقة بنقوش الحروف وهيئآتها الكَتبيّة، وصُوَر الألفاظ وصفاتها السمعيّة، قد نصب الله لها أقواماً من الكُتّاب والقُرّاء والحفّاظ، وجعلَ غايةَ سعيهم معرفة تجويد قراءتها وتحسين كتابتها وبعضها متعلّقة بمعرفة أحوال الأبنية والاشتقاقات، وأحوال الإعراب والبناء للكلمات، وبعضها متعلّقة بمعرفة أوائل مفهومات اللغات المفردة والمركّبة. وهذه كلها دون ما هو المقصد الأقصى والمنزل الأسنى. وقد بلغتْ في كل منها طائفة حد المنتهى، وعرجت فيها غاية المدى، قد نصبهم الله لكسب هذه العلوم الجزئية المتوقّف عليها فهم حقائق القرآن، لتكون درجتهم درجة الخوادم والآلات لِما هو بالحقيقة الثمرة والتمام، وما به كمال نوع الإنسان. فاعلموا أن الكلام مشتمل على عبارة وإشارة، كما أن الإنسان متألّف الوجود من غيب وشهادة، فالعبارةُ لأهل الرعاية، والاشارة لأهل العناية، فالعبارة كالميّت المستتر فى طيّ الأكفان، والاشارة كاللطيفة الذاكرة العارفة التي هي حقيقة الإنسان، والعبارة من عالَم الشهادة، والاشارة من عالَم الغيب، والشهادة ظلّ الغيب، كما أنّ تشخّص الإنسان ظلّ حقيقته. أما أهل العبارة والكتابة، فقد صرَفوا أعمارَهم في تحصيل الألفاظ والمباني، وغرقت عقولُهم في إدراك البيان والمعاني. وأما اهل القرآن والكلام وأهل الله خاصّة بالمحبّة الإلهية والجذبة الربانية والقرابة النبوية، فقد يسّر الله لهم السبيل، وقَبِل منهم قليل العَمَل للرحيل، وذلك لخلوص نيّتهم، وصفاءِ سريرتهم، فهم لا يحتاجون في فهم حقائق القرآن وغرائب معانيه إلى أن يخوضوا في البحث عن ظواهر ألفاظ الكلام وغرائب القرآن، وضبط هيئاته ومبانيه، وبصرف العمر في معرفة الاشتقاق والإعراب ليصيروا فُرساناً في علم الإعراب، مقدَّمين في جملة الكتاب، ويفرغوا غاية جهدهم في الأوقات والأزمان في تحصيل ما يسمّونه علم المعاني والبيان، وما يجري هذا المجرى في الرتبة والشّأن، بل كفاهم طرف يسير من كل فنّ منها، وجرعة قليلة من كل دنّ من دنّها، أخذاً للزاد، وتعجيلاً لسفر المعاد. فمن أراد أن يقف على أنه لِمَ طُوِّلت الباءُ في "بسم الله" ومُدّت السين؟ أو لِمَ حُذفت الألف في الخطّ هنا، واثبتت في قوله "باسم ربّك" أو لِمَ أسقطت الألف بعد اللام في "الله" أو هل تفخم لام الجلالة أم لا، فليرجع إلى أهل الخط والقراءة. ومن أراد أن يقف على أن البسملة ما شأنها في أوائل السور الكريمة. هل هي هناك جزء من كلّ واحدة، أو أنّها جزء من الفاتحة وحدها لا غير، أو أنّها ليست جزء من شيء منها، بل هي آية فذّة من القرآن، أو انزلت للفصل بها بين السور، أو أنها لم تنزل إلا بعض آية في سورة النمل، وليست جزءً من غيرها، وإنما يأتي بها التالي والكاتب في أوائلهن تبرّكاً باسمه تعالى. أو أنها آيات من القرآن أنزلت بعَدَد السوَر المصدّرة بها من دون الجزئية لهن، فليرجع إلى أصحاب النقل وأهل الرواية. ومن أراد أن يعرف بِمَ تعلّقت الباء، وبأي محذوف ارتبطت، ولِمَ قدّر المحذوف متأخّراً مَن قال: إن المراد بسم الله أقرأ أو أتلوا، وقد قدّمه تعالى في قوله إقْرأ بِاسْمِ رَبِّكَ وما معنى تعلق اسم الله بالقراءة. أو كيف يقدر كذلك والقائل هو الله أو كيف بُنيت الباء على الكسرة ومن حقّ حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تُبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه، ولام الابتداء، وواو العطف، وفائه، وغير ذلك، وأن كلمة الجلالة إسم هي أو صفة مشتقة، أم جامدة، فليرجع إلى مطالعة التفاسير المشهورة، سيّما الكشّاف، فإنه كامل في بابه فائق على أترابه، وإن لكلّ طائفة فيما يعدّونه تقرّباً إلى الله وعبودية له رأياً ومذهباً، والكل باختلاف مشاربهم ومذاهبم إيّاه يطلبون، ونحوه يقصدون، وبما لديهم فرحون، وبما جاء به غيرهم - وإن كان على بيّنة من ربه - يستهزئون "وللناس فيما يعشقون مذاهب" إلا أنّ مذهب أهل الله شيء آخر، ودينهم دين خالص، بل لا مذهب لهم إلا الله ولا دين لهم سواه: {أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} تفسير : [الزمر: 3]. شعر : مذاهب شتّى للمحبّين في الهوى ولي مذهب فرد أعيشُ به وحدي تفسير : وهم عِبادُ الرَّحمنِ بالحقيقة، وغيرهم عَبدَة المذاهب والآراء، وطلاّب النفس والهَوى، لأنّ عبادة الرب وطاعته فرعُ معرفته، وطلب قربته، إذ طلب المجهول محال، فمَن لم يكن عارفاً بالله ولا عارفاً بملكوته، فكيف يحبّه ويطلبه ويقصد التقرّب إليه ويتولاّه. ولكن الحق لكمال رأفته ورحمته لعباده وشمول عاطفته وانبساط نور وجوده على الممكنات، وتجلّي وجه ذاته لسائر الموجودات، جعل لكل منهم مثالاً يحتذونه، ومثابة يقصدونها، ومنهاجاً يسلكونه، ووجهة يتولّونها، وقبلة يرضونها، وشريعة يعملون بها فقال: {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 148]. وقال: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. الآية، وقال: {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} تفسير : [الروم: 32]. وهكذا حكم اختلاف المشتغلين بعلم القرآن، وتفاوت مراتبهم في بطونه وظهوره، ولُبابه وقشوره، لأن كلام الله لَمعة من لمعات ذاته، فكما وقع الاختلاف والتفاوت في مذاهب الخلْق واعتقاداتهم لله بين مجسِّمٍ ومنزِّهٍ ومتفلسِفٍ ومعطِّلٍ ومشرِكٍ وموحِّدٍ، فكذا وقع الاختلاف والتفاوت بينهم في الفهوم، فهذا مما دلّ على كمال القرآن، لأنه بحر عميق غرق في تيّاره الأكثرون، وما نجا منه إلاّ الأقلّون، ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون، سواء وقع الوقفُ على الله أم لا، إذ الراسخون إذا علموا تأويله لم يعلموا إلا بالله، ولم يحيطوا به علماً إلا بعد فناء ذواتهم عن ذواتهم، واندكاك جبل هويّاتهم، ولا يحيطون بعلمه إلاّ بما شاء. والغرض من هذا الكلام أن علم القرآن مختلف. والأذواق فيه متفاوتة حسب اختلاف أهل الاسلام في المذاهب والأديان، وكل حزب بما لديهم فرِحُون، إلا ان سائر المشتغلين به منهم في وادٍ وأهل القرآن - وهم أهل الله وحزبه - في وادٍ لأنهم من أهل القول والعبارة، وهؤلاء من أهل الكشف والاشارة، ومن أراد أن يتقحّم لجّة هذا البحر العميق، ويخوض غمرته خوض الجَسور لا خوض الجبان الحَذور، كان يجب عليه أولاً أن يطلع على سائر التفاسير، ويتفحّص عن عقيدة كل فِرقة من الفرق الإثنتين والسبعين. ويستكشف أسرار مذاهب كل طائفة من طوائف المسلمين، ليميز بين محقّ ومبطل، ومتديّن ومبتدع، ويكون كما حكى الشيخ أبو حامد عن نفسه: لا يغادر باطنيّا إلاّ ويريد أن يطّلع على بطانته، ولا ظاهرياً الاّ ويقصد أن يعلم حاصل ظهارته، ولا فيلسوفاً إلا ويتحرّى الوقوف على كنه فلسفته ولا متكلّماً إلا ويجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيّاً إلا ويحرص على العثور على سرّ صفوته، ولا زنديقاً أو معطّلاً إلا ويتجسس للتنبّه لأسباب جرأته في زندقته أو تعطيله، وكان لم يزل التعطّش إلى درك حقائق الأمور دأبه وديدنه وغريزياً له، فطرة من الله في جِبِلّته لا باختياره وحيلته، حتّى انحلّت عن قلبه رابطة التقليد، وانكسرت عليه سفينة العقائد الموروثة على قرب الصُبى من الآباء والأساتيذ. إذ قد رأى صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصّر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهوّد، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم على الإسلام، كما دل عليه الحديث المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : كُلّ مولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ فَأبَواهُ يُهودانَه وَينصّرانَه ويُمجّسانهتفسير : . فإذا بلغ إلى هذا المقام من التحيّر والانضجار والانكسار، والتهبت نارُ نفسه الكامنة فيه لغاية الاضطرار، واشتَعل كبريتُ قلبه ناراً من حدّة غضبه على نفسه لمّا رآها بعين النقص والاحتقار، وكان زيت نور الايمان في قلبه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فوقع عليه نور الأنوار، وانكشف له سرُّ من عالم الأسرار، رأى بذلك النور الجلىّ أصل كل نظر دقيق، وشاهَد بذلك السرّ الخفيّ غاية كلّ شك وتحقيق، ونهاية كلّ مبحث عميق، وبه يحصل له الاقتدار على معرفة أسرار القرآن العظيم واستيضاح لطائف كتاب الله العليم، ومعجزة رسوله الكريم عليه وآله الصلاة والتسليم. فعند ذلك يخوض فيه ويغوص في بحار معانيه، ويستخرج درراً ويواقيت ينعكس لمعانها على أعين الناظرين في سواحله، وأسماع الواقفين على حواليه، وما ينكشف منها للآدميّين فهو قدْر يسير بالاضافة إلى ما لم ينكشف، لأنه مما استأثره الله بعلمه، فربما تجد أيّها الناظر بعين المروّة والاشفاق من هذا الجنس في هذه الأوراق إن كنت من أهله، وإلاّ فغضّ بصرَك عن ملاحظة أسرار معرفة الله، ولا تنظر إليها ولا تنسرح في ميدان معرفة معاني الوحي والقرآن، واشتغِل بأشعار شعراء العرب وغرائب النحو وعلوم الأدب والفروع، ونوادر الطلاق والعتاق، وحِيَل المجادلة في البحث والمراوغة في الكلام، وسائر الحكايات والمواعظ التي فيها مصيَدةُ العوام، ومجلَبةُ الجاه والحُطام، والغلبة في الخصام، فذلك أليق بك، فإنّ قيمتك على مقدار همّتك، وقصدك على سمْت رتبتك، ولا ينفعكم نصحي ان اردت ان انصح لكم إن كان الله يريد أن يغويَكم من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم. فصل [الاسم] إسم الإسم موضوع في اللغة للَفظٍ دالٍ على معنى مستقل، لأنّه مشتقٌّ من السِمَة وهي العلامة، فكأنّه كان منقولاً لغوياً نقل من مطلق العلامة للشيء إلى علامة خاصّة، وهو اللفظ الدّال عليه بالاستقلال، ولمّا كان نظرُ العرفاء إلى أصل كلّ شيء وملاك أمره من غير احتجابهم بالخصوصيات ومواد الأوضاع، كان الاسم عندهم أعمّ وأشمل من أن يكون لفظاً مسموعاً، أو صورة معلومة، أو عيناً موجوداً. ويشبه أن يكون عرفهم يطابق عرف القرآن والحديث، فإنّ الاسم في قوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]. وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 78]، مستبعد أن يكون المراد به الحرف والصوت وما يلتئم منهما، لانهما من عوارض الأجسام، وما هو كذلك يكون أخسّ الأشياء، فكيف يكون مسبّحاً مقدّساً، والقول بكونه من قبيل مجاز الحذف، أو المجاز في التشبيه، بعيد من غير ضرورة داعية مع وجود معنى حقيقي، فاسم الله عندهم معنى مقدّس عن وصْمة الحدوث والتجدّد، منزّه عن نقيصة التكوّن والتغيّر، فلهذا وقعت الاستعانة والتبرّك باسمه تعالى في مثل قولك: بِاسْمِ الله اقْرَءُ وبِسْمِ الله اكتُبُ، وجرت العادة بالتوسّل إلى اسم الله لطلب الحوائج وكفاية المهمّات، في مثل: بِسْمِ اللهِ الشَافي بِسْمِ الله الكَافي، وفي الأدعية النبويّة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمِه شيء في الأرضِ ولا في السَّماءِ. وقد ثبت عند محققي العلماء، أن المؤثّر في جواهر الأكوان ليس إلاّ الباري جلّ اسمه، أو مَلَك مقرّب من ملائكته بإذنه، فلا تأثير للعوارض الجسمانية في الأشياء الجوهريّة ايجاداً وإعداماً، نعَم الأذكار والأدعيّةُ إنّما تؤثّر من جهة معانيها واتّصال النفس عند التذكّر بمباديها الفعّالة، فعالَم الذكر الحكيم منبع إنجاح المهمّات، ومبدأ استيجاب الدعوات، لا مقارعة الحروف والأصوات، وتحرّك الشفتين بالالفاظ والعبارات، وقد مرّ في المفاتيح ما يكشف عن بعض الأسرار المتعلقة بأسماء الله. فصل [اسم الله تعالى] فاسم الله عند أكابر العرفاء، عبارة عن مرتبة الالوهيّة الجامعةِ لجميع الشؤون والاعتبارات، والنعوت والكمالات، المندرجة فيها جميع الأسماء والصفات التي ليست إلاّ لمعات نوره وشؤون ذاته وهي أول كثرة وقعت في الوجود، برزخ بين الحضرة الأحديّة وبين المظاهر الأمريّة والخَلقيّة، وهذا الاسم بعينه جامع بين كلّ صفتين متقابلتين أو اسمين متقابلين، لِما علِمتَ سابقاً أن الذات مع كلّ صفةٍ اسم، وهذه الأسماء الملفوظة أسماء الأسماءِ، والتكثّر فيها بحسب تكثّر النعوت والصفات، وذلك التكثّر إنما يكون باعتبار مراتبه الغيبيّة وشؤونه الإلهية التي مفاتيح الغيب، وتقع عكوسها وأظلالها على الأشياء الكونية. فكلّ ما في عالَم الإمكان صورة اسم من أسماء الله، ومظهر شأن من شؤونه، فأسماء الله معان معقولة في غيب الوجود الحقّ، بمعنى انّ الذات الأحدية التي لا سبيل للعقل إلى إدراكها، بحيث لو وجدت في العقل، أو أمكن له أن يلحظها، لكان ينتزع منها هذه المعاني ويصفها بها فالذاتُ الأحدية مع أحديتها وبساطتها مصداق لحمْل هذه المعاني عليها من غير وجود صفة زائدة كما مرّ. وهذه المعاني - كسائر المفهومات الكليّة - ليست من حيث هي هي موجودة ولا معدومة، ولا عامّةً ولا خاصّةً، ولا كليّة ولا جزئيّة، وليست هي كالهويّات الوجوديّة التي هي موجودات بذواتها، متشخّصات بهويّتها، لأنّها بمنزلة الأشعّة والروابط لوجود الحقّ، متى عُقلت عُقلت مرتبطةً بذاته تعالى، موجودةً بوجوده، واجبةً بوجوبه، بخلاف المعاني الكليّة، لأنّها قد تصير كليّة في الذهن جزئيّة في الخارج، وقد تكون موجودةً في العقل معدومةً في العين، ولها الحكم والأثر فيما له الوجود العيني، بل تنسحب عليها أحكام الوجود بالعرَض، وتتنوّر بنوره، وتنصبغ بصبغه من الوجوب والوحدة والأزلية. قال بعض أهل الله: الوجود الحق هو الله خاصّة من حيث ذاته وعينه، لا من حيث أسمائه، لأن الأسماء لها مدلولان: أحدهما: عينه، وهو عين المسمّى. والآخر: ما يدلّ عليه مما ينفصل الإسم به عن اسم آخر ويتميّز في العقل، فقد بان لك بما هو كلّ اسم عين الآخر وبما هو غيرُه، فبما هو عينهُ، هو الحقّ، وبما هو غيرُه، هو الحق المتخيَّل الذي كنا بصدده، فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه، ولا يثبت كونه إلا بعينه - انتهى كلامه. نقولُ: مرادُه من الحقِّ المتخيّل، ما لوّحناه إليك، من أنّ كلاًّ من مفهومات الأسماء الإلهية وإن كان بحسب نفس معناه معرّى عن صفة الوجود الحقيقي من الوجوب والقِدَم والأزلية، إلا أنّه ممّا تجري عليه في نفس الأمر تلك الأحكام، وينصبغ بنور الوجود الأحدي بالعرَض، لأن صفاته عين ذاته، وهذا النحو من العينيّة والاتّحاد بالعَرَض غير ما ألِفَه الجمهور وجَرى عليه اصطلاحهم في الكتب العقلية فيما حكموا عليه بالاتّحاد بالعرَض، لان ذلك عندهم جارٍ في اتّحاد العَرَضيات والمشتقّات المحمولة على موضوعاتها، كاتّحاد مثل الأبيض والأعمى مع زيد مما يشترط فيه قيام معنى المشتق منه ووجوده حقيقة أو إنتزاعاً. ومعنى هذا الاتّحاد أنّ الوجود المنسوب أولاً وبالذات إلى زيد مثلاً، هو بعينه منسوب إلى العرَضي المشتق ثانياً وبالعرض، أي على سبيل المجاز، مع تجويز أن يكون لهذا العَرضي نحو آخر من الوجود يوجد به بالذات غير هذا الوجود الذي قد وجد به بالعَرَض، فإنّ مفهوم الأبيض وإن كان متّحداً مع زيد، موجوداً بوجوده، إلا انّ له نحواً آخر من الوجود الخاصّ به في نفسه، فإنّه جوهرُ موجود بالعَرَض، وعَرَض موجود بالذات لِما قد حقّق في مقامه من انّ العرضي عين العرَض الذي هو مبدء اشتقاقه بالذات، فيكون موجوداً بوجوده الجوهري بالعَرَض. وليس من هذا القبيل اتّحاد المعاني والأعيان الكليّة بحقيقة الوجود، إذ لا يمكن لها ضَرْب آخر من الوجود معرّى عن الوجود، أو منحازاً عنه، لا في نفس الأمر، ولا عند العقل. فالمعيّة بين ذات الله وأسمائه الحُسنى ليست كالمعيّة بين العَرَضي والذاتي، فضلاً عمّا هو بين العَرَض والجوهر، ولا كمعيّة الذاتيات في الماهيات الامكانية، لأن الحقّ ليس ذا مهية كلية، بل حقيقته ليست إلا وجوداً مقدساً بسيطاً صِرفاً، لا اسم له ولا رسم، ولا إشارة إليه إلا بصريح العرفان، ولا حدّ له ولا برهان عليه إلا بنور العيان، وهو البرهان على كلّ شيء والشاهد في كل عين، فمعنى كون أسمائه وصفاته عين ذاته كما مرّ أنّ الذات الأحديّة بحسب نفس هويّته الغيبيّة، ومرتبة إنّيته الوجوديّة، مع قطع النظر عن انضمام أي معنى أو اعتبار أيّ أمر كان، بحيث تصدق في حقّه هذه الأوصاف الكماليّة والنعوت الجماليّة، وتظهر من نور ذاته في حد ذاته هذه المَحامد القدسية، وتتراءى في شمس وجهه هذه الجلايا النوريّة، والأخلاق الكريمة العليّة، وهي في حدود أنفسها مع قطع لنظر عن نور وجهه وشعاع ذاته، لا ثبوت لها ولا شيئيّة أصلاً، فهي بمنزلة ظلال وعكوس تتمثّل في الأوهام والحواسّ من شيء، وكذلك حكم الأعيان الثابتة وحكم المعاني الذاتيّة لكل موجود. فجميع الأعيان المعقولة والطبائع الكلية، ما هي عند التحقيق إلاّ نقوش وعلامات دالّة على أنحاء الوجودات الإمكانية، التي هي من رشحات بحر الحقيقة الواجبيّة وأشعّة شمس الوجود المطلق، ومَظاهر أسمائه وصفاته، ومجالي جماله وجلاله، وأمّا نفس تلك الأعيان والماهيات منحازة عن الوجودات الخاصّة، فلا وجود لها أصلاً لا عيناً ولا عقلاً. بل أسماء فقط كما في قوله: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23]. ولعلّ الكلام انجرّ إلى ما لا تطيق سماعه أسماع الأنام، ويضيق عن فهمه نطاقُ الأفهام. فصل [اسم الجلالة] فإن قلت: هل لمعنى اسم الجلالة حدّ أم لا؟ قلت: الحدّ عند الحكماء قول دالٌّ على تصور أجزاء الشيء ومقوّماته، فما لا جزء له ولا مقوّم لذاته فلا حدّ له، وما لا حدّ له لا برهان عليه، لأنّ الحدّ والبرهان متشاركان في الحدود كما بُيّن في علم الميزان، وإذا تقرّر هذا فلا شبهة في أن ذات الباري لتقدّسه عن شوائب التركيب أصلاً، سواء كان من الأجزاء الوجوديّة أو الحمليّة أو غير ذلك - على ما اقتضاه برهان التوحيد والأحدية -، فلا حدّ له كما لا برهان عليه. وأما انّ مفهوم لفظ الله هل له حدّ أم لا؟ فالحقّ هو الأول، لأن معناه الموضوع له معنى مجمل متضمن لمعاني جميع الصفات الكماليّة، فكلّ معنى من معاني أسماء الله يكون جزءاً لمعنى هذا الاسم عند التفصيل، وقد تقرّر أن الفرق بين الحدّ والمحدود ليس إلا بالإجمال والتفصيل، وأن التفاوت بين المعنى الإجمالي والمعنى التفصيلي له ليس إلاّ بحسب الإدراك ومن جهة الملاحظة دون المدرَك والملحوظ؛ فإن الألفاظ المذكورة في حد الشيء، تدل على ما دل عليه لفظ المحدود بعينه بدلالة تفصيلية. وليس من شرط الحدّ أن يكون مؤلَّفاً من جنسٍ وفصلٍ من أجزاء الشيء، سواء كان بعضها أعم من بعضٍ مطلقاً، أو من وجه، أو كانت متساوية، وسواء كانت أجزاء محمولة أو متباينة، إلا انّ المشهور أنّ الحدّ لا يكون إلا من جنس وفصل لما رأو ان الطبائع النوعيّة الواقعة تحت إحدى المقولات العشر المشهور حدودها لا تكون إلاّ كذلك. والحقّ أن كلّ اسم وُضِع لمعنى واحد جمليّ متألّف من معانٍ متعددة عند التفصيل بالفعل أو بحسب - التحليل، يدلّ عليها ألفاظ متعددة، يكون الأول محدوداً والثاني حداً، وهكذا معنى اسم الله بالقياس إلى معاني جميع الأسماء الحسنى، فإنّ نسبتها إليه نسبة الحدّ إلى المحدود، إذ التفاوت ليس إلا بنحو الملاحظة مرّة إجمالاً ومرّة تفصيلاً، وهذا مما لا يخلّ ببساطة الذات المقدسة، وأحديّة الوجود القيّومي تعالى عن التصوّر والتمثّل والتخيّل والتعقّل لغيره فإنّ كل ما يدركه العقل من معاني الأسماء بحسب مفهوماتها اللغوية أو الإصطلاحيّة، فهي خارجة عن ساحة جناب العزّ والكبرياء، وانّما يجد الذهن سبيلاً إليها من ملاحظة مَظاهرها ومَجاليها، ومن مشاهدة مربوباتها ومَحاكيها. قال في الفصّ النحوي: إن للحقّ في كلّ خلْق ظهوراً خاصّاً. فهو الظاهر في كلّ مفهوم وهو الباطن عن كل فهم، إلا عن فهم من قال إنّ العالَم صورته وهويّته. وهو الاسم الظاهر، كما أنّه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الاسم الباطن، فنسبته لما ظهر من صورة العالَم نسبة الروح المدبّر للصورة، فيؤخذ في حدّ الإنسان - مثلاً - باطنه وظاهره، وكذلك كلّ محدود، فالحقّ محدود بكل حدّ وصوَر العالَم لا تنضبط ولا يُحاط بها، ولا يعلم حدود كلّ صورة منها إلا على حدّ ما حصل لكل عالَم من صَوره، فلذلك يجهل حدّ الحقّ، فإنه لا يعلم إلا من يعلم حدّ كل صورة، وهذا محال، فحدّ الحقّ محال. ثم قال: فحدّ الألوهيّة له بالحقيقة لا بالمجاز - انتهت ألفاظه. ويتلخّص من كلماته: أن مسمّى لفظ الله هو المنعوت بميع الأوصاف الكماليّة والنعوت الإلهيّة، لما تقرّر عندهم، أنّه ما من نعْتٍ إلاّ وله ظلٌّ ومظهر في العالَم، وثبت أيضاً أن الإشتراك بين معنى كلّ اسم ومظهره ليس بمجرّد اللفظ فقط، حتّى تكون الألفاظ العلم والقدرة وغيرهما موضوعة في الخالِق لمعنى وفي المخلوق لمعنى آخر، وإلا لم تكن - هذه المعاني فينا دلائل وشواهد على تحقّقها في الباري على وجه أعلى وأشرف، والمتحقّق خلافه، فبطل كون الإشتراك لفظيّاً فقط، بل يكون معنويّاً، إلا انّ هذه المعاني تكون هنا في غاية القصور والنقص، وهناك في غاية العظمة والجلالة. فتكون الأسماء الإلهيّة مع مظاهرها ومجاليها الكونيّة متّحدة المعنى، سواء كانت المظاهر من الصوَر الحسيّة الموجودة في عالَم الشهادة، الواقعة أسماؤها تحت حيطة الإسم "الظاهر" كالسميع والبصير والمتكلم، ومظاهرها المختلفة المدرَكة بإدراك الحواسّ الظاهرة، أو كانت من الصوَر العقليّة الموجودة في عالَم الغيب العقلي، الواقعة أسماؤها تحت حيطة الاسم "الباطن" كالسبّوح والقدّوس، ومظاهرها المتنوّعة المندرجة في عالم الأمر، المدركة بالمدارك الباطنية العقلية. وقد عرفت أنّ حدّ الشيء عبارة عن صوَر عقليّة تفصيليّة يدلّ عليها بألفاظ متعدّدة دالّة على ما يدلّ عليه لفظ واحد، بأن يكون لحقيقة واحدة كالإنسان مثلاً صورتان إدراكيّتان، إحداهما موجودة بوجود واحد إجمالي، والأخرى موجودة بوجودات متعدّدة تفصيليّة، فيقال للمفصّلة إنّها حدّ، وللمجمل إنّه محدود، فعلى هذا يلزم أن تكون مفهومات جميع الأسماء الإلهيّة ومظاهرها الكونيّة التي هي أجزاء العالَم ظاهراً وباطناً على كثرتها حدّاً حقيقيّاً لمفهوم اسم الله، فيلزم أن يكون جميع معاني حقائق العالَم حداً لاسم الله، كما انّ جميع معاني الأسماء الإلهيّة حدّ له، إلاّ انّ سائر الحدود للأشياء المحدودة يمكن إحاطة العقل البشري لأجزائها، بخلاف معاني أجزاء هذا الحدّ، لأنّها غير محصورة، والمراد من لفظ الحقّ في قوله فالحقّ محدود بكلّ حدّ هو مفاد لفظ الله باعتبار معناه الكلي ومفهومه العقلي، لا باعتبار حقيقة معناه التي هي الذات الأحديّة وغيب الغيوب، إذ لا نعت له ولا حدّ ولا اسم ولا رسم ولا سبيل إليه للإدراك العقلي، ولا ينال أهل الكشف والشهود لمعة من نوره إلا بعد فناء هويّتهم واندكاك جَبَل إنيّتهم. ويؤيّد هذا ما ذكره في الفصّ الاسماعيلي: اعلم أنّ مسمّى لفظة الله أحديٌّ بالذات، كلٌّ بالأسماء، وكلّ موجود فما له من الله إلاّ ربّه خاصّة، يستحيل أن يكون له الكلّ. وأمّا الأحديّة الإلهيّة فما لواحد فيها قدم لا أنه ينال الواحد منها شيئاً والآخر منها شيئاً، لأنّها لا تقبل التبعيض، فأحديّته مجموع كلّه بالقوّة. انتهى. فصل [الانسان الكامل هو العبد الحقيقي] اعلم يا وليي - نوّر الله قلبك بالايمان - أنّ أكثر الناس لا يعبدون الله من حيث هو الله، وإنّما يعبدون معتقداتهم في ما يتصوّرونه معبوداً لهم، فآلهتهم في الحقيقة أصنام وهميّة يتصوّرونها وينحتونها بقوة اعتقاداتهم العقليّة أو الوهميّة، وهذا هو الذي أشار إليه عالم من أهل البيت (عليهم السلام) وهو محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم - الحديث. اي فلا يعتقد معتقِدٌ من المحجوبين الذين جعلوا الإله في صوَر معتقَدهم فقط إلهاً، إلاّ بما جعل في نفسه وتصوّره بوهمه، فإلهه بالحقيقة مجعول لنفسه، منحوتٌ بيد قوّته المتصرّفة، فلا فرق بين الأصنام التي اتّخذت إلهاً وبينه في أنه مصنوع لنفوس، سواء كانت في خارجها أو في داخلها، بل الأصنام الخارجيّة أيضاً إنّما عبدت من جهة اعتقاد الألوهيّة مِن عابِدها في حقّها، فالصَور الذهنيّة معبودة لهم حينئذ بالذّات، والصورة الخارجيّة معبودة لهم بالعرَض، فمعبود عبدّة الأصنام كلّهم ليست إلاّ صوَر معتقداتهم وأهواء أنفسهم، كما أشير إليه في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]. فكما أنّ أصحاب الأصنام الجسميّة يعبدون ما عملته أيديهم، فكذلك أصحاب الإعتقادات الجزئية في حقّ الحقّ يعبدون ما كسبته أيدي عقولهم، فحقَّ عليهم وعلى معبودهم قوله: {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنبياء: 67]. وكذا قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}. وابن الزبعري لقصوره عن إدراك هذا المعنى، اعترض على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأنّه قد عبدت الملائكة والمسيح، ولم يعلم هو ومن في مرتبته إن معبود عبدَة الملائكة والمسيح هو من عمَل الشيطان، وأمّا الكمّل من العرفاء، فهم الذين يعبدون الحقّ المطلَق المسمى باسم الله من غير تقييد باسم خاصّ وصفة مخصوصة، فيتجلى لهم الحقّ المنعوت بجميع الأسماء، وهم لا ينكرونه في جميع التجلّيات الأسمائية والأفعاليّة والآثاريّة، بخلاف المحجوب المقيّد الذي يعبُد الله على حرْفٍ فإنْ أصابه خير اطمأنّ به وإن اصابتْه فتنة انقلب عَلى وجهِه. وذلك لغلبة أحكام بعض المواطن واحتجاب بعض المَجالي عن بعض في نظره، ومن هذا الاحتجاب ينشأ الإختلاف بين الناس في العقائد، فينكر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، وكلّ أحد يثبت للحقّ ما ينفيه الآخر، ويظنّ ما يراه، ويعتقد غاية الإجلال والتعظيم له تعالى وينكر غير ذلك، وقد أخطأ وأساء الأدب في حقّ الحقّ وهو عند نفسه أنّه قد بلغ الغاية في المعرفة والتأدّب، وكذلك كثير من أهل التنزيه، لغلبة أحكام التجرّد عليهم، فهم محتجبون كبعض الملائكة بنور التقديس، وهم في مقابلة المشبّهة المحتجبة بظُلَم التجسيم كالحيوانات. وأما الإنسان الكامل، فهو الذي يعرف الحقّ بجميع المشاهد والمشاعرَ، ويعبده في جميع المواطن والمظاهر، فهو عبدُ الله يعبده بجميع أسمائه وصفاته، ولهذا سمّي بهذا الاسم أكمل أفراد الإنسان محمّد (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الاسم الإلهي، كما هو جامع لجميع الأسماء، وهي تتّحد بأحديّته الجمعيّة، كذلك طريقه جامع طُرق الأسماء كلّها وإن كان كلّ واحد من تلك الطُرق مختصّاً باسم يربّ مظهره ويعبد ذلك المظهر من ذلك الوجه، ويسلك سبيله المستقيم الخاصّ به، وليس الطريق الجامع لطُرق سائر المظاهر إلا ما سلكه المظهر الجامع النبوي الختمي - على الشارع فيه وآله أفضل صلوات الله وتسليماته - وسلكه خواصّ أمّته الذين هم خير الأمم، وهو طريق التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم أجمعين. ويؤيّد ذلك ما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انّه لما أراد أن يبيّن ذلك للنّاس، خطَّ خطّاً مستقيماً، ثم خطَّ من جانبيه خطوطاً خارجة من ذلك الخط، وجعل الأصل الصراط المستقيم الجامع، وجعل الخطوط الخارجة منها سُبل الشيطان، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153]. يعني السبيل التي لكم فيها السعادة والنجاة، وإلا فالسُبل كلها إليه لأن الله منتهى كلّ قصد وغاية كل مقصود، ولكن ما كلُّ من رجع إليه وآب سعد ونجى عن التفرقة والعذاب فسبيل السعادة واحدة، {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف: 108] وأما سائر السُبل، فغايتها كلها إلى الله أولاً ثم يتولاّه الرحمن آخراً ويبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه وهذه مسألة عجيبة لم أجد على وجه الأرض من عرفها حقّ المعرفة. فصل الله و "هو" اعلم إن نسبة اسم "هو" إلى اسم "الله" كنسبة الوجود إلى المهيّة في الممكن إلا انّ الواجب تعالى لا مهيّة له سوى الإنيّة وقد مرّ انّ مفهوم اسم الله ممّا له حدّ حقيقي إلا انّ العقول قاصرة عن الإحاطة بجميع المعاني الداخلة في حدّه لأنه إنّما عرفت صورة حدّه إذا عرفت صور حدود جميع الموجودات، وإذ ليس فليس وأما إسم "هو" فلا حدّ له ولا إشارة إليه، فيكون أجلّ مقاماً وأعلى مرتبة، ولهذا يختص بمداومة هذا الذكر الشريف الكُمّلُ الواصلون. والنكتة فيه؛ أنّ العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته، لم يكن مستغرقاً في معرفة الله، لأنه إذا قال "يا رحمن" فحينئذ يتذكّر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها، فيكون طالباً لحظّه، وكذا إذا قال: يا كريم يا محسن يا غفّار يا وهّاب يا منتقم. وإذا قال: يا مالك، فحينئذ يتذكّر ملكَه وملكوتَه وما فيه من أقسام النعَم ولطائف القِسَم، فيميل طبعُه إليها ويطلب شيئاً منها، وقس عليه سائر الأسماء. وأما إذا قال "يا هو" وانّه يعرف انّه تعالى هويّة صرْفة لا يشوبه عموم ولا خصوص، ولا تكثّر وتعدد، ولا تناه وحدّ، فهذا الذكر لا يدلّ على شيء ألبتّة، إلا محض الإنيّة التامّة التي لا يشوبه معنى يغايره، فحينئذ يحصل في قلبه نورُ ذكرِه، ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولّدة عن ذكر غير الله، وهنالك النور التامّ والكشف الكامل. نكتة اخرى [الاسم "هو"] انّ جميع صفات الله المعلومة عند الخلق، إما صفات الجلال، وإما صفات الإكرام. أما الأولى: فكقولنا: إنّه ليس بجسمٍ ولا جوهرٍ ولا عرَضٍ، ولا في مكان، وهذا فيه وقيعة، كمن خاطَب السلطان بأنك لستَ أعمى ولا أصمّ ولا كذا وكذا وصار يعدّ أنواع المعائب والنقائص، فإنّه يُنسب إلى إساءَة الأدب، ويستوجب الزجْر والتأديب. وأما صفات الإكرام: فككونه خالقاً للخلائق، رازقاً للعباد، وهذا ايضاً فيه وقيعة من وجهين. الأول: إنّ كمال الصانع أجلّ وأعلى من أن يوصف بصنعه، وخصوصاً الفيّاض الذي ليس فعله إلاّ على سبيل الرشح والفيض. والثاني: إن الرجل إذا أخذ يمدح سلطاناً قاهراً يملك وجه الأرض برّاً وبحراً بأنّه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز وقطرة ماء، فإنّه يستوجب المقْت والزجْر والحَجْر، ومعلوم انّ نسبة جميع المخلوقات - من الفْرش إلى العرش - إلى ما في خزائن الله - لكونها نسبة متناهٍ إلى غير متناهٍ - أقلّ من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا، فإذا كان ذلك سوء أدب، فهذا بالطريق الأولى، إلا انّ هنا سبباً يرخّص في ذكر هذه المدائح، وهو انّ النفس صارت مستغرقة في عالَم الحسّ والخيال، وإذا اريد جذبها إلى عتبة عالَم القدس، احتيج إلى أن يتنبّه على كمال الحضرة المقدّسة، ولا سبيل إلى معرفة كمال الله وجلاله إلاّ بهذين الطريقين، أعني ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام. ثمّ إذا واظَب الإنسان على هذين النوعين من الأذكار حتى يعرض عن عالَم الحسّ، ويستأنس الوقوف على عتبة القُدس، فبعد ذلك تنبّه لما في هذين النوعين من الاعتراضات المذكورة والحجُب الظلمانيّة، فعند ذلك يترك الأذكار ويقول: يَا هُو، يَا مَنْ لا هُو إلاّ هُو. كأنّه يقول: حضرتُك أجلّ من أن أمدحكَ بشيء غيرك، فلا اثني عليك إلا بهويّتك من حيث هي، ولا اخاطبك بلفظ أنتَ، لأنّه يفيد الفخْر والكِبر، حيث تقول الروح: إنّي قد بلغت مبلغاً صرتُ كالحاضر في حضرة واجب الوجود، ولكنّي لا ازيد على قولي: هو، ليكون إقراراً بأنّه هو الممدوح لذاته في ذاته، وإقراراً بأنّ حضرته أعلى وأجلّ من أن يناسبه حضور المخلوقات، ولو فرض عند حضرته حضور عبدٍ أو مَلَك مقرّب أو نبيّ مرسَل، فحيث يمتنع له الإحاطة والإكتناه به تعالى إذ بقدر قوّة وجوده يشاهد ذاته تعالى، وذاته في شدة النوريّة فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى، فما غاب عنه من ذاته أكثر بما لا يتناهى ممّا هو مشهودٌ له، فهو سبحانه غائب بحقيقته التامّة البسيطة عن الكلّ، مع فرض شهودها إيّاه، فلهذا يكون هذا الذكر أشرف الأذكار، لاحتوائه على هذه الأسرار لكن بشرط التنبّه لها. نكتة اخرى يا مَنْ هُوَ الاّ هُوَ إنّ المواظبة على هذا الذكر، يفيد العبدَ شوقاً إلى الله تعالى، والشوق إليه تعالى أجلّ الأحوال لذّة وأعظمها سبباً للبهجة والسعادة، فإنّ الشوق إكسير الانجذاب والوصول، فالأشدّ شوقاً أشدّ انجذاباً، وذلك لأنّ كلمة "هو" ضمير الغائبين، فالعقل اذا ذكر هذه الكلمة، علِم أنّه غائب عن الحق سبحانه، ثمّ يعلم أنّ هذه الغيبة ليست من قِبَل الله تعالى بسبب المكان والزمان، وإنّما كانت بسبب انّه موصوف بصفات النقصان ومَثالب الحدْثان، فإذا تنبّه لهذه الدقيقة، علِم أنّ هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدَثاتِ على حسَب تضاعُف امكاناتها، وترادف نقائصها وأعدامها الحاصلة لها بحسب مراتب بُعدها عن عالَم الوحدة الخالصة، ونزولها عن ساحَة الحقّ المحض، وعِلم أنّ ما هو أقرب إلى الحضرة الواجبة كان النقائص والأعدام فيه أقلّ، فأخذ في طلب القُرب إليه تعالى. وكلّما وصَل العبدُ إلى مقام أعلى، كان شوقه إلى الترقّى عن تلك الدرجة أقوى وأكمل، كما تحكم به كلّ فطرة سليمة، وإذ لا نهاية لتلك المراتب والدرجات - كما سبق - فكذا لا نهاية لمراتب هذا الشوق، فثبَت أنّ المواظبة على ذكر كلمة "هو" تورث شوقاً إلى الله، وأنّ الشوق إليه تعالى أجلّ الأحوال والمقامات بهجة وسعادة، لأنّه ملزوم الوصول إليه تعالى. وممّا يدلّ على أنّ الشوق يستلزم الوصول، أن الشوق عبارة عن الحركة إلى تتميم الكمال، وما من موجود إلاّ وله ضرب من الخيريّة والكمال، إذ له حظٌّ من الوجود، والوجود قد ثبت أنّه خير ومؤثَر، ففي كل موجود عشق إلى ذاته، وما من موجود في عالم الإمكان إلاّ ولوجوده غاية كماليّة، وشوق إلى تحصيل تلك الغاية، كما بيّن في مباحث الغايات في العِلم الإلهي. وقد ثبَت أيضاً هناك أنّ الله لا يودع في غريزة موجود من الموجودات وجِبَلّته شيئاً فيكون عبثاً معطّلاً، فكلّ موجود وُجِدَ له شوق إلى كمالٍ بالقياس إليه، فلا بدّ من أن يكون ممكن الحصول له، وكلّ ممكن الحصول لشيء بالإمكان العامّ، يجب حصوله له ووصوله إليه عند عدم الموانع ورفع العوائق والقواسر. وثبت أيضاً في مقامه، انّ وجود الموانع والقواسر للأشياء الجِبلِّية غير دائم ولا أكثريّ في هذا العالَم الذي يوجَد فيه بعض الشرور، وأمّا في العالِم الأعلى وما فوق الكون، فالأشياء كلّها على مقتضى دواعيها وأشواقها الأصلية، فكلّ مشتاق إلى شيء شوقاً غريزياً سواء كان في فطرته الأولى أو في فطرته الثانية التي قد صار متجوهراً بها متصوّراً بصورتها الجوهريّة، كالنبات إذا صار حيواناً، أو الحيوان إذا صار إنساناً، فهو واصل أو سيصل إليه وقتاماً. فثبت أن من أحبّ الله واشتاق إليه، فهو مما يصل إلى حضرته يوماً، كما دلّ عليه قوله (عليه السلام): من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقائه، ومن كَره لقاءَ الله كره الله لقاءَه. نكتة أخرى [في أن الذكر أشرف المقامات للسالك] قال (صلّى الله عليه وآله) [حكاية عن الله تعالى]: "حديث : إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ من ملأه"تفسير : . فإذا ثبت هذا، فأفضل الأذكار ذكر الله الخالي عن ملاحظة الأغيار. ثمّ إنّ العبد فقيرٌ كثير الحاجة، والمحتاجُ إذا نادى مخدومَه المنعم بنداءٍ يناسب الطلبَ والسؤال، كان ذلك محمولاً على الطلب مُشعراً بالسؤال، فإذا قال: "يا كريم" كان معناه: أَكْرِم وإذا قال "يا رجيم" كان معناه: "إرْحَم". وإذا قال "يا غفور، يا عفوّ" كان معناه: اغفِرْ واعْفُ. فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال، فيجول في خاطره غير الله، وتتمثّل له صوَر حاجاته فيكون مشغول السرّ بغير الله ولم يكن في خلاء، بل في ملأ، إذ الشاغل له عن ذكر الله عند المعاشرة مع الخلق أيضاً الصورُ الحاضرة في نفسه، وهي الحاضرة بالذات، دون الصور الخارجيّة إلا بالعَرَض. فمن حضَرتْ عنده صوَر الأشياء والتفت إليها، فهو في صحبة الأغيار، سواء كان في بيته الخالي، أو في محتَشدٍ من الخلْق. وقد بيّن انّ الذكر إنّما يعظم شرفه إذا كان خالياً من السؤال، ومن تصور الصوَر والأمثال، وذلك يتحقق عندما قال "هو". ومن نوادر الأذكار الشريفة الممدوحة في كتب أصحاب القلوب: يا هو يا من لا هو إلاّ هو. يا من لا إله إلاّ هو. يا أزلُ يا أبدُ. يا دهْر يا ديهار. يا ديهور. يا من هو الحي الذي لا يموت. قال النيسابوري في تفسيره: ولقد لقّنني بعض المشائخ من الذكر: يا هو، يا من هو، يا من لا هو إلاّ هو، يا من لا هو بلا هو إلا هو. وقال: فالأول فناء عمّا سوى الله. والثاني فناء في الله. والثالث فناء عمّا سوى الذات. والرابع فناء عن الفناء عمّا سوى الذات. وقال صاحب التفسير الكبير: ومن لطائف هذا انّ الشيخ الغزالي رحمه الله كان يقول: "لا إله إلاّ الله" توحيد العوام، و "لا إله إلاّ هو" توحيد الخواصّ، و "لا هو إلاّ هو" توحيد أخصّ الخواصّ ولقد استحسنتُ هذا الكلام وقرّرته بالقرآن والبرهان. أمّا القرآن فإنّه تعالى قال: {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [القصص: 88]. ثمّ قال بعد ذلك {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} تفسير : [القصص: 88] معناه "لا هو"، وقوله {أية : إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] "الا هو" فقد ذكر "لا هو إلاّ هو" بعد قوله: لا إله إلاّ هو، يدلّ على أنّ غاية التوحيد هي هذه الكلمة. وأما البرهان: فهو أنّ من الناس مَن قال: تأثير الفاعل ليس في تحقيق الماهية وتكوينها، بل لا تأثير له إلاّ في إعطاء صفة الوجود لها. فقلت: فالوجود أيضاً ماهية فوجب أن لا يكون الوجود واقعاً بتأثيره فإن التزموا ذلك وقالوا: الواقع بتأثير الفاعل هو موصوفيّة الماهية بالوجود فنقول: تلك الموصوفيّة إن لم تكن مفهوماً مغايراً للماهية والوجود امتنع إسنادها إلىالفاعل. وإن كان مفهوماً مغايراً فذلك المفهوم لا بدّ وأن يكون له ماهية، وحينئذ يعود الكلام، فثبت انّ المؤثر مؤثّر في الماهيّة وكلّ ما بالغير فإنّه يرتفع بارتفاع الغير، فلولا المؤثّر لم تكن تلك الماهية ماهية ولا حقيقة، فبقدرته صارت الماهيّات ماهيّات وصارت الحقائق حقائق. وقيل تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجو ولا حقيقة ولا ثبوت، وعند هذا يظهر صدق قولنا: لا هو إلا هو. أي لا تقرّر لشيء من الحقائق إلاّ بتقريره وتحقيقه، فثبت أنّه لا هو إلاّ هو. أقول وبالله التوفيق: اعلم أنّ مقام التوحيد الخاصّ الذي عليه الأولياء الكاملون والعرفاء المحقّقون، أعلى درجةً وأشمخ شهوقاً من أن ينالَه أربابُ الأنظار الجزئيّة بقوّة أنظارهم، وأصحاب المباحث الكلاميّة بدقّة أفكارهم، ومَن زعم أنّه بقوّة مهارته في تحرير المقالات، وتقرير الاشكالات والأجوبة عن بعض الايرادات، وبيان بعض المسائل والشُبهات، يمكنه الوصولُ إلى فهم مسائل هذا التوحيد، ومكاشفات إخوان التجريد، فقد استسمَن ذاوَرَم، ومثلُه كالزَمِن إذا أراد أن يطيرَ في الجوّ، ومثَلُ مَن أراد أن يثبت هذا المقصد الغالي، ويصل إلى هذا المصعَد العالي بمثْل هذا القياس المرتب في زاوية قلبه من هذه المقدّمات الواهية الواهنة الأساس، كمثل العنكبوت إذا أراد أن يصيدَ العنقاءَ بشبكة ينسجها في زوايا البيوت. ولولا مخافة التطويل والاطناب، لاستقصينا الكلام في هذا الباب، فأخذنا أولاً في إقامة البراهين القطعيّة على أنّ شيئاً من الماهيات لا يمكن أن يكون أثراً للجاعل ومجعولة له، ثمّ على إثبات أن أثرَ الجاعل وما يترتب عليه في الخارج، هو نحو من أنحاء الوجودات الخاصّة. ثم على أن ما ذكره هذا القائل، يناقض ويخالف عقلاً ولفظاً لما هو بصدده من إثبات هذا التوحيد، وأنّ كلمة "لا هو إلاّ هو" تدل عليه. ثم بعد ذلك نشير إلى لمعة من لوامع مسألة التوحيد الخاصّي، وإلى كيفيّة استنباطها من هذه الكلمة ولكن جاء في المثل: "ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه" فلنذكر هذه المقاصد ها هنا على طريقة الاختصار، وطيّ بعض مباديها ومقدماتها البعيدة، ليكون الناظر في هذا المقام على بصيرة في طلب ما ادّعيناه من غير تعَب وكَلال. ويكون الاستقصاء البالغ مرجوعاً الى مواضع اخرى من مسفوراتنا المطوّلة. وهي مشتملة على فصول خمسة. فصل في أنّ الوجود هو المجعول بالذات اعلم إنّ للوجود صورة في الخارج، وليس مجرد معنى مصدري انتزاعي - كما يقول الظالِمون - إذ لا شكّ في أنّ للأشياء حقائق. وحقيقة كلّ شيء هي خصوص وجوده الذي تترتب عليه أحكامه المخصوصة وآثاره المطلوبة منه. وكون الشيء ذا حقيقة، معناه انّه ذا وجود، فحينئذ لا بدّ أن يكون في الأعيان ما يصدق عليه هذا المعنى، أي معنى الحقيقة، وليس مصداقه نفس الماهية من حيث هي، سواء كان بعد الصدور أو قبل الصدور، بل مصداقها إمّا نفس الوجود للشيء، أو الماهية الموجودة بما هي موجودة لا بما هي ماهية، فالوجود أَوْلى بأن يكون حقيقة أو ذا حقيقة من غيره، إذ غيره به يكون ذا حقيقة. لست أريد من هذا أن مفهوم الحقيقة يجب أن يصدق عليه هذا العنوان، بل إنّ هنا شيئاً يصدق عليه بحسب الخارج مفهوم الحقيقة وليس هو نفس الماهية الموجودة، بل وجودها. فالوجود يجب أن يكون بنفسه موجوداً في الواقع، لأنّه يصدق عليه هذا المفهوم، فله لا محالة صورة عينيّة مع قطع النظر عن اعتبار العقل، وهو المعنيُّ بكون الوجود موجوداً، لا أنّ له وجوداً زائداً كما توهمه العبارة، حتّى تلزمَ منه المحذورات المشهورة، فإذا كان الوجود موجوداً، فهو إمّا واجبٌ - إن كان غير متعلق بغيره - أو ممكن إن كان متعلقاً بغيره، وهو المعنيُّ بكون الوجود مجعولاً أو صادراً. هذا هو المطلوب. حجة اخرى لو لم يكن الوجود للاشياء موجوداً أي واقعاً في الأعيان، لم يوجد شيء من الأشياء، والتالي باطل فكذا المقدّم. بيان الشرطيّة: أن الماهيّة قبل انضمام الوجود إليها، أو اعتباره معها، أو ما شئتَ فسمّه، غير موجود، وهو ظاهر، وكذلك أيضاً إذا اعتبرت الماهيّة من حيث هي لا مع اعتبار الوجود، فهي غير موجودة ولا معدومة، فإذن لو لم يكن الوجود موجوداً، لم يمكن ثبوت مفهوم أحدهما للآخر، فإنّ ثبوت شيء لشيء، أو إنضمامه إليه، أو اعتباره معه، أو انتزاعه منه، فرع لثبوت المثبَت له، أو مستلزم له لا أقلّ، للمغايرة بينهما في الثبوت، وليس للماهيّة من حيث هي هي - مع قطع النظر عن الوجود - وجود وثبوت أصلاً، فكيف يتحقّق هناك اتّصاف بالوجود وليست الماهيّة في نفسها موجودة، ولا الوجود في نفسه موجوداً، فلا تكون الماهيّة معروضة للوجود - كما اشتهر وذهب إليه جمهور الحكماء - ولا عارضة له - كما ذهب إليه طائفة من العرفاء - إذ كل من راجع وجدانَه وأنصَف من نفسه، أدرك انّ انضمام معدومٍ لمعدومٍ في الخارج، أو انضمام مفهومٍ لمفهومٍ من غير وجود أحدهما للآخر، أو قيامه به، أو قيامهما بموجود آخر، غير صحيح، ولا مما يجوّزه العقل، بل يقضي بامتناعه، ولهذا قال بعض العلماء: إنّ الفطرةَ شاهدة بأنّ الماهيّة إذا كانت موجودةً بنفس وجودها لا قبله، كان الموجود بالذات ها هنا هو نفس الوجود لا الماهيّة. كما انّ المضاف بالحقيقة نفس الإضافة لا ما هو المضاف المشهوري، فعلم انّ المجعول الصادر من الفاعل هو الوجود، وما قيل من انّ الماهيّة موجوديّتها باعتبار انتسابها الى الجاعل التامّ، فهو هوس محض، فإنّ غير المنتسب الى شيء إذا انتسَب فهو لا محالة بشيء يلحقه انتسب، فلا محالة يتغيّر عما كان ويستحيل إلى حالةٍ وصفةٍ لم تكن حاصلةً له من قبل، فهو بذلك الشيء صار منتسباً، فيكون المنتسب بالحقيقة ذلك الشيء دونه، فعلى هذا يلزم أن يكون المنتسب إلى الجاعل التامّ هو وجود الماهيّةِ دونها. برهان آخر إنّ موجوديّة الأشياء، إمّا بانضمام الوجود الى الماهيّة، أو بصيرورتها موجودة، أو باتّصافها به أو ما يجرى هذا المجرى كما هو المشهور من الحكماء المشّائين، وإما بمجعوليّة نفس الماهيّات جعلاً بسيطاً كما عليه أتباعُ الرِواقيّين، وتبعهم هذا القائل، والشيخ المقتول وجماعة من المتأخّرين، وإما بنفس الوجودات الخاصّة الفائضة عن الباري الحيّ القيّوم كما ذهب هذه الفقراء، والأول مقدوحٌ مردودٌ بوجوه مذكورة في موضعها، والثاني أيضاً؛ والإلزام أن لا يتحقّق موجود ما في الخارج، والا لزم ظاهر البطلان، فكذا الملزوم، فبقي المذهب الثالث حقاً. وأما بيان الملازمة في هذه الشرطيّة، فبأنّ الوجود على هذا الرأي، إن كان نفس الماهيّة من غير اعتبار قيد زائد وشرط، فيكون كلّ من تصوَّرَ الإنسان مثلاً تصوّر أنّه موجود، ولم يكن فرقٌ بين كون الإنسان إنساناً وبين كونه موجوداً، ولكان قولُنا: الإنسان معدوم تناقضاً، والتالي باطل فالمقدّم مثلُه، وإن كان الوجود عبارةً عن انتساب الماهيّة الى الجاعل، والنسبة لا تتحقّق إلا بعد تحقّق الطرفين فننقل الكلام في وجود معروضه، فيعود المحذور جذعاً. فإن قيل: موجوديّة الماهيّة ليست بانتسابها الى الجاعل، بل بكونها بحيث تنتسب اليه وترتبط به. قلنا: فيكون المجعول وما هو أثرُ الجاعل هو كونها على هذه الحيثيّة لانفس الماهيّة بما هي هي، وهو خلاف المفروض، على أن المجعول ها هنا هو الكون المذكور. ونحن لا نعني بالوجود الا هذا الكون، فثبت المطلوب بالخلف والاستقامة معاً. الفصل الثاني في أن الماهيّة يستحيل أن تكون أثراً للجاعل ومجعولة له، وعليه براهين: الأول: أن أثر الفاعل لو كان ماهيّة شيء كماهية الإنسان من حيث هي دون وجودها، لَما أمكن لأحد أن يتصوّر تلك الماهيّة قبل صدورها عن الفاعل، لِما تقرّر أنّ العلْم بذي السبب لا يحصل إلاّ من جهة العلم بسببه، والمقدر خلافُه إذ كثيراً ما نتصوّر الماهيّات ولا يخطر ببالنا جاعلُها أصلاً، بل للعقل أن يتصوّر ماهيّة كلّ شيء من حيث هي هي، أو مجرّدة عن ما عداها، حتّى عن هذه الملاحظة، فليست هي من هذه الحيثيّة - أي بما هي هي - موجودة ولا مجعولة، ولا لا موجودة ولا لا مجعولة. وأيضاً، فلو كانت هي بما هي هي مجعولة، لكان مفهوم المجعوليّة ذاتيّاً لها، ولكانت الماهيّات كلّها من مقولة المضاف، والتوالي بأسرها ظاهرة البطلان، فالمقدم مثلُه، والملازمة تظهر بالتأمّل الصادق. فإن قلت: هذا يلزمك على القول بمجعوليّة الوجود. قلت: إنّ وجود كل شيء نفس هويّته العينيّة وحقيقته الخارجيّة، فلا يمكن العلم بها إلاّ بالمشاهدة الحضوريّة والانكشاف النوريّ، إذ كلّ ما حصلت صورته في الذهن فهو أمرٌ كلّي، وإن تخصّصت بمخصّصات كثيرة. والوجود هويّةٌ عينيّة متشخصّة بذاتها صادرة عن هويّة جاعله إيّاها جعلاً بسيطاً، فلا يمكن انكشافه وحضوره إلاّ من جهة حضور هويّة جاعله، وهذا المفهوم العامّ المشترك الانتزاعي الاثباتي، وجهٌ من وجوهه، وهو بمعزل عن الهويّة الخارجية، وهذه الهويات الوجوديّة مجعولات بأنفسها ومنتسبات بذواتها الى مفيضها التامّ، ومع ذلك، ليست واقعة تحت مقولة المضاف، لأنّ مقولة المضاف قسمٌ من أقسام الماهيّات التي هي زائدة على الوجود، أَوَلاَ ترى أنّ الهويّة الإلهيّة مع كونها مبدأ جميع الأشياء، ليست واقعةٌ تحت مقولة المضاف؟ فكذا ساير الهويّات الوجوديّة. برهان آخر لو كانت الجاعليّة والمجعوليّة متحققتين بين الماهيّات لا بين الوجودات، يلزم التشكيك بالأقدميّة وعدمها بين أفراد مقولة الجوهر عند سببيّة جوهرٍ لجوهر آخر، وهذا باطلٌ عند محصّلي الحكماء، حيث بيّنوا أن لا أولويّة ولا تقدّم لماهيّة جوهر على ماهيّة جوهر آخر، لا في تجوهره، ولا في جوهريّته، أي في كونه محمولاً عليه معنى الجوهر الجنسيّ، فلا يتقدّم الإنسان الذي هو الأب على الإنسان الابن في حدّه ومعناه، ولا في صدق الإنسانية عليه، بل تقدّمه عليه إمّا بالوجود أو بالزمان. برهان آخر عرشي إنّ الصادر الأول مثلاً له ماهيّة نوعيّة محتملة الصدق على كثيرين، وليس الصادر من الباري عندهم إلاّ شخصاً واحداً من أعداد نوعه المشتركة فيه، فكون الصادر هذا الشخص الواحد دون غيره، لو كان بمجرّد صدور ماهيّته النوعيّة، يوجب الترجيح من غير مرجّح؛ إذ الجاعل واحد والماهيّة واحدةٌ، والنسبة بينها وبين اشخاصها متماثلة، فكونها هذا الفرد دون غيره، مما يتساوى نسبته، غير صحيحة، وكذا موجوديّة هذا الشخص دون سائر الأسخاص، بمجرد ابداع الباري نفس الماهيّة النوعيّة المتواطئة مع اشتراكها بين الجميع، غير صحيح. فالحقّ الحريّ بالتحقيق والتصديق أنّ أول الصوادر هو هويّة الصادر الأول المتشخّصة بذاته، المتميّزة بنفسه عن ما عداها، دون ماهيّته، فهذه الهويّة الوجودية هي المجعولة بالذات، والماهيّة تابعةٌ لها اتّباع الظلّ للشخص. وهنا استبصارات كثيرةٌ ذكرناها في كتبنا وجمعناها في رسالة مفردة: منها: كون الوجود هو الخير بالذات، والعدم هو الشرّ، والصادر عن الخير الأول هو الخيرات، وهي وجودات الأشياء دون ماهيّاتها الكليّة، إذ لا خيريّة ولا كمال في مفهوم العلْم والقدرة والصحّة والجمال واللذائذ والشهوات الدنيويّة والأخرويّة، بل في حقائقها الوجوديّة، وليس كل من تصوَّر ماهيّة السعادة سعيداً، ولا كلّ من تصور ماهيّة البَهجة مبتهجاً، بل من نال وجود السعادةِ ووجود البَهجة. ومنها: أنّ الجاعليّة والمجعوليّة لو كانتا بين المهيّات، لكانت جميع الموجودات - ما سوى المعلول الأول - من لوازم الماهيّات، وهي أمور اعتباريّة كما حقّق في مقامه؛ والتالي باطل بديهةً واتّفاقاً، فإنّ أحداً لم يقل بأنّ السماء والأرض وما بينهما أمورٌ اعتباريّة، ونسبة هذا الأمر الشنيع الى العرفاء، افتراءٌ محضٌ تتحاشى عنه أسرارهم. ومنها: أنّه قد تقرّر في علم الميزان، انّ مطلب "ما" الشارحة، غير مطلب "ما" الحقيقية، وليست المغايرة بينهما في مفهوم الجواب، لأنه الحدّ التامّ عند المحقّقين، بل باعتبار الوجود في أحدهما وعدمه في الآخر، فلو لم يكن للوجود صورةٌ في الخارج، لم يكن بين المطلبين والجوابين فرقٌ يعتدّ به كما لا يخفى. أوهام وتنبيهات ثمّ إن للقائلين باعتباريّة الوجود ومجعوليّة الماهيّات شُبهاً قويّة فككنا عقدتَها بحمد الله، وطردنا ظلماتِ هذه الأوهام بنور الهداية والإلهام، فلنُشر الى أجوبة بعض منها، وهي هذه. الأول: إن الوجود لو كان موجوداً لكان له وجودٌ، ولوجوده وجود. وهكذا الى غير نهاية. والجواب: إنّ الماهيّة لمّا لم تكن في نفسها موجودة، فموجوديّتها لا بد وأن تكون بأمر زائد عليها، وأما الوجود، فهو بنفسه موجودٌ لا بأمر زائد عليه إلا بحسب الاعتبار العقلي، رعايةً لمفهوم الاشتقاق، والتسلسل في الاعتباريات منقطعٌ بانقطاع الاعتبار منها، ولهذا المعنى نظائر كثيرة، كالإضافة، فإنّها بنفسها مضافةٌ وغيرها بها مضافٌ، وكالنور، فإنّه منيرٌ بذاته، وكاجزاء الزمان فإنّها بذواتها متقدّمة ومتأخّرة. والثاني: إن الوجود لو كان موجوداً بذاته، لكان واجب الوجود بذاته، إذ لا معنى للواجب بالذات إلا ما يكون وجوده ضروريّاً لذاته، وأيّ ضرورة أشدّ من كون الشيء عين نفسه؟ والجواب: إنّ الوجود الإمكاني بحسب هويّته متقوّمٌ بغيره، واجبٌ به، وإذا قطع النظر عن موجِده يكون باطلاً محضاً، ومعنى كونه ضروريّ الوجود، انّه بعدما صدر ذاتُه عن العلّة، لا يفتقر الى وجود زائد عليه في كونه موجوداً، بخلاف الماهيّة، فإنّها في حدّ ذاتها غير موجودة ولو في وقت صدورها عن الفاعل، ومعنى الإمكان في الوجودات، انّها بأنفسها متعلّقة الذوات بغيرها، وليست الماهيّات متعلقة الذوات بغيرها، فإمكانُها عبارةٌ عن تساوي نسبتها الى الوجود والعدم، وبالجملة، هذه الشُبهة إنّما نشأت من الخَلط بين معنى الضرورة الأزلية والضرورة الذاتيّة. الثالث: إنّه إن كان الوجود في الأعيان صفة للماهيّة وهي قابلة، فهي إمّا أن تكون موجودة بعد الوجود، فحصَل الوجود مستقلاً دونها، فلا قابليّة ولا صفتية، أو قبله؛ فهي قبل الوجود موجودةٌ؛ أو معه، فالماهية موجودة مع الوجود لا بالوجود، ولها وجودٌ آخر، وأقسام التالي باطلةٌ كلّها، فالمقدّم كذلك. والجواب: إنّا نختارُ أن الماهيّة موجودةٌ معه في الأعيان، وما به المعيّة نفس الوجود الذي هي به موجودة، فلا يلزم الإحتياج الى وجود آخر، كما انّ المعيّة الزمانيّة حاصلةٌ بين الحركة والزمان الذي حصلت فيه بنفس ذلك الزمان بلا زمان آخر، حتّى يكونَ للزمان زمانٌ آخر على أنّ الحقّ انّ اتّصاف الماهيّة بالوجود أمرٌ عقليّ، كاتّصاف الموضوع بما يقوم به فلا قابلية في الحقيقة ولا اتصاف، بل ما في الواقع أمرٌ واحدٌ بلا تقدّم بينها ولا معيّة بالمعنى المذكور، وتفصيل هذا الكلام مما يطلب في مقامه. الرابع: إنّ الوجود لو كان في الأعيان، لكان قائماً بالماهيّة، فقيامه إمّا بالماهية الموجودة، فيلزم وجودُها قبل وجودِها، أو بالمعدومةِ، فيلزم اجتماعُ النقيضين، أو بالماهيّة المجرّدة عن الوجود والعدم، فيلزم ارتفاع النقيضين. والجواب: إنّه إن أريد بالماهيّة الموجودة ما هي موجودةٌ بحسب نفس الأمر، وبالمعدومة ما يقابلها، فنختار انّ الوجود قائمٌ بالماهية الموجودة بهذا الوجود، لا بوجود سابق عليه، كما انّ البياضَ قائمٌ بالجسم الأبيض بهذا البياض القائم به لا ببياضٍ آخر، وإن أُريد بالموجودة ما يكون الوجودُ مأخوذاً في مرتبة الماهيّة من حيث هي، فنختارُ انّه قائمٌ بالماهيّة من حيث هي هي، بلا اعتبار شيء من الوجود والعدَم، وهذا ليس بارتفاع النقيضين عن الواقع، بل عن تلك المرتبة. إذ الواقعُ أوسعُ من تلك المرتبة. ولهذا الكلام زيادةُ تحقيق مذكورٌ في حواشي التجريد، إذ الإشكال مشترك الورود، سواء كان الوجود حقيقياً أو انتزاعياً، ولهذا حكموا بأن لا اتّصاف للماهية بالوجود، ولا قيام له بها في الخارج ولا في العقل، إذ لا بدّ في اتّصاف شيء بشيء من المغايرة بينهما في ظرف الاتّصاف، وإن لم يكن ثبوت الثابت فرع ثبوت المثبَت له، وليس بين الماهيّة والوجود مغايرة، إلا انّ للعقل أنّ يأخذ الماهيّة ويعتبرها وحدها مجرّدة عن جميع أنحاء الوجود، حتّى عن هذا التجريد الذي هو أيضاً نحوٌ من أنحاء الوجود، فيصفها بالوجود، ففي هذا الظرف العقليّ هي موصوفةٌ بالوجود ومخلوطةٌ به أيضاً، رعايةٌ لجانبيَ الخلط والتعرية على أنّا نحن في متّسعٍ من هذا البحث إذ الموجودُ عندنا في الأعيان هو الوجود دون الماهيّة إلاّ بالعرَض، وهي أمر انتزاعي متحدةٌ بالوجود وليست متّصفةً به. والخامس: إنّ الوجود لو كان حاصلاً في الأعيان وليس بجوهر، فيكون هيئةً قائمةً بجوهر، فيكون كيفاً لأنه هيئة قارّة لا يوجب قسمة ولا نسبة الى امر خارج، وقد حكموا انّ المحلّ متقدم على العرَض، فيتقدم الموجود على الوجود، فيلزم تقدّم الوجود. وأيضاً يلزم أن لا يكون الوجودُ أعمّ الأشياء مطلقاً، بل الكيفية والعرَضيّة أعمّ منه من وجه. وأيضاً إذا كان عرَضاً فهو قائمٌ بالمحلّ، ومعنى أنّه قائمٌ بالمحلّ، أنّه موجودٌ فيه، مفتقرٌ في تحقّقه إليه، ولا شكّ انّ المحلّ موجود بالوجود، فدارَ القيامُ وهو محالٌ. والجواب: انّهم حيث أخذوا في عنوانات المقولات كونها ماهيّاتٍ كليّة حقّ وجودها العيني كذا وكذا، فسقط كون الوجود في ذاته جوهراً أو كيفاً أو غيرها، لعدَم كونه كلّياً، بل الوجودات - كما سبق - هويّات عينيّة متشخّصة بأنفسها غير مندرجة تحت مفهوم ذاتي، فليس الوجود جوهراً في ذاته، ولا عرَضاً بمعنى كونه قائماً بالماهيّة، وعلى تقدير كونه عرَضاً، لا يلزم كونُه كيفيّة، لعدم كلّيته وعمومه، وما هو من الأعراض العامّة والمفهومات الشاملة للموجودات، إنّما هو الوجود الانتزاعي العقلي، ولمخالفته أيضاً سائر الأعراض بأنّ وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعاتها، ووجود الوجود عين وجود الماهيّة الموضوعة لها، لا وجود غيرها، ظهر عدمُ افتقاره في تحقّقه الى الموضوع، فلا يلزم الدورُ المذكور. على أنّ المختارَ عندنا انّ وجودَ الجوهر جوهرٌ بجوهريّة ذلك الجوهر، لا بجوهريّة أخرى، وكذا وجود العرَض، عرَضٌ بعرَضيّة ذلك العرَض لا بعَرَضيّة أخرى. الفصل الثالث في أنّ ما ذكره هذا القائل ينافي مذهب العارفين القائلين بهذا التوحيد عقلاً ولفظاً أما الأول: فلأنّ مَنْ ذَهب الى أنّ الماهيّات مجعولة وحاصلة بالجعل، ولا شبهة في أن الماهيّات أمور متخالفة المعاني، فتكون الموجودات عنده أموراً متكثّرة متخالفة بالحقائق متمايزة بالذوات، إذ موجوديّة الماهيّة - على هذا المذهِب - عبارةٌ عن صدورها عن الفاعل أو انتسابها إليه، فيكون الوجود معنى مصدريّاً، والموجود أمراً حقيقيّاً متعدداً حسب تعدّد أفراد الماهيّات الصادرة عن الفاعل، فأين هذا المذهب من مذهب التوحيد الذي عليه العرفاء. وقريب من هذا ما ذهب اليه بعض المغترّين بلامع السراب الوهميّ عن مشرب التوحيد الأتمّي، انّ الوجود الحقيقيّ شخصٌ واحدٌ وهو ذات الباري، والموجود كلّي له أفرادٌ متعدّدة هي الموجودات، ونَسب هذا المذهب الى أذواق المتألّهين وزعم أنّ هذا هو مقصودُهم في وحدة الوجود، وهو فاسدٌ من وجوه: الأول: إنّ أفراد الموجودات قد تكون متكثّرة متقدّمة بعضُها على بعض في الوجود مع اتّحادها في الماهيّة النوعيّة، فإذا كانت الماهيّة واحدة والوجود واحداً شخصيّاً، فكيف يتعدّد الموجود ويتقدّم بعضه على بعض؟! والثاني: إنّه يلزم على هذا القول أن يكون قولُنا: وجود زيدٍ ووجود عمرٍو، بمنزلة قولنا: إله زيدٍ واله عمرٍو، وهذا لا يتفوّه به عاقل. والثالث: إن نسبة الماهيّات الى الباري جلّ ذكره، إن كانت اتّحادية، يلزم كون الواجب تعالى ذا ماهيّة غير الوجود، بل ذا ماهيّات متعدّدة، وقد ثبت أنّه صِرْف الإنيّة، وإن كانت نسبتُها إليه تعالى تعلّقية ارتباطيّة وتعلق الشيء بالشيء فرعٌ على وجودهما وتحقّقهما، فيلزم أن يكون لكلّ من الماهيّات وجودٌ خاصّ متقدّم على انتسابها إليه تعالى وتعلّقها به، إذ لا شُبهة في أن معانيها غير معنى التعلّق بغيرها، فإنّا كثيراً ما نتصوّر الماهيّات ونغفل عن ارتباطها الى الحقّ، وهذا الكلام لا يجرى في الوجودات، إذ يمكن لأحدٍ أن يدّعى انّ هوياتها تعلّقية، كما سنكشف على من هو أهلُه. الرابع: قوله: الوجود واحدٌ والموجود كثيرٌ، هوسٌ محض لأنه إذا كان معنى الوجود أمراً نسبيّا عنده، فلا فرق بين مذهبه ومذهب من يَرى انّ الوجود أمرٌ عام مصدري انتزاعي، إلا بأنه سمّى المعنى الانتزاعي بالإنتساب الى الجاعل، فالقول بأنّ الوجود على هذه الطريقة واحدٌ شخصيّ، والموجود كليّ متعدد دون الطريقة الأخرى، تحكّمٌ محض. وأما انّ كلمة "لا هو إلاّ هو" لا يدل على ما قرره في مسألة التوحيد، فذلك بوجهين. أحدهما: إنّ غاية ما ذكره، أن شيئاً من الماهيّات لم يكن ماهية قبل الجعل والتأثير، فبقدرته تعالى صارت الماهيّات ماهيّات، ولا تقرّر لشيء منها إلاّ بتقريره كما ذكره وأين هذا المعنى من معنى "لا هو إلاّ هو" إلا أن يرتكب حذف وإضمار وقيل: معناه لا هو بلا جعل وتأثير إلا هو، وهذا أمرٌ لا يحتاج الى مزيد تقرير، إذ لا شُبهة لأحد من العقلاء المعتبرين فيه إلاّ المعتزلة القائلة بثبوت الماهيّات بلا جعل، فإنّ الحكماء سواء ذهبوا الى أن أثر الفاعل هو الماهيّة، أو ذهبوا الى أنّه الموجوديّة، متّفقون على أن الماهيّة قبل الجعل غير حاصلة، إلا انّ إحدى الطائفتين قالت: إنّ الماهيّة مجعولة أولاً، والوجود تابعٌ لها في الجعل، والأخرى قالت: إن صيرورة الماهيّة موجودة أثر الجاعل، والماهيّة تابعة له كما هو المشهور من توابع المشّائين. وما أورده هذا القائل عليهم من أن الوجود أيضاً ماهيّة، فيجب أن لا يكون مجعولاً واقعاً بتأثير الفاعل، مما علمتَ حالَه من تضاعيف أحوال الوجود وكذا قوله فإن التزموا ذلك وقالوا: الواقع بتأثير الفاعل هو موصوفيّة الماهيّة بالوجود، فهي إن لم تكن مفهوماً مغايراً لهما امتنع استنادها الى الفاعل، وإن كان مغايراً فلا بد أن يكون له ماهيّة، فيعود الكلام انتهى. وذلك لأن مذهب هؤلاء، هو إنّ مفاد الجعل وأثرُ الجاعل هو صيرورة الماهيّة موجودة، أي هذه الهيئة التركيبيّة، لا أنّ شيئاً من الماهيات ولا الوجود أثره، ولا ماهيّة هذه الصيرورة أيضاً اثره، لأنها مستغنية عن الجعل، وهذا مِثْل أن يقال: إنّ التصديقَ عبارة عن نحو إذعان أنّ زيداً قائم مثلاً، فكما إنّ التصديق ليس بتصوّر المحكوم عليه، ولا تصوّر المحكوم به ولا تصوّر النسبة بل الهيئة الإذعانيّة على الوجه الذي يكون الموضوع متلبّساً بالمحمول، فمفاد التصديق اعتقاد أنّ زيداً قائمٌ، لا تصوّر هذا الإذعان، ولا تصوّر قيام زيدٍ، لأنهما من باب التصوّر ولا تصور زيد قائم، لما ذكرنا، بل إدراك النسبة على أنّها نسبة وعلى أنها معنى حرفي، لا على أنّها معنى اسميّ منسوب أو منسوب اليه. فهكذا قولهم في كون أثر الجاعل اتّصاف الماهيّة بالوجود، فمفاد الجعْل في الخارج عندهم كمفاد التصديق في الذهن، فاندفع النقض الذي أورده عليهم عنهم، سواء كان مذهبهم صحيحاً أو فاسداً. الوجه الثاني: إنّ ضمير "هو" وسائر الضمائر كأنا وأنت وغيرها، ليس معانيها إلاّ أنحاء الوجودات، والدليل عليه أنّ كلمة "هو" - الذي كلامنا فيه - لو كانت موضوعة لغير الوجود الخاص فهي إمّا موضوعة لماهيّة مخصوصة، فيجب أن لا يطلق على غيرها وتتبادر هي الى الفهم عند الاطلاق بعد العلم بوضعها إيّاها، والواقع بخلافه؛ وإمّا موضوعة لجميع الماهيات بوضع واحد، فهو ظاهر البطلان، وإلا فينبغي أن يتبادر الى الذهن عند الإطلاق، وليس كذلك، وإما موضوعة لماهيّات متعدّدة غير متناهية بأوضاع متعدّدة غير متناهية، وهو ظاهر البطلان أيضاً، ولا انّها موضوعة لماهيّة ما من حيث هي، وإلاّ لم يفهم منها ماهيّة مخصوصة، إذ العامّ لا دلالة له على الخاصّ، والواقع خلافه، ولا أيضاً يصحّ أن يقال إنّها موضوعة لماهيّة ما بشرط كونها غائبة، وإلاّ لزم أن لا يفهم من كلمة "هو" إلاّ هذا المفهوم، بل الحق انّ الضمائر كلّها: كهو وأنت وغيرهما، وكذا أسماء الإشارات كلّها: كهذا وذلك وغيرهما، موضوعة لأنحاء الهويّات الوجوديّة، إذ الوجود حقيقة واحدة، وله أفراد وأعداد متمايزة الأشخاص؛ يصحّ أن يتصوّرها الواضع من جهة وحدة حقيقتها المشتركة، ويضع الإسم لأفرادها الخاصّة بحسب أوصافها الوجوديّة التي حكمها حكم أصل الوجود في وحدتها وتعدّدها. وهذا معنى قولهم في أسماء الإشارة: إنّ الوضع فيها عامّ والموضوع له هو الخصوصيات؛ فعلى هذا "لا هو" لا يدل على نفي الماهيّة، بل على نفي الهويّة. لا يقال: الماهيّة مشتقّة من الهويّة، لأنّها مأخوذة من "ما هو" وهو السؤال عمّا به الشيء هو هو، فيكون كلاهما مشيراً الى شيء واحد، فلا فرق بينهما بحسب جوهر اللفظ ومادّته اللغوية. قلنا: الفرق بأن "هو" عبارة عن الوجود الشخصي و "ما هو" سؤال عن طلب ذاتيّاته، وهي المعاني الكليّة المتّحدة به في مرتبة وجوده الذاتي، الصادقة عليه بحسب تلك المرتبة فيما له ماهيّة غير الهويّة، فمدلول "هو" غير ما وقع في جواب "ما هو"، لأنّه من المطالب الكليّة، فهما متغايران معنىً، ولهذا افترقت الهويّة عن الماهيّة في الواجب تعالى، وكذا في الهويّات الوجوديّة بما هي هويّات في العلم الحضوري الشهودي فافهم واغتنم. الفصل الرابع في الاشارة الى لمعة من لوامع علم التوحيد الخاصي إنّ لنا بإعلام الله وإلهامه برهاناً شريفاً على هذا المطلب الشريف، الذي هو الوجهة الكبرى لأهل السلوك العلمي محكماً في سماء وثاقته التي ملئت حرساً شديداً وشُهُباً، لا يصل إليه لمس شياطين الأوهام، ولا يمسّه القاعدون منه مقاعد للسمع، إلا المطهّرون من أرجاس الجاهليّة المكتسبة من ظلمات الأجسام. بيانه: أن الواجب تعالى، لمّا كان منتهى سلسلة الحاجات والتعلّقات، فليس وجوده متعلّقاً بشيء متوقّفاً على شيء، فيكون بسيط الحقيقة لا ينقسم في وجود ولا في عقل ولا في فهم، فذاتّه واجب الوجود من جميع الجهات، كما أنّه واجب الوجود بحسب الذات، فليس فيه جهة إمكانيّة ولا امتناعيّة، وإلاّ لزم التركيب بوجه من الوجوه، المستدعي للإمكان. فإذا تقرّرت هذه المقدّمة التي مفادها أنّ كلّ وجود وكلّ كمال وجود يجب أن يكون حاصلاً لذاته، فايضاً عنه، مترشّحاً على غيره، كما قال {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} تفسير : [غافر: 7] وهما عين ذاته، فلو كان في الوجود إله غيره فيكون لا محالة منفصل الذات عنه، لاستحالة أن يكون بين الواجبين علاقة وجودية، وإلاّ لزم معلوليّة أحدهما، وهو خرْق الفرْض، فلكلّ منهما على الفرض المذكور مرتبة من الكمال الوجودي ليس للآخر، ولا منبعثاً منه، فايضاً من لدنه، فيكون كلّ منهما عادماً لكمال وجودي، فذاته حينئذ لا تكون محض حيثية الفعليّة والوجوب، بل يكون ذاته بذاته مصداقاً لحصول شيء وفقْد شيء آخر، فلا يكون بسيط الحقيقة خالصاً بل مزدوجاً، والازدواج ينافي الوجوب الذاتي كما مرّ. ومن هنا ظهر أن كلّ بسيط الحقيقة يجب أن يكون كلّ الوجود وكلّه الوجود، كما يعلمه الراسخون في العرفان. وبالجملة، فواجب الوجود يجب أن يكون من فرط التحصيل وكمال الفعليّة جامعاً لجميع النشئآت الوجودية، فلا مكافئ له في الوجود، ولا ثاني له في الكون، ولا شبيه له ولا ندْبل ذاتُه من تمام الفضيلة يجب أن يكون مستند جميع الكمالات، ومنبع كلّ الخيرات، فيكون بهذا المعنى تاماً وفوق التمام، فهذا هو بيان التوحيد الخاصّي، أي نفي المشارك في الوجوب، وقد انجرّ الى التوحيد الأخصّي، وهو نفي المشارك في الوجود. الفصل الخامس في أن الباري هو الحق وكل ما سواه باطل دون وجهه الكريم بيانه: أنّ العليّة والمعلوليّة - كما ثبت وتقرّر - لا يكونان إلاّ في نفس الوجود لِمَا علمت انّ الماهيات لا تأصّل لها في الكون ولا في الجعْل، وعلمت أيضاً أنّ هويّة الشيء وذاته هي عين نحو وجوده الخاص به، فالجاعل جاعل بنفس وجوده، والمجعول مجعول بنفس وجوده جعلاً بسيطاً، لا بصفة زائدة على نفس هويّته الوجوديّة. فإذا تقرّر هذا فنقول: لمّا كان كلّ موجود معلول فهو في حد ذاته متعلّق بغيره ومرتبط به، فيجب أن تكون ذاته الوجودية ذاتاً تعلقيّة ووجوده وجوداً تعلقيّاً. لا بمعنى انّه شيء وذلك الشيء موصوف بالتعلّق، بل هو بما هو هو عين معنى التعلّق بشيء والانتساب إليه، وإلاّ فلو كانت له هويّة غير التعلّق والافتقار الى الجاعل، ويكون التعلّق والافتقار زائدين على ذاته، فلم يكن ذاته بذاته متعلّقاً بفاعله مجعولاً له، فيكون المجعول بالذات شيئاً آخر، وهو خلاف المقدّر، ويكون هذا المفروض مجعولاً مستقل الحقيقة غير متعلّق الهويّة بفاعله. فإذا ثبت أنّ كل علّةٍ علّة بذاتها، وكل معلولٍ معلول بذاته، وثبت انّ ذات الشيء هي وجوده، وانّ الماهيّات امور كليّة اعتباريّة منتزعة من أنحاء الوجودات بحسب هويّاتها، فينكشف انّ المسمّى بالمعلول، ليست هويّته أمراً مبايناً لهويّة علّته المفيضة، ولا يمكن للعقل أن يشير في المعلول إلى هويّة منفصلة عن هويّة موجده، حتّى يكون هناك هويّتان مستقلّتان في الإشارة العقليّة إحداهما مفيضة والأخرى مفاضة، وإلاّ لم تكن ذاته بذاته مفاضة. نعم للعقل أن يشير إلى المهيّات والأعيان الثابتة، لعدم تعلّقها بذواتها إلى علّة فاعلة، فإذن المجعول بالجعل البسيط، لا ذات له مباينة لذات مبدِعه، فإذا ثبت تناهي سلسلة الموجودات إلى حقيقة واحدة بسيطة، ظهَر انّ لجميع الموجودات حقيقةً واحدة، ذاته بذاته وجود وموجد وهو بحقيقته محقّق الحقائق، وبسطوع نوره منوّر ماهيّات السموات والأرض، فهو الحقيقة والباقي شؤونه، وهو الذات وغيره أسماؤه، وهو الأصل وما سواه أطواره وفروعه وحيثياته. فعلى هذا يتبيّن وينكشف معنى ما ورد في الأذكار الشريفة الإلهية: يا هو، يا من هو يا من لا هو إلا هو، إذ قد ثبت أنّ الهويّات الوجوديّة التي بعد مرتبة الهويّة الإلهية، كما لا يمكن حصولها في الخارج منحازةً عن الذات الأحديّة، بل هي مقوّمة قوامها ومقرّرة حقائقها، كذلك لا يمكن للعقل أن يشير إليها إشارة عقليّة أو حسيّة، بحيث تنالها الإشارة منحازة عن الإشارة إلى قيّومها الأحدي، بل هو المشار إليه في كل إشارة، ولا إشارة إليه فيكون محدوداً وهو المشهود في كل شهود ولا شهادة، وهو المنظور بكل عين، ولا نظر إليه فيكون محاطاً به، وهو المسموع بكل سمْع، ولا جهة له، وهو المعقول بكلّ عقل ولا اكتناه به، {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115]. فهو في كل مكان بلا مكان، وهو في كل زمان بلا زمان، فلا كيْف لذاته، ولا علْم بصفاته، ولا حين لزمانه، ولا كنْه لشأنه، ولا حيث حيث هو، ولا أين أين هو، ولا متى حين هو، فهو هو، ولا هو إلاّ هو، ولا هو بلا هو إلاّ هو، ذلكم الله ربّكم خالق كل شيء لا إله إلاّ هو. وصلّى الله على سيّد الورى محمد المصطفى وآله مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى. فصل [الرحمن والرحيم] الرَحمان؛ فَعلان، من رَحِم، كغَضْبان وسَكْران من غَضِب وسَكَر والرحيم؛ فعَيلٌ منه ايضاً، كمَريض وسَقيم من مرِضَ وسَقم، فهما اسمان بُنيا على صيغتين من صيَغ المبالغة. وفي الفعلان من المبالغة ما ليس في الفعيل، يدل عليه زيادته في البناء، كما في كبار وكبّار وشُقدُف وشِقِنداف، ولذلك يقال تارةً: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا هذا بحسب الكيفية، ويقال تراة: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، هذا بحسب الكميّة، لأنّ رحمة الدنيا تعمّ المؤمن والكافر، ورحمة الآخرة تخصّ المؤمن، والرَّحْمٰن من الصفات الغالبة كالدَبَران والعَيُّوق والصَعِق ولهذا لم يستعمل في غير الله، كما انّ الله من الأسماء الغالبة. وإطلاق بني حنيفة رحمٰن اليمامة على مُسيلمة، وقع من باب التعنّت في كفرهم، والسبب في ذلك أنّ معناه الحقيقي الأصلي: البالغ في الرحمة غايتها، وهذا المعنى لا يكون صادقاً في حقّ غير الله، لأن ما سواه وإن فُرض كونه راحماً فليست رحمته بالغةً حدّ الغاية، وهو ظاهر، لأنّ من عداه ناقص استفاض الرحمة منه أولاً، ثمّ أعطى شيئاً مما استفاضه، والحقّ الحقيق بالإذعان، إنّ اطلاقه على غيره مجاز رأساً بوجوه: الأول: أنّ الجود إفادة ما ينبغي لا لعوضٍ، وكل أحد غير الله لا يعطي شيئاً إلاّ ليأخذ عوضاً. لأنّ الأعواض والأغراض بعضها جسمانيّة، وبعضها حسيّة، وبعضها خياليّة وبعضها عقليّة. فالأول: كمن أعطى ديناراً ليأخذ ثوباً. والثاني: كمن يُعطى المال لطلب الخدمة أو الإعانة. والثالث: كمن يعطيه لطلب الثناء الجميل. والرابع: كمن يعطيه لطلب الثواب الجزيل، أو لإزالة حبّ الدنيا، أو الرقّة الجنسيّة عن قلبه. وهذه الأقسام كلّها أعواض، فيكون ذلك الإعطاء بالحقيقة معاملةً ومعاوضةً ولا يكون جوداً ولا هِبةً وإعطاء، وأما الحقّ تعالى، فهو لمّا كان كاملاً في ذاته وصفاته، فيستحيل أن يعطي شيئاً ليستفيد به كمالاً، فهو الجواد المطلق والراحم الحقّ. واعلم: أنّ هذا إنّما يتمّ على مذهب أهل الحقّ، القائلين بأنّه تعالى تامّ الفاعليّة بحسب ذاته وصفاته، لا يعتريه قصد زائد ولا لفعله غاية سوى ذاته، وكان صدور الأشياء منه على سبيل العناية والفيض، دون القصد والرويّة، كما زعمَه الأكثرون، تعالى عنه علواً كبيراً. الثاني: إنّ كلّ ما سواه ممكن الوجود بحسب ماهيّته، والممكن مفتقر في وجوده إلى إيجاد الواجب إيّاه ابتداء، إذ إمكان الشيء علّة احتياجه إلى المؤثّر الواجب، كما بُرهن عليه في مقامه، وكلّ رحمة تصدر من غير الله فهي إنّما دخلت في الوجود بايجاد الله، لا بايجاد غير الله، إذ ليس لغيره صفة الايجاد، بل إنّما شأن غيره الإعداد والتخصيص في الاستناد، فيكون الراحم في الحقيقة هو الله. الثالث: إنّ فلاناً يعطى الحِنطَة مثلاً ولكن لا يقع الانتفاع بها ما لم تحصل المعدة الهاضمة للطعام، والشهوة الراغبة إلى أكله، والقوى الناهضة لذلك، والآلات المعدّة لنقله وطَحْنه وعَجْنه وطبْخه وغير ذلك، وما يتوقّف عليها من الخشَب والحديد والنجّار والحدّاد، والأرض التي يقومون عليها، والهواء الذي يتنفسّون به، والفلَك الذي يحدّد جهات أمكنتهم وأزمنتهم، والكواكب التي تنوّر في الليل والنهار بحركاتها أكنافهم، وتسخّن أطرافهم، وتنضج حبوبهم وأثمارهم التي يتغذّون بها، والملائكة الذين يدبّرون السموات ويحرّكون الكواكب كالشمس والقمر وغيرهما على سبيل المباشرة، والملائكة العلويّة الذين يدبّرون هذه الملائكة على سبيل التشويق بالوحي والإعلام، فما دام لم يخلق الله هذه الأشياء لم يحصل الانتفاع بتلك الحِنطة، فخالق الحنطة تلك والممكّن لنا من الانتفاع بحفظ هذه الأسباب حتّى يحصل الانتفاع، هو الراحم. فصل [تقديم الرحمن على الرحيم] قيل في تقديم "الرحمن" على "الرحيم" والقياس يقتضي في ذكر النعوت الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: فلان عالِم نِحرير، وفلانٌ شجاع باسل، إنّه لما صار كالعلَم - كما مرّ - يكون أولى بالتقديم. أو لأنّ الرحمن لمّا دلّ على عظائم النِعَم وجلائلها وأصولها، ذكر الرحيم ليتناول ما خرَج منها، فيكون كالتتمّة والرديف. وإنّما وقعت التسمية بهذه الأسماء دون غيرها، ليدلّ على أن الحريّ بالاستعانة به في مجامع المهمّات هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النِعَم ومبدأ الخيرات كلّها عاجلها وآجلها، وجليلها وقيقها، ليتوجّه العارف بجميع قواه ومشاعره إلى جناب القدس، وينقطع نظره عن ما سواه، ويشغل سرّه بذكر مولاه، والاستمداد به في مقاصد أولاه وأخراه. واعلم: أنّ الأشياء أربعة أقسام: الضروري النافع، والنافع الغير الضروري، وعكسه، والذي لا ضرورة فيه ولا نفع. أمّا الأول: فهو إمّا في الدنيا فكالتنفّس، فإنّه لو انقطع منك لحظه واحدةً مات القالب، وإما أن يكون في الآخرة، فهو معرفةُ الله، فإنّها إن زالت عن القلب لحظةً واحدةً مات القلب واستوجب العذاب الدائم. وأمّا الثاني: فهو كالمال في الدنيا وساير العلوم في الآخرة. وأمّا الثالث: فهو كالمضارّ التي لا بد منها، كالموت والمرض والهرم والفقر، ولا نظير لهذا القسم في الآخرة، فإنّ منافع الآخرة لا يلزمها شيء من المضارّ. واما الرابع: فهو كالفقر في الدنيا، والجهل، والعذاب في الآخرة. إذا عرفت هذا فنقول: قد ذكرنا أنّ النَفَس في الدنيا ضروري نافع، وبانقطاعه يحصل الموتُ، وكذا المعرفة في الآخرة، فلو زالت عن القلب لحظة لهلك، لكن الموت الأول أسهل من الثاني، لأنه لا يتألّم فيه إلاّ ساعة واحدة، وأما الموت الثاني، فإنّه يبقى عذابه أبد الآباد. وكما انّ النَفَس له أثران: ادخالُ النسيم الطيّب على القلب، وإبقاء اعتداله وسلامته، وإخراجُ الهواء الفاسد المحترق عن القلب، كذلك الفكر له أثران، أحدهما: ايصال نسيم البرهان إلى القلب الحقيقي، وإبقاء اعتدال الايمان والمعرفة عليه، والثاني: إخراج الأهوية الفاسدة المتولّدة من الشبهات عنه، وما ذلك إلاّ بأن يعرف انّ هذه المحسوسات متناهية في مقاديرها تنتهي بالأخرة الى الفناء بعد وجودها، وأنّ وراء هذا العالم عالمٌ إليه مرجع نفوسنا المطهّرة عن شوائب الأدناس والأرجاس، ليس في ذلك العالَم دثور ولا فناء، بل كلّه حياة وبقاء. ومن وقَف على هذه الأحوال بقي آمِناً من الآفات، واصِلاً الى الخيرات والمبّرات، وبكمال معرفة هذا الأمر، ينكشف لعقلك انّ كلّ ما وجدته ووصلتَ إليه فهو قطرة من بحار رحمة الله، وذرّة من أنوار إحسانه، فعند ذلك ينفتح على قلبك معرفة كون الله تعالى رحماناً رحيماً، وانّه مبدأ الخيرات كلّها ومعطي جلائل النعم ودقائقها، وسوابق المنافع ولواحقها. فصل [اتصافه تعالى بالرحمة] قد ذكر في توجيه وصفه تعالى بالرحمة، ومعناها التعطّف والحُنُوّ، ومنها الرحِم لانعطافها على ما فيها، انه مجاز عن إنعامه على عباده، وقيل: إنّ أسماء الله تعالى إنّما اخذت باعتبار الغايات التي هي الأفعال والآثار، لا باعتبار مباديها التي تكون انفعالات، هذا غاية ما حصل لأصحاب الأنظار من العلم بمثل هذه الأسماء والصفات. واعلم انّ هذا العلم أيضاً مما خصّ الله به أهل الاشارة دون العبارة، إذ ما ذكروه يؤدّي إلى فتح باب التأويل في أكثر ما ورد في أحوال المبدأ، وقد مرّ في مفاتيح الغيب شيء مما يتعلق بهذه المسألة. واعلم أنّ جمهور أهل اللسان، لمّا صادَفوا بالاستقراء جزئيّاتِ ما يطلق عليه اسم النار في هذه الدار حارّة، حكموا بأنّ كلّ نار حارّة، ولكن مَن انفتح على قلبه باب الى الملكوت، فربما شاهد نيرانات كامنة في بواطن الأمور، تسخّن الأشياء تسخيناً أشدّ من تسخين هذه النار المحسوسة، ومع ذلك ليست متسخّنة ذات حرارة، وهي كقوّة الغضب وما فوقها، كالنفس وما فوقها، كقهر الله، فالحكم بأنّ كل نار حارّة على عمومه غير صحيح عنده، وكذلك لما شاهدوا في هذا العالَم كلّ محرك لشيء متحرّكاً، وكلّ فاعل لشيء متغيّراً في فاعليّة، حكمَوا بأنّ كلّ محرّك متحرّك، وكلّ فاعل لشيء فاعل بعد ما لم يكن، وعند التحقيق والعرفان، ظهر أن ما زعموه مخالف للبرهان، وكذلك أشياء كثيرة من هذا القبيل. والسر في الجميع، انّ موجودات هذا العالَم كلّها، لنقصانها في درجة الموجودية، ونزولها في أقصى مرتبة النزول والخسّة تصحبها أعدام وقوى وانفعالات من جهة المادة الجسميّة، فمبادي أفاعليها لا تنفكّ عن انفعالات، وليس هنا فاعل غير منفعل، ولا مؤثّر غير متأثّر، ولا معط غير آخذ، ولا راحم غير مرحوم، وهذا انما هو بحسب الاتّفاق، لا أنّ هذه الأفاعيل داخلة في مفهوماتها تلك الانفعالات. فقول أهل الحجاب وأصحاب الارتياب: كلّ كاتب متحرّك الأصابع، وكل فَلَك متحرّك، ليس عند أهل المشاهدة صحيحاً، بل كلّية هذه القضايا عندهم ممنوعة بل ممتنعة، إذ مفهوم الكاتب هو المصوّر للمعاني والمنقّش للحقائق، وليست حركة الأصابع داخلة في مفهومه، ولا من شرطه تحريك الأنامل، فربّ كاتب عندهم كالكرام الكاتبين لم تتحرّك أصابعه عند الكتابة، بل ثمَّ كاتب لم تتغيّر ذاته ولا صفاته ولا كتابته وفعله، وهو الذي كتبَ على نفسه الرحمة، تعالى ذاته وصفاته وقضاؤه عن التبديل والتحويل، كما قال: {أية : فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} تفسير : [فاطر: 43]. وكذا في الوجود أفلاك نوريّة عقليّة يعرفها أهل الله، غير متحرّكة ولا ذات وضع هي السموات العلى، وكذا في الوجود أرض بيضاء نيّرة ليست كهذه الأرض. كدِرة ثقيلة يابسة ذات لون غبراء يعرفها الربّانيون من الحكماء، كما ورد في الحديث: إن لله أرضاً بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوماً، هي مثل أيام الدنيا ثلاثون مرّة، مشحونة خلقاً لا يعلمون أنّ الله يُعصى في الأرض، ولا يعلمون أنّ الله خلَق آدم وإبليس. وإليه الإشارة بقوله تعالى {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 48] فكذلك حكم الراحم حيث تصحبه ها هنا رقّة القلب لخصوصية المادّة، لا لضرورة المعنى الموضوع له، ألا ترى أنّ أفاعيل الإنسان - سيّما النفسانية - صادرة من النفس، وإطلاق الأسماء المشتقّة منها عليها على سبيل الحقيقة دون المجاز؟ فإذا نسبت الرحمة إلى النفس وحكم عليها بأنّها راحمة، لم يكن عند أهل اللغة مجازاً، مع أنّها جوهر غير جسماني، فاستقم في هذا المقام، فإنّه من مزالّ الأقدام، وكن متثبّتاً على صراط التحصيل، غير منحرف إلى جانبي التشبيه والتعطيل، والله الهادي إلى سواء السبيل. مكاشفة اعلم أن رحمة الله وسِعَت كل شيء وجوداً وماهيّة، فوجود الغضب ايضاً من رحمة الله على عين الغضب، فعلى هذا سبقت رحمتُه غضبَه، لأنّ الوجود عين الرحمة الشاملة للجميع، كما قال سبحانه:{أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 156] ومن جملة الأعيان والماهيّات التي نالتها كلهال الرحمة الوجودية هو عين الغضب والانتقام. فبالرحمة أوجد الله عينَ الغضب فيكون أصله خيراً وكذا ما يترتّب عليه من الآلام والأسقام والبلايا والمحن وأمثالها مما لا يلائم بعض الطبائع، وإليه أشار عليه وآله السلام بقوله: الخيرُ كلّه بيديك والشرَّ ليس اليك. ومن أمعن النظرَ في لوازم الغضب من الأمراض والآلام والفقر والجهل والموت وغير ذلك، يجدها كلّها بما هي أعداماً أو أموراً عدميّة معدودة من الشرور وأما بما هي موجودات فهي كلّها خيرات فائضة من منبع الرحمة الواسعة والوجود الشامل لكل شيء فعلى هذا يجزم العقل بأنّ صفة الرحمة ذاتيّة لله تعالى وصِفَة الغضب عارضيّة ناشية من أسباب عدميّة. إمّا لقصور الوجودات الإمكانية عن الكمال بحسب درجات بُعدها عن الحقّ القيّوم أو لعجز المادّة عن قبول الوجود على الوجه الأتم فينكشف عند ذلك انّ مآل الكلّ إلى الرحمة كما ورد في الحديث فيقول الله: شفعت الملائكةُ، وشفع النبيّون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. قال الشيخ العربي في الفتوحات المكية: واعلم أنّ الله يشفع من حيث أسماؤه، فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهّار وشديد العقاب ليرفع عقوبته عن هؤلاء الطوائف. فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط، وقد نبّه الله تعالى على هذا المقام فقال {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم: 85] فالمتّقي إنّما هو جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد، فسمّي جليسه متّقياً منه، فيحشره الله من هذا الاسم إلى الاسم الذي يعطيه الأمان ممّا كان خائفاً منه، ولهذا يقول (صلى الله عليه وآله) في باب الشفاعة: وبقي أرحم الراحمين. فهذه النسبة، تنسب الشفاعة الى الحقّ من الحقّ من حيث أسماؤه. انتهى كلامه. حكى الشيخ العراقي في رسالته المسماة باللمعات انه: سمع أبو يزيد البسطامي هذه الآية: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم: 85] فشهق شهقة وقال: من يكون عنده كيف يحشره إليه. وجاء آخر فقال: من اسم الجبّار إلى اسم الرحمن ومن القهّار الى الرحيم. انتهى. أقول: إنّما أشار العراقي بقوله: وجاء آخر: إلى الشيخ المذكور الذي نقلنا كلامه المشار إليه سابقاً. واعلم أنّ معرفة أسماء الله تعالى علم شريف ذوقي، ومشرب عظيم دقيق، قلّ مِن الحكماء من تفطّن بعلم حقائق الأسماء، إلاّ من كوشف بكون وجوده تعالى بأحديّته الجمعيّة كل الموجودات قبل حصولها، وانّ عالم أسمائه عالَم عظيم الفسْحة، فيه صوَر جميع الأعيان والماهيّات، وسنذكر نبذاً من هذا المقام في مستأنف الكلام، عند بيان قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] فانتظره موفقاً انشاء الله.
الجنابذي
تفسير : اتّفق اصحابنا الاماميّة رضوان الله عليهم انّه من القرآن وانّه آية من كلّ سورة ذكر التسميّة فى اوّلها وانّه يجب الجهر به فيما يجهر به من الصّلوات ولا يجوز تركه فى الفرائض وخالف فى ذلك العامّة قال البيضاوى فى اوّل تفسيره: هو من الفاتحة وعليه قرّاء مكّة والكوفة وفقهائهما وابن المبارك والشافعىّ وخالفهم الشيبانى وقرّاء المدينة والبصرة والشّام وفقهاؤها ومالك والاوزاعىّ ولم ينصّ ابو حنيفة فيه بشئ فظنّ انّها ليست من السّورة عنده وسئل محمّد بن الحسن عنها فقال ما بين الدفّتين كلام الله تعالى لنا احاديث كثيرة منها ما روى ابو هريرة انّه قال فاتحة الكتاب سبع آيات اوليهنّ بسم الله الرّحمن الرّحيم وقول امّ سلمة "حديث : قرأ رسول الله (ص) وعدّ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ آية" تفسير : ومن اجلهما اختلف فى انّها آية برأسها او بما بعدها والاجماع على انّ ما بين الدفّتين كلام الله والوفاق على اثباتها فى المصاحف مع المبالغة فى تجريد القرآن حتّى لم يكتب آمين، الى هاهنا كلام البيضاوى. وعن امير المؤمنين (ع) انّ التسمية من الفاتحة وانّ رسول الله (ص) يقرؤها ويعدّها آية منها وعن الصّادق (ع) ما لهم قتلهم الله عمدوا الى اعظم آية فى كتاب الله فزعموا انّها بدعة اذا اظهروها وعن الباقر (ع) سرقوا اكرم آية من كتاب الله بسم الله الرّحمن الرّحيم. وورد منهم التّرغيب فى الابتداء به عند كلّ امر صغير او كبير ليبارك فيه فعن الصّادق (ع) انّه قال لا تدعها ولو كان بعدها شعر وعنه (ع) من تركها من شيعتنا امتحنه الله بمكروه لينبّهه على الشّكر والثّناء ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه. وعن امير المؤمنين (ع) انّ رسول الله (ص) حدّثنى عن الله عزّ وجلّ انّه قال حديث : كلّ امر ذى بال لم يذكر فيه بسم الله الرّحمن الرّحيم فهو ابترتفسير : ، وعن طريق العامّة عنهحديث : كلّ امر ذى بال لم يبدء باسم الله فهو ابتر . تفسير : ولفظ الباء فيه للالصاق باعتبار لصوق ابتداء القراءة باسمه تعالى او للمصاحبة او للاستعانة او للسّببيّة والمتعلّق محذوف من مادّة الابتداء او من مادّة الفعل الّذى يقع بعده مثل اقرأ واقوم واقعد وادخل واخرج او من مادّة الاسم اى اسم نفسى بسمةٍ من سمات الله كما روى عن الرّضا (ع) انّه قال يعنى اسم نفسى بسمة من سمات الله وهى العبادة قيل له ما السّمة قال العلامة وفى هذا الخبر تنبيه على انّ القائل بسم الله الرّحمن الرّحيم ينبغى ان يجتهد حتّى يجد حين هذا القول انموذجاً من صفات الله فى وجوده وفى قوله وهى العبادة اشارة الى انّ العبد حين هذا القول ينبغى ان يخرج من انانيّته الّتى هى خروج من العبادة والعبوديّة ويخرج من مالكيّته واختياره ويدخل تحت امر ربّه ويجد ذلك من نفسه حتّى يكون منه هذه الكلمة صادقة ولا يكون هو كاذباً بينه وبين الله سواء اريد بكلمة بسم الله انشاء الاتّصاف بسمة من سمات الله او الاخبار به ويجوز تقدير التأخير فى المقدّر وتقدير التّقديم لكنّ التأخير ادخل فى التّعظيم والاهتمام باسم الله ويفيد الحصر والاسم بكسر همزة الوصل وضمّها والسّم والسّما بتثليث السّين مأخوذ من السّمو بمعنى الارتفاع او من الوسم بمعنى العلامة، وجمعه على اسماء وتصغيره على سمّى يؤيّد الاوّل، وكونه بمعنى العلامة يؤيّد الثّانى، وحديث الرّضا (ع) فى بيان بسم الله ينبّه على الثّانى واسم الشئ علامته وكلّ لفظ وضع لجوهر او عرض من غير اعتبار نسبة فيه، واسماء الله عبارة عمّا يدلّ عليه تعالى من لفظ او مفهوم او جوهر عينىّ ولا اختصاص لها بالاسماء اللّفظيّة او المفاهيم الذّهنيّة فانّ اطلاق الاسم فى الاخبار على الذّوات العينيّة كثير وسيجيئ تحقيق تامّ للاسم فى اوّل البقرة عند قوله تعالى {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] والفرق بين الاسم والصّفة اذا اعتبر فى الاسم معنى من المعانى كالفرق بين المشتقّ ومبدء الاشتقاق كالعلم والعالم فانّ الاوّل مأخوذ بشرط لا ولذلك لا يصدق على الذّات الموصوفة به والثّانى مأخوذ لا بشرط شيئ ولذلك يصدق على الذّات الموصوفة به وليست الذّات معتبرة فى المشتقّ لانّه اذا فرض علم مجرّد قائم بذاته يصدق عليه العالم بل نقول ذات البارى جلّت عظمته علم مجرّد قائم بذاته كما انّه عالم. وللاسم اعتبار انّ اعتبار كونه اسماً ومرآة للمسمَّى، وبهذا الاعتبار لا يكون له نفسيّة ولا وجود مغاير للمسمّى بل يكون وجوده وجود المسمّى ورقيقة منه ونفسيّته نفسيّة المسمّى ولذلك لا يكون الحكم فى الكلام الاّ على المسمّى ولا يكون النّظر الاّ الى المسمّى فانّ قولك جاء زيد لا يكون النّظر فيه ولا الحكم الاّ على المسمّى، والآخر اعتبار كونه موجوداً مغايراً للمسمّى منظوراً اليه محكوماً عليه وبهذا الاعتبار يكون هو كالمسمّى امراً موجوداً مستقلاً محكوماً عليه مغايراً للمسمّى وبهذا الاعتبار يصير الاسم مسمّى وله اسماء مثل قولك زيد لفظ مركّب من ثلاثة احرف فانّ زيداً فى هذا القول له اسماء عديدة مثل الاسم واللّفظ والكلمة والمركّب والموضوع والدّال والعلم وغير ذلك وبهذا الاعتبار لا يكون مظهراً ومرآة للمسمّى ولا دالاًّ عليه ولمّا كان جملة العالم برمّتها اسماءً لله تعالى كان هذان الاعتباران ثابتين لها والى هذين الاعتبارين اشار تعالى بقوله إن هى الاّ أسماءٌ يعنى ليست هى مسمّيات ومنظوراً اليها ومستقّلات مغايرات لله سمّيتموها انتم يعنى انّكم صرتم محجوبين عن المسمّى ناظرين الى الاسماء من حيث انّها مستقّلات فى الوجود جاعلين لها مسمّيات فصرتم مشركين وكافرين لهذا النّظر، و النّاس فى النّظر الى الاشياء مختلفون فناظر ينظر اليها من حيث انّها اسماء لله غافلاً عن وجودها وعن النّظر اليها او شاعراً بالنّظر اليها، وناظر ينظر اليها من حيث انّها مسمّيات غافلاً عن المسمّى، وناظر ينظر اليها مستقّلات والى المسمّى والاوّل وهو الّذى ينظر الى الاشياء من حيث انّها اسماء غافلاً عن النّظر اليها او شاعراً بالنّظر اليها هو الّذى يعبد المسمّى بايقاع الاسماء عليه ويكون موحّداً، والّذى ينظر الى الاسماء من حيث انّها مسمّيات مستقّلات غافلاً عن المسمّى هو الّذى يعبد الاسم دون المسمّى ويكون كافراً وهذا حال اكثر النّاس، والّذى ينظر الى الاسماء حالكونها مسمّيات مستقّلات والى المسمّى حالكونه مسمّىً مستقلاً مغايراً مبايناً عن الاسماء هو الّذى يعبد الاسم والمسمّى ويكون مشركاً، والنّاظر الى الاسماء من حيث انّها اسماء غافلاً عن نظره اليها هو المجذوب الّذى رفع القلم عنه ولا حكم له فى الكثرات ولا تكليف، والنّاظر اليها من حيث انّها اسماء شاعراً بنظره هو الكامل الجامع للطّرفين، وهذا الكامل امّا يكون استشعاره بالاسماء غالباً على استشعاره بالمسمّى او يكون استشعاره بالمسمّى غالباً او يكون استشعاره بالطّرفين على السواء والاوّل هو الواقع فى النشأة الموسويّة والثّانى هو الواقع فى النشأة العيسويّة والثالث هو الّذى يراعى حقوق الكثرات والوحدة بحيث لا يهمل من حقوق الطّرفين شيئاً وهو الواقع فى النشأة المحمّديّة (ص) الجامعة للكثرة والوحدة بحيث لا يشذّ شيئ من حقوقهما، والى النشئات الثّلاث أشار تعالى بقوله {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} تفسير : [الفتح: 29]؛ الآية، فاشار بقوله ذلك: مثلهم فى التّوراة؛ الى النشأة الموسويّة وبقوله {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ}؛ الآية، الى النشأة العيسويّة، وبالجمع بين النشأتين الى النشأة المحمّديّة واعتبر ذلك المذكور من حال الكافر والمشرك والمجذوب والكامل ونشئاته الثّلاث بالمرآة والنّظر اليها ورؤية الصّور فيها فانّه قد ينظر الانسان الى المرآة من حيث صفائها واستدارتها وتربيعها وتسديسها وتحديبها او تقعيرها من غير رؤية صورة فيها او من غير شعور برؤية صورة فيها، وقد ينظر اليها من حيث رؤية الصّور فيها من غير شعور بالمرآة وبرؤيتها، وقد ينظر الى المرآة من حيث اشكالها وصفائها وينظر الى الصّورة الّتى فيها وقد ينظر الى المرآة حال كونها لا حكم لها فى نظره سوى ارائة الصّور شاعراً بنظره الى المرآة وبنظره الى الصّور بالاقسام الثلاثة السّابقة وما ورد فى جواب من قال هل الله فى الخلق ام الخلق فى الله من قوله (ع) اخبرنى عن المرآة هل انت فى المرآة ام المرآة فيك يشير الى ما ذكرنا ومقامات الكثرة فى الوحدة والوحدة فى الكثرة والجمع بين الوحدة والكثرة الدّايرة فى ألسنة الصّوفيّة اشارة الى النشئات الثلاث وللاشارة الى تلك النّشئات ورد فى خبرٍ: ما رأيت شيئاً الاّ ورأيت الله فيه وفى آخر: الاّ ورأيت الله قبله وفى آخر: الاّ ورأيت الله بعده وما قيل انّ الاسم عين المسمّى او غيره قد علم جوابه ممّا ذكرنا فانّ الاسم اذا كان منظوراً اليه من حيث اسميّته بحيث يكون النّاظر غافلاً عن نظره يكون عين المسمّى بمعنى انّه لا وجود ولا نفسيّة ولا حكم ولا اثر حينئذٍ الاّ للمسمّى، واذا كان النّاظر حينئذٍ شاعراً بنظره يكون بوجه غيره وبوجه عينه، واذا كان منظوراً اليه بحيث يكون فى نظر النّاظر ذا نفسيّة ووجود وانانيّة كان غيره سواء نظر النّاظر من الاسم الى المسمّى او لم ينظر، ولمّا كان الانسان واقعاً بين دارى الرّحمن والشّيطان وكان دار الشّيطان لغاية بعدها من الرّحمن وغلبة الاعدام عليها وكونها بتمام اجزائها مظاهر قهره تعالى كأنّها لم تكن مظاهر له تعالى وكانت مقابلة لدار الرّحمن وكانت النّفس الانسانيّة من حيث تسخّره للشّيطان كأنّها اسم للشّيطان لا للرّحمن ومن حيث تسخّره للعقل اسم للرّحمن وكان جميع افعال الانسان صادرة من نفسه امّا من جهتها الشّيطانيّة او من جهتها العقلانيّة امروا العباد بالتسميّة عند كل فعل صغير او عظيم حتّى يخرجوا بالتّسميّة من جهة النّفس الشّيطانيّة ويدخلوا فى جهتها الرّحمانيّة ويكون الفعل رحمانيّاً لا شيطانيّاً، ولمّا كان اكثر النّاس قاصرين غير بالغين الى مقام النّظر الى فاعليّة الله تعالى بدون وساطة الوسائط ومن بلغ الى ذلك المقام لم تكن الوسائط مرتفعة فى أفعاله بل المرتفع فى حقّه النّظر الى الوسائط قال تعالى باسم الله بتخلّل الاسم بين الباء والله ولم يقل بالله وان كان هذا ايضاً صحيحاً فى نفس الامر فانّ الافعال تصدر عن الانسان بتوسّط نفسه الّتى هى اسم لله فما قيل انّ الاسم مقحم بين الجارّ ومجروره ليس بشيئ وكذا ما يترائى من كون المراد من الله لفظه وكون الاضافة بيانيّة يأتي التّوصيف بالرّحمن، ولمّا كان المقصود من التسمية الخروج من الجهة الشيطانيّة والدّخول فى الجهة العقلانيّة كما سبق عن الرّضا (ع) فى تفسيرها من قوله يعنى اسم نفسى بسمة من سمات الله فلو قال القائل بسم الله الرّحمن الرّحيم كان قوله بسم الله مثل ان قال التجأت من دار الشّيطان وتصرّفه الى دار الرّحمن وتصرّفه ودخلت فى داره واتّصفت بصفاته فكان يفيد فائدة الاستعاذة مع شيئ زائد ولذلك ورد عن الباقر (ع) اوّل كلّ كتاب نزل من السّماء بسم الله الرّحمن الرّحيم فاذا قرأتها فلا تبال ان لا تستعيذ واذا قرأتها سترتك فيما بين السّماء والارض، ولمّا كان التّسمية من القائل اتّصافاً بسمة من سمات الله وهى بمنزلة السّلاح للشيطان والشّيطان يفرّ منها امروا بالجهر ببسم الله بخلاف الاستعاذة والله علم للذّات بعنوان مقام ظهوره الّذى هو فعله ومشيئة فانّ الذّات غيب مطلق لا اسم له ولا رسم له وانّ الاسماء والصّفات ليست له الاّ باعتبار ظهوره بفعله ومشيئة ومشيئة لها اعتباران؛ اعتبار وجهها الى مقام الغيب واعبار وجهها الى الخلق، وتسمّى باعتبار وجهها الى الغيب عرشاً، وباعتبار وجهها الى الخلق كرسيّاً، وبهذين العنوانين يسمّى الحقّ الاوّل بالله وبالعلىّ وباعتبار هذين العنوانين قال تعالى {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] و {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [البقرة: 255] وهل هو مشتقّ او جامد بمعنى انّه من الاوصاف المشتقّة من المصادر او ليس اسماً مشتقّاً بل هو مصدر او اسم مصدر او اسم ليس له مادّة متصرّفة، اقوال؛ فقيل انّه من مادّة اله الهة والوهة مثل نصر بمعنى عبد واصله اله بكسر الهمزة حذف الهمزة وعوّض عنها لام التّعريف ولذلك او لمطلوبيّة التّطويل والتّفخيم فى نداء المحبوب لم يحذف الفه فى النّداء، او من اله كفرح بمعنى تحيّر او اشتدّ جزعه عليه او فزع اليه ولاذ به او بمعنى اجاره، وقيل من مادّة وله من باب حسب وعلم وضرب بمعنى حزن وتحيّر وخاف وجزع او من مادّة لاه الله الخلق يلوه بمعنى خلقهم او من لاه يليه بمعنى تستّر او علا، وقيل: اصله لاها بالسّريانيّة فعرّب بحذف الالف الاخيرة ودخل لام التّعريف عليه وقيل كان اصله هو لانّه موضوع لغائب معهود معروف والغائب عن الابصار مطلقاً والمعهود المعروف للقلوب على الاطلاق هو الله ثمّ ادخل عليه لام الاختصاص للاشعار باختصاص كلّ ما سواه به، ثمّ اشبع فتحة الّلام تفخيماً ثمّ ادخل لام التّعريف عليه لتفخيم آخر فصار الله. و{الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} صفتان لله او للاسم فانّ اسماء الله العينيّة كما انّها مظاهر لله مظاهر لجميع صفاته تعالى وجعلهما صفتين للاسم اولى من جعلهما صفتين لله للزوم التّأكيد على الثّانى مع ما بعده دون الاوّل ولانّ المنظور الاتّسام باسم يكون به قوام الفعل المبتدأ به وينتهى الفعل اليه وهذا معنى كون الاسم متّصفاً بصفة الرّحمانيّة والرّحيميّة وهما مأخوذتان من رحِم بكسر العين للمبالغة او من رحُم بضمّ العين صفتين مشبّهتين وعلى اىّ تقدير فالرّحمن ابلغ من الرّحيم لزيادة مبناه ولعدم اختصاص الرّحمة الرّحمانيّة بشيئ دون شيئ وبحال دون حال وبجهة دون جهة بخلاف الرّحمة الرّحيميّة فانّها مختصّة بالانسان ومن كان مثله سالكاً الى الرّحمن وبحال كونه على رضاه ومن جهة كونه على رضاه وامّا غير الانسان فانّ العناصر والمواليد لا توصف بالرّحمة الرّحيميّة ولا بالغضب الّذى هو ضدّها والارواح العالية وجودهم كما هو رحمة رحمانيّة رحمة رحيميّة ولا تمايز بين الرّحمتين فيهم كما لا يتصوّر جهة غضب فيهم والارواح الخبيثة قد يجوز ان يتّصفوا بالرّحمة الرّحيميّة لكنّ الاغلب انّهم متّصفون بالغضب وذلك انّ الرّحمة الرّحمانيّة عبارة عن افاضة الوجود على الاشياء وابقائها واكمالها بالكمالات اللائقة بفطرتها وهذا عامٌ لجميع الاشياء دنيويّة كانت او اخرويّة اناسىّ كانت او غير اناسىّ ولذلك قال {الرّحمن على العرش استوى} وفسّروه باستواء نسبته الى الجليل والحقير وورد:حديث : يا رحمن الدّنيا والآخرةتفسير : ، وورد عن الصّادق (ع) انّ الرّحمن اسم خاصّ لصفة عامّة وورد عن امير المؤمنين (ع) انّ الرّحمن الّذى يرحم ببسط الرّزق علينا او العاطف على خلقه بالرّزق لا يقطع عنهم موادّ رزقه وان انقطعوا عن طاعته، ومن المعلوم انّ رزق الاعيان الثّابتة افاضة الوجود عليها ورزق الموجود افاضة ما به بقاء وجوده والرّحمة الرّحيميّة عبارة عن افاضة الكمالات الاختياريّة المرضيّة على المختارين من الانس والجنّ ولذلك ورد انّ الرّحيم اسم عامّ لصفة خاصّة وورد عنهم (ع) الباء بهاء الله والسّين سناء الله والميم مجد الله وفى رواية ملك الله والله اله كلّ شيئ، الرّحمن بجميع خلقه والرّحيم بالمؤمنين خاصّة وما ورد انّه الرّحيم بعباده المؤمنين فى تخفيفه عليهم طاعاته وبعباده الكافرين فى الرّفق فى دعائهم الى موافقته فتعلّق الرّحمة الرّحيميّة بالكافرين انّما هو من جهة بقاء فطرتهم واقتضائها فعليّة مرضيّة اختياريّة من الفعليّات المرضيّة تقتضى تلك الفعليّة الرّفق بهم ودعائهم الى الدّين والمداراة معهم فى الدّنيا والنّصيحة لهم فى امر العقبى وفى آخر الخبر المروىّ عن امير المؤمنين (ع) الرّحيم بنا فى ادياننا ودنيانا وآخرتنا خفّف علينا الدّين وجعله سهلاً خفيفاً وهو يرحمنا بتمييزنا من اعدائه فالرّحمة الرّحيميّة بمعنى الرّضا مقابل الغضب كالصورة للرّحمة الرّحمانيّة وهى مادّة للرضا والغضب فانّ الرّحمة الرّحمانيّة وهى افاضة الوجود وكمالات الموجود قد تصير فى بعض الموجودين وهم المختارون العاصون غضباً وفى بعضهم وهم المختارون المطيعون رضاً، والرّحمة السّابقة على الغضب هى الرّحمة الرّحمانيّة دون الرّحمة الرّحيميّة او هى الرّحمة الرّحيميّة والمراد بسبقها تعلّقها بالمكلّفين بحسب اقتضاء فطرتهم ذلك كما سبق وقد علم ممّا ذكر وجه تخلّل الاسم بين الجارّ والله، ووجه تقديم الله على الرّحمن، وتقديم الرّحمن على الرّحيم، واشار بالله الى جامعيّته تعالى وبالرّحمن الى مبدئيّته وبالرّحيم الى مرجعيّته وقد جمع جميع اضافاته فيهما ولمّا كان الحروف اللّفظيّه بازاء مراتب الوجود العينيّة كان كلّ منها اشارة الى مرتبة منه فالالف لبساطتها اشارة الى مرتبة الوجوب والباء لكونها اقرب الى الالف فى البساطة اشارة الى فعله الّذى لا فرق بينه وبينه، والنّقطة تحت الباء اشارة الى تعيّن الفعل بالامكان ولذلك ورد: بالباء ظهر الوجود اشارة الى مقام المشيئة، وبالنّقطة تحت الباء تميّز العابد عن المعبود: اشارة الى تعيّنها بالامكان الاوّل العقلانى وقيل ظهرت الموجودات من باء بسم الله، وبلحاظ انّ الحروف بازاء مراتب الوجود ولحاظ انّ جميع الكتب السّماويّة لتصحيح النسب الحقيّة والنسب الخلقيّة وجميع النسب الحقيّة والخلقيّة مجتمعة بحسب الامّهات فى فاتحة الكتاب وجميع ما فى الفاتحة مجتمعة فى بسم الله الرّحمن الرّحيم وجميع ما فى تمام بسم الله الرّحمن الرّحيم مجتمعة فى باء بسم الله صحّ ان يقال جميع ما فى القرآن فى سورة فاتحة الكتاب، وجميع ما فى سورة فاتحة الكتاب فى بسم الله الرّحمن الرّحيم، وجميع ما فى بسم الله فى باء بسم الله، وعلىّ (ع) باعتبار تعيّنه الاوّل هو النقطة تحت الباء وصحّ ان يقال، لو شاء العالم لاوقر سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب او من تفسير بسم الله الرّحمن الرّحيم او من تفسير باء بسم الله كما نسب اكثر هذه المضامين الى مولانا امير المؤمنين عليه السّلام.
الأعقم
تفسير : النزول: روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: "حديث : لم ينزل {بسم الله الرَّحْمٰن الرحيم} على أحد قبلي الا على سليمان ".
الهواري
تفسير : تفسير فاتحة الكتاب، وهي مكية كلها [قوله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}]. ذكروا عن الحسن قال: هذان اسمان [ممنوعان] لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحلهما: الله والرحمن. قال بعض أهل العلم: إن المشركين قالوا: أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه، فأنزل الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ}، يا محمد، (أية : هُوَ رَبِّي) تفسير : [سورة الرعد: 30]. ذكروا عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : قال الله: أنا الرحمن. شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نكتب باسمك اللهم [زماناً]، فلما نزلت: (أية : قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)تفسير : [الإِسراء:110] كتبنا: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ} فلما نزلت: (أية : إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)تفسير : [سورة النمل:30] كتبنا {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم]: حديث : إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة منها طباقها السماوات والأرض، فأنزل الله منها رحمة واحدة، فبها تتراحم الخليقة حتى ترحمَ البهيمةُ بهيمتَها، والوالدة ولدها. فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخليقة فأكملها مائة رَحمةٍ، ثم يضعها بينه وبين خلقه. فالخائب من خُيِّب من تلك المائة رحمة . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده لا يدخل الجنةَ إلا رحيم، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، يرحم الرجل نفسه ويرحم ولده، ويرحم أهله. قال:لا، حتى يرحم الناس جميعاً . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما يضع الله رحمته على كل رحيم . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : السبعُ المثاني فاتحةُ الكتاب تفسير : .غير واحد من العلماء قال: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب. وإنما سمّيت السبع المثاني لأنهن يثنّين في كل قراءة، يعني في كل ركعة. ذكر أبو زيد قال: حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة نمشي في بعض طرق المدينة، ويدي في يده، إذ مررنا برجل يتهجَّد من الليل، وهو يقرأ فاتحة الكتاب، فذهبت أكلم النبي عليه السلام، فأرسل يدي من يده وقال: صه، وجعل يستمع. فلما فرغ الرجل منها قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما في القرآن مثلُها . تفسير : ذكروا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأُبيّ: حديث : لأعلمَنَّك سورة ما في القرآن مثلُها، ولا في التوراة ولا في الإِنجيل ولا في الزبور مثلُها هي أعظم: هي فاتحة الكتاب . تفسير : ذكروا عن أُبيّ بن كعب قال: قال الله: حديث : يا ابن آدم أنزلت عليك سبع آيات ثلاث منهن لي، وثلاث منهن لك، وواحدة بيني وبينك، {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، هذه لله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [هذه بين الله وابن آدم]. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}. هذه لابن آدم . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: هذا دعاء أمر اللهُ رسولَه أن يدعوَ به، وجعله سنةً له وللمؤمنين. ذكروا عن ابن عباس أنه كان يجهر بِـ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الصلاة، ويقول: من تركها فقد ترك آية من كتاب الله. وابنُ عباس كان يجعل {صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} آية واحدة. قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}. قال الحسن: حمد الرب نفسه، وأمر العباد أن يحمدوه. والحمد شكر النعمة. {رَبِّ الْعَالَمِينَ}. العالَمون الخَلق. يقول: الحمد لرب الخلق. قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يقرأونها: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. وتفسيرها على هذا المقرإ مَالِكه الذي يملكه، من قِبَل المِلك. وبعضهم يقرأونها: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يعنون بهذا المقرإ أنه من قِبَل المُلك. وبعضهم يقرأها: {مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ} يجعلها نداء. وتفسيره على الدعاء: يا مالكَ يَوْمِ الدِّينِ. ويوم الدين هو يوم الحساب في تفسير مجاهد والحسن. وقال بعضهم: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم. وقولهم جميعاً في هذا واحد.
اطفيش
تفسير : {الْحَمْدُ لِلَّهِ} - أل: فى الحمد للاستغراق، وكأنه قيل كل فرد من أفراد الحمد لله. وإن قلت فالاسم بعده نكرة، إذا قلت: بل معرفة فإن أل لتعريف الجنس، بغير كونه مراد به استغراق أفراده، تلك هى الحقيقة، واختصاص الجنس على هذا الوجه لا يستلزم اختصاص جمع الأفراد، فيظهر أن الحمل على الجنس محافظة على الجنس محافظة على مذهبه، إلا أن يقال: إنه يمكن اختيار الاستغراق، بناء على تنزيل ما عدا محامده - تعالى - منزلة العدم، إذ لا يعتد بمحامد غيره - تعالى - بالقياس إلى محامده. فلا فرق إذاً بين اختصاص الجنس والاستغراق، فى أنهما ينافيان ظاهرا طريقة الاعتزال فيه قاعدة خلق الأعمال وأن منافاتهم تندفع بأحد الجوابين المذكورين فلا ترجيح لاختيار أحدهما على الآخر من هذا الوجه. وقال ابن عبد السلام: هى للعهد أى لتعريف الشىء المعهود. وأجازه الواحدى على معنى: أن الحمد الذى حمد الله - سبحانه وتعالى - به نفسه، وحمده به أنبياؤه مختص به تعالى. وبحث بأن الحمد الذى حمد به نفسه وحمده به من ذكر من لازمه أنه مختص به، فلا حاجة إلى دلالة الجملة عليه ولا فائدة فيه، إذ لا يتصور إضافته لغيره. وأجيب بأن الذى هو من لازمه الاختصاص الوقوعى، والمقصود الدلالة على الاختصاص الاستحقاقى تأمل والعبرة بحمد من ذكر، فلا فرد من الحمد لغير الله تعالى وأولى الأقوال أنها للجنس لأن فيه سلوك طريق البرهان ويزيد بالنسبة للثالث. إن العهد لا يفيد اختصاص الحمد مطلقا. وكما يقال للام التعريف إنها للجنس، يقال إنها للحقيقة وللطبيعة وللماهية المطلقة، والماهية تارة تعتبر بشرط لا شئ، وتارة لا بشرط شئ، والأولى مقيدة بالعدم. وقد تسمى مطلقة كتسمية الماء المقيد بعدم التغير بالماء المطلق. والمراد هذا المطلقة بالمعنى الثانى. واعلم أن أل إذا دخلت اسم جنس فإما أن يشار بها إلى حصة معينة من مسماه: فردا كانت أو أفرادا، مذكورة تحقيقا أو تقديرا. وتسمى لام العهد الخارجى، ونظيره العلم الشخصى. وإما أن يشار بها إلى مسماه من حيث هو كما فى التعاريف. ونحو قولك: الرجل خير من المرأة، وتسمى لام الحقيقة والطبيعة، ونظيره العلم الجنسى. وإما أن يقصد المسمى من حيث هو موجود فى ضمن الأفراد بقرينة الأحكام الجارية عليه الثابتة له فى ضمنها. فأما فى جميعها كما فى المقام الخطابى لعلة إيهام فىأن القصد إلى بعضها دون بعض، ترجيح لأحد المتساويين على الآخر. وتسمى لام الاستغراق. ونظيره كلمة كل مضافة إلى نكرة، وأما فى بعضها كقولك: ادخل السوق حيث لا عهد، ويسمى معهود ذهنيا، ومؤداه مؤدى النكرة. وأدرج المعاينون العهد الذهنى مع العهد الذكرى، تحت قولهم العهد الخارجى. وجعلوا الذهنى أن تكون الإشارة باللام إلى الحقيقة، ومن حيث وجودها فى ضمن الأفراد كقولك: ادخل السوق واشتر اللحم، حيث لا عهد فى سوق أو اللحم. ومعنى أل مطلقا التعريف، ولام الاستغراق جنسية أيضا فيما ذكر المحققون.. والله أعلم. والحمد هو الثناء على الجميل الذي ليس باضطرارى من نعمة أو غيرها على جهة التعظيم، وإنما قلت الذى ليس باضطرارى ليشتمل ما هو اختيارى وما لا يصدق عليه أنه ضرورى، والاختيارى كصفات الله الذاتية فإن إطلاق الضرورة عليها محال لاقتضاء أنه مغلوب مقهور، تعالى عن ذلك وعن كل نقص، ولاقتضائه حدوثها فإن المقهور به حادث أحل فى المقهور وإطلاق الاختيار عليها محال أيضا لاقتضائه حدوثها، وأنه أحدثها بعد أن لم تكن ولا يصح إطلاقه عليها إلا بمعنى مجرد نفى الضرورة أو بتنزيلها منزلة الاختيارية إذا انتفى عنها الاضطرار. وإن قلت الثناء يكون باللفظ فلا حمد مما لا يوصف باللفظ، ونحن لا نشك فى أن الله عز وجل حمد نفسه، ولا فى قوله وإن من شئ إلا يسبح بحمده. قلت: المراد إنما هو تعريف الحمد اللفظى، بل لا مانع من جعل حمد الله اللفظى مثل أن يخلق اللفظ فى الهواء، أو فى لسان جبريل، أو زيد مثلا، أو حيث شاء، وأن يخلق اللفظ مستقلا كالذات. والفرق بين الحمد المخلوق على لسان جبريل مثلا، وبين حمده هو لله، أن الأول يجرى على لسانه من غير قصد إليه وإلى تأليفه المخصوص. وأيضاً الغالب فى الحمد أن يكون باللفظ ويبحث بقوله تعالى:{أية : ما نفدت كلمات ربى}. تفسير : ويجاب بأن المراد الغالبية فى القول الحمدى، وأيضاً يصح أن يقال: أريد بالثناء ما عدا ما يكون بالجنان والأركان. وعبرنا بالثناء لأن الغالب حمد باللفظ، وحاصل التعريف أنه ثناء يكون باللسان غالبا، ولا يرد عليه أنه يلزم دخول ما بالجنان والأركان فى الجملة. لأن المراد أن الحمد هو الثناء على وجه يكون ذلك الوجه غالبا باللسان، أو الحاصل أنه الثناء بغير الجنان والأركان. والمراد بالثناء الإتيان بما يدل على الجميل من قول ونحوه، وإن لم يكن باللسان فيكون حمد الله تعالى نفسه مثلا الدلاله على الاتصاف وإثبات القول اللفظى قائماً بذاته منزها به عن الترتيب والحدوث والزوال والكلام النفسى، أى المعنى لا اللفظى يفضى إلى التشبيه بجعله محلا. وإذا أوجد الله سبحانه لفظا فى محل أو فى الهواء، فقد صح صدور القول وما يدل على الاتصاف من غير الجنان والأركان، فيكون حامدا وليس من شرط إطلاق كل مشتق حقيقة لن يقوم المبدأ بمن أطلق عليه حقيقة. ألا تراهم يقولون: حداد ولبان وتمار، ولابن وتامر، وليس الحديد واللبن والتمر حادثة منه حدوث أفعاله منه، فيجوز كون الحمد من هذا القبيل، فيكون حمد الله لنفسه حقيقة، وهو حامد حق ويدل لذلك أن كل كمال يجب ثبوته له، ومن الكمال أن يكون محمودا حق الحمد، وغيره لا يقدر على حق الحمد. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : سبحانك ما عرفناك حق معرفتك"تفسير : وورد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"تفسير : . وإن قلت من الكمال أن يعبد حق عبادته، ولبس معبودا حقها، قلت الفرق ظاهر، لأن عبادة الشئ نفسه غير معقول، بخلاف حمد نفسه، فلا يكون هذا نقضا. وأما قوله تعالى:{أية : وإن من شئ إلا يسبح بحمده} تفسير : فمجاز، ولكل شئ كلام إذا أراد الله أسمعه من شاء، كما سلم الحجر والشجر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولك أن تقول: ما فى الكتاب والسنة مما يخالف التعريف السابق. ما أول مصروف عن الظاهر، فقول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} إخبار باستحقاق الحمد، أو رجوع المحامد، أو ثبوت كماله، أو اختصاص الحمد، أو أمر بالحمد أو الإخبار، أو مجاز عن إظهار صفة الكمال. وهو بالفعل أقوى، أو هو حمد شرعى، وهو أعم من اللغوى المراد بالتعريف فلا يلزم ما فى المجاز المحض من البعد والمنقول الشرعى أكثر من أن يحصى، والنقل والاصطلاح لا يثبتان بالاحتمال، لكن ثبت الدليل الظنى من الثقات أن الحمد اللغوى إنما يكون بالآلة. وقد ثبت فى الشرع الحمد ممن تنزه عن الآلة. وكلام الشارع محمول على الحقيقة بحسب الإمكان. فالظاهر أن له فيه اصطلاحا، والحمد حينئذ حقيقة عرفية. وهذا القدر بل دونه يكتفى به فى الظنيات، أما ترى أن الوضع الشرعى غالباً لم يثبت إلا بالإمارات، واحتمال شهرة المجاز موجود فى الكل أو الحل، ورجح بعض من خشى على المطول أن الحمد مما ليس له لسان مجاز، وقال: لما ثبت النقل الصريح أن الحمد فى اللغة لا يكون إلا فى اللسان، تعين أن يكون الحمد إذا أطلق على ما لا يكون باللسان مجاز. انتهى. ويبحث بأن النقل إنما يوجب الجزم واليقين لو لم يكن قابلا للتأويل لما جاز التأويل بالصرف عن الظاهر وبأنه حقيقة شرعية لم يتعين المجاز أصلا، وإن أراد بالتعيين كما للترجيح والأولوية مبالغة لأن المسامحة فى التعريف بعيدة جدا، ففيه أن حمل نص الكتاب والسنة على المجاز فى مواضع عديدة أبعد، وقد تقرر أن الحمل على المجاز لا يجوز إلا عند المانع من الحقيقة والمسامحة فى التعريف، ولا سيما فى العلوم النقلية والمعانى اللغوية عند قيام القرينة شائعة وإطلاق الحمد والثناء فى كلام الله تعالى ورسوله والبلغاء والعرب العرباء على ما ليس باللسان قرينة تامة والأرجح حمل مثل ذلك التعريف على المسامحة بالتأويل فى كلام الله ورسوله والبلغاء، وأما ما مر من كونه حمدا شرعنا فلا يدفع البعد بالكلية، والمسامحة فى التعريف أولى وأقرب من ترك الظاهر والحقيقة اللغوية من غير داع، إذ قل ما يوجد تعريف تام خال من المسامحة والتكليف بالكلية على أنه إذا دار الأمر بين الوضع الجديد والمسامحة فى التعريف، فلعل الثانى أولى لما اشتهر من أن المجاز خير من الاشتراك، وما نحن فيه يشبه ذلك. ومعنى قولنا على الجميل لأجل الجميل بأن يكون الثناء بالجميل بإزائه ومقابله، بمعنى أن المحمود لما كان له ذلك الشىء ذكر جميله وأظهر كماله فهو لأجل حصوله له، ولولاه لم يوصف أى لم يتحقق ذلك الوصف، فهو كالعلة الباعثة للواصف على الوصف، كما فى حمد الله تعالى، إذ لا باعث فى حقه تعالى. أو هو العلة كما فى حمد الخلق، وإنما وجب فى المحمود عليه أن يكون جميلا، وكمالا لأنه لا يكون غير الكمال سببا لإظهار الكمال والتعظيم. ويحتمل أن يكون أعم من الكمال فى ذاته، أو فى زعم الحامد أو المحمود كما فى المحمود به، إذ لا فرق بين المحمود عليه والمحمود به فى ذلك، وقد يفرق بأن الباعث على التعظيم لا بد أن يكون أمرا عظيما عند المعظم، وكون الشىء عظيما عند غيره مع نقصه عنده، لا يصير سببا للتعظيم بخلاف المحمود به، فإنه فى الحقيقة ما يظهر بإجرائه على الموصوف إذ الواصف يعظمه. ولا يبعد أن يظهر ذلك بما هو عظيم عند من يظهر له، وهو المحمود بأيه يفهم منه فى الجملة الكمال وقصد التعظيم. ومن هنا تحقق أن المحمود عليه يجب أن يكون جميلا فى اعتقاد الحامد. وإنما قلت على الجميل يشمل ما هو فعل الفاعل وما ليسه.. وقال الفخر والسعد والدوانى: الفعل الجميل يعنى أن فعلا صادرا عن المحمود، كما صرح به الفخر فقال: لا يحمد إلا الفاعل المختار على ما صدر عنه بالاختيار، فلا يكفى أن يكون للمحمود دخل فى صدوره عن الغير على وجه الفاعلية، لأن التعظيم حينئذ من جهة تعلق الفعل به لا من جهة كونه فعلا، فيضيع اشتراط كونه فعلا. فإن قلت من الجائز أن يكون للذات اختيار فى حصول صفة، ولا يكون فاعلا لها، فلا يلزم من التقييد بالاختيار أن يكون المحمود فاعلا، قلت هذا لو جاز عقلا لكن النقل يخالفه. وأما الجواب بأن المراد أنه يلزم أن يكون فعلا، وإن لم يكن ذلك محمودا عليه، وذلك لازم من التقييد فهو بعيد عن التحقيق، لأن المحمود عليه يجب أن يكون فعلا للمحمود. فان قلت: كثيراً ما يحمد على العلم والكرم والأخلاق العلية النفسانية. قلت: المدح يجوز على صفات الذات كالعلم وصفات الفعل كالعطاء. والحمد لا يجوز إلا على صفات الفعل كالخلق والرزق، ولكن ظاهر تحقيقات المتأخرين: أن المراد الفعل عرفا، والعرف يعد ذلك أفعالا، تقول: علمت وحلمت، كما يقال: أكرمت وأعطيت، وهو كلام النحاة. وقد صرح السيد الشريف وغيره، بكون الكيفيات النفسانية تعد أفعالا، فالحمد حقيقة على الإنعام لا النعمة، إذا النعمة ليست فعلا حقيقة ولا فعلا بالعرف. ولذا قال التفتازانى: النعمة بمعنى الإنعام، ولكن قوله فى المطول: الحمد على الإنعام أمكن من الحمد على النعمة، يدل على جواز الحمد على النعمة، وهى غير فعل لا تحقيقا ولا عرفا. فلعله أراد جواز الحمد عليها من حيث تعلقها بالمحمود بالصدور عنه لا لذاتها. فيرجع ذلك إلى الحمد على الإنعام والحمد على الإنعام لذاته فكان أمكن. فلا شبهة لعاقل فى أن المحمود عليه يجب أن يكون أمرا فى المحمود، فإن الأمر الأجنبى عن شخص لا يكون سببا لثناء ذلك الشخص وتعظيمه، وإلا كان ممكنا أن يحمد زيد على ما لم يتعلق به من فعل بكر وغيره. وقولى: على جهة التعظيم، معناه على جهة التعظيم ظاهرا وباطنا، فيندفع ما قد يقال: الكون على جهة التعظيم لا يقتضى حتما أن يكون التعظيم موجودا، لأن الأعم لا يستلزم الصدق بأخص المعين. وتعلم من إطلاقى أنه لا يلزم أن يكون الحمد فى مقابلة إحسان إلى الحامد، وخرج بذكر التعظيم الثناء على الجميل استهزاء أو تقريعا على زعم الموصوف، نحو:{أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم}تفسير : وتمليحا أن إتيانا بالشئ المليح للإضحاك أو غيره، أو إخبارا بالواقع. هكذا يقال فى مثل ذلك التعريف، وقد يقال: لا حاجة فى خروج الاستهزاء والتقريع إلى ذكر التعظيم، لخروجه بقولهم على الجميل، لأن المحمود عليه. فإن المعنى أن الجميل الاختيارى باعث على الثناء وسبب فيه. ولا يكون الجميل الاختيارى باعثا على الثناء وسببا فيه، إلا على جهة التعظيم. ولا يتصور ثناء متسبب من جميل اختيارى حقيقة على وجه الاستهزاء أو التقريع، إلا أن يقال: قولهم على الجميل يشمل ما كان لأجله، بحسب ما يدل عليه اللفظ أو السياق، وإن لم يكن بحسب الحقيقية. وقد يقال: يتصور ذلك كما فى إعطاء شئ حقير وإن قلت المستهزئ لم يرد الوصف بالجميل بل بنقيضه، قلت: إن إريد الجميل حينئذ مستعمل فى غير ما وضع له تجوزا. فهو ممنوع، فإن القائل بمنزلة من يعلم كذب كلامه، وإلا فقد وجب قيد آخر على أنه لا يجرى فى التقريع. والإيضاح مقصود فى التعريف والتعظيم قسمان: ظاهر وباطن، فالظاهر يشعر به اللفظ على أن يكون فى قوله أو فعله مد يدل على التحقير والهزء، والباطن مطابقة الاعتقاد، فإن كان ما يدل على ذلك أو لم يطابق الاعتقاد اللفظ لم يكن حمدا، وكذا إذا قصد مجرد الإخبار، وقد يبحث فيه بأنه لا يعد فى أن يكون الدلالة على التعظيم كافية فإن الوصف الحسن إذا لم يقترن بالمخالف يعد حسنا عرفا، ولا يعد الواصف مستهزئاً غير أنه قد صرح الثقات: كأبى سليمان داود رحمه الله باشتراط التعظيم، وإن قلت اشتراط كون المحمود عليه جميلا دال على اشتراط قصد التعظيم إذا الجميل لا يكون سببا لغيره. قلت: إن سلمنا ذلك فليكن ذكره للإيضاح وبيان الواقع، فإن المأتى به فى الحدود لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما الإدخال، وإما الإخراج، وإما بيان الواقع. وليس ذكر الشئ فى التعريف لبيان الواقع حشوا، مع أنا لا نسلم ما قلت وإنما الظاهر أنه لا يكون سببا للاستهزاء والتحقير، وإن نوقش فيه أيضا كما فى إعطاء شئ حقير. وإما أن يستلزم قصد التعظيم فلا لجواز قصد الإخبار أو التخييل أو التصوير أو الحكاية، أو رعاية خاطر الموصوف، أو غيره من المقاصد الحسنة سوى التعظيم. فلم يظهر قول كثيرين أن تقييد المحمود عليه بالجميل يغنى عن ذكر التعظيم، وأن بعضا حذفه لذلك، إلا أن يريدوا أنه يشعر به إشعارا لا يكتفى به فى التعاريف، وكأنهم ظنوا أن ذكر التعظيم لمجرد الاحتراز عن الهزء، وهو لا يصح، فالحذف إنما هو للاعتماد على الشهرة، مع ذلك الإشعار، ولا يخفى أن مدار استحسان الوصف على التعظيم ودلالته عليه، فلم نجعل مجرد الدلالة على التعظيم بدون قصده معتبرا، وإنما نعتبر ما يتحقق معه التعظيم الباطن، وهو مدلول اللفظ، وما عداه ملحق بالهزء فى عدم الاعتداد، وعدم العد من الحمد، وإن لم يكن هزءاً حقيقة ولا عرفا، وإن قلت فإن قصد التعظيم بالقصد مع أن الإثناء بما لا يعتقده المعظم المثنى فهل يكون ذلك حمداً، قلت: هو حمد عند الجمهور، وذلك كالقصائد المشتملة على وصف الممدوح بما يعلم انتفاؤه. وإن قلت لا نسلم أن الوصف عند مخالفة الاعتقاد لما يدل عليه اللفظ من التعظيم، أو عند مخالفة الجوارح استهزاء، بل الاستهزاء فعل الأركان، إلا إذا علم أن الواصف قصد بفعل الأركان صرفه عن التعظيم، إلا إذا لم يعلم ذلك، ولا سيما إذا كان فعل الأركان لمصلحة فلا يتم الإطباق. قلت: لا شك أن بيان الكمال دال على التعظيم، والعظمة والتعظيم وبيان العظمة أمران مستحسنان فاستحسنوهما، ولو علم أنه لم يرد بوصفه وبيانه تعظيمه، بل أراد تحقيره، لصار مذموماً وعد هزءا، وكذا ما لم يعرف وإن كان فى نفس الأمر كذلك، لأنه لم يكن فى الحقيقة حسناً، فإذا خلا الوصف عن موانع التعظيم، حمل على ظاهره وعد حسنا. وإذا اقترن بما ينافى التعظيم فحينئذ جاز عقلا أن يعد كل من الوصف والفعل بما يقتضيه. فيعد الوصف حمداً وتعظيماً والفعل تحقيرا وهزءا، لأنهم لم يعتبروا ذلك الوصف وعدوه أيضا هزءا، لأن اللفظ قد يكون للهزء والتحقير، فهو ذا محلين فحيث وجدت قرينة صارفة للفعل على المحل الآخر جمعاً بين مدلولى القول والفعل، ولم يعكس لأن الفعل المذكور لا يحتلم التعظيم، وكونه لمصلحة غير التحقير بعيد عن الفهم، فكذا لا يتبادر إلى الفهم إلا التحقير، وإذا لم يتبادر منه إلا ذلك فكأنه نص فى التحقير، فحمد المحتمل على ما هو كالمقطوع به، على أنه يكفى فى ترجيح مدلول الفعل على القول أن هذا الفعل لا يكون للتعظيم قطعا ويتبادر منه التحقير، وهذا اللفظ كثيرا ما يكون للهزء لا للتعظيم، ولم يحمل كل منهما على مدلوله، لأن التعظيم والتحقير من شخص واحد فى آن واحد لا يجتمعان، ولو اجتمعا فى التعظيم فى غاية الضعف، فلم يعتبرا ولأن الهزء والتحقير فى القبح والذم إثم، وأشد من الحمد والتعظيم فى الحسن والقبول والكمال، ولذا ترى أن أدنى ما يوهم الهزء يترتب عليه الذم والنكال. وقد لا يترتب على الحمد والذم الصريحين ما يناسبهما. ولما كان كذلك أسقطت الدلالة على الهزء وذلك الحسن الضعيف الذى فى مجرد الوصف عن درجة الاعتبار. والحاصل أن قولهم: إذا اقترن الوصف بالجميل لمخالفة الجوارح صار استهزاء معناه: أنه صار ذلك عندهم وفى اعتبارهم، فإن العرب وأهل اللغة يعدون ذلك الوصف مستهزءا محقرا، لا حامدا معظماً تغليبا لجانب الهزء ولما مر فلا بد من قصد التعظيم. قال السيد: وإنما اشترط كون الوصف على جهة التعظيم ظاهرا وباطنا، لأنه عرى عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح لم يكن حمداً حقيقة بل استهزاء وسخرية، والظاهر أن المراد بالمطابقة أن يعتقد الواصف اتصاف المحمود بالمحمودية، فيطابق اعتقاد ما يفهم من الوصف من اتصافه به، سواء كان إنشاء أو خبرا أو نعتا نحويا، ويؤيد ذلك قول بعض المتقدمين: لو لم يطابق لكان كذبا واستهزاء على ما قررناه ولا يرد أن مطابقة الاعتقاد والكذب لا يصح ولا يحتمل إذا لم يكن الوصف على وجه الإخبار وذلك لما مر من أنه يفهم منه على التقادير أن المحمود متصف بالجميل المذكور، ويتجه على ما مر عن السيد وغيره أمران: الأول: أن السلاطين وغيرهم كثيرا ما يحمدون ويوصفون بأوصاف بعلم قطعا عدم اتصافهم بها فى الواقع، بل فى زعم الواصف، وقد أراد بها تعظيمهم، وهم يقبلون ذلك ويجزونهم جميلا، ولا توهموا فيها أدنى شائبة هزء لعاقبوه أشد العقاب، فلا يكون استهزاء ولا معدودا منه عرفا. فما مر عن السيد من أنه لو لم يطابق فهو استهزاء يقدح فيه سواء أراد الهزء حقيقة أو عرفا بل اشتراط تلك المطابقة فى حيز المنع كما سيجئ تفصيله، وإنه يستلزم خروج تلك الأوصاف مع قصد التعظيم: وأجيب بجوابين الأول أن الواصف يعتقد اتصاف المحمود بما ذكر ويرده أن مما يوصف به المحمود ما يعلم كل عاقل أن اتصاف المحمود به ممتنع أو غير واقع فكيف يعتقده فحول الشعراء والأذكياء وذلك كما يقال زيد فرسه من الفلك وهو أظهر من الشمس. الثانى: أن الواصف يريد معانى مجازية واعتقد اتصاف الموصوف بها ورد الدوانى الجوابين بأن الأول خلاف البديهة والثانى خلاف الواقع، واعترض بمصدر الأفاضل بأن الأول لو كان خلاف البديهة لم تقصد العقلاء إفادته فلم يكن اللفظ فى معناه الحقيقى مستعملا. والثانى لو كان خلاف الواقع لم يكن اللفظ مستعملا فى معناه المجازى فيلزم ألا يكون اللفظ حقيقة ولا مجازا، ثم إنه يبحث بأن حاصل الرد الأول إنما ذكره من اعتقد الاتصاف بديهى البطلان، إذ يعلم كل عاقل أن عاقلا لا يعتقد اتصاف أحد بما تذكر الواصفون المبالغون، بل هم معترفون به عند السؤال فمقتضى الجواب فاسد قطعاً، فحينئذ لا يتجه ما ذكر إذ لا يلزم من عدم الاعتقاد عدم الإفادة، كما أن المتكلم قد يعتقد أن الخبر كاذب، وهو يعيده ويذكره، وكأنه حمل التضعيف على أن مضمون الوصف خلاف البديهة، فلا يحمل حال العقلاء على اعتقاده فأورد عليه ما ذكره، ثم إنه لو سلم أن المراد ذلك فالملازمة التى ذكرها بقوله: لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ممنوعة بل فاسدة، ألا ترى أن المخيلات الشعرية مع أن أحسنها أكذبها مستحسنة مقصودة بالإفادة عند البلغاء؟ ومضمونها الحقيقى ربما يكون خلاف البديهة؟ فمن الجائز أن يكتفوا بالقصائد والأثنية يمثل ذلك أى الوصف الحسن على سبيل التخييل أو ادعاء المبالغة، وتحقيق ذلك المقام أن اللفظ قد يقصد به إفادة الحكم أى الوقوع أو لا وقوع اعتقادا. وقد يقصد به تخييل المعنى وتصويره. ومنه المجاز العقلى، وبعض الاستعارات عند الجمهور، فلا يكون كذبا لأنه إنما يريد به التصوير لا الحكم، ومنه الأخبار الواقعة فى الأشعار، لما علم عرفا انه لم يقصد بها إيقاع السامع فى الغلط. وإفادة التصديق بأن الأمر كما ذكره فى نفس الأمر، بل أريد بها تخييل ذلك وترتيبه على الوجه المقرر بينهم. فهى ليست بكذب مذموم فى العرف، بل مستحسنة مقبولة، لما اعتبر فيها من جهة حسن النظم والتخييل واللفظ مستعمل فى الموضوع له لتخييله. وإذا كان ذلك جائزا بل واقعاً على ما صرحوا به فى المجاز العقلى، فليجز أن يكون المقصود بأوصاف السلاطين. والمحبوب فى القصائد ويغرها كما فى سائر الأشعار، إفادة المعانى الوضعية منها لأجل التخييل والتعظيم، وإن كان تحققها فى نفس الأمر بديهى البطلان، وجرى العرف على ذلك واستحسنها وقد علم أنها أريد بذلك التعظيم والوصف الحسن صارت مطبوعة مقبولة، وجوزيت بالجميل، وقوبلت بالجزيل، فظهر أنه لا يلزم من بداهة عدم تحقق الحكم أو الوصف ألا يقصدها العقلاء أصلا. وإن أراد أنه لا يقصد حينئذ إفادتها على وجه الحكم والتصديق فمسلم. ولكن لا يلزم منه ألا يكون اللفظ مستعملا فى معناه الحقيقى، وإن قلت الكلام موضوع لإفادة الحكم فلو لم يرد به ذلك لم يكن مستعملا فى المعنى الحقيقى. قلت: إفادة الحكم أعم من أن تكون لأجل التخييل أو الاعتقاد والإيقاع والانتزاع، على أنه لا يجرى في الإنشاء والأوصاف، وإن علم، فمن الجائز أن يكتفى فى الحامد فى السلاطين بادعاء الأمر والمبالغة فيكون حقيقة، وإن كان المعنى بديهى البطلان. وأما الجواب عن احتمال كونها مجازات، فتوضيحه أنه خلاف الواقع والمعلوم بالتتبع، فإنا لو تصفحنا عن القائلين، علمنا أنهم لم يقصدوا معنى مجازيا صحيحا بحسب ما اعترفوا به، ولأنهم ربما يذكرون أمورا لم يقدروا على أن يحصلوا لها معانى صحيحة يفهمونها بعد التأمل والتدبر، فضلا عن أن يقصد من اللفظ ذلك بادئ الرأى عند التكلم، وإذا كان الجواب خلاف الواقع والتحقيق، فلا ينبغى أن يعتمد عليه، وإن كان محتملا عند العقل على أنه يبقى الكلام حينئذ فيما إذا لم يقصد به معنى مجازى صحيح. بل أرادوا الادعاء والتخييل، فيلزم خروجه عن الحمد، وأن يكون استهزاء وفيه ما فيه، ثم مدائح السلاطين إن وردت على وجه النقص والاعتراض، فيمكن أن يدفع بأنا لا نسلم أنها جمل، وإن كانت أثنية مقبولة كالوصف على غير الاختيارى. ولعل معنى قول السيد وغيره: لو لم يطابق الاعتقاد كان استهزاء أنه لما شابه الاستهزاء فى عدم الاعتقاد وقصد إفادته أخرج عن الحمد كالاستهزاء فى كثير من المواضع أو الأكثر لم يتعبروا فى الحمد إلا الوجه الكامل. وإن وردت سندا لمنع الاشتراط أو لأجل تحقيق المقام، وأنه لا دليل على خروجها من الحمد، مع أنها من مستحسن مقبول، متضمن للتعظيم فى العرف الخاص والعام، غير معدود من الاستهزاء عرفا وعقلا، فهو كلام قوى مقبول، إن لم يضعفه نقل صريح صحيح. الأمر الثانى: أنه اعتقد الواصف اتصاف المحمود، ولكن لم يقصد بالكلام تعظيمه، بل محض الإخبار أو الحكاية أو نحوها فليس بحمد. وإن سلم ذلك فلا شك فى أنه مع ذلك الاعتقاد يجوز أن يقصد بالكلام الهزء، عنادا ومكابرة، كما كان لبعض الكفرة الفجرة، وذلك الكلام ليس بحمد قطعاً، فلا يكفى فى الحمد والتعظيم الباطنى المعتبر فيه مجرد ما ذكر من مطابقة الاعتقاد، بل لا بد من اعتبار أمر آخر هو قصد التعظيم. اللهم إلا أن يقال عدم قصد الهزء، فهم من باعثيه الجميل كما مر، وذلك مع استلزام لاكتفاء بالدلالة الالتزامية فى التعريف. وألا يكون قيد التعظيم الباطنى لإخراج الاستهزاء. والله أعلم. وذكر السيد وغيره: أن اللازم فى الحمد قصد التعظيم بالوصف لا الاعتقاد، فلو أريد بالثناء تعظيم الموصوف بشرطه، صار حمدا وإن لم يعتقد أنه موصوف بما يذكر ولا يعد فيه كما توهم. ويبحث فى اشتراط التعظيم بعض من حشى على (المختصر للسعد) بأن التعريف إن كان للحمد اللغوى، فالتعظيم الظاهرى غير معتبر فيه، فضلا عن قصد التعظيم، ألا ترى أن الحمد فى كتب اللغة الفارسية إنما فسروه بستودون وإن كان للحمد العرفى فكذلك أيضا لأن مدح الأكابر يعد حمداً عرفا وإن لم يكن للحامد تعظيما إلا أن صدر منه تحقير لم يعد حمدا. ويرده أن الثقات نقلوا أنه لا يصح الحمد إلا بتعظيم، فكأنهم نقلوه عن اللغويين، فقوله: لم يعتبر فيه التعظيم لا يقبل، لأنه شهادة نفى، وقد علم أن شهادة الإثبات ولا سيما من المحققين. مقدمة على شهادة النفى، مع أنه لا ينبغى أن يصدر ذلك النفى إلا بعد الاستقراء التام لنصوصهم، وأما منع صحة وطلب تصحيح النقل منهم، فله وجه مقبول عن أرباب النقول وأصحاب العقول. أما ترى الفقهاء والمحدثين والنحاة وغيرهم، إذا نقل جلهم وجليل منهم عن إمام، فلا اعتبار عندهم لمنع عدم صحة النقل وطلب التصحيح؟ ولو فتح ذلك الباب لم يبق اعتماد على ما فى الكتب، ولم يصح التعويل عليهم، ولا ينبغى التعرض لذلك إلا لموجب يعارض المنقول، وإلا فلا يفيده فائدة، وأما الإسناد لما فى بعض الكتب الفارسية بل العربية، فلا تأييد فيه على وجه يعتد به. لأنه إن سلم أنه أعم فثبوت الأعم لا ينافى ثبوت الأخص، لجواز الاشتراك والنقل والتعريف بالأعم، ومن تتبع كتب اللغة علم أن كلا من هذه الأقسام فى غاية الشيوع، ولا يكاد يوجد كتاب يستوعب معانى الألفاظ، ولهذا لو فسر ثقة لفظاً بغير ما فسر به آخر لجمع بينهما بأحد الأمور الثلاثة، ولا يحكم بالفساد فهؤلاء العلماء الأعلام، لم يكونوا فى مرتبة واحدة من مصنفى كتب اللغة، على أن شأن كتب اللغة الإجمال والتعبير بلفظ أشهر بالحد والرسم، فمن أين لا يعتبر فى ستودون فى أصل الوضع أو فى عرف التعظيم ومجرد الاحتمال لا يعبأ به فى القدح فى التعاريف كما حقق فى محله، مع أن بعض العلماء استدل بذلك التفصيل عن قصد التعظيم، وهو دليل على أنه يفهم منه التعظيم ولو فى عرف، ثم إنه إن سلم التنافى بين النقلين، فحمل القصور على مصنف أو مصنفين فى اللغة أخرى من جمل الخطأ على العلماء المحققين المشهورين. ومما ذكرنا علم أن حال ما ذكره فى العرف، وانتقاده بحمد السلاطين، لا قوة له أصلا، فإن الغالب أنهم يريدون به تعظيمهم، فمن أين علم بهم لا يقصدون التعظيم الباطنى ولا الظاهرى، بمعنى عدم مخالفة الجوارح. مع أنه اعترف بأنه إذا صدر منه التحقير لم يعد حمداً، فيلزم اشتراط التعظيم الظاهرى بالمعنى المراد فى المقام. والله أعلم. وخرج بالثناء الحمد النفسى، وهو اعتقادك أن المحمود متصف بصفات الكمال، وخرج به أيضاً الذكر بغير الجميل، بناء على الصحيح من أن الثناء الذكر باللسان بالجميل لا غير، واستعماله فى غير اللسان وفى غير الجميل مجاز، ولذلك لم أذكر قولك باللسان ولا قولك بالجميل، وأما قولنا على الجميل فلا يغنى عنه لفظ الثناء، لأن الثناء إنما يغنى عن الجميل المحمود به لا الجميل المحمود عليه. وقال الجوهرى: الثناء حقيقة فى الخير والشر، وعليه فلا بد من ذكر قولك بالجميل، إلا أن يقال ذكر قولك على الجميل يغنى عنه، لأن الذكر على الجميل لا يتصور إلا بالجميل فى العادة الجارية فى لغة العرب وغيرهم. وإن قلت فما بال بعضهم يذكر قولك باللسان؟ قلت: يذكره بناء على أن الثناء قد يكون بغير اللسان كالاعتقاد، وقد تكلمت عليه فى حاشية أبى مسألة أو بيانا للواقع والحد، ولو كان يصان عن الحشو والتطويل، وما كان لبيان الواقع ليس حشوا وتطويلا، وإنما الحشو والتطويل ما جئ به للإدخال ولا للإخراج ولا لبيان الواقع، لكن يجب فى المأتى به لبيان الواقع فى الحد أن يكون له نوع تعلق بنفس الحد، كما فى ذكر قولك باللسان ولا سيما أنه قد قيل إن الثناء يكون أيضاً بغير اللسان، فيدفع بذكر اللسان، ثم إن القيود لا يجب أن يقصد بها الإخراج، بل القصد الأصلى بها شرح الحقيقة، إذا كانت تلك القيود من أجزاء الحقيقة، وأما ما كان من عوارضها كما هنا، فإن المقصود بها الانتقال منها إلى الحقيقة وإذا كفى بالبعض فى الانتقال إليها، كان الباقى زائداً وإن لم يكن لبيان الواقع وإيضاحه. ويجوز أيضا أن يكون ذكر باللسان دفعاً لتوهم الجمع بين الحقيقة والمجاز عند مجيزه كالشافعى، فإن إطلاق الثناء على غير اللسان مجاز على القول بأنه حقيقة فى اللسان. ووجه من منع الجمع بينهما أنه يكون جمعاً بين المتنافيين، حيث أريد باللفظ الموضوع له وغير الموضوع له، ويجاب بأنه لا منافاة فى ذلك. وإن قلت: توهم الجمع المذكور غير ممكن، فلا يجوز عنه لأنه إذا أريد المجاز مع الحقيقة فلا بد من قرينة للمجاز. قلت: قد تكون القر ينة خفية أو حالية، لم يطلع عليها المخاطب أو غيره، وأيضا عدم القرينة يوجب عدم الإرادة، لا عدم احتمال الإرادة وصلاحيتها. وخرج بالاختيارى المدح، فإن المدح يعم الثناء الذى على الجميل الاختيارى وغير الاختيارى، فالثناء عل الجميل الاختيارى كما يسمى حمداً يسمى مدحا، والذى على غير الاختيارى لا يسمى حمداً، بل مدحا، فيمتنع أن تقول حمدت اللؤلؤة على حسنها، وحمدت زيدا على رشاقة قده، إذا أردت الحمد على الحسن والرشاقة، لأنهما غير اختياريين. ويجوز مدحهما على ذلك. وقال بعض: المدح مرادف للحمد فلا يقال إلا على الاختيارى، وإن قولك مدحت اللؤلؤة على حسنها لم تتكلم به العرب. ومدحت زيدا على رشاقة قده باطل غير صواب. فان صح عن العرب فانما يكون مدحا بسبب أنه يدل على فعل اختيارى، كما يقال حسن الصورة يدل على حسن السيرة، لا من حيث كونه رشيق القد. وهذا القول ظاهر قول علمائنا - رحمهم الله - لو صح مذهب المجبرة لبطل المدح والذم والثواب والعقاب. وعلى هذا فذكر الاختيارى البيان الماهية لا للاحتراز عن المدح، لأنه مراد دخوله. وقيل: إن الاختيارى لا يشترط فى الحمد ولا فى المدح، بدليل قوله تعالى:{أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}تفسير : وفى الحديث المأثور عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : وابعثه المقام المحمود"تفسير : وقول الشاعر: شعر : أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب تفسير : وقول الآخر: شعر : والصبر يحمد فى المواطن كلها تفسير : وقيل: الجود فى ذلك بمعنى الرضا، فإنه يأتى فى اللغة كذلك، وإن قلت: الحمد فى ذلك إنما هو على الوصف المجازى وصفا له بوصف صاحبه، كالكتاب الكريم، والأسلوب الحكيم، قلت: ذلك صرف عن الظاهر، بل لفظ الكريم يطلق لغة على كل حسن فى صنعه، حتى الشجاعة، تقول: زيد كريم فى الحرب والعلم، تريد أنه شجاع. علامة على أن من يقول: يكون الجميل مأخوذا فى الحمد، إنما ينزل بكونه مأخوذا فيه بحسب العقل. ولا فرق فى ذلك بين الحمد والمدح. وإن قلت: قد اعتبر فى الحمد فعل الجنان والجوارح فينا فى ما مر من اعتبار كونه باللسان، وما تقرر من كون مورده اللسان، قلت: ما تقدم من تناول الظاهر والباطن، ومن أنه إذا تجرد الثناء على الجميل عن مطابقة الاعتقاد، أو خالفه أفعال الجوارح لم يكن حمدا بل استهزاء أو تمليحا، لا يستلزم دخول الجوارح والجنان فى التعريف، لأنهما اعتبرا فيه شرطا، وهو خارج عن الماهية لا شطراً وهو داخل فيها وأيضا لنا جواب آخر سلمنا أنه جزء الحمد لاعتباره جزءا من المعرفة، فتعريفه يتوقف عليه وإن لم يكن جزءا من حقيقته، وهذا كما فى تعريف العمى بأنه عدم البصر عما من شأنه البصر، فقد وقع البصر جزءا من مفهوم العمى لاعتباره جزءا من معرفة، إذ العمى ليس العدم مطلقا، ولا بد من البصر فى تعريفه، وإن لم يكن جزءا من حقيقة العمى وذاته، وكما فى تعريف الضحاك بأنه ذات له الضحك. فان الضحك قد وقع جزءا من المفهوم، مع أنه ليس جزءا من حقيقة الضاحك وذاته، وهو الحيوان الناطق. وحاصل الجوابين أنه إذا كان شرطاً للحقيقة خارجاً عنها فهو جزء من المفهوم. قال السيد: المضاف إذا أخذ من حيث إنه مضاف، كانت الإضافة داخلة فيه، والمضاف إليه خارجا عنه، وإذا أخذ من حيث ذاته كانت الإضافة خارجة عنه أيضا. ومفهوم العمى هو العدم المضاف إلى البصر، من حيث هو مضاف، فتكون الإضافة إلى البصر داخلة فى مفهوم العمى، ويكون البصر خارجا عنه. والله أعلم. ثم إن المحمود به يكون اختياريا وغير اختيارى، بخلاف المحمود عليه فإنه يكون اختياريا على ما مر وتقدم الكلام على الحمد على صفات الذات، وتفسير الاختيار فى حقها. وذكر زكريا والشنوانى أن صفات الذات واردة على من اشترط الاختيار فإنها غير اختيارية، أما ما تتوقف الإرادة عليه كالعلم والحياة فظاهر، وأما ما لا تتوقف عليه فلأن المسبوق الإرادة حادث، والحادث لا يقوم بذاته، والصفات السلبية كعدم الشريك، يمتنع أن تكون حاصلة بالإرادة والاختيار، فيلزم ألا يكون الثناء على صفات الذات حمدا مع أنه حمد، وأجيب بأنا لا نسلم ثبوت الحمد عليها، وإنما الثابت الحمد بها. ورد بأن الثعلبى وغيره صرحوا بثبوت الحمد عليها. والأظهر أنه يجوز أن يعظم الله ويثنى عليه ثناء على الذاتيات، ولا جهة لإخراجه من الحمد بحسب ولا نص بحسب النقل فلعله ليس حمدا لغة، فيكون حمده منحصرا فى صفات الأفعال، ولا مانع عقلا من الحمد على الصفة الذاتية. ويرده أن المنع إنما أخذوه من منع حمد اللؤلؤة ونحوها، وليس منصوصا عليه مع أن بين اللؤلؤة وبين ذات الله تعالى فى الصفات، ولو كان ممنوعاً لزم ألا يكون ثناء الله بإزاء الذات الكاملة، مع قطع النظر عن الصفات حمداً وهو بعيد، فإنه كما يجوز أن تعبد الله - جل وعلا - لذاته لا لجهة يتبادر أن يجوز أن نحمده لذاته بل الحمد من جملة العبادة وهو عبادة لسانية، ويدل له قول السعد فى المطول: تعرض - يعنى القزوينى - للإنعام بعد الدلالة على استحقاق الذات، تنبيها على تحقيق الاستحقاقين. وإن قلت: لا معنى لكمال الذات إلا أنه إن له صفات كاملة قلت: لا شك أن صفات الكمال فى حد ذاتها كالعلم شريعة كاملة، بخلاف صفات النقص كالجهل لا لصفة لها. وإلا لزم التسلسل، وصفات الذات اقتضاؤها كمال الذات، وليست شيئاً زائدا على الذات حالا فيها، سبحانه عن ذلك. هذا ما عند الموفقين الإباضية الوهبية، وذكر الفخر: أن ذاته لم تحتج إلى شيء من صفاته الذاتية الموجودة وإنما اقتضاؤها كمال الذات، وتحقيقه أن كمال الصفات الكاملة دون الأخرى وإذا كنت الصفات دليلا على كمال الذات ولولا أن للذات كمالا فى ذاتها، دون الذات المتصفة بصفات النقص، لاتصفت تلك بالصفات الكاملة دون الأخرى. وإذا كانت الصفات مقتضى الذات فالأمر أجلى. فلولا أن ذاته منحث هى أكمل من غيره لما اقتضت تلك الصفات. واقتضتها الذوات الناقصة، وليس اقتضاء الكمال عين كمال الذات، وإن كان ذلك من كمالها فهو دليل على كمالها، وذكر بعض الروم - أعنى الترك - أنه اعتبر فى مفهوم الحمد مقابلة الجميل لم يستقم ما اشتهر من أنه تعالى يستحق الحمد لذاته وأجاب ذلك الرومى: بأن معنى استحقاقه لذاته استحقاقه لصفاته الذاتية، فإنها لكونها ليست غير الذات. ويبحث فى ذلك بأن الجميل إن ترك على الظاهر شمل الذات أيضا، لأنها من حيث هى فى غاية الجمال وقد نص اللغويون على أنه يطلق على الذوات، وإن أريد به الفعل الجميل أو قيد بالاختيارى، فعما تخرج منه الذات تخرج الصفات الذاتية، وإذا عمم بالحقيقة والحكم، فكما تدخل فيه الصفات تدخل فيه الذات، وإن أراد بالحكم معنى لا يشمل إلا الصفات فهو حكم لا سند له، وكلام غير مقبول ولا منقول، ويبحث أيضاً بأن معنى الاستحقاق ليس ما ذكره عند المحققين، وإنما يناسب لو لم يكن للكمال الذاتى معنى صحيح غير كمال الصفات. وأما إذا ثبت له معنى صحيح فلا جهة لما ذكره، إذ هو كما يستحق الحمد لكمال الصفات يستحق لكمال الذات. وإن قلت: ينفصل بجعل الثناء على الذات، والصفات الذاتيات غير حمد، قلت: قيل لا سند لذلك ولا دليل إلا القياس على اللؤلؤة، ورشاقة القد، وصباحة الخد، والفرق واضح. وعلى اشتراط الاختيار أجاب بعض أيضا: بأن الاختيارى يتناول الصفات الذاتية تبعا، ويبحث فيه بأن الصفات الذاتية إذا وقع الوصف عليها تبعا، هل الوصف عليها من الإفراد حقيقة أو لا، وهل يشملها لفظ الاختيارى أو لا؟. فإن قال من الإفراد حقيقة ولا يشملها لفظ الاختيارى، فالحمد عليها وارد على التعريف. وإن قال يشملها، فهو ممنوع. وإن قال ليس الوصف عليها من أفراد الحمد، فلا ورود. وقضية ذلك الجواب امتناع الحمد عليها استدلالا، وأجيب كما مر أيضا بأن الصفات الذاتية مختارة له تعالى حكما، لا بمعنى إيجاده لها، لأن المراد بالاختيارى ما يكون حاصلا بالاختيار حقيقة، أو يكون فى حكمه. وعلى هذا فكل منهما حمد حقيقة، لأن مفهومه الحقيقى يشملهما. وليس كما قيل إن الثناء على الاختيارى حكما حمد حكما. ومعنى كونه مختارة له أن ذاته اقتضت وجودها، ولا أول لذلك ولا سابق للذات عليها، ولا حلول ولا زيادة لها فى الذات - تعالى الله - بل بمعنى أن ذاته يستحيل عليه عدم تلك الصفة الموجودة، على ما هى عليه فى الواقع. ومعنى قولى فى كتبى: فى الواقع، أو فى نفس الأمر، واحد، وهو علم الله. وإن شئت ذكرته، وعنيت به اللوح المحفوظ، أو المبادىء أو ما يجده العقل لضرورة أو دليل أو نفس الشىء. وعليه اقتصر السيد إذ قال: وأما نفس الأمر فهو نفس الشىء ومعنى كون الشىء موجودا فى نفس الأمر أنه موجود فى حد ذاته ليس وجوده وتحققه وثبوته بفرض فارض أو اعتبار معتبر. وأجيب أيضا بأن الصفات الذاتية مبدأ أفعال اختيارية، بمعنى أنه يترتب عليها أفعال اختيارية، فالشىء إذا حصل منه آثار اختيارية، جعل فى حكم الاختيارى، وذكر بعضهم: أن المراد فى كلامهم بالاختيارى أن يكون منسوباً إلى من يفعل فى الحملة باختياره وإن لم يكن المحمود عليه مما حصل بالاختيارى، ويبحث فيه بأن الأمر الاختيارى بهذا المعنى غير مستعمل، ومع كونه فى كمال البعد عن الفهم لم تقم عليه قرينة تدل عليه، فلا يجوز استعماله فى التعريف. وقد علم أن المراد للفعل ولو جعل الاختيارى أعم من الحكمى، وأراد بالحكمى ما كان الموصوف مختارا فى الجملة لكان له وجه قريب، وإن كان هو أيضا بعيدا، ويبحث أيضا بأنهم اختلفوا فى أن المحمود به يجب أن يكون اختياريا أولا كما مر، ولو أريد بالاختيارى ما ذكره لم يبق للخلاف معنى أو فائدة معتد بها، فان المحمود عليه إذا كان صفة لمن له اختيار، فالمحمود به أيضا كذلك ضرورة أنهما متعلقان بشىء واحد، فمع اختياره المحمود عليه لا يمكن ان يكون المحمود به غير اختيارى بالمعنى المذكور. ويبحث أيضا بأنه إن أراد حمل كلام القوم الذين قيدوا الجميل بالاختيارى على ذلك فقد مر عن الفخر والسيد التصريح بخلافه. وإن أراد حمل كلام اللغوين وتخطئة من خالفه، فلا يخفى أن العدول فى النقليات عما ذكره الثقات المحققون بمجرد احتمال عقلى لا يعبأ به، ويبحث أيضا بأن السعد صرح فى حاشية الكشاف بأن منهم من قيد المحمود عليه بالاختيارى، لأنه يقال: مدحته على صباحه خدمة، ولا يقال حمدته، وفى تفسير القاضى تقول حمدت زيدا على كرمه، ولا تقول حمدته على حسنه، ولو كفى ما ذكره لصح المثالان فافهم. وإذا ثبت أنه صح الحمد على الصفات الذاتية لأنها مبدأ أفعال اختيارية، فالمحمود عليه اختيارى فى المآل، وأجيب أيضا بأنه تعريف بالأخص بناء على صحة التعريف به على ما صوبه السيد، إذ قال: والصواب أن المعتبر فى العرف كونه موصلا إلى تصور الشئ، إما باللكنة أو بوجه ما، سواء كان مع التصور الذى يميزه عن جميع ما عداه أو عن بعض ما عداه. انتهى. ثم إنه لا يقال: الجمع بين لام الحمد وتعريفه يستلزم تعريف المعرف واللازم باطل، فكذا الملزوم لأنا نقول: اللام تدل على تعيينه فى ذهن المتكلم والتعريف يصور ماهيته فى ذلك السامع فأيها أحدهما من الآخر. ولا يقال: بل اللام للدلالة على تعينها الحاصل فى ذهن السامع، معناه أن اللام لا يجوز إدخالها إلا على لفظ حصل معناه فى ذهن السامع، لأنا نقول على تسليم هذا لا يلزم المحذور لجواز كونه معلوما له من وجه، مجهولا من آخر، فاللام للأول والتعريف للثانى، بل ذلك فى لام العهد وهذه للجنس، ولئن سلمنا أنها للعهد لنمنعن أن إدخالها لا يجوز إلا على الحاصل فى ذهن السامع، لجواز إدخالها على المظنون حصول معناه فى ذهنه، ولا يكون ذلك الظن مطابقاً للواقع، ولئن سلمناه لنقولن لا يجوز أن يكون دخول اللام عليه لتعيين اللفظ فقط، ويكون معناه هذا اللفظ معناه ذلك الشىء، فإن قيل المراد اللام فى الحمد إما للاستغراق فالمعنى كل فرد ولا شئ من كل فرد صادق على فرد، فلا شىء من الحمد صادقا على فرد، وتعريفه صادق على فرد، فتبطل المساواة بينهما، وإما للجنس فهى لتعيين الماهية فى ذهن المتكلم، وقد ضاع لأن كل حال فيه معين او لتعيينها فى ذهن السامع، وقد حصلت فيه، فيضيع أو لم تحصل فيكون معينا فى ذهنه ما لا حصول له وهو محال، لا يقال لم لا يجوز أن يكون هو المحصل والمعين وهو محال؟ لأنا نقول ما لم يحصل فى ذهن السامع لو أدخل فى لفظ أل لم يحصل وهو بين، ولأنه يبطل تعريفه إذا لصدقه على غير المعرف، لأن كل فرد مغاير للجنس من حيث هو، وإما للعهد فهو للإشارة إلى فرد ذهنى أو خارجى، ولا يجوز أن يكون المراد من الحمد الفرد وإن ذهبت إلى أن المعهود نفس الماهية، يرجعك ما ذكرناه آنفاً قهقرا، فالجواب أنها للجنس، ونقول لام الجنس دال على تعيين الماهية الحاصلة فى ذهن المتكلم مطابقة، والثناء على الماهية والثناء إن دل على ذلك دل بالالتزام، ونقول صدق التعريف على غير المعرف، إنما يضر لو لم يصدق على ذلك الغير وهو ممنوع، لأنه تعريف للماهية لا بشرط شئ إلا للماهية بشرط لا شىء، فلا يرد ما ذكرنا من أنه بطل تعريفه لصدقه على غير المعرف، وإن قلت الحمد مبتدأ والثناء خبر فهى قضية مهملة فى قوة الجزية، والمراد الكلية لأن المهملة حمل ثناء باللسان إلى آخره وإلا لم يكن التعريف جامعاً. قلت لا نسلم أنها مهملة فان المهملة على ما هو الحق هى التى حكم فيها على أفراد موضوعها بدون أن يتعرض لكميتها، وهى ليست كذلك فان التعريف للحقيقة لا للأفراد سلمناه، لكن لا نسلم أنها لو لم تكن كلية لم يكن التعريف جامعاً لجواز كونها طبيعية مستلزمة للكلية، فان قيل الحمد محكوم عليه، والثناء باللسان محكوم به، فلا شئ من الحمد بثناء باللسان آخره وهذا باطل، فالجواب: أن مغايرة الشىء للشىء باعتبار ما، ووضع ما غير مناف لكونه إياه من حيث الحقيقة، فإن الحيوان الناطق يغاير الإنسان من حيث الإجمال والتفصيل، وليس غيره من حيث الحقيقة. وقولك الإنسان حيوان ناطق لا يقتضى مغايرة الثانى للأول من حيث الحقيقة مع تغايرهما من حيث الوضع والحمل. والله أعلم. والمدح لغة الثناء على الجميل اختياريا أو غير اختيارى على جهة التعظيم، وعرفاً ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، والشكر لغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما على الشكر وغيره سواء باللسان أم بالجنان أم بالأركان، وذلك هو الحمد عرفاً، وقيل هما مقابلة النعمة قولا أو عملا أو اعتقادا، والشكر عرفاً صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من سمع وبصر، إلى ما خلق لأجله، وقد أطلت الكلام على ذلك فى حاشية أبى مسألة، وذكرت بحثا فى استدلالهم أو تمثيلهم بقوله: شعر : أفادتكم النعماء منى ثلاثة يدى ولسانى والضمير المحجبا تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحمد رأس الشكر"تفسير : يعنى الحمد اللفظى، لأن حقيقة الشكر إشاعة النعمة وإظهارها، وفى إشاعتها وإظهارها دعاء إلى المشكور وجلب إليه، فيعرف ويذعن لأحكامه وهو المقصود، فمن لم يثن بلسانه فليس بشاكر شكراً حقيقيا، ولو أتى بالعمل والاعتقاد، وذلك أن الحمد أظهر إشاعة للنعمة وأدل على مكانها، لخفاء الاعتقاد واحتمال إتعاب الجوارج أن يكون شكرا وأن يكون حظا من حظوظ النفس أو غير ذلك. والحمد مبتدأ والله متعلق بمحذوف خبر لا بالحمد، والأصل نصب الحمد على المفعولية المطلقة واللفظ بعده معمول له، أو للفعل الناصب المحذوف، وقد قرئ بالنصب على ذلك فى غير السبع، بل فى غير العشر، أى أحمد لله الحمد، أو حمدت لله الحمد، حذف العامل وأخر لله واللام فيه للتبيين، وإنما أخر بعد أن أصله التقديم، لأنه لما حذف العامل قام الحمد مقامه، فكأنه العامل فى الله فأخر عنه، بل قال بعض: إنه محمول للحمد واللام للتقوية، وإنما قدرنا الفعل لأن المصدر نسبة تتعلق بمحل، والأصل فى بيان النسب والتعلقات الأفعال، وإنما عدل عن النصب إلى الرفع فى قراءة الجمهور ليدل بالجملة الاسمية على الثبوت، بخلاف الفعلية فإنها للتجدد والحدوث، وأما عموم الحمد أو عهده أو حقيقته فتفيده أل، سواء فى المبتدأ وفى المفعول المطلق، ولا مانع من إدخالها في المفعول المطلق كما رأيت فى قراءة النصب، وقد قيل الأصل حمدت أو أحمد حمداً لله، فحذف الفعل اكتفاء بدلالة المصدر عليه، ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت، فصار حمد لله ثم أدخلت أل لقصد الاستغراق. وظاهر كلام كثير أن الجملة الاسمية مطلقا تفيد الثبوت وليس كذلك عندى، ولو كان محتملا بتكلف كما مر، بل إذا كان الخبر فعليا متصرف الفعل، أو وصفا يدل على المضى، أو الاستقبال أو على الحدوث فى الحال لا تدل على الثبوت، وإذا كان ظرفا احتمل تقدير الفعل والوصف، وأصالة الإفراد فى الخبر لا تقاولها أصالة الفعل فى العمل عندى، فتقدير الوصف أولى، وقد عينه السعد إذا قال فى أواخر باب المسند: إن الاتصاف أن المفهوم من قولنا زيد فى الدار ثابت أو مستقر لا ثبت أو استقر، وأما الوصف الذى لا يدل على الحدوث وهو الصفة المشبهة واسم التفضيل فالجملة التى هو خبرها دالة على الثبوت. وقال السيد: اسم الفاعل إنما يدل على الثبوت دون التجدد، وأطلق، وعن السكاكى: أن زيداً فى الدار يحتمل التجدد والثبوت بحسب تقدير حصل أو حاصل، فينضم إلى الثبوت الدوام بحسب معونة المقام، وليس دال على الثبوت فى الجملة الاسمية بمعونة المقام، ثم اعلم أن الذى يدل على التجدد هو المضارع بمعونة المقام لا مطلقا ولا بنفسه استقلالا، وأما الماضى والأمر فيدلان على الحدوث، ومرادى بالثبوت هو الدوام، وأما السعد فأراد به فى كلامه المذكور وغيره، ومعنى دلالة الاسمية على الثبوت عدم دلالتها وعلى الدوام بالعقل، إذ الأصل فى كل ثابت دوامه، ويبحث فى هذه العلة بأنه يلزم دلالة الفعل على الدوام، لأنه ثابت والأصل فى الثابت الدوام، ومرادهم بالثبوت وجود الإيجاب أو السلب، وقرأ الحسن البصرى الحمد لله بكسر الدال توفيقاً بينه وبين اللام بعده، وإن شئت فقل إتباعاً بمعنى توفيقاً وتجنساً لها، وقرأ إبراهيم ابن أبى عبلة: الحمد لله بضم اللام إتباعا للدال، وهى أولى من التى قبلها لأن الإعراب أشرف فهو أحق أن يتبعه غيره، وضمة الدال إعراب فاتبعت لها حركة اللام، ولأن الدال سابقة فحق لها أن تأخذ ما لها، فإن شاء المتكلم اتبع لها بعدها ولام لله للاختصاص، وليس معنى الاختصاص الذى تفيده اللام حصرا، فان اللام ليست أداة حصر، بل معناه التعلق الخاص، هذا ما ظهر لى، ثم رأيته للدوانى والحمد لله، ومرادى هنا بالاختصاص الملك، قال ولو كان قولك المال لزيد والمفتاح للدار إلا على قصر المال والمفتاح لكان قولك ما المال إلا لزيد وما المفتاح إلا للدار مفيداً لحصر المال والمفتاح فى صفة الانحصار لا لحصر المال فى زيد والمفتاح فى الدار، ولكان قولك لله الحمد مفيداً لقصر الحمد على الاختصاص بالله عز وجل لا لقصره على الله، وقد صرح جار الله بأن تقديم الحمد فى له الحمد للحصر وهو مفيد أن الحصر لم يكن فيه بدون التقديم، وإلا لم يكون التقديم مفيداً له، وإن قلت إن قولنا ما المال إلا لزيد وإنما كان لحصر المال فى زيد أيضا، لأن حصر الشىء فى الشىء يقتضى ثبوته له، ولو وجد المال لغير زيد لم يكن للمال صفة الاختصاص فلا يصح قولكم لا لحصر المال فى زيد، قلت لا يصح هذا لأن المراد أنه لو كان معناه الاختصاص الحصرى لكان معناه المطابقى ومفهومه الصريح المبادر منه ذلك الذى ذكرناه لا الآخر، وهو فاسد قطعاً، وذلك فى غاية الصحة والظهور، ولسنا نريد أنه لا يفيد ذلك ولو التزاماً فضلا عن أن يرد علينا ذلك مع أنه كلام على السند، وقد كان ظاهر كلام الدوانى دعوى واستدلالا، فتعرض بعض للجواب بالمنع وأنت تعمل أنه يمكن أن يكون مراده منعاً فى صورة الدعوى مبالغة، فإنه طريقة معروفة بين المحققين، وما ذكره فى صورة الدليل فهو سند المنع فلا يفيد المنع ولا الإيراد على السند، فإن إبطال السند غير المساوى لا يفيد دفع المنع على ما حقق فى محله من الكتب الموضوعة فى أدب المناظرة، ثم إن هذا البعث منعاً كان أو دعوى قد يقال فيه، وإنما يتجه لو كان المراد أن اللام إنما تدل على الاختصاص الحصرى بالوضع وهو غير متعين ولا ظاهر، بل يجوز أن يكون مرادهم أن اللام وإن وضعت للتعلق الخاص لكن الاختصاص والتعلق الذى على وجه الحصر هو الكامل، فحمل عليه اللام فى مقام الثناء والمبالغة، كما صرح بعضهم من أن اللام هنا للاختصاص، بمعنى أنه لا محمود إلا هو تحقيقاً أو مبالغة، وأن أل للجنس أو الاستغراق وتفيد بمعونة لام الاختصاص اختصاص جميع المحامد به تعالى، فإن اختصاص الجنس يستلزم اختصاص الأفراد، أو المراد اتحاد الجنس مع الثابت لله تعالى فتفيد الحصر بلا معونة لام الاختصاص، كأنه قال جنس الحمد هو الثابت لله تعالى، وفيه بعد ومن وادى الوجه الذى قبله حمل الباء على الملابسة على وجه التبرك لمناسبة التبرك للمقام، وقد ذكر السيد أنه دل بلامى الجنس والملكية على الاختصاص، فتراه أخذ الاختصاص من اللام الموضوعة للملك، ولم يجعل اللام موضوعة له، وأما نحو المال لزيد والمفتاح للدار فليبحث فيه بأن اللام فيه محمولة على مجرد معناها الوضعى، غاية الأمر أنه يجوز حملها على الاختصاص الحصرى عند مساعدة المقام، ولما كان التقديم أظهر إفادة للحصر إذ لم يحتج إلى تكلف، حمل الزمخشرى اللام على الأصل، وجعل التقديم للحصر، ولا يقال لو كان المعنى حصر المحامد فلا معنى لقولهم الحمد لله على ما أنعم أو على التصنيف أو نحوه، إذ ليس جميع الأفراد أو الجنس المختص، لأنا نقول هو مختص بالمحمد المفهوم الحاصل من الحصر، كأنه قال حمدى هذا على ذلك، وأما اختصاص المحامد بالله تعالى فقد يقال إنه ادعائى وعلى سبيل المبالغة لصحة الحمد ووقوعه على أفعال الخلق من حيث كسبهم واتصافهم بها، ويكفى فيه انتسابها إليهم بالاختيار والإرادة وإن لم تكن مؤثرة، لكن جعل كالعدم فى جنب محامده تعالى، والذى كنت أقول به إن اختصاص المحامد به تعالى حقيق، لأن كل نعمة أو جميل، ولو جرى لك أو لغيرك على يد مخلوق فالله تعالى هو المجرى إياه إليك، والخالق له لك والميسر له والاختيار الحقيقى لله تعالى لقوله عز وعلا: {ما كان لهم الخيَرَة} وإن اكتفيت بالانتساب فالاختصاص ادعائى. والله أعلم. ثم إن الوصف فى مفهوم الحمد، هو الحمد وهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية وهو قسمان: الأول: ذكر يفهم منه جميل مخصوص بخصوصه أو عمومه أو إطلاقه. الثانى: ذكر يفهم منه الجميل المطلق من غير تعيين، كما إذا قيل أنت متصف بالجميل. وكل منهما إما أن يفهم منه صريحاً أو التزاماً لزوماً قطعيا أو عرفياً أو ظنيا، كما إذا قيل كثير الرماد مراد به كثير الضيف، وهل يعتبر يزوم ظاهر وأعم منه ومن الخفى غاية الخفاء، والضعيف كل ضعف أو أعم منه، ومن الوسط فيه تردد. وبهذا التعميم السابق صار قولنا: أحمد الله والحمد لله ونحوهما حمداً للدلالة على الاتصاف بالمحمودية المفهوم من ثبوت الحمد، ولما كان ذلك مجملا لم يعلم منه أن الله تعالى متصف بأى صفة من المطلق أو العام أو المخصوص، سموها دلالة إجمالية باعتبار أن المدلول مجمل، فالدلالة أعم من أن تكون إجمالية أو تفصيلية، ولك أن تقول حمد إجمالى فهو بمنزلة أنت متصف بالجميل المطلق لا يفيد الإطلاق فيساوى أحمد الله، وقد عرفت أن قولك الحمد لله وأحمد الله حمداً للدلالة على الاتصاف بالكمال، وقد يبحث بأنا لا نسلم دلالته على الاتصاف فلا يكون وصفاً بالجميل، إذ الوصف لا يدل على الاتصاف، لأنه فعل الواصف، والواصف قد يصف الشئ بما ليس متصفاً به، بخلاف الاتصاف فإنه قبول الوصف والمطاوعة بأن توجد الصفة، فقولك أنت متصف بالكمال لا يصدق إلا بوجود الصفة، فإن قولك الحمد لله أو أحمد الله إن ثبت مضمونه تلزم منه دعوى الاتصاف وذكره لا نفسه، وقولك أنت متصفاً يلزم الاتصاف من ثبوت مضمونه، وقد يجاب بأن الحمد لا بد فيه من قصد التعظيم، فكأنه قيل أعظمك ذا كمال، وهو يدل عرفاً على أن أنت متصف بالكمال، فإن الشخص لا يكذب نفسه، فكأنه قيل أنت متصف فيصدق المخاطب بمعونة الثقة بالمتكلم، فإنه إنما يصدق بمضمون أنت متصف بمعونة الثقة بالمتكلم، فإن اللفظ إنما يفيد تصوير المعنى والتصديق أمر حادث بمعونة القرائن كما صرح به أئمة الحكمة، وقد يجاب أيضاً بأن هذه العبارة تطلق عرفاً بمعنى أنه متصف، وقد يجاب أيضاً بأن قولك نصفك يدل على صدور القول الدال على الاتصاف، وذلك القول يدل على الاتصاف فيكون دالا عليه، بالواسطة فتحصل أن الدلالة ليست وضعية صرفية ولا عقلية قطعية، بل إنما يفهم من ثبوت الحمد ثبوت الجميل بمعونة الوضع ومقدمات عقلية، أو العرف فإنه إذا قيل إنه محمود، فقد فهم الوصف بالجميل الذى كان أو يكون، ويلزم من صحته ثبوت المحمودية للمحمود، وإذا فهم الوصف فهم الاتصاف لأنه دعوى الاتصاف، فثبت أن الحمد لله لفظ دال على الاتصاف فى الجملة، فيكون حمداً، وما قيل من أن الوصف إنما يدل على مطلق القول الشامل للصادق والكاذب، وذلك لا يدل على الاتصاف ليس بشئ، لأن جنس الكلام أعنى الماهية من حيث هى دال على ثبوت مضمونه فى الواقع، فإذا سمعه المخاطب فهم منه الاتصاف، وأما التصديق بمضمونه فمن القرائن بل الخبر الكاذب أيضاً دال بالوضع على ثبوت مضمونه، والكذب احتمال عقلى، وذكر الدوانى تلك الأجوبة وسمى الثانى جواباً بطى المسافة، فيحتمل أن يريد بالطى أن قولك الحمد لله بمنزلة أنت متصف، وبمعناه وحينئذ يلزم أن يكون الحمد لله مجازاً، مع أنه لا يجرى فى أحمد الله إلا بالتكلف التام، والأظهر أن المراد إن اعتقدك متصفاً مستعمل فى دعوى الاتصاف، فالطى بمعنى ترك دعوى أن الأول دال على الاتصاف، والدليل عليه متنقل إلى دعوى نقلى وهو أنه مستعمل بمعنى أنت متصف عرفا. ثم إنه لا يخفى أن ما ذكره من أن الشخص لا يكذب نفسه، إنما يجرى فى حمدت أو أحمد لا فيما إذا قيل أنت محمود أو لك الحمد مما لا يتضمن دعوى، اعتقاداً لمتكلم وحمده إياه حتى يقال إن المرء لا يكذب نفسه، فلا يكون الجواب حاسماً لمادة الشبهة، وإن أراد أن دعوى الحامد اعتقاد الكال بمنزلة دعوى كماله، فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون القائل ناقلا دعوى الاتصاف وهو لا يدل على الاتصال، فتأمل جدا وإلا فى ثبوت دعوى ظهر الاعتقاد أن الحمد إنما يتحقق إذا تحقق المحمود عليه وهو الكمال الاختيارى للمحمود، فإذا قال أحمدك أو أنت محمود فكأنه قال أنت متصف بكمال الاختيارى، وصار منشئاً للوصف، وإذا اكتفى فى المحمود عليه باعتقاد الحامد بثبوته له فقد تضمن دعوى اعتقاد ثبوت الجميل الاختيارى، والاختيارى كمال ولا يحتاج إلى دعوى أن التعظيم فرع اعتقاد الكمال، ثم قول اعتقاد العاقل ثبوت كمال الشخص بالاختيار فرع كمال فيه عرفاً أو حقيقة، أقله صلوحة لأن يعتقد فيه جميل باختياره، وهذا نوع كمال أو مستلزم لكمال مفقود فى من لم يكن صالحا لأن يعتقد فيه كمال، بأن تكون الكمالات وصلاحية اتصافه بما منفية عنه، ولك أن تقول وصف المرء بالجميل وتعظيمه واعتقاده ثبوت الجميل له أمور جميلة عرفاً بذاتها ولو فى الجملة. فإذا ادعى ثبوت جميل غير المحمود وبالجملة كون المرء محمودا أمر حسن بالنسبة إلى كونه محقرا غير معتقد فيه الكمال، فإثبات الحمد إثبات لكمالات ثلاثة، فتتم الدلالة من غير احتياج إلى كثرة دقة، ثم السؤال إنما يتوجه فى الحمد لله ونحوه إذا لم يلاحظ معنى اللامين، وأما إذا لوحظ اختصاص الجنس والإفراد أو الفرد الكامل وإلا كمل، فدلالته على الاتصاف بالكمال التام غير خفى، لأن اختصاص ذلك فرع غاية الكمال. وقيل الحمد لله وأحمد الله ونحوه حمد شرعى لا لغوى، أعنى أنه وضع للإنشاء كما وضع بعت واشتريت لإنشاء العقد، فيترتب عليه فوائد الحمد اللغوى، وإن لم يصدق التعريف عليه، وهذا على الاحتمال غير بعيد، وأما على الاعتماد والظن فلا يكونان إلا عن دليل، والذى يعلم من الشرع أنه اكتفى به فى مقام الحمد، ومنهم من قال الحمد ها هنا بمعنى المحمود به، فكأنه قيل الكمال لله، ولا يخفى أن ذلك إنما يظهر فى الجملة الاسمية، وأما إذا قيل أحمد الله فمعناه أنسب الكمال إلى الله وأصفه به فلا يفيد إلا دعوى الفصل فيرد عليه الإشكال السابق، وجعل المصدر بمعنى المحمود به ما أشفى العليل ولا أروى الغليل إلا أن يكون لإنشاء النسبة، وقيل لم يرد بذلك إلا إظهار محمودية الله وحامدية العباد ولا يلزم أن يكون حمداً وهو المراد حيث أمر به الشارع وهو منسوب إلى الشيخ عبد القاهر، ويلزم من ذلك فى نحو أحمد وتحمد أن يكون هناك حمداً جزاء ويكون فى اللفظ تجوز بعيد. والله أعلم. وجملة الحمد خبرية لفظاً إنشائية معنى، لأن الإنشاء ما قارن لفظه معناه أو تبقت الحرف الأخير منه على الخلاف فى ذلك، والقصد من هذه الجملة إنشاء الحمد، ولا شك أن المراد من الإتيان بجملة الحمد لم يكن موجوداً قبل وجودها من الحامد حتى يكون مخبراً بذلك، ولهذا اشتق له اسم الحامد، ولو كان مجرد خبر لم يشتق له من متعلق إخباره اسم، إذ من لم يقم به الوصف لا يشتق له من لفظ ذلك الواصف وإن تلفظ به فلا يقال لنم قام زيد أو زيد له القائم قائم بخلاف الناطق بجملة الحمد فإنه قام به وصف الحمد المراد من تلك الجملة، وإن كان الأصل فى القصد بالخبر إعلام المخاطب بالحكم الذى هو مضمون الخبر، وقد يقصد به إعلام المخاطب بأن المخبر عالم بذلك والأول يسمى فائدة الخبر. والثانى لازمها كما فى علم المعانى، وكل مهنهما ليس مراداً بمجرده من جملة الحمد، وظاهر كلام المصنف أنه يتعين أن تكون إنشائية، ولكن تقدم أنه يجوز أن تكون خبرية لفظاً ومعنى مع حصول الحمد بطريق اللزوم، إذ الإخبار عن الحمد بأنه مملوك أو مستحق لله يستلزم نسبة مالكية الحمد واستحقاقه إليه، وذلك جميل قطعا، فيكون الوصف به حمداً لا بطريق المطابقة ولعله مراد من دل كلامه على عدم حصول الحمد على تقدير الإخبار، وحينئذ يشكل تعليل شيخ الإسلام كون الجملة خبرية لفظا إنشائية معنى بحصول الحمد بالتكلم بها مع الإذعان لمدلولها، لأنه لا ينتج الإنشائية معنى لحصوله مع الخبرية إلا أن يريد حصول الحمد لها بنفسها، وأما ما قيل من أنه لا بد فى تحقيق الحمد من الإذعان لمدلول الجملة والإخبار لا يستلزمه فلا يتحقق حمد على تقديره، ففى الغاية السقوط لأنه إنما يأتى على أن المراد بالتعظيم الباطنى الاعتقاد، ولأنه لا وجه للفرق فى عدم استلزام المذكور بين الإخبار والإنشاء، وقد علم تحقيق الإنشاء مع عدم الادعاء، بل مع إذعان العدم، ولأن اعتبار الإذعان وعدم لزومه للإخبار لا يسوغ إطلاق منع الإخبار وعدم حصول الحمد على تقديره، بل وزانه وزان سائر المعتبرات فى الحمد كالتعظيم ظاهراً، فغاية الأمر توقف تحقق الحمد على تحققه، وبالغ بعضهم فى إنكار كون الحمد لله إنشاء لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه فى الوجود، وبحث فيه الكمال ابن الهمام بأن الحمد ثابت بلا شك والحامدون كذلك، وبأنه لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم، فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم، فلو كان الحمد إخبار معنى كما هو لفظ لم يقل لقائل الحمدلله حامد ولا انتفى الحامدون، واللازم من مقارنة معنى الإنشاء للفظة انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف، لأن الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها، نعم قد يقال يلزم كون كل مخبر منشأ حيث كان واصفاً للواقع ومظهرا له، لكن يدفع هذا بأن الحمد يؤخذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم، وهذا لس جزء ماهية الخبر، فاختلف الحقيقتان كظهر أن منشأ الغلط هو الغفلة عن اعتبار هذا القيد جزء ماهية الحمد، إذ بالغفلة عنه ظن أنه إخبار لوجود خارج يطابقه وهو الاتصاف بالجميل ولا خارج للإنشاء، وأنت علمت أن هذا خارج جزء المفهوم وهو الوصف بالجميل وتمامة وهو المركب معه من كونه على وجه ابتداء التعظيم لا خارج له بل هو ابتداء معنى لفظة علة له. والله أعلم. وتقدم أن الحمد مختص بالله ومن حصر فيه تحقيقاً أو مبالغة، لأن كل جميل فهو له ومنه، خلقاً وتمكيناً وتيسيرا، ويبحث بأن أفعال العباد ترجع إلى الله تعالى من جهة الخلق والإقدار وتحصيل الأسباب والتوفيق، ولكن ترجع إلى العبد أيضاً من جهة المباشرة والكسب بعد الإرادة سواء قيل إنه غير مؤثرة، كما هو مذهب أبى الحسن الأشعرى والزاعمين أنهم أهل السنة لو قيل مؤثرة، وهذه الجهة وإن رجعت إلى الله تعالى لأنه خلق القدرة والإرادة وتحصيل الأسباب ورفع الموانع، لأنه ترجع إلى العبد أيضاً لأنه شخص خلق الله تعالى فيه الجميل ومكنه من مباشرته بعد خلق الإرادة وبإرادته ومباشرته يمدح ويثاب ويذم ويعاقب، فيجث بالضرورة أن ترجع إلى العبد بوجه ما يخص به فيحمد باعتبار هذه الجهة، فرجوع الحمد إلى الله تعالى لا يقتضى حصر الحمد فيه. وإن قلت لو رجع الحمد إلى الله تعالى باعتبار المذكور لرجع لمصالح وحكم ومنافع لا يرعف تفصيلها إلا العليم الحكيم، وهو وإن تضمن شرا بالنسبة إلى شخص فجهات خيريته أتم أكثر فهو خبر، وإنما المذموم مباشرة المكلف له وإرادته، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : والشر ليس إليك" تفسير : أى ليست شريته من جهة راجعة إليك بالله كالخلق والأقدار. وقيل المراد حصر الاستحقاق والسؤال بحاله والأشكال على منوال، لأنه إذا رجع إلى العبد بوجه فقد استحقه بالجملة ولو كان ضعيفاً وأكثر المتأخرين الناظرين على أن الحصر مبالغة وادعاء. قال بعضهم: وبه صرح السعد فى حاشية الكشاف، والمراد: أن الأفعال لما رجعت إليه وكذا المحامد، أمكن ادعاء الحصر فيه، ويحتمل أن يكون فسر اختصاص الحمد فى الكشاف بأنه لا أحق منه، والمراد أنه أحق من غيره، فالمراد حصراً حقيقة الحمد، لكن القاضى لما قال ذلك أعقبه بقوله: بل لا يستحق فى الحقيقة الحمد غيره، وقال فى له الحمد دل على اختصاصه به فى الحقيقة فعاد الإشكال، ثم إنه قال فى قوله الحمد فى الآخرة: إن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها، وهو صريح فى أن العبد يستحق الحمد فى الدنيا، فقيل فى رفع المنافاة بين كلاميه أن المنفى الاستحقاق، وبمعنى أنه لازم له لو ترك يكون ظلماً وتجاوزاً عما يجب، فالعبد لا يستحق الحمد عند التحقيق، كما أنه لا يستحق الثواب بطاعته، وإنما ذلك من فضل الله الرحمن الرحيم، فإذا أثبتنا للعبد حمداً أو ثواباً وقلنا باستحقاقه، فعلى معنى تأهله لذلك بمقتضى وعد الله وكون الله - عز وجل - لا يضع الشئ فى غير موضعه، وليس استحقاقاً واجب الأداء شرعاً أو عقلا، بل مناسبة واستحسان، وزعمت المعتزلة أن الثواب لازم وكلا الاستحقاقين حقيقان، فلا حاجة إلى قول القاضى بالحقيقة، اللهم إلا إن أراد بها أن استحقاق العبد للحمد كعدمه، لأن الله هو مولى الخير والجميل، ويحتمل أن يكون قد حمل الاستحقاق فى الحقيقة على ما لم يكن للغير دخل فيه، وهذا ليس إلا لله، فإن كل حمد لغيره فلله الجهة العليا منه وفيه بعد، وتحصل من ذلك أنه يجوز أن يكون غير الله محموداً، لكن الله تعالى هو الكامل فى المحمودية، وقال الدوانى: القصر على الحقيقة فلا محمود حقيقة إلا الله، والإشكال مندفع لأن الحمد مختص بالفعل الاختيارى ولا اختيار لغيره تعالى حقيق، وإنما العبد مضطر فى صورة مختار على ما صرح به السعد فى شرح المقاصد، فيلزم اختصاص الحمد اللغوى، إذ المحمود عليه يجب أن يكون بالاختيار ونسبة الفعل إلى العبد ولو كانت حقيقة، لكن يعتبر فيه الكسب لا التأثير والاختيار الذى هو أنه لا يقع إلا ما أراد، والمعتبر فى مفهوم الحمد الاختيار لا الكسب، فلا يلزم إطلاق الحمد على ما يتعلق بالعبد، والجميل فى قولهم على الجميل صفة للفعل، كيف والمحمود عليه يجب أن يكون وصفاً للمحمود والقائم بالعبد كالصلاة مخلوق لله - عز وجل - لا فعل له ولا مخلوق للعبد، بل فعل للعبد وليس اختياراً له بمعنى أنه لما أراده استحال ألا يقع، لكنه لا يخفى أن الاختيار إما بمعنى أنه لا يصير إلا ما أراد المريد، من حيث إنه إرادة وهو مختص بالله عز وعلا، وإما بمعنى صدور الشئ بعد الإرادة وهو مستعمل فى العرف ومتبادر عند الإطلاق، إذ قيل فعل فلان باختياره أو فلان مختار، والمراد به نفى الخبر والاضطرار وليكن هذا هو المأخوذ فى تعريف الحمد وهو شائع فى اللغة، وشاع فيها حمد غير الله سبحانه، وليس الاختيار بذلك المعنى مجازاً بل حقيقة لغوية وإلا فلا أقل من أن يقال عرفية، والتعريف للمتأخرين المستنبطين لا اللغويين، فلا يقال كيف يستعمل المجاز فى التعريف، بل لو كان مجازاً لم يمتنع التعريف به لأنه مشهور أو لأنه حقيقة عرفية، فليس الحمد معتبرا فيه الاختيار المختص بالله تعالى. وأما كون الجميل صفة للفعل، ففيه أن الفعل يجوز إطلاقه على ما ينافى الكسب، ولا يقتضى إلا المباشرة وهو المعنى بقوله تعالى:{أية : وعملوا الصالحات}تفسير : وهو شائع فى عرف اللغويين وغيرهم، فلا بعد فى إرادته فى التعريف ولا سيما إن أريد الفعل عرفاً، ثم إن الفعل كثيراً ما يطلق على الحاصل من الفعل فيحتمل أن يكون المراد الأعم بعموم المجاز يدل له ما ذكر السعد: أن الحمد على الإنعام أمكن، وهو أيضاً يدل على أن المحمود عليه لا يجب أن يكون وصفاً حقيقياً، ثم إنهم صرحوا بأن الفعل الاختيارى أعم من أن يكون حقيقة أو حكما، وزعم الاختصاص مدع لكن يبقى النظر فى قوله تعالى:{أية : له الملك وله الحمد}،تفسير : والظاهر منه الاختصاص حقيقة، ولو لم يكن الاختيار بالمعنى الحقيقى لم يصح الحصر، إذ ليس فى التعريف شئ آخر يقتضى الاختصاص، كذا قيل. ولا يخفى أنه بعد تسليم أنه ليس هنا شئ آخر حقيقة، إنما يتم إذا كان اللام فى الحمد للجنس أو للاستغراق، وكان التقديم للحصر والاختصاص، وكل منهما ممنوع عند النزاع، وكون ذلك هو الأظهر الذى لا ينبغى أن يعدل عنه يحتاج إلى دليل وتفصيل، ولا سيما وقد اشتهر أن الشئ عند الإطلاق يصرف إلى الفرد الكامل، والتقديم ما يكون لتقوية الحكم والاتصاف أن المتبادر من السوق الحصر، وحيث لم يكن عهدا ظاهرا فالمتبادر الجنس أو الاستغراق، والحق أن لا جزم بأحد الوجهين ولا الترجيح التام، ولكل وجه وجهة، أما الحمل على المعنى الحقيقى الأصلى فلأنه المتبادر عند الإطلاق، أى إذا لم يطلق على المتعلق بالعبد، بل من حيث هى ويؤيده قيود التعريف محمولة على الظاهر، وأنه لا يعدل عن المتبادر الظاهر فيها ما لم يمنع عنه مانع، وحينئذ يظهر الاختصاص والاختيار، وإن كان أعم من الحكمى، إلا أنه لما فسر بأن يكون منشأ لفعل اختيارى يلزم ثبوت الاختيار، فلا يصح ممن ليس له اختيار أصلا، وهو الاختيار الذى لا محيد عن مقتضاه، والعبد ليس له هذا الاختيار. وأما المعنى الثانى العرفى فلأنه الشائع الذائع بين أهل اللغة والعرف العام، ويؤيده أن التعاريف اللغوية يكتفى فى قيودها بما هو الشائع لا ينظر إلى التدقيقات الحكمية، وأنه قد شاع بين الجمهور حمد غيره تعالى، والمتبادر الحقيقة لا المجاز، وحينئذ لا يتم الاختصاص بمعنى الحصر الحقيقى. وأما ما قيل من الثانى فى قوة الخطأ ولا يحمل عليه إلا لضرورة، فهو مبالغة لا تعويل عليه، فإن قلنا بالاختصاص الحقيقى فالوجه فى دفع التناقض بين كلامى القاضى أن يقال الاستحقاق والحمد الحقيقيان، وإن اختصا بالله تعالى لكن فى الدنيا قد يرى للعبد أفعال يستحق أن يحمد عليها مجازاً ظاهرا، أو يراد حمده مجازا، أو يراد حمد الله بسبب ما جرى على يده، وبالجملة لما كان له فى الجملة دخل ما فى ظهور المحمود عليه ناسب أن يكون له دخل فى الحمد، وأما فى الآخرة فيظهر أن لا دخل لغيره تعالى، فلا يستحق ذلك القدر العبد، و يقال لما اعتبر فى الحمد الاختيار وليس لغير الله تعالى اختيار حقيقة بل ظاهرا، هذا كله إذا أريد زيادة المناسبة وشدة الخصوصية، وهو الذى يقتضيه لام الاختصاص كما فى قولك الجل للفرس، فلا إشكال فى المقام، لأن الجنس للحمد وكذا لا إفراده خصوصية بالله تعالى لا تكون لغيره، إذا كل كمال أو جمال مضمحل فى جماله ويرجع إليه بوجوه عائدة، وكل اختيار لغيره يعود إلى اضطرار وظاهره يرجع إليه، وكل معظم هو مستحق لما فوقه وذلك يعود إليه، وله تعالى محامد يستقل بها، فللجنس والإفراد زيادة خصوصية، وتعلق به تعالى ولله الحمد أولا وآخرا ظاهرا وباطنا. {رَبِّ العَالَمِينَ}: أى مالكهم أو سيدهم أو مصلحهم أو مربيهم أو خالقهم أو معبودهم أو مدبرهم أو جابرهم أو صاحبهم أو ثابتهم، أى الثابت لهم وقريهم، أى القريب إليهم وجامعهم فى أنفسهم وآمرهم أو محيطهم كذلك، أو كثير الخير لهم أو مولى النعم لهم. فهذه خمسة عشر معنى، كلها تدل على معنى الحفظ والتربية، وكلها صفات فعل، إلا المالك والسيد والثابت فصفات ذات، وليس لفظ رب مشتقاً من التربية لكنه بمعناه كما علمت، فإن لامه باء موحدة ولامها ياء مثناة تحتية، وهى تبلغ الشئ إلى كماله شيئاً فشيئا. وإن قلت كيف يدل المالك وما ذكر على التربية والحفظ؟ قلت التزاماً لا مطابقة ولا تضمنا، فإن من شأن من يملك الشئ أن يسعى فى حفظه ونمائه وكذا ما ذكر، ولا يطلق رب على غير الله تعالى إلا مقيداً كقوله تعالى:{أية : ارجع إلى ربك}،تفسير : وقول الأندلسي: شعر : فسل ربهم أعنى العظيم برومة لماذا أجازوا الغدر بعد أمانة تفسير : ولا يقال الرب بأل لغير الله تعالى، ولو لم يكن لبس لقرينة تأدباً وحوطة، ولو جاز بالنظر إلى اللغة وجاز إطلاقه على غيره مجموعاً، كما تقول رب الأرباب، قال الله سبحانه وتعالى:{أية : أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}؟تفسير : ولفظ رب فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة، كالصوم والعدل وهى مبالغة نحوية وهى الكثرة، وفى ذلك أيضا بلاغة، على ما مر، ولا تنافى المصدرية المعانى السابقة، لأنه استعمل فيها بعد إخراجه عن معنى مجرد ما وضع له، فوصف به حتى كأنه اسم فاعل أو صفة من الصفات، فهو محتمل للضمير، وقيل لا وكذا كل ما ليس صفة إذا جعل نعتاً أو جرياً مجرى النعت، فبطل ادعاء بعضهم المنافاة، وقيل صفة مشبهة من ربه يربه فهو رب كنم الحديث ينمه فهو نم، فوزنه لعل - بفتح الفاء وإسكان العين - يقال ربه بمعنى ساسه وقام بتدبيره، وهو من باب نصر ينصر، ومجئ الصفة المشبهة من هذا الباب عزيز، وإن قلت: كيف تصاغ الصفة المشبهة منه وهو متعد؟ قلت: صيغت منه بعد جعله لازما بنقله إلى فعل - بضم العين - أو بتنزيله منزلة اللازم، بقطبع النظر عن تعلقه بالمفعول وعدم ملاحظة له، لفظاً ولا معنى، إذ لم يذكر ولا نوى حين قيل: هو رب أو نحو ذلك، وقيل اسم فاعل أصله راب بالألف حذفت الألف لكثرة الاستعمال، كما يقال فى بار: بر، لالتقاء الساكنين، لجواز التقائهما إذا كان الأول ألفاً أو واواً أو ياء والآخر مدغماً، وضعف لأنه خلاف الأصل ولا دليل عليه، واختيار بعضهم أن لفظ رب مشترك بين المصدر والصفة لجواز اشتراك اللفظ بين المصدر والصفة، فتحمل الآية ونحوها على المصدر أو على الصفة، فأحد وجهيها الصفة المشبهة أو اسم الفاعل. والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب، فيقال لما تنظر فيه المرأة حيضها عالم كما يقال لها علم، وكذا يقال لما يقاس عليه النعل ونحوها ثم غلب على ما يعلم به الصانع - سبحانه وتعالى - وهو ما سواه من جسم وعرض، فان الأجسام والأعراض تدل على وجوده لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته، ومعنى إمكانها أن وجودها جائز لذاتها، ولو وجب بمقتضى قضاء الله وقدره والصانع يعرف بصنعته، لأن الصنعة تدل على الصانع وكل شئ لله سبحانه وتعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله صانع كل صانع وصنعته"تفسير : والعالم مشتق من العلم - بكسر العين وإسكان اللام، لأن الصانع يعلم به وليس كما قال بعض العلماء مشتق من العلامة، من أن تلك الأشياء علامة على الله تعالى، لأن العلامة نفسها مشتقة من العلم - بكسر فسكون - اللهم إلا إن أريد التقرب للأفهام. وإن قلت: إذا كان العالم اسماً لما سوى الله تعالى فما فائدة جمعه؟ قلت: يطلق العالم على كل فرد فرد وجزء جزء، فزيد عالم وبكر عالم، وكل جزء منهما وإن دق عالم فيجمع ليشمل كل الأفراد والأجزاء، ويطلق العالم على كل نوع نوع، فالناس عالم، والملائكة عالم، والجن عالم، والنمل عالم، والخيل عالم، والجبال عالم، والأرضون عالم، والسماوات عالم، وهكذا فيجمع ليشمل الأنواع، ويطلق ويراد به ما سوى الله عز وجل جميعاً، فيجمع تنصيصاً على الأنواع، فمعنى العالم ما سوى الله جميعاً من غير تعرض للأنواع، ومعنى العالمين جميع الأنواع كالجلوس يدل عن النوع التزاماً، والجلسة يدل عليها مطابقة وتصريحاً، هذا ما تراه منى ولا تراه لغيرى والله أعلم. وإن قلت ليس علماً لعاقل ولا صفة له، فكيف يجمع جمع سلامة لمذكر؟ قلت: جمع شذوذا من حيث فقد العلمية والوصفية، وقد يقال: اعتبر فيه معنى الدال، فكان كوصف فساغ جمعه قياساً بالتغليب، أو إذا كان العاقل، وأما جهة العقل فقد يقال فيها إنه جمع تغليباً للعاقل على غيره، أو يقال إنه جمع للعالم الذى هو عاقل كالملائكة والناس والجن، وأن أنواع العقلاء هى المرادة فقط، فهذه كما يطلق قائم على العقال ويطلق على غير العاقل، ولا يجمع على قائمين إلا المطلق على العاقل، أو المطلق عليه والمطلق على غيره معاً تغلبياً، هذا ما يظهر لى. وذكر أبو حيان أن أل للاستغراق وأنه جمع سلامة لعالم الذى هو اسم جنس، وقياسه ألا يجمع وشذ جمعه جمع السلامة المذكور، لأنه ليس علماً ولا صفة ولم يناف ما ذكرته، وقال وذكر ابن مالك فى شرح التسهيل: إلى أن عالمين اسم جمع لمن يعقل وليس جمع عالم، لأن العالم عام للعقلاء وغيرهم، والعالمين خاص بهم، ويعنى الجمع يجب أن يكون أعم من مفرده لا أخص ولا مساوياً. قلت يرده أن عموم العالم كعموم قائم فى العقل وغيره، والمأخوذ فى الجمع هو المستعمل فى العاقل أو فيه مع المستعمل فى غيره معاً تغليباً، كما وعمومه بدلى وعموم العالمين كعموم الرجال شمولى، والعموم الشمولى هو المعتبر فى الجمع، فإذا أخذت العالم فى العاقل وجمعته كان العقلاء الذين شملهم الجمع أكثر من الذين شملهم العالم، وكذا فى التغليب بل أعظم، فاذا فهمت عنى ظهر لك أنه لا حاجة إلى جواب بعض بأن كون الجمع أعم أغلبى، وبأنه يجوز كونه مساوياً، بل ذلك باطل والحق كونه أعم أبدا، وقد قيل المراد فى الآية ذووا العلم فقط الملائكة والإنس والجن، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل المراد فيها الإنس فقط، لأن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر فى العالم الكبير من الأجسام والأعراض يعلم به الصانع كما يعلم بما أبدعه فى العالم، ولذلك سوى بين النظر فى الإنس والعالم الكبير، إذ قال:{أية : وفى أنفسكم أفلا تبصرون}؟تفسير : ووجه ذلك أن الإنسان يشتمل على ما فى غيره من الكمال ويزيد عليه بالتمكن والاستنباط والإمداد بالمعارف، واكتساب الخصال الحميدة، وإنما جميع العالم بالياء والنون مع أن الجمع بذلك جمع قلة تنبيهاً على أن الأجناس والأنواع وإن كثرت قليلة فى جنب عظمة الله وكبريائه ومراعاة لأنواع العقلاء وأجناسهم، لأنها قليلة ولو كثرت أفرادهم. واختلف فى العوالم فقيل ألف عالم أربعمائة فى البر وستمائة فى البحر، وقيل ثمانية عشر ألف عالم، عالم الدنيا كلها عالم واحد، وقيل أربعون ألف عالم، الدنيا واحد منها، وقيل ثلثمائة وستون عالماً، ثلثمائة حفاة عراة لا يعرفون خالقهم، وستون يلبسون الثياب والريش، وقيل ثمانون ألف عالم، أربعون فى البر وأربعون فى البحر. وقال كعب الأحبار: لا يحصى عدد العالم إلا الله تعالى:{أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو}،تفسير : وقيل المراد فى الآية كل ذى روح دب على الأرض. وقيل المراد سكان أرض بيضاء مثل الدنيا ثلاثون مرة مملوءة بخلق الله سبحانه، لا يعرفون آدم ولا إبليس. وقيل المراد ملائكة الأرض وهم ثمانية عشر ألف ملك فى كل ناحية منها أربعة آلاف وخمسمائة، مع كل واحد منهم عدد من إنس وجن، وبهم رفع الله سبحانه العذاب عن أهل الأرض، وقيل رهط من الملائكة فى الجهات الأربع مع كل منهم من الأعوان ما لا يعلم عدتهم إلا الله سبحانه وتعالى، ومن وراء تلك الجهات أرض بيضاء كالرخام، عرضها مسيرة الشمس أربعين يوماً مملوءة بملائكة الله، يقال لهم الروحانيون، لهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو كشف عن صورة أحدهم لهلك أهل الأرض من صورته، ومنتهاهم إلى حملة العرش. وذكر بعض فى الأخبار: أن بنى آدم عشر الجن، وبنى آدم والجن عشر حيوانات البر، وحيوانات البر عشر الطير، والطير عشر حيوانات البحر، وحيوانات البحر عشر ملائكة الأرض، وملائكة الأرض عشر ملائكة السماء الدنيا، وهكذا كل سماء عشر ما فوقها، وملائكة السابعة عشرة ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التى عددها مائة ألف طول كل منها كعرض السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، وما مقدار شبر من ذلك إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لله تعالى، له زجل بأنواع التسبيح والتهليل والتقديس، وكلهم فى الذين يحومون حول العرش كقطرة فى بحر، والعالم الكبير إما ظاهر محسوس وهو ما ظهر للحواس، ويقال له عالم الملك، وهو يكون بعضه من بعض، وإما باطن معقول كعالم الملكوت، وهو ما أوجده الله بالأمر الأزلى بلا تدريج، وبقى على حال واحدة بلا زيادة ولا نقصان، وإما عالم الجبروت، وهو ما بين العالمين مما يشبه أن يكون فى الظاهر من عالم الملك، فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت، والإنسان ينقسم إلى ظاهر محسوس كالعلم، وإلى باطن كالروح والعقل والإرادة، وإلى ما هو مشابه، وإلى مشابه لعالم الجبروت كالإدراكات الموجودة بالحواس والقوى الموجودة بأجزاء البدن. ورب نعت للفظ الجلالة أو بدل، وليس البدل أبداً هو المقصود بالحكم، بل هذا غالب، والآية من غير الغالب، بل معنى كونه المقصود بالحكم عندى أنه يقصد تارة بوجه من الوجوه، كقصده هنا ليناسب الحمد، لأن دلالته لبادئ الرأى على الجميل أظهر من دلالة لفظ الجلالة، ويقصد تارة بالحكم وحده بحيث لا يكون الأول إلا تمهيداً له، وليست الآية من هذا، ويجوز كونه عطف بيان للمدح، وقرأه زيد بن على بالنصب على المدح، كذا قال القاضى عطف بيان للمدح، وقرأه زيد بن على بالنصب على المدح، كذا قال القاضى وجار الله، ومثلهما من المحققين، والذى يظهر أن مرادهم أنه منصوب بأمدح محذوف أو بأعنى أو بأخص، وأن وجه المدح على تقدير أعنى إثبات العناية والإعلام بها ولو محذوفة، ولكن المعنى عظيما يعلم ما وصف به وأعلق باسمه، ولو حذف ذلك الذى كان وصفاً أو علق به أو على النداء، أى يا رب العالمين على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أو فعل محذوف دل عليه الحمد، أى أحمد رب العالمين. وفى قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ} دليل على أن الأشياء محتاجة إلى إبقائه إياها بعد حدوثها، كما احتاجت إلى إحداثها قبل وجودها، فلولاه لم تبق بعد حدوثها، كما أنه لولاه لم تكن، ووجه الدلالة أن الرب بمعنى المربى، أو غير ذلك من معانيه، هو القائم بإبقاء الشئ وإصلاحه حال بقائه. {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: إنما كررها لتعليل استحقاق الحمد، كما وصف برب العالمين لذلك. وكما وصف لذلك بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} كأنه قيل إن الله حقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، ولا يستحقه على الحقيقة سواه، لكونه موجداً للعالمين، مبقياً لهم حال بقائهم، منعماً عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها، عاجلها وآجلها، ملكا لأمورهم يوم الثواب والعقاب، فإن ترتيب الوصف على الحكم يشعر بكون الوصف علة للحكم، فالوصف بالربوبية والرحمة والملك بعد الحمد يشعر بأنها علة الحمد فيفهم، ذلك أن من لا يتصف بتلك الصفات لا يكون أهلا للحمد، فضلا عن أن يثبت له الحكم بالعبادة والاستعانة به المذكورين بعد، فالوصف بالربوبية بعد ذكر الحمد لبيان ما أوجب الحمد وهو الإيجاد والتربية والإبقاء، وبالرحمة للدلالة على أنه متفضل بالإيجاد والتربية والإبقاء، مختار فى ذلك لا مضطر ولا موجب عليه ذلك بالذات، ولا يعارض كأعمال الخلق، بل فضل يستحق عليه الحمد. وعن سليمان: أن الله تبارك وتعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة منها طبقاها السماوات والأرض، فأنزل منها رحمة واحدة فيها يتراحم الخلائق حتى ترحم البهيمة بيهمتها، والوالدة ولدها، فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسعة والتسعين، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخلائق، فأكملها مائة رحمة، ثم يصبها على خلقه، فالخائب من خاب من تلك المائة. وعن الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : "والذى نفسى بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم" قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، يرحم الرجل نفسه وولده ويرحم أهله. قال: "لا حتى يرحم الناس جميعاً""تفسير : ، والوصف بملك يوم الدين لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يشاركه أحد بوجه ما من الوجوه فى كونه ملك يوم الدين، ولتضمين الوعد للحامد والوعيد للكافر المعرض عن، الحمد، وقيل كرر الرحمن الرحيم لأنه لم يذكر فى البسملة من أنعم عليه، وهنا قد ذكره وهو العالمون فى قوله: {رَبِّ العَالَمِينَ}، وقوله: {الَّذِين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وليس هذا منافياً لما ذكرته أولا من أنه كررها لتعليل استحقاق الحمد وخصهما بالتكرير تنبها، على غلبة رحمته غضبه، وعلى أن العناية الرحمة أكثر منها بسائر الأمور، فلذلك كررهما دون لفظ الجلالة ولفظ رب ولفظ ملك، وذلك خمسة أسماء مذكورة فى السورة: الله والرب والرحمن والرحيم والملك، كأنه قال خلقتك أولا فأنا إله، ثم ربيتك بإسباغ نعمتى فأنا رب، ثم عصيت فسترت فأنا رحمان، ثم تبت فغرت فأنا رحيم، ولا بد من إيصال الجزاء فأنا ملك يوم الدين، أى ملك يوم الجزاء كقوله تعالى فى بعض كتبه:"حديث : يا ابن آدم كما تدين تدان"تفسير : وصيرته العرب مثلا وورد فى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم فهو حديث قدسى. وقول الشاعر: شعر : واعلم وأيقن أن ملكك زائل واعلم بأنك كما تدين تدان تفسير : وقول الشاعر: شعر : ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا تفسير : يقال دانهم الله بفعلهم ديناً بكسر الدال وفتحها، وإضافة ملك على ظاهرها يعنى أن يوم الجزاء وهو يوم البعث فى ملكه يحضره إذا شاء، ويجوز أن تكون من إضافة الوصف إلى الظرف إجراء له مجرى المفعول به على الاتساع بعد حذف المفعول، والأصل ملك الأمور يوم الدين، وهو يوم لما يحضر نزل منزلة الحاضر أو الماضى، كذا قيل. والظاهر عندى أنه لا حاجة إلى هذا التنزيل، لأن ملك صفة مبالغة للاستقبال، أو لأن المعنى ثبت له من الأزل أو من اليوم، كما من الأزل أنه ملك يوم الدين، فإنه قد ملك ما سيخلقه كما يملك الإنسان ما غاب عنه تعالى الله، وقيل إنه نزل يوم الدين لتحقق وقوعه منزلة الواقع فتستمر مالكيته فى جميع الأزمنة، فتكون الإضافة حقيقة تسيغ نعت المعرفة بملك، فان إضافة الوصف الاستمرارية حقيقة بالنسبة إلى ما مضى ولفظية بالنسبة إلى ما حضر وما استقبل، ونعت المعرفة قرينة على اعتبار جانب المضى، وقيل الدين الشريعة وقيل الطاعة، ويقدر مضاف فيهما أى يوم جزاء الشريعة أو يوم جزاء الطاعة، والمعنى الجزاء عليهما وقيل الدين القهر، يقال دنته فدان أى قهرته فذل، وقال ابن عباس: الدين الحساب، وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب مالك بالألف، ويعضده قوله تعالى:{أية : يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله}تفسير : فإنه لا مبالغة فى مالك، كما أنها لم تكن فى تملك، وإنما اختلفا فى إثبات أن الله مالك وغيره غير مالك فى ذلك اليوم، والمختار ملك بدون ألف، لأنها هى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغالب، وقراءة أهل الحرمين، وقيل لقوله تعالى:{أية : لمن الملك}تفسير : لأن المراد فيه باليوم يوم الدين، وقد ذكر فيه الملك بضم فإسكان المأخوذ منه الملك بفتح فكسر، وهذا التعليل مبنى على أنه ليس ملك بفتح فكسر صفة مبالغة، بل صفة للمتصرف بالأمر والنهى فى المأمورين، بل هو بمنزلة قولك سلطان ولو كانت فى الأصل صفة مبالغة، واختيرت هذه القراءة أيضاً لما فيها من التعظيم، والمالك بالألف هو المتصرف فى الأعيان المملوكة كيف يشاء، فبين المالك والملك عموم وخصوص من وجه، لأن الملك بدون ألف هو المتصرف فى الأعيان المأمورة مملوكة أو غير مملوكة، والمالك بالألف هو المتصرف فى الأعيان المملوكة مأمورة أو غير مأمورة كذا قيل، والأوجه أن بينهما عموماً مطلقا، فكل مالك بالألف ملك بدون الألف ولا عكس، لعموم ولاية الملك بدون ألف، وإن اعترض بأنه يقال مالك الدواب والأنعام والوحوش والطيور بالألف، ولا يقال ملكها بدون ألف، أجيب بأن ذلك ليس من جهة عدم شمول حياطته لذلك، بل من جهة أنه إنما يضاف عرفاً إلى ما فيه انقياد وامتثال، وينفذ فيه التصرف بالأمر والنهى، وقيل المالك بالألف أعم، فكل ملك دون ألف مالك بألف ولا عكس، وهو قول من يعترض بذلك الاعتراض المذكور، وحجته ما ذكرته مما اعترض به، وقد مر الجواب. وقيل ملك يوم الدين بدون ألف صاحب ذلك اليوم الذى يكون فيه الجزاء، وقيل هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر على ذلك غير الله عز وجل، ويرده استعماله فى غير الله إلا أن يدعى أنه مجاز بحسب الأصل، وقيل القراءتان بمعنى واحد، وقرئ ملك بإسكان اللام تخفيفاً، وقرأ أبو حنيفة ملك بفتحها وفتح الكاف على أنه فعل ماض، ونصب اليوم على المفعولية، أى ملك نفس ذلك اليوم أو على الظرفية، وحذف المفعول أى ملك الأمر فى ذلك اليوم، وقرأ مالكاً بالألف والنصب والتنوين، ونصب يوم على المفعولية أو الظرفية على ما مر آنفاً، ومالكاً فى هذه القراءة حال أو مفعول لمحذوف تقديره: أمدح أو أخص أو أعنى، قيل أو منادى بمحذوف على أنه متصل بما بعده، أى يا مالك يوم الدين إياك نعبد، كأنه قيل إياك نعبد يا مالك يوم الدين، وقرأ مالك بالألف والرفع والتنوين ونصب اليوم على ما مر، ومالك بالألف والرفع والإضافة لليوم، وملك بدون ألف وبالرفع والإضافة، وهاتان القراءتان خبر لمحذوف، أى هو مالك أو ملك، وقرأ أبو هريرة: مالك بالألف والنصب والإضافة، وقرأ بدون ألف وبالنصب على ما مر فيه والإضافة وجملة ملك فى قراءة الفعل محلها نصب على الحال، وقال أبو حيان لا محل لها لأنها مستأنفة، ويدل للأول فيما قيل قراءة النصب على الحال، ويرده أن النصب لا ينحصر فى الحالية بجواز المفعولية لمحذوف كما مر، أو النداء على ما قيل، بل قراءة الرفع تدل قيل على ما قال أبو حيان، لأنه لمحذوف ولا دليل فيه لإمكان فعل الابتداء، والخبر حال، فذلك كله محتمل جائز والإضافة إلى اليوم فى قراءات الإضافة كلها بمعنى اللام، وقيل بمعنى فى على ما مر من أن المعنى ملك نفس اليوم، أو ملك الأمور فيه، واختير الأول، وخص الإضافة إلى اليوم أو نصبه بمالك، مع أنه مالك كل شئ لتعظيم ذلك اليوم أو لتفرده تعالى بنفوذ الأمر فيه، لأن ملك الأملاك يومئذ زائل، فلا ملك يومئذ ولا آمر إلا الله تعالى كما قال:{أية : والأمر يومئذ لله}تفسير : وقال:{أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : وقال:{أية : الملك يومئذ الحق للرحمن}تفسير : وخص يوم الدين من سائر أسماء ذلك اليوم كيوم القيامة من ابتداء النشور إلى ما بعده مما لا نهاية له، ولعظم ذلك اليوم كثرت أسماؤه كيوم الدين ويوم القيامة للفواصل، وللتنبيه على الجزاء ترغيباً فى الخير وزجراً عن الشر، ولبيان العموم لأن الجزاء يشتمل على جميع أحوال يوم القيامة و{أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون}تفسير : و{أية : يوم ينفع الصادقين صدقهم}، {أية : يوم تشخص فيه الأبصار}، {أية : يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً}، {أية : يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً}، {أية : لمن الملك اليوم}، {أية : يوم هم على النار يفتنون}، {أية : ويوم يحشر أعداء الله إلى النار}، {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين} {أية : يوم يتذكر الإنسان ما سعى}، {أية : يوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل}، {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً}، {أية : يوم ترجف الراجفة}، {أية : يوماً يجعل الولدان شيباً}، {أية : يوم يخرجون من الأجداث سراعاً}، {أية : يوم يكشف عن ساق}، {أية : يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه}، {أية : يوم يبعثهم الله جميعاً}، {أية : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}، {أية : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات}، {أية : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية}، {أية : يوم يدع الداعى}، {أية : يوم يسحبون فى النار على وجوههم}، {أية : يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئاً}، {أية : يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً}، {أية : يوم تمور السماء موراً}، {أية : يوم نطوى السماء}، {أية : يوم ينادى المنادى من مكان قريب}، {أية : يوم يسمعون الصيحة بالحق}، {أية : يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً}، {أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم}، {أية : يوم نبطش البطشة الكبرى}، {أية : يوم يعرض الذين كفروا على النار}، {أية : يوم تقوم الساعة}، {أية : يوم يلقونه سلام}، {أية : يوم الحساب}..تفسير : وغير ذلك مما يستخرج بتتبع القرآن والآخبار، وقد ذكرت أكثر من ذلك حاشية شرح الأجرومية، وسمى يوم الدين ويوم الجزاء لأنه يجازى فيه بالجنة والنار وعذاب الموقف، فإن فى الموقف عذاباً على قدر المعاصى والغفلة ويأتى ولو على السعيد. {إيَاكَ نَعبُدُ وإيَاكَ نَسْتَعينُ}: أى ما نعبد إلا إياك، وما نستعين إلا إياك، فالتقديم للحصر والاهتمام والتعظيم، وزاد إياك نستعين بأن التقديم فيه للمفاصلة أيضاً إذ لا تختم بالنون لو قال ونستعينك لكن يلزم أيضاً أن يقال فى إياك نعبد زيادة على ما مر وهو المناسبة لإياك نستعين المستحق للتقديم. قال ابن عباس: نعبدك لا نعبد غيرك، ونستعينك لا نستعين غيرك، وليكون أول الكلام ما هو مقدم فى الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى وللتنبيه على أن العابد ينبغى أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات، ومنه إلى العبادة ثانياً وبعرض، وإنما ينظر إليها من حيث إنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين الحق جل وعلا، لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه، فإن العارف بالله سبحانه وتعالى إنما يحق وصوله إذا استغرق فى ملاحظة جناب القدس، وغاب عما عداه حتى لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها، لا من حيث إنها ملاحظة لجناب القدس، أعنى حق عظمة الله وتنزهه عما لا يليق من حيث إنها منتسبة إلى ذلك الجناب، ولذلك كان قوله صلى الله عليه وسلم كما حكاه مولانا جل وعلا:{أية : لا تحزن إن الله معنا}تفسير : أفضل مما حكى عن موسى عليه السلام:{أية : إن معى ربى سيهدين}تفسير : إذ قدم فى الأول ذكر الله على المعية، وقدم المعية فى الثانى وشمل الأول الهداية وغيرها، وظهر فيه حصول الهداية وغيرها فى الحال بظاهر العبارة، والثانى ليس فيه إلا الهداية وطلب حصولها فى المستقبل كذا قيل، ويبحث فيه بأنه شامل لغير الهداية، وهى الحفظ، وأما الطلب فليس المراد أنه أفادته السين، بل أفادته عبارته بقرينة الحال، وما ذكرت من أن التقديم للحصر ولما ذكر هو الحق كما اشتهر فى علم البيان، وليس كما قال السبكى: إن التقديم لا يدل على الحصر، وإنه إنما يدل على الاختصاص الذى تفيده لام الجر، ثم لا مانع عندى أن يراد أوجه الحصر كلها فى الآية وحيث أمكن حصر القلب وحصر التعيين وحصر الإفراد، وكأنه قيل نعبدك وحدك ونستعينك وحدك، مخالفين لمن جهل من يعبده ومن يستعينه وتردد، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه، كما اقتصر بعض المشركين على عبادة غيرك واستعانته، وإيا: ضمير منفصل مشترك بين المذكر والمفرد والمخاطب، وضد ذلك، فهو بالنظر إلى ذلك كالأسماء الظاهرة المشتركة كالعين والقرء فيما يظهر لى، واللواحق تميز المراد من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث، وغيبة وخطاب وتكلم، ومن حروف، فالكاف المفتوحة تدل على أن المراد ما ليس مؤنثاً، وأن المراد ما ليس غائباً ولا متكلما، وهو ما يسمى فى الجملة مخاطباً، ولو صرح بعض أصحابنا بأنه لا يقال: خاطبت الله والواضح عندى الجواز لأنه ظاهر اللغة، ولا مانع لأن معنى: خاطبته ناجيته، ولقوله تعالى:{أية : ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا}تفسير : فإن مفهومه أنه يجوز لك يا نوح أن تخاطبنى فى غير الظالمين، وإذا جاز هذا جاز أن يقال: خاطبته إلا أن يقال المعنى لا تكلمنى فى الذين ظلموا بما تسمونه فى كلامكم خطاباً، والخطاب فى اللغة إلقاء الكلام إلى أحد ولو بصيغة الغيبة، فإذا قلت لك: قام زيد فقد خاطبتك، وما يلحق الكاف يدل على التثنية والجمع، فالكاف حرف يدل على معنى فى الضمير قبله، وما يلحقها حرف يدل على معنى فى الحرف قبله وهو الكاف، والهاء كالكاف ولواحقها كلواحق الكاف، إلا أنها للغيبة، وقال الخليل إيا: ضمير مضاف إضافة عام لخاص إلى ضمير بعده وهو الكاف أو الهاء إضافة تبينه لما حكاه عن العرب، إذ بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب بإضافة إيا إلى الشواب، ويرده أن هذا شاذ لا يعتمد عليه، وأنه لم نر ضميرا مضافا، وأنه لا إضافة عام لخاص لازمة، وأن الإضافة توجب الإعراب ولا ضمير مفرد، والمعنى إذا بلغ الستين فيلحذر التعرض للشابات وليحذرنه، فيتميز المنفصل من المتصل، وقيل الضمير هو المجموع، وقيل إيا اسم ظاهر معرب بالتقدير على الألف مضاف لما بعده إضافة عام لخاص لازمة، ويرده أنه لا إضافة عام لخاص لازمة وينسب هذا القول أيضاً للخليل. وقرئ أياك بفتح الهمزة وهياك بقلبها هاء مكسورة ومفتوحة، وقرئ بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وإذا تقرر أن الكاف للخطاب وقد صح أن الأسماء الظاهرة من قبيل الغيبة فتلك الأسماء هنا اسم، اسم الله ورب والرحمن والرحيم وملك، ظهر لك أن فى إياك نعبد التفات من الغيبة إلى الخطاب، ويكون الالتفات أيضاً من الخطاب للغيبة، ومن المتكلم لأحدهما، ومن الالتفات عند السكاكى التعبير بواحد من ذلك، مع أن مقتضى الظاهر التعبير بغيره ولم يتقدم غيره، ومن الالتفات تعقيب الكلام بجملة مستقلة ملاقية له فى المعنى، على طريق المثل أو الدعاء أو نحوهما، كما فى قوله تعالى:{أية : وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً}،تفسير : وقوله:{أية : انصرفوا صرف الله قلوبهم}تفسير : ونحو قصم الفقر ظهره، والفقر من مقصمات الظهر، وقول جرير: شعر : متى كان الخيام بذى طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام أتنسى يوم تصقل عارضيها بفرع بشامة سقى البشام تفسير : ومن الالتفات أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شئ، فتلتفت إلى كلام تزيل به اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول ابن ميادة: شعر : فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحة ولا وصله يصفو لنا فنكارمه تفسير : كأنه لما قال فلا صرمه يبدو قيل له ما تصنع به؟ فأجاب بقوله وفى اليأس راحة، ذكر السعد ذلك، والواضح عندى إنما ذكر بعد التفات السكاكى يختص بالبديع، وليس من التفات فن المعانى ولو ذكره بعد، وفائدة الالتفات التفنن فى الكلام والنظرية له وتنشيط السامع وإيقاظه للإصغاء إليه، وذلك موجود فى كل التفات، وقد يختص مواقعه بلطائف أخر، كما فى هذه السورة الكريمة: فاتحة الكتاب، فإن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر، يجد من نفسه محركاً للإقبال على ذلك الحقيق بالحمد سبحانه، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمتها، وهى قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} المفيدة أن ذلك الحقيق بالحمد مالك للأمر كله فى يوم الجزاء أو لنفس اليوم، فحينئذ يوجب ذلك المحرك لتناهيه فى القوة والإقبال على ذلك الحقيق بالحمد، والخطاب بتخصيصه لغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات. ذكر الخطيب القزوينى ذلك، قال السعد فى شرحه المطول: والمعنى يوجب ذلك المحرك أن يخاطب العبد ذلك الحقيق بالحمد بما يدل على تخصيصه، بأن العبادة وهى غاية الخضوع والتذلل له لا لغيره، وبأن الاستعانة فى جميع المهمات منه لا من غيره وتعميم المهمات مستفاد من إطلاق الاستعانة، والأحسن أن تراد الاستعانة على أداء العبادة، ويكون اهدنا بياناً للمعونة ليلتئم الكلام، وتكون العبادة له لذاته لا وسيلة إلى طلب الجوانح والاستعانة فى المهمات، فاللطيفة المختص بها موقع هذا الالتفات، هو أن فيه تنبيهاً على أن العبد إذا أخذ فى القراءة يجب أن تكون قراءته على وجه يجد ذلك المحرك من نفسه، هذا الذى ذكره المصنف - يعنى القزوينى - جار على طريقة المفتاح، وطريقة الكشاف هى أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء والعبادة، فالتفت وخوطب المعلوم المتميز، فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لأجل ذلك التمييز الذى لا تحق العبادة إلا به، لأن المخاطب أدخل فى التمييز وأعرق فيه، فكان تعليق العبادة له تعليق بلفظ المتميز ليشعر بالعلية، ويمكن أن يقال إن ازدياد ذكر لوازم الشئ وخواصه يوجب ازدياد وضوحه وتميزه والعلم به، فلما ذكر الله - جل وعلا - توجه النفس إلى الذات الحقيق بالحمد، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام ازداد ذلك، وقد وصف أولا بأنه المدبر للعالم وأهله، وثانياً بأنه المنعم بأنواع النعم الدنيوية والأخروية، لتنظم لهم أمر المعاش، ويستعد والأمر المعاد، وثالثاً بأنه المالك لعالم الغيب وإليه معاد العباد، فانصرفت النفس بالكلية إليه لتناهى وضوحه وتميزه بسبب هذه الصفات، فخوطب تنبهاً على أن من هذه صفاته يجب أن يكون معلوم التحقق عند العبد متميزاً عن سائر الذوات حاضر فى قلبه، بحيث يراه ويشاهده حال العبادة، وفيه تعظيم لأمر العبادة، وأنها ينبغى أن تكون عن قلب حاضر كأنه يشاهد ربه ويراه ولا يلتفت إلى ما سواه. وذكر القاضى أن الله - جل وعلا - بنى أول الكلام على ما هو مبادئ حال العارف من الذكر بالبسملة والحمدلة، ومن الفكر بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ومن التأمل فى أسمائه والنظر فى نعمه بقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} والاستدلال بصنائعه المشار إليه بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} على عظم شأنه وباهر سلطانه، ثم اتبع ذلك بما هو منتهى أمره وهو أن تخوض لحة الوصول إلى حقيقة معرفته انتهى بالمعنى. قال والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه طريق معبد أى مذلل، وثوب ذو عبدة (بفتح العين والباء) إذا كان فيه غاية الصفاقة، ولذلك لا تستعمل إلا فى الخضوع لله تعالى، والاستعانة طلب المعونة، وهى إما ضرورية أو غيرها، والضرورة ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة أو مادة يفعل بها فيها، وعند استجماعها يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورة تحصل ما تيسر به الفعل، ويسهل كالراحلة فى السفر للقادر على المشى أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه، وهذا القسم لا تتوقف عليه صحة التكليف، يعنى الصحة العقلية، وإلا فالصحة الشرعية قد تتوقف على تلك القدرة، فأكثر الواجبات المالية، وقوله: ومادة يفعل بها فيها.. إلخ، ليس بضرورى فى مطلق الفعل، وإنما هو فى فعل يكون فى مادة والضمير بها للآلة وفى فيها للمادة والعبادة قسمان: عبادة تسخير كما فى قوله تعالى:{أية : تسبح له السماوات السبع والأرض}، تفسير : وعبادة بالاختيار كقوله تعالى:{أية : ومن فيهن}تفسير : باعتبار ما شملته مَنْ مِن العقلاء، فهذه الآية شاملة للقسمين فما تقدم هو للقسم الأول، وقوله:{أية : ومن فيهن}تفسير : لهما، وذلك لأن من هذه مستعملة فى العاقل وغيره، وإن قلنا إنها استعملت هنا فى العاقل فقط فالآية أيضاً شاملة لهما، وكما فى قوله:{أية : اعبدوا ربكم}تفسير : ، وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وقيل العبادة الفعل الذى يؤدى به الفرض لتعظيم الله تعالى، وتختص بالله سبحانه على التفسير الأول والثانى، لأنه مولى أعظم النعم، وهى إيجاد العبد من العدم إلى الوجود، ثم هدايته إلى دينه أعنى دلالته عليه، سواء أقبل أم أعرض، وأخر الاستعانة مع أنها مقدمة على الفعل للفاصلة، ولأنها ولو كانت مقدمة لكنها مستصحبة أيضاً، فهى أيضاً مع الفعل كالتوفيق والاستطاعة، ولأنها من العبادة فذكرها تخصيص بعد تعميم تعظيما لها، ولأن العبد يشرع فى العبادة ويستعين بالله تعالى على إتمامها، ولأنه إذا نسب العبادة إلى نفسه بقوله: {إِيَاكَ نَعْبُدُ} أوهم تبجحاً واعتدادا بما يصدر منه، فيؤديه إلى الفخر، أو يورثه ذلك رياء أو عجباً، لأنها منزلة عظيمة، فأزال ذلك بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأن الاستعانة تدل على العجز وعدم الاستقلال، وتصرح بأن العبادة مما لا تتم إلا بعونه تعالى، ولأن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وليعلم من الآية ذلك بإشارة، وذلك كله على أن الواو عاطفة، وأما على أنها للحال فلا إشكال، لأن المعنى: نعبدك مستعينين بك، وهذا على قول بعضهم بجواز أن تقرن الجملة الحالية المضارعية المجردة من النفى، وقد والسين وسوف بواو الحال، وعلى المنع فليقدر المبتدأ، أى ونحن نستعينك، أو قد التحقيقية، وقد نستعينك، وإن قلت كيف تقدر قد مفصوله عن الفعل بإياك مع أنه قيل فصلها بغير القسم؟ قلت: تقدر بعد إياك بناء على جواز تقديم معمول مدخولها عليها، بل لو منع هذا لم يضر هنا لأنها محذوفة فإنما تنوى على تأخير المفعول متصلاً كأنه قيل: وقد نستعينك والضمير المستتر فى تعبد، ونستعين للمتكلم ومن معه من الحفظة وحاضرى صلاة الجماعة او القراءة أو للمتكلم. وسائر الموحدين أدرج عبادته فى عبادتهم، واستعانته باستعانتهم، لعله يقبل عنه ذلك ببركتهم، ويجاب إليها، ولهذا شرعت الجماعة فى الصلاة، وكرر إياك للتنصيص على أنه المستعان لا غيره، وقرأ ابن حبيش: بكسر نون نعبد ونستعين، وهى لغة تميم يكسرون حرف المضارعة فى الثلاثى والخماسى والسداسى المبنيات للفاعل غير الياء على ما ذكرته فى شرح اللامية. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}: أى اعطناه وثبته فى قلوبنا ووفقنا إليه، أو بينه لنا، وذلك دعاء يصح ممن قد هدى، فيكون بمعنى طلب التثبيت والزيادة مطلقاً،أو طلب المراتب المرتبة على ما حصل له من الهداية، ويصح ممن لم يكن على هداية فيكون تحصيلا للثبوت والزيادة، ولا يلزم من ذلك جميع بين الحقيقة والمجاز، أو بين معنين، لأن المراد المعنى الموجود فى جنب كل من الوجهين وهو طلب الكون على الصراط المستقيم بقطع النظر عن كون ذلك الكون طبقاً للتثبيت على ما وجد، أو طلباً لوجود ما لم يوجد. هذا ما ظهر لى فى تفسير الآية، قيل: ويأتى الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى:{أية : ولكل قوم هاد}تفسير : أى داع، وقوله تعالى:{أية : وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم} تفسير : وبمعنى الإلهام كقوله تعالى:{أية : أعطى كل شىء خلقه ثم هدى}،تفسير : أى ألهم الحيوانات إلى منافعها، وبمعنى البيان كقوله تعالى:{أية : وأما ثمود فهديناهم}،تفسير : أى بينا لهم. وقال أبو المعالى: دعوناهم. وقوله تعالى:{أية : إن علينا للهدى}،تفسير : أى التبيين، وبمعنى الإرشاد، قلت ذلك كله بمعنى الإرشاد، وإن شئت فقل بمعنى التبيين، والمعنى واحد وذلك أن للهدى معنيين: أحدهما ذلك، والآخر هو الإيصال إلى المقصود وهو المراد فى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وكلا المعنيين إنما يكون بلطف، ولذلك لا نستعمل الهداية إلا فى الخير، وأما:{أية : فاهدوهم إلى صراط الجحيم}تفسير : فعلى إلهكم، وأنواع الهداية لا تنحصر بعد لكنها تنحصر فى أجناس: الأول: إفاضة القوى التى يتمكن بها المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية، قيل والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة، أعنى أن يفيض الله القوات على الإنسان حتى يتمكن بها من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة التى تكون فى القلب يعقل بها، وكالحواس الباطنة، على أن فى الباطن خمس حواس، كما أن فى الظاهر خمساً كذا قيل، وليس كذلك، بل الحواس الظاهرة هى باطنه من حيث إدراكها الأشياء. الثانى: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد كقوله تعالى:{أية : وهديناه النجدين}تفسير : أى طريق الخير والشر، وقوله جل وعلا:{أية : وأما ثمود فهديناهم}،تفسير : ولذلك جاز بعده، {أية : فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : فإن المكلف قد يعمل بالدليل فيصل وقد يعرض فيعمى. الثالث: الهداية لإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله:{أية : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}تفسير : وقوله:{أية : إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم}. تفسير : الرابع: أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء، كما هى بالوحى أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا يختص به الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله:{أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : وقوله:{أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}تفسير : إذا قال العارف: اهدنا الصراط المستقيم، عنى به طلب الإرشاد لطريق السير فى الله ليمحو عنه ظلمات الأحوال الواردة عليه فتزداد معرفته، فيكون بمنزلة من يرى الشئ عياناً، واهدنا دعاء وهو والأمر والالتماس مشتركات لفظاً ومعنى، فلفظ قولك: قم إذا كان أمراً وإذا كان دعاء أو التماساً واحد، وكذا معناه وهو الطلب الجازم الفعلى لا التركى، ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل والالتماس، فإنه إذا كان من الأعلى أمراً ومن الأسفل دعاء أو من المساوى التماس، سواء كان ذلك العلو والتسفل والمساواة حقيقة أو ادعاء، وقيل تتفاوت بالرتبة الحقيقية، فإذا كان ممن هو فى الحقيقة أعلى فأمر، ولو كان متسفلا أو مساوياً دعاء، وإذا كان من متسفل حقيقة فدعاء، ولو كان عليا أو مساوياً دعاء، وإذا كان متساو حقيقة فالتماس، ولو كان عليا أو متسفلا دعاء، والصحيح أنه أمر، مطلقاً سواء كان من عل أو متسفل أو مساو، تخفيفاً أو ادعاء، وأنه يجوز تسميته مطلقاً كذلك دعاء والتماسا. والصراط مفعول به تعدى إليه - اهد - كما تعدى - اختار - فى قوله تعالى:{أية : واختار موسى قومه}تفسير : وإلا فالأصل أن يتعدى باللام أو إلى، كما أن أصل اختار أن يتعدى إلى القوم فى الآية بمن على أحد أوجه فى الآية، وقال السعد: قد يفرق بأن - هدى - المتعدى بنفسه بمعنى الإيصال، ولهذا يسند إلى الله تعالى خاصة، والمتعدى بإلى أو باللام بمعنى الدلالة، والصراط: لغة قريش وهو الثابت فى الإمام، وهو الطريق يذكر ويؤنث، وجمعه صرط - بضم الصاد والراء - وأصله السراط بالسين من سرط الطعام إذا ابتلعه، كأنه يبلع من يمر به أو يبلعه من يمر به، كما سمى لقما - بفتح اللام والقاف - لأنه كأنه يلتقمهم أو يلتقم المار، وإنما قلبت السين صاداً لتطابق الطاء فى الإطباق والاستعلاء، وقد يشم الصاد صوت الزاى ليكون أقرب إلى المبدل عنه، وقرأ ابن كثير قيل ويعقوب بالسين، وحمزة بإشمام الصاد السين، ذكر أبو عمرو الدانى أن خلفا يقرأ الصراط وصراط باشمام الصاد الزاى حيث وقعا، وخلاد بإشمامها الزاى فى قوله: {الصِراطَّ الْمُسْتَقِيمَ} هنا خاصة، وقيل بالسين حيث وقعا، وقرأ بالزاى حيث وقعا، وقرأ الحسن اهدنا صراطا مستقيما، وقيل الطريق هو ما يطرقه طارق مطلقاً، ولو لم يكن طريقاً قبل، والسبيل ما يطرقه وهو معتاد السلوك، والصراط كالسبيل إلا أنه مستقيم غالباً، فهو أخص الثلاثة، والسبيل أخص من الطريق، وعلى كل حال فالمراد طريق الحق، وقيل ملة الإسلام وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله، وقيل القرآن هو قول على روى عنه - صلى الله عليه وسلم - الصراط المستقيم: القرآن، ومعنى هدايته تسهيله للحفظ والعمل به، وقيل ما هو عليه جماعة الصحابة من السنة والوحى، وقيل طريق المستحقين للجنة. وعن ابن مسعود وابن عمر: ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - طرف الصراط عندنا وطرفه فى الجنة، ومرجع هذه الأقوال كلها واحد، وقال أبو العالية: الصراط المستقيم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، ويقدر مضاف، أى اهدنا اتباعهم، وفيه تكلف بعيد وتجوز بتسمية أشخاصهم طريقا، ووجهه: أنهم واسطة إلى الجنة لمن اقتدى بهم ممن أنعم الله عليه، وعلى هذا الأخير يكون الخطاب لغيره - صلى الله عليه وسلم - وغير أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، قيل وهو قوى فى المعنى، والمستقيم: المستوى الذى لا عوج به ولا زيغ، وذلك صفة دين الله تعالى، وجملة {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} بيان للمعونة المطلوبة، فكأنه قال كيف أعينكم فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم: وإفراد لما هو المقصود الأعظم فى الاستعانة، فهى من ذكر الخاص بعد العام لتعظيم ذلك الخاص، وأفضل ما يهدى إليه الإنسان معرفة الله - عز وجل - قال الله عز وجل:حديث : يا داود اعرفنى واعرف نفسك، ففكر عليه السلام ساعة فقال: إلهى عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء، وعرفت نفسى بالضعف والعجز والفناء، فقال له تعالى: الآن عرفتنى حق المعرفةتفسير : . ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : من عرف نفسه عرف ربه"تفسير : على معنى أن صفات نفسك على الضد من صفات ربك، فمن عرف نفسه بالعبودية عرف ربه بالربوبية، ومن عرفها بالفناء عرفه بالبقاء، ومن عرفها بالجفاء عرفه بالوفاء، ومن عرفها بالعجز عرفه بالعز، ومن عرفها بالخطأ عرفه بالعطاء، وسئل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بماذا عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربى بربى فلولا ربى ما عرفت ربى. فقثيل له فهل يتألى لأحد إدراكه؟ فقال له العجز عن إدراكه إدراك، والخوض فى ذات الله سبحانه إشراك. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}: صراط بدل من الصراط بدل مطابق، ولا يخلو البدل من تأكيد، لأن المبدل منه كالتمهيد للبدل، ولأن البدل على نية تكرار العامل، على المشهور، والتمهيد للشئ، زيادة اعتناء به، والتكرير توكيد، والبدل هو المقصود بالنسبة، وفائدته هنا: توكيد كون المطلوب بالهداية زيادة إليه: هو صراط الذين أنعم الله عليهم، والتنصيص بأن الصراط المستقيم هو صراط المسلمين، الذين أنعم الله الرحمن الرحيم عليهم مطلقاً، وبه قال ابن عباس والجمهور، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى:{أية : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم}تفسير : إلى قوله:{أية : رفيقاً}،تفسير : روى ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالذين أنعمت عليهم: الأنبياء والملائكة والصديقون والشهداء، ومن أطاعه وعبده، وعن ابن عباس أيضاً: هم قوم موسى وعيسى الذين سبقوا لم يبدلوا ولم يغيروا، وقيل هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته، وهو قول غير صحيح أو غير جائز، لأنه يؤدى إلى أن الخطاب موجه إلى من عداهم فقط من أهل زمانهم ومن بعدهم، وقرئ صراط لذين بلام واحد مخففة بلا همز قبلها، وهو لغة فى الذين، وقرأ ابن مسعود صراط من أنعمت عليهم، والإنعام إيصال النعمة، وهى فى الأصل الحالة التى يستلذها الإنسان، فأطلقت على الذين لأنه أحق بالاستلذاذ، ولأن الموفق يستلذه، وقد يستلذه الإنسان مطلقاً، والمعنى: صراط من رضيت عنه وغفرت ذنوبه وقبلت أعماله وأنزلته فى أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، وتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية، وهذه النعم المختصة بالمؤمن ويشاركه الكافر فيما عداها، وهى إن كانت لا تحصى لكن تنحصر فى جنسين دنيوية وأخروية، والدنيوية كسبية وغير كسبية، وغير الكسبية إما روحانية كالروح والعقل والفهم والفكر والنطق، وإما جسمانية كالبدن والقوى الحالة فيه، والهيئات العارضة له كالصحة وكمال الأعضاء. الكسبية تزكية النفس وتحليتها المذكورتان. وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة والمال والجاه، ويجوز أن يراد فى الآية جميع النعم المذكورة لاستثناء المغضوب عليهم والضالين بعد، كما يأتى. {غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولاَ الضَالِينَ}: أخرج أحمد والترمذى وحسنه وابن حيان فى صحيحه عن عدى بن حاتم عنه - صلى الله عليه وسلم - أن المغضوب عليهم هم اليهود، وأن الضالين هم النصارى، وأخرج ابن مردويه عن أبى ذر: حديث : سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن المغضوب عليهم قال: "اليهود"، وعن الضالين قال: "النصارى" تفسير : وكذلك فسر ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدى وابن زيد والحسن، وذلك واضح من كتاب الله، لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فى كتاب الله كقوله عز وعلا:{أية : وباءوا بغضب من الله}تفسير : وقوله:{أية : قل أؤنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله}تفسير : الآية، وأما النصارى فمذكورون فى الضلال كقوله تعالى:{أية : ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل}،تفسير : وكان محققوهم على هدى حتى ورد شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكروه وضلوا وأضلوا، وأما غير محققيهم فضلالتهم متقررة منذ تفرقت أقوالهم فى عيسى عليه السلام، والمشركون كلهم مغضوب عليهم وكلهم ضالون، لكن اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل، ويزعمون أنهم يدينون بهما وقد حرفوهما وهم على غير هدى، قيل ذكر كلا بما يغلب عليه، وقيل المعنى غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة وذلك أعم، فالنبى صلى الله عليه وسلم ينوى التحرز عن البدعة عما أمر الله وعن سنن الأنبياء من قبله التى لم تنسخ، والصحابة ينوون ذلك، والتحرز عن الخروج عما فى القرآن وعما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وحى وغيره، وغير الصحابة ينوون ذلك كله، والتحرز عن الخروج عما عليه الصحابة، ويجوز أن يقال المغضوب عليهم العصاة والضالون الجاهلون، لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق تعالى لذاته والخير للعمل به، فكان المقابل له من اختلت معرفته أو عمله، والمخل بالمعرفة جاهل ضال وهو مشرك أيضا. قال الله تعالى:{أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال}،تفسير : والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه منافق أيضاً. قال تعالى فى القاتل عمداً:{أية : وغضب الله عليه} تفسير : وغير هو بدل من الذين بدل مطابق نظراً إلى معنى أن المغضوب عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، وذكر ابن هشام أن البدل بالمشتق ضعيف، ولكن لفظة غير ليست مشتقة، وتأويلها بالمشتق مثل المخالف ومغاير لا يمنع إبدالها ولا يضعفه، فإن الإسمية غالبة عليه وتأويلها فرع ويجوز أن تكون نعتاً للذين مبيناً إن أريد بالذين المؤمنون فقط، ومقيداً إن أريد به كل من أنعم الله عليه بنعمته، ودنيوية أو أخروية، أو بمطلق الإيمان، وعلى كل من الإبدال والنعت بوجهيه يكون المعنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهى نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب الله والضلال، وإن قلت الذين معرفة وغير لا يتعرف بإضافة، فكيف تنعت المعرفة بالنكرة؟ قلت: التحقيق أنها تتعرف بالإضافة إذا وقعت بين المتضادين، كما هنا، وذلك إن كان الضد له ضد واحد كما هنا، فإنه ليس فى المكلفين إلا المغضوب عليهم والمنعم عليهم، وكما فى قولك الحركة غير السكون، وأما الضدان اللذان لهما أجزاء وأكثر، فلا تتعرف بالوقوع بينهما، نحو البياض غير السواد، فإن هناك صفرة وحمرة وغير ذلك، والتعريف فى ذلك والتعريف فى الآية للجنس، فإن المنعم عليه ليس شخصاً واحداً وكذا المغضوب عليه كما نصت عليه الآية بصيغ الجمع، وأيضاً إذا تقرر أن المراد بالذين الجنس جاز نعته بغير، ولو قلنا إن غير أهو نكرة لجواز نعت المعرفة بأل الجنسية والموصول الجنسى بالنكرة نحو قوله: * فى أنيابها السم ناقع * فنعت السم بناقع ومقتضى الظاهر أن يقوم سم ناقع أو السم ناقع، وبسطت الكلام على هذه النحو، وقد أجازوا فى الجملة بعد ذلك أن يكون نعتاً حالا. وعن ابن كثير فى رواية شاذة عنه {غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} بنصب غير وهى قيل قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر، فيكون حالا من هاء أنعمت عليهم وعامله هو فعل أنعمت، لأن العامل فى الهاء النصب، ولو توصل إليها بالجار أو مفعولا لمحذوف، أى أعنى غير المغضوب عليهم، قيل أو منصوباً على الاستثناء إن فسرنا النعم بما يعم المؤمنين والكافرين، فيكون الاستثناء متصلا، وإن فسرناه بما يخص المؤمنين فمنقطع، ويبحث فى جعل النصب على الاستثناء قسما على حدة بأن غيراً إذا نصب على الاستثناء فقد اختلفوا فيه، فقيل نصبه على الحال، وقيل على التشبيه بظرف المكان، ويجاب بأن ذلك بناء على قول ضعيف، وهو أنه منصوب على الاستثناء انتصاب الاسم بعد إلا، فيكون ناصبه ما قبلها من فعل أو شبهه على الاستثناء، وعليهم نائب عن فاعل المغضوب، وقرأ حمزة عليهم وإليهم ولديهم بضم الهاء فى موضعى الفاتحة، وجميع القرآن، والباقون بكسرها، وابن كثير وقالون بخلاف عنه يضمان ميم الجمع ويصلانها بواو مع الهمزة وغيرها، وورش يضمها ويصلها مع الهمزة فقط، والباقون يسكنونها وحمزة والكسائى يضمان الهاء والميم، اذا كان قبل الهاء كسرة أو ياء ساكنة، أو أتى بعد الميم ألف وصل نحو: يهديهم الله، وإذا وقفا كسرا الهاء وسكنا الميم، وحمزة على أصله فى الكلم الثلاث المتقدمة يضم الهاء منهن على كل حال، وأبو عمرو يكسر الهاء والميم فى ذلك كله وصلا أيضاً، والباقون يكسرون الهاء ويضمون الميم فيه، أو اتفقوا على إسكانها فى الوقف، لكن بعضهم يخلصه، وبعض يشير إلى الضمة والنصب هيجان النفس إرادة الانتقام، وعبارة بعضهم تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وقيل هيجان دم القلب لإرادة الانتقام، وذلك كله فى حق المخلوق، وإذا كان مسنداً إلى الله تعالى كما هو المراد فى الآية، فالمقصود لازم ذلك ومسببه وهما الانتقام، وإن شئت فقل العقاب، هذا ما ظهر لى ولا صلة للتأكيد، لأن النفى قد أفادته غير، فمجيئها بعد غير كمجيئها بعد حرف نفى آخر، مثل ما قام عمرو ولا هند، فكأنه قيل لا المغضوب عليهم ولا الضالين. ولكون غير بمعنى لا، جاز تقديم مفعول اسم الفاعل الذى أضيفت إليه غير على غير تشبيهاً بلا، وامتنع ذلك فيما أضيف إليه مثل، قال السعد: يجوز تقديم ما فى حيز ما بعد غير ولا ولم ولن دون ما وإن، لأن ما وإن يدخلان على الاسم والفعل فأشبهتا الاستفهام ولم ولن يختصان بالفعل، ويكونان كالجزء منه، فكأنه لم يكن هناك إلا الفعل فجاز تقديم معموله، ولا حرف متصرف فيه بإعمال ما قبله فيما بعده نحو: أريد أن لا تقصد، وجاء عمرو بلا زاد، فجاز عمل ما بعدها فيما قبلها، انتهى بزيادة منى وإيضاح. وقرأ بعضهم {غير الضَّالِينَ} بجر غير والضلال العدول عن الطريق السوى عمداً أو خطأ، والجهل فى الدين عمد، فمن خرج عنه جهلا وتقصيرا فقد ضل، فقرأ بضعهم ولا الضالين بهمزة مفتوحة بعد الضاد على لغة من جد فى الهرب من التقاء الساكنين، ولو كان الأول حرف مد والثانى مدغم فيقول دابة ودواب ومضار ونحو ذلك، بهمزة فى موضع الألف، وهى قراءة أيوب السجستانى. وليس آمين من الفاتحة بعد قوله {وَلاَ الضَّآلِّينَ} بالإجماع، ثم إن أهل الصواب منعوا التكلم به فى الصلاة وغيرها بعد الفاتحة، لأنه يوهم اعتقاد أنه منها، ولأنه من كلام الآدميين، وكلامهم فى الصلاة يفسدها، ولا يخفى أنه يجوز التكلم به بعد الفاتحة فى غير الصلاة من غير اعتقاد أنه مها، حيث لا يتوهم السامع أنه منها ولا يسئ الظن بالمتكلم، وقد قيل يسئ ختم الفاتحة به، وإن قلت فقد روى البيهقى وغيره أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : علمنى جبريل آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة"تفسير : وروى أبو داود فى سننه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كالختم على الكتاب، أى يمنع الدعاء من فساد الخيبة، كما يمنع الطابع على الكتاب فساد ظهور ما فيه، كما قال على آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عنده، وروى الدارقطنى وابن حبان وصححاه عن وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته، قلت ذلك فى غير الصلاة لحديث:"حديث : إن الله حرم الكلام فى الصلاة"تفسير : ، وحديث:"حديث : صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام الآدميين"تفسير : ، وحيث لا يتوهم أنه من القرآن لحديث:"حديث : لعن الله من زاد فى القرآن"تفسير : ، وإذا كانت الزيادة فيه محرمة كان إبهام ما ليس منه أنه منه محرماً، وإن قلت: فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين، ورفع بها صوته، فإن الملائكة تقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"تفسير : رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة يعنى الصغائر، زاد الجرجانى فى أماليه وما تأخر. قال عبد الرزاق عن عكرمة: صفوف أهل الأرض تلى صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين فى الأرض آمين فى السماء غفر للعبد، وقيل وافقه فى الخشوع والإخلاص، وقيل فى الإجابة، والصحيح الأول عندهم، أعنى فى الوقت، وقيل الموافقة فى أن يدعو لنفسه وللمؤمنين كما تفعل الملائكة، وقيل فى أن يدعو لأخراه فقط لا للدنيا، كما لا تدعو الملائكة للدنيا، وقيل هؤلاء الملائكة، وقيل الحاضرون للصلاة، ويجمع بأنه يقول الحفظة، فالحاضرون فمن فوقهم على مراتب مقاعدهم إلى أن تسمع ملائكة السماء ويقولوه، وخرج مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى موسى عنه صلى الله عليه وسلم."حديث : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله"تفسير : قلت ذلك قبل تحريم الكلام فى الصلاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن لله أن يحدث ما شاء وإن مما أحدث ألا يتكلموا فى الصلاة"تفسير : ، وأيضاً لا نسلم صحة سند تلك الأحاديث الدالة على ثبوته، وإذا ثبت على التأويل المذكور قالوا صح أنه كان يقوله قبل نسخ الكلام فى الصلاة سراً كما رواه عبد الله بن معقل وأنس، وقد كان أبو حنيفة لا يقوله، وروى أنه كان يخفيه، وعلة إخفائه صلى الله عليه وسلم الحذر من إيهام أنه من الفاتحة، روى الطبرانى فى كبيره عن أبى وائل: أن علياً وابن مسعود لا يجهران به، ولم يصح عنهما ذلك بعد نسخ الكلام فيها، وأخطأ من زعم عدم نسخ آمين فيها، وزعم بعض أن الراجح أنه - صلى الله عليه وسلم - يجهر به لرواية الدارقطنى وابن حيان عن وائل بن حجر السابقة، إذ قال فيها ورفع بها صوته، ولا دليل فيه لجواز أن يكون رفع صوته غير داخل فى الأمر، فإن كثيراً من الأمور المسرور بها يأمرهم بها جهراً برفع صوت. والله أعلم. وإذا ختمت السورة فلك وصل آخرها بالبسملة، والبسملة بأول السورة الأخرى المتصلة بها أو المنفصلة عنها، أو الأولى بنفسها إن أردت العود فيها، ولك أن تقف على آخرها وعلى البسملة، ولك أن تقف على آخرها وتصل البسملة، وليس لك أن تصل آخرها بالبسملة وتقف على البسملة، ويجوز فى مذهب ورش أن تصل السورة بسورة من غير قطع، ويتبين الإعراب، وأن تسكت بين السورتين سكتة خفيفة تمييزاً بين السورتين، لأنه لا يبسمل بين السورتين فى جميع القرآن، وإنما يبسمل إذا ابتدأ بسورة فقط غير براءة، وهو خطأ لا يتابعه عليه إلا جاهل مقلد. والله أعلم. وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : أتبرك في كل مباح وعبادة، ولا تكتب البسملة في أول ديوان الشعر، إلا إن كان علماً أو وعظا، أو نفعا لا محذور فيه شرعا. وأجاز سعيد بن جبير كتبها في أول ديوان الشعر، ووجدتها مكتوبة في نسخة قديمة بأكثر من خمسمائة عام من ديوان الشعراء الستة، معروضة على أبي على الشلوبين، وأعطى الإِجازة فيها لبعض تلامذته، وعنه صلى الله عليه وسلم، حديث : لو أن أحدكم أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإِنه إن يقدَّر بينهما ولد لم يضره الشيطان تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا، باسم اللهتفسير : ، أي إذا أرادوا الدخول. والله مختص به تعالى، والإِله أعم، سواء أقلنا، أصل لفظ الله إله أم لا فلا تهمّ، وقرىء بنصب الرحمن، وجر الرحيم، والنصب على تقدير أحمد، وسماه أبو حيان عطف توهم، أي على طريق التوهم، وأصاب. ووجه توهمه أن الإِتباع بعد القطع ضعيف، فلتسميته وجه، ونص هو على ضعف ذلك، لاختصاص التوهم بالعطف.
الخليلي
تفسير : اختلف فى البسملة هل هى من خصوصيات هذه الأمة أو كانت للأمم قبلها! فنقل أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن الله افتتح كل كتاب بها، وهذه دعوى لم تعضدها حجة إذ صحة الإِجماع متوقفة على ثبوت نقله، وذهب آخرون إلى أنها من خصوصيات هذه الأمة، واحتج له الألوسي بما لا طائل تحته والعجب من هؤلاء كيف يغفلون عن كتاب سليمان الذي صدر بها، وقد حكاه الله فى سورة النمل، أما كونها من القرآن الكريم فهو مما أجمع عليه لعدم الاختلاف فى كونها جزء آية من سورة النمل، وقد أخطأ من نسب إلى أبي حنيفة وغيره القول بأنها ليست من القرآن أصلاً، وممن وقع فى هذه العثرة أبو السعود فى تفسيره ومنشأ الخطأ التباس نفى كونها آية من الفاتحة ومن كل سورة صدرت بها بنفى قرآنيتها مطلقا على أن كتابتها فى صدر السور إلا سورة براءة فى المصحف الإِمام بإجماع الصحابة (رضى الله تعالى عنهم) وتناقل الأمة لذلك جيلاً بعد جيل حجة قاطعة لا تدع مجالاً للريب فى أنها آية من كل السور التي صدرت بها كيف والصحابة (رضى الله عنهم) كانوا أشد ما يكونون حرصا على تجريد القرآن الكريم فى كتابته فى المصاحف من كل ما ليس منه. ولذلك جردوا مصاحفهم من عناوين السور فليس من المعقول أن يزيدوا فى مائة وثلاث عشرة سورة ما ليس منها، وهذه المسألة قد كثر فيها الأخذ والردّ حتى أن جماعة من العلماء أفردوا لها مؤلفات خاصّة، وخلاصة ما فيها أنهم اختلفوا فيها مع إجماعهم أنها جزء آية من سورة النمل، فذهب إلى إنها آية من كل سورة صُدرت بها من علماءِ السلف من أهل مكة، فقهائهم وقرائهم ومنهم ابن كثير وأهل الكوفة ومنهم القارئان المشهوران عاصم والكسائي، وعُزى إلى على وابن عباس وابن عمر وأبى هريرة من الصحابة، وإلى سعيد بن جبير وعطاء الزَّهرى وابن مبارك من التابعين وهو مذهبنا ومذهب الشافعى فى الجديد وعليه أصحابه، ونُسب إلى الثورى وأحمد فى أحد قوليه وعليه الإِمامية، وذهب جماعة إلى أنها آية مفردة أنزلت للفصل بين السور وليست من الفاتحة ولا من غيرها ما عدا سورة النمل وهو الذى عليه مالك وغيره من علماء المدينة والأوزاعى وجماعة من علماء الشام ويعقوب من قراءة البصرة، وعليه الحنفية، وذهب فريق آخر إلى أنها ليست آية مطلقاً من هذه السور ولم تنزل للفصل بينها وإنما هى جزء آية من سورة النمل ونسب هذا القول إلى ابن مسعود وهو رأى لبعض الحنفية، وقال حمزة من قراء الكوفة إنها آية من الفاتحة دون غيرها وهو رواية عن أحمد، وتوجد أقوال أخرى هى إلى الشذوذ أقرب منها أنها بعض آية من جميع السور، ومنها أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور ومنها عكس ذلك، وهذا الاختلاف استتبع الاختلاف فى قراءتها في الصلاة، وفى الجهر والإِسرار بها كما سنوضحه إن شاء الله، وحجة القول الأول ما ذكرناه من إجماع الصحابة واستقراء العمل على كتابتها فى صدر كل سورة إلا سورة التوبة، والكتابة حجه معتبرة عند جميع شعوب العالم والمدينة فى العصر الحديث بل الكتابة الرسمية أقوى ما يعتمد عليه عندهم كما جاء ذلك في المنار وقد كانت كتابتها فى المصحف الإمام الذي وزعت نسخة فى الأمصار بأمر الخليفة الثالث وعلى مسمع ومرأى من سادات المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولم ينكر ذلك أحد منهم وقد كانوا أحذر ما يكونون عن إضافة أى شىء إلى القرآن مما ليس منه، وتوالت من بعدهم أجيال هذه الأمة وكلها مطبقة على كتابتها فى صدر السور وعلى تلاوتها مع القرآن وإن كان منهم من يزعم أنها آية أنزلت بانفراد للفصل بين السور ولا يؤثر هذا الزعم فى الإِجماع العملى، ولو أن الناس أنصفوا لكفتهم هذه الحجة عن غيرها ولما أخذوا بالروايات الآحادية الظنية فى مقابل هذه الحجة المتواترة القطعية ولكنهم عولوا على الروايات فسلكوا طرائق قددا {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} تفسير : [المؤمنون: 53] وأصرح ما اعتمدوا عليه من الروايات حديث أبى هريرة رضى الله عنه عند الربيع وأحمد ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله عز وجل قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدنى عبدى، فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى على عبدى، فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدنى عبدى، وقال مرة فوض إلى عبدى، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدى ولعبدى ما سأل" تفسير : ووجه استدلالهم بالحديث لعدم ذكر البسملة، قالوا لو كانت من الفاتحة لذكرت فى الحديث، وهو كما ترى استدلال سلبي فى مقابلة الإيجابي القطعي المتواتر وهو إجماع الجميع على كتابتها وتلاوتها فى الفاتحة وغيرها من سور القرآن وأين هذه الحجة السلبية الخفية التي تحمل ضروبا من التأويل من تلك الحجة القطعية الظاهرة التى لا يمكن تأويلها بحال؟ ويكفيك دلالة على ضعف هذه الحجة أن الحديث لم يذكر قسمة الفاتحة بل ذكر قسمة الصلاة والصلاة تشتمل على أذكار وأفعال متعددة وعلى قراءة من غير الفاتحة، وكل هذه الأشياء لم تذكر فى القسمة الواردة فى الحديث، وإنما ذكرت الفاتحة وحدها، بل ذكر منها ما لا يشاركها فيه غيرها من السور، والبسملة قد اشتركت فيها السور كلها ما عدا براءة، وثم جواب آخر هو أن ما فى البسملة من الثناء على الله بوصفه بالرحمة مكرر فى الفاتحة ومذكور فى القسمة فلا يقوى الاستدلال السلبى الذى اعتمدوا عليه على معارضة القطعى، هذا لو سُلمت المعارضة بين الحديث وما تدل عليه كتابة الفاتحة فى البسملة وغيرها، وقد علمت أن ليست ثَم معارضة، وفى هذا يقول السيد محمد رشيد رضا: "إذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفة راويه لغيره من الثقات، فمخالفة القطعى من القرآن للتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه، على أن هذا الحديث هو المعارض بالأحاديث المثبتة لكون البسملة من الفاتحة"، وللإِمام الفخر فى تفسيره الكبير "مفاتيح الغيب" اعترض على استدلالهم بهذا الحديث بما جاء من ذكر البسملة فى بعض طرقه، فقد أخرج الثعلبى بإسناده عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين، فإذا قال العبد. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله سبحانه مجدنى عبدى، وإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال الله تبارك وتعالى حمدنى عبدى، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: أثنى علي عبدى، وإذا قال مالك يوم الدين، قال الله: فوض إلي عبدى، ...إلخ" تفسير : وتابعه الإمام العلامة أبو مسلم فى نثاره غير أنا لعدم اطلاعنا على إسناد هذا الحديث عند الثعلبى، وعدم معرفتنا بصحته لا نستطيع الاعتماد عليه، ونكتفى بما أسلفنا ذكره فى الإجابة على استدلالهم. ومما اعتمدوا عليه حديث أبى هريرة عند أحمد وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي تبارك الذي بيده الملك" تفسير : ووجه الاستدلال أن سورة الملك هى ثلالون آية دون البسملة، وأجيب بأن البسملة لم تُعد من السورة للإشتراك فيها بينها وبين غيرها، والمراد بالثلاثين آية الآيات الخاصة بالسورة ويدل على ذلك ما روى عن أبى هريرة أيضا أن سورة الكوثر ثلاث آيات مع أن أحمد ومسلما والنسائى أخرجوا من حديث أنس (رضى الله عنه) قال: "حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فى المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله فقال: "نزلت عليّ آنفا سورة" فقرأ: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ. إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} [سورة الكوثر]" تفسير : وهذا الحديث دلالته على أن البسملة من سورة الكوثر واضحه مع أنها لم تعد من آياتها لما ذكر، فكونها آية من سورة الفاتحة أولى وهو أصح من حديث أبى هريرة فى سورة الملك لأن البخارى أعله بأن عباس الجشمى راويه لا يعرف سماعه عن أبى هريرة، وتعلقوا بأحاديث عدم الجهر بالبسملة المروية عن أنس بن مالك قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" رواه أحمد ومسلم، وفى لفظ "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" رواه أحمد والنسائى على شرط الصحيح، وأخرجه ابن حبان والدارقطنى والطحاوى والطبرانى وفى لفظ لابن خزيمة "كانوا يسرون" ولأحمد ومسلم رواية أخرى بلفظ "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا فى آخرها" ولعبد الله بن أحمد فى مسند أبيه عن شعبة عن قتادة عن أنس "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبى بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم" قال شعبة فقلت لقتادة أنت سمعته من أنس؟ قال نعم نحن سألناه عنه، وللنسائى عن منصور بن زادان عن أنس قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما" وأنت ترى هذه الروايات عن أنس لا تخلو من اضطراب فتجدها تارة نافية لقراءة البسملة وتارة نافية للجهر بها وأخرى نافية لسماعها، ومثل هذا الاختلاف لا تنهض به حجة كما صرح بذلك ابن عبد البر فى (الاستذكار) وهو من أجل أئمة المالكية، والمالكيون لا يرون قراءة البسملة في الصلاة فضلا عن الجهر بها، وهذه المسألة أى مسألة الإِسرار والجهر بالبسملة أو تركها رأسا مما وقع فيه الخلاف واضطربت فيه الروايات عن الصحابة والتابعين فنجد الصحابي يروى عنه الجهر والإِسرار بها ولم نجد أحدا من الصحابة روي عنه الإِسرار وحده إلا ابن مسعود رضي الله عنه، وممن روي الجهر بها عنهم في حال الجهر بالقراءة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن الزبير وابن عباس وعمار بن ياسر، وأبى بن كعب وأبو قتادة والسعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وشداد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية، وذكر الشوكانى في (نيل الأوطار) عن الخطيب أن من قال بالجهر بها من التابعين أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا منهم سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء ومجاهد وأبو وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة وعلى بن الحسين وابنه محمد بن على وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وأبو الشعثاء وعمر بن عبد العزيز ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهرى وأبو قلابة وعلى بن عبد الله بن عباس وابنه والأزرق بن قيس وعبد الله بن معقل بن مقرن، وممن بعد التابعين عبيد الله العمرى والحسن بن زيد وزيد بن على ابن الحسين ومحمد بن عمر بن علي وابن أبي ذئب والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه، وزاد البيهقي في التابعين عبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمى، ومن تابعيهم المعتمد ابن سليمان، وذكر البيهقى في الخلافيات أنه اجتمع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ويؤيده ما جاء في كتب العترة وهو الذى عليه الشافعى وأصحابه واتفق عليه أصحابنا، وذكر الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلى خلف من لا يجهر بالبسملة، ويرى جماعة من العلماء الإِسرار بها وهو المعمول به عند الحنفية والحنابلة، وقد روى عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، ومالك لا يرى قراءتها سراً ولا جهراً ونُقل عنه قراءتها فى النوافل فى فاتحة الكتاب وسائر القران، ومنهم من يرى جواز الجهر والإِسرار بها حكاه القاضى أبو الطيب الطبرى عن ابن أبى ليلى، وإذا تدبرت مجموع الروايات استطعت أن تستخلص منها صحة القول بالجهر، فقد أخرج الإِمام الشافعى بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال صلى معاوية بالناس فى المدينة صلاة جهر فيها بالقراءة، فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر فى الخفض والرفع فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية نقصت الصلاة - وفي رواية سرفت الصلاة - أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكبر. والحديث صحيح الإِسناد كما أوضح العلامة المحدث أحمد محمد شاكر في شرحه وتحقيقه لسنن الترمذى، وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم. فأت ترى كيف اجتمعت كلمة المهاجرين والأنصار على إنكار عدم الجهر بالبسملة على معاوية بن أبى سفيان مع شدة بطشه وقوة شكيمته وليس ذلك إلا لتركه واجبا لا يصح التساهل فيه، والحديث ظاهر في أن العمل عند الصحابة رضي الله عنهم قد استقر على الجهر بالبسملة وإلا فكيف يعرفون أن لم يقرأها رأسا ولو كانت مما يخفت في الصلاة وفي هذا الحديث ما يرد على دعوى ابن العربى والقرطبى فى انتصارهما لمذهبهما المالكي في عدم قراءة البسملة في الصلاة بأن ذلك قد استقر عليه العمل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلا بعد جيل من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن مالك ولعمرى إن هذه الدعوى لبعيدة المنال، فإن حادثة المهاجرين والأنصار مع معاوية كانت بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يبعد أن تكون في مسجده الشريف، فمن أين لابن العربي والقرطبى استقرار العمل في المسجد النبوى على عدم قراءتها. هذا وقد حاول جماعة الجمع بين روايات أنس المختلفة بأن المقصود من قوله "كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم" عدم جهرهم بها كما صرح بذلك في رواية "كانوا لا يجهرون"، وأن المقصود بقوله "كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين" الاستفتاح بهذه السورة بما فيها البسملة على أن أنسا رضي الله عنه قد رُوى عنه عدم حفظه لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدار قطنى وصححه عن أبى سلمه قال: - سألت أنس بن مالك أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو "ببسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال: إنك سألتنى عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك، فقلت أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في النعلين؟ قال نعم، وذكر الشوكاني في "نيل الأوطار" أن عروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر، فقد حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات - قال: وكان صيتا يملأ صوته الجامع - فاختلفوا في ذلك، فقال بعضهم يجهر وقال بعضهم يخفت، وعقب على ذلك السيد محمد رشيد رضا في "المنار" بأن اختلاف هؤلاء المصلين لم يكن في صلاة واحدة بل في جميع الصلوات ورد ذلك إلى الغفلة والناس عرضة لها لا سيما الغفلة عن أول الصلاة وعلل ذلك باشتغال الناس عن مراقبة قراءة الإمام بالدخول في الصلاة وقراءة دعاء الافتتاح وحمل عليه روايات أنس في عدم الجهر بالبسملة أو عدم سماعها، إذ يرى السيد رشيد رضا مرد ذلك إلى بعد أنس عن الصفوف القريبة من الإِمام واشتغاله بدعاء الافتتاح والإِحرام فلذلك لم يسمع البسملة من الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الثلاثة مع أنه من العادة أن يكون صوت القارىء خافتا في أول القراءة، ورأى كل من الحافظ ابن حجر والشوكانى أن الرواية إثبات الجهر إذا وجدت قدمت على نفيه، لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافى كما هي القاعدة، لأن أنساً يبعد جداً أن يصحب النبي صلى الله عليه وسلم مدة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان فلا يسمع منهم الجهر فى صلاة واحدة بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه إلا الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرا فلم يستحضر الجهر بالبسملة فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر وهما يشيران بهذا إلى سؤال أبي سلمة بن مالك عما كان رسول الله يستفتح به قراءته وقد سلف ذكره، وأنس بن مالك هو نفسه الذى روى قصة المهاجرين والأنصار مع معاوية وإنكارهم عليه عدم قراءته البسملة الذى استدلوا عليه بعدم جهره بها وروى البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم، وهو واضح في جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبسملة. ومما تعلق به القائلون بعدم كونها آية من الفاتحة حديث عبد الله ابن مغفل عند الخمسة إلا أبا داود قال سمعني أبى وأن أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال يا بني إياك والحدث - قال ولم أر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كان أبغض إليه الحدث في الإسلام منه - فإِني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها فلا تقلها إذا أنت قرأت فقل الحمد لله رب العالمين.. والحديث معلول بعبدالله بن مغفل فإنه مجهول لا يعرف ولم يروِ عنه إلا أبو نعامة وإن صح فهو محمول على ما حملت عليه أحاديث أنس. الدليل على كون البسملة من الفاتحة: - أما أدلة إثبات كون البسملة من الفاتحة، وإثبات الجهر بها فكثيرة قد تقدم ذكر بعضها من رواية أنس رضى الله عنه نفسه، وذكر الفخر الرازى في تفسيره لذلك سبع عشرة حجة منها القوي ومنها الضعيف، وتابعه على الاستدلال بها العلامة أبو مسلم في نثاره وحاول العلامة الألوسي نقض هذه الحجج حجة حجة انتصارا لمذهبه الجديد الذى انتقل إليه، وابدى السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار استغرابه الشديد من صنيع الألوسي الذى حاول بكل وسيلة هدم الحجج الشامخة البنيان، المتينة الأركان من غير داع لذلك إلا التعصب المذهبي، على أن الألوسي نفسه كان من قبل شافعي المذهب ولكنه اتبع مذهب الأحناف تقربا إلى الدولة العثمانية حسبما يقول السيد رشيد رضا، وسوف أورد (إن شاء الله) بعض هذه الحجج التي أراها صالحة للاحتجاج بها، وأذكر صورة من محاولة الألوسي لنقضها كما اضم إليها بعض الحجج الأخرى. منها حديث أبي هريرة الذى أخرجه الطبرانى وابن مردويه والبيهقي بلفظ "الحمد لله رب العالمين سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن وهى السبع المثانى والقرآن العظيم وهى أم القرآن، وهى فاتحة الكتاب" وأخرجه الدارقطنى بلفظ "إذا قرأتم الحمد لله فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم أنها أم القرآن وام الكتاب والسبع المثانى وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها" والحديث واضح في أن البسملة من الفاتحة، ولكن الألوسي حاول قلب هذه الدلالة الواضحة فقال ما معناه إن المراد من الرواية الأولى أن الحمد لله رب العالمين إلى آخرها سبع آيات كما يقول الحنفية، وقوله صلى الله عليه وسلم "بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن" أراد به إزالة توهم كونها ليست من القرآن لعدم تعرضه لها، وقد جاءت عبارته بأسلوب التشبيه البليغ ومراده أنها كإحدى آياتها في كونها من القرآن، وكذلك قوله في الرواية الأخرى "وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها" وأنت ترى أن في هذا الكلام صرفا للعبارة عن ظاهرها وخروجا بالحديث عن دلالته الواضحه فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد التأكيد على أن البسملة من الفاتحة، وقوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} علم على هذه السورة، فما الذى يدعو إلى زعم أن البسملة ليست بآية منها مع هذا التصريح في كلامه عليه أفضل الصلاة والسلام بأنها إحدى آياتها، وما الداعي لتقدير أداة التشبيه، ولو كان المراد التشبيه لذكرت أداته لدفع اللبس فإن حذفها لا يكون إلا مع الأمن منه، وفي هذا ما يكفي المستفيد دلالة على طريقة الألوسي في الرد على خصمه الرازى في هذه المسألة. ومنها ما رواه الشافعي عن ابن جريح عن أبي مليكه عن أم سلمة أنها قالت: "حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد {بسم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيـمِ} آية، {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}آية، {الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ} آية، {مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} آية، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آية، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} آية، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ} آية" تفسير : . وهذا نص صريح، وجاء هذا الحديث عند أحمد وأبي داود بلفظ: "حديث : سُئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت كان يقطع قراءته آية آية، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين،" تفسير : وفي لفظ ابن الأنباري والبيهقي: "حديث : كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف، ثم يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف، ثم يقول مالك يوم الدين" تفسير : وفي رواية الدار قطني عن ابن أبي مليكه عن أم سلمة رضى الله عنها أيضا "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقطعها آية آية، وعدها عد الأعراب، وعد {بسم الله الرحمن الرحيم} آية، ولم يعد {عليهم}" تفسير : قال اليعمرى: رواته موثقون، وأخرجه أيضا ابن خزيمة والحاكم، وفي إسناده عمر بن هارون البلخى: ضعفه الحافظ لكنه وثق عند غيره، وغاية ما تشبث به الألوسي في الاعتراض على هذا الدليل أمران أحدهما عدم ثبوت سماع أبي مليكه عن أم سلمه رضي الله عنها، ثانيهما أن غاية ما في الروايات قراءة النبي صلى الله عليه وسلم البسملة مع الفاتحة وهو دليل قرآنيتها لا دليل كونها من الفاتحة والجواب عن الاعتراض الأول بأن الذين أعلوا الحديث بالانقطاع كالطحاوى استدلوا برواية الليث عن ابن أبى مليكه عن يعلى بن مالك عن أم سلمه، ورد عليهم الحافظ بأن هذا الذى أُعل به ليس بعله فقد رواه الترمذى من طريق ابن أبى مليكه عن أم سلمة بلا واسطة وصححه ورجحه على الإِسناد الذى فيه يعلى بن مُملّك، ويريد الحافظ بذلك رواية الترمذى للحديث وتصحيحه له في باب فضائل القرآن مع العلم أن الترمذى ذكر في باب القراءة أن إسناده ليس بمتصل، ولعل التصحيح لأجل الاتصال وعدم التصحيح في الرواية غير المتصلة كما يقول الشوكاني في "نيل الأوطار". والجواب عن الاعتراض الثاني أن دعوى كون البسملة آية من القرآن بانفراد ليست من الفاتحة محتاجة إلى دليل، إذ لو كانت كذلك لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومداومته قراءتها مع الفاتحة باستمرار من غير أن يبين للناس استقلالها عنها دليل على أنها جزء منها، وهذه الروايات عن أم سلمة تدل على جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالبسملة وإلا فمن أين لها أن تصف قراءته لها لو أنه كان يخفيها؟. ومنها حديث أبي هريرة عند النسائي قال نعيم المجمر صليت وراء أبي هريرة فقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} ثم قرأ بأم القرآن - وفيه - ويقول إذا سلم: والذى نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم، وقال البيهقي صحيح الإِسناد وله شواهد وقال أبو بكر الخطيب فيه ثابت صحيح لا يتوجه إليه تعليل. ومنها حديث أبي هريرة أيضا عند الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الدارقطني رجال إسناده كلهم ثقات، وقال الشوكاني إن في إسناده عبد الله بن عبد الله الأصبحي، روي عن ابن معين توثيقه وتضعيفه. ومنها حديث علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته. أخرجه الدارقطني وقال هذا إسناد علوى لا بأس به، وهو وإن أعله الحافظ بأنه بين ضعيف ومجهول يعتضد بالروايات الأخرى التي في معناه، على أن الدارقطني أخرج عنه بإسناد رجاله كلهم ثقات أنه سئل عن السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين قيل إنما هي ست فقال بسم الله الرحمن الرحيم.. وأخرج الدارقطني عنه وعن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم، وهو مع ضعف إسناده يعتضد متنه ببقية المتون. ومنها حديث سمره قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتتان. سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وسكتة إذا فرغ من القراءة.. فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبي بن كعب فكتب أن صدق سمره. أخرجه الدارقطني بإسناد جيّد ولا ينافيه ما أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما عنه بلفظ سكتة حين يفتتح، وسكتة إذا فرغ من السورة لأن المبين مقدم على المجمل. ومنها حديث أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. أخرجه الحاكم وقال رواته كلهم ثقات. وأخرجه الدارقطني عنه بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني والحاكم بمعناه. ونحوه عن عائشة رضى الله تعالى عنها من طرق يشد بعضها بعضا. ومن العجيب أن يزعم القرطبي أن هذه الروايات ليست فيها حجة لأنها آحادية والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه، وقد فات القرطبي أن هذه الروايات إنما هي حجة تثبت كيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لها، وتؤكد من ناحية أخرى حجية قرآنيتها، وكونها جزءاً من سورة الفاتحة، أما أصل ثبوت قرآنيتها وكونها من الفاتحة فمن النقل للتواتر لها في المصاحف التي نقلتها هذه الأمة جيلا بعد جيل مجمعة على صحتها ولو كان ثبوت قرآنية البسملة متوقفا على تواتر أحاديث تُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم تنص على أنها من الفاتحة أو من القرآن لتوقف ثبوت قرآنية أية آية من أية سورة على مثل ذلك وأنّي لأحد بذلك؟ وإنما ثبتت قرآنية البسملة بنفس ما ثبتت به قرآنية بقية الآيات وهو إثباتها في المصحف الإِمام بإجماع الصحابة رضى الله عنهم، وتواتر النقل جيلا بعد جيل لكل ما اشتمل عليه ذلك المصحف من سور وآيات بما في ذلك البسملة، وأعجب من كلام القرطبي قول ابن العربي: "ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها والقرآن لا يُختلف فيه، وهو مقال في منتهى الخطورة لمصادمته الإجماع القطعي، فإن البسملة مجمع على أنها جزء آية من سورة النمل، ولا يصح سلب شيء من سور القرآن صفة القرآنية بحال، ولو جاز ذلك لجاز أن تسلب آية الكرسي أو غيرها صفة القرآنية في بعض المواضع. ولعل من أحسن ما قيل في هذا الموضوع ما قاله السيد محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار": إن اختلاف الروايات الآحادية في الإسرار بالبسملة والجهر بها قوى، وأما الاختلاف في كونها من الفاتحة أو ليست منها فضعيف جداً جداً، وإن قال به بعض كبار العلماء ذهولا عن رسم المصحف الإِمام القطعي المتواتر، والقراءات المتواترة التي لا يصح أن تعارض بروايات آحادية أو بنظريات جدلية، وأصحاب الجدل يجمعون بين الخث والسمين، وبين الضدين والنقيضين، وصاحب الحق منهم يشتبه بغيره وربما يظهر عليه المبطل بخلابته إذا كان الحن بحجته" وهو كلام نفيس جداً، وقد قال قبله: "ولا يغرن أحدا قول العلماء إن منكر كون البسملة من الفاتحة أو من كل سورة لا يكفر ومثبتها لا يُكفر، فيظن أن سبب هذا عدم ثبوتها بالدليل القطعي، كلا إنها ثابتة ولكن منكرها لا يكفر لتأويله الدليل القطعي بشبهة المعارضة التي تقدمت وبيّنا ضعفها وسنزيده بيانا والشبهة تدر أحد الرده" وأنكر على الألوسي دعواه أن ثبوت البسملة بخط المصحف المتواتر دليل على كونها من القرآن دون كونها من الفاتحة وقال: هو من تمحل الجدل فلا معنى لكونها آية مستقلة في القرآن ألحقت بسوره كلها إلا واحدة وليست في شيء منها ولا في فاتحتها التي اقتدوا بها في بدء كتبهم كلها، إنه لقول واهٍ تبطله عباداتهم وسيرتهم، وينبذه ذوقهم لولا فتنة الروايات والتقليد. فتعارض الروايات اغتربه أفراد مستقلون، وبالتقليد فتن كثيرون "ولله في خلقه شئون" وابدى السيد رشيد رضا استغرابه من اضطراب الألوسي في هذه المسألة، فقد حكم وجدانه، واستفتى قلبه في بعض فروعها فأفتاه بوجوب قراءة الفاتحة والبسملة في الصلاة وخالفه في كونها آية منها، وقال لا ينبغي لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها أو ينكر وجوب قراءتها ويقول بسنيتها، فوالله لو ملئت لي الأرض ذهبا لا أذهب إلى هذا القول، وإن أمكنني بفضل الله توجيهه، كيف وكتب الحديث ملأى بما يدل على خلافه وهو الذي صح عندي عن الإِمام - يعني إمامه أبا حنيفة - وأبدى الألوسي استشكالا في حاشيته على تفسيره ووصفه بأنه إشكال كالجبل العظيم، وأجاب عنه بما لا يروي من ظمأ ولا يشبع من مسغبه، ووجه الإِشكال أن القرآن لا يثبت بالظن ولا يُنفي به، فكيف يمكن الجمع بين إثبات المثبتين ونفي النافعين للبسملة، وحكى إجابة ارتضاها عن هذا الإشكال ملخصها أن حكم البسملة كحكم الحروف المختلف فيها بين القرّاء السبعة، فهي قطعية الإِثبات والنفي معاً، ولهذا اختلف القرّاء فأثبتها بعض وأسقطها آخرون وإن اجتمعت المصاحف على الإِثبات ومثل لذلك بالصراط ومصيطر فقد قُرِءا بالسين ولم يُكتبا إلا بالصاد، وبقوله تعالى: {أية : وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ}تفسير : [سورة التكوير: 24] فإنه كتب بالضاد وقٌرىء بها وبالظاء، وأطال السيد محمد رشيد رضا في الرّد عليه وتفنيد كلامه ومما قاله "إن الإِشكال الذي نظر إليه المفسر بعيني التقليد العمياوين فرآه كالجبل العظيم هو في نفسه صغير حقير، ضئيل قميء، خفي كالذرة من الهباء، أو كالجزء لا يتجزأ من حيث كونه لا يُرى ولا يثبت إلا بطريقة الفرض أو كالعدم المحض، ثم أخذ يجيب عن الإِشكال الذي فرضه الألوسي وملخص جوابه أنه لم ينفِ أحد من القرّاء كون البسملة من الفاتحة نفيا صريحا تعضده رواية متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كل ما يتعلق به النافون شبهة عدم رواية بعض القرّاء لها وشبهة تعارض الروايات الآحادية السالفة الذكر، وثبوتها قطعي بالروايات المتواترة تواتر سائر آيات الفاتحة، وعدم نقل الإِثبات للشيء ليس نفيا له رواية ولا دراية، وقد فرق العلماء بين عدم إثبات الشيء وبين إثبات عدمه كما هو معلوم بالضرورة، ولو فُرض أنه رُوى التصريح بالنفي لكان الواجب الجزم ببطلان هذه الرّواية، ومنشؤه التباس نفي الإِثبات بإثبات النفي لاستحالة كون المتناقضين قطعيين معاً، ورواية الإِثبات لا يمكن فيها الطعن، كيف وقد عززت بخط المصحف الذي هو بتواتره خطا وتلقينا أقوى من الروايات القولية، وأعصى على التأويل والاحتمال، ثم ردّ السيد محمد رشيد رضا على القائلين بأنها آية مستقلة بين كل سورتين للفصل بينهما ما عدا الفصل بين سورتي الأنفال وبراءة، وملخص رده أنه مجرد رأي أريد به الجمع بين الروايات الآحادية الظنية المتعارضة، والجمع بغيره مما لا إشكال فيه ممكن، فلو كان المراد بها الفصل بين السور لم توضع في أول الفاتحة وهي أول القرآن ترتيبا، ولم تحذف من أول براءة لوجود العلة المقتضية للإِثبات، ثم تعقب الجواب الذي نقله الألوسي وقال: لا يستغرب صدوره ولا إقراره ممن يثبت الجمع بين النقيضين المنطقيين، ويفتخر بأنه يمكنه توجيه ما يعتقد بطلانه على أنه جواب عن إشكال غير وارد، وبعبارة أخرى ليس جوابا عن إشكال إذ لا إشكال، ثم قال عن الخلاف بين القرّاء في مثل السراط والصراط ومسيطر ومصيطر وضنين وظنين إنه ليس خلافا بين النفي والإثبات كمسألة البسملة بل هي قراءات ثابتة بالتواتر فأما ضنين وظنين فهما قراءتان متواترتان - كمالك وملك في الفاتحة - كتبت قراءة الضاد في مصحف أُبَى وهو الذي وُزع في الأمصار وقرأ بها الجمهور، وقراءة الظاء في مصحف عبد الله بن مسعود وقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ولكل منهما معنى، وليستا من قبيل تسهيل القراءة لقرب المخرج ثم قال عن السراط والصراط ومسيطر ومصيطر لا فرق بينهما إلا تفخيم السين وترقيقه وبكل منهما نطق بعض العرب، وثبت به النص فهو من قبيل ما صح من تحقيق الهمزة وتسهيلها، ومن الإِمالة وعدمها فلا تنافي بين هذه القراءات فيعد إثبات إحداهما نفيا لمقابلتها كما هو بديهي على أن خط المصحف أقوى الحجج، فلو فرضنا تعارض هذه القراءات لكان هو المرجح ولكن لا تعارض ولله الحمد. هذا ما قاله السيد رشيد رضا في هذه المسألة وهو ناتج عن عمق فهمه وتوقد ذكائه ولعل الذين يقولون أن البسملة أنزلت للفصل بين السور يستدلون بما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة - وفي رواية انتهاء السورة - حتى ينزل عليه {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. ولكن ليس في الحديث ما يدل على أنها تنزل استقلالا للفصل وإنما غاية ما فيه أن كل سورة تنزل كانت تصدر بالبسملة فيستدل بذلك النبي صلى الله عليه وسلم على انتهاء السورة التي قبلها واستقباله سورة جديدة تنزل بعدها، ولو كانت لمجرد الفصل لما أثبتت في أول الفاتحة - كما ذكرناه عن صاحب المنارْ - لعدم تقدمها بسورة قبلها. هذا ويرى جماعة من العلماء الجمع بين روايات الجهر والإِخفاء بما رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان المشركون يهزأون بمكاء وتصدية ويقولون محمد يذكر إله اليمامة - وكان مسيلمة الكذاب يسمى "رحمن" - فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} فتسمع المشركين فيهزءوا بك {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك فلا تسمعهم.. وقد قال في مجمع الزوائد إن رجاله موثقون، وقال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة، واعتمده القرطبي والنيسابوري في الجمع بين الروايات، ويرى السيد محمد رشيد رضا أن ترك الجهر كان في أول الإسلام بمكة وأوائل الهجرة، والجهر فيما بعده، وفي نفسي من هذه الرواية ما يجعلني غير واثق من صحتها وذلك لأمرين: أولهما أن مسيلمة الكذاب لم يشتهر قبل الهجرة ولا فى أوائلها، وإنما اشتهر بالتنبؤ بعد ذلك، وعندئذ لقب برحمن اليمامة فيبعد أن يستخف المشركون بمكة المكرمة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم عندما يسمعونه يذكر الرحمن، معلقين عليه بأنه يقصد مسيلمة. ثانيهما: لو كان صنيع المشركين هذا داعيا إلى إخفاء البسملة لئلا يسمعوا اسم "الرحمن" فيهزأوا به لكان ذلك يستدعى إخفاء هذا الاسم في كل آية من الكتاب بما في ذلك قول الحق تعالى في الفاتحة {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتجنب إعلان اسم الرحمن خشية استخفاف المشركين على أن هذا الاسم الكريم كثيرا ما كان يرد في القرآن المكي كقوله تعالى في سورة الإسراء: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}تفسير : وقوله في "طه" {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : وقوله في الفرقان {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 59 - 60] وقوله في سورة الرحمن {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1- 2]. وإذا اتضح لك أن الراجح كون البسملة آية من الفاتحة ومن سائر السور إلا براءة، ووجوب تلاوتها في الصلاة مع الجهر بها في القراءة الجهرية فاعلم أنه لم يقل أحد من أصحابنا ولا من غيرهم بتكفير أو تفسيق المخالف في هذه المسألة، والذين يقولون بخلاف قولنا يتفقون معنا على عدم تكفير أو تفسيق من يخالفهم اللّهم إلا ما يذكر عن أبي بكر الرازي من أن أقل ما في المسألة تفسيق المخالف وقد رد عليه العلامة أبو مسلم رحمه الله في (نثاره) بما يكفي حجة للمستبصر. من فوائد افتتاح الأعمال باسم الله والافتتاح ببسم الله الرحمن الرحيم فيه تعليم للناس بأن يفتتحوا أعمالهم ببسم الله، وهذا يعني أن تكون أفعالهم في حدود شرع الله لا تتجاوزه فتبقى دائرة في حدود الواجب والمندوب والمباح، كما أن في ذلك تعليما للناس بأن أعمالهم كلها لازنة لها في كفة الدين ما لم يقصد بها وجه الله سبحانه، والعبد عندما يفتتح أي عمل باسم الله يشعر أن عمله محكوم بشرع الله فليس له أن يتصرف كما يملى عليه هواه، وقد شهر عند الناس الافتتاح بأسماء الأشخاص والمؤسسات لقصد التنويه بها والإِشادة بذكرها والإِشعار بأن العَمل المفتتح ذو صلة بالمؤسسات أو الأشخاص المذكورة أسماؤهم، والمسلم عندما يفتتح باسم الله يعلن شرعيه عمله وهذا يتضح في مشروعية ذكر اسم الله عند الذبح، لأن ذبح الحيوان إيلام له وهو قبيح في العقل، لولا أن الله سبحانه خالق الحيوان ومالكه أباح في شرعه ذبح بعض الحيوانات والانتفاع بلحومها، فالذابح عندما يذكر اسم الله يعلن أن ذبحه تعديا من قبل نفسه وإنما هو بمقتضى الإِباحة الشرعية ممن خلقه وخلق ذلك الحيوان. مباحث العلماء في البسملة وفي قول الحق سبحانه {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} مباحث كثيرة عني بها المفسرون في تفاسيرهم بحسب اختلافهم في العلوم التي يعنون بها، فالنحويون تهمهم المباحث الإِعرابية، والبلاغيون يعتنون بالمباحث البيانية، والفقهاء يعتنون بمسائل الفقه، وأول ما بدىء به "الباء" وهي تأتي لمعان ليست كلها سائغة هنا وإنما يسوغ منها معنيان وهما الاستعانة والمصاحبة .. أما الاستعانة فقد رجحها طائفة من المفسرين والنحويين منهم الزمخشري وعولوا على مجموعة من الحجج منها حديث "حديث : باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء"تفسير : ، وتكلف الألوسي رد جميع حجج هؤلاء حجة حجة والانتصار لقول الفريق الأول ولست أجد كبير فائدة في هذا الاختلاف حتى أبحث ما هو الراجح من الرأيين؟ وإنما أتعجب من القرطبي في زعمه أن الباء للقسم، وأن المقسم عليه أن كل ما جاءت به السورة التي تلى البسملة هو حق من عند الله، وأعجب منه نسبة القرطبي هذا القول إلى العلماء مع أنه نفسه حكى الاختلاف في متعلق الباء هل هو خاص أو عام وهو مما ينافي كونها للقسم على أنه يتبادر للإِنسان حالما يتلو بسم الله الرحمن الرحيم أن المراد بها غير القسم، وحاصل الاختلاف في متعلق الباء أن بعض العلماء يراه خاصا توحى به قرائن الأحوال فالقارىء عنما يتلو {بسم الله} يقصد أقرأ بسم الله، والذابح يقصد كذلك أذبح باسم الله، والداخل يقصد أدخل باسمه، والخارج يقصد أخرج باسمه، وهكذا في الكتاب، والمسافر، وكل من يعمل عملا يبتدئه باسم الله تعالى، وبعضهم يراه عامًّا ويقدره "أبتدىء" سواء في القراءة أو الكتابة أو الذبح أو أي شىء آخر، والذين يقدرونه خاصًّا يستدلون له بالتصريح به في قول الله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}تفسير : [العلق: 1- 2] وأنت ترى أن كلا الوجهين ينافيان ما ذكره القرطبي أن الباء للقسم، ولو كانت للقسم لقُدر المتعلق إما أُقسم أو أحلف، ولم يذكر شيئا من ذلك القرطبي، ولم ينسبه إلى أحد، ومن العلماء من يرى أن المتعلق فعل أمر تقديره اقرأ وهو خطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كل قارىء، والظاهر من كلام الإمام ابن جرير أنه يميل إلى هذا الرأى، فقد ذكر بعد إيراده عن ابن عباس رضى الله عنهما أن أول ما نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة والبسملة، وهذا يُفهم منه أن مراده اقرأ باسم الله، والاختلاف في جعل المتعلق خاصا أو عاما يرجع إلى الاختلاف في وجهات نظر العلماء المختلفين، فالذين قدروه خاصا راعوا ضرورة استحضار العمل الذي يقترن البدء فيه بالبسملة، ويقول ابن جرير:- "إن ذلك يجري مجرى الأشياء التي تعرف من غير أن تذكر، كقول القائل:- خبزا في جواب ماذا أكلت؟ فإنه يُعْلم بالضرورة أنّ مراده أكلت خبزا، وكقول المهنئين بالزواج: "بالرفاء والبنين" فإن المراد واضح وهو تزوجت أو اقترنت بالرفاء والبنين، وكذلك عندما يقرأ القارىء ويتلو {بسم الله} يعرف بالضرورة أن مراده باسم الله أقرأ، وعندما يصنع الصانع ويتلو {بسم الله} يعلم بالضرورة أن مراده باسم الله أصنع.. وهكذا، والذين قدروه عامٌّا نظروا إلى مجيء البسملة في أول الأقوال والأفعال وجعلوه دليلا على أن المراد التبرك بها في الافتتاح، وللفريقين نقاش طويل وبحوث واسعة لا نجد جدوى في إيرادها هنا. ومما كثر الخلاف فيه الاسم والمسمى، هل هما شىء واحد أو شيئان؟ وقبل التعرض لخلافهم يجدر بنا أن نحدد معنى الاسم. يرى ابن سيده أن الاسم هو اللفظ الموضوع على الجواهر أو العرض، ويقول الراغب: هو ما يعرف به ذات الشيء وأصله، ويرى أبو حيان أن الاسم هو اللفظ الذي يدل بمقتضى الوضع على موجود في العيان إن كان محسوسا وفي الأذهان إن كان معقولا من غير أن يقترن جوهره بزمان، ويرى السيد رشيد رضا أن الاسم هو اللفظ الذى يدل على ذات من الذوات كحجر وخشب وزيد أو معنى من المعاني كالعلم والفرح، وتخصيص ابن سيده للإسم بما وُضع على الجواهر والأعراض يمنع من شمول تعريفه لأسماء الله الحسنى لأن ذات الله تعالى ليست جوهرا ولا عرضا، وكذلك تعريف الراغب له بأنه ما يعرف به ذات الشيء وأصله لا يصح اعتباره منطبقا على أسماء الله، فإن ذات الله - وهي حقيقته الخاصة - لا يعرفها أحد من خلقه كما هي، وإنما غاية ما يمكن التوصل إليه معرفة صفاتها، أما تعريف أبي حيان والسيد رشيد رضا فهما خاليان من الاعتراض، ومن خلال تأملنا لجميع هذه التعريفات يمكننا أن ندرك أن الاسم هو غير المسمى ذلك لأن الاسم لفظ يدل نطقا أو كتابة على المسمى، والمسمى حقيقة سواءا أكانت محسوسة أو معقولة، ومما يؤسف له أن كثيرا من العلماء أضاعوا جهودهم في بحث هذه المسالة ورد بعضهم على بعض بما لا طائل تحته، وقد تعجب الإِمام أبو حيان من هذا الاختلاف وهو جدير بأن يُتعجب منه، ولولا خشية اللّبس لضربت صفحا عن بحث هذه المسألة من أصلها، وإليك من تلخيصها وتحريرها ما يكفيك دليلا لتستبصر في مثل هذه المقامات التي كثيرا ما تنزلق فيها الأفهام. لا ريب أنك تدرك إذا أدرت لسانك على ذكر اسم شيء لا يحضر ذلك الشيء بعينه فلو ذكرت زيدا أو محمدا أو عامرا أو سعيدا لحصل لك ذكر الإسم دون المسمى وإلا للزم أن تروى غلتك إذا ذكرت اسم ماء بلسانك وأنت ظمآن، وأن تحترق لسانك بمجرد ذكرك لاسم النّار، ومع ظهور ذلك بداهة فإن جماعة من العلماء أصروا على أن الاسم هو عين المسمى ومن هؤلاء ابن الحصار والقرطبي والألوسي ونسبه الرازي إلى الأشعرية والكرامية والحشوية ولم يكتفوا بالوقوف عند هذا الحد، بل أخذوا يشنعون على مخالفيهم، فالقرطبي ينسب قولهم إلى أهل الحق ومفهومه أن قول مخالفيهم هو قول أهل الباطل، بل صرح ابن الحصّار بأن القول الآخر هو قول أهل البدعة، ولم يأُل الألوسي جهدا في الانتصار لقولهم هذا مستندا إلى فلسفات متنوعة ليست من القرآن ولا من السنة في شيء، وفي مقابل هؤلاء نجد الإمام ابن جرير الطبري والفخر الرازي وابن القيم والسيد محمد رشيد رضا يخالفونهم تمام المخالفة ويعدون القول بأن الاسم هو عين المسمى من الأخطاء التي أوقع أصحابها فيها قلة فهمهم لمقاصد النصوص، ولقطب الأئمة رحمه الله كلام في (هيميانه) يفيد تعذر كون الإسم هو المسمى، وحمل كلام أصحابنا بأن أسماء الله هي ذاته على أن مرادهم بذلك مدلول أسمائه، ونحوه مَا أفاده نور الدين السالمي رحمه الله في مشارقه، ومنشأ اللبس الذي سبب الخلاف أن القائلين بأن الإِسم هو عين المسمى رأوا أن الله تعالى أمر بذكره وتسبيحه في آيات من الكتاب وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى فقد قال عز من قائل: {أية : وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8] {أية : وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الإنسان: 25] {أية : وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً} تفسير : [الحج: 40] {أية : فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 118] {أية : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 119] {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ}تفسير : [الحج: 36] وقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً..}تفسير : [الأحزاب: 41- 42] {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 198] {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} تفسير : [البقرة: 200] أية : {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ..} تفسير : [آل عمران: 191] {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} تفسير : [النساء: 103] ونحوه قوله في التسبيح: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}تفسير : [الأعراف: 206] وقوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 74] وقال تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14] {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الفرقان: 1] {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 78] وقد دعاهم هذا إلى الجمع بين هذه الآيات بأن يجعلوا الاسم عين المسمى، وأن يجعلوا ذكر الله وتسبيحه وذكر اسمه وتسبيح اسمه واحدا لأن اسمه عين ذاته، والصواب - كما يقول صاحب المنار - أن الذكر في اللغة ضد النسيان وهو ذكر القلب ولذلك قرنه الله بالتفكر في سورة آل عمران حيث قال: أية : {ٱلَّذِينَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ..} تفسير : وقال: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : [الكهف: 24] كما يطلق الذكر على النطق باللسان لأنه دليل على ذكر القلب وعنوان له، وذكر اللسان للاسم دون المسمى كما هو الشأن في سائر الأسماء فإذا قال قائل نار، لا تقع النار على لسانه فتحرقه، وإذا قال الظمآن ماء لا يجري الماء على فيه فيروي ظمأه - كما ذكرنا من قبل، فالمراد من ذكر الله بالقلب تذكر جلاله وعظمته وكبريائه ونعمه والمراد من ذكره باللسان ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر والثناء إليها، وهكذا يقال في التسبيح فالقلب واللسان يشتركان في التسبيح وإنما تسبيح القلب اعتقاد كما له وتنزهه عن كل ما لا يليق بعظمته وكبريائه، وتسبيح اللسان إضافة التسبيح إلى أسمائه، ولو لم ينطق بكلمة اسم، ويدل على ذلك ما أخرجه الإِمام الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه لما نزل قول الله تعالى {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجعلوها في ركوعكم" تفسير : ولما نزل قوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : قال: "حديث : اجعلوها في سجودكم" تفسير : ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حيان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه "حديث : سبحان ربي العظيم" تفسير : وفي سجوده "حديث : سبحان ربي الأعلى" تفسير : فظهر من هذا كله أن الاسم غير المسمى وأن ذكر كل منهما مشروع والفرق بينهما ظاهر وكذلك يقال في التسبيح والتبارك فكما يعظم الحق سبحانه يعظم اسمه الكريم فلا يذكر إلا مقرونا بالحمد والشكر والثناء والتقديس، وقد صرحوا أن تعمد إهانة أسماء الله تعالى في اللفظ والكتابة كفر، لأنه لا يمكن أن يصدر ذلك من مؤمن. وهذا ملخص تحرير صاحب المنار لهذه المسألة وهو منتهى الوضوح وفي غاية التحقيق. ومما تعلق به القائلون بأن الاسم عين المسمى قول لبيد: شعر : إلى الحق ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر تفسير : فقد قال القرطبي: استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى، واستدل أبو عبيدة معمر بن مثنى بالبيت على أن اسم صلة زائدة أقحمت في بسم الله الرحمن الرحيم، وأن الأصل بالله الرحمن الرحيم، وهو كلام مردود، فإن اعتبار شيء من كلمات القرآن مقحما أمر لا يخلو من سوء أدب مع كلام الله تعالى، أما البيت فقد أجاب عنه ابن جرير بجوابين: أولهما أن مراد لبيد به: عليكما اسم الله أي ألزمناه فقدم المفعول على اسم الفعل فرفعه كما هي القاعدة ألا ينصب اسم الفعل المفعول به إن تقدمه. ثانيهما أن مراده بقوله: ثم اسم السلام عليكما ثم بركة اسم السلام عليكما، كما يقال في ما يقصد تعويذه اسم الله عليه، والقول باتحاد الاسم والمسمى نسبه غير واحد إلي سيبويه من أئمة اللغة العربية وخطَّأ صاحب صاحب المنار هذه النسبة معولا على ما قاله ابن القيم في (بدائع الفوائد) ما قال نحوي قط ولا عربي أن الاسم عين المسمى، وللفخر الرازي في تفسيره نقاش طويل يدحض به شبه القائلين باتحادهما نرى الاستغناء عنه بما ذكرناه. وكلمة اسم على وزن فعل حسب أصلها وأصلها عند البصريين سمُوٌ مأخوذة من السمو لأن الاسم يعلو مسماه بكونه عنوانا له ودليلا عليه، وقيل لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به، وقيل بأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره، وأصله عند الكوفيين وسِمٌ، مأخوذ من السَّمة وهي العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، وعلى الرأي الأول هو محذوف اللام على وزن إفعٌ سكنت فاؤه فاجتلبت له همزة الوصل في ابتداء الكلام، وعلى الثاني هو واوى الفاء حذفت فاؤه فاجتلبت له همزة الوصل ووزنه إعلٌ، ويدل للأول تصريفه فإنه يصغر على سُمي لا على وُسيم ويجمع على أسماء لا على أوسام، والتصريف يرد الكلمات إلى أصولها، وإنما كانت نظرة الكوفيين مبنية على أن المراد من وضع الأسماء للمُسميات أن تكون علامة ودليلا عليها، ولم ينظروا إلى تصريف الكلمة بينما البصريون عولوا على التصريف مع نظرهم إلى أن الاسم يظهر بمسماه والظهور في حقيقته سمو وارتفاع. وفي إضافة اسم إلى لفظ الجلالة خلاف، هل هي للعهد أو للجنس الذي يُحمل على الاستغراق؟ وهو مبني على أن الإِضافة تأتي لما تأتي له أل من المعاني، وعلى الأول فالمقصود اسم معهود من أسماء الله، والأجدر أن يكون اسم الجلالة لشيوعه وذيوعه، وعلى الثاني فالمراد الافتتاح بجميع أسماء الله الحسنى، والأولى أن تكون الإِضافة هنا البيان، ووصف اسم الجلالة هنا بالرحمن الرحيم يؤكد ذلك، وإنما كان الافتتاح باسم الجلالة دون غيره لأن جميع الأسماء تابعة له فلذلك يوصف بها ولا توصف به، وفي افتتاح الكلام باسمه تعالى تفخيم له وتعظيم من شأنه، وهذا مما جرت به العادة عند الناس كما أشرنا من قبل، فهم عندما يريدون أن يفتتحوا مشروعا جديرًا بالعناية يفتتحونه باسم شخص مشهور كسلطان أو أمير أو باسم مؤسسة ذات شأن.. ويعني ذلك أنه لولا صاحب الاسم لم يفتتح المشروع، وبما أن القرآن الكريم جاء لتطهير العقيدة من جميع أدران الشرك ولوثات الزيغ فإنه علمنا كيف نخص اسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح الأقوال والأعمال، وهذا لأن العبد عندما يقول {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} يعلن براءته من الحول والطول وعدم قدرته على أى عمل إلا بعون الله كما يعلن أن قيمة العمل تكون يقدر الإِخلاص لله سبحانه، وفي الافتتاح باسمه تعالى إضفاء صفة شرعية على العمل المفتتح، ومن ثم قال العلماء "إن الأعمال غير المشروعة لا تفتتح باسم الله، ولأجل ذلك كرهوا افتتاح دواوين الأشعار بالبسملة لما يكون فيها من المجون والأقوال المجانبة للحق، فالشعراء هم كما وصفهم الله بقوله: {أية : وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}تفسير : [الشعراء: 224 - 227] وفي هذا الاستثناء مَا يدل على أن الشعر إن كان خالصا من الشوائب، بَعِيدا عن المنكرات، لا يمنع من افتتاح ديوانه بالبسملة. {ٱلله} اسم خاص لا يُطلق إلا على رب العالمين، وقالوا في تعريفه: هو علم على ذات واجب المستحق لجميع المحامد لذاته، واختلف في أصله، فالجمهور يرون أن أصله إله، فحذفت الهمزة وعُوض عنها الألف واللام وأُدغمت اللام في اللام ثم فُخمت، ولأجل أن الألف واللام للتعويض اجتمعتا مع حرف النداء ولا تجتمع أداة التعريف في غير هذا الاسم مع يا إلا مقرونة بأي، وأصل إله ألَه بمعنى عبد عند ابن جرير وجماعة من علماء العربية والتفسير وعضده ابن جرير بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {أية : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} تفسير : [الأعراف: 127] وفسره بمعنى عبادتك، وذكر علماء العربية أن ألَه كعبد وزنا ومعنى، يقال ألَهَ إلهَةً وألوهةّ وأُلوهية كعبد عبادة وعبودية وعبودة، وقيل أصله ألِه على وزن سمع بمعنى تحير لأن العقول تتحير في معرفته سبحانه، ويرد على هذا أن الأصل في الاشتقاق أن يكون لمعنى في المشتق والحيرة إنما هي في العباد، وقبل أصله من ألِهَ بمعنى فزع لأن الخلق يفزعون إلى الله سبحانه {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ}تفسير : [المؤمنون: 88] وقيل من ألِهَ بمعنى سكن لأن النفوس تسكن إليه تعالى {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28] وقيل هو مأخوذ من وَلِهَ بمعنى تجبر فيكون على هذا أصل إله ولاه وإنما أُبدلت الهمزة واواً كما قيل في وشاح إشاح، وقيل غير ذلك، وهذه الأقوال كلها مبنية على التخمين الذي لا يشفي غليلا، والظاهر أن اسم الجلالة غير مشتق والألف واللام فيه ليستا للتعريف فإن هذا الاسم الكريم هو أعرف المعارف فليس بحاجة إلى أن تجتلب له أدّاه تعريف والقول بعدم اشتقاقه محكي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي مع حكاية القول الآخر عنه وذكر بعض المؤلفين أن الخليل رؤي في المنام بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال رحمني بقولي إن اسم الجلالة غير مشتق، ولابن مالك النحوي الشهير في المقام تحرير "ما أظن أنَّ شبهة تبقى معه لمدعى اشتقاق هذا الاسم الكريم وأن أصله إله، وحاصل ما يقوله أنه يكفي في رد دعوى القائلين بالاشتقاق أنهم ادعوا ما لا دليل عليه، لأن الله والإِله مختلفان لفظا ومعنى أما لفظا فلأن الله عينه حرف علة والإِله صحيح العين واللام وإنما فاؤه همزة فهما من مادتين، وردهما إلى أصل واحد تحكم من سوء التصريف، وأما معنى فلأن الله لم يطلق في جاهلية ولا إسلام على غير الحق تبارك وتعالى وأما الإِله فأصل وضعه لمطلق المعبود ولكنه خص بالمعبود بحق، ومن قال أصله الإِله لا يخلو من أمرين، إما أن يقول أن حذف الهمزة كان ابتداء ثم اُدغمت اللام، أو يقول إن حركتها أُزيلت وأُلقيت إلى اللام قبلها ثم حذفت على القياس، والأمران باطلان أما الأول فبطلانه لأجل دعوى حذف الفاء بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من اسم ثلاثي ولا يصح أن يقاس هذا الحذف على الحذف في يد وما شابهه لأن الحذف في باب يد في الأواخر، ويترخص فيها ما لا يترخص في فاء الكلمة ثم لا يقاس على الحذف في باب عدة لأن الحذف فيه محمول على الحذف في المضارع من بابه وهو يعد، ولا على رِقة بمعنى ورق لمشابهته عدة وزنا وإعلالاً، ولولا أنه بمعناه لأُلحق بباب لثه وهو الثنائي المحذوف اللام، وأما (ناس) فأصله أُناس، فالناس من نَوسْ والأناس من الأنس، ولو سُلِّمَ أن أصلهما واحد فالحمل عليه زيادة في الشذوذ وكثرة مخالفة الأصل بلا داعٍ. وأما الثاني فبطلانه لاستلزامه مخالفة الأصل من وجوه، أحدها نقل حركة بين كلمتين على سبيل اللزوم ولا نظير له، (الثاني) نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها وهو يوجب اجتماع مثلين متحركين وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن، (الثالث) الرجوع إلى تسكين المنقول إليه الحركة وهو يبطل النقل لأنه يعود عملاً كلا عمل، وهو مستقبح في كلمة فكيف بالكلمتين، (الرابع) إدغام المنقول إليه في ما بعد الهمزة وهو مجانب للقياس لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت، فإدغام ما قبلها في ما بعدها كإدغام أحد المنفصلين، وقد اعتبر أبو عمرو في الإِدغام الكبير الفصل بواجب الحذف كالياء في نحو (يَبْتَغِ غَيْرَ) فلم يدغم. فاعتبار غير واجب الحذف أولى والذين يزعمون أن أصله إله يقولون: إن الألف واللام عوض من الهمزة، ويرده أن المعوض والمعوض عنه لا يحذفان معا وقد حذفت الألف في قول الشاعر: شعر : لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عنى ولا أنت ديّاني فتخزوني تفسير : وقالوا: (لهي أبوك) فحذفوا لام الجر والألف واللام وقدموا الهاء وسكنوها فصارت الألف ياء، وهذا يدل أن الألف كانت منقلبة لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما وليت ساكنا عادت إلى أصلها وفتحتها فتحة بناء وسبب البناء تضمن معنى التعريف عند أبي علي، ومعنى حرف التعجب إذ لم يقع في غيره وإن لم يوضع له حرف عند ابن مالك، هذا ملخص كلامه وهو منتهى الجودة ولكن لعل خصومه يجدون في قول الله تعالى: {أية : لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} تفسير : [الكهف: 38] حجة يستندون إليها في الرد عليه في إنكاره إدغام ما قبل الهمزة فيما بعدها، اعتبارا للمحذوف في حكم الثابت سواء كان واجب الحذف أو جائزه فإن كثيرا من أئمة التفسير والعربية نصوا على أن الأصل {لَكِنَّ انا هو الله ربي} فحذفت ألف أنا وأدغمت نون لكن في نونها، وممن نص على ذلك ابن جرير والزمخشري غير أن لابن مالك أن يقول كما يقول أبو حيان في (البحر المحيط) بأن ذلك غير متعين لإِمكان أن تكون (لَكنَّ) مشددة هنا وحذف اسمها وهو ضمير وهو ضمير المتكلم أي (لكنني أنا هو الله ربي) كما حذف اسمها ضميرا في قول الشاعر: - شعر : وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي تفسير : فأصله (لكنني)، وفي قول الآخر:- شعر : فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجيٌّ عظيم المشافر تفسير : على رفع زنجي وتقديره (ولكنك زنجي). واختلفوا في الفرق بين الإِله والله، فالسيد السند يرى أنهما علم لذاته تعالى، ولكن إله يطلق على غيره تعالى، والله لا يطلق على غيره سبحانه أصلا، وقال السعد: "إن الإِله اسم لمفهوم كلى هو المعبود بحق، والله علم لذاته، وقال الرضى هما قبل الإِدغام وبعده مختصان بذاته تعالى لا يطلقان على غيره أصلا إلا أنه قبل الإِدغام من الأعلام الغالبة وبعده من الأعلام الخاصة، وأنت تدري أنه إذا أُطلق اسم الجلالة لم يتبادر إلى ذهن أي أحد من أي ملة كان إلا أنَّ المراد به الحي الدائم خالق كل شيء، وأما الإِله فهو يطلق على المعبود وإنما خص في الإِسلام بالمعبود بالحق سبحانه وتعالى، ولذلك إذا أطلقه غير المسلم قد يتبادر أن المراد به غير الله تعالى والله سبحانه قد حكى في كتابه عن المشركين قولهم {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 5] كما حكى عنهم قولهم {أية : وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} تفسير : [ص: 6] وقولهم {أية : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} تفسير : [الفرقان: 42] ولم يحك عنهم ما يدل على أنهم يطلقون اسم الجلالة على غيره تعالى بل حكى عنهم ما يدل على أنهم يخصونه به سبحانه فقد قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25] وفي هذا ما يدل على اختلاف مفهوم الكلمتين عندهم فالإِله هو المعبود والله هو الخالق القادر على كل شيء، وإنما انحصر معنى الإِله عند المسلمين في الله سبحانه لأنه المعبود بحق، وكل ما يعبد سواه فهو معبود بباطل، وبهذا يتضح أن الإِله معناه كلي ينحصر في فرد، ولو لم يكن كذلك لما كان قول الموحد "لا إله إلا الله" توحيداً إذ لو كان المعنى المتبادر من اللفظين واحدا من أول الأمر لكان ذلك بمثابة قول القائل "لا إله إلا إله" وفي هذا ما يؤيد رأي ابن مالك في أن كل واحد من اللفظين مستقل وضعا. ومن أغرب ما قيل أن هذا الاسم الكريم ليس بعربي الأصل وهو رأي لا يلتفت إليه ولعل من قال به حيره اختلاف العلماء فيه هل هو مشتق أو غير مشتق؟ وما هو أصل اشتقاقه فلم يستطع أن يخلص من ذلك إلا إلى القول بأنه أعجمي الأصل. وأما علمية هذا الاسم فقد استُدل عليها بوجوه: - أولها: أنه يوصف ولا يوصف به، قال الله تعالى:{أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [البقرة: 255] وقال: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الحشر: 22- 24] وأما قراءة {صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ} في سورة إبراهيم بالجرّ فمحمولة على البيان. ثانيهما: أنه لا بد من اسم تُجرى عليه صفاته، فإن كل ما تتوجه إليه الأذهان ويُحتاج إلى التعبير عنه وقد وُضِعَ له اسم، سواء كان توفيقا أو اصطلاحيا، فمن المستحيل أن يُهمل الخالق تعالى الذي هو مصدر الأشياء جميعا، فلا يكون له اسم يجري عليه ما يُعزى إليه، وأسماء غيره لا تصلح له لانفراده تعالى بكونه واجب الوجود لذاته غير مماثل لشيء من مخلوقاته، ولا يصح أن يكون اسم جنس معرَّفا لأنه غير خاص وضعا، وكذلك لا يصح أن يكون علما منقولا من الوصفية، لأنه يستدعى أن لا يكون في الأصل مما تجري عليه الصفات. ثالثهما: أنه لو كان وصفا لجاز اتصاف غيره بأصل ذلك الوصف ولو كان مجازا إن كان من الصفات التي تجري على المخلوقين كالعلم والقدرة والمشيئة والحياة والسمع والبصر، وذلك يمنع الاكتفاء به في التوحيد نحو (لا إله إلا العالم القدير السميع العليم) لإِمكان أن يراد غير الله تعالى بهذه الصفات لعدم تعذر إطلاقها على غيره بخلاف اسم الجلالة لاختصاصه به سبحانه. ولسبب اختصاص الله تعالى بهذا الاسم الكريم وكونه علما على ذاته صرف جميع خلقه عن التسمى به، ولم تحدث أحدا نفسه - وإن كان من أعتى العتاه - أن يتسمى به أو يسمى به غيره، فلو سُئل أحد من أهل الجاهلية: هل اللات هي الله؟ أو العُزّى أو مناة؟ لأنكر ذلك، ومن ثم قال غير واحد من أئمة التفسير وغيرهم إنَّ هذا الاسم هو المراد في قوله سبحانه: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65] أما الإِله فلم يكن الناس في جاهليتهم يتورعون من وصف غير الله به، لأن أصله لمطلق المعبود، والإِسلام حصره في المعبود بحق كما ذكرنا فمن وصف به أي شيء غير الله تعالى فقد جعل لله ندّا، ولذلك أنكر القرآن تسمية المشركين أصنامهم آلهة، ويرى السيد محمد رشيد رضا أنه أنكر عليهم تأليهها وعبادتها لا مجرد تسميتها، فقد سماها هو آلهة في قوله: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} تفسير : [هود: 101] قال ولا يظهر في هذه الآية قصد الحكاية، وفي كلامه هذا نظر فإن الإِله لو لم يمنع شرعا إطلاقه على غير الله لما كان قول "لا إله إلا الله" توحيداً، ونجد في القرآن الكريم الإِنكار الذي يلي الإنكار على من يصف غير الله بالألوهية وقد تكرر ذلك في سورة النمل قال تعالى: {أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}تفسير : [النمل: 60] {أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النمل: 62] {أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [النمل:61] {أية : أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [النمل:64] وأما قوله: {أية : فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ}تفسير : [هود:101] فليس فيه ما يدل على إقرار هذه التسمية لأنه مسوق مساق التهكم والاستخفاف بهم، وهؤلاء المشركون وإن استجابوا عبادة هذه الأشياء فإنما يعتبرون العبادة وسيلة إلى الله فإنهم يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] أما لو سئلوا هل خلق شيء من هذه الأصنام التي يعبدونها شيئا من هذه الكائنات لأجابوا بالنفي، بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [لقمان:25]. تفسير : {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} صفتان لله تعالى اشتقاقهما من الرحمة وهي انفعال نفسي يحمل صاحبه على الإِحسان إلى غيره وهو محال على الله بحسب المعنى المعروف في البشر لأنه في البشر ألم يلم بالنفس لا يشفيه إلا الإِحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، وإنما يحمل وصف الله تعالى بالرحمة على أثرها وهو الإِحسان ومثل هذا مألوف عند العرب، وكون صفتي "الرحمن الرحيم" مشتقتين من الرحمة هو رأي الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن "الرحمن" اسم وليس بصفة وأنه غير مشتق لأنه لو كان مشتقا من الرحمة لجاز اتصاله بالمرحوم فيقال: الله رحمن بعباده كما يقال رحيم بعباده، وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعته إذ لم يكونوا ينكرون رحمة بهم، وقد قال الله عنهم: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 60] واستدل ابن العربي بقولهم "وما الرحمن" ولم يقولوا ومن الرحمن على أنهم جهلوا الصفة دون الموصوف واعترضه ابن الحصار محتجا عليه بقوله تعالى: {أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الرعد: 30] ويؤيد رأي الجمهور ما رواه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" تفسير : وليس في عدم اتصاله بذكر المرحوم ما يدل على عدم الاشتقاق فإنه استدلال سلبي قي مقابلة الدليل الثبوتي، وإنكار العرب للرحمن ناشيء عن تعنتهم في الكفر وإصرارهم على التكذيب وإلا فقد كانوا غير جاهلين به، كيف! وقد ورد في أشعارهم كما ذكره ابن جرير، ومنه قول أحد الجاهلية الجهلاء: شعر : ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربي يمينها تفسير : وقول سلامة بن جندب الطهوي: - شعر : عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق تفسير : ومما يستغرب ما نسبه ابن الأنباري إلى المبرد وأبو إسحاق الزجّاج إلى أحمد بن يحيى أن اسم الرحمن عبراني وليس بعربي، واستدل لذلك بقول جرير: شعر : لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا أو تتركون إلى القسين هجكرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا تفسير : وليس في ذلك ما يدل على عبرانيته، إذ لا يلزم من استعمال أهل الكتاب له - لوصح - ألا يكون عربيا ولعل القائلين باسمية "الرحمن" يستدلون بالإِسناد إليه في نحو قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5] {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1- 2] وهذا لا ينافي وصفيته لأنه وإن كان صفة مشتقة فهو مختص بالله تعالى والصفات يسند إليها كثيرا وإن لم تكن مختصة فما بالك بالمختص؟ واختصاصه بالله هو رأي الجمهور وحملوا قول الشاعر بني حنيفة في مسيلمة: - شعر : سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا تفسير : على التعنت بالكفر. تفسير : واختلف في الفرق بين {الرحمن} و {الرحيم} فالجمهور على أن {الرحمن} أبلغ من {الرحيم} وهو مبني على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وأورد الزمخشرى من هذا الباب نكتة لطيفة وذلك أنه ذكر أنه كان في طريقه إلى الحجار فوجد محملا أكبر بقليل عن محامل تستعمل في العراق يسمى الواحد منها "الشقدف" فسأل أعْرابيا عن اسم المحمل الذي رآه فقال له أليس ذلك يدعى الشقدف؟ قال له: بلى.. قال: فهذا الشقنداف، واستظهر منه الزمخشري أن طول الإسم لكبر المسمى، وهذه القاعدة غير مطرده، فإن حَذِرا أبلغ من حاذر وحروفه أقل، وبناء على ما يقوله الجمهور قيل: إن {الرحمن} هو المنعم بجلائل النعم و {الرحيم} هو المنعم بدقائقها وقيل أن {الرحمن} هو المنعم بنعم شاملة تعم المؤمن والكافر والبر والفاجر و {الرحيم} هو المنعم على المؤمنين خاصة، ومتعلق هذا القول قوله تعالى {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} وانتقد الأستاذ الشيخ محمد عبده هذين القولين وقال: "كل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا فصفة {الرحمن} تدل على كثرة الإِحسان الذي يعطيه سواءً كان جليلا أم رقيقا وأما كون أفراد الإِحسان التي يدل عليه اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الإِحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا فهو غير معنى ولا مراد، وقد قارب من قال: إن {الرحمن} المحسن بالإِحسان العام ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول {الرحيم} بالمؤمنين. وقيل {الرحمن} رحمن الدنيا والآخرة "والرحيم" رحيم الآخرة، وهو كسابقيه لا يستند إلى دليل، ولعل عدم ظهور الحجة في التفرقة التي زعموها كان هو السبب في قول جماعة من المفسرين كالمحلِّي والصَّبَان: إن الاسمين الكريمين بمعنى، وإنما جيىء بالثاني تأكيداً للأول، وانتقد الإِمام محمد عبده هذا الرأي قائلا: "ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة، نسأل الله أن يسامح صاحبها" ثم قال: "وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه إن في القرآن كلمة تغاير أخرى ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به، نعم قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرا أو إيضاحا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير، بحيث تكون من قبيل ما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة، فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق، وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها، وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وُضع لذلك ومعناه هو التأكيد، وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، فالباء في قوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 79، 166] تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها وهو معناها الذي وُضعت له، ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإِعراب وكذلك معنى من في قوله: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 102] ونحو ذلك، أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه، كتكرار جملة {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن] ونحوها عقب ذكر كل نعمة وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها عند ذكر كل نعمة "أفبهذه النعمة تكذبان"، وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو ويخلص الإِمام بعد هذا الرّد إلى اختيار القول باستقلال كلٍّ من لفظيّ {الرحمن} و {الرحيم} بمعنى، ويردّ استخراج المعنى الذي تدل عليه كل واحدة من اللفظتين إلى بنائها الحرفي، فالرحمن على وزن فعلان، وهذه الصّيغة تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كفعال وهو مستمعل لغة في الصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان وشعبان، و {الرحيم} على وزن فعيل، وهذه الصيغة تستعمل لغة في المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا نحو سميع وبصير وعليم وحكيم وحليم وجميل، والقرآن الكريم عندما يخبر عن صفات الله لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ، وإنما تعلو صفات الله عن مماثلة صفات المخلوقين، ومن هنا يرى الأستاذ أن "الرحمن" يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم على الخلق والإِحسان إليهم، وأن {الرحيم} يدلّ على مصدر هذه الرحمة ومنشأ هذا الإِحسان، وهو بهذا يثبت أن {الرحمن} صفة فعلية، و {الرحيم} صفة ذاتية ثابتة له تعالى، ويؤكد بهذه التفرقة أنه لا يُسْتَغْنى بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون مجيء الثاني لمجرد تأكيد الأول، ويرى أن العربي إذا سمع وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه مفيض النعم، وواهب الإِحسان بالفعل لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما، لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن صادرا عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرا، ولكن عندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بجلال الله ويرضيه سبحانه، ويعلم أن لله صفة ثابتة، وهي الرحمة التي يكون عنها أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليكون برهانا عليه. ورأي الإِمام في التفرقة بين الرحمن والرحيم يتفق مع الجويني الذي حكى عنه الألوسي بأن فعلان لمن تكرر منه الفعل وكثر، وفعيلاً لمن ثبت منه الفعل ودام، وابن القيم يرى عكس ذلك فهو يرى أن الرحمن صفة ذاتية لله تعالى، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، ويستدل لذلك بقول الله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب: 43]، إنه بهم رحيم، وعدم مجيء "الرحمان بهم" وأكّد رأيه بقوله: (فعلمت أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة، والرحيم هو الراحم برحمته، وعلى كلا الرأيين فإن اجتماع الوصفين الكريمين يؤدي إلى ما لا يحصل لو أُفرد أحدهما بالذكر) وللمفسرين أقوال في {الرحمن الرحيم} غير التي ذكرنا نرى الاستغناء عن ذكرها لعدم اعتضادها بحجة مقبولة.
الالوسي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم فيها أبحاث البحث الأول: اختلف العلماء فيها هل هي من خواص هذه الأمة أم لا؟ فنقل العلامة أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن الله تعالى افتتح كل كتاب بها وروى السيوطي فيما نقله عنه السرميني والعهدة عليه: بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب، وذهب هذا الراوي إلى أن البسملة من الخصوصيات لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم إلى أن نزل {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا }تفسير : [هود: 41] فأمر بكتابة بسم الله حتى نزل: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }تفسير : [الإسراء: 110] فأمر بكتابة بسم الله الرحمن إلى أن نزلت آية النمل فأمر بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ولما اشتهر أن معاني الكتب في القرآن ومعانيه في الفاتحة ومعانيها في البسملة ومعاني البسملة في الباء فلو كانت في الكتب القديمة لأمر من أول الأمر بكتابتها ولكانت معاني القرآن في كل كتاب واللازم منتف فكذا الملزوم، وفيه أن الأمر بذلك التفصيل لا يستلزم النفي لاحتمال نفي العلم إذ ذاك ولا ضير وأن المختص بالقرآن اللفظ العربـي بهذا الترتيب والكتب السماوية بأسرها خلافاً للغيطى غير عربية وما في القرآن منها مترجم فلربما لهذه الألفاظ مدخل في الاشتمال على جميع المعاني فلا تكون في غير القرآن كما توهمه السرميني وإن كان هناك بسملة على أن في أول الدليلين بظاهره دليلاً على عدم الخصوصية. البحث الثاني: وهو من أمهات المسائل حتى أفرده جمع بالتصنيف اختلف الناس في البسملة في غير النمل إذ هي فيها بعض آية بالاتفاق على عشرة أقوال الأول: أنها ليست آية من السور أصلاً الثاني: أنها آية من جميعها غير براءة الثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها الرابع: أنها بعض آية منها فقط الخامس: أنها آية فذة أنزلت لبيان رؤوس السور تيمناً للفصل بينها السادس: أنه يجوز جعلها آية منها وغير آية لتكرر نزولها بالوصفين. السابع: أنها بعض آية من جميع السور الثامن: أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور التاسع: عكسه العاشر: أنها آيات فذة وإن أنزلت مراراً فابن عباس وابن المبارك وأهل مكة كابن كثير وأهل الكوفة كعاصم والكسائي وغيرهما سوى حمزة وغالب أصحاب الشافعي والإمامية على الثاني، وقال بعض الشافعية وحمزة ونسب للإمام أحمد بالثالث وأهل المدينة ومنهم مالك والشام ومنهم الأوزاعي والبصرة ومنهم أبو عمرو ويعقوب على الخامس وهو المشهور من مذهبنا وعلى المرء نصرة مذهبه والذب عنه وذلك بإقامة الحجج على إثباته وتوهين أدلة نفاته وكنت من قبل أعد السادة الشافعية لي غزية ولا أعد نفسي إلا منها، وقد ملكت فؤادي غرة أقوالهم كما ملكت فؤاد قيس ليلى العامرية فحيث لاحت لا متقدم ولا متأخر لي عنها:شعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا تفسير : إلى أن كان ما كان فصرت مشغولاً بأقوال السادة الحنفية وأقمت منها برياض شقائق النعمان واستولى عليّ من حبها ما جعلني أترنم بقول القائل:شعر : محا حبها حب الألى كن قبلها وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل تفسير : وقد أطال الفخر في هذا المقام المقال وأورد ست عشرة حجة لإثبات أنها آية من الفاتحة كما هو نص كلامه ولا عبرة بالترجمة فها أنا بتوفيق الله تعالى راده ولا فخر وناصر مذهبـي بتأييد الله تعالى ومنه التأييد والنصر فأقول قال: /الحجة الأولى: روى الشافعي عن ابن جريج عن [ابـن] أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} آية: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} آية: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} آية: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ} آية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آية: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} آية: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ} آية» وهذا نص صريح. الحجة الثانية: روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبـي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم»تفسير : . الحجة الثالثة: روى الثعلبـي بإسناده عن أبـي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« حديث : ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟ فقلت بلى قال: بأي شيء تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ فقلت بسم الله الرحمن الرحيم قال: هي هي»تفسير : . الحجة الرابعة: روى الثعلبـي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه «حديث : عن جابر بن عبد الله: أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال له كيف تقول: إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول الحمد لله رب العالمين قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : وروى أيضاً بإسناده عن أم سلمة: «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين» تفسير : وروى أيضاً بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه: «أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص». وروى أيضاً بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمَ }تفسير : [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب فقيل لابن عباس فأين السابعة فقال: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وبإسناده عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها»تفسير : وبإسناده أيضاً عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم: قال: «حديث : يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: مجدني عبدي وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي فإذا قال: مالك يوم الدين قال الله تعالى: فوض إليَّ عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»تفسير : . وبإسناده أيضاً «حديث : عن أبـي هريرة قال: كنت مع النبـي صلى الله عليه وسلم في المسجد والنبـي يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي فافتتح الصلاة وتعوذ ثم قال: الحمد لله رب العالمين فسمع النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال له يا رجل قطعت على نفسك الصلاة أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد فمن تركها فقد ترك آية منها ومن ترك آية منها فقد قطع عليه صلاته فإنه لا صلاة إلا بها فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته»تفسير : وبإسناده عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله»تفسير : . الحجة الخامسة: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا كان كذلك وجب أن تكون آية منها بيان الأول: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ }تفسير : [العلق: 1] ولا يجوز أن يقال الباء صلة لأن الأصل أن تكون لكل حرف من كلام الله تعالى فائدة وإذا كان الحرف مفيداً كان التقدير اقرأ مفتتحاً باسم ربك وظاهر الأمر الوجوب ولم يثبت في غير القراءة للصلاة فوجب إثباته في القراءة فيها صوناً للنص عن التعطيل. الحجة السادسة: التسمية مكتوبة بخط القرآن وكل ما ليس من القرآن فإنه غير مكتوب بخط القرآن ألا ترى أنهم منعوا كتابة أسامي السور في المصحف ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس/ والغرض من ذلك كله أن يمنعوا أن يختلط بالقرآن ما ليس بقرآن فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط القرآن. الحجة السابعة: أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى والبسملة موجودة بينهما فوجب جعلها منه. الحجة الثامنة: أطبق الأكثرون على أن الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي قال: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } آية وأبو حنيفة قال: إنها ليست آية لَكِنِ {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } آية، وسنبين أن قوله مرجوح ضعيف فحينئذٍ يبقى أن الآيات لا تكون سبعاً إلا بجعل البسملة آية تامة منها. الحجة التاسعة: أن نقول قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة فوجب كونها آية منها، بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل وإذا كان كذلك فالظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قرأها فوجب أن يجب علينا قراءتها لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ }تفسير : [الأعراف: 158] وإذا ثبت الوجوب ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو أبتر»تفسير : وأعظم الأعمال بعد الإيمان الصلاة فقراءة الفاتحة بدون قراءتها توجب كون الصلاة عملاً أبتر ولفظه يدل على غاية النقصان والخلل بدليل أنه ذكر ذماً للكافر الشانىء فوجب أن يقال للصلاة الخالية عنها في غاية النقصان والخلل وكل من أقر بذلك قال بالفساد وهو يدل على أنها من الفاتحة. الحجة العاشرة: ما روي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لأبـيّ بن كعب: «حديث : ما أعظم آية في القرآن؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم»تفسير : فصدقه النبـي في قوله وجه الاستدلال أن هذا يدل على أن هذا المقدار آية تامة ومعلوم أنها ليست بتامة في النمل فلا بد أن تكون في غيرها وليس إلا الفاتحة. الحجة الحادية عشرة: عن أنس أن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة جهرية فقرأ أم القرآن ولم يقرأ البسملة فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن؟! فأعاد معاوية الصلاة وجهر بها. الحجة الثانية عشرة: أن سائر الأنبياء كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدءون باسم الله فقد قال نوح: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا }تفسير : [هود: 41] وسليمان: {أية : بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ } تفسير : [النمل: 30ـ31] فوجب أن يجب على رسولنا ذلك لقوله تعالى: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وإذا ثبت ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت أيضاً في حقنا لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُوهُ }تفسير : [الأعراف: 158] وإذا ثبت في حقنا ثبت أنها آية من سورة الفاتحة. الحجة الثالثة عشرة: أنه تعالى قديم والغير محدث فوجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقاً على ذكر غيره والسبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كانت قراءة البسملة سابقة وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقديم فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أنها آية من الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق. الحجة الرابعة عشرة: أنه لا شك أنها من القرآن في سورة النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله تعالى: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [المرسلات: 15] {أية : فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }تفسير : [الرحمن: 13] مكرراً كذلك قلنا: إن الكل منه. الحجة الخامسة عشرة: روى أنه عليه السلام كان يكتب «باسمك اللهم» الحديث وهو يدل على أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن [و] مجموعها منه وهو مثبت فيه فوجب الجزم بأنه من القرآن إذ لو جاز إخراجه مع هذه الموجبات والشهرة لكان جواز إخراج سائر الآيات أولى وذلك يوجب الطعن في القرآن العظيم. الحجة السادسة عشرة: قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يأمر بكتابتها بخط المصحف فيه وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل تجب قراءته وهل يجوز للمحدث مسه؟ فنقول ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»تفسير : انتهى كلامه وليس بشيء لأن البعض منه مجاب عنه والبعض لا يقوم حجة علينا لأن الصحيح من مذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية مستقلة وهي من القرآن وإن لم تكن من الفاتحة نفسها وقد أوجب الكثير منا قراءتها في الصلاة وذكر الزيلعي في «شرح الكنز» أن الأصح أنها واجبة، وذكر الزاهدي عن «المجتبـى» أن الصحيح أنها/ واجبة في كل ركعة تجب فيها القراءة وهي الرواية الصحيحة عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وقال ابن وهبان في «منظومته»:شعر : ولو لم يبسمل ساهياً كل ركعة فيسجد إذ إيجابها قال الأكثر تفسير : وفي «غنية المتملي» وهو الأحوط وبه أقول خلافاً لقاضيخان وصاحب «الخلاصة» وغيرهم والحق أحق بالاتباع والقول عن بعض هذا أنه من طغيان القلم غاية الطغيان ونهاية في التعصب من غير إتقان ولنتكلم على ما ذكره هذا العلامة على التفصيل فنقول: أما ما ذكره في الحجة الأولى من حديث أم سلمة بالوجه الذي رواه مخالف لما في البيضاوي المخالف لما في الكتب الحديثية فيجاب عنه بأن أبا مليكة لم يثبت سماعه عن أم سلمة وبتقديره للمعاصرة يقال إن هذا اللفظ لم يوجد في المشهور ولعله نقل بالمعنى لبعض الروايات الآتية على حسب ما يلوح له فقد أخرج أبو عبيد وأحمد وأبو داود بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}» وابن الأنباري والبيهقي: «كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ثم يقف ثم يقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ثم يقف ثم يقول: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ثم يقف ثم يقول: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}» وابن خزيمة والحاكم بلفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فعدها آية {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} اثنين {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ثلاث آيات {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} أربع آيات وقال: هكذا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وجمع خمس أصابعه» والدارقطني بلفظ: «كان يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إلى آخرها قطعها آية آية وعدها عد الأعراب وعد {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ولم يعد {عَلَيْهِمْ }» والرواية الأولى والثانية يمكن أن يقال: عنت بهما بيان كيفية قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسائر القرآن وذكرت بعضاً منه على سبيل التمثيل ولم تستوعب وليس فيهما سوى إثبات أنها آية وهو مسلم لكن من القرآن وأما أنها من الفاتحة فلا، وكذا في الرواية الثالثة إثبات أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها في الصلاة ويعدها آية لوقوفه عليها وهو مسلمنا أيضاً وهي الآية الأولى من القرآن والآية الثانية منه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وهكذا إلى الخامسة وجمعت الأصابع وانقطع الكلام وأما الرواية الرابعة فليست نصاً أيضاً في أن البسملة آية من الفاتحة إذ يحتمل أن يكون المعنى كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في بعض الأوقات في الصلاة أو غيرها ولا دوام لا وضعاً ولا استعمالاً من كتاب الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إلى آخرها أي الآيات قطعها آية آية ولم يوصل بعضها ببعض وعدها عد الإعراب واحدة واحدة وعد {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ولم يسقطها لوجوبها في الصلاة وللاعتناء بها في غيرها لما فيها من عظائم الأسرار ودقائق الأفكار، ومن هذا أوجب الكثير من علمائنا سجود السهو على من تركها وقد أزال صلى الله عليه وسلم بذلك ظن أنها ليست من القرآن لاستعمالها في أوائل الرسائل ومبادىء الشؤون ولم يعد {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقف عليها بل وصل صلى الله عليه وسلم تلك المرة لبيان الجواز وعدم تخيل شيء ينافي كونها آية بل هناك ما يشعر به فإن تقارب الآي في الطول والقصر كتقارب الفقرات شيء مرغوب فيه وعدم التشابه في المقاطع لا يضر فأين أفواجاً من الفتح فلزوم الرعاية غير لازم وكون الموصوف في آية والصفة في آية أخرى مسبوق بالمثل وسابق على الأمثال ومن أنعم الله تعالى عليه وعرف {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وجده تاماً وعد توقفه على الشرط المفهوم من {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ } كلاماً ناقصاً وعلى هذا لم يثبت في هذه/ الرواية سوى أن البسملة آية من القرآن وهو مسلم عند الطرفين وأما إنها من الفاتحة فدونه خرط القتاد. وأما ما ذكره في الحجة الثانية: من حديث أبـي هريرة فقد أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي بلفظ: «{ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} سبع آيات {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إحداهن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم وهي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب» وأخرجه الدارقطني بلفظ: «حديث : إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إحدى آياتها» تفسير : ومعنى الرواية الأولى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إلى آخر الآيات سبع آيات، وبه قال الحنفيون، ولما لاحظ صلى الله عليه وسلم توهم السامعين من عدم التعرض للبسملة مع تلك الشبهة السالفة كونها ليست بآية من القرآن أزال هذا التوهم بوجه بليغ فقال: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إحداهن أي مثل إحداهن في كونها آية من القرآن ومعنى الثانية إذا أردتم قراءة الحمد إلى آخر ما يليه فاقرؤا قبله {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إنها ـ أي الحمد ـ إلى الآخر أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني. وهذا كالتعليل أو الترغيب بقراءة الحمد لله رب العالمين إلى آخرها وقوله: و {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إحدى آياتها على حد ما ذكر في معنى الرواية الأولى وهو كالتعليل أو الترغيب أيضاً في قراءة البسملة وما ذكرناه وإن كان فيه ارتكاب مجاز لكن دعانا إليه إجراء صدر الكلام على حقيقته وإن أجري هذا على ظاهره فلا بد من ارتكاب المجاز في الصدر كما لا يخفى وهو ارتكاب خلاف الأصل قبل الحاجة إليه وأما ما ذكره في الحجة الثالثة: فليس سوى إثبات أن التسمية من القرآن كما أقرّ هو به ولسنا ممن نخالفه فيه وأما ما ذكره في الرابعة: فالحديث الأول والثاني والثالث والسادس مع ضعفه والثامن لا تدل على المقصود ونحن نقول بما تدل عليه، والرابع موقوف على ابن عباس ولا نسلم أن حكمه الرفع لجواز الاجتهاد وإن قلنا إن الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع كمعرفة السورة مثلاً ولذلك عدوا {أية : الۤمۤ }تفسير : [البقرة: 1] آية حيث وقعت ولم يعدوا {أية : الۤمۤر}تفسير : [الرعد: 1] لأنا لم نقل إنها جزء آية واجتهد فجعلها آية بل قلنا إنها آية مستقلة من القرآن واجتهد وجعلها آية من الفاتحة أو نقول: إنه قال ذلك أيضاً عن توقيف لكن على ظنه واجتهاده أنه توقيف، والخامس لي شك في صحته بهذا اللفظ ولعله باللفظ الذي خرجه به الدارقطني وقد سلف بتقريره وليس لي اعتماد على الفخر في الأحاديث وليس من حفاظها وأراه إذا نقل بالمعنى غير وليس عندي "تفسير الثعلبـي" لأراه فإن النقل منه، والسابع لا تلوح عليه طلاوة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فصاحته وهو أفصح من نطق بالضاد بل من مارس الأحاديث جزم بوضع هذا ولعمري لو كان صحيحاً لاكتفى به الشافعية أو لقدموه على سائر أدلتهم ويا ليته ذكر إسناده لنراه وأما الحجة الخامسة: ففيها أنا لا نسلم أن وجوبها في أول الفاتحة مستلزم لكونها آية منها واستدلاله في هذا المقام بقوله: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] واه جداً من وجوه أظهر من الشمس فلا نتعب البنان ببيانها وأما الحجة السادسة: فهو أقوى ما يستدل به على كون البسملة من القرآن وأما على أنها من الفاتحة فلا، وتعرض نفاة كونها قرآناً للتكلم في هذا الدليل مما لا يرضاه الطبع السليم، والذهن المستقيم، والإنصاف نصف الدين، والانقياد للحق من أخلاق المؤمنين وأما الحجة السابعة: فلنا لا علينا كما لا يخفى وأما الحجة الثامنة: فدون إثبات مدارها ـ وهو توهين كلام مولانا أبـي حنيفة رحمه الله تعالى ـ جبال راسيات ـ وأما الحجة التاسعة: فهي كالحجة الخامسة حذو القذة بالقذة واستدلاله بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل أمر ذي بال»تفسير : الخ ليس بشيء لأن الفاتحة جزء من الصلاة المفتتحة بالتكبير المقارن للنية الذي هو ركن منها فحيث لم تفتتح بالبسملة عدت بتراء فبطلت وكذا الركوع والسجود الذي أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه كل منهما أمر ذو بال فإذا لم يفتتح بالبسملة كان أبتر باطلاً فحسن الظن بديانة العلامة وعلمه أنه كان يبسمل أول/ صلاته وعند ركوعه وسجوده وسائر انتقالاته رحمة الله تعالى عليه وأما الحجة العاشرة: فلا تقوم علينا لأنا أعلمناك بمذهبنا وأما الحجة الحادية عشرة: فقصارى ما تدل عليه ظاهراً بعد تسليمها أن معاوية لما لم يقرأ البسملة وترك الواجب ولم يسجد للسهو أعاد الصلاة لتقع سليمة من الخلل ولهذا أمهلوه إلى أن فرغ ليروا أيجبر الخلل بسجود السهو أم لا واعتراضهم عليه بترك واجب يجبر بالسجود ليس أغرب من اعتراضهم عليه في تلك الصلاة أيضاً بترك هيئة حيث روى الشافعي نفسه كما نقله الفخر نفسه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية سرقت من الصلاة أين {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وأين التكبير عند الركوع والسجود ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير وهذا لا يضرنا، نعم يبقى الجهر والبحث عنه مخفي الآن وأما الحجة الثانية عشرة: ففيها كما تقدم أن الوجوب لا يستلزم الجزئية على أن قوله: إن سائر الأنبياء يبتدئون عند الشروع بأعمال الخير بذكر الله فوجب أن يجب على رسولنا ذلك الخ واستدل على الوجوب عليه إذ وجب عليهم عليهم السلام بقوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }تفسير : [الأنعام: 90] لا أدري ما أقول فيه سوى أنه جهل بالتفسير وعدم اطلاع على أخبار البشير النذير وأما الحجة الثالثة عشر: فلا تجديه نفعاً في مقابلتنا أيضاً وفيها ما في أخواتها وأما الحجج الباقية: فككثير من الماضية لا تنفع في البحث معنا إلا بتسويد القرطاس وتضييع نفائس الأنفاس على أن بعض ما ذكره معارض بما أخرج مسلم وغيره من حديث أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ قال الله تعالى: حمدني عبدي وإذا قال: ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ قال: أثنى عليَّ عبدي وإذا قال: مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ قال الله تعالى: مجدني عبدي وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» تفسير : وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة وأنها سبع بدونها حيث جعل الوسطى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ والثلاث قبلها لله تعالى والثلاث بعدها للعبد وليس فيه نفي أنها من القرآن، ولا شك أن هذه الرواية أصح من رواية الثعلبـي ولا أقدم ثعلبياً على مسلم، وكذا من رواية السجستاني ومتى خالف الراوي الثقة من هو أوثق منه بزيادة أو نقص فحديثه شاذ وليس هذا من باب النفي والإثبات كما ظنه من ليس له في هذا الفن رسوخ ولا ثبات وحمل النصف فيه على النصف في المعنى أو الصنف من عدم الإنصاف إذ ذاك مجاز ولا حاجة إليه ولا قرينة عليه وجعله حقيقة لكن باعتبار الدعاء والثناء يكذبه العد والقول بأن مدار الرواية العلاء وقد ضعفه ابن معين فهو على جلالة الرجل لا يسمن ولا يغني من جوع لأن الموثق كثير وتقديم الجرح على التعديل ليس بالمطلق بل إن لم يكثر المعدلون جداً وقد كثروا هنا وكون التقسيم لما يخص الفاتحة والبسملة مشتركة مع كونه خلاف الظاهر لا تقتضيه الحكمة إذ هي عند الخصم أشرف الأجزاء وكون المراد بعض قراءة الصلاة إذ الظاهر لا يمكن أن يراد لوجود الأعمال وضم السورة ويتحقق البعض بهذا البعض ليس بشيء إذ اللائق أن يكون البعض مستقلاً بمبدأ ومقطع والثاني موجود والأول على قولنا وأيضاً الفاتحة سورة كالكوثر والملك وقد نص صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عنه بأن الأولى ثلاث آيات/ والثانية ثلاثون ووقفهم عليها ولم يعد البسملة ولو عدها مستقلة لزاد العدد أو جزءاً لورد، وعلى المثبت البيان وأنى هو، على أنه يرد على الثاني استلزامه للتحكم بدعوى الاستقلال في الفاتحة والبعضية في غيرها وقول الرازي هذا غير بعيد فـ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} آية تارة وجزء آية أخرى كما في: {أية : وآخر دَعْوٰهُمْ}تفسير : [يونس: 10] الآية بعيد بل قياس باطل لوجود المقتضي للجزئية هناك وانتفائه هنا وأيضاً نزل الكثير من السور بلا بسملة ثم ضمت بعد، وحديث الصحيح في بدء الوحي يبدي صحة ما قلنا وهذا يبعد كونها آية من السورة أو جزء آية وكونها لم تنزل بعد يبعد الثاني إن لم يبعد الأول وحديث إنها أول ما نزلت ليس بالقوي بل الثابت ويشكل عليه ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم الخ على أن الأولية إن سلمت وسلمت لا تضرنا، وبالجملة يكاد أن يكون اعتقاد عدم كون البسملة جزءاً من سورة من الفطريات كما لا يخفى على من سلم له وجدانه فهي آية من القرآن مستقلة ولا ينبغي لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها أو ينكر وجوب قراءتها ويقول بسنيتها فوالله لو ملئت لي الأرض ذهباً لا أذهب إلى هذا القول وإن أمكنني ـ والفضل لله تعالى ـ توجيهه كيف وكتب الأحاديث ملأى بما يدل على خلافه وهو الذي صح عندي عن الإمام والقول بأنه لم ينص بشيء ليس بشيء وكيف لا ينص إلى آخر عمره في مثل هذا الأمر الخطير الدائر عليه أمر الصلاة من صحتها أو استكمالها ويمكن أن يناط به بعض الأحكام الشرعية وأمور الديانات كالطلاق والحلف والتعليق وهو الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم رضي الله تعالى عنه والإخفاء بها في الجهرية لا يدل على السنية فإن القوم بوجوبها لا ينافي إخفاءها اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن عباس لم يجهر النبـي صلى الله عليه وسلم بالبسملة حتى مات، وروى مسلم حديث : عن أنس: «صليت خلف النبـي صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع منهم أحداً يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : ولم يرد نفي القراءات بل سماعها للإخفاء بدليل ما صرح به عنه »فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الشيخين، وروى الطبراني بإسناد عنه: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي الله تعالى عنهم» تفسير : وروي حديث : عن عبد الله بن المغفل ولا نسلم ضعفه أنه قال: سمعني أبـي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني إياك والحدث في الإسلام فقد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبـي بكر وعمر وعثمان فابتدءوا القراءة بٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ تفسير : فإذا صليت فقل ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أي اجهر بها واخف البسملة وهو مذهب الثوري وابن المبارك وابن مسعود وابن الزبير وعمار بن ياسر والحسن بن أبـي الحسين والشعبـي والنخعي وقتادة وعمر بن عبد العزيز والأعمش والزهري ومجاهد وأحمد وغيرهم خلق كثير وأحاديث الجهر لم يصح منها سوى حديث ابن عباس الذي أخرجه الشافعي عنه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" وهو معارض بما تقدم عنه أو محمول على أنه كان يجهر بها أحياناً لبيان أنه تقرأ فيها كما جهر عمر رضي الله تعالى عنه بالثناء للتعليم وكما شرع الجهر بالتكبير للإعلام وحتى مات هناك قيد للمنفي لا للنفي فلا يتنافيان على أنه روي عن بعض الحفاظ ليس حديث صريح في الجهر إلا وفي إسناده مقال. وعن الدارقطني أنه صنف كتاباً في الجهر فأقسم عليه بعض المالكية ليعرفه الصحيح فقال: لم يصح في الجهر حديث والقول بأن الرواية عن أنس ست متعارضة فتارة يروى عنه الجهر وأخرى الإخفاء للخوف من بني أمية المخالفين لعلي كرم الله وجهه إذ مذهبه الجهر لا يضرنا إذ يقدم عند التعارض الأقوى إسناداً وهو هنا ما يوافقنا إذ هو على شرط الشيخين، وتهمة الراوي المخالف بالكذب على أنس أهون عندي من تهمة أنس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقدمي أصحابه. ومن عجائب الرازي: كيف يبدي احتمال التهمة ويروي اعتراض أهل المدينة على سيد ملوك بني أمية بذلك اللفظ الشنيع والمحل الرفيع فهلا خافوا وسكتوا وصافوا، والأعجب من هذا أنه ذكر ست حجج لإثبات الجهر هي أخفى من العدم الأولى: أن البسملة من السورة فحكمها حكمها سراً وجهراً وكون البعض سرياً والبعض جهرياً مفقود ويردّه ما علمته في الردود وبفرض تسليم أنها من السورة أيّ مانع من إسرار البعض والجهر بالبعض وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : وَٱتَّبَعُوهُ }تفسير : [الأعراف: 158] ولعل السر فيه كالسر في الجهر والإخفاء في ركعات صلاة واحدة، أو يقال: إن حال المنزل عليه القرآن كان خلوة أولاً وجلوة ثانياً فناسب حاله حاله بل إذا تأملت قوله تعالى في الحديث القدسي الثابت عند أهل الله: «حديث : كنت كنزاً مخفياً» تفسير : الخ ظهر لك سر أعظم فرضي الله تعالى عن المجتهد الأقدم الثانية: أنها ثناء وتعظيم فوجب الإعلان بها لقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } تفسير : [البقرة: 200] ويرده أن غالب مشتملات الصلاة كذلك أفيجهر بها؟. الثالثة: أن الجهر بذكر الله يدل على الافتخار به وعدم المبالاة بمنكره وهو مستحسن عقلاً فيكون كذلك شرعاً ولا يخفى إلا ما فيه عيب ثم قال وهذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين ويرده ما رد سابقه وقد يخفى الشريف:شعر : ليس الخمول بعار على امرىء ذي جلال فليلة القدر تخفى وتـلك خيـر الليالـي تفسير : ويا ليت شعري أكان تسبيحه الله تعالى في ركوعه وسجوده معيباً فيخفيه أو جيداً فيجهر به ويبديه ولا أظن بالرجل إلا خيراً فإن الحجة قوية في نفسه راسخة في عقله الرابعة: ما أخرجه الشافعي عن أنس: «أن معاوية صلى بأهل المدينة ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فاعترض عليه المهاجرون والأنصار فأعاد الحديث بمعناه ويرده معارضوه أو يقال لم يقرأ على ظاهره وعلموا ذلك ببعض القرائن وما راء كمن سمعا» الخامسة: ما روى البيهقي عن أبـي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم وهو المروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير، وأما علي فقد تواتر عنه ومن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى ويرده المعارض وبتقدير نفيه يقال: إن الجهر كان أحياناً لغرض وفي الأخبار التي ذكرناها ما يعارض أيضاً نسبته إلى عمر وعلي وابن عباس وما زعم من تواتر نسبته إلى علي ممنوع عند أهل السنة، نعم ادعته الشيعة فذهبوا إلى الجهر في السرية والجهرية ولو عمل أحد بجميع ما يزعمون/ تواتره عن الأمير كفر فليس إلا الإيمان ببعض والكفر ببعض وما ذكره من أن من اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى مسلم لكن إن سلم لنا خبر ما كان عليه عليّ رضي الله تعالى عنه ودونه مهامه فيح على أن الشائع عند أهل السنة تقديم ما عليه الشيخان وإذا اختلفا فما عليه الصديق حيث إن النبـي صلى الله عليه وسلم ترقى في التخصيص إليه فقال أولاً: «حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» تفسير : وثانياً: «حديث : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي»تفسير : وثالثاً: «حديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبـي بكر وعمر» تفسير : ورابعاً: «حديث : إن لم تجديني فأتي أبا بكر»تفسير : السادسة: أنها متعلقة بفعل مضمر نحو بإعانة بسم الله أشرعوا ولا شك أن استماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وينبهه على أنه لا يتم شيء من الخيرات إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله تعالى وبإظهارها أمر بمعروف ويرده مع ركاكة هذا التقدير وعدم قائل به أن انفهام الأمر بالمعروف من هذه الجملة يحتاج إلى فكر لو صرف عشر معشاره في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لحصل ضعف أضعافه من دون غائلة كثيرة فيغني عنه ثم إنه رحمه الله تعالى ذكر كلاماً لا ينفع إلا في تكثير السواد وإرهاب ضعفاء الطلبة بجيوش المداد. البحث الثالث في معناها: فالباء إما للاستعانة أو المصاحبة أو الإلصاق أو الاستعلاء أو زائدة أو قسمية والأربعة الأخيرة ليست بشيء وإن استؤنس لبعض ببعض الآيات واختلف في الأرجح من الأولين فالذي يشعر به كلام البيضاوي أرجحية الأول وأيد بأن جعله للاستعانة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل حتى كأنه لا يتأتى ولا يوجد بدون اسم الله تعالى ولا يخلو عن لطف وما يدل عليه كلام الزمخشري أرجحية الثاني وأيد بأن باء المصاحبة أكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأفعال وبأن التبرك باسم الله تعالى تأدب معه وتعظيم له بخلاف جعله للآلة فإنها مبتذلة غير مقصودة بذاتها وأن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك فينبغي أن يرد عليهم في ذلك، وأن الباء إذا حملت على المصاحبة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى منها إذا جعلت داخلة على الآلة ويناسبه ما روي في الحديث "تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم" وأن التبرك باسم الله تعالى معنى ظاهر يفهمه كل أحد ممن يبتدىء به والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدي إليه إلا بنظر دقيق وإن كون اسم الله تعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه يوصل إليه ببركته فقد رجع بالآخرة إلى معنى التبرك فلنقل به أولاً وإن جعل اسمه تعالى آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتى على مذهب من يقول: إن البسملة من السورة وأن قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء» تفسير : مما يستأنس به له وإن في الأول جعل الموجود حساً كالمعدوم وإن بسم الله موجود في القراءة فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم فلا يكون مقروءاً وهو مقروء وإن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى لتقدير متبركاً وهو لكونه حالاً فيه بيان هيئة الفاعل وقد ثبت أن لا بد لكل فعل متقرب به إلى الله تعالى من إعانته جل شأنه فدل الحال على زائد. وعندي: أن الاستعانة أولى بل يكاد أن تكون متعينة إذ فيها من الأدب والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة ولأن فيها تلميحاً من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قدر العباد وتأثيرها وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله ولأن هذا المعنى أمسّ بقوله تعالى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولأنه كالمتعين في قوله: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] ليكون جواباً لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لست بقارىء»تفسير : على أتم وجه وأكمله وما ذكروه في تأييد المصاحبة كله مردود أما الأول: فلأن دون إثبات الأكثرية خرط القتاد وأما الثاني: فلأنه توهم نشأ من تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات وليست كل استعانة بآلة ممتهنة ولا شك في صحة استعنت بالله وقد ورد في الشرع قال تعالى: {أية : ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ } تفسير : [الأعراف: 128] فهو إذن على أن جهة الابتذال مما لا تمر ببال والقلب قد أحاط بجهاته جهة أخرى وأيضاً في تخصيص الاستعانة بالآلة نظر لأنها قد تكون بها وبالقدرة ولو سلم فأي مانع من الإشارة بها هنا إلى أنه كما هو المقصود بالذات فهو المقصود بالعرض إذ لا حول ولا قوة إلا به. وأما الثالث: فلأن المشركين إلى الاستعانة بآلهتهم أقرب إذ هم وسائطهم في التقرب إليه تعالى وهي أشبه بالآلة. وأما الرابع: فلأن الآلة لا بد من وجودها في كل جزء إلى آخر الفعل وإلا لم يتم ولا نسلم اللزوم بين مصاحبة شيء لشيء وملابسته لجميع أجزائه وما ذكره من الحديث فهو بالاستعانة أنسب لأنها مشعرة بتبري العبد من حوله وقوته وإثبات الحول والقوة لله تعالى وهذا من باب العقائد التي عقد عليها قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم. وأما الخامس: فلأنه إن أراد أن معنى المصاحبة التبرك فظاهر البطلان وقد رجع بخفي حنين وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة فندعيه نحن بها إذا قصد الآلية لتوقف الاعتداد الشرعي عليها وأما كون التبرك معنى ظاهراً لكل أحد فلا نسلم أنه من خصوص المصاحبة. وأما السادس: فلأن الانحصار فيه ممنوع. وأما السابع: فلأن ما يفتتح به الشيء لا مانع من كونه جزءاً فالفاتحة مفتتح القرآن وجزؤه ولو سلم فجعلها مفتتحاً بالنسبة إلى ما عداها قاله الشهاب ولا يضر الحنفي ما فيه. وأما الثامن: فلأن معنى الحديث أفعل كذا مستعيناً باسم الله الذي لا يضرني مع ذكر اسمه مستعيناً به شيء إذ من استعان بجنابه أعانه ومن لاذ ببابه حفظه وصانه، وإن استبعدت هذا ورددت ما قيل في الرد من أن المراد بالحديث الإخبار بأنه لا يضر مع ذكر اسمه شيء من مخلوق والمصاحبة تستدعي أمراً حاصلاً عندها نحو جاءكم الرسول بالحق والقراءة لم تحصل بعد فتعذرت حقيقة المصاحبة بأن المصاحبة هنا ليست محسوسة وكونها إخباراً بنفي صحبة الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة وهي دفع الوسوسة عن القارىء مع جزيل الثواب فلا ضير أيضاً لأنه مجرد استئناس ولا يوحشنا إذ ما نستأنس به كثير وأما التاسع: فلأن جعل الموجود كالمعدوم للجري لا على المقتضى من المحسنات والنكتة هٰهنا إن شبه اسم الله بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس وهو حصول الكتب بالقلم وعدم حصوله بعدمه ثم أخرج مخرج الاستعارة التبعية لوقوعها في الحرف. وأما العاشر: فلأنه لا يخفى حال التشبيه بالقلم وأما الحادي عشر: فلأنه لا نسلم أن التبرك معنى المصاحبة أو لازم معناه بل هو معلوم من أمر خارج هو أن مصاحبة اسمه سبحانه يوجد معها ذلك وهو جار في الاستعانة باسمه عز شأنه على أن في الاستعانة من اللطف ما لا يخفى ويمكن على بعد أن يكون عدم اختيار الزمخشري لها لنزغات الشيطان الاعتزالية من استقلال العبد بفعله فقد ذهب إليه هو وأصحابه وسيأتي إن شاء الله تعالى رده. وقد اختلف في متعلق الجار فذهب الإمام ابن جرير إلى تقديره أتلو لأن تاليه متلو وهكذا يضمر الخاص الفعلي كل فاعل فعلاً يجعل التسمية مبدأ له وهو من المعاني القرآنية كنظائره للزومها في متعارف اللسان وبه يندفع كلام الصادقي وليس المقصود هنا متكلماً مخصوصاً فهو على حد ولو ترى فينوي كل بالضمير نفسه فلا يضر تقدمها على قراءة هذا القارىء بل على وجوده ويتأتى القول بجزئيتها من الكل أو الجزء بلا خفاء ولما خفي ذلك على البعض جعل المقدر فعل أمر متوجه إلى العباد ليتحد قائل الملفوظ والمقدر واختاره الفراء عن اختيار وروي عن ابن عباس لأنه تعالى قدم/ التسمية حثاً للعباد على فعل ذلك وهو المناسب للتعليم وذهب النحويون إلى تقديره عاماً نحو أبتدىء وأيد بوجوه: منها: أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل تسمية دون فعل القراءة وتقدير العام أولى ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة بالكون والاستقرار حيثما وقع ويؤثرونه لعموم صحة تقديره. ومنها: أنه مستقل بالغرض من التسمية وهو وقوعها مبتدأ فتقديره أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت اقرأ قدرت أبتدىء بالقراءة لأن الواقع في أثنائها قراءة أيضاً والبسملة غير مشروعة فيه ومنها: ظهور فعل الابتداء في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع»تفسير : ، وأما ظهور القراءة في قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ }تفسير : [العلق: 1] فلأن الأهم ثم هو القراءة غير منظور فيه إلى ابتدائها ولذا قدم الفعل ولا كذلك في التسمية. وما ذهب إليه الإمام أمس وأخص بالمقصود وأتم شمولاً فإنه يقتضي أن القراءة واقعة بكمالها مقرونة بالتسمية مستعاناً باسم الله تعالى عليها كلها بخلاف تقدير أبتدىء إذ لا تعرض له لذلك، وما ذكر أولاً من الاستشهاد بتقدير النحاة الكون والاستقرار فليس بجيد لأنهم فعلوه تمثيلاً حيث لا يقصدون عاملاً بعينه بل يريدون الكلام على العامل من حيث هو فهو كتمثيلهم بزيد وعمرو لا لخصوصيتهما بل ليقع الكلام على مثال فيكون أقرب إلى الفهم ولا يقال إذا أبهم الفاعل يقدر بهما على أن الابتداء هنا ليس أعم من القراءة لأن المراد به ابتداء القراءة وهو أخص من القراءة لصدقها على قراءة الأول والوسط والآخر، واختصاص ابتداء القراءة بالأول فليس هذا هو الكون والاستقرار الذي قدرهما النحاة فيما تقدم، ودعوى عموم أبتدىء باعتبار أنه منزل منزلة اللازم لكنه يعلم بقرينة المقام أن المبتدأ به هو القراءة أو باعتبار أصل العامل في الجميع لا يخفى فسادها فإنه إذا دل المقام على إرادته فما معنى تنزيله منزلة اللازم حينئذٍ وكونه باعتبار اللفظ والأصل لا يدفع السؤال في الحال فافهم. وأما ما ذكر ثانياً: من أن فعل البداءة مستقل بالغرض فغير مسلم وقد قدمنا أن القراءة أمس وأشمل والوقوع في الابتداء بالبداية فعلاً لا بإضمار الابتداء فمتى ابتدأ بالبسملة حصل له المقصود غير مفتقر إلى شيء كمن صلى فبدأ بتكبيرة الإحرام لا يحتاج في كونه بادئاً إلى الإضمار لكنه مفتقر إلى بركتها وشمولها لجميع ما فعله، ومن هذا يظهر ما في باقي الكلام من الوهن وأما ما ذكر ثالثاً: ففيه أن كون التسمية مبتدأ بها حاصل بالفعل لا بإضمار الفعل ولم يرد الحديث بأن كل أمر ذي بال لم يقل أو لم يضمر فيه أبدأ ببسم الله فهو كذا على أن المحافظة على موافقة لفظ الحديث إنما يليق أن يجعل نكتة في كلام المصنفين ومن ينخرط في سلكهم لا في كلام الله جل شأنه كما لا يخفى على من له طبع سليم، وأيضاً البحث إنما هو في ترجيح تقدير الفعل العام كأبدأ أو أشرع وما شاكلهما لا في ترجيح خصوص اقرأ أعني فعلاً مصدره القراءة على خصوص أبدأ أعني فعلاً مصدره البداءة ففيما ذكر خروج عن قانون الأدب وموضع النزاع. وذهب البعض إلى تقدير ابتدائي مثلاً وفيه زيادة إضمار لوجوب إضمار الخبر حينئذٍ فيكون المضمر ثلاث كلمات ودلالة الإسمية على الثبوت معارضة بدلالة المضارع على الاستمرار التجددي المناسب للمقام إلا أنه تبقى المخالفة بين جملتي البسملة والحمد ولعل الأمر فيه سهل وجعل الشيخ الأكبر قدس سره هذا الجار خبر مبتدأ مضمر هو ابتداء العالم وظهوره لأن سبب وجوده الأسماء الإلۤهية وهي المسلطة عليه كجعله متعلقاً بما بعده إذ لا يحمد الله تعالى إلا بأسمائه من باب الإشارة فلا ينظر فيه إلى الظاهر ولا يتقيد بالقواعد ولا أرى الاعتراض عليه من الإنصاف، وقد ذهب الكثير إلى أن تقدير المتعلق هنا مؤخراً أحرى لأن اسم الله تعالى مقدم على الفعل ذاتاً فليقدم على الفعل/ ذكراً، وفيه إشارة إلى البرهان اللمي وهو أشرف من البرهان الإنيّ، ولذا قال بعض العارفين ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وتحنيك طفل الذهن بحلاوة هذا الاسم يعين على فطامه عن رضع ضرع السوي بدون وضع مرارة الحدوث، على أن بركة التبرك طافحة بالأهمية وإن قلنا بأن في التقديم قطع عرق الشركة رداً على من يدعيها ناسب مقام الرسالة وظهر سر تقديم الفعل في أول آية نزلت إذ المقام إذ ذاك مقام نبوة ولا رد ولا تبليغ فيها ولكل مقام مقال والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وقد اعتركت الأفهام هنا في توجيه القصر لظنه من ذكر الاختصاص حتى ادعاه بعضهم بأنواعه الثلاثة وأفرد البعض البعض، فمقتصر على قصر الإفراد، وقائل به وبالقلب، وفي القلب من كل شيء وعندي هنا يقدر مقدماً، وبه قال الأكثرون وإن تقديره مؤخراً مؤخر عن ساحة التحقيق لأنه إما أن يقدر بعد الباء أو بعد اسم أو بعد اسم الله، أو بعد البعد، أما تقديره بعد الباء فلا يقوله من عرف الباء. وأما بعد الاسم فلاستلزامه الفصل ولو تعقلاً حيث أوجبوا الحذف هنا بين المتضايفين وأما بعد اسم الله فلاستلزامه الفصل كذلك بين الصفة والموصوف وأما بين الصفتين فيتسع الخرق، وأما بعد التمام فيظهر نقص دقيق لأن في الجملة تعليق الحكم بما يشعر بالعلية فكان الرحمن الرحيم علة للقراءة المقيدة باسم الله فإذا تأخر العامل المقيد المعلول وتقدمت علته أشعر بالانحصار ولا يظهر وجهه، وإذا قدرنا العامل مقدماً كما هو الأصل أمنا من المحذور ويحصل اختصاص أيضاً إذ كأنه قيل مثلاً اقرأ مستعيناً أو متبركاً بسم الله الرحمن الرحيم لأنه الرحمن الرحيم، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول في المقام الخطابـي إذا لم تظهر علة أخرى فيفيد الاختصاص لا سيما عند القائل بمفهوم الصفة فيشعر بأن من لم يتصف بذلك خارج عن الدائرة والاقتصار هنا ليس كالاقتصار هناك والتخلص بتقدير التركيب مستعيناً باسم الله لأنه الرحمن الرحيم اقرأ فيه ما لا يخفى على الطبع السليم، وفي تقديم الحادث تعقلاً وحذفه ذكراً وعدم وجود شيء في الظاهر مستقلاً سوى الاسم القديم رمز خفي إلى تقديم الأعيان الثابتة في العلم وإن لم يكن على وجود الله تعالى إذ له جل شأنه التقدم المطلق وعدم ظهور شيء سواه وكل شيء هالك إلا وجهه، وللإشارة إلى أنه لا ضرر في ذلك ارتكب، والتبرك كالوجوب يقتضي التقدم بالذكر مكسوراً لا مضموماً وها هو كما ترى ومن الأكابر من قال ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله تعالى فيه ولا حلول وقد عد أكمل من الأول والمراتب أربع وتحنيك الرحمة يغني عن كل در ويفطم طفل الذهن عن سدى جواري الفكر وكأن من قدر العامل مؤخراً رأى {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا }تفسير : [هود: 41]، و "باسمك ربـي وضعت جنبـي" وأمثالهما فجرى مجراها والفرق ظاهر للناظر وهذا من نسائم الأسحار فيتقظ له ونم عن غيره. والظرف مستقر عند بعض ولغو عند آخرين وقد اختلف في تفسيرهما، فقيل اللغو ما يكون عامله مذكوراً، والمستقر ما يكون عامله محذوفاً مطلقاً وقيل المستقر ما يكون عامله عاماً كالحصول والاستقرار وهو مقدر واللغو بخلافه، وقيل اللغو ما يكون عامله خارجاً عن الظرف غير مفهوم منه سواء ذكر أو لا، والمستقر ما فهم منه معنى عامله المقدر الذي هو من الأفعال العامة وكل ذلك اصطلاح وحيث لا مشاحة فيه اختار الأول فيكون الظرف هنا مستقراً كيفما قدر العامل، وإنما كسرت الباء وحق الحروف المفردة أن تفتح لأنها مبنية والأصل في البناء لثقله وكونه مقابلاً للإعراب الوجودي السكون لخفته وكونه عدمياً إلا أنها من حيث كونها كلمات برأسها مظنة للابتداء وهو بالساكن متعذر أو متعسر كان حقها الفتح إذ هو أخو السكون في الخفة المطلوبة في كثير الدور على الألسنة لامتيازها من بين الحروف بلزوم الحرفية والجر وكل منهما يناسب الكسر، أما الحرفية فلأنها تقتضي عدم الحركة/ والكسر لقلته إذ لا يوجد في الفعل ولا في غير المنصرف ولا في الحروف إلا نادراً يناسب العدم. وأما الجر فلموافقة حركة الباء أثرها ولا نقض بواو العطف اللازمة للحرفية ولا بكاف التشبيه اللازمة للجر لأن المجموع سبب الامتياز ولم يوجد في كل لكن يبقى النقض واو القسم وتائه ويجاب بأن عملها بالنيابة عن الباء التي هي الأصل في حروفه فكأن الجر ليس أثراً لهما وهذه علل نحوية مستخرجة بعد الوقوع لإبداء مناسبة فلا تتحمل مناقشة لضعفها كما قيل:شعر : عهد الذي أهوى وميثاقه أضعف من حجة نحوي تفسير : فلا نسهر جفن الفكر فيما لها وعليها. وقال بعضهم من باب الاشارة: كسرت الباء في البسملة تعليماً للتوصل إلى الله تعالى والتعلق بأسمائه بكسر الجناب والخضوع وذل العبودية فلا يتوصل إلى نوع من أنواع المعرفة إلا بنوع من أنواع الذل والكسر كما أشار إلى ذلك سيدي عمر بن الفارض قدس الله تعالى سره الفائض بقوله:شعر : ولو كنت لي من نقطة الباء خفضة رفعت إلى ما لم تنله بحيلة بحيث نرى أن لا ترى ما عددته وأن الذي أعددته غير عدة تفسير : فإن الخفض يقابل الرفع فمن خفضه النظر إلى ذل العبودية، رفعه القدر إلى مشاهدة عز الربوبية، ولا ينال هذا الرفع بحيلة؛ بل هو بمحض الموهبة الإلهية الجليلة، ومن تنزل ليرتفع فتنزله معلول، وسعيه غير مقبول انتهى. وهو أمر مخصوص بباء البسملة لا يمكن أن يجرى في باء الجر مطلقاً كما لا يخف، وعندي في سر ذلك أن الباء هي المرتبة الثانية بالنسبة إلى الألف البسيطة المجردة المتقدمة على سائر المراتب فهي إشارة إلى الوجود الحق، والباء إما إشارة إلى صفاته التي أظهرتها نقطة الكون ولذلك لما قيل للعارف الشبلي أنت الشبلي؟ فقال أنا النقطة تحت الباء، وقال سيدي الشيخ الأكبر قدس سره:شعر : الباء للعارف الشبلي معتبر وفي نقيطتها للقلـب مدكــر سر العبودية العلياء مازجها لذاك ناب مناب الحق فاعتبروا أليس يحذف من بسم حقيقته لأنه بــدل منه فـــذا وزر تفسير : والصفات إما جمالية أو جلالية، وللأولى السبق كما يشير إليه حديث «حديث : سبقت رحمتي غضبي»تفسير : وباء الجر إشارة إليها لأنها الواسطة في الإضافة والإفاضة فناسبها الكسر وخفض الجناح ليتم الأمر ويظهر السر، وفي الابتداء بهاهنا تعجيل للبشارة ورمز إلى أن المدار هو الرحمة كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لن يدخل أحدكم الجنة عمله قيل حتى أنت يا رسول الله قال حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»تفسير : وقد تدرج سبحانه وتعالى بإظهارها فرمز بالباء وأشار بالله وصرح أتم تصريح بالرحمن الرحيم، وأما إشارة إلى الحقيقة المحمدية والتعين الأول المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» تفسير : وبواسطته حصلت الإفاضة كما يشير إليه «لولاك ما خلقت الأفلاك» ولكون الغالب عليه عليه الصلاة والسلام صفة الرحمة لا سيما على مؤمني الأمة كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 107] وقوله تعالى: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [التوبة: 128] ناسب ظهور الكسر فيما يشير إلى مرتبته وفي الابتداء به هنا رمز إلى صفة من أنزل عليه الكتاب والداعي إلى الله. وفي ذلك مع بيان صفة المدعو إليه بأنه الرحمن الرحيم تشويق تام وترغيب عظيم وقد تدرج أيضاً جل شأنه في وصفه صلى الله عليه وسلم بذلك في القرآن إلى أن قال سبحانه: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }تفسير : [القلم: 4] واكتفى بالرمز هٰهنا لعدم ظهور الآثار بعد، وأول الغيث قطر ثم ينهمل، وما من سورة إلا افتتحها/ الرب بالرمز إلى حاله صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وبشارة لمن ألقى السمع وهو شهيد. ولما كان الجلال في سورة براءة ظاهراً ترك الإشارة بالبسملة وأتى بباء مفتوحة لتغير الحال وإرخاء الستر على عرائس الجمال ولم يترك سبحانه وتعالى الرمز بالكلية إلى الحقيقة المحمدية ولا يسعنا الإفصاح بأكثر من هذا في هذا الباب خوفاً من قال أرباب الحجاب وخلفه سر جليل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والاسم عند البصريين من الأسماء العشرة التي بنيت أوائلها على السكون وهي ابن وابنة وابنم واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وأيمن الله وأيم الله منه وإلا فأحد عشر إن اعتد بابنم فإذا نطقوا بها زادوا همزة لبشاعة الابتداء بالساكن غير المدات عندهم وفيها يمتنع والأمر ذوقي وهو مما حذف عجزه كيد وما عدا الثلاثة الأخيرة مما تقدم. وأصله سمو حذفت الواو تخفيفاً لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات وسكن السين وحرك الميم واجتلبت ألف الوصل فوزنه أفع وتصريفه إلى أسماء وسمي وسميت دون أوسام ووسيم ووسمت يشهد له والجرح بالقلب لا يقبل، واشتقاقه من السمو كالعلو لأنه لدلالته على مسماه يعليه من حضيض الخفاء إلى ذروة الظهور والجلاء. وقال الكوفيون هو من السمة لأنه علامة على مسماه وأصله وسم فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل {أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} تفسير : [الأحزاب: 25]، فوزنه أعلى ويرد عليهم أن الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره وزيادة الإعلال أقيس من عدم النظير وأيضاً كونها عوضاً يقتضي كونها مقصودة لذاتها ووصلاً كونها مقصودة تبعاً والعوض كجزء أصل دون الوصل فما هو إلا جمع بين الضب والنون فلذا قيل لا حذف ولا تعويض وإنما قلبت الواو همزة كإعاء وإشاح ثم كثر استعماله فجعلت همزته همزة وصل وقد تقطع للضرورة ورجح الأول لهاتيك الشهادة وفيه لغات أوصلها البعض إلى ثماني عشرة ونظمها فقال:شعر : للاسم عشر لغــات مـع ثمانيــة بنقل جدي شيخ الناس أكملها سم سمات سما واسم وزد سمة كذا سمــاء بتثليث لأولــها تفسير : هذا وقد طال التشاجر في أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره؟ فالأشاعرة على الأول، والمعتزلة على الثاني وقد تحير نحارير الفضلاء في تحرير محل البحث على وجه يكون حريا بهذا التشاجر حتى قال مولانا الفخر في «التفسير الكبير»: ان هذا البحث يجري مجرى العبث وذكر وجهاً ادعى لطفه ودقته وقد كفانا الشهاب مؤنة رده وقد أراد السيد النحرير في «شرح المواقف» فلم يتم له، وللسهيلي في ذلك كلام ادعى أنه الحق/ وصنف في رده ابن السيد "رسالة" مستقلة وادعى الشهاب أنه إلى الآن لم يتحرر وأنه لم ير مع سعة اطلاعه في هذه المسألة ما فيه ثلج الصدور ولا شفاء الغليل ولم يأت رحمه الله تعالى في "حواشيه على البيضاوي" من قبل نفسه بشيء يزيح الإشكال ويريح البال وها أنا من فضل الله تعالى ذاكر شيئاً إذا قبل فهو غاية ما أتمناه وقد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط وإن رد فقد رد قبلي كلام ألوف كل منهم فرد يقابل بصفوفشعر : وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس تفسير : فأقول: الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين وهي عندهم أسماء مترادفة كما نقله الإمام أبو بكر بن فورك في كتابه الكبير في «الأسماء والصفات» والأستاذ أبو القاسم السهيلي في «شرح الارشاد» وهما ممن يعض عليه بالنواجذ، ومنه قوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ }تفسير : [الأعلى: 1] إذ التسبيح في المعروف إنما يتوجه إلى الذات الأقدس وحمله على تنزيه اللفظ كحمله على المجاز والكناية مما لا يليق إذ بعد الثبوت لا يحتاج إليه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ويؤيده قوله تعالى: {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } تفسير : [يوسف: 40] حيث أطلق الأسماء وأراد الذوات لأن الكفار إنما عبدوا حقيقة ذوات الأصنام دون ألفاظها وإن استقام على بعد، وقال سيبوية وهو إمام الصناعة وشيخ الجماعة: والفعل أمثلة أحداث من لفظ أحدث الأسماء ومن العلوم أن الألفاظ لا إحداث لها فليس المراد إلا الذوات وهو بهذا المعنى عين المسمى ولا ينافيه أخذ الاسم من السمو لأن سمو المعلوم في الحقيقة إنما هو بوجوده إن كان موجوداً حيث ارتفع عن نقص العدم وبمعقوليته عن الالتباس بمعلوم آخر إن لم يكن ولو كنا نرى الموجودات كلها ونعلم المعلومات بأسرها لم نحتج إلى مسمياتها لكن لما صحت غيبتها عنا لمانع في أبصارنا وبصائرنا احتجنا إلى ما يدلنا عليها في التخاطب والاخبار عنها فمنّ الله تعالى بهذه الأوضاع لطفاً بنا وحكمة حكيم عليم فلما سمت المعلومات بمعقوليتها عن الالتباس وبوجود ما كان موجوداً منها عن العدم قيل لها أسماء، ولما دلت الألفاظ عليها قيل لها ذلك أيضاً تسمية للشيء باسم ما هو دليل عليه ويطلق الاسم أيضاً على الدال وهو قسمان، قديم وهو ما سمى الله تعالى به نفسه في كلامه القديم والقول فيه كالقول في كلامه الذي هو صفة له من أنه لا عين ولا غير، وحادث وهو ما سمى به تعالى شأنه في غير ذلك وهو غير، فالمعتزلة لا يثبتون إلا القسم الثاني من هذا الإطلاق لعدم ثبوت الأول عندهم ولنفيهم الكلام القديم، وأهل السنة لما رأوا أن نزاعهم لهم في القسم الأول من الإطلاق الثاني يعود إلى النزاع من منشئه تركوه واكتفوا بالنزاع في المنشأ عنه حتى برهنوا فيه على مدعاهم ونوروا بالبينات القطيعة دعواهم وقد تقدم ذلك لك في المقدمات ونازعوهم في الإطلاق الأول وأثبتوه بظواهر الآيات ونقل الثقات وقالوا ضد قولهم إن الاسم عين المسمى فكأنه ترقى صورة من نفي الغيرية وإثبات لا ولا إلى القول بالعينية التي أنكروها ولعدم فهم المراد من ذلك اعترض بأنه لو كان الاسم هو المسمى لتكثر المسمى عند تكثر الأسماء وأيضاً الأسماء تتبدل والمسمى لا يتبدل والاسم يطرأ بعد وجود المسمى والشيء لا يتقدم على نفسه ولا يتأخر فليس هو هو والكل غير وارد إلا على تقدير القول بالعينية بناء على القسم الثاني من الاطلاق الثاني وليس فليس، فاتضح من هذا أن قول المعتزلة بالغيرية ناشىء عن ضلالة في الاعتقاد، {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} تفسير : [غافر: 33]، والاسم في البسملة عند بعض بالمعنى الأول لأن الاستعانة بالألفاظ مجردها مما لا معنى لها وليس في التسعة والتسعين ما لفظه اسم فلا يحسن إلا أن يراد به الذات وأمر الإضافة هين وفيه انه فرق بين الاستعانة المتعدية بنفسها والاستعانة المتعدية بالباء المتعلقة بغير/ ذوي العلم نحو {أية : ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 45]. وقال غير واحد سلمنا أن الاستعانة لا تكون إلا بالذات إلا أن التبرك لا يكون بها وقد قالوا به ولهذا أو للفرق بين اليمين والتيمن أو لئلا يختص التبرك باسم دون اسم أو ليكون أشد وفاقاً لحديث الابتداء على ما قيل قال بسم الله ولم يقل بالله ولم تكتب همزة الوصل مع أن الأصل في كل كلمة أن ترسم باعتبار ما يتلفظ بها في الوقف وفي الابتداء بل حذفت تبعاً لحذفها في التلفظ للكثرة وقيل لأنها دخلت للابتداء بالسين الساكنة فلما نابت الباء عنها سقطت في الخط بخلاف {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] إذ الباء لا تنوب منابها فيه إذ يمكن حذفها مع بقاء المعنى فيقال ـ اقرأ اسم ربك ـ وظاهره أن الذي منع من الإسقاط في الآية إمكان حذف الباء فقط وهو مخالف لما ذكره الدماميني من أنه لا بد للحذف من أمرين عدم ذكر المتعلق وإضافة لفظ اسم للجلالة وكلاهما منتف في الآية وهل يشترط تمام البسملة فيه؟ فيه تردد وظاهر كلام «التسهيل» اشتراطه. وقيل لا حذف فيه والباء داخلة على اسم أحد اللغات السابقة ثم سكنت السين هرباً من توالي كسرتين أو انتقاله من كسرة لضمة وهو مع غرابته بعيد، وعندي أن هذا رسم عثماني وهو مما لا يكاد يعرف السر فيه أرباب الرسوم والكثير من عللهم غير مطردة وبذلك اعتذر البعض عن عدم حذف ألف الله مع كثرة استعماله واستغنى به عن الجواب بشدة الامتزاج وبأنها عوض وبأنه يلزم الاجحاف لو حذفت أو الالتباس بقولنا لله مجروراً فالرأي إبداء سر ذوقي لذلك وقد حرره الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» بما لا مزيد عليه ولست ممن يفهمه والقريب من الفهم أن الهمزة إنما حذفت في الخط ليكون اتصال السين بالباء المشير إلى ما تقدم أتم وتلقي الفيض أقوى {أية : وَمَن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ }تفسير : [فاطر: 45] وفيه إشارة من أول الأمر إلى عموم الرحمة وشمول البعثة لأن السين لما كان ساكناً وتوصل إلى النطق به بالألف أشبه حال المعدوم الذي ظهر بالله وحيث كان ذلك عاماً إذ ما من معدوم يطلب الظهور إلا يكون ظهوره بالله سبحانه وتعالى أعطى ذلك الحكم لما قام مقامه واتصل اتصاله وأدى في اللفظ مؤداه فإن كان عبارة عن صفات الجمال ظهر عموم الرحمة {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأعراف: 156] وإن كان عبارة عن الحقيقة المحمدية ظهر شمول البعثة {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً }تفسير : [الفرقان: 1] بل والرحمة أيضاً {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 107] وتناسبت أجزاء البسملة إشارة وعبارة وإنما طولت الباء للإشارة إلى أن الظهور تام أو إلى أنها وإن انخفضت لكنها إذا اتصلت هذا الاتصال ارتفعت واستعلت، وفيه رمز إلى أن "من تواضع لله رفعه الله"، "وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى". وقال الرسميون طولت لتدل على الألف المحذوفة ولتكون عوضاً عنها وليكون افتتاح كتاب الله تعالى بحرف مفخم ولذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاوية فيما روى «حديث : ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك»تفسير : ولعل منه أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لكاتبه طول الباء وأظهر السينات ودور الميم، ولبعضهم في التعليل ما ادعى أنه ليس من عمل الأفهام بل مبذولات الإلهام وهو في التحقيق من مبتذلات الأوهام وليس له في التحقيق أدنى إلمام على أن في تعليلهم السابق خفاء بالنظر إلى مشربهم أيضاً فافهم ذلك كله. و(الله) أصله الإعلالي إله كما في «الصحاح» أو الاله كما في «الكشاف» ولكل وجهة ـ فحذفت الهمزة اعتباطاً على الأظهر وعوض عنها/ الألف واللام ولذلك قيل يا الله بالقطع في الأكثر لتمحض الحرف للعوضية فيه احترازاً عن اجتماع أداتي تعريف وأما في غيره فيجري الحرف على أصله، وذكر الرضى أن القطع لاجتماع شيئين لزوم الهمزة الكلمة إلا نادراً كما في لاهه الكبار وكونها بدل همزة إله، وقال السعد: قد يقال فيه أنه نوى الوقف على حرف النداء تفخيماً للاسم الشريف واختلفوا في الفرق بين الإله والله فقال السيد السند: هما علم لذاته إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيره تعالى وبعده لا يطلق على غيره سبحانه أصلاً، وقال العلامة السعد: إن الإله اسم لمفهوم كلي هو المعبود بحق والله علم لذاته تعالى، وقال الرضى: هما قبل الإدغام وبعده مختصان بذاته تعالى لا يطلقان على غيره أصلاً إلا أنه قبل الإدغام من الأعلام الغالبة وبعده من الأعلام الخاصة، وادعى ابن مالك أن الله من الأعلام التي قارن وضعها أل وليس أصله الاله ثم قال ولو لم يرد على من قال ذلك إلا أنه ادعى ما لا دليل عليه لكان ذلك كافياً لأن الله والاله مختلفان لفظاً ومعنى، أما لفظاً فلأن أحدهما معتل العين، والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام فهما من مادتين، فردهما إلى أصل واحد تحكم من سوء التصريف وأما معنى: فلأن الله خاص به تعالى جاهلية وإسلاماً والاله ليس كذلك لأنه اسم لكل معبود ومن قال أصله الاله لا يخلو حاله من أمرين لأنه إما أن يقول إن الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام أو يقول إنها نقلت حركتها إلى اللام قبلها وحذفت على القياس وهو باطل، أما الأول فلأنه ادعى حذف الفاء بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من ثلاثي فلا يقاس بيد لأن الآخر وكذا ما يتصل به محل التغيير ولا بعدة مصدر يعد لحمله على الفعل فحذف للتشاكل ولا برقة بمعنى ورق لشبهه بعدة وزناً وإعلالا ولولا أنه بمعناه لتعين إلحاقه بالثنائي المحذوف اللام كلثة، وأما ناس وأناس فمن نوس وأنس على أن الحمل عليه على تقدير تسليم الأخذ زيادة في الشذوذ وكثرة مخالفة الأصل بلا سبب يلجىء لذلك وأما الثاني: فلأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجوه، أحدها نقل حركة بين كلمتين على سبيل اللزوم، ولا نظير له، والثاني نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها وهو يوجب اجتماع مثلين متحركين وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن، الثالث من مخالفة الأصل تسكين المنقول إليه الحركة فيوجب كونه عملاً كلا عمل وهو بمنزلة من نقل في بئس ولا يخفى ما فيه من القبح مع كونه في كلمة فما هو في كلمتين أمكن في الاستقباح وأحق بالاطراح؛ الرابع إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة وهو بمعزل عن القياس لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت فإدغام ما قبلها فيما بعدها كإدغام أحد المنفصلين، وقد اعتبر أبو عمرو في في الإدغام الكبير الفصل بواجب الحذف نحو {أية : يَبْتَغِ غَيْرَ } تفسير : [آل عمران: 85] فلم يدغم فاعتبار غير واجب الحذف أولى. ومن زعم أن أصله إله يقول: إن الألف واللام عوض من الهمزة ولو كان كذلك لم يحذفا في لاه أبوك أي لله أبوك إذ لا يحذف عوض ومعوض في حالة واحدة وقالوا لهى أبوك أيضاً فحذفوا لام الجر والألف واللام وقدموا الهاء وسكنوها فصارت الألف ياء وعلم بذلك أن الألف كانت منقلبة لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما وليت ساكناً عادت إلى أصلها وفتحتها فتحة بناء، وسبب البناء تضمن معنى التعريف عند أبـي علي ومعنى حرف التعجب إذ لم يقع في غيره وإن لم يوضع له حرف/ عندي وهو مع بنائه في موضع جر باللام المحذوفة واللام ومجرورها في موضع رفع خبر أبوك اهـ ملخصاً، قال ناظر الجيش: إنه لا مزيد عليه في الحسن، وأنا أقول لا بأس به لولا قوله إن الإله اسم لكل معبود فقد بالغ البلقيني في رده وادعى أنه لا يقع إلا على المعبود بالحق جل شأنه ومن أطلقه على غيره حكم الله بكفره وأرسل الرسل لدعائه وكان نظير إطلاق النصارى الله على عيسى على أن فيه ما يمكن الجواب عنه كما لا يخفى. واشتقاقه من أله كعبد إلاهة كعبادة وألوهة كعبودة وألوهية كعبودية فإله صفة مشبهة بمعنى مألوه ككتاب بمعنى مكتوب وكونه مصدراً كما ذهب إليه المرزوقي وصاحب «المدارك» خلاف المشهور أو من أله كفرح إذا تحير لتحير العقول في كنه ذاته وصفاته وفيه أن الأصل في الاشتقاق أن يكون لمعنى قائم بالمشتق والحيرة قائمة بالخلق لا بالحق أو من ألهت إلى فلان إذا سكنت إليه {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] أو من أله إذا فزع والله مفزوع إليه {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} تفسير : [المؤمنون: 88] أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه والعباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، وقيل هو من وله الواوي بمعنى تحير أيضاً وأصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها فهو كإعاء وإشاح في وعاء ووشاح ويرده الجمع على آلهة دون أولهة وقلب الواو ألفاً إذا لم تتحرك مخالف للقياس وتوهم أصالة الهمزة لعدم ولاه خلاف الظاهر ولعلك لا تعبأ بذلك هنا فالشأن عجيب، وزعم بعضهم أن أصله لاه مصدر لاه يليه أولاه يلوه ليهاً ولاها إذا ارتفع واحتجب وهو المحتجب بسرادقات الجلال والمرتفع عن إدراك الخيال وقد قرىء شاذاً (وهو الذي في السماء لاه) وقول ميمون بن قيس الأعشى:شعر : كحلفه من أبـي رباح يشهدها لاهه الكبار تفسير : ووجه قطع الهمزة في حال النداء حينئذ بعض ما تقدم من الوجوه، وقيل أصله الكناية لأنها للغائب وهو سبحانه الغائب عن أن تدركه الأبصار أو تحيط به الأفكار، وأيضاً الهاء يخرج مع الأنفاس فهو المذكور وإن لم تشعر الحواس ومتى انقطع خروجه انقطعت الحياة وحل بالحي الممات فبه وباسمه قوام الأرواح والأبدان واستقامة كل متنفس من الحيوان فزيد عليها لام الملك ثم مدّ بها الصوت تعظيماً ثم ألزم اللام واستأنس لهذا أن الاسم الكريم إذا حذفت منه الهمزة بقي لله {أية : وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [الفتح: 4] وإذا تركت اللام بقي على صورة له {أية : له ما في السمٰوات الأرض}تفسير : [النحل: 52] وإن تركت اللام الباقية بقي الهاء المضمومة من هو {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [البقرة: 163] والواو زائدة بدليل سقوطها في هما وهم فالأصل هو إذ لا يبقى سواه وأنت إذا أمعنت النظر يظهر لك مناسبات أخر ولهذا مال كثير من الصوفية إلى هذا القول وهو إلى المشرب قريب. وزعم البلخي أنه ليس بعربـي بل هو عبراني أو سرياني معرب لاها ومعناه ذو القدرة ولا دليل عليه فلا يصار إليه واستعمال اليهود والنصارى لا يقوم دليلاً إذ احتمال توافق اللغات قائم مع أن قولهم تأله وأله يأباه على أن التصرف فيه كما قيل بحذف/ المدة وإدخال أل عليه وجعله بهذه الصفة دليل على أنه لم يكن علماً في غير العربية إذ اشترطوا في منع الصرف للعجمة كون الأعجمي علماً في اللغة الأعجمية والتصرف مضعف لها. فهذا الزعم ساقط عن درجة الاعتبار لا يساعده عقل ولا نقل والذي عليه أكابر المعتبرين كالشافعي ومحمد بن الحسن والأشعري وغالب أصحابه والخطابـي وإمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي وأكثر الأصوليين والفقهاء، ونقل عن اختيار الخليل وسيبويه والمازني وابن كيسان أنه عربـي وعلم من أصله لذاته تعالى المخصوصة أما أنه عربـي فلا يكاد يحتاج إلى برهان وأما أنه علم كذلك فقد استدل عليه بوجوه. الأول أنه يوصف ولا يوصف به وقراءة {أية : صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ }تفسير : [إبراهيم: 1-2] بالجر محمولة على البيان وتجويز الزمخشري في سورة (فاطر) كون الاسم الكريم صفة اسم الإشارة من باب قياس العلم على الجوامد في وقوعها صفة لاسم الإشارة على خلاف القياس إذ المنظور فيها رفع الإبهام فقط وقد تفرد به، الثاني: أنه لا بد له من اسم يجري عليه صفاته فإن كل شيء تتوجه إليه الأذهان ويحتاج إلى التعبير عنه قد وضع له اسم توقيفي أو اصطلاحي فكيف يهمل خالق الأشياء ومبدعها ولم يوضع له اسم يجري عليه ما يعزى إليه ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه وكونه اسم جنس معرف مما لا يليق لأنه غير خاص وضعاً وكونه علماً منقولاً من الوصفية يستدعي أن لا يكون في الأصل ما تجري عليه الصفات وهو كما ترى الثالث: أنه لو كان وصفاً لم تكن الكلمة توحيداً مثل لا إله إلا الرحمن إذ لا منع من الشركة وكذا لو كان اسم جنس والإجماع منعقد على إفادتها له دون الثاني والسر أنه لو كان صفة كان مدلوله المعنى لا الذات المعينة فلا يمنع من الشركة وإن اختص استعمالاً بذاته تعالى بخلاف ما إذا كان علماً فإن مدلوله حينئذ الذات المعينة وان تعقل بوجه كلي إذ كليته لا تستلزم كلية المعلوم وقد اعترفوا بعموم الوضع وخصوص الموضوع له وقد انحل بهذا عصام قربة من قال إنه لو كفى في التوحيد الاختصاص في الواقع فلا إله إلا الرحمن أيضاً توحيد وإن لم يكف واقتضى ما يعين بحيث لا تجوز فيه الشركة لم يكن لا إله إلا الله كذلك إذ لا تنحصر ذاته تعالى لنا على وجه التشخص ولا حاجة إلى ما ذكره من الجواب أخطأ فيه أم أصاب ولا يرد {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }تفسير : [الإخلاص: 1] معارضاً فإنه لو دل على التوحيد لم يكن للوصف فائدة لما سيأتي إن شاء الله تعالى من تفسيره لعدم قبول التعدد بوجه وهو ليس من لوازم العلمية ولا يغير هذه الوجوه المسفرة ما قيل إنها لا تستلزم المدعى إذ الاختلاف إنما وقع بعد تسليم الاختصاص في كونه صفة فيكون كالرحمن أو اسماً فيكون علماً، وهذا القدر يكفي بعد ذلك في المقصود كما لا يخفى على من لم يركب مطية الجحود. والإمام البيضاوي مع أن له اليد البيضاء في التحقيق لم يتبلج له صبح هذا القول وهو لا يحتاج إلى النظر الدقيق فاختار أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل الثريا والصعق أجرى مجراه في إجراء الوصف عليه وامتناع الوصف به وعدم تطرق احتمال الشركة إليه لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ ولأنه لو دلّ على مجرد ذاته المخصوص لما أفاد ظاهر قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الأنعام: 3] معنى صحيحاً ولأن معنى الاشتقاق كون أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة هذا كلامه، وقد أبطل فيه الأدلة الثلاث وحيث لم يلزم من إبطال الدليل إبطال/ المدلول أبطله بوجهين ونظم في سلكهما ثالثاً يدل على الوصفية وفيه أن الوجه الأول: قد اعترضه هو نفسه حيث قال في تعليقاته وفيه نظر إذ يكفي في وضع العلم تعقله بوجه يمتاز به عن غيره من غير أن يعتبر ما به الامتياز في المسمى فيمكن وضع العلم لمجرد الذات المعقولة في ضمن بعض الصفات وقد تقرر في الكلام أنه يمكن أن يخلق الله تعالى العلم بكنه ذاته في البشر ولأنه إنما يتمشى إذا لم يكن الواضع هو الله تعالى والتحقيق أن تصوير الموضوع له بوجه ما كاف في وضع العلم وكذا في فهم السامع عند استعماله انتهى، والمرء مؤاخذ بإقراره وهذا اكتفاء بأقل اللازم وإلا فالمحققون قد أبطلوا هذا الدليل بما لا مزيد عليه، وأما الثاني: ففيه إن لم نقل الآية من المتشابه أن العلم قد يلاحظ معه معنى به يصلح لتعلق الظرف كقولك أنت عندي حاتم وقوله:شعر : أسد عليّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر تفسير : فليلاحظ هنا المعبود بالحق لاشتهاره سبحانه بذلك في ضمن هذا الاسم المقدس على أنه يحتمل التعلق بيعلم في قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ } تفسير : [الأنعام: 3] الآية والجملة خبر ثان أو هي الخبر ولفظ الله بدل والظاهر أن قوله ظاهر لهذا. وأما الثالث: ففيه أن المنكر لاشتقاقه لا يسلم التوافق في المعنى على أنه لا يستلزم الوصفية أيضاً وكون المدعى ظني فيكفي فيه الحدس من مثل ذلك لا يجدي نفعاً إذ لنا أن نقول مثله والمنشأ أتم والظن أقوى والوجوه التي ذكرت في الإبطال ترهقها ذلة لأنها كلها متوجهة تلقاء الغلبة وهي إن لم تكن تحقيقية ضعيفة بل تقديرية قوية لكنها على كل حال دون العلمية الأصلية قوة وشرفاً فالعدول عن الأشرف في هذا الاسم الأقدس مما لا أسوغ الإقدام عليه ودون إثبات الداعي نفي الرقاد وخرط القتاد. وقد رأيت بعض ذلك فالذي أرتضيه لا عن تقليد أن هذا الاسم الأعظم موضوع للذات الجامعة لسائر الصفات وإلى ذلك يشير كلام ساداتنا النقشبندية بلغنا الله تعالى ببركاتهم كل أمنية في الوقوف القلبـي وهو أن يلاحظ الذاكر في قلبه كلما كرر سكر هذا الاسم الأقدس ذاتياً بلا مثل، وحققه الشيخ الأكبر قدس سره في مواضع عديدة من كتبه. هذا وتفخيم اللام من هذا الاسم الكريم إذا انفتح ما قبله أو انضم طريقة معروفة عند القراء وقيل مطلقاً، وحذف ألفه لغة حكاها ابن الصلاح، وفي «التيسير» إنها لغة ثابتة في الوقف دون الوصل والأفصح الإثبات حتى قال بعضهم: إن الحذف لحن تفسد به الصلاة ولا ينعقد به صريح اليمين ولا يرتكب إلا في الضرورة كقوله:شعر : ألا لا بارك الله في سهيل إذا ما بارك الله في الرجال تفسير : وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في «الفتوحات» عن أسرار حروفه وأتى بالعجب العجاب، وفي ظهور الألف تارة وخفائها أخرى وسكون اللام أولاً وتحركها ثانياً والختم باطناً بما به البدء ظاهراً واشتمال الكلمة على متحرك وساكن وصالح لأن يظهر بأحد الأمرين إشارات لا تخفى على العارفين فارجع إلى كتبهم فهم أعرف بالله تعالى منا، وسبحان من احتجب بنور العظمة حتى تحيرت الأفهام في اللفظ الدال عليه إذ انعكست له من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين فلم يستطيعوا أن يمعنوا النظر فيه وإليه والقصور في القابل لا في الفاعل:شعر : توهمت قدماً أن ليلى تبرقعت وأن حجابـــا دونهـــا يمنـــع اللثمـــا فلاحت فلا والله ما ثم حاجب سوى أن طرفي كان عن حسنها أعمى تفسير : و{ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } المشهور أنهما صفتان مشبهتان بنيتا لإفادة المبالغة وأنهما من رحم مكسور العين نقل إلى رحم/ مضمومها بعد جعله لازماً وهذا مطرد في باب المدح والذم وأن الرحمة في اللغة رقة القلب ولكونها من الكيفيات التابعة للمزاج المستحيل عليه سبحانه تؤخذ باعتبار غايتها إما على طريقة المجاز المرسل بذكر لفظ السبب وإرادة المسبب وإما على طريقة التمثيل بأن شبه حاله تعالى بالقياس إلى المرحومين في إيصال الخير إليهم بحال الملك إذا رق لهم فأصابهم بمعروفه وإنعامه فاستعمل الكلام الموضوع للهيئة الثانية في الأولى من غير أن يتمحل في شيء من مفرداته وإما على طريقة الاستعارة المصرحة بأن يشبه الإحسان على ما اختاره القاضي أبو بكر أو إرادته على ما اختاره الأشعري بالرحمة بجامع ترتب الانتفاع على كل ويستعار له الرحمة ويشتق منها الرحمن الرحيم على حد ـ الحال ناطقة بكذا ـ وإما على طريقة الاستعارة المكنية التخييلية بأن يشبه معنى الضمير فيهما العائد إليه تعالى بملك رق قلبه على رعيته تشبيهاً مضمراً في النفس ويحذف المشبه به ويثبت له شيء من لوازمه وهو الرحمة، وقيل الرحمة في ذلك حقيقة شرعية وأن الرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى فتؤخذ تارة باعتبار الكمية وأخرى باعتبار الكيفية فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكفار ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة وأنه إنما قدم الرحمن والقياس يقتضي الترقي لتقدم رحمة الدنيا ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، وقول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة وقول شاعرهم فيه:شعر : سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا تفسير : غلو في الكفر أو التقديم لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها فيكون كالتتمة والرديف له أو للمحافظة على رؤوس الآي. هذا وجميعه لا يخلو عن مقال ولا يسلم من رشق نبال أما أولا فلأن الصفة المشبهة لا تبنى إلا من لازم ولذا قال في «التسهيل»: إن ربا وملكاً ورحماناً ليست منها لتعدي أفعالها ولم يقل أحد بنقل ما تعدى منها لفعل المضموم العين والمسطور في المتون المعول عليها أن فعل المفتوح والمكسور إذا قصد به التعجب يحول إلى فعل المضموم كقضوا الرجل بمعنى ما أقضاه وحينئذ فيه اختلاف هل يعطى حكم نعم أو فعل التعجب كما فصلوه ثمة وإلحاقهم له بنعم كالصريح في عدم تصرفه وأنه لا يؤخذ منه صفة أصلاً وكون رفيع الدرجات بمعنى رفيع درجاته لا رافع الدرجات لا يجدي نفعاً وإنما فسروه بما ذكر لأن المراد درجات عزه وجبروته ليناسب المراد من قوله: {أية : ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ }تفسير : [غافر: 15] وهي بسطة ملكه وسعة ملكوته وتلك الدرجات ليست مرفوعة بفعل. ونقل ذلك عن الزمخشري في «الفائق» بعد تسليم أنه مذكور فيه معارض بما صرح به هو في غيره «كالمفصل» على أن قولهم رحمن الدنيا ورحيم الآخرة بالإضافة إلى المفعول كما نص عليه دون الفاعل يقتضي عدم اللزوم وأنهما ليسا بصفة مشبهة فالأصح أنهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل وأخداً من فعل متعد وذلك في الرحيم ظاهر وقد نص عليه سيبويه في قولهم رحيم فلاناً وكذا الزجاج والصيغة تساعده وللاشتباه،/ في الرحمن وعدم ذكر النحاة له في أبنية المبالغة قال الأعلم وابن مالك: أنه علم في الأصل لا صفة ولا علم بالغلبة التقديرية التي ادعاها الجل من العلماء. وأما ثانياً: فلأن نقل فعل المكسور إلى فعل المضموم لا يتوقف على جعله لازماً أولاً لأنه بمجرد النقل يصير كذلك وتحصيل المناسبة بين المنقول والمنقول إليه باللزوم لعدم الاكتفاء فيها بمطلق الفعلية مما لا يحفى ما فيه. وأما ثالثاً: فلأن كون الرحمة في اللغة رقة القلب إنما هو فينا وهذا لا يستلزم ارتكاب التجوز عند إثباتها لله تعالى لأنها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته كسائر صفاته ومعاذ الله تعالى أن تقاس بصفات المخلوقين وأين التراب من رب الأرباب. ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى لاستحالة اتصافه بما نتصف به فليوجب كون الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر ما نعلمه منها فينا ارتكاب المجاز أيضاً فيها إذا أثبتت لله تعالى وما سمعنا أحداً قال بذلك وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيل وصف الله تعالى بها فأما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى شأنه. والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه بل ذلك من عزة كماله وكمال عزته والعجز عن درك الإدراك إدراك فالقول بالمجاز في بعض والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكماً بحتاً بل قد نطق الإمام السكوني في كتابه «التمييز لما للزمخشري من الاعتزال في تفسير كتاب الله العزيز» بأن جعل الرحمة مجازاً نزغة اعتزالية قد حفظ الله تعالى منها سلف المسلمين وأئمة الدين فإنهم أقروا ما ورد على ما ورد وأثبتوا لله تعالى ما أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تصرف فيه بكناية أو مجاز وقالوا لسنا أغير على الله من رسوله لكنهم نزهوا مولاهم عن مشابهة المحدثات، ثم فوضوا إليه سبحانه تعيين ما أراده هو أو نبيه من الصفات المتشابهات. والأشعري إمام أهل السنة ذهب في النهاية إلى ما ذهبوا إليه. وعول في «الإبانة» على ما عولوا عليه فقد قال في أول كتاب «الإبانة» الذي هو آخر مصنفاته: ((أما بعد فإن كثيراً من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضي من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل الله به سلطاناً ولا أوضح به برهاناً ولا نقلوه عن رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف المتقدمين ـ وساق الكلام إلى أن قال ـ فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله تعالى به الحق (عند ظهور الضلال) وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير معظم مفخم)) وعلى جميع أئمة المسلمين ثم سرد الكلام في بيان عقيدته مصرحاً بإجراء ما ورد من الصفات على حالها بلا كيف غير متعرض لتأويل ولا ملتفت إلى قال وقيل. فما نقل عنه من تأويل صفة الرحمة إما غير ثابت أو مرجوع عنه والأعمال بالخواتيم. وكذا يقال في حق غيره من القائلين به من أهل السنة على أنه إذا سلم/ الرأس كفى ومن ادعى ورود ذلك عن سلف المسلمين فليأت ببرهان مبين فما كل من قال يسمع ولا كل من ترأس يتبع:شعر : أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائهم تفسير : والعجب من علماء أعلام، ومحققين فخام كيف غفلوا عما قلناه، وناموا عما حققناه ولا أظنك في مرية منه وإن قلّ ناقلوه وكثر منكروه: و{أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 249]. وأما رابعاً فلأن إجراء الاستعارة التمثيلية هنا مع أنه تكلف لا سيما على مذهب السيد السند قدس سره فيه ظاهراً نوع من سوء الأدب إذ لا يقال إن لله تعالى هيئة شبيهة بهيئة الملك ولم يرد إطلاق الحال عليه سبحانه وتعالى فهل هذا إلا تصرف في حق الله تعالى بما لم يأذن به الله، ومثل هذا أيضاً مكني في المكنية وبلاغة القرآن غنية عن تكلف مثل ذلك؛ وأما خامساً فلأن وجه تشبيه الإحسان في احتمال الاستعارة المصرحة بالرحمة التي هي رقة القلب غير صريح لأنه لا ينتفع بها نفسها وإنما الانتفاع بآثارها وكم من رق قلبه على شخص حتى أرق له لم ينفعه بشيء ولا أعانه بحي ولا ليّ.شعر : أهمّ بأمر الحزم لا أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان تفسير : ولا كذلك الانتفاع بالإحسان وأما الإرادة فهي إن قلنا بصحة إرادتها هنا لا تصح في وجه المجاز المرسل بالنظر إليه تعالى بل إنك إذا تأملت وأنصفت وجدت الرحمة إن تسببت الإحسان أو أرادته فإنما تسببه إذا كانت هي وهو صفتين لنا ومجرد السببية والمسببية في هذه الحالة لا يوجب كون الرحمة المنسوبة إليه عز شأنه مجازاً مرسلاً عن أحد الأمرين وبفرض وجود الرحمة بذلك المعنى فيه تعالى كيفما كان الفرض لانجزم بالسببية والمسببية أيضاً وقياس الغائب على الشاهد مما لا ينبغي والفرق مثل الصبح ظاهر والذهن مقيد عن دعوى الإطلاق لما لا يخفى عليك فتأمل في هذا المقام فقد غفل عنه أقوام بعد أقوام. وأما سادساً فلأن كون الرحمن أبلغ من الرحيم غير مسلم وإن قال الراغب: إن فعيلاً لمن كثر منه الفعل وفعلان لمن كثر منه وتكرر حتى قيل الرحيم أبلغ لتأخره، وقول ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسئل غضب وقيل هما سواء لظاهر الحديث الذي أخرجه الحاكم في «المستدرك» مرفوعاً «حديث : رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما» تفسير : وإليه ذهب الجويني وقرره بأن فعلان لمن تكرر منه الفعل وكثر وفعيل لمن ثبت منه الفعل ودام وفرق بعضهم بينهما بأن الرحمن دال على الصفة القائمة به تعالى والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للصفة فالأول دال على أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته وإذا أردت فهم ذلك فتأمل قوله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } تفسير : [الأحزاب: 43] {أية : إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [التوبه: 117] ولم يجىء قط رحمن فإنه يستشعر منه إن رحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وما ذكر من قولهم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى قاعدة أغلبية أسسها ابن جني فلعلها لا تثبت مع بسم الله الرحمن الرحيم وقد نقضت بحذر فإنه أبلغ من حاذر مع زيادة حروفه، فإن أجيب بأنها أكثرية فيأمر حباً بالوفاق وإن أجيب بأن ما ذكر لا ينافي أن يقع في البناء إلا نقص زيادة معنى بسبب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شره ونهم فجاز أن حاذراً أبلغ من حذر لدلالته على زيادة الحذر وإن لم يدل على ثبوته ولزومه فهو على ما فيه لا يصفو عن كدر لأنهم صرحوا بأنه قد كثر استعمال فعيل في الغرائز كشريف وكريم وفعلان في غيرها كغضبان وسكران فيقتضي أنه أبلغ ولو من وجه أو لا فسواء وإن أجيب بأن القاعدة فيما إذا كان اللفظان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغرث وغرثان وصد وصديان ورحيم ورحمن لا كحذر وحاذر للاختلاف فإن أحدهما اسم فاعل والآخر صفة مشبهة فيقال قد صرح ابن الحاجب بأنه من أبنية المبالغة المعدودة من اسم الفاعل فهما متحدان نوعاً أيضاً فيحصل الانتقاض ألبتة ثم إنهم استشكلوا الأبلغية/ بأن أصل المبالغة مما لا يمكن هنا لأنها عبارة عن أن تثبت للشيء أكثر مما له وذلك فيما يقبل الزيادة والنقص، وصفاته تعالى منزهة عن ذلك لاستلزامه التغير المستلزم للحدوث، وأجيب بأن المراد الأكثرية في التعلقات والمتعلقات لا في الصفة نفسها وهذا إذا كانت صفة ذات وإن كانت صفة فعل فلا إشكال على ما ذهب إليه الأشاعرة من القول بحدوثها. وأما على ما ذهب إليه ساداتنا الماتريدية القائلون بقدوم صفة التكوين فيجاب بما أجيب به عن الأول. وأما سابعاً فلأن قولهم فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن إن أرادوا به أن أبلغية الرحمن هٰهنا باعتبار كثرة أفراد الرحمة في الدنيا لوجودها في المؤمن والكافر فلا يستقيم عليه، ورحيم الآخرة إذ النعم الأخروية غير متناهية وإن خصت المؤمن، وإن أرادوا أنها باعتبار كثرة أفراد المرحومين فلا يخفى أن كثرة أفرادهم إنما تؤثر في الأبلغية باعتبار اقتضائها كثرة أفراد الرحمة في الدنيا أيضاً ومعلوم أن أفراد الرحمة في الآخرة أكثر منها بكثير بل لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً فهذا الوجه مخدوش على الحالين على أن في اختصاص رحمة الآخرة بالمؤمنين مقالاً إذ قد ورد في الصحيح شفاعته صلى الله عليه وسلم لعامة الناس من هول الموقف: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }تفسير : [الإسراء: 79] وروي تخفيف العذاب عن بعض الأشقياء في الآخرة وكون الكفار في الأول تبعاً غير مقصودين كيف وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشد منه فليس ذلك رحمة في حقهم والتخفيف في الثاني على تقدير تحققه نزول من مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها فليس رحمة من كل الوجوه ليس بشيء أما أولاً فلأن القصد تبعاً وأصالة لا مدخل له وحبذا الولد من أين جاء، وأما ثانياً فلأن ملاقاتهم بعد لما هو أشد فلا يكون ذلك رحمة في حقهم يستدعي أن لا رحمة من الله تعالى لكافر في الدنيا كما قد قيل به لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } تفسير : [آل عمران: 178] وقوله تعالى: (أية : وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا)تفسير : [التوبة: 85] فيبطل حينئذ دعوى شمول الرحمة المؤمن والكافر في الدنيا إذ لا فرق بين ما يكون للكافر في الدنيا مما يتراءى أنه رحمة وما يكون له في الآخرة فوراء كل عذاب شديد، وأما ثالثاً فلأن كون التخفيف ليس برحمة من كل الوجوه لا يضر وكل أهل النار يتمنى التخفيف: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [غافر: 49] وحنانيك بعض الشر أهون من بعض. وأما ثامناً فلأن قولهم وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة الخ فيه بعض شيء وهو أنه يصح أن يكون بالاعتبار الأول لأن نعم الدنيا والآخرة تزيد على نعم الآخرة نعم يجاب عنه بأنه يلزم حينئذ أن يكون ذكر رحيم الدنيا لغواً ولا يلزم ذلك على اعتبار الكيفية إذ المراد يا مولياً لجسام النعم في الدارين ولما دونها في الدنيا. وأيضاً مقصود القائل التوسل بكلا الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها مشيراً إلى عموم الأول وخصوص الثاني ويحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه الباعثة لمزيد شكره إلا أنه يرد عليه كسابقه أن الأثر لا يعرف والمعروف المرفوع: «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما» وكفاية كونه من كلام السلف ليس بشيء كما لا يخفى. وأما تاسعاً فلأن السؤال عن تقديم الرحمن معترض بمقبول ومردود، وذكر ابن هشام أنه غير متجه لأن هذا خارج عن كلام العرب إذ لم يستعمل صفة ولا مجرداً من أل فهو بدل لا نعت والرحيم نعت له لا نعت لاسم الله سبحانه إذ لا يتقدم البدل على النعت ومما يوضح لك أن الرحمن غير صفة مجيئه كثيراً غير تابع نحو: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }تفسير : [طه: 5] {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الرحمن: 1-2] {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }تفسير : [الإسراء: 110] {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [الفرقان: 60] وقال ابن خروف هو صفة غالبة ولم يقع تابعاً إلا لله تعالى/ في البسملة والحمدلة ولذا حكم عليه بغلبة الاسمية وقل استعماله منكراً ومضافاً فوجب كونه بدلاً لا صفة لكون لفظة الله أعرف المعارف، وقال غير واحد: إنهما ما ذكرا لإفادة الشمول والعموم كما تقول الكبير والصغير يعرفه ولو عكست صح وكان المعنى بحاله ومثله لا يلزم فيه الترتيب كما فصل في «المثل السائر». وللعلماء في هذا الترتيب كلام كثير وداعى العلامة المدقق في «الكشف» أن التحقيق يقتضي أن يرد النظم على هذا الوجه ولا يجوز غيره لأن الله اسم للذات الإلهية باعتبار أن الكل منه وإليه وجوداً ورتبة وماهية والرحمن اسم له باعتبار إفاضة الرحمة العامة أعني الوجود على الممكنات والرحيم اسم له باعتبار تخصيص كل ممكن بحصة من الرحمة وهي الوجود الخاص وما يتبعه من وجود كمالاته فلو لم يورد كذلك لم يكن على النهج الواقع المحقق ذوقاً وشهوداً عقلاً ووجوداً، وأيضاً لما كان المقصود تعليم وجه التيمن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كل ملمّ كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى إرشاداً لمن يقتصر على واحد أن يقتصر على الأولى فالأولى وتقريراً في ذهن السامع لوجه التنزل أولاً فأولاً انتهى، ويؤيد بعضه بعض ما أسلفناه من الآثار والبعض الآخر في القلب منه شيء لأن تخصيص الرحمن بالوجود العام والرحيم بالكمالات تحكم غير مرضي وربما ينافي المأثور على أنه لا معنى لإفاضة الوجود على الكل إلا تخصيص كل ممكن بحصة منه وهل يوجد في الخارج من النوع إلا الحصص الإفرادية فتخصيص الإفاضة بالرحمن والتخصيص بالرحيم على ما يلوح بمعزل عن التحقيق والعجب ممن فاته ذلك. وأما عاشراً فلأن ما ذكروه في الجواب عن قول بني حنيفة بأنه غلو في الكفر فيكون الإطلاق غير صحيح لغة وشرعاً فيه أنه إذا كان إطلاقه عليه تعالى شأنه مجازاً كما زعموا وبالغلبة فكيف يقال إن استعماله في حقيقته وأصل معناه خطأ لغة. وقد ذهب السبكي إلى أن المخصوص به تعالى هو المعرف دون المنكر والمضاف لوروده لغيره ورد به على القول بأنه مجاز لا حقيقة له وأن صحة المجاز إنما تقتضي الوضع للحقيقة لا الاستعمال نعم هو في لسان الشرع يمنع إطلاقه على غيره مطلقاً وإن جاز لغة كالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبذلك صرح العز بن عبد السلام. وقيل إن رحماناً في البيت مصدر لا صفة مشبهة والمراد لا زلت ذا رحمة وفيه ما لا يخفى وأفهم كلامه أن الرحيم يوصف به غيره تعالى وهو المعروف لكن أخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن البصري أنه قال: الرحيم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه ولعل مراده المعرف دون المنكر والمضاف فافهم. وأما الحادي عشر فلأن المحافظ على رؤوس الآي إنما تحسن ـ كما قال الزمخشري ـ بعد إيقاع المعاني على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه فأما أن تهمل المعاني ويهتم للتحسين وحده فليس من قبيل البلاغة. وقال الشيخ عبد القاهر: أصل الحسن في جميع المحسنات اللفظية أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني فمجرد المحافظة على الرؤوس لا يصير نكتة للتقديم إلا بعد أن يثبت أن المعاني إذا أرسلت على سجيتها كانت تقتضي التقديم على أن المحافظة لا تجري في كل سورة بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كسورة الرحمن، وأيضاً هو مبني على أن الفاتحة أول نازل فروعي فيها ذلك ثم اطرد في غيرها وعلى أن البسملة آية من السورة ودون ذلك سور من حديد، وعندي من باب الإشارة أن تأخير الرحيم لأنه صفة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] وبه عليه السلام كمال الوجود وبالرحيم تمت البسملة وبتمامها تم العالم خلقاً وإبداعاً وكان/ صلى الله عليه وسلم مبتدأ وجود العالم عقلاً ونفساً فبه بدء الوجود باطناً وبه ختم المقام ظاهراً في عالم التخطيط فقال «حديث : لا رسول بعدي»تفسير : فالرحيم هو نبينا عليه الصلاة والسلام وبسم الله هو أبونا آدم عليه السلام وأعني في مقام ابتداء الأمر ونهايته وذلك أن آدم عليه السلام حامل الأسماء قال تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا }تفسير : [البقرة: 31] ومحمد صلى الله عليه وسلم حامل معاني تلك الأسماء التي حملها آدم عليه السلام:شعر : لك ذات العلوم من عالم الغيـ ـب ومنها لآدم الأسماء تفسير : وهي الكلم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوتيت جوامع الكلم» تفسير : ومن أُثني على نفسه أمكن وأتم ممن أُثنى عليه كيحيـى وعيسى عليهما السلام ومن حصل له الذات فالأسماء تحت حكمه وليس كل من حصل إسماً يكون المسمى محصلاً عنده ولهذا فضلت الصحابة علينا رضوان الله تعالى عليهم فإنهم حصلوا الذات وحصلنا الأسماء، ولما راعينا الاسم مراعاتهم الذات ضوعف لنا الأجر فللعامل منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة لا من أعيانهم بل من أمثالهم والحسرة الغيبة التي لم تكن لهم فكان تضعيف على تضعيف فنحن الأخوان وهم الأصحاب وهو صلى الله عليه وسلم إلينا بالأشواق وما أفرحه بلقاء واحد منا وكيف لا يفرح وقد ورد عليه من كان بالأشواق إليه، وأيضاً وجدنا بين الله والرحمن من المناسبة ما ليس بينه وبين الرحيم فلهذا قدم الرحمن على الرحيم بيان ذلك أما أولاً فلاقتران الرحمن بالجلالة في قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلاْسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 110] وقد يشعر هذا الاقتران بجعلهما للذات ولذلك اختار من اختار البدل على النعت وجعلوه إشارة إلى مقام الجمع المرموز إليه بما صح عند القوم من طريق الكشف أن الله تعالى خلق آدم على صورته والرحيم ليس كذلك، وأما ثانياً فلأن في الله وفي الرحمن ألفين ألف الذات وألف العلم والأولى في كل خفية والثانية ظاهرة وإنما خفيت الأولى في الأول لرفع الالتباس في الخط بين الله والإله وفي الثاني على ما عليه أهل الله في رسمه وهو أحد الرسمين عند أهل الرسوم لدلالة الصفات عليهما دلالة ضرورية من حيث قيام الصفة بالموصوف فخفيت الذات وتجلت للعالم الصفات فلم يعرفوا من الإله غيرها والجهل هنا كمال وذلك حقيقة العبودية:شعر : زدني بفرط الحب فيك تحيرا وارحم حشا بلظى هواك تسعرا تفسير : فالرحمن مشير إلى الذات وسائر الصفات فالألف الظاهرة واللام والراء إشارة إلى العلم والإرادة والقدرة والحاء والميم والنون إشارة إلى الكلام والسمع والبصر، وشرط هذه الصفات الحياة ولا يتحقق المشروط بدون الشرط فظهرت الصفات السبع بأسرها وخفيت الذات كما ترى وادعى بعض العارفين أن الألف الخفية هنا ظهرت من حيث الجزئية من هذا اللفظ في الشيطان بناء على أخذه من شطن وزيادة الألف فيه للإشارة إلى عموم الرحمة: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] فللشيطان أيضاً حصة منها ومنها وجوده وبقى سر لا يمكن كشفه ولا كذلك الرحيم إذ ليس فيه إلا ألف العلم ولما كان هذا الاسم مشيراً إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار رتبته ظهرت فيه لكونه المرسل إلى الناس كافة فطلب التأييد فأعطيها فظهر بها، وأما ثالثاً فقد طال النزاع في تحقيق لفظ الرحمن كما طال في تحقيق لفظ الله حتى توهم أنه ليس بعربـي لنفور العرب منه فإنهم لما قيل لهم {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }تفسير : [النحل: 36] لم يقولوا وما الله ولما قيل لهم {أية : ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قالوا وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [الفرقان: 60] ولعل سبب ذلك توهمهم التعدد وأنهم خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليهم من جنسهم فأنكروه لذلك لا لأنه ليس بعربـي، واختلف أيضاً في الصرف وعدمه قال ابن الحاجب: النون والألف إذا كانا في اسم/ فشرطه العلمية وفي صفة فانتفاء فعلانة وقيل وجود فعلي، ومن ثمة اختلف في رحمن دون سكران وندمان وبنو أسد يصرفون جميع فعلان لأنهم يقولون في كل مؤنث له فعلانة اهـ وقال في «التسهيل»: واختلف فيما لزم تذكيره كلحيان بمعنى كبير اللحية فمن منعه ألحقه بباب سكران لأنه أكثر ومن حذفه رأى أنه ضعف داعي منعه والأصل الصرف، واختار الزمخشري والشيخ الرضى وابن مالك واستظهره البيضاوي عدم الصرف إلحاقاً له بما هو أغلب في بابه لأن الغالب في فعلان صفة فعلى حتى ذكر الإمام السيوطي أن ما مؤنثه فعلانة لم يجىء إلا أربعة عشر لفظاً بل إن فعلان صفة من فعل بالكسر لم يجىء منه ما مؤنثه فعلانة أصلاً إلا ما رواه المرزوقي من خشيان وخشيانة وإنما اقتضى الإلحاق أظهرية ذلك مع أن كون الأصل في الاسم الصرف يقتضي خلافه لأن رعاية ما هو الغالب في النوع أولى من رعاية الأصل، والحشر مع الجماعة عيد. ولما رأى السعد أن هذه المسألة مما تعارض فيها الأصل والغالب ولم يترجح عنده أحدهما مال إلى جواز الصرف وعدمه عملاً بالأمرين والإعمال في الجملة أولى من الإهمال بالكلية وحيث لم يسمع هذا الاسم إلا مضافاً أو معرفاً بأل أو منادى وما ورد شاذاً كما في البيت لا يصلح شاهداً لأحد الأمرين لاحتمال أن يكون ممنوعاً وألفه للإطلاق عدلوا إلى الاستدلال واتسعت دائرة المقال والرحيم سليم من هذا فافهم ذاك والله يتولى هداك. وإنما جعل الله البسملة مبدأ كلامه لوجهين، أما الأول فلأنها إجمال ما بعدها وهي آية عظيمة ونعمة للعارف جسيمة لا نهاية لفوائدها ولا غاية لقيمة فرائدها والباحث عنها مع قصرها إذا أراد ذرة من علمها ودرة من عيلمها احتاج إلى باع طويل في العلوم واطلاع عريض في المنطوق والمفهوم، مثلاً إذا أراد أن يبحث عن الباء من حيث إنها حرف جر بل عن سائر كلماتها من حيث الإعراب والبناء احتاج إلى علم النحو وإذا أراد أن يبحث عن أصول كلماتها كيف كانت وكيف آلت احتاج إلى علمي الصرف والاشتقاق وإن أراد أن يبحث عن نحو القصر بأقسامه وهل يوجد فيها شيء منه احتاج إلى علم المعاني وإن أراد أن يبحث عما فيها من الحقيقة والمجاز احتاج إلى علم البيان وإن أراد أن يبحث عما بين كلماتها من المحسنات اللفظية احتاج إلى علم البديع وإن أراد أن يبحث عنها من حيث إنها شعر أو نثر موزون أو غير موزون مثلاً احتاج إلى علمي العروض والقوافي وإن أراد أن يعرف مدلولات الألفاظ لغة احتاج إلى مراجعة اللغة وإن أراد أن يعرف من أي الأقسام وضع هاتيك الألفاظ احتاج إلى علم الوضع وإن أراد معرفة ما في رسمها احتاج إلى علم الخط وإن أراد البحث عن كونها قضية ومن أي قسم من أقسامها أو غير قضية احتاج إلى علم المنطق وإن أراد أن يعرف أن كنه ما فيها من الأسماء هل يعلم أو لا احتاج إلى علم الكلام وإن أراد معرفة حكم الابتداء بها وهل يختلف باختلاف المبدوء به احتاج إلى علم الفقه وإن أراد معرفة أن ما فيها ظاهر أو نص مثلاً احتاج إلى علم الأصول وإن أراد معرفة تواترها احتاج إلى علم المصطلح وإن أراد معرفة أنها من أي مقولة من الأعراض احتاج إلى علم الحكمة وإن أراد معرفة طبائع حروفها احتاج إلى علم الحرف وإن أراد معرفة أنواع الرحمة المشار إليها بها احتاج إلى علم الأفلاك وعلم تشريح الأعضاء وخواص الأشياء وعلم المساحة وغير ذلك وإن أراد معرفة ما يمكن التخلق به مما تدل عليه الأسماء احتاج إلى علم الأخلاق وإن أراد معرفة ما خفي على أرباب الرسوم من الإشارات فليضرع إلى ربه وإن أراد أن يقف على جميع ما فيها من الأسرار فليعد غير المتناهي وكيف يطمع في ذلك وهي عنوان كلام الله تعالى المجيد وخال وجنة القرآن الذي لا يأتيه الباطل/ من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:شعر : وعلى تفنن واصفيه بوصفه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف تفسير : وإن أردت أن تمتحن ذهنك في بعض أسرارها فتأمل سر افتتاحها واختتامها بحرفين شفويين ومع كل ألف صورية متصلة بأول الأول وآخر الآخر وتحت الأول دائرة غيبية ظهرت في صورة الثاني وسر ما وقع فيها من أنواع التثليث أما أولاً ففي مخارج الحروف فإنها ثلاثة الشفة واللسان والحلق في الباء واللام والهاء. وأما ثانياً ففي المحذوف من حروفها فإنها ثلاثة أيضاً ألف الاسم وألف الله وألف الرحمن. وأما ثالثاً ففي المنطوق منها والمرسوم فإنه ثلاثة أنواع أيضاً منطوق به مرسوم كالباء ومنطوق به غير مرسوم كألف الرحمن ومرسوم غير منطوق به كاللام منه مثلاً، وأما رابعاً ففي المتحرك والساكن، فمتحرك لا يسكن كالباء وساكن لا يتحرك كالألف، وقابل لهما كميم الرحيم وقفاً ووصلاً، وأما خامساً ففي أنواع كلماتها الملفوظة والمقدرة فهي على رأي اسم وفعل وحرف، وأما سادساً ففي أنواع الجر الذي فيها فهو جر بحرف وبإضافة وبتبعية على المشهور، وأما سابعاً ففي الأسماء الحسنى التي دبجتها فهي الله والرحمن والرحيم، وأما ثامناً ففي العاملية والمعمولية فكلمة عاملة غير معمولة ومعمولة غير عاملة وعاملة معمولة، وأما تاسعاً ففي الاتصال والانفصال فمتصل بما بعده فقط وبما قبله فقط وبما بعده وقبله، وفي كل واحد من هذه الثلاثيات أسرار تحير الأفكار وتبهر أولي الأبصار وانظر لم اشتملت حروفها على الطبائع الأربع وتقدم في الظهور الهواء ولم كانت تسعة عشر، ولم أعتنق اللام الألف واتصلت الميم باللام والهاء بالراء والنون بها نطقاً لا خطاً ولم فتح ما قبل الألف حتى لم يتغير في موضع أصلاً؟ وتفكر في سر تربيع الألفاظ وسكون السين وتحرك الميم ونقطتي الياء ونقطة النون والباء، والأمر وراء ما يظنه أرباب الرسوم ونهاية ما ذكروه البحث عن المدلولات وتوسيع دائرة المقال بإبداء الاحتمالات، وقد صرح السرميني بإبداء خمسة آلاف وثلثمائة ألف وأحد وتسعين ألفاً وثلثمائة وستين احتمالاً وزدت عليه من فضل الله تعالى حين سئلت عن ذلك بما يقرب أن يكون بمقدار ضرب هذا العدد بنفسه والدائرة أوسع إلا أن الواقع البعض، ولقد خلوت ليلة بليلي هذه الكلمة وأوقدت مصباح ذلي في مشكاة حضرتها المكرمة وفرشت لها سري وضممتها سحراً إلى سحري ونحري:شعر : فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر تفسير : وأما الوجه الثاني: فلتعليم العباد إذا بدءوا بأمر كيف يبدءون به ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة وأخرجه الحافظ عبد القادر الرهاوي: «حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»تفسير : والبال الحال والشأن فمعنى ذي بال شريف يحتفل به ويهتم كأنه شغل القلب وملكه حتى صار صاحبه، وقيل شبه الأمر العظيم بذي قلب على سبيل الاستعارة المكنية والتخييلية، وفي هذا الوصف فائدتان إحداهما رعاية تعظيم اسم الله تعالى لأن يبتدىء به في الأمور المعتد بها. والأخرى التيسير على الناس في محقرات الأمور كذا قالوه، وعندي أن الأظهر جعل الوصف للتعميم كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ }تفسير : [الأنعام: 38] أي كل أمر يخطر بالبال جليلاً كان أو حقيراً لا يبدأ به الخ. وفي هذا غاية الإظهار لعظمة الله تعالى وحث على التبري عن الحول والقوة إلا بالله وإشارة إلى أن قدر العباد غير مستقلة في الأفعال فحمل تبنة كحمل جبل إن لم يعن الله الملك المتعال وقد أمر سبحانه وتعالى بالإكثار من ذكره فقال تعالى: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا }تفسير : [البقرة: 200] وحيث لم يجب ذلك كما هو معلوم يحصل للناس تيسير، وقد سن صلى الله عليه وسلم بعض الأشياء ونفى لحرج بنفي وجوبها وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله»تفسير : وما روي: «أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام يا موسى سلني حتى ملح قدرك وشراك نعلك» ما يدفع عنك توهم عدم رعاية التعظيم في ذكره تعالى عند محقرات الأمور وأي فرق عند المنصف بين ذكره سبحانه عندها وطلبها منه. على أن العارف الجليل لا يقع بصره على شيء حقير: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ }تفسير : [الملك: 3-4] نعم التسمية على الحرام والمكروه مما لا ينبغي بل هي حرام في الحرام لا كفر على الصحيح مكروهة في المكروه وقيل مكروهة فيهما إن لم يقصد استخفافاً وإن قصده ـ والعياذ بالله تعالى ـ كفر مطلقاً وهذا لا يضر فيما قلناه كما لا يخفى. وقد اضطرب الحديث هنا فوقع في بعض الروايات «لا يبدأ فيه بالحمد لله» وفي بعضها «بحمد الله» وفي البعض «أجذم» وفي أخرى «أقطع» وفي خبر «كل كلام» وفي أثر «يبدأ» وفي آخر «يفتتح» وفي موضع وضع الذكر بدل الحمد إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع حتى قيل إنه مضطرب سنداً ومتناً ولولا أنه في فضائل الأعمال ما اغتفر فيه ذلك على أنه تقوى بالمتابعة معنى أيضاً والشهرة في دفع التعارض بين الروايات تغني عن التعرض للاستيفاء، واستحسن فيه أن روايتي البسملة والحمدلة تعارضتا فسقط قيداهما كما في مسألة التسبيع في الغسلات عند الشافعي ورجع للمعنى الأعم وهو إطلاق الذكر المراد منه إظهار صفة الكمال وقيل إن المراد في كل رواية الابتداء بأحدهما أو بما يقوم مقامه ولو ذكراً آخر بقرينة تعبيره تارة بالبسملة وأخرى بالحمدلة وطوراً بغيرهما ولا يرد على كل أنا نرى كثيراً من الأمور يبدأ فيه بما ورد في الحديث مع أنه لا يتم ونرى كثيراً منها بالعكس لأنا نقول المراد من الحديث ألا يكون معتبراً في الشرع فهو غير تام معنى وإن كان تاماً حساً فباسم الله تعالى تتم معاني الأشياء ومن مشكاة بسم الله الرحمن الرحيم تشرق على صفحات الأكوان أنوار البهاء:شعر : ولو جليت سراً على أكمه غداً بصيراً ومن راووقها تسمع الصم ولو أن ركباً يمموا ترب أرضها وفي الركب ملسوع لما ضره السم ولو رسم الراقي حروف اسمها على جبين مصـاب جن أبرأه الرســم وفوق لواء الجيش لو رقم اسمها لأسكر من تحت اللوا ذلك الرقم تفسير : ولما افتتح سبحانه وتعالى كتابة البسملة وهي نوع من الحمد ناسب أن يردفها بالحمد الكلي الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال فقال جل شأنه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وهو أول الفاتحة وآخر الدعوات الخاتمة كما قال تعالى: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }تفسير : [يونس: 10]:شعر : كأن الحب دائرة بقلبـي فأوله وآخره سواء تفسير : وقد قيل للجنيد قدس سره ما النهاية؟ فقال الرجوع إلى البداية وفيه أسرار شتى، والحمد على المشهور هو الثناء باللسان على الجميل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل، قالوا ولا بد لتحققه من خمسة أمور محمود به ومحمود عليه وحامد ومحمود وما يدل على اتصاف المحمود بصفة فالأول صفة تظهر اتصاف الشيء بها على وجه مخصوص ويجب كونه صفة كمال ولو ادعاء إذ المناط التعظيم ولا فرق عند الإمام الرازي قدس سره بين كونه ثبوتياً أو سلبياً متعدياً أو غير متعد بل ولا بين كونه صادراً عن المحمود باختياره أو لا كما قرره العلامة الدواني وصدر الأفاضل في «حواشي التجريد»/ «والمطالع» وجزم به المحقق الملا خسرو وادعى أنه الأشهر إلا أن العلامة في «شرح التهذيب» نقل عن البعض وجوب كونه اختيارياً واختاره كما في المحمود عليه فكما لم يسمع الحمد على رشاقة القد وصباحة الخد لم يسمع الحمد بهما وعدم حمد اللؤلؤة كما يمكن كونه من جهة حال المحمود عليه يمكن كونه من جهة المحمود فجعله دليلاً على أحدهما فقط تحكم. الثاني ما يقع الثناء بإزائه ويقابله بمعنى أن المثنى عليه لما اتصف به أظهر كماله ولولاه لم يتحقق ذلك فهو كالعلة الباعثة وقد يكون الشيء الواحد محموداً به وعليه معاً كأن رأي من ينعم أو يصلي فأظهر اتصافه بذلك فهناك يتحقق الأمران لحيثيتين ويجب أن يكون كمالاً على نحو ما سبق وظاهر كلام الجمهور أنه أعم من كونه فعلاً صادراً من المحمود أو كيفية قائمة به ويفهم كلام الإمام اختيار الأول واشترط أن يكون حصوله من المحمود باختياره، واستشكل الحمد على صفاته تعالى الذاتية سواء جعلت عين ذاته أو زائدة عليها، وأجيب بأن الحمد عليها بتنزيلها منزلة الاختياري لكون ذاته كافية فيها أو بأن المراد بالفعل الاختياري المنسوب إلى الفاعل المختار سواء كان مختاراً فيه أو لا. وقيل: إنها صادرة بالإختيار بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لا بمعنى صحة الفعل والترك أو بمعناه والصفات صادرة بالاختيار وسبقه عليها ذاتي فلا يلزم حدوثها، وقيل إنه بالنظر إلى حمد البشر فالمراد ما جنسه اختياري كما قيل في قيد اللسان وأورد على الأول مع ما فيه أنه إنما يحسن إذا كان المعتاد من الأفعال الاختيارية كون فاعلها مستقلاً في إيجادها من غير احتياج إلى شيء آخر من آلة وغيرها ليظهر استقامة التنزيل وليس كذلك فإن العمل الاختياري يحتاج إلى العلم والقدرة والكثير إلى آلة وأسباب وعلى الثاني أنه خلاف المتبادر وعلى الثالث أن هذا المعنى ادعاه الحكماء حين قالوا بقدم العالم للإيجاب فلزمهم أن لا يكون لموجده إرادة وقالوا إن صدق الشرطية لا يقتضي وجود مقدمها ولا عدمه فمقدم الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع ومقدم الثانية دائم اللا وقوع ولهذا أطلق عليه الصانع وهو من له الإرادة وهو صرح ممرد من قوارير لأن ما بالإرادة يصح وجوده بالنظر إلى ذات الفاعل فإن أريد بالدوام الدوام مع صحة وقوع النقيض فهو مخالف لما صرحوا به من إيجاب العالم بحيث لا يصح عدم وقوعه منه وإن أريد مع امتناع الوقوع فليس هناك من الإرادة إلا لفظها ومتعلقها لا محيص عن حدوثه والعالم عندهم قديم واختيار الشق الأول ثم القول بأن الصادر عن الموجب بالذات ليس واجباً كذلك بل ممكن بذاته والقدم زماني لا ذاتي وصحة وقوع النقيض لا يقتضي الوقوع إذا أحجم القلم عنه إنما يظهر في العالم ويبقى ما نحن فيه من الصفات ولا أقدم على إطلاق القول بإمكانها لاحتياجها للذات واستنادها إليها وعلى الرابع أن اتصاف الصفات بالصدور لو انشرحت لتوجيهه الصدور يبقى الإشكال في صفة القدرة ولا قدرة لدعوى صدورها بالاختيار وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه فلا حسم وعلى الخامس أن هاتيك الصفات مقدسة عن أن تشرك مع صفة البشر في جنس وأين الأزلي من الزائل؟! على أنه ما فيه خلاف المنساق إلى الذهن ولكثرة المقال والقيل لم يشترط بعضهم في المحمود عليه أن يكون اختيارياً لأنه الباعث على الحمد وأي مانع من أن لا يكون كذلك ومن ذلك: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تفسير : [الإسراء: 79] وعند الصباح يحمد القوم السري، وجاورته فما حمدت جواره:شعر : والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم تفسير : والحق الحقيق بالاتباع أن الحمد اللغوي لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية والحمد على الصفات الذاتية إما لغوي راجع لما يترتب عليها من الآثار الاختيارية، أو عرفي ولا ضرر في تعلقه بها، وما ذكر من الأمثلة ونحوها فالحمد فيها مجاز عن الرضا، ويقال في الآية زيادة عليه أن محموداً حال من الضمير المنصوب أو نعت لمقاماً والمعنى محموداً فيه/ النبـي لشفاعته أو الله تعالى لتفضله عليه بالإذن وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه. والثالث: وهو من يتحقق منه الحمد وشرطه أن يكون معظماً بثنائه للمحمود ظاهراً وباطناً كما حققه الصدر نعم لا يلزم اعتقاد اتصاف المحمود بالجميل عند المحققين بل الشرط عدم اقترانه ثبوت تحقير فيدخل الوصف بما قطع بانتفائه ولا يناقضه كما قال الدواني توجيه الشريف اشتراط التعظيمين بأنه إذا عري عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمداً بل سخرية لأنه أراد بالاعتقاد لازمه وهو إنشاء التعظيم لا معناه الحقيقي فإن الحمد قد يكون إنشائياً ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه لأن ما لا يتعلق به الاعتقاد لا يوصف حقيقة بمطابقته إذ المتبادر منها الاتحاد في الإيجاب والسلب أو ما يستلزمه أو يؤول إليه وذا لا يوجد إلا في القضايا ولذا لا تسمع أحداً يقول إن التصور يطابقه بل لو قال قائل إن مفهوم اضرب يطابق الاعتقاد ضرب عنه صفحاً وربما نسب لما يكره وحمل المطابقة على هذا أقرب من التزام اتصاف التصورات بالمطابقة واللا مطابقة إذ ليس فيه سوى ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع أن أهل العرف العام قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى فيقولون فلان له اعتقاد في فلان ويريدون ما أردنا ولا بعد فيه لأن الناس يعدون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء إذا كان كذلك مدحاً وحمداً كما في كثير من القصائد. وأما الجواب: بأن الواصف يعتقد الاتصاف وبأن المراد معان مجازية واتصاف المنعوت بها معتقد فيرده أن الأول خلاف البديهة والثاني خلاف الواقع والجواب عن الأول بأنه لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ولم يكن اللفظ مستعملاً في معناه الحقيقي وعن الثاني بأنه لو كان خلاف الواقع لما كان مستعملاً في معناه المجازي فيلزم أن لا يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازاً كلام نشأ من ضيق الصدر إذ لا يلزم من عدم اعتقاد المدلول أن لا يكون الكلام مستعملاً فيه فالأخبار الغير المعتقدة كقول السني الخفي حاله: العبد خالق لأفعاله مستعمل في حقيقته غير معتقد بل جميع الأكاذيب التي يعتمدها أهلها كذلك ثم إن المجيب حمل أن الأول خلاف البديهة على أن مضمون تلك الأخبار خلافها وفرع عليه أنه يلزم أن لا يقصد العقلاء إفادته ويرد عليه المنع فإن الأكاذيب التي يعتمدها العاقل قد تخالف البديهة مع قصد إفادتها لغرض ما كالتغليظ أو التنكيت أو الامتحان أو للتخيل كما في كثير من القضايا حتى قال بعض المحققين: لا يلزم أن يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازاً وفيه تأمل. الرابع: المحمود وقد علمت ما يشترط فيه. الخامس: وهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية وقد اشتهر تقييده باللسان وأريد به جارحة النطق ولما كان الواقع كون آلة التكلم في الغالب هي تلك الجارحة خصوه بها فلو فقد إنسان لسانه فأثنى بحروفه الشفوية أو خلق النطق في بعض جوارحه فأثنى به ـ كما شوهد في مقطوع جميع اللسان ـ فهو حمد وقضية التقييد أن لا يكون الصادر عمن لا جارحة له حمداً وقد قال تعالى: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }تفسير : [الإسراء: 44] وأما حمد الله تعالى نفسه بنفسه مثلاً فذهب الأكثر إلى أنه إخبار باستحقاق الحمد وأمر به أو مقول على ألسنة العباد أو مجاز عن إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية القصوى من الحمد ومال السيد إلى الأخير. وقال الدواني: كون الحمد في حقه سبحانه مجازاً بعيد عن قاعدة أهل الحق من إثبات الكلام له حقيقة والقول مساوق للكلام فالأظهر أن الحصر في اللسان إضافي لمقابلة الجنان والأركان والمراد الأمر الذي مصدره اللسان غالباً أو هو قيد غالبـي يسوغ الاستعمال فيه واللفظ قد يكون موضوعاً في أصل اللغة لعام ويشتهر في بعض مخصوص بحيث يصير فيه حقيقة عرفية وسبب الاشتهار إما كثرة تداول ذلك الفرد كما في الدابة وإما عدم الاطلاع على فرد آخر فيستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد حتى إذا استمر ولم يطلع على إطلاقه على فرد آخر ظن أنه موضوع لخصوصه كما في الميزان فإنه في الأصل موضوع لآلة الوزن، ثم من لم يطلع إلا على ما له لسان/ وعمود ربما يجزم بأنه موضوع له فقط ولا يدري أن وراء ذلك موازين ومثل هذا يجري في كثير من الألفاظ والأمر في المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق وفي غيرها ربما يشتبه على الجماهير وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسنة فإن أكثرهما وارد على أصل اللغة وعلى ذلك فقس الحمد فإن حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال. ولما كان الإظهار القولي أظهر أفراده وأشهرها عند العامة شاع استعمال لفظ الحمد فيه حتى صار كأنه مجاز في غيره مع أنه بحسب الأصل أعم بل الإظهار الفعلي أقوى وأتم فهو بهذا الاسم أليق وأولى كما هو شأن القول بالتشكيك وفرقوا بين الحمد والمدح بأمور. أحدها: أن الحمد يختص بالثناء على الفعل الاختياري لذوي العلم، والمدح يكون في الاختياري وغيره ولذوي العلم وغيرهم كما يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها. وثانيها وثالثها: أن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما. رابعها: أن في الحمد من التعظيم والفخامة ما ليس في الحمد وهو أخص بالعقلاء والعظماء وأكثر إطلاقاً على الله تعالى. وخامسها: أن الحمد إخبار عن محاسن الغير مع المحبة والإجلال، والمدح إخبار عن المحاسن ولذا كان الحمد إخباراً يتضمن إنشاء والمدح خبراً محضاً. وسادسها: أن الحمد مأمور به مطلقاً ففي الأثر: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» والمدح ليس كذلك: «أحثوا في وجوه المداحين التراب» ويشعر كلام الزمخشري في «الكشاف» «والفائق» بترادفهما ففي الأول أنهما أخوان وجعل فيه نقيض المدح أعني الذم نقيضاً للحمد وفي الثاني الحمد المدح والوصف بالجميل فالمدح عنده مخصوص بالاختياري وتأول المدح بالجمال وصباحة الوجه واحتمال أن يراد من الأخوين ما يكون بينهما اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب كجبذ وجذب وأن الأدباء يجوزون التعريف بالأعم والنقيض هناك بالمعنى اللغوي ويجوز أن يكون شيء واحد نقيضاً لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى لا ينفي ما قلناه بل إذا أنصفت تكاد تجزم بأن الزمخشري قائل بالترادف ولا تستفزك هذه الاحتمالات لأنها كسراب بقعية نعم هذا القول بعيد منه وهو شيخ العربية وفتاها فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن المدح يكون على غير الاختياري وكأنه لذلك لم يقل عز شأنه المدح لله كما قالوا إظهاراً لأن الله تعالى فاعل مختار وفي ذلك من الترغيب والترهيب المناسبين لمقام البعثة والتبليغ ما لا يخفى. وأما الشكر: فهو أيضاً مغاير للحمد إلا أن بعضهم خصه بالعمل والحمد بالقول، وبعض جعله على النعم الظاهرة، والآخر على النعم الباطنة وادعى آخرون اختصاصه بفعل اللسان كالحمد في المشهور إلا أنه على النعمة وإليه يشير كلام الراغب، والمعروف أنه ما كان في مقابلتها قولاً باللسان وعملاً وخدمة بالأركان واعتقاداً ومحبة بالجنان، وقول الطيبـي إن هذا عرف أهل الأصول فإنهم يقولون شكر المنعم واجب ويريدون منه وجوب العبادة وهي لا تتم إلا بهذه الثلاثة وإلا فالشكر اللغوي ليس إلا باللسان غير طيب فإن ظاهر الكتاب والسنة إطلاق الشكر على غير اللسان قال تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} تفسير : [سبأ: 13] وروى الطبراني عن النواس بن سمعان: «أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء سرقت فقال لئن ردها الله تعالى عليّ لأشكرن ربـي فلما ردت قال الحمد لله فانتظروا هل يحدث صوماً أو صلاة فظنوا أنه نسي فقالوا له: فقال: ألم/ أقل الحمد لله؟!» فلو لم يفهموا رضي الله تعالى عنهم إطلاق الشكر على العمل لم ينتظروه، وزاد بعضهم في أقسام الشكر رابعاً وهو شكر الله تعالى بالله فلا يشكره حق شكره إلا هو ذكره صاحب «التجريد» وأنشد:شعر : وشكري ذوي الإحسان بالقلب تارة وبالقول أخرى ثم بالعمل الأثني وشكري لربـي لا بقلبـي وطاعتي ولا بلساني بل به شكرنا عنا تفسير : والذي أطبق عليه الناس التثليث وعلى كل حال بينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه والحمد أقوى شعبة لأن حقيقته إشاعة النعمة والكشف عنها كما أن كفرانها إخفاؤها وسترها وتلك بالقول أتم لأن الاعتقاد أمر خفي في نفسه وعمل الجوارح وإن كان ظاهراً إلا أنه يحتمل خلاف ما قصد به وكم فرق بين حمدت الله وشكرته ومجدته وعظمته وبين أفعال العبادة وهي كلها موافقة للعادة ولسان الحال أنطق من لسان المقال أمر ادعائي كما هو المعروف في أمثاله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «حديث : الحمد رأس الشكر ما شكر الله تعالى عبد لا يحمده»تفسير : وهو وإن كان فيه انقطاع إلا أن له شاهداً يتقوى به وإن كان مثله فحيث كان النطق يجلي كل مشتبه وكان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها حتى إذا فقد كان ما عداه بمنزلة العدم شبهه صلى الله عليه وسلم بالرأس الذي هو أظهر الأعضاء وأعلاها والأصل لها والعمدة في بقائها وكأنه لهذا أتى به الرب سبحانه ليكون الرأس للرئيس ويفتتح النفيس بالنفيس أو لأنه لو قال جل شأنه الشكر لله كان ثناءً عليه تعالى بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل والحمد لله ليس كذلك فهو أعلى كعباً وأظهر عبودية ويمكن أن يقال إن الشكر على الإعطاء وهو متناه والحمد يكون على المنع وهو غير متناه فالابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له على جانب من الحسن لا نهاية له ودفع الضر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى، وأيضاً مورد الحمد في المشهور خاص ومتعلقه عام والشكر بالعكس مورداً ومتعلقاً ففي إيراده دونه إشارة قدسية ونكتة على ذوي الكثرة خفية {أية : وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [آل عمران: 109] وكأنه لمراعاة هذه الإشارة لم يأت بالتسبيح مع أنه مقدم على التحميد إذ يقال سبحان الله والحمد لله على أن التسبيح داخل في التحميد دون العكس فإن الأول يدل على كونه سبحانه وتعالى مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص والثاني يشير إلى كونه محسناً إلى العباد ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً قادراً غنياً ليعلم مواقع الحاجات فيقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ولا يشغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، وإن أبيت ـ ولا أظن ـ قلنا كل تسبيح حمد وليس كل حمد تسبيحاً لأن التسبيح يكون بالصفات السلبية فحسب والحمد بها وبالثبوتية على ما سلف فهو أعم منه بذلك الاعتبار فافتتح به لأنه لجمعيته وشموله أوفق بحال القرآن وتقديم التسبيح هناك لغرض آخر ولكل مقام مقال. والتعريف هنا للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو مثله في قول لبيد يصف العير وأتنه:شعر : وأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نفض الدخال تفسير : / وعليه جمع منهم الزمخشري حتى قال والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم وقد صار هذا معترك الأفهام ومزدحم أفكار العلماء الأعلام، فقيل: إنه مبني على مسألة خلق الأعمال فإن أفعال العباد لما كانت مخلوقة لهم عند المعتزلة كانت المحامد عليها راجعة إليهم فلا يصح تخصيص المحامد كلها به تعالى ورد بأن اختصاص الجنس يستلزم اختصاص أفراده أيضاً إذ لو وجد فرد منه لغيره ثبت الجنس له في ضمنه وصح هذا عندهم لأن الأفعال الحسنة التي يستحق بها الحمد إنما هي بإقدار الله تعالى وتمكينه فبهذا الاعتبار يرجع الأمر إليه كله وأما حمد غيره فاعتداد بأن النعمة جرت على يده، وقيل إنه جعل الجنس في المقام الخطابـي منصرفاً إلى الكامل كأنه كل الحقيقة ورد بأنه يجوز في الاستغراق أيضاً بأن يجعل ما عدا محامده كالعدم فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في منافاتهما ظاهراً لمذهبه ودفعهما بالعناية، وقيل مبناه على أن المصادر نائبة مناب الأفعال وهي لا تعدو دلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق ورد بأن ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة القرائن، وقيل إنما اختاره بناءً على أنه المتبادر الشائع لا سيما في المصادر وعند خفاء القرائن ورد بأن المحلى بلام الجنس في المقامات الخطابية يتبادر منه الاستغراق وهو الشائع هناك مطلقاً وأي مقام أولى بملاحظة الشمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيماً، فقرينة الاستغراق كنار على علم فالحق أن سبب الاختيار هو أن اختصاص الجنس مستفاد من جوهر الكلام ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد فلا حاجة في تأدية المقصود من إثبات الحمد له تعالى وانتفائه عن غيره إلى أن يلاحظ بمعونة الأمور الخارجية بل نقول على ما اختاره يكون اختصاص الأفراد بطريق برهاني فيكون أقوى من إثباته ابتداء وفيه أن فهم اختصاص الجنس من جوهر الكلام يدل على سرعته وهو معنى التبادر وقد رده، وأيضاً إذا كان الاختصاص بطريق برهاني فلا شبهة في خفائه فأين النار وأين العلم؟! وقيل غير ذلك ولا يبعد أن يقال إن اختيار الزمخشري كون التعريف للجنس وكون القول بالاستغراق وهم لا يبعد أن يكون رعاية لنزغة اعتزالية وأن يكون لنكتة عربية لأنه جعل أصل المعنى نحمد الله حمداً وزعم أن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } بيان لحمدهم كأنه قيل كيف تحمدوني فقيل إياك نعبد ثم سئل وأجاب فقيل في توجيه ذلك أنه لما كان معناه نحمد الله حمداً كان إخباراً عن ثبوت حمد غير معين من المتكلم له تعالى على أن المصدر للعدد فاتجه أن يقال كيف تحمدونه أي بينوا كيفية حمدكم فإنها غير معلومة فبين بقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } الخ أي نقول هذه الكلمات ونحمده بهذا الحمد فورد السؤال عن التعريف لأن المناسب للإبهام ثم البيان التنكير وأجاب أنه لتعريف الجنس من حيث وجوده في فرد غير معين ولذا بين؛ وقيل لما كان المعنى نحمد حمداً كان المصدر للتأكيد فيكون دالاً على الحقيقة من غير دلالة على الفردية والسؤال المقدر عن كيفية صدور تلك الحقيقة والجواب أنا نحمد حمداً مقارناً لفعل الجوارح وفعل القلب ولا نقتصر على مجرد القول ثم أورد بأنه يكفي لإفادة هذا المصدر المنكر فما فائدة التعريف؟ فأجاب بأنه تعريف للجنس للإشارة إلى الماهية المعلومة للمخاطب من حيث هي، وعلى هذين التوجيهين يكون اختياره الجنس ومنعه الاستغراق لرعاية مذهبه والاختصاص على الأول اختصاص الفرد وعلى الثاني اختصاص الجنس باعتبار الكمال ولا يخفى سقوط اعتراض السعد حينئذ بأن الاختصاصين متلازمان وكل منهما مخالف لمذهبه ظاهراً موافق له تأويلاً فلا يكون رعاية المذهب موجباً لاختيار الجنس دون الاستغراق ولا يرد ما أورد السيد على الثاني من أنه كما يجوز الحمل على الجنس باعتبار الكمال على مذهبه يجوز الحمل على الاستغراق باعتبار تنزيل محامد غيره منزلة العدم لأن فيه تطويل المسافة والالتجاء إلى معونة المقام من غير حاجة، وقيل حاصل الجواب عن كيفية صدور تلك/ الحقيقة بتخصيص العبادة المشتملة على الحمد وغيره لأن انضمام غيره معه نوع بيان لكيفيته أي حال حمدنا أنا نجمعه بسائر عبادات الجوارح والاستعانة في المهمات ونخص مجموعها بك وتقدير السؤال والجواب بحاله وحينئذٍ لا يصح أن يكون الاختيار للرعاية لأن الاختصاصين متلازمان بل لأن الحمد مصدر ساد مسد الفعل وهو لا يدل إلا على الحقيقة فكذا ما ينوب منابه وإن كان معرفة ليصح بيانه بإياك نعبد والحمل على الاستغراق يبطل النيابة إذ يصير الكلام مسوقاً لبيان العموم ولا يصح البيان، وهذا الاختيار مستفاد من جعل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } بياناً لحمدهم ولعل الذي دعاه إليه ترك العاطف فظن أنه لذلك لا يكون إلا بياناً وهو من التعكيس لأن جعل الصدر متبوعاً للعجز أولى من العكس فالمحققون المحقون على تعميم الحمد وأن الفصل لأن الكلام الأول جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد والثاني جار على الحكاية عن نفس الحامد وبيان أحواله بين يدي الباطن الظاهر والأول الآخر فترك العطف للتفرقة بين الحالتين لا للبيان، ويدل على ذلك أن أحسن الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في سياق واحد لمعلوم واحد ولا بيان له على البيان على أن جعل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } بياناً ربما يناقض ما ادعاه من أن الشكر بالقلب والجوارح واللسان والحمد بالأخير لأن العبادة تكون بها كلها فيلزم أن يكون الحمد كذلك وأيضاً الذهاب إلى فسحة الالتفات والقول بأن قوله {ٱلْحَمْدُ } الخ وارد على الشكر اللساني و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } مشعر بالشكر بالجوارح و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } مؤذن بالشكر القلبـي أولى من الفرار إلى مضيق القول بالبيان، وأيضاً في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعار بأن استحقاقه له لاتصافه بها وقد تقرر أن في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعاراً بالعلية وهٰهنا الصفات بأسرها تضمنت العموم فينبغي أن يكون العموم في الحمد أيضاً لأن الشكر يقتضي المنعم والمنعم عليه والنعمة فالمنعم هو الله تعالى والاسم الأعظم جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم والمنعم عليه العالمون وقد اشتمل على كل جنس مما سمي به وموجب النعم الرحمن الرحيم وقد استوعب ما استوعب فإذن لا يستدعي تخصيص الحكم بالبعض سوى التحكم أو التوهم. هذا وأنا لو خليت وطبعي لا أمنع أن تكون أل للحقيقة من حيث هي كما في قولهم الرجل خير من المرأة أو لها من حيث وجودها في فرد غير معين كما في ادخل السوق أو لها في جميع الأفراد وهو الاستغراق كما في: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ }تفسير : [العصر: 2] والقول بأن هذا المقام آب عن الاستغراق لأن اختصاص حقيقة الحمد به تعالى أبلغ من اختصاص أفرادها جمعاً وفرادى لاستلزام الأول الثاني وسلوك طريقة البرهان أقضى لحق البلاغة، وأيضاً أصل الكلام نحمد الله تعالى حمداً وحمدنا بعض لا كل وفي اختصاص الجنس إشعار بأن حمد كل حامد لكل محمود حمد لله تعالى على الحقيقة لأنه إنما حمده على الصفات الكمالية المفاضة عليه من الفياض الحق جل وعلا فهو فعله على الحقيقة والحمد على الفعل الجميل والمعتزلي وإن قال بالاستقلال لا يمنع أن الإقدار والتمكين منه تعالى فيمكنه من هذا الوجه أن يعمم عند المقتضى له وقد صرح بهذا الزمخشري أول التغابن [1] فقال في قوله تعالى: {أية : لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ}تفسير : (( قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى ثم قال وأما حمد غيره فاعتداد بأن نعمة الله تعالى جرت على يده)) وقد يقال أيضاً على أصله إن الحمد المستغرق لا يجوز أن يختص بل الحمد الحقيقي الكامل الذي يقتضيه إجراء هذه الصفات فاللام للحقيقة ويراد أكمل أنواعها فهو من باب{أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 2] وحاتم الجود لأنه الذي يحق أن يطلق عليه الحقيقة حتى كأنه كلها لا لأنها للاستغراق في المقام الخطابـي وتنزيل غير ذلك منزلة العدم فإنه تطويل للمسافة مع قصرها كلام لا أقبله وإن جل قائله ويعرف الرجال بالحق لا الحق/ بالرجال كيف ومن سنة الله تعالى التي لا تبديل لها إجراء الكلام على سبيل الخطابة وإن كان برهانياً فهي أكثر تأثيراً في النفوس وأنفع لعوام الناس كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ }تفسير : [النحل: 125] فالتحرز عن الاستغراق احترازاً عن المقام الخطابـي ذهول عن مقرىء كلام الله تعالى. ثم لما كان المقام مقتضياً لدقائق النعم وروادفها لم يكن تنزيل الحمد الغير الكامل منزلة العدم من مقتضيات المقام وتصريح الزمخشري في التغابن بالتعميم ممنوع للتفرقة بين استغراق أفراد الحمد الخارجية والذهنية الحقيقية والمجازية الكاملة وغير الكاملة وبين اختصاص حقيقة الحمد كما يشعر به قوله وذلك لأن الملك على الحقيقة له وكذلك الحمد فكما أنه لا ينفي الملك عن غيره مطلقاً فكذلك لا ينفي الحمد عنه كذلك فإن من أصل المعتزلة أن نعمة الله تعالى جارية على يد العبد لكنه موجد لانعمامه فله حمد يليق بإيجاده ولله تعالى حمد يليق بتمكينه وإفاضته وهو الحمد الكامل المختص به عز شأنه لا ذاك وفي «الكشاف» ما يؤيد ما قلناه لمن أمعن النظر، وأما حديث إن اختصاص حقيقة الحمد أبلغ من اختصاص الأفراد لاستلزام الأول الثاني فيجاب عنه بأن اختصاص الأفراد الخارجية والذهنية كما قررنا مستلزم لاختصاص الحقيقة أيضاً إذ لم يبق لها فرد غير مختص فأين توجد فالاستلزام متعاكس على أن حقيقة الحمد يصدق عليها الحمد فهي فرد من أفراده كما قال الدامغاني فإذا خصص جميع أفراد الحمد به اختص حقيقته أيضاً وكون الأصل نحمد الله تعالى حمداً ليس بقاطع احتمال الاستغراق الآن فقد تغير الحال، وأنت إذا تأملت بعد يرتفع عنك سجاف الإشكال ولست أقول إن الحمد أينما وقع يفيد ذلك بل إذا دعا المقام إليه أجبناه ولهذا فرقوا بين هذا الحمد وحمد الأنعام إذ عموم الربوبية وشمول الرحمة واستمرار الملك هنا تقتضي استغراق الأفراد توفية لحق هذه السورة وحرصاً على التئام نظمها بخلاف ما في تلك السورة فإن العمومات مفقودة فيها. ومن الغريب: أن بعضهم جعلها للعهد، قال الفاكهي: سمعت شيخنا أبا العباس المرسي يقول: قلت لابن النحاس ما تقول في الألف واللام في الحمد أجنسية هي أم عهدية؟ فقال: يا سيدي قالوا إنها جنسية فقلت له الذي أقول: إنها عهدية وذلك أن الله تعالى لما علم عجز خلقه عن كنه حمده حمد نفسه بنفسه في أزله نيابة عن خلقه قبل أن نحمده فقال أشهدك أنها للعهد واستأنس له بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : اللهم لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»تفسير : وأغرب من هذا ما ذهب إليه بعض ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وليس بالغريب عندهم أن الحمد لله على حد الكبرياء لله و {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ }تفسير : [الأعراف: 54] فهو الحامد والمحمود والجميع شؤونه ولهم كلام غير هذا والكل يسقى بماء واحد، وعن إمامنا الماتريدي روّح الله تعالى روحه أنه جعل هذا حمداً من الله تعالى لنفسه قال وإنما حمد نفسه ليعلم الخلق ولا ضير في ذلك لأنه سبحانه هو المستحق لذاته والحقيق بما هنالك إذ لا عيب يمسه ولا آفة تحل به. ثم إن الحمد: فيما تواتر مرفوع وهو مبتدأ خبره {لِلَّهِ } وقرأ الحسن البصري وزيد بن علي (الحمد لله) باتباع الدال اللام وإبراهيم بن عبلة وأهل البادية بالعكس وجاز ذلك استعمالاً مع أن الاتباع إنما يكون في كلمة واحدة لتنزيلهما لكثرة استعمالهما مقترنين منزلة الكلمة الواحدة، واختلف في الترجيح مع الإجماع على الشذوذ فقيل قراءة إبراهيم أسهل لأمرين أحدهما: أن اتباع الثاني للأول أيسر من العكس وإن ورد كما في مد وشد وأقبل وأدخل لأنه جار مجرى السبب والمسبب وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب، وثانيهما: أن ضمة الدال إعراب وكسرة اللام بناء وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء/ والمطرد غلبة الأقوى الأضعف وقيل إن قراءة الحسن أحسن لأن الأكثر جعل الثاني متبوعاً لأن ما مضى فات ولأن جعل غير اللازم تابعاً للازم أولى والاستقامة عين الكرامة وكأنه لتعارض الترجيح قال الزمخشري: وأشف القراءتين قراءة إبراهيم فعبر بأشف وهو من الأضداد، وقرأ هارون بن موسى (الحمد لله) بالنصب وعامة بني تميم وكثير من العرب ينصبون المصادر بالألف واللام وهو بفعل محذوف قدروه نحمد بنون الجماعة لأنه مقول على ألسنة العباد ومناسب لنعبد ونستعين لا بنون العظمة لعدم مناسبته لمقام العبادة المقتضي لغاية التذلل والخضوع ويجوز أن يكون من باب:شعر : وإن حدثوا عنها فكلي مسامع وكلي إذا حدثتهم ألسن تتلو تفسير : وحمل الغزالي قدس سره حديث «حديث : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» تفسير : على ذلك وأرفع القراءات قراءة الرفع لدلالة الجملة الإسمية على الثبوت والدوام بقرينة المقام بخلاف الفعلية فإنها تدل على التجدد والحدوث وإن كان هناك ظرف فإن قدر متعلقه اسماً فهو ظاهر وإلا فقد قيل الخبر الفعلي إنما يفيد الحدوث إذا كان مصرحاً به على أنه قيل لا تقدير، وما ذكره النحاة لأمر صناعي اقتضاه كقولهم الظرفية اختصار الفعلية، وقيل إن الجملة الإسمية بمجردها لا تدل على ذلك بل مع انضمام العدول وإن أعجبك فالتزمه فقد قيل بالعدول هنا ولكن ليس هذا في كلام الشيخ عبد القاهر بل من تدبر كلامه في بحث الحال من «الدلائل» دفع بأقوى دليل الحال الذي عرض للناظرين، وقولهم المضارع يفيد الاستمرار أرادوا به الاستمرار التجددي في المستقبل لا في جميع الأزمنة فلا ينافي ما قلنا، واختار الجملة الإسمية هٰهنا إجابة لداعي المقام، وقد قال غير واحد إن أصل هذا المصدر النصب لأن المصادر أحداث متعلقة بمحالها فيقتضي أن تدل على نسبتها إليها والأصل في بيان النسبة في المتعلقات الأفعال فينبغي أن تلاحظ معها ويؤيد ذلك كثرة النصب في بعضها والتزامه في بعض آخر وقد تنزل منزلة أفعالها فتسد مسدها وتستوفي حقها لفظاً ومعنى فيكون ذكرها معها كالشريعة المنسوخة يستنكرها المتدين بعقائد اللغة. وبقي هٰهنا أمور: الأول اختلف في جملة الحمد هل هي إخبارية أم إنشائية؟ فالذي عليه معظم العلماء أنها إخبارية كما يقتضيه الظاهر لما يلزم على الإنشاء من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود واللازم باطل فالملزوم مثله ولا يرد أن القصد إحداث الحمد لا الإخبار بثبوته لأن الإخبار بثبوت جميع المحامد لله تعالى هو عين الحمد كما أن قولك الله واحد عين التوحيد، وألف العلامة البخاري في الانتصار لذلك ورد من زعم أنها إنشائية وأطال فيه واهتم برده ابن الهمام وذكر أن ما ذكر باطل لأن اللازم من المقارنة انتفاء انتفاء وصف الواصف لا الاتصاف إذ الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها، وأيضاً المخبر بالحمد/ لا يقال له حامد إذ لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم قطعاً فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخباراً محضاً لم يقل لقائل الحمد لله حامد وهو باطل نعم يتراءى لزوم أن يكون كل مخبر منشئاً حيث كان واصفاً للواقع ومظهراً له وهو توهم فإن الحمد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه التعظيم وهذا ليس جزء ماهية الخبر فاختلفت الحقيقتان فالجملة إنشائية لا محالة، وقال الملاخسرو هي وأمثالها إخبارية لغة ونقلها الشارع للإنشاء لمصلحة الأحكام واعترض على إنشائيتها بأن الاستغراق ينافيه ويستلزم كون الحامد منشئاً لكل حمد ومن المحال إنشاء الحمد القائم بغيره، وأجيب بأنه لا منافاة ولا استلزام ويكفي كونه منشئاً للإخبار بأن كل حمد ثابت له ومحمود به والذي ارتضيه أنها إخبارية كما عليه المعظم ويد الله تعالى مع الجماعة والمراد الإخبار بأن الله تعالى مستحق الحمد كما قال سبحانه: {أية : لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْولَىٰ وَٱلاْخِرَةِ } تفسير : [القصص: 70] والمتكلم بها عن اعتقاد واصف ربه سبحانه بالجميل ومعظم له جل شأنه فيقال له حامد لذلك لا لمحض الإخبار بما فيه لفظ الحمد بل إذا غير الصيغة إلى ما ليس فيها ذلك اللفظ مما هو مشتمل على الوصف بالجميل بقصد التعظيم قيل له أيضاً حامد فللحمد صيغ شتى وعبارات كثيرة حتى جعل منها الإقرار بالعجز عن الحمد، وقد نقل أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني، فما ذكره ابن الهمام أولاً من أن المخبر بالحمد لا يقال له حامد إن أراد أن المخبر من حيث إنه مخبر لا يقال له ذلك فمسلم والدليل تام لكنا بمعزل عن هذه الدعوى وإن أراد أن المخبر مطلقاً ولو قصد التعظيم لا يقال له ذلك فممنوع ولا تقريب في الدليل كما لا يخفى، وما ذكره ثانياً من قوله: نعم الخ يعلم دفعه من خبايا زوايا كلامنا وما ذكره الملاخسرو يرد عليه أن النقل في أمثال ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع ولا تظن من كلامي هذا أني أمنع أن يكون الحمد بجملة إنشائية رأساً معاذ الله ولكني أقول: إن الجملة هنا إخبارية وإن الحمد يصح بها بناءً على ما ذكرناه والبحث بعد محتاج إلى تحرير ولعل الله تعالى يوفقه لنا في مظانه والظن بالله تعالى حسن. الثاني: أنه شاع السؤال عن معنى كون حمد العباد لله تعالى مع أن حمدهم حادث وهو سبحانه القديم ولا يجوز قيام الحادث به وأجيب بأن المراد تعلق الحمد به تعالى ولا يلزم من التعلق القيام كتعلق العلم بالمعلومات فلا يتوجه الإشكال أصلاً، وقيل إن الحمد مصدر بناء المجهول فيكون الثابت له عز شأنه هو المحمودية وصيغة المصدر تحتمل ذلك وغيره ولهذا جعل بعضهم في الحمد لله أوائل الكتب اثنين وأربعين احتمالاً وقيل وهو من الغرابة بمكان أن اللام للتعليل أي الحمد ثابت لأجل الله تعالى. الثالث: أنه أتى باسم الذات في الحمدلة لئلا يتوهم لو اقتصر على الصفة اختصاص استحقاقه الحمد بوصف دون وصف وذلك لأن اللام على ما قيل للاستحقاق فإذا قيل الحمد لله يفيد استحقاق الذات له وإذا علق بصفة أفاد استحقاق الذات الموصوفة بتلك الصفة له والاختصاص إفادة التعريف ولكون الاختصاص كذلك حكماً باطلاً في نفسه جعل متوهماً لا لأن تعليق الحكم بالوصف يدل على العلية لا على الاختصاص لأنه/ مستفاد من تعريف المسند إليه ومعنى الاستحقاق الذاتي ما لا يلاحظ معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون الذات البحت مستحقاً له فإن استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل وسمي ذاتياً لملاحظة الذات فيه من غير اعتبار خصوصية صفة أو لدلالة اسم الذات عليه أو لأنه لما لم يكن مستنداً إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسنداً إلى الذات وقد قسم بعض ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم الحمد باعتبار صدوره إلى قسمين فمصدره باعتبار الفرق من محلين ومنبعه من عينين فإن وجد من الحق وصدر من الوجود المطلق فتارة يكون على الذات بانفرادها ووحدتها وغيبتها في عماء هويتها وتارة بكمال إطلاقها في وجودها وتارة بتنزلاتها إلى حظيرات شهودها وتارة بكمال أوصافها ونعوتها وتارة بكمال آثارها وأفعالها وتارة يثني على أوصافها من حيث الجملة وتارة من حيث التفصيل فيثني على العلم من حيث إحاطته بكل معلوم من حق وخلق وغيب وشهادة وملك وملكوت وبرزخ وجبروت واستقلاله بالوجود من غير مدة ولا مادة ولا معلم ولا مفيد وتقدسه عن النقص وتنزهه عما يخطر في الوهم وكذلك على سائر الصفات بما يليق بها ويجب لها، وإن وجد من الخلق والوجود المقيد فتارة يكون على ذات الحق وتارة على صفاته وتارة على أسمائه ومرة على أفعاله وطوراً على أسراره وكرة على لطيف صنعه وخفي حكمته في أفعاله وآثاره وذلك بحسب مبلغ الناس في العلم ومنتهاهم في العقل والفهم {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] و {أية : ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً }تفسير : [طه: 110] و { أية : سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ }تفسير : [الصافات: 180] وإذا اعتبر الجمع كان الكل منه وإليه {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] فلا حامد ولا محمود سواه.شعر : أوري بسعدي والرباب وزينب وأنت الذي يعني وأنت المؤمل تفسير : وهناك يرتفع كل إشكال وينقطع كل مقال وإنما قدم الحمد على الاسم الكريم لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به لكونه بصدد صدور مدلوله فهو نصب العين وإن كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه والأهمية تقتضي التقديم إلا أن المقتضي العارض بحسب المقام أقوى عند المتكلم وتأخير ما قدم هنا في نحو قوله تعالى: {أية : وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [الروم: 18] لغرض آخر سيأتيك مع أمور أخر في محله إن شاء الله تعالى. والرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله بحسب استعداده الأزلي شيئاً فشيئاً وكأنها من ربا الصغير كعلا إذا نشأ فعدي بالتضعيف ووصف به للمبالغة الحقيقية والصورية فالتجوز فيه إما عقلي من قبيلشعر : فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : أو لغوي كـ {اسأل القرية} [يوسف: 82] وقيل هو صفة مشبهة. وفي «شرح التسهيل» أنه ممنوع والظاهر أنه من مبالغة اسم الفاعل أو هو اسم فاعل وأصله راب فحذفت ألفه كما قالوا رجل بار وبر قاله أبو حيان، ويؤيده إضافته إلى المفعول وقد ذكروا أن الصفة المشبهة تضاف إلى الفاعل ويطلق أيضاً على الخالق والسيد والملك والمنعم والمصلح والمعبود والصاحب إلا أن المشهور كونه بمعنى التربية فلهذا قال بعض المحققين: إنه حقيقة فيه لأن التبادر أمارتها وفي البواقي إما مجاز أو مشترك والأول أرجح لأن في جميعها يوجد معنى التربية ووجود العلاقة أمارة المجاز ولأن اللفظ إذا دار بين المجاز والاشتراك يحمل على المجاز كما تقرر في مبادىء اللغة وحمله الزمخشري هنا على معنى المالك ولعل ما اخترناه خير منه لأنه بعد تسليم أنه حقيقة في ذلك يؤدي إلى أن يكون {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تكراراً لدخوله في {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وإن قلنا بالتخصيص بعد التعميم يحتاج إلى بيان نكتة إدراج {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} بينهما ولا تظهر لهذا العبد على أن مختارنا أنسب بالمقام لأن التربية أجل النعم بالنسبة إلى المنعم عليه وأدل على كمال فعله تعالى وقدرته وحكمته، تدلك على ذلك الآثار وما فيها من الأسرار، واستطيب بعضهم ما اختاره الطيبـي من وجوب حمل الرب على كلا مفهوميه والقدر المشترك المتصرف ألزم وسبيل أعمال المشترك في كلا مفهوميه إذا/ اتفقا في أمر سبيل الكناية من أنها لا تنافي إرادة التصريح مع إرادة ما عبر عنه وإذا اختلف سبيل الحقيقة والمجاز وعلى كل حال لا يطلق لغة على غيره تعالى إطلاقاً مستفيضاً إلا مقيداً بإضافة ونحوها مما يدل على ربوبية مخصوصة، وقول ابن حلزة في المنذر بن ماء السماء:شعر : وهو الرب والشهيد على يو م الخيارين والبلاء بلاء تفسير : نادر، واستظهر الإمام السيوطي أن المراد نفي إطلاقه على غيره تعالى شرعاً والشعر جاهلي وفي كلام الجوهري ما يؤيده، وقال الشهاب: لو كان بمعنى غير المالك جاز مع القرينة إطلاقه على غيره تعالى، وجوز بعضهم إطلاقه منكراً كما في قوله النابغة:شعر : نحث إلى النعمان حتى نناله فدى لك من رب طريفي وتالدي تفسير : وكره بعضهم إطلاقه مقيداً بالإضافة إلى عاقل كرب العبد لإيهام الاشتراك، وروى الشيخان عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا يقل أحدكم أطعم ربك وضىء ربك ولا يقل أحد ربـي وليقل سيدي ومولاي» وأجابوا عن قول يوسف عليه السلام: {أية : ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ }تفسير : [يوسف: 50] و {أية : إِنَّهُ رَبّى }تفسير : [يوسف: 23] ونحوه بأنه مثل: {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا }تفسير : [يوسف: 100] مخصوص جوازه بزمانه. و {ٱلْعَـٰلَمِينَ} في المشهور جمع عالم واعترض بأنه يعم العقلاء وغيرهم وعالمون خاص بالعقلاء وأجيب بكونه جمعاً له بعد تخصيصه بهم وهو في حكم الصفات كما سيعلم بتوفيقه تعالى من تعريفه أو نقول بالتغليب وقيل نزل من ليس له العلم لكونه دالاً على معنى العلم منزلة من له العلم فجمع بالواو والنون كما في: {أية : أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] {أية : وَرَأَيْتَهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] وقيل هو اسم جمع على وزن السلامة ولا نظير له وفيه نظر لأن الاسم الدال على أكثر من اثنين إن كان موضوعاً للآحاد المجتمعة دالاً عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف فهو الجمع وإن كان موضوعاً للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية فهو اسم الجنس الجمعي كتمر وتمرة وإن كان موضوعاً لمجموع الآحاد فهو اسم جمع سواء كان له واحد كركب أو لا كرهط فانظر أي التعريفات صادقة عليه وفي "الكشف" لو قيل عالم وعالمون كعرفة وعرفات لم يبعد وفيه أنه أبعد بعيد لأنه قياس فيما يعرف بالسماع على أن للعالمين آحاداً يسمى كل منها عالماً فلا مرية في كونه جمعاً له بخلاف عرفات فإنه ليس لها آحاد كل منها عرفة والعالم كالخاتم اسم لما يعلم به وغلب فيما يعلم به الخالق تعالى شأنه وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض ويطلق على مجموع الأجناس وهو الشائع كما يطلق على واحد منها فصاعداً فكأنه اسم للقدر المشترك وإلا يلزم الاشتراك أو الحقيقة والمجاز والأصل نفيهما، ولا يطلق على فرد منها فلا يقال عالم زيد كما يقال عالم الإنسان ولعله ليس إلا باعتبار الغلبة والاصطلاح وأما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الإطلاق قطعاً لتحقق المصداق حتماً فإنه كما يستدل على الله سبحانه وتعالى بمجموع ما سواه وبكل جنس من أجناسه يستدل عليه تعالى بكل جزء من أجزاء ذلك المجموع وبكل فرد من أفراد تلك الأجناس لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل فإن كل ما ظهر في المظاهر مما عز وهان وحضر في هذه المحاضر كائناً ما كان لإمكانه وافتقاره دليل لائح على الصانع المجيد وسبيل واضح إلى عالم التوحيد:شعر : فيا عجباً كيف يعصي الالـ ـه أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنــه واحــد تفسير : وإنما أتى الرب سبحانه بالجمع المعرف لأنه لو أفرد وعرف بلام الاستغراق لم يكن نصاً فيه لاحتمال العهد بأن يكون إشارة إلى هذا العالم المحسوس لأن العالم وإن كان موضوعاً للقدر المشترك إلا أنه شاع استعماله بمعنى/ المجموع كالوجود في الوجود الخارجي وقد غلب استعماله في العرف بهذا المعنى في العالم المحسوس لإلف النفس بالمحسوسات فجمع ليفيد الشمول قطعاً لأنه حينئذٍ لا يكون مستعملاً في المجموع حتى يتبادر منه هذا العالم المحسوس فيكون مستعملاً في كل جنس إذ لا ثالث فيكون المعنى رب كل جنس سمي بالعالم والتربية للأجناس إنما تتعلق باعتبار أفرادها فيفيد شمول آحاد الأجناس المخلوقة كلها نظراً إلى الحكم، وحديث أن استغراق المفرد أشمل على ما فيه أمر فرغ عنه ولا ضرر لنا منه كما لا يخفى على المتأمل، وبعضهم خص {ٱلْعَـٰلَمِينَ } بذوي العلم من الملائكة والثقلين ورب أشرف الموجودات رب غيرهم قال الإمام الأسيوطي: وعليه هو مشتق من العلم وعلى القول بالعموم من العلامة، وفيه أن الكل في كل محتمل والتخصيص دعوى من غير دليل وقيل هم الجن والإنس لقوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً }تفسير : [الفرقان: 1] وقيل هم الإنس لقوله تعالى: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 165] وهو المنقول عن جعفر الصادق والمأخوذ من بحر أهل البيت ورب البيت أدرى. ولعل الوجه فيه الإشارة إلى أن الإنسان هو المقصود بالذات من التكليف بالحلال والحرام وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام ولأنه فذلكة جميع الموجودات ونسخة جميع الكائنات المنقولة من اللوح الرباني بالقلم الرحماني، ومن هذا الباب ما نسب لباب مدينة العلم كرم الله وجهه:شعر : دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : ومن تأمل في ذاته وتفكر في صفاته ظهرت له عظمة باريه وآيات مبديه {أية : وَفِى ٱلاْرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الذاريات: 20-21] بل من عرف نفسه فقد عرف ربه والمناسب للمقام هنا العموم والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلاْرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } تفسير : [لقمان: 27] وروي في بعض الأخبار «أن الله تعالى خلق مائة ألف قنديل وعلقها بالعرش والسمٰوات والأرض وما فيهن حتى الجنة والنار في قنديل واحد ولا يعلم ما في باقي القناديل إلا الله تعالى». وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين إلا الله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [النحل: 8] {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [المدثر: 31] وما من ذرة من ذرات العوالم إلا وهي في حيطة تربيته سبحانه بل ما من شيء مما أحاط به نطاق الإمكان والوجود من العلويات والسفليات والمجردات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حد ذاته بحيث لو فرض انقطاع آثار التربية عنه آناً واحداً لما استقر له القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم ومهاوي البوار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من فنون الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وصفاته وكمالاته ما لا يحيط بذلك فلك التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير ضرورة أنه كما لا يستحق شيء من الممكنات بذاته الوجود ابتداءً لا يستحقه بقاء وإنما ذلك من جناب المبدأ الأول عز وعلا فكما لا يتصور وجوده ابتداءً ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الطارىء لما أن الدوام من خصائص الوجود الواجبـي، وظاهر أن ما يتوقف عليه وجوده من/ الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن كانت متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده وهي المعبر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية يتوقف وجوده أو بقاؤه على ارتفاعها أي بقائها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها، فإبقاء تلك الموانع التي لا تتناهى على العدم تربية لذلك الشيء من وجوه غير متناهية، وبالجملة آثار تربيته تعالى واضحة المنار ساطعة الأنوار فسبحانه من رب لا يضاهى ومنان لا يحصى كرمه ولا يتناهى ونحن في تيار بحر جوده سابحون وعن إقامة مراسم شكره قاصرون، وما أحسن قول بعض العارفين أنه تعالى يملك عباداً غيرك وأنت ليس لك رب سواه ثم إنك تتساهل في خدمته والقيام في وظائف طاعته كأن لك رباً بل أرباباً غيره وهو سبحانه يعتني بتربيتك حتى كأنه لا عبد له سواك فسبحانه ما أتم تربيته وأعظم رحمته. وإنما كان الجمع بالواو والنون مع أنه في المشهور جمع قلة والظاهر مستدع لجمع الكثرة تنبيهاً على أن العوالم وإن كثرت قليلة بل أقل من القليل في جنب عظمة الله تعالى وكبريائه: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلاْرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ }تفسير : [الزمر: 67] على أن جمع القلة كثيراً ما يوصله المقام إلى جمع الكثرة على أن بعض المحققين المحقين من أرباب العربية ذهب إلى أن الجمع المذكر السالم صالح للقلة والكثرة فاختر لنفسك ما يحلو. وقد أشار سبحانه وتعالى بقوله: {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إلى حضرة الربوبية التي هي مقام العارفين وهي اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تطلب الموجودات فدخل تحتها العليم والسميع والبصير والقيوم والمريد والملك وما أشبه ذلك لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقع عليه فالعليم يقتضي معلوماً والقادر مقدوراً والمريد مراداً إلى غير ذلك والأسماء التي تحت اسم الرب هي الأسماء المشتركة بين الحق والخلق والأسماء المختصة بالخلق اختصاصاً تأثيرياً فمن القسم الأول: العليم مثلاً فإن له وجهين وجه يختص بالجناب الإلهي ومنه يقال: يعلم نفسه ووجه ينظر إلى المخلوقات ومنه يقال: يعلم غيره ومن القسم الثاني: الخالق ونحوه من الأسماء الفعلية فله وجه واحد ومنه يقال: خالق للموجودات ولا يقال: خالق لنفسه، تعالى عن ذلك وهذا القسم من الأسماء تحت اسمه الملك ومنه يظهر الفرق بينه وبين الرب، وأما الفرق بين الرب والرحمن فهو أن الرحمن عندهم اسم لمرتبة اختصت بجميع الأوصاف العلية الإلهية سواء انفردت الذات به كالعظيم والفرد أو حصل الاشتراك أو الاختصاص بالخلق كالقسمين المتقدمين فهو أكثر شمولاً من الرب ومن مرتبة الربوبية ينظر الرحمن إلى الموجودات وأما اسمه تعالى الله: فهو اسم لمرتبة ذاتية جامعة وفلك محيط بالحقائق وهو مشير إلى الألوهية التي هي أعلى المراتب وهي التي تعطي كل ذي حق حقه وتحتها الأحدية وتحتها الواحدية وتحتها الرحمانية وتحتها الربوبية وتحتها الملكية ولهذا كان اسمه الله أعلى الأسماء وأعلى من اسمه الأحد فالأحدية أخص مظاهر الذات لنفسها والألوهية أفضل مظاهر الذات لنفسها أو لغيرها ومن ثم منع أهل الله تعالى تجلي الأحدية ولم يمنعوا تجلي الألوهية لأن الأحدية ذات محض لا ظهور لصفة فيها فضلاً عن أن يظهر فيها مخلوق فما هي إلا للقديم القائم بذاته. ومما قررنا يعلم سر كثرة افتتاح العبد دعاءه بيا رب يا رب مع أنه تعالى ما عين هذا الاسم الكريم في الدعاء ونفى ما سواه بل قال سبحانه: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } تفسير : [الإسراء: 110] وقال: {أية : وَللَّهِ ٱلاسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] وقال أرباب الظاهر: الداعي لا يطلب إلا ما يظنه صلاحاً لحاله وتربية لنفسه فناسب أن يدعوه بهذا الاسم ونداء المربـي في الشاهد بوصف التربية أقرب لدر ثدي الإجابة وأقوى لتحريك عرق الرحمة، وعند ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم يختلف الكلام باختلاف المقام فرقاً وجمعاً وعندي وهو قبس من أنوارهم أن الأرواح أول ما شنفت آذانها وعطرت/ أردانها بسماع وصف الربوبية كما يشعر بذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] فهم ينادونه سبحانه بأول اسم قررهم به فأقروا وأخذ به عليهم العهد فاستقاموا واستقروا فهو حبيبهم الأول ومفزعهم إذا أشكل الأمر وأعضل:شعر : تركت هوى سعدى وليلى بمعزل وعدت إلى مصحوب أول منزل ونادتني الأهواء مهلاً فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل تفسير : وقريب من هذا ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره الأنور مما حاصله أن الله تعالى لما أوجد الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع وأعماه عن رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر ولا كيف صدر فحرك همته لطلب ما عنده ولا يدري أنه عنده:شعر : قد يرحل المرء لمطلوبه والسبب المطلوب في الراحل {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }تفسير : [ق: 16] فأخذ في الرحلة بهمته فأشهده الحق ذاته فعلم ما أودع الله تعالى فيه من الأسرار والحكم وتحقق عنده حدوثه وعرف ذاته معرفة إحاطية فكانت تلك المعرفة غذاء معيناً يتقوت به وتدوم حياته فقال له عند ذلك التجلي الأقدس ما أسمي عندك فقال أنت ربـي فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية وتفرد القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلا هو فقال له سبحانه أنت مربوبـي وأنا ربك أعطيتك أسمائي وصفاتي ولا يحصل لك العلم إلا من حيث الوجود ولو أحطت علماً بـي لكنت أنت أنا ولكنت محاطاً لك وأمدك بالأسرار الإلهية وأربيك بها فتجدها مجعولة فيك فتعرفها وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها إذ لا طاقة لك أن تحمل مشاهدتها إذ لو عرفتها لا تحدت الإنية وأين المركب من البسيط ولا سبيل إلى قلب الحقائق إلى آخر ما قال، ويعلم منه إشارة سر افتتاح الأوصاف في الفاتحة برب العالمين، وفيه أيضاً مناسبة لحال البعثة وإرساله صلى الله عليه وسلم إلى من أرسل إليه لأن ذلك أعظم تربية للعباد ورمز خفي إلى طلب الشفقة والرأفة بالخلق كيف كانوا لأن الله تعالى ربهم أجمعين:شعر : داريت أهلك في هواك وهم عدا ولأجل عين ألف عين تكرم تفسير : وقد قرىء (رب العالمين) بالنصب ونسب ذلك إلى زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، وقد اختلف في توجيهه فقيل نصب على القطع ويقدر العامل هنا أمدح للمقام أو أذكر لا أعني لأن ذلك إذا لم يكن المنعوت متعيناً كما في «شرح العمدة» وضعف بالاتباع بعد القطع في النعت وأجيب بأن الرحمن بدل لا نعت وروى أنه قرىء بنصب (الرحمن الرحيم) فلا ضعف حينئذ وقيل بفعل مقدر دل عليه الحمد وليس على التوهم كما توهم أبو حيان فضعفه بزعمه أنه من خصائص العطف وقيل بالحمد المذكور واعترض بأن فيه إعمال المصدر المحلى باللام وبأنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر الأجنبـي وأجيب عن الأول بأن سيبويه وهو هو جوز إعمال المحلى مطلقاً والظرف تكفيه رائحة الفعل نعم منعه الكوفيون مطلقاً وجوزه على قبح الفارسي وبعض البصريين وفصل البعض بين ما تعاقب أل فيه الضمير فيجوز ومالا فلا، وعن الثاني بأن هذا الخبر كان معمولاً لهذا المبتدأ في موضع المفعول كما تقول حمداً له فليس بأجنبـي صرف على أن المبتدأ والخبر لاتحادهما معنى كشيء واحد فلا أجنبـي. وحكي عن بعض النحاة جواز الإعمال مطلقاً وقيل بالنداء ولا يخفى ما فيه من اللبس والفصل والالتفات الذي لا يكاد لخلوه عما يأتي إن شاء الله تعالى يلتفت إليه وقيل رب فعل ماض وفيه أن أمره مضارع في البعد لما تقدم وأن الجملة لا تكون صفة والحالية غير حسنة الحال مع أنه قرىء بنصب ما بعد والمناسب المناسبة وأهون الأمور عندي أولها/ بل يكاد يقطع الظاهر بالقطع. ثم إنه سبحانه وتعالى بعدما ذكر عموم تربيته صرح بعظيم رحمته فقال عز شأنه: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وقد تقدم الكلام عليهما والجمهور على خفضهما، ونصبهما زيد وأبو العالية وابن السميقع وعيسى بن عمرو، ورفعهما أبو رزين العقيلي والربيع بن خيثم وأبو عمران الجوني واستدل بعض ساداتنا بتكرارهما على أن البسملة ليست آية من الفاتحة وليس بالقوي لأن التكرار لفائدة، فذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عز شأنه، وذكرهما هنا تعليل لاستحقاقه تعالى الحمد، وقال الإمام الرازي قدس سره في بيان حكمة التكرار التقدير كأنه قيل له اذكر أني إله ورب مرة واحد واذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره قوله تعالى: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ }تفسير : [غافر: 3] انتهى، وفي القلب منه شيء فإن الألوهية مكررة أيضاً كما ترى وعندي بمسلك صوفي أن ذكر {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفصيل من وجه لما في رب العالمين من الإجمال وذلك أن التربية تنقسم ببعض الاعتبارات إلى قسمين، أحدهما التربية بغير واسطة كالكلمة لأنه لا يتصور في حقه واسطة البتة، وثانيهما التربية بواسطة كما فيمن دون الكلمة وهذا الثاني له قسمان أيضاً، قسم ممزوج بألم كما في تربية العبد بأمور مؤلمة له شاقة عليه، وقسم لا مزج فيه كما في تربية كثير ممن شمله اللطف السبحاني:شعر : غافل والسعادة احتضنته وهو عنها مستوحش نفار تفسير : فالرحمن يشير إلى التربية بالوسائط وغيرها في عالمه والرحيم يشير إلى التربية بلا واسطة في كلماته ورحمة الرحمن أيضاً قد تمزج بالألم كشرب الدواء الكره الطعم والرائحة فإنه وإن كان رحمة بالمريض لكن فيه ما لا يلائم طبعه ورحمة الرحيم لا يمازجها شوب فهي محض النعم ولا توجد إلا عند أهل السعادات الكاملة. اللهم اجعلنا سعداء الدارين بحرمة سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم. {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } قرأ مالك كفاعل مخفوضاً عاصم والكسائي وخلف في اختياره ويعقوب وهي قراءة العشرة إلا طلحة والزبير وقراءة كثير من الصحابة، منهم أبـيّ وابن مسعود ومعاذ وابن عباس، والتابعين منهم قتادة والأعمش، وقرأ (ملك) كفعل بالخفض أيضاً باقي السبعة وزيد وأبو الدرداء وابن عمر والمسور وكثير من الصحابة والتابعين، وقرأ (ملك) على وزن سهل أبو هريرة وعاصم الجحدري ورواها الجعفي وعبد الوارث عن أبـي عمرو وهي لغة بكر بن وائل، وقرأ (ملكي) باشباع كثرة الكاف أحمد بن صالح عن ورش عن نافع، وقرأ (ملك) على وزن عجل أبو عثمان والشعبـي وعطية، وقرأ أنس بن مالك وأبو نوفل عمرو بن مسلم البصري (ملك يوم الدين) بنصب الكاف من غير ألف، وقرأ كذلك إلا أنه رفع الكاف سعد بن أبـي وقاص وعائشة، وقرأ (ملك) فعلاً ماضياً أبو حنيفة على ما قيل وأبو حيوة وجبير بن مطعم وأبو عاصم عبيد بن عمير الليثي وينصبون اليوم وذكر ابن عطية أن هذه قراءة علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه والحسن ويحيـى بن يعمر، وقرأ (مالك) بالنصب الأعمش أيضاً وابن السميقع وعثمان بن أبـي سليمان وعبد الملك قاضي الهند، وذكر ابن عطية أنها قراءة عمر بن عبد العزيز وأبـي صالح السمان وروى ابن عاصم عن اليماني (مالكاً) بالنصب والتنوين، وقرأ (مالك) برفع الكاف والتنوين. ورويت عن خلف بن هشام وأبـي عبيد وأبـي حاتم فينصب اليوم، وقرأ (مالك يوم) بالرفع والإضافة أبو هريرة وأبو حيوة وعمر بن عبد العزيز بخلاف عنهم ونسبها صاحب «اللوامح» إلى ابن شداد العقيلي البصري وقرأ (مليك) كفعيل أبو هريرة/ في رواية وأبو رجاء العطاردي، وقرأ (مالك) بالإمالة البليغة يحيـى بن يعمر وأيوب السختياني وبين بين قتيبة بن مهران عن الكسائي ولم يطلع على ذلك أبو علي الفارسي فقال لم يمل أحد وذكر أنه قرأ (ملاك) بالألف وتشديد اللام وكسر الكاف فهذه عدة قراءات ذكرتها لغرابة وقوع مثلها في كلمة واحدة بعضها راجعة إلى الملك وبعضها إلى المالك، قال بعض اللغويين: وهما راجعان إلى الملك وهو الشد والربط ومنه ملك العجين وأنشدوا قول قيس بن الخطيم:شعر : ملكت بها كفى فأنهزت فتقها يرى قائماً من دونها ما وراءها تفسير : والمتواتر منها قراءة (مالك) و (ملك) فهما نيرا سواريها وقطبا فلك دراريها، واختلف في الأبلغ منهما قال الزمخشري: و(ملك) هو الاختيار لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ }تفسير : [غافر: 16] ولقوله تعالى: {أية : مَلِكِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 2] ولأن الملك يعم والملك يخص ورجحه صاحب «الكشف» أيضاً بأنه يلزم على قراءة (مالك) نوع تكرار لأن الرب بمعناه أيضاً وبأنه تعالى وصف ذاته المتعالية بالملكية عند المبالغة في قوله {أية : مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ }تفسير : [آل عمران: 26] بالضم دون المالكية. واعترض ذلك كله، أما أولاً: فلأن قراءة أهل الحرمين لا تدل على الرجحان لأنه لو سلم كون أوائلهم أعلم بالقرآن لا نسلم ذلك في عهد القراء المشهورين ألا ترى أن «صحيح البخاري» مقدم على «موطأ مالك» وهو عالم المدينة على أن القراءات المشهورة كلها متواترة وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أصول الرواة، وقول الشهاب: لا يخفى أن أهل الحرمين قديماً وحديثاً أعلم بالقرآن والأحكام فمن وراء المنع أيضاً ودون إثباته التعب الكثير كما لا يخفى على من لم ترعه القعاقع. وأما ثانياً: فلأن الاستدلال بقوله تعالى: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ }تفسير : [غافر: 16] يخدشه قوله: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً }تفسير : [الإنفطار: 19] فإنه سبحانه أراد باليوم يوم القيامة وهو يوم الدين ونفي المالكية عن غيره يقتضي إثباتها له إذ السياق لبيان عظمته تعالى والأمر آخر الآية واحد الأمور لا الأوامر وإن كثر استعماله فيه. وأما ثالثاً: فلأن ما في الناس مغاير لما هنا لأن (مالك الناس) لو كان هناك كما قرىء به شذوذاً يتكرر مع رب الناس وأما هنا فلا تكرار لاختلاف المقام. وأما رابعاً: فلأن ما ادعاه من أن الملك بضم الميم يعم والملك بالكسر يخص خلاف الظاهر والظاهر أن بين المالك والملك عموماً وخصوصاً من وجه لغة عرفاً فيوسف الصديق عليه السلام بناء على أنه مالك رقاب المصريين في القحط بمقتضى شرعهم ملك ومالك التاجر مالك غير ملك والسلطان على بلد لا ملك له فيها ملك غير مالك. وأما خامساً: فبأن التكرار الذي زعمه صاحب «الكشف» قد كشف أمره على أنه مشترك الإلزام إذ الجوهري ذكر أن الرب كان يطلق على الملك. أما سادسها: فلأن الدليل الأخير الذي ساقه لك أن تقلبه بأنه تعالى وصف ذاته بالمالكية دون الملكية وأيضاً إضافة المالك إلى الملك تدل على أن المالك أبلغ من الملك لأن الملك بالضم قد جعل تحت حيطة المالكية فكأنه أحد مملوكاته كذا قالوه ولهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا، وعندي لا ثمرة للخلاف والقراءتان فرسا رهان ولا فرق بين المالك والملك صفتين لله تعالى كما قاله السمين ولا التفات إلى من قال إنهما كحاذر وحذر ومتى أردت ترجيح أحد الوصفين تعارضت لديّ الأدلة وسدت على الباب الآثار وانقلب إليّ بصر البصيرة خاسئاً وهو حسير إلا أني اقرأ كالكسائي (مالك) لأحظى بزيادة عشر حسنات ولأن فيه إشارة واضحة إلى الفضل الكبير والرحمة الواسعة والطمع بالمالك من حيث إنه مالك فوق الطمع بالملك من حيث إنه ملك فأقصى ما يرجى من الملك أن ينجو الإنسان منه رأساً برأس ومن المالك يرجى ما هو فوق ذلك فالقراءة به/ أرفق بالمذنبين مثلي وأنسب بما قبله وإضافته إلى يوم الدين بهذا المعنى ليكسر حرارته فإن سماع {يَوْمِ ٱلدّينِ } يقلقل أفئدة السامعين ويشبه ذلك من وجه قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }تفسير : [التوبة: 43] والمدار على الرحمة لا سيما والأمر جدير والترغيب فيه أرغب على أنه لا يخلو الحال عن ترهيب وكأني بك تعارض هذه النكت وما عليّ فهذا الذي دعاني إليه حسن الظن. واليوم: في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان وفي الشرع عند أهل السنة ما عدا الأعمش عبارة عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس ويطلق على مطلق الوقت. ويوم القيامة حقيقة شرعية في معناه المعروف وتركيبه غريب إذ فاء الكلمة فيه ياء وعينها واو ولم يأت من ذلك كما في "البحر المحيط" إلا يوم وتصاريفه. والدين: الجزاء ومنه الحديث المرسل عن أبـي قلابة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان»تفسير : وقيل فرق بينهما فإن الدين ما كان بقدر فعل المجازى والجزاء أعم. وقيل الدين اسم للجزاء المحبوب المقدر بقدر ما يقتضيه الحساب إذا كان ممن معه وقع الأمر المجزي به فلا يقال لمن جازى عن غيره أو أعطى كثيراً في مقابلة قليل دين ويقال جزاء والأرجح عندي أن الدين والجزاء بمعنى فيوم الدين هو يوم الجزاء ويؤيده قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ }تفسير : [غافر: 17] و {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الجاثية: 28] وإضافة مالك إلى يوم على التوسع وقد قال النحاة الظرف إما متصرف وهو الذي لا يلزم الظرفية أو غير متصرف وهو مقابله والأول كيوم وليلة فلك أن تتوسع فيهما بأن ترفع أو تجر أو تنصب من غير أن تقدر فيه معنى (في) فيجرى مجرى المفعول للتساوي في عدم التقدير فإذا قلت سرت اليوم كان منصوباً انتصاب زيد في ضربت زيداً ويجري سرت مجرى ضربت في التعدي مجازاً لأن السير لا يؤثر في اليوم تأثير الضرب في زيد ولا يخرج بذلك عن معنى الظرفية ولذا يتعدى إليه الفعل اللازم ولا يظهر في الاسم وإنما يظهر في الضمير كقوله:شعر : ويوماً شهدناه سليماً وعامرا قليل سوى طعن النهار نوافله تفسير : وإذا توسع في الظرف فإن كان فعله غير متعد تعدى وإن كان متعدياً إلى واحد تعدى إلى اثنين وإن كان متعدياً إلى اثنين تعدى إلى ثلاثة وهو قليل ومنعه البعض وإن كان متعدياً إلى ثلاثة لم يتعد إلى رابع في المشهور إذ لا نظير له. وحكى ابن السراج جوازه والتوسع هذا تجوّز حكمي في النسبة الظرفية الواقعة بعد نسبة المفعول به الحقيقي فالمتعدي قبله باق على حاله حتى إذا لم يذكر مفعوله قدر أو نزل منزلة اللازم والجمع بين الحقيقة والمجاز في المجاز الحكمي ليس محل الخلاف ولذا قال الرضى: اتفقوا على أن معنى الظرف متوسعاً فيه وغير متوسع فيه سواء والمعنى مالك الأمر كله في يوم الدين وهذا ثابت له سبحانه أزلاً وأبداً لأنه إما من الصفات الذاتية المتفق على ثبوتها له سبحانه كذلك أو من الصفات الفعلية وهي عند الماتريدية مثلها بل قال الزركشي من الأشاعرة في إطلاق الخالق والرازق ونحوهما في حقه تعالى قبل وجود الخلق والرزق حقيقة وإن قلنا بحدوث صفات الأفعال أو المعنى ملك الأمور يوم الدين على حد {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ }تفسير : [الأعراف: 44] ففي الآية استعارة تبعية كما يفهمه كلامه العلامة البيضاوي في «تفسيره» وعلى التقديرين يصح وقوعه صفة للمعرفة لأن الإضافة حينئذ حقيقية ولا ينافي ذلك التوسع في الظرف لأنه مفعول من حيث المعنى لا من حيث الإعراب أي يتعلق المالك به تعلق المملوكية حتى لو كانت شرائط العمل حاصلة عمل فيه كما قاله الشريف وفيه تأمل والأولى باستمرار الاعتبار اعتبار الاستمرار والمستمر يصح أن تكون إضافته معنوية كما يصح أن لا تكون/ كذلك والتعيين مفوض للمقام وذلك لاشتماله على الأزمنة الثلاث ولا يرد أن (يوم الدين) وما فيه ليس مستمراً في جميع الأزمنة فكيف يتصور كونه تعالى مالكاً على الاستمرار لأنا نقول ليس عند ربك صباح ولا مساء وهو سبحانه ليس بزماني والأزل والأبد عنده نقطة واحدة والفرق بينهما بالاعتبار والتعبيرات المختلفة في كلامه عز شأنه بالنظر إلى حال المخاطب فالاستمرار بالنظر إليه تعالى متحقق بلا شبهة ومن هنا يستنبط جواب للسؤال المشهور بأن المالك لا يكون مالكاً للشيء إلا إذا كان موجوداً ويوم الدين غير موجود الآن، وأجاب غير واحد بأن يوم الدين لما كان محققاً جعل كالقائم في الحال وأيضاً من مات فقد قامت قيامته فكأن القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال، ولا يخفى أن السؤال باق على مذهب بعض المتكلمين القائلين بأن الزمان معدوم إذ يقال بعد إن تملك المعدوم محال إلا أن يقال يجعل الكلام كناية عن كونه مالكاً للأمر كله لأن تلك الزمان كتلك المكان يستلزم تملك جميع ما فيه ولا يلزم في الكناية إمكان المعنى الحقيقي والاستلزام بمعنى الانتقال في الجملة لا بمعنى عدم الانفكاك فلا يرد المنع وأنت إذا قرأت (ملك) تسلم من هذا القيل والقال إن جعلته صفة مشبهة أو ألحقته بأسماء الأجناس الجامدة كسلطان وأما إذا جعلته صيغة مبالغة كحذر ـ وهو ملحق باسم الفاعل ـ فيرد عليك ما ورد علينا وأنا من فضل الله تعالى لا تحركني العواصف بل ذلك يزيدني في المالك حباً، وإنما قال {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } ولم يقل يوم القيامة مراعاة للفاصلة وترجيحاً للعموم فإن الدين بمعنى الجزاء يشمل جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم بل يكاد يتناول النشأة الأولى بأسرها على أن يوم القيامة لا يفهم منه الجزاء مثل يوم الدين ولا يخلو اعتباره عن لطف، وأيضاً للدين معان شاع استعماله فيها كالطاعة والشريعة فتذهب نفس السامع إلى كل مذهب سائغ وقد قال بكل من هذين المعنيين بعض والمعنى حينئذ على تقدير مضاف فعلى الأول يوم الجزاء الكائن للدين وعلى الثاني يوم الجزاء الثابت في الدين وإذا أريد بالطاعة في الأول الانقياد المطلق لظهوره ذلك اليوم ظاهراً وباطناً وجعل إضافة يوم للدين في الثاني لما بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء لم يحتج إلى تقدير، وتخصيص اليوم بالإضافة مع أنه تعالى مالك وملك جميع الأشياء في كل الأوقات والأيام إما للتعظيم وإما لأن الملك والملك الحاصلين في الدنيا لبعض الناس بحسب الظاهر يزولان وينسلخ الخلق عنهما انسلاخاً ظاهراً في الآخرة: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } تفسير : [مريم: 95] وينفرد سبحانه في ذلك اليوم بهما انفراداً لا خفاء فيه ولذلك قال سبحانه: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلاْمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تفسير : [الإنفطار: 19] و{أية : لَمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ }تفسير : [غافر: 16] وأيضاً هنالك يجتمع الأولون والآخرون ويقوم الروح والملائكة صفاً وتجتمع العبيد في صعيد واحد وتظهر صفة الجمال والجلال أتم ظهور فتعلم صفة المالكية والملكية للمجموع في آن واحد فوق ما علمت لكل فرد فرد أو جمع جمع على توالي الأزمان وإنما ختم سبحانه هذه الأوصاف بهذا الوصف إشارة إلى الإعادة كما افتتح بما يشير إلى الإبداء وفي إجرائها عليه تعالى تعليل لإثبات ما سبق وتمهيد لما لحق وفيه إيماء إلى أن الحمد ليس مجرد الحمد لله بل مع العلم بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذه أمهاتها ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها وقد يقال في إجراء هذه الأوصاف بعد ذكر اسم الذات الجامع لصفات الكمال إشارة إلى أن الذي يحمده الناس ويعظمونه إنما يكون حمده وتعظيمه لأحد أمور أربعة، إما لكونه كاملاً في ذاته وصفاته وإن لم يكن منه إحسان إليهم، وإما لكونه محسناً إليهم ومتفضلاً عليهم، وإما لأنهم يرجون لطفه وإحسانه في الاستقبال، وإما لأنهم يخافون من كمال قدرته فهذه هي الجهات الموجبة للحمد والتعظيم فكأنه سبحانه يقول يا عبادي إن كنتم تحمدون وتعظمون للكمال الذاتي والصفاتي فاحمدوني فإني/ أنا الله وإن كان للإحسان والتربية والإنعام فإني أنا رب العالمين وإن كان للرجاء والطمع في المستقبل فإني أنا الرحمن الرحيم وإن كان للخوف فإني أنا مالك يوم الدين. ومن الناس من استدل كما قال الإمام على وجوب الشكر عقلاً قبل مجيء الشرع بأنه تعالى أثبت الحمد هنا لذاته ووصفه بكونه رباً للعالمين رحماناً رحيماً بهم مالكاً لعاقبة أمورهم في القيامة، وترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون الحكم معللاً به فدل ذلك على ثبوت الحمد لة قبل الشرع وبعده وهو على ما فيه دليل عليه لا له لأنه بيان من الله تعالى لإيجابه فهو سمعي لا عقلي فالمستدل به كناطح صخرة. هذا وفي ذكر هذه الأسماء الخمسة أيضاً لطائف فالإنسان بدن ونفس شيطانية ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي فالتجلي باسمه تعالى الله للجوهر الملكي: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ }تفسير : [الرعد: 28] وباسم الرب للنفس الشيطانية {أية : رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ }تفسير : [المؤمنون: 97] وباسم الرحمن للنفس السبعية بناء على أنه مركب من لطف وقهر {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الفرقان: 26] وباسم الرحيم للنفس البهيمية {أية : أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ }تفسير : [المائدة: 5] وبمالك يوم الدين للبدن الكثيف {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}تفسير : [الرحمن: 31]. وآثار هذا التجلي طاعة الأبدان بالعبادة وطاعة النفس الشيطانية بطلب الاستعانة والسبعية بطلب الهداية والبهيمية بطلب الاستقامة، وتواضعت الروح القدسية فعرضت لطلب إيصالها إلى الأرواح العالية المطهرة وأيضاً دعائم الإسلام خمس فالشهادة من أنوار تجلي الله والصلاة من أنوار تجلي الرب وإيتاء الزكاة من أنوار تجلي الرحمن وصيام رمضان من أنوار تجلي الرحيم والحج من أنوار تجلي مالك يوم الدين وكأنه لهذا طلبت الفاتحة في الصلاة التي هي العماد. ولما بلغ الثناء الغاية القصوى قال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } إيا في المشهور ضمير نصب منفصل واللواحق حروف زيدت لبيان الحال، وقيل أسماء أضيف هو إليها، وقيل الضمير هي تلك اللواحق وإيا دعامة، وقيل الضمير هو المجموع وقيل إيا مظهر مبهم مضاف إلى اللواحق وزعم أبو عبيدة اشتقاقه وهو جهل عجيب والبحث مستوفى في علم النحو، وقد جاء وياك بقلب الهمزة واواً ولا أدري أهو عن القراء أم عن العرب وقرأ عمرو بن فائد عن أبـيّ (إياك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء وعلي وأبو الفضل الرقاشي (أياك) بفتح الهمزة والتشديد وأبو السوار الغنوي (هياك) بإبدال الهمزة مكسورة ومفتوحة هاء والجمهور (إياك) بالكسر والتشديد. والعبادة أعلى مراتب الخضوع ولا يجوز شرعاً ولا عقلاً فعلها إلا لله تعالى لأنه المستحق لذلك لكونه مولياً لأعظم النعم من الحياة والوجود وتوابعهما ولذلك يحرم السجود لغيره سبحانه لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء وهو التراب وموطىء الأقدام والنعال غاية الخضوع وقيل لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه وما ورد من نحو قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [الأنبياء: 98] وارد على زعمهم تعريضاً لهم ونداء على غباوتهم وتستعمل بمعنى الطاعة ومنه: {أية : أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ } تفسير : [يس: 60] وبمعنى الدعاء ومنه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى }تفسير : [غافر: 60] وبمعنى التوحيد ومنه: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] وكلها متقاربة المعنى وذكر بعض المحققين أن لها ثلاث درجات لأنه إما أن يعبد الله تعالى رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متابعة الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أدوم وأشرف وهذه مرتبة نازلة عند أهل الله تعالى وتسمى عبادة وإما أن يعبد الله تعالى تشرفاً بعبادته أو لقبوله لتكاليفه أو بالانتساب إليه وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية وإما أن يعبد الله تعالى لاستحقاقه الذاتي من غير نظر إلى نفسه بوجه من الوجوه ولا يتقضيه إلا الخضوع والذلة وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودة وإليه الإشارة بقول المصلي أصلي لله تعالى فإنه/ لو قال أصلي لثوابه تعالى مثلاً أو للتشرف بعبادته فسدت صلاته. والاستعانة طلب المعونة وياء فعله منقلبة عن واو وتمسكت الجبرية والقدرية بهذه الآية أما الجبرية فقالوا لو كان العبد مستقلاً لما كان للاستعانة على الفعل فائدة وأما القدرية فقالوا السؤال إنما يحسن لو كان العبد متمكناً في أصل الفعل فيطلب الإعانة من الغير أما إذا لم يقدر عليه لم يكن للاستعانة فائدة وقد أشار ناصر الملة والدين البيضاوي بيض الله تعالى وجه حجته ببيان المعونة إلى أنه لا تمسك لواحد من الفريقين في ذلك حيث قال وهي إما ضرورية أو غيرها والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يصح أن يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف انتهى. وحاصله أن الاستعانة طلب ما يتمكن به العبد من الفعل أو يوجب اليسر عليه وشيء منهما لا يوجب الجبر ولا القدر وعندي أن الآية إن استدل بها على شيء من بحث خلق الأفعال فليستدل بها على أن للعباد قدراً مؤثرة بإذن الله تعالى لا بالاستقلال كما عقدت عليه خنصر عقيدتي لا أنهم ليس لهم قدرة أصلاً بل جميع أفعالهم كحركة المرتعش كما يقوله الجبرية إذ الضرورية تكذبه ولا أن لهم قدرة غير مؤثرة أبداً كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذهب الأشاعرة إذ هو في المآل كقول الجبرية وأي فرق بين قدرة لا أثر لها وبين عدم القدرة بالكلية إلا بما هو {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور: 39] ولا أن لهم قدرة مستقلة بالأفعال يفعلون بها ما شاؤا فالله تعالى يريد ما لا يفعله العبد ويفعل العبد ما لا يريده الله تعالى كما يقوله المعتزلة إذ يرد ذلك النصوص القواطع كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، ووجه الاستدلال أن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } مشير إلى صدور الفعل من العباد وذلك يستدعي قدرة يكون بها الإيجاد ومن لا قدرة له أو له قدرة لا مدخل لها في الإيجاد لا يقال له أوجد وصحة ذلك باعتبار الكسب كيفما فسر لا يرتضيه المنصف العاقل. وقوله {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يدل على نفي الاستقلال فيه وأنه بإذن الله تعالى وإعانته كما يشير إليه لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا هو اللبن السائغ الذي يخرج من بين فرث ودم فلا جبر ولا تفويض فاحفظه وانتظر تتمته:شعر : ولو كان هذا موضع القول لاشتفى فؤادي ولكن للمقال مواضع تفسير : وهٰهنا أبحاث: الأول في سر تقديم الضمير على الفعلين وذكروا له وجوهاً الدلالة على الحصر والاختصاص كما يشعر به عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما معناه لا نعبد غيرك وهو حقيقي لا يستدعي رد خطأ المخاطب والمقصود منه التبرئة عن الشرك وتعريض بالمشركين وتقديم ما هو مقدم في الوجود فإنه تعالى مقدم على العابد والعبادة ذاتاً فقدم وضعاً ليوافق الوضع الطبع. وتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو الله تعالى الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يميناً وشمالاً والاهتمام فإن ذكره تعالى أهم للمؤمنين في كل حال لا سيما حال العبادة لأنها محل وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة والتصريح من أول وهلة بأن العبادة له سبحانه فهو أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك فإنه لو أخر فقبل أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة لغيره تعالى. والإشارة إلى حال العارف وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات وإلى العبادة من حيث إنها وصلة إليه وراحلة تغد به عليه فيبقى مستغرقاً في مشاهدة أنوار جلاله مستقراً في فردوس أنوار جماله وكم من فرق بين قوله تعالى للمحمديين: {أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ }تفسير : [البقرة: 152] وبين قوله للإسرائليين: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقره: 40] وبين ما حكى عن الحبيب من قوله: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }تفسير : [التوبه: 40] وبين ما حكاه عن الكليم من قوله: {أية : إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ }تفسير : [الشعراء: 62]. الثاني في سر قوله {نَعْبُدُ } دون أعبد فقد قيل هو الإشارة إلى حال العبد كأنه يقول إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها لأنها ممزوجة بالتقصير ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين وأذكر الكل بعبارة واحدة حتى لا يلزم تفريق الصفقة وقيل النكتة في العدول إلى الإفراد التحرز عن الوقوع في الكذب فإنا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذللين لهم مستعينين في حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياتاً ولا موتاً ولا نشوراً ويا ليت الفحل يهضم نفسه فكيف يقول أحدنا إياك أعبد وإياك أستعين بالإفراد ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء والمقربين وقيل لو قال إياك أعبد لكان ذلك بمعنى أنا العابد ولما قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } كان المعنى أني واحد من عبيدك وفرق بين الأمرين كما يرشدك إليه قوله تعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام:{أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [الصافات: 102] وقوله تعالى: حكاية عن موسى {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا }تفسير : [الكهف: 69] فصبر الذبيح لتواضعه بعدِّ نفسه واحداً من جمع ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه مع أن كلاً منهما عليهما السلام قال {إِن شَاء ٱللَّهُ } وقيل الضمير في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة وقيل هو من باب: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ» على ما ذكره الغزالي قدس سره وقد تقدم. الثالث في سر تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة وله وجوه الأول أن العبادة أمانة كما قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ }تفسير : [الأحزاب: 72] فاهتم للأداء فقدم، الثاني أنه لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما صدر عنه فعقبه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ليدل على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة وتوفيق وإذن منه سبحانه، الثالث أن العبادة مما يتقرب بها العبد إلى الله تعالى والاستعانة ليست كذلك فالأول أهم، الرابع أنها وسيلة فتقدم على طلب الحاجة لأنه أدعى للإجابة. الخامس: أنها مطلوبة لله تعالى من العبادة، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدل على صدق العبودية من تقديم ما يريده من مولاه، السادس: أن العبادة واجبة حتماً لا مناص للعبادة عن الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم. السابع: أنها أشد مناسبة بذكر الجزاء والاستعانة أقوى التئاماً بطلب الهداية، الثامن: أن مبدأ الإسلام التخصيص بالعبادة والخلوص من الشرك والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ، التاسع: أن في تأخير فعل الاستعانة توافق رءوس الآي، العاشر: أن أحدهما إذا كان مرتبطاً بالآخر لم يختلف التقديم والتأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي وأحسنت إلي فقضيت حقي. الحادي عشر: أن مقام السالكين ينتهي عند قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وبعده يطلب التمكين وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد فإن نفس السالك إذا تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة وألطافه غير متناهية فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقراً إلى المبقى محتاجاً إلى التربية فترقت لطلب الخلاص من وحشة الأدبار وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحيم فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الملك الحقيقي فنادت بلسان الاضطرار في مقام {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } تفسير : [غافر: 16] أسلمت نفسي إليك وأقبلت بكليتي عليك وهناك خاضت لجة الوصول وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وهنا انتهاء مقام السالك/ ألا يرى إلى سيد الخلق وحبيب الحق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1] فطلب التمكين بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } واستعاذ عن التلوين بقوله: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ } فصعد مستكملاً ورجع مكملاً وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين. البحث الرابع: في سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وقد ازدحمت فيه أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة وهي التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطاً للسامع فقيل لما ذكر الحقيق بالحمد ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود وكأن المعلوم صار عياناً والمعقول مشاهداً والغيب حضوراً، وقيل لما شرح الله تعالى صدر عبده وأفاض على قلبه وقالبه نور الإيمان والإسلام من عنده ترقى بذريعة الحمد المستجلب لمزيد النعم إلى رتبة الإحسان وهو: «أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وأيضاً حقيقة العبادة انقياد النفس الأمارة لأحكام الله تعالى وصورته وقالبه الإسلام ومعناه وروحه الإيمان ونوره ونوره الإحسان وفي {نَعْبُدُ } والالتفات تتم الأمور الثلاثة وأيضاً لما تبين أنه ملك في الأزل ما في أحايين الأبد علم أن الشاهد والغائب والماضي والمستقبل بالنسبة إليه على حد سواء فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب ويحتمل أن يكون السر أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء في الغيبة أولى ومن هنا إلى الآخر دعاء وهو في الحضور أولى والله تعالى حي كريم. وقيل إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضوراً بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتم وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: {أية : فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] لا جرم عبر سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة وعنها بطريق الخطاب إعطاء لكل منهما ما يليق من النسق المستطاب وأيضاً من تشبه بقوم فهو منهم، فالعابد لما رام ذلك سلك مسلك القوم في الذكر ومزج عبادته بعبادتهم وتكلم بلسانهم وساق كلامه على طبق مساقهم عسى أن يصير محسوباً في عدادهم مندرجاً في سياقهم:شعر : إن لم تكونوا منهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح تفسير : وأيضاً فيه إشارة إلى أن من لزم جادة الأدب والانكسار ورأى نفسه بعيداً عن ساحة القرب لكمال الاحتقار فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهية وتلحقه عناية أزلية إلى حظائر القدس وتطلعه على سرائر الأنس فيصير واطئاً على بساط الاقتراب فائزاً بعز الحضور وسعادة الخطاب. وأيضاً إنه لما لم يكن في الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة فإن خطبها عظيم ومن دأب المحب تحمل المشاق العظيمة في حضور المحبوب قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره ليأتي بها العابد خالية عن الكلال عارية عن الفتور والملال مقرونة بكمال النشاط موجبة لتمام الانبساط:شعر : حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي فأنت بمرأى من سعاد ومسمع تفسير : وأيضاً إن الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير فما دام للأغيار وجود في نظر السالك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم ويخاطبهم بذكر مآثره الجميلة لديهم وأما إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع الحجب والأستار واضمحلال جميع الأغيار لم يبق في نظره سوى المعبود الحق والجمال المطلق وانتهى إلى مقام الجمع وصار في مقعد {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 115] فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلا إليه ولا يمكن إظهار السر إلا لديه فينعطف عنان لسانه إلى جنابه ويصير كلامه منحصراً في خطابه، وثم وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة/ وعندي وهو من نسائم الأسحار أن الله سبحانه بعد أن ذكر {يَوْمِ ٱلدِّينِ} وهو يوم القيامة التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنه إذا قامت القيامة على ساق وكان {أية : إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ} تفسير : [القيامة: 30] هنالك يفوز المؤمن بلذة الحضور ويتبلج جبينه بأنوار الفرح والسرور ويخلو به الديان وليس بينه وبينه ترجمان ويكشف الحجاب وتدور بين الأحباب كؤس الخطاب، فتأمل في عظيم الرحمة كيف قرن سبحانه هذا الترهيب برحمتين فصرح قبل يوم الدين بما صرح ورمز بعد ذكره بما رمز ولن يغلب عسر يسرين. ومن باب الإشارة أن يوم الدين تلويح إلى مقام الفناء لأنه موت النفس عن شهواتها وخروجها عن جسد تعلقها بالأغيار والتفاتها و "من مات فقد قامت قيامته" فعند ذلك يحصل البقاء في جنة الشهود ويتحقق الجمع في مقام صدق عند المليك المعبود وفوق هذا مقام آخر لا يفي بتقريره الكلام ولا تقدر على تحريره الأقلام بل لا يزيده البيان إلا خفاء ولا يكسبه التقريب إلا بعداً واعتلاء:شعر : ولو أن ثوباً حيك من نسج تسعة وعشرين حرفاً في علاه قصير تفسير : اللهم أغرقنا في بحار مشاهدتك ومن علينا بخندريس وحدتك حتى لا نحدث إلا عنك ولا نسمع إلا منك ولا نرى إلا إياك. هذا وقد ذكر الإمام السيوطي نقلاً عن الشيخ بهاء الدين أنه قال اتفقوا على أن فيما نحن فيه التفاتاً واحداً وفيه نظر لأن الزمخشري ومن تابعه على أن الالتفات خلاف الظاهر مطلقاً فإن كان التقدير قولوا الحمد لله ففي الكلام المأمور به التفاتان، أحدهما في لفظ الجلالة وأصله الحمد لك لأنه تعالى حاضر، والثاني في {إِيَّاكَ } لمجيئه على خلاف أسلوب ما قبله وإن لم يقدر كان في {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} التفات من التكلم للغيبة لأنه تعالى حمد نفسه ولا يكون في {إِيَّاكَ} التفات لتقدير قولوا معها قطعاً فأحد الأمرين لازم للزمخشري والسكاكي إما أن يكون في الآية التفاتان أو لا يكون التفات أصلاً هذا إن قلنا برأي السكاكي كما يشعر به كلام الزمخشري في «الكشاف» لأنه جعل في الشعر الذي ذكره ثلاث التفاتات وإن قلنا برأي الجمهور ولم نقدر قولوا إياك نعبد فإن قدر قولوا قبل {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} كان فيه التفات واحد وبطل قول الزمخشري إن في البيت ثلاث التفاتات انتهى. وهو كلام يغني النظر فيه عن شرح حاله فليفهم. البحث الخامس: في سر تكرار {إِيَّاكَ} فقيل للتنصيص على طلب العون منه تعالى فإنه لو قال سبحانه: إياك نعبد ونستعين لاحتمل أن يكون إخباراً بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب وقيل إنه لو اقتصر على واحد ربما توهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما والواقع خلافه. وقيل إنه جمع بينهما للتأكيد كما يقال الدار بين زيد وبين عمرو وفيه أن التكرير إنما يكون تأكيداً إذا لم يكن معمولاً لفعل ثان وإياك الثاني في الآية معمول لنستعين مفعول له فكيف يكون تأكيداً، وقيل إنه تعليم لنا في تجديد ذكره تعالى عند كل حاجة، وعندي أن التكرار للإشعار أن حيثية تعلق العبادة به تعالى غير حيثية تعلق طلب الاستعانة منه سبحانه ولو قال: إياك نعبد ونستعين لتوهم أن الحيثية واحدة والشأن ليس كذلك إذ لا بد في طلب الإعانة من توسط صفة ولا كذلك في العبادة فلاختلاف التعلق أعاد المفعول ليشير بها إليه. البحث السادس: في سر إطلاق الاستعانة فقيل ليتناول كل مستعان فيه فالحذف هنا مثله في قولهم فلان يعطي في الدلالة على العموم ورجح بلزوم الترجيح بلا مرجح في الحمل على البعض وأيضاً قرينة التقييد خفية وبأنه المروي عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وبأن عموم المفعول متضمن لنفي الحول والقوة عن نفسه والانقطاع بالكلية إليه تعالى عمن سواه فهو أولى بمقام العبادة وإلى ترجيحه يشير صنيع العلامة البيضاوي، وقال صاحب «الكشاف»: الأحسن أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة ويكون قوله تعالى: {ٱهْدِنَا} بياناً للمطلوب من المعونة/ كأنه قيل كيف أعينكم فقالوا اهدنا الصراط المستقيم وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض انتهى، ووجه التخصيص حينئذٍ كمال احتياج العبادة إلى طلب الإعانة لكونها على خلاف مقتضى النفس. {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى }تفسير : [يوسف: 53] والقرينة مقارنة العبادة ولا خفاء في وضوحها وكون عموم المفعول متضمناً لما ذكر معارض بنكتة التخصيص والرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لعلها لم تثبت كذا قيل، والإنصاف عندي أن الحمل على العموم أولى ليتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق دخولاً أولياً أولى من مجرد التوفيق ويلائمه الصراط المستقيم فإنه أعم من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأمور الدينية والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار والفوز بالدرجات العلى وكلها مفتقر إلى إعانة الله تعالى وفضله. وأيضاً طرق الضلالات التي يستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالين لا نهاية لها وباستعانته يتخلص من مهالكها. وأيضاً لا يخفى أن المراد بالعبادة في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه فإذاً توافق الاستعانة في العموم. وأيضاً قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مطلق شامل كل إنعام، وأيضاً لو كان المراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة يبقى حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب ولا أظن أحداً يقول إنه يعلم من هذا التخصيص فلا أختار أنا إلا العموم وقد ثبت في "الصحيح" عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس: «حديث : إذا استعنت فاستعن بالله»تفسير : الحديث وهو ظاهر فيه ولعل ابن عباس من هنا قال به في الآية إذا قلنا بثبوت ذلك عنه وهو الظن الغالب فمن استعان بغيره في المهمات بل وفي غيرها فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم أفلا يستعان به وهو الغني الكبير أم كيف يطلب من غيره والكل إليه فقير؟ وإني لأرى أن طلب المحتاج من المحتاج سفه من رأيه وضلة من عقله فكم قد رأينا من أناس طلبوا العزة من غيره فذلوا وراموا الثروة من سواه فافتقروا وحاولوا الارتفاع فاتضعوا فلا مستعان إلا به ولا عون إلا منه:شعر : إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب تفسير : وقد قرأ عبيد بن عمير الليثي وزيد بن حبيش ويحيـى بن وثاب والنخعي نعبد ـ بكسر النون ـ وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وهذيل وكذلك حكم حروف المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه كنستعين مما لم ينضم ما بعدها فيه سوى الباء لاستثقال الكسرة عليها على أن بعضهم قال يجل بكسر ياء المضارعة من وجل وقرأ بعضهم يعلمون وقرأ الحسن وابن المتوكل وأبو محلف يعبد بالياء مبنياً للمفعول وهو غريب وعن بعض أهل مكة أنه قرأ نعبد بإسكان الدال وقرأ الجمهور نعبد ـ بفتح النون وضم الدال ـ وهي لغة أهل الحجاز وهي الفصحى. {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} الهداية دلالة بلطف لدلالة اشتقاقه ومادته عليه ولذا أطلق على المشيء برفق تهاد وسميت الهداية لطفاً وقوله تعالى: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات: 23] وارد على الصحيح مورد التهكم على حد {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الإنشقاق: 24] ويقال هداه لكذا وإلى كذا فتعديه باللام وإلى إذا لم يكن فيه وهداه كذا بدونهما محتمل للحالين حتى لا يجوز في {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }تفسير : [العنكبوت: 69] لسبلنا أو إلى سبلنا إلا بإرادة الإرادة في جاهدوا أو إرادة تحصيل المراتب العلية في سبلنا ومن ثم جمعها وقد ورد "من عمل بما علم ورثة الله تعالى علم ما لم يعلم" وقد يقال المراد بيان الاستعمال الحقيقي وأما باب التجوز فواسع وهل يعتبر في الدلالة الإيصال أم لا/ فيه اختلاف المتأخرين من أهل اللسان ففريق خصها بالدلالة الموصلة وآخرون بالدلالة على ما يوصل، وقليل قال إن تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها كانت بمعنى الإيصال ولا تسند إلا إليه تعالى كما في الآية وإن تعدت باللام أو إلى كانت بمعنى إراءة الطريق فكما تسند إليه سبحانه تسند إلى القرآن كقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ }تفسير : [الإسراء: 9] وإلى النبـي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }تفسير : [الشورى: 52] والكل من هذه الآراء غير خال عن خلل، أما الأول فيرد عليه قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } والجواب بجواز وقوعهم في الضلال بالارتداد بعد الوصول إلى الحق لا يساعده ما في التفاسير والتواريخ فإنها ناطقة بأن الجم الغفير من قوم ثمود لم يتصفوا بالإيمان قطعاً ومن آمن من قومه إلا قليل وقد بقوا على إيمانهم ولم يرتدوا على أن صاحب الذوق يدرك من نفس الآية خلاف الفرض كما لا يخفى. وأما الثاني فيرد عليه قوله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ }تفسير : [القصص: 56] وما يقال إنه على حد قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }تفسير : [الأنفال: 17] أو أن المعنى أنك لا تتمكن من إراءة الطريق لكل من أحببت بل إنما يمكنك إراءته لمن أردنا لا يخلو عن تكلف، وأما الثالث فإن كلام أهل اللغة لا يساعده بل ينادي بما ينافيه ومع ذلك فالقول بأن المتعدية لا تسند إلا إلى الله تعالى منتقض بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : يٰأَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً }تفسير : [مريم: 43] وعن مؤمن آل فرعون {أية : يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ }تفسير : [غافر: 38] ولهذا الخلل قال طائفة بالاشتراك والبحث لغوي لا دخل للاعتزال فيه وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمته. {وٱلصّرَاطَ} الطريق وأصله بالسين من السرط وهو اللقم ولذلك يسمى لقماً كأن سالكه يبتلعه أو يبتلع سالكه ففي الأزهري أكلته المفازة إذا نهكته لسيره فيها وأكل المفازة إذا قطعها بسهولة قال أبو تمام:شعر : رعته الفيافي بعد ما كان حقبة رعاها وماء المزن ينهل ساكبه تفسير : وبالسين على الأصل قرأ ابن كثير برواية قنبل ورويس اللؤلؤي عن يعقوب وقرأ الجمهور بالصاد وهي لغة قريش وقرأ حمزة باشمام الصاد زاياً والزاي الخالصة لغة لعذرة وكعب والصاد عندي أفصح وأوسع وأهل الحجاز يؤنثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق وبنو تميم يذكرون هذا كله وتذكيره هو الأكثر ويجمع في الكثرة على صرط ككتاب وكتب وفي القلة قياسه أصرطة هذا إذا كان الصراط مذكراً وأما إذا أنث فقياسه أفعل نحو ذراع وأذرع. و {ٱلْمُسْتَقِيمَ} المستوى الذي لا اعوجاج فيه واختلف في المراد منه فقيل الطريق الحق. وقيل ملة الإسلام. وقيل القرآن وردهما الرازي قدس سره بأن قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلِيم } يدل على الصراط المستقيم وهم المتقدمون من الأمم وما كان لهم القرآن والإسلام وفيه ما لا يخفى والعجب كل العجب من هذا المولى أنه ذكر في أحد الوجوه المرضية عنده أن الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال وأكد ذلك بقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] فياليت شعري ماذا يقول لو قيل له لم يكن هذا للمتقديمن من الأمم وتلونا عليه الآية التي ذكرها وسبحان من لا يرد عليه وقيل المراد به معرفة ما في كل شيء من كيفية دلالته على الذات والصفات وقيل المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى وقيل العبادة لقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ }تفسير : [يس: 61] والقرآن يفسر بعضه بعضاً وفيه نظر، وقيل هو الإعراض عن السوي والإقبال بالكلية على المولى وقال الشيخ الأكبر قدس سره: هو ثبوت التوحيد في الجمع والتفرقة ولهم أقوال غير ذلك قريبة وبعيدة، وعندي بعد الاطلاع على ما للعلماء و {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [الروم: 32] أن الصراط المستقيم بتنوع إلى عام للناس وخاص بخواصهم والكل منهما صراط المنعم عليهم على اختلاف درجاتهم فالأول جسر بين العبد وبين الله/ سبحانه ممدود على متن جهنم الكفر والفسق والجهل والبدع والأهواء وهو الاستقامة على ما ورد به الشرع الشريف القويم علماً وعملاً وخلقاً وحالاً وهو الذي يظهر في الآخرة على متن جهنم الجزاء ممثلاً مصوراً بالتمثيل الرباني والتصوير الإلهي على حسب ما عليه العبد اليوم "فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه" وللتذكير بذلك الصراط لم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحداً، الثاني طريق الوصول إلى الله تعالى ومن شهد الخلق لا فعل لهم فقد فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد جاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل وتم سفره إلى الله تعالى ثم يتجدد له السفر فيه سبحانه وهو غير متناه لأن نعوت جماله وجلاله غير متناهية ولا يزال العبد يرقى من بعضها إلى بعض كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه ليغان على قلبـي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة»تفسير : وهناك يكون عز شأنه يده وسمعه وبصره فبه يبطش وبه يسمع وبه يبصر ووراء ذلك ما يحرم كشفه فمتى قال العامي اهدنا الصراط المستقيم أراد أرشدنا إلى الاستقامة على امتثال أوامرك واجتناب نواهيك ومتى قال ذلك أحد الخواص أراد ثبتنا على ما منحتنا به وهو المروي عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه وأبـيّ رضي الله تعالى عنه وذلك لأن طالب هداية الطريق المستقيم ليسلكه له في سلوكه مقامات وأحوال ولكل منها بداية ونهاية ولا يصل إلى النهاية ما لم يصحح البداية ولا ينتقل إلى مقام أو حال إلا بعد الرسوخ فيما تحته والثبات عليه فما دام هو في أثناء المقام أو الحال ولم يصل إلى نهاية يطلب الثبات على ما منح به ليرسخ له ذلك المقام ويصير ملكه فيرقى منه إلى ما فوقه وذلك هو الفضل الكبير والفوز العظيم. وللمحققين في معنى اهدنا وجوه دفعوا بها ما يوشك أن يسأل عنه من أن المؤمن مهتد فالدعاء طلب لتحصيل الحاصل. أحدها أن معناه ثبتنا على الدين كيلا تزلزلنا الشبه وفي القرآن {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }تفسير : [آل عمران: 8] وفي الحديث: «حديث : اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك»تفسير : وثانيها: أعطنا زيادة الهدى كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى }تفسير : [محمد: 17] وثالثها: أن الهداية الثواب كقوله تعالى: {أية : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }تفسير : [يونس: 9] فالمعنى اهدنا طريق الجنة ثواباً لنا وأيد بقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا }تفسير : [الأعراف: 43] ورابعها: أن المراد دلنا على الحق في مستقبل عمرنا كما دللتنا عليه في ماضيه ولهم بعد أيضاً كلمات متقاربة غير هذا ولعله يغنيك عن الكامل ما ذكره الفقير فتدبره ولا تغفل. بقي الكلام في ربط هذه الجملة بما قبلها وقد قيل إن عندنا احتمالات أربعة لأن طلب المعونة إما في المهمات كلها أو في أداء العبادة والصراط المستقيم إما أن يؤخذ بمعنى خاص كملة الإسلام أو بمعنى عام كطريق الحق خلاف الباطل فعلى تقديري عموم الاستعانة والصراط وخصوصهما يكون اهدنا بياناً للمعونة المطلوبة كأنه قال كيف أعينكم في المهمات أو في العبادة فقالوا اهدنا طريق الحق في كل شيء أو ملة الإسلام فيكون الفصل لشبه كمال الاتصال وعلى تقدير عموم الاستعانة وخصوص الصراط يكون اهدنا إفراداً للمقصود الأعظم من جميع المهمات فيكون الفصل حينئذٍ لكمال الاتصال، وأما على تقدير خصوص الاستعانة وعموم الصراط فلا ارتباط، وما عندي غير خفي عليك إن أحطت خبراً بما قدمناه لديك. وقد قرأ الحسن والضحاك وزيد بن علي (صراطاً مستقيماً) دون تعريف وقرأ جعفر الصادق (صراط المستقيم) بالإضافة والمتواتر ما تلوناه. {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدل من {ٱلصِّرَاطَ} الأول بدل الكل من الكل وهو الذي يسميه ابن مالك البدل الموافق أو المطابق تحاشياً من إطلاق الكل على الله تعالى في مثل {أية : صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ }تفسير : [إبراهيم: 1-2]. وفائدة الإبدال تأكيد النسبة بناءً على أن البدل في حكم تكرير العامل والإشعار بأن الصراط المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين فيكون ذلك شهادة لاستقامة صراطهم على أبلغ وجه وآكده، وقيل صفة له. ومن غريب المنقول أن الصراط الثاني غير الأول وكأنه نوى فيه حرف/ العطف وفي تعيين ذلك اختلاف، فعن جعفر بن محمد هو العلم بالله والفهم عنه وقيل موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة وقيل التزام الفرائض والسنن ولا يخفى أن هذا القول خروج عن الصراط المستقيم فلا نتعب جواد القلم فيه. وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي {صراط من أنعمت عليهم} وهو المروي عن عمر وأهل البيت رضي الله تعالى عنهم. قال الشهاب: وفيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة {كَمَنْ} على الله تعالى انتهى. وهو خبط ظاهر إذ الإضافة إلى المفعول لا الفاعل. والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال أنعم على فرسه ولذا قيل إن النعمة نفع الإنسان من دونه لغير عوض، واختلف في هؤلاء المنعم عليهم فقيل المؤمنون مطلقاً وقيل الأنبياء وقيل أصحاب موسى وعيسى عليهما السلام قبل التحريف والنسخ. وقيل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقيل الأولى ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والشهداء والصديقون ومن أطاع الله تعالى وعبده وإليه يشير قوله تعالى: {أية : فأُولَـئِكَ مع ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }تفسير : [النساء: 69] فما في هاتيك الأقوال اقتصار على بعض الأفراد. ولم يقيد الأنعام ليعم {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }تفسير : [إبراهيم: 34] وقيل أنعم عليهم بخلقهم للسعادة. وقيل بأن نجاهم من الهلكة. وقيل بالهداية وفي بناء أنعمت للفاعل استعطاف فكأن الداعي يقول أطلب منك الهداية إذ سبق إنعامك فاجعل من إنعامك إجابة دعائنا وإعطاء سؤالنا وسبحانه ما أكرمه كيف يعلمنا الطلب ليجود على كل بما طلب:شعر : لو لم ترد نيل ما نرجو ونطلبه من فيض جودك ما علمتنا الطلبا تفسير : وحكى اللغويون في {عَلَيْهِمْ } عشر لغات ضم الهاء وإسكان الميم وهي قراءة حمزة، وكسرها وإسكان الميم وهي قراءة الجمهور، وكسر الهاء والميم وياء بعدها وهي قراءة الحسن، قيل وعمر بن خالد وكذلك بغير ياء وهي قراءة عمر بن فائد، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعدها - وهي قراءة ابن كثير وقالون - بخلاف عنه وضم الهاء والميم وواو بعدها - وهي قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وجماعة - وضمهما بغير واو ونسبت لابن هرمز وكسر الهاء وضم الميم بغير واو ونسبت للأعرج والخفاف عن أبـي عمرو وضم الهاء وكسر الميم بياء بعدها وكذلك بغير ياء وقرىء بهما أيضاً. وحاصلها ضم الهاء مع سكون الميم أو ضمها بإشباع أو دونه أو كسرها بإشباع أو دونه وكسر الهاء مع سكون الميم أو كسرها بإشباع أو دونه أو ضمها بإشباع أو دونه. وحجج كل في "كتب العربية". {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ} بدل من {ٱلَّذِينَ} بدل كل من كل. وقيل من ضمير {عَلَيْهِمْ} ولا يخلو من الركاكة بحسب المعنى وأما أنه يلزم عليه خلو الصلة عن الضمير فلا لأن المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة والقول بأن {غَيْرِ} في الأصل صفة بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ضعيف لأنها غلبت عليها الإسمية ولذا لم تجر على موصوف في الأكثر. وعن سيبويه أنها صفة {ٱلَّذِينَ } مبينة أو مقيدة ولا يرد أن {غَيْرِ} من الأسماء المتوغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة فلا توصف بها المعرفة بل ولا تبدل منها على المشهور لأنا نقول الموصوف هنا معنى كالنكرة فيصح أن يوصف بها وذلك لأن الموصول بعد اعتبار تعريفه بالصلة يكون كالمعرف باللام في استعمالاته فإذا استعمل في بعض ما اتصف بالصلة كان كالمعرف باللام للعهد الذهني فكما أن المعرف المذكور لكون التعريف فيه للجنس يكون معرفة بالنظر إلى مدلوله وفي حكم النكرة بالنظر إلى قرينة البعضية المبهمة ولذا يعامل به معاملتهما/ كذلك الموصول المذكور بالنظر إلى التعيين الجنسي المستفاد من مفهوم الصلة معرفة وبالنظر إلى البعضية المستفادة من خارج كالنكرة فيعامل به معاملتهما أيضاً فالذين أنعمت عليهم إذا لم يقصد به معهود كذلك إذ لا صحة لإرادة جنس المنعم عليهم من حيث هو إذ لا صراط له ولا غرض يتعلق بطلب صراط من أنعم عليهم على سبيل الاستغراق سواء أريد استغراق الأفراد والجماعات أو المجموع من حيث المجموع فالمطلوب صراط جماعة ممن أنعم عليهم بالنعم الأخروية أعني طائفة من المؤمنين لا بأعيانها فإن نظر إلى البعضية المبهمة المستفادة من إضافة الصراط إليهم كان كالنكرة وإن نظر إلى مفهومه الجنسي أعني المنعم عليهم كان معرفة قاله العلامة السيالكوتي وغيره ولا يخلو عن دغدغة أو يقال وهو المعول عليه عند من يعول عليه أن {غَيْرِ} هنا معرفة لأن المحققين من علماء العربية قالوا إنها قد تتعرف بالإضافة وذلك إذا وقعت بين متضادين معرفتين نحو عليك بالحركة غير السكون، وقال ابن السري وغيره: إذا أضيفت {غَيْرِ} إلى معرف له ضد واحد فقط تعرفت لانحصار الغيرية وهنا المنعم عليهم ضد لما بعده ولا يرد على هذا قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ }تفسير : [فاطر: 37] لجواز أن يكون {صَـٰلِحاً} حالاً قدمت على صاحبها وهو {غير الذي} أو {غير الذي} بدلاً من {صالحاً} ولو قيل ضد الصالح الطالح والذي كانوا يعملون فرد من أفراده فليس بضد لم يبعد، وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه {غَيْرِ} بالنصب وروي ذلك شاذاً عن ابن كثير وهو حال من ضمير {عَلَيْهِمْ} والعامل فيه {أَنْعَمْتَ } ويضعف أن يكون حالاً من {ٱلَّذِينَ } لأنه مضاف إليه والصراط لا يصح بنفسه أن يعمل في الحال وقيل يجوز والعامل فيه معنى الإضافة، وجوز الأخفش أن يكون النصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل إن فسر الإنعام بما يعم ومنعه الفراء لأنه حينئذٍ بمعنى سوى فلا يجوز أن يعطف عليه (بلا) لأنها نفي وجحد ولا يعطف الجحد إلا على مثله، وأجيب بزيادة لا مثلها في قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ }تفسير : [الأعراف: 12] وفي قول الأخوص:شعر : ويلحينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل تفسير : واعترض بأنه لم تسمع زيادتها بعد واو العطف والكلام فيه، وحكى بعضهم عن الأخفش أن الاستثناء في معنى النفي فيجوز العطف عليه (بلا) حملاً على المعنى فحينئذٍ لا يرد ما ورد، وعند الخليل النصب بفعل محذوف أعني أعني وبه أقول لأن الاستثناء كما ترى والحالية تقتضي التنكير ولا يتحقق إلا بعدم تحقق التضاد أو يجعل {غَيْرِ} بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية وكلاهما غير مرضي لما علمت وقال بعضهم في الآية حذف والتقدير غير صراط المغضوب عليهم وهو ممكن على هذه القراءة فيكون {غَيْرِ } حينئذٍ إما صفة لقوله الصراط وهو ضعيف لتقدم البدل على الوصف إذا قلنا به والأصل العكس أو بدل أو صفة للبدل أو بدل منه أو حال من أحد الصراطين والصراط السوي عدم التقدير. والغضب أصله الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل والغضوب الحية الخبيثة والناقة العبوس وفسر تارة بحركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام كما في «شرح المفتاح» للسعد وتارة بإرادة الانتقام كما في «شرح الكشاف» له وأخرى بكيفية تعرض للنفس فيتبعها حركة الروح إلى خارج طلباً للانتقام كما في «شرح المقاصد». ويقرب منه ما قيل تغير يحدث عند غليان دم القلب، وفي الحديث: «حديث : اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه»تفسير : وفي «الكشاف» معنى غضب الله تعالى إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده وأنا أقول كما قال سلف الأمة هو صفة لله تعالى لائقة بجلال ذاته لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي والعجز عن درك الإدراك إدراك والكلام فيه كالكلام في الرحمة حذو القذة بالقذة فهما صفتان قديمتان له سبحانه وتعالى. / وحديث «حديث : سبقت رحمتي غضبـي»تفسير : محمول على الزيادة في الآثار أو تقدم ظهورها. وأصل الضلال الهلاك ومنه قوله تعالى: {أية : أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [السجده: 10] أي هلكنا وقوله تعالى: {أية : وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ }تفسير : [محمد: 8] أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق، وقرأ أبو أيوب السختياني {وَلاَ ٱلضَّالّينَ } بإبدال الألف همزة فراراً من التقاء الساكنين مع أنه في مثله جائز. وحكى أبو زيد دأبة وشأبة وعلى هذه اللغة قراءة عمرو بن عبيد: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } تفسير : [الرحمن: 39] قوله:شعر : والأرض أما سودها فتجللت بياضاً وأما بيضها فادهأمت تفسير : وهل يقاس عليه أم لا؟ قولان وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يقرآن (وغير الضالين) والمتواتر لا كما في الإمام وهو سيف خطيب أتى بها لتأكيد ما في {غَيْرِ } من معنى النفي والكوفيون يجعلونها هنا بمعناها والمراد بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين النصارى وقد روى ذلك أحمد في «مسنده» وحسنه ابن حبان في «صحيحه» مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، وقال ابن أبـي حاتم: لا أعلم فيه خلافاً للمفسرين فمن زعم أن الحمل على ذلك ضعيف لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى فكان الاحتراز منهم أولى بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل فقد ضل ضلالاً بعيداً إن كان قد بلغه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد تجاسر على تفسير كتاب الله تعالى مع الجهل بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله في منكري الصانع لا يعتد به لأن من لا دين له لا يعتد بذكره، والعجب من الإمام الرازي أنه نقل هذا ولم يتعقبه بشيء سوى أنه زاد في الشطرنج بغلاً فقال ويحتمل أن يقال المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون وعلله بما في أول البقرة من ذكر المؤمنين ثم الكفار ثم المنافقين فقاس ما هنا على ما هناك وهل بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس هيهات هيات دون ذلك أهوال. واستدل بعضهم على أن المغضوب عليهم هم اليهود بقوله تعالى: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ }تفسير : [المائدة: 60] وعلى أن الضالين النصارى بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ } تفسير : [المائدة: 77] والأولى الاستدلال بالحديث لأن الغضب والضلال وردا جميعاً في القرآن لجميع الكفار على العموم فقد قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 106] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً }تفسير : [النساء: 167] ووردا لليهود والنصارى جميعاً على الخصوص كما ذكره المستدل وإنما قدم سبحانه المغضوب عليهم على الضالين ـ مع أن الضلال في بادىء النظر سبب للغضب إذ يقال ضل فغضب عليه ـ لتقدم زمان المغضوب عليهم وهم اليهود على زمان الضالين وهم النصارى أو لأن الإنعام يقابل بالانتقام ولا يقابل بالضلال فبينهما تقابل معنوي بناءً على أن الأول إيصال الخير إلى المنعم عليه والثاني إيصال الشر إلى المغضوب عليه أو لأن اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد و أشد عداوة للذين آمنوا ولذا ضربت عليهم الذلة والمسكنة. وورد في الحديث: «حديث : من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود»تفسير : رواه السلفي والديلمي وابن عدي، والنصارى دون ذلك وأقرب للإسلام منهم ولذا وصفوا بالضلال لأن الضال قد يهتدي، ومما يدل على أن اليهود أسوأ حالاً من النصارى أنهم كفروا بنبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام والنصارى كفروا بنبـي واحد وهو نبينا صلى الله عليه وسلم وفضائحهم وفظائعهم أكثر مما عند النصارى كما ستقرؤه وتراه إن شاء الله تعالى، وقول النصارى/ بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181] وقولهم: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ }تفسير : [المائدة: 64] وقولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] فمن زعم أن النصارى أسوأ حالاً متوكئاً على ما في "دلائل الأسرار" لم يعرف أسرار الدلائل وهي بعد العيوق عنه وليست المسألة من الفروع ليكتفي مثلنا فيها بالتقليد المحض لا سيما وفضل الله تعالى ليس بمقصور على البعض. وقال بعضهم: تأخير الضالين لموافقة رؤوس الآي ولا بأس بضمه إلى تلك الوجوه وإلا فالاقتصار عليه من ضيق العطن وإنما أسند النعمة إليه تعالى تقرباً والمقصود طلب الهداية إلى صراط من ثبت إنعام الله تعالى عليه وتحقق، ولذلك أتى بالفعل ماضياً وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدباً ولأن من طلب منه الهداية ونسب الإنعام إليه لا يناسب نسبة الغضب إليه لأنه مقام تلطف وترفق وتذلل لطلب الإحسان فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام. وقد عد ابن الأثير في «كنز البلاغة» والتنوخي في «الأقصى القريب» بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله نوعاً غريباً من الالتفات فإن كان الالتفات كما في استعمال الأدباء والمتقدمين بمعنى الافتنان فلا غبار عليه وإن كان بالمعنى المتعارف فلك أن تقول على رأي السكاكي الذي لا يشترط تعدد التعبير بل مخالفة مقتضى الظاهر أن المخاطب إذا ترك خطابه وبنى ما أسند إليه للمفعول والمحذوف كالغائب فلا مانع من أن يسمى التفاتاً فكما يجري في الانتقال من مقدر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع كما قاله الشهاب. ويسن بعد الختام أن يقول القارىء: آمين فقد روى ابن أبـي شيبة في «مصنفه» والبيهقي في «الدلائل» عن أبـي ميسرة: «أن جبريل أقرأ النبـي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فلما قال {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال له قل آمين فقال آمين» ويقولها المأموم لقراءة إمامه فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبـي شيبة عن أبـي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إذا قرأ ـ يعني الإمام ـ {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} فقولوا آمين يحبكم الله»تفسير : وإخفاؤها مذهب ساداتنا الحنفية وهو مذهب أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله بن مسعود، وعند الشافعية يجهر بها. وعن الحسن لا يقولها الإمام لأنه الداعي. وعن أبـي حنيفة في رواية غير مشهورة مثله والمشهور أنه يخفيها، وروى الإخفاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مغفل وأنس رضي الله تعالى عنهما كما في «الكشاف» ورواية الجمهور محمولة على التعليم والبحث فقهي، وهذا القدر يكفي فيه. وليست من القرآن إجماعاً ولذا سن الفصل بينها وبين السورة بسكتة لطيفة وما قيل إنها من السورة عند مجاهد فمما لا ينبغي أن يلتفت إليه إذ هو في غاية البطلان إذ لم يكتب في الإمام ولا في غيره من المصاحف أصلاً حتى ذكر غير واحد أن من قال: إن آمين من القرآن كفر، وهي اسم فعل مبني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين والبحث عن أسماء الأفعال مفروغ عنه في «كتب النحو» والصحيح أنها كلمة عربية ومعناها استجب وقيل موضوعة لما هو أعم منه ومن مرادفه ومن الغريب ما قيل إنه عجمي معرب همين لما أن فاعيل كقابيل ليس من أوزان العرب وردّ بأنه يكون وزناً لا نظير له وله نظائر ولذا قيل إنه في الأصل مقصور ووزنه فعيل فأشبع، ومن العجيب ما قيل إنه اسم الله تعالى والقول في توجيهه أنه لما كان مشتملاً على الضمير المستتر الراجع إليه تعالى قيل إنه من أسمائه أعجب منه وقد تمد ألفه وتقصر وإلى أصالة كل ذهب طائفة، وأما تشديد ميمه فذكر الواحدي أنه لغة فيه، وقيل إنه جمع آم بمعنى قاصد منصوب باجعلنا ونحوه مقدراً، وقيل إنه خطأ ولحن وحيث إنه ليس من القرآن بل دعاء ومعناه صحيح قال بعضهم: لا تفسد به الصلاة وإن كان لحناً. وفضل هذه السورة مما لا يخفى ويكفي في فضلها ما روي بأسانيد صحيحة عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبـي بن كعب فقال: يا أبـيّ وهو يصلي فالتفت أبـيّ فلم يجبه فصلى أبـيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة قال: أفلم تجد فيما أوحى الله إليّ {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ قال: بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى قال تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ في الصلاة فقرأ بأم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها للسبع من المثاني ـ أو قال السبع المثاني ـ والقرآن العظيم الذي أعطيته»تفسير : والأحاديث في ذلك كثيرة ولا بدع فهي أم الكتاب والحاوية من دقائق الأسرار العجب العجاب حتى إن بعض الربانيين استخرج منها الحوادث الكونية وأسماء الملوك الإسلامية وشرح أحوالهم وبيان مآلهم، وبالجملة هي كنز العرفان بل اللوح المحفوظ لما يلوح في عالم الإمكان. نسأل الله تعالى أن يمن علينا بإشراق أنوارها والاطلاع على مخزونات أسرارها إنه ولي التوفيق والهادي إلى معالم التحقيق.
سيد قطب
تفسير : يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى؛ وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن؛ وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلاً، غير الفرائض والسنن. ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبادة بن الصامت: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". تفسير : إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها.. تبدأ السورة: {بسم الله الرحمن الرحيم}.. ومع الخلاف حول البسملة: أهي آية من كل سورة أم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة، فإن الأرجح أنها آية من سورة الفاتحة، وبها تحتسب آياتها سبعاً. وهناك قول بأن المقصود بقوله تعالى: {أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} .. تفسير : هو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات {من المثاني} لأنها يثنى بها وتكرر في الصلاة. والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في أول ما نزل من القرآن باتفاق، وهو قوله تعالى: {أية : اقرأ باسم ربك...} .. تفسير : وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله {أية : هو الأول والآخر والظاهر والباطن} .. تفسير : فهو - سبحانه - الموجود الحق الذي يستمد منه كلُّ موجود وجودَه، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه. فباسمه إذن يكون كل ابتداء. وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه. ووصفه - سبحانه - في البدء بالرحمن الرحيم، يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها.. وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن. فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم؛ ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن. ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان.. ومهما يختلف في معنى الصفتين: أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة، فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال؛ إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها. وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي.. فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي {الرحمن الرحيم} يمثل الكلية الثانية في هذا التصور، ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد. وعقب البدء باسم الله الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى الله بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين: {الحمد لله رب العالمين} والحمد لله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله.. فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضاً من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء. وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع، وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان.. ومن ثم كان الحمد لله ابتداء، وكان الحمد لله ختاماً قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر: {أية : وهو الله لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة... }. تفسير : ومع هذا يبلغ من فضل الله - سبحانه - وفيضه على عبده المؤمن، أنه إذا قال: الحمد لله. كتبها له حسنة ترجح كل الموازين.. في سنن ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثهم أن "حديث : عبداً من عباد الله قال: "يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك". فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها. فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا، إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده -: "وما الذي قال عبدي؟" قالا: يا رب، أنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ".. تفسير : والتوجه إلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله - كما أسلفنا- أما شطر الآية الأخير: {رب العالمين} فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية.. والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية.. والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - والله - سبحانه - لم يخلق الكون ثم يتركه هملاً. إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه. وكل العوالم والخلائق تحفظ وتُتعهد برعاية الله رب العالمين. والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة. والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة. وكثيراً ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة. ولقد يبدو هذا غريباً مضحكاً. ولكنه كان وما يزال. ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} .. تفسير : كما قال عن جماعة من أهل الكتاب: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}.. تفسير : وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام، تعج بالأرباب المختلفة، بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون! فإطلاق الربوبية في هذه السورة، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعاً، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة. لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد، تقر له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب.. ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة. وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبداً ولا تفتر ولا تغيب، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلاً يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته! وأرسطو - وهذا تصوره - هو أكبر الفلاسفة، وعقله هو أكبر العقول! لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار.. يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة.. والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون، ولا يستقر منها على يقين. وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها، وصفاته وعلاقته بخلائقه، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص. ولم يكن مستطاعاً أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل. ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام، وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري، والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير. (و سيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها، مما عالجه القرآن علاجاً وافياً شاملاً كاملاً). ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته، وعلاقته بالخلائق، وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين. ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل، الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد.. هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام، وظل يجلوها في الضمير، ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد، حتى يخلصها من كل غبش. ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور.. كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة. فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير.. مما يتعلق بهذا الأمر الخطير، العظيم الأثر في الضمير الإنساني. وفي السلوك البشري سواء. والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته، هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة.. الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه.. قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر، وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير.. ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه؛ وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير! وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها.. كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات، والأساطير والفلسفات! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم.. عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة. رحمة حقيقية للقلب والعقل، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقرب وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق. {الرحمن الرحيم}.. هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة، في آية مستقلة، لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة؛ ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه. وبين الخالق ومخلوقاته.. إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء. إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية. إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق. ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في "العهد القديم" كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين. {مالك يوم الدين}.. وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها، كلية الاعتقاد بالآخرة.. والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة. ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة.. وكثيراً ما اعتقد الناس بألوهية الله، وخلقه للكون أول مرة؛ ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء.. والقرآن يقول عن بعض هؤلاء: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله} .. تفسير : ثم يحكي عنهم في موضع آخر: {أية : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون: هذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد }! تفسير : والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض. وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات. ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود، وفي مجال الأرض المحصور. وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله، في الأرض أو في الدار الآخرة سواء، في طمأنينة لله، وفي ثقة بالخير، وفي إصرار على الحق، وفي سعة وسماحة ويقين.. ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان. بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية. مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال. وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر. وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير. وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على العوض الذي يلقاه فيها.. وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل. فهما صنفان مختلفان من الخلق. وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء.. وهذا هو مفرق الطريق.. {إياك نعبد وإياك نستعين}.. وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة. فلا عبادة إلا لله، ولا استعانة إلا بالله. وهنا كذلك مفرق طريق.. مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية، وبين العبودية المطلقة للعبيد! وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل. التحرر من عبودية الأوهام. والتحرر من عبودية النظم، والتحرر من عبودية الأوضاع. وإذا كان الله وحده هو الذي يُعبد، والله وحده هو الذي يُستعان، فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص، كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات.. وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية، ومن القوى الطبيعية.. فأما القوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان: قوة مهتدية، تؤمن بالله، وتتبع منهج الله... وهذه يجب أن يؤازرها، ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح.. وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه. وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها. ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية. فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة الله - تفقد قوتها الحقيقة. تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها. وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب، فما يلبث أن ينطفىء ويبرد ويفقد ناره ونوره، مهما كانت كتلته من الضخامة. على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها: {أية : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} .. تفسير : غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول، وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعاً. وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة، لا موقف التخوف والعداء. ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته، محكومتان بإرادة الله ومشيئته، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه. إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً؛ وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها. ويتعرف إليها، ويتعاون وإياها، ويتجه معها إلى الله ربه وربها. وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً، فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها، ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها. ولقد درج الغربيون - ورثة الجاهلية الرومانية - على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم:"قهر الطبيعة".. ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله، وبروح الكون المستجيب لله. فأما المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم، الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبحة لله رب العالمين.. فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة. أنه يعتقد أن الله هو مبدع هذه القوى جميعاً. خلقها كلها وفق ناموس واحد، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس. وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها. وأن على الإنسان أن يشكر الله كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها. فالله هو الذي يسخرها له، وليس هو الذي يقهرها: {أية : سخر لكم ما في الأرض جميعاً }.. تفسير : وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة؛ ولن تقوم بينه وبينها المخاوف.. إنه يؤمن بالله وحده، ويعبد الله وحده، ويستعين بالله وحده. وهذه القوى من خلق ربه. وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها، فتبذل له معونتها، وتكشف له عن أسرارها. فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود.. وما أروع قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ينظر إلى جبل أُحد: "حديث : هذا جبل يحبنا ونحبه"تفسير : . ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - من ود وألفة وتجاوب، بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها. وبعد تقرير تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتقرير الاتجاه إلى الله وحده بالعبادة والاستعانة.. يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى الله بالدعاء على صورة كلية تناسب جو السورة وطبيعتها: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.. {اهدنا الصراط المستقيم}.. وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل؛ ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته.. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته. والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين. وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه. فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين.. وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين. ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.. فهو طريق الذين قسم لهم نعمته. لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه. أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلاً إليه.. إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين.. وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة، والتي لا تصح بدونها صلاة. وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور. وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل.. إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال الرحمن الرحيم. قال الله أثنى عليّ عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال:هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " .. تفسير : ولعل هذا الحديث الصحيح - بعدما تبين من سياق السورة ما تبين - يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة؛ أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة..
ابن عاشور
تفسير : البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادَّةٍ مؤلفة من حروف الكلمتين (باسم) و (الله) على طريقة تسمى النَّحْت، وهو صوغ فعلِ مُضِيٍ على زنة "فَعْلَل" مؤلفةٍ مادِّتُه من حروف جملة أو حروفِ مركَّب إِضَافِيَ، مما ينطق به الناس اختصاراً عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة. وقد استعمل العرب النحت في النَّسَب إلى الجملة أو المركب إذا كان في النسبِ إلى صدر ذلك أو إلى عَجزه التباس، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس - عَبْشَمِيّ - خشية الالتباس بالنسب إلى عبدٍ أو إلى شمس، وفي النسبة إلى عبد الدار - عَبْدَرِيّ - كذلك وإلى حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب الإضافة (أي النسَب) إلى المضاف من الأسماء: «وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسماً بمنزلة جَعْفَري ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليُعْرَف» ا هـ، فجاء من خلفهم من مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر دورانها في الألسنة لقصد الاختصار، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية. قال الراعي:شعر : قَومٌ على الإسلام لَمَّا يمنعوا ما عونَهم ويُضيِّعوا التَهْلِيلا تفسير : أي لم يتركوا قول: لا إلٰه إلا الله. وقال عُمر بن أبي ربيعة:شعر : لقد بسملت ليلَى غداةَ لقيتُها ألا حَبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ تفسير : أي قالت بسم الله فَرَقاً منه، فأصل بسمل قال: بسم الله ثم أطلقه المولدون على قول: بسم الله الرحمٰن الرحيم، اكتفاء واعتماداً على الشهرة وإن كان هذا المنحوتُ خِليَّاً من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمان الرحيم، فشاع قولهم بسمل في معنى قال بسم الله الرحمٰن الرحيم، واشتق من فعل بسمل مصدر هو "البسملة" كما اشتق من هَلَّل مصدر هو "الهيللة" وهو مصدر قياسي لفعلل. واشتق منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول. ورأيت في «شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب» في باب الأذان عن المطرز في كتاب «اليواقيت»: الأفعالُ التي نحتت من أسمائها سبعة: بَسْمَلَ في بسم الله، وسَبْحَلَ في سبحان الله، وحَيْعَلَ في حي على الصلاة، وحَوْقَلَ في لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَمْدَلَ في الحمدُ لله، وهَلَّل في لا إلٰه إلا الله، وجَيْعَل إذا قال: جُعلت فِداك، وزاد الطَّيْقَلَة في أَطال الله بقاءك، والدَّمْعَزَةَ في أدام الله عزك. ولَما كان كثير من أيمة الدين قائلاً بأنها آية من أوائل جميع السور غير براءة أو بعض السور تعين على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من عدوها آية من بعض السور. وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث. الأول: في بيان أهي آية من أوائل السور أم لا؟. الثاني: في حكم الابتداء بها عند القراءة. الثالث في تفسير معناها المختص بها. فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى: {أية : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم}تفسير : [النمل: 30] كما أنهم لم يختلفوا في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام، وروي فيه حديث: «حديث : كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بسم الله الرحمٰن الرحيم فهو أقطع»تفسير : لم يروه أصحاب «السنن» ولا «المستدركات»، وقد وصف بأنه حسن، وقال الجمهور إن البسملة رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا سورة براءة، كما يؤخذ من محادثة ابن عباس مع عثمان، وقد مضت في المقدمة الثامنة، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف في أول سورة الفاتحة وذلك ليس موضع فصل السورة عما قبلها، وإنما اختلفوا في أن البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة، بمعنى أن الاختلاف بينهم ليس في كونها قرآناً، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في «البداية»، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة - وقيل باستثناء عبد الله بن عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة - إلى أنها ليست بآية من أوائل السور لكنها جزء آية من سورة النمل، وذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة والكوفة غير أبي حنيفة، إلى أنها آية في أول سورة الفاتحة خاصة، وذهب عبد الله بن مبارك والشافعي في أحد قوليه وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة. ولم ينقل عن أبي حنيفة من فقهاء الكوفة فيها شيء، وأخذ منه صاحب «الكشاف» أنها ليست من السور عنده فعَدَّه في الذين قالوا بعدم جزئيتها من السور وهو الصحيح عنه. قال عبد الحكيم لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره قراءتها في أوائل السور الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين. وأَزِيدُ فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئاً عن القراءة. أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك: أحدها من طريق النظر، والثاني من طريق الأثر، والثالث من طريق الذوق العربي. فأما المسلك الأول: فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني وتابَعَه أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» والقاضي عبد الوهاب في كتاب «الإشراف»، قال الباقلاني: «لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول: باطل لأنه لوثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأُمَّة، والثاني: أيضاً باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنياً، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف» ا هـ وهو كلام وجيه والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة فلا حاجة إلى بسطها. زاد أبو بكر بن العربي في «أحكام القرآن» فقال: يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلافُ فيها، والقرآن لا يُختلف فيه ا هـ. وزاد عبد الوهاب فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القرآن بياناً واحداً متساوياً ولم تكن عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به الواحد والاثنان؛ ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حِمْل جَمَل عند الإمام المعصوم المنتظر فلو كانت البسملة من الحمد لبيّنها رسول الله بياناً شافياً» ا هـ. وقال ابن العربي في «العارضة»: إن القاضي أبا بكر بن الطيب، لم يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول. وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في «المستصفى» فقال: «نُفي كون البسملة من القرآن أيضاً إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف (أي وهو ظاهر البطلان) وإن ثبت بالآحاد يصير القرآن ظنياً، قال: ولا يقال: إن كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف القول بأنها من القرآن، لأنّا نجيب بأن هذا وإن كان عدماً إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فهٰهنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ما هو، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه ا هـ، وتبعه على ذلك الفخر الرازي في «تفسيره» ولا يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى رسم البسملة في المصاحف، وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي. وتعقب ابن رشد في «بداية المجتهد» كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به. وأما المسلك الثاني: وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما يشهد بأن البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة: الدليل الأول: ما روى مالك في «الموطأ» عن العلاء بن عبد الرحمٰن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله تعالى قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: {الحمد لله رب العالمين}، فأقول: حمدني عبدي»تفسير : الخ، والمراد في الصلاة القراءة في الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمٰن الرحيم. الثاني: حديث أُبيّ بن كعب في «الموطأ» و«الصحيحين» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : ألا أعلمك سورة لم يُنْزَل في التوراة ولا في الإنجيل مثُلها قبل أن تخرج من المسجد»تفسير : قال: بلى، فلما قارب الخروج قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبيٌّ فقرأت {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرها، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها البسملة. الثالث: ما في «صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» و«سنن النسائي» عن أنس بن مالك من طرق كثيرة أنه قال: صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون (بسم الله الرحمٰن الرحيم)، لا في أول قراءة ولا في آخرها. الرابع: حديث عائشة في «صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» قالت: كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءةَ بالحمد لله رب العالمين. الخامس: ما في «سنن الترمذي والنسائي» عن عبد الله بن مغفل قال: صليت مع النبي وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقول: (بسم الله الرحمٰن الرحيم)، إذا أنت صليت فقل {الحمد لله رب العالمين}. السادس - وهو الحاسم -: عمل أهل المدينة، فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى زمن مالك صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ (بسم الله الرحمٰن الرحيم) في الصلاة الجهرية، وهل يقول عالم أن بعض السورة جهر وبعضها سر، فقد حصل التواتر بأن النبي والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها. وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة في بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتبر مرفوعاً إلى النبي، وذلك قوله: «ففَجِئَه الملَك فقال: اقرأ قال رسول الله فقلت ما أنا بقارىء ــــ إلى أن قال ــــ فغطني الثالثة ثم قال: {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق}تفسير : [العلق: 1] الحديث. فلم يقل فقال لي بسم الله الرحمٰن الرحيم {اقرأ بسم ربك}، وقد ذكروا هذا في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي. وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة، وذلك يوجب أن يتكرر لفظان وهما {الرحمٰن الرحيم} في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في «تفسيره» وأجاب عنه بقوله: إن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحماناً رحيماً من أعظم المهمات. وأَنَا أَدْفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحماناً رحيماً، ولأن شأن التوكيد اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر دون الضمير، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين المكرَّرَيْن بُعداً يقصيه عن السمع، وقد علمتَ أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار، والقربُ بين الرحمٰن والرحيم حين كررا يمنع ذلك. وأجاب البيضاوي بأن نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد، فقال السلكوتي أشار بهذا إلى الرد على ما قاله بعض الحنفية: إن البسملة لو كانت من الفاتحة للزم التكرار وهو جواب لا يستقيم لأنه إذا كان التعليل قاضياً بذكر صفتي {الرحمٰن الرحيم} فدفع التكرير يقتضي تجريد البسملة التي في أول الفاتحة من هاتين الصفتين بأن تصير الفاتحة هكذا: (بسم الله الحمد لله الخ). وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول القائلين بكون البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القولِ أَنْ تكون فواتح سور القرآن كلُّها متماثلة وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عد علماء البلاغة أَهَمَّ مواضع التأنق فاتحةَ الكلام وخاتمتَه، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البيان وأكملها فكيف يسوغ أن يُدَّعَى أَن فواتح سوره جملةٌ واحدة، مع أن عامة البلغاء من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ويعيبون من يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ كلام. وأما حجة مذهب الشافعي ومن وافقه بأنها آية من سورة الفاتحة خاصة فأمور كثيرة أنهاها فخر الدين إلى سبع عشرة حجة لا يكاد يستقيم منها بعد طرح المتداخل والخارج عن محل النزاع وضعيف السند أو واهيه إلا أمران: أحدهما أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن {بسم الله الرحمٰن الرحيم}" تفسير : وقول أم سلمة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعدَّ: {بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين} آية. الثاني: الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله. والجواب: أما عن حديث أبي هريرة فهو لم يخرجه أحد من رجال الصحيح إنما خرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي فهو نازل عن درجة الصحيح فلا يعارض الأحاديث الصحيحة، وأما حديث أم سلمة فلم يخرجه من رجال الصحيح غير أبي داود وأخرجه أحمد بن حنبل والبيهقي، وصحح بعض طرقه وقد طعن فيه الطحاوي بأنه رواه ابن أبي مليكة، ولم يثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة، يعني أنه مقطوع، على أنه روى عنها ما يخالفه، على أن شيخ الإسلام زكرياء قد صرح في «حاشيته على تفسير البيضاوي» بأنه لم يرو باللفظ المذكور وإنما روي بألفاظ تدل على أن {بسم الله} آية وحدها، فلا يؤخذ منه كونها من الفاتحة، على أن هذا يفضي إلى إثبات القرآنية بغير المتواتر وهو ما يأباه المسلمون. وأما عن الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله، فالجواب أنه لا يقتضي إلا أن البسملة قرآن وهذا لانزاع فيه، وأما كون المواضع التي رسمت فيها في المصحف مما تجب قراءتها فيها، فذلك أمر يتبع رواية القراء وأخبار السنة الصحيحة فيعود إلى الأدلة السابقة. وهذا كله بناء على تسليم أن الصحابة لم يكتبوا أسماء السور وكونها مكية أو مدنية في المصحف وأن ذلك من صنع المتأخرين وهو صريح كلام عبد الحكيم في «حاشية البيضاوي»، وأما إذا ثبت أن بعض السلف كتبوا ذلك كما هو ظاهر كلام المفسرين والأصوليين والقراء كما في «لطائف الإشارات» للقسطلاني وهو مقتضى كتابة المتأخرين لذلك لأنهم ما كانوا يجرأون على الزيادة على ما فعله السلف فالاحتجاج حينئذٍ بالكتابة باطل من أصله ودعوى كون أسماء السور كتبت بلون مخالف لحِبْر القرآن، يرده أن المشاهد في مصاحف السلف أن حبرها بلون واحد ولم يكن التلوين فاشياً. وقد احتج بعضهم بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبي؟ فقال كانت مدًّا ثم قرأ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} يمد {بسم الله} ويمد بالرحمٰن ويمد بالرحيم، ا هـ، ولا حجة في هذا لأن ضمير قرأ وضمير يمد عائدان إلى أنس، وإنما جاء بالبسملة على وجه التمثيل لكيفية القراءة لشهرة البسملة. وحجةُ عبد الله بن المبارك وثاني قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال: «بينا رسول الله بين أظهرنا ذات يوم إذْ أغفَى إِغفَاءَةً ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ سورة آنفاً فقرأ بسم الله الرحمٰن الرحيم {أية : إنا أعطيناك الكوثر}تفسير : [الكوثر: 1] السورة، قالوا وللإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ولإثبات الصحابة إياها في المصاحف مع حرصهم على أن لا يدخلوا في القرآن ما ليس منه ولذلك لم يكتبوا (آمين) في الفاتحة. والجواب عن الحديث أنا نمنع أن يكون قرأ البسملة على أنها من السورة بل افتتح بها عند إرادة القراءة لأنها تغني عن الاستعاذة إذا نوى المبسمل تقديرَ أستعيذ باسم الله وحذَفَ متعلق الفعل، ويتعين حمله على نحو هذا لأن راويه أنساً بن مالك جزم في حديثه الآخر أنه لم يسمع رسول الله بسمل في الصلاة. فإن أبوا تأويله بما تأولناه لزم اضطراب أنس في روايته اضطراباً يوجب سقوطها. والحق البين في أمر البسملة في أوائل السور، أنها كتبت للفصل بين السور ليكون الفصل مناسباً لابتداء المصحف، ولئلا يكون بلفظ من غير القرآن، وقد روى أبو داود في «سننه» والترمذي وصححه عن ابن عباس أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: «ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطراً بسم الله الرحمٰن الرحيم»، قال عثمان كان النبي لما تنزل عليه الآياتُ فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية بالسورة التي يذكر فيها كذا وكذا، أو تنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقُبِض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فظننتُ أنها منها، فمن هناك وضعتُها في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمٰن الرحيم». وأرى في هذا دلالة بينة على أن البسملة لم تكتب بين السور غيرِ الأنفال وبراءةَ إلا حينَ جُمع القرآن في مصحف واحد زمن عثمان، وأنها لم تكن مكتوبة في أوائل السور في الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر إذ كانت لكل سورة صحيفة مفردة كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير. وعلى أن البسملة مختلف في كونها آية من أول كل سورة غيرِ براءة، أو آية من أول سورة الفاتحة فقط، أو ليست بآية من أول شيء من السور؛ فإن القراء اتفقوا على قراءة البسملة عند الشروع في قراءة سورة من أولها غير براءة. ورووا ذلك عمن تلقَّوْا، فأما الذين منهم يروون اجتهاداً أو تقليداً أن البسملة آية من أول كل سورة غيرِ براءة، فأمرهم ظاهر، وقراءة البسملة في أوائل السور واجبة عندهم لا محالة في الصلاة وغيرها، وأما الذين لا يروون البسملة آية من أوائل السور كلها أو ما عدا الفاتحة فإن قراءتهم البسملة في أول السورة عند الشروع في قراءة سورة غير مسبوقة بقراءة سورة قبلها تُعلَّل بالتيمن باقتفاء أثر كُتَّاب المصحف، أي قصد التشبُه في مجرد ابتداء فعل تشبيهاً لابتداء القراءة بابتداء الكتابة. فتكون قراءتهم البسملة أمراً مستحباً للتأسي في القراءة بما فعله الصحابة الكاتبون للمصحف، فقراءة البسملة عند هؤلاء نظير النطْق بالاستعاذة ونظير التهليل والتكبير بين بعض السور مِن آخر المفصَّل، ولا يبسملون في قراءة الصلاة الفريضة، وهؤلاء إذا قرأوا في صلاة الفريضة تجري قراءتهم على ما انتهى إليه فهمهم من أمر البسملة من اجتهاد أو تقليد. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي أن يؤخذ من قراءتهم قولٌ لهم بأن البسملة آية من أول كل سورة كما فعل صاحب «الكشاف» والبيضاوي. واختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورةٍ من أولها، أي في قراءة البسملة بين السورتين. فورد عن نافع في أشهر الروايات عنه وابنُ عامر، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوبُ، وخلف، لا يبسملون بين السورتين وذلك يعلل بأن التشبُّه بفعل كتَّاب المصحف خاص بالابتداء، وبحملهم رسمَ البسملة في المصحف على أنه علامة على ابتداء السورة لا على الفصل، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين السورة والتي تليها لما كتبت في أول سورة الفاتحة، فكان صنيعُهم وجيهاً لأنهم جمعوا بين ما روَوه عن سلفهم وبين دليلِ قصد التيمن، ودليل رأيهم أن البسملة ليست آية من أول كل سورة. وقالون عن نافع وابنُ كثير وعاصمٌ والكسائي وأبو جعفر يبسملون بين السورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة، وعدوه من سنة القراءة، وليس حظهم في ذلك إلا اتباع سلفهم، إذ ليس جميعهم من أهل الاجتهاد، ولعلهم طردوا قصد التيمن بمشابهة كُتَّاب المصحف في الإشعار بابتداء السورة والإشعار بانتهاء التي قبلها. واتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة وقد تبين وجه ذلك آنفاً، ووجَّهه الأئمة بوجوه أخر تأتي في أول سورة براءة، وذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» أن مُؤرِّجاً السَّدُوسي البصري سمع رجلاً يقول: «أميرُ المؤمنين يَرُدُّ على المظلوم» فرجع مؤرج إلى مُصحفه فردَّ على براءة بسم الله الرحمٰن الرحيم، ويحمل هذا الذي صنعه مُؤَرج - إن صح عنه - نما هو على التمليح والهزل وليس على الجد. وفي هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من القرآن ابتداء ووصلاً كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في الصلاة، فإن قراءتها في الصلاة تجري على أحكام النظر في الأدلة، وليست مذاهب القراء بمعدودة من أدلة الفقه، وإنما قراءاتهم روايات وسنة متبعة في قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية القرآن من تواتر ودونه، ولا إلى وجوب واستحباب وتخيير، فالقارىء يقرأ كما روى عن معلميه ولا ينظر في حكم ما يقرأه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم، فالقراء تجري أعمالهم في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد وتقليد، ويوضح غلط من ظن أن خلاف الفقهاء في إثبات البسملة وعدمه مبني على خلاف القراء، كما يوضح تسامح صاحب «الكشاف» في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب الفقهاء. وإنما اختلف المجتهدون لأجل الأدلة التي تقدم بيانها، وأما الموافقة بينهم وبين قراء أمصارهم غالباً في هاته المسألة فسببه شيوع القول بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل، أو شيوع الأدلة التي تلقاها المجتهدون من مشائخهم بين أهل ذلك العصر ولو من قبل ظهور المجتهد مثل سَبْق نافِعِ بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم جزئيتها؛ لأن مالكاً تلقى أدلة نفيِ الجزئية عن علماء المدينة وعنهم أو عن شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم، وإذ قد كنا قد تقلدنا مذهب مالك واطمأننا لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة البقرة كان حقاً علينا أن لا نتعرض لتفسيرها هنا وأن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في سورة النمل (30): {أية : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم}تفسير : غير أننا لما وجدنا من سلفنا من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع اقتفينا أثرهم إذ صار ذلك مصطلح المفسرين. واعلم أن متعلق المجرور في {بسم الله} محذوف تقديره هنا أقرأ، وسبب حذف متعلق المجرور أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فَحُذف متعلق المجرور فيها حذفاً ملتزماً إيجازاً اعتماداً على القرينة، وقد حكى القرآن قول سحرة فرعون عند شروعهم في السحر بقوله: {أية : فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون}تفسير : [الشعراء: 44] وذكر صاحب «الكشاف» أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في ابتداء أعمالهم: «باسم اللاتِ باسم العُزَّى» فالمجرور ظرف لغو معمول للفعل المحذوف ومتعلق به وليس ظرفاً مستقراً مثل الظروف التي تقع أخباراً، وَدليل المتعلق ينبىء عنه العمل الذي شُرع فيه فتعين أن يكون فعلاً خاصاً من النوع الدال على معنى العمل المشروع فيه دون المتعلِّق العام مثل: أبتَدِىء لأن القرينة الدالة على المتعلق هي الفعل المشروع فيه المبدوء بالبسملة فتعين أن يكون المقدر اللفظ الدال على ذلك الفعل، ولا يجري في هذا الخلاف الواقع بين النحاة في كون متعلق الظروف هل يقدر اسماً نحو كائن أو مُستقر أم فعلاً نحو كان أو استقر لأن ذلك الخلاف في الظروف الواقعة أخباراً أو أحوالاً بناء على تعارض مقتضى تقدير الاسم وهو كونه الأصل في الأخبار والحالية، ومقتضى تقدير الفعل وهو كونه الأصل في العمل لأن ما هنا ظرف لغو، والأصل فيه أن يعدى الأفعال ويتعلق بها، ولأن مقصد المبتدىء بالبسملة أن يكون جميع عمله ذلك مقارناً لبركة اسم الله تعالى فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظاً دالاً على الفعل المشروع فيه. وهو أنسب لتعميم التيمن لإجزاء الفعل، فالابتداء من هذه الجهة أقل عموماً، فتقدير الفعل العام يخصص وتقدير الفعل الخاص يعمم وهذا يشبه أن يلغز به. وهذا التقدير من المقدرات التي دلت عليها القرائن كقول الداعي للمُعَرِّس «بالرفاء والبنين» وقول المسافر عند حلوله وترحاله «باسم الله والبركات» وقول نساء العرب عندما يَزفُفْنَ العروس «باليُمْنِ والبركة وعلَى الطائر الميمون» ولذلك كان تقدير الفعل هٰهنا واضحاً. وقد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي صلوحية البسملة ليَبتَدِىءَ بها كلُّ شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه، والحذف هنا من قبيل الإيجاز لأنه حذف ما قد يصرح به في الكلام، بخلاف متعلقات الظروف المستقرة نحو عندك خير، فإنهم لا يظهرون المتعلق فلا يقولون خير كائن عندك ولذلك عدوا نحو قوله:شعر : فإنك كالليل الذي هو مُدركي تفسير : من المساواة دون الإيجاز (يعني مع ما فيه من حذف المتعلق). وإذ قد كان المتعلق محذوفاً تعين أن يقدر في موضعه متقدِّماً على المتعلِّق به كما هو أصل الكلام؛ إذ لا قصد هنا لإفادة البسملة الحَصر، ودعوى صاحب «الكشاف» تقديره مُؤخراً تعمق غير مقبول، لا سيما عند حالة الحذف، فالأنسب أن يقدر على حسب الأصل. والباء باء الملابسة والملابسة، هي المصاحبة، وهي الإلصاق أيضاً فهذه مترادفات في الدلالة على هذا المعنى وهي كما في قوله تعالى: {أية : تنبت بالدهن}تفسير : [المؤمنون: 20] وقولهم: «بالرفاء والبنين» وهذا المعنى هو أكثر معاني الباء وأشهرها، قال سيبويه: الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع تصاريف معانيها ولذلك قال صاحب «الكشاف»: «وهذا الوجه (أي الملابسة) أعْرَبُ وأحسن» أي أحسن من جعل الباء للآلة أي أدخل في العربية وأحسن لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى. والاسم لفظ جُعِل دالاً على ذات حسية أو معنوية بشخصها أو نوعها، وجعله أئمة البصرة مشتقاً من السمو وهو الرفعة لأنها تتحقق في إطلاقات الاسم ولو بتأويل فإن أصل الاسم في كلام العرب هو العلم ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به، وهذا اعتداد بالأصل والغالب، وإلا فقد توضع الأعلام لغير ما يهتم به كما قالوا فَجَارِ علم للفَجْرة. فأصل صيغته عند البصريين من الناقص الواوي فهو إما سِمْو بوزن حِمْل، أو سُمْو بوزن قفل فحذفت اللام حذفاً لمجرد التخفيف أو لكثرة الاستعمال ولذلك جرى الإعراب على الحرف الباقي، لأنه لو حذفت لامه لعلة صرفية لكان الإعراب مقدراً على الحرف المحذوف كما في نحو قاضٍ وجَوارٍ، فلما جرى الإعراب على الحرف الباقي الذي كان ساكناً نقلوا سكونه للمتحرك وهو أول الكلمة وجلبوا همزة الوصل للنطق بالساكن؛ إذ العرب لا تستحسن الابتداء بحرف ساكن لابتناء لغتهم على التخفيف، وقد قضوا باجتلاب الهمزة وطراً ثانياً من التخفيف وهوعود الكلمة إلى الثلاثي لأن الأسماء التي تبقى بالحذف على حرفين كيدٍ ودمٍ لا تخلو من ثِقل، وفي هذا دليل على أن الهمزة لم تجتلب لتعويض الحرف المحذوف وإلا لاجتلبوها في يدٍ ودمٍ وغدٍ. وقد احتجوا على أن أصله كذلك بجمعه على أسماء بوزن أفعال، فظهرت في آخره همزة وهي منقلبة عن الواو المتطرفة إثر ألف الجمع، وبأنه جمع على أساميّ وهو جمع الجمع بوزن أفاعيل بإدغام ياء الجمع في لام الكلمة ويجوز تخفيفها كما في أثافِي وأَماني، وبأنه صُغِّر على سُمَي. وأن الفعل منه سمَّيْت، وهي حجج بينة على أن أصله من الناقص الواوي. وبأنه يقال سُمىً كهدى؛ لأنهم صاغوه على فُعَل كرُطَب فتنقلب الواو المتحركة ألفاً إثر الفتحة وأنشدوا على ذلك قول أبي خالد القَنَاني الراجز:شعر : واللَّهُ أَسْمَاكَ سُمًى مُبارَكاً آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِيثَارَكا تفسير : وقال ابن يعيش: لا حجة فيه لاحتمال كونه لغة من قال سُم والنصب فيه نصب إعراب لا نصب الإعلال، ورده عبد الحكيم بأن كتابته بالإمالة تدل على خلاف ذلك. وعندي فيه أن الكتابة لا تتعلق بها الرواية فلعل الذين كتبوه بالياء هم الذين ظنوه مقصوراً، على أن قياسها الكتابة بالألف مطلقاً لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب. ورَأْيُ البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ. وذهب الكوفيون إلى أن أصله وِسْم بكسر الواو لأنه من السمة وهي العَلامة، فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليبقى على ثلاثة أحرف ثم يتوسل بذلك إلى تخفيفه في الوصل، وكأنهم رأوا أن لا وجه لاشتقاقه من السمو لأنه قد يستعمل لأشياء غير سامية وقد علمتَ وجه الجواب، ورأي الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف، على أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما حذف صدره وردوا استدلال البصريين بتصاريفه بأنها يحتمل أن تكون تلك التصاريف من القلب المكاني بأن يكون أصل اسم وسم، ثم نقلت الواو التي هي فاء الكلمة فجعلت لاماً ليتوسل بذلك إلى حذفها ورد في تصرفاته في الموضع الذي حذف منه لأنه تنوسي أصله، وأجيب عن ذلك بأن هذا بعيد لأنه خلاف الأصل وبأن القلب لا يلزم الكلمة في سائر تصاريفها وإلا لما عرف أصل تلك الكلمة. وقد اتفق علماء اللغة على أن التصاريف هي التي يعرف بها الزائد من الأصلي والمنقلب من غيره. وزعم ابن حزم في كتاب «الملل والنحل» أن كلا قولي البصريين والكوفيين فاسد افتعله النحاة ولم يصح عن العرب وأن لفظ الاسم غير مشتق بل هو جامد وتطاول ببذاءته عليهم وهي جرأة عجيبة، وقد قال تعالى: {أية : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}تفسير : [النحل: 43]. وإنما أقحم لفظ اسم مضافاً إلى علم الجلالة إذ قيل: (بسم الله) ولم يقل بالله لأن المقصود أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإلٰه الواحد فلذلك تقحم كلمة اسم في كل ما كان على هذا المقصد كالتسمية على النسك قال تعالى: {أية : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه}تفسير : [الأنعام: 118] وقال: {أية : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه}تفسير : [الأنعام: 119] وكالأفعال التي يقصد بها التيمن والتبرك وحصول المعونة مثل: {أية : اقرأ باسم ربك}تفسير : [العلق: 1] فاسم الله هو الذي تمكن مقارنته للأفعال لا ذاته، ففي مثل هذا لا يحسن أن يقال بالله لأنه حينئذٍ يكون المعنى أنه يستمد من الله تيسيراً وتصرفاً من تصرفات قدرته وليس ذلك هو المقصود بالشروع، فقوله تعالى: {أية : فسبح باسم ربك العظيم}تفسير : [الواقعة: 74] أَمْرٌ بأن يقول سبحان الله، وقوله: {أية : وسبحه}تفسير : [الإنسان: 26] أمْرٌ بتنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، فاستعمال لفظ الاسم في هذا بمنزلة استعمال سمات الإبل عند القبائل، وبمنزلة استعمال القبائل شعار تعارفهم، واستعمال الجيوش شعارهم المصطلح عليه. والخلاصة أن كل مقام يقصد فيه التيمن والانتساب إلى الرب الواحد الواجب الوجود يعدى فيه الفعل إلى لفظ اسم الله كقوله: {أية : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها}تفسير : [هود: 41] وفي الحديث في دعاء الاضطجاع: «حديث : باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه»تفسير : وكذلك المقام الذي يقصد فيه ذكر اسم الله تعالى كقوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم} أي قل سبحان الله: {أية : سبح اسم ربك الأعلى}تفسير : [الأعلى: 1] وكل مقام يقصد فيه طلب التيسير والعون من الله تعالى يعدى الفعل المسؤول إلى علم الذات باعتبار ما له من صفات الخلق والتكوين كما في قوله تعالى: {أية : فاسجد له}تفسير : [الإنسان: 26] وقوله في الحديث: «حديث : اللهم بك نصبح وبك نمسي»تفسير : أي بقدرتك ومشيئتك وكذلك المقام الذي يقصد فيه توجه الفعل إلى الله تعالى كقوله تعالى: {فاسجد له} {وسبحه} أي نزه ذاته وحقيقته عن النقائص. فمعنى (بسم الله الرحمٰن الرحيم) أقرأ قراءة ملابسة لبركة هذا الاسم المبارك. هذا وقد ورد في استعمال العرب توسعات في إطلاق لفظ الاسم مرة يعنون به ما يرادف المسمى كقول النابغة:شعر : نبئتُ زُرعة والسفاهةُ كاسمها يُهدى إليَّ غرائبَ الأَشعار تفسير : يعني أن السفاهة هي لا تُعرَّف للناس بأكثر من اسمها وهو قريب من استعمال اسم الإشارة في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]. أي مثل ذلك الجعل الواضح الشهير ويطلقون الاسم مقحماً زائداً كما في قول لبيد:شعر : إلى الحولِ ثم اسم السلام عليكُما تفسير : يعني ثم السلام عليكما وليس هذا خاصاً بلفظ الاسم بل يجىء فيما يرادفه مثل الكلمة في قوله تعالى: {أية : وألزمهم كلمة التقوى}تفسير : [الفتح: 26] وكذلك «لفظ» في قول بشار هاجياً:شعر : وكذاك، كان أبوك يؤثر بالهُنَى ويظل في لَفْظِ النَّدى يتَرَدَّد تفسير : وقد يطلق الاسم وما في معناه كنايةً عن وجود المسمى، ومنه قوله تعالى: {أية : وجعلوا لله شركاء قل سموهم}تفسير : [الرعد: 33] والأمر للتعجيز أي أثبتوا وجودهم ووضعَ أسماء لهم. فهذه اطلاقات أخرى ليس ذكر اسم الله في البسملة من قبيلها، وإنما نبهنا عليها لأن بعض المفسرين خلط بها في تفسير البسملة، ذكرتها هنا توضيحاً ليكون نظركم فيها فسيحاً فشدوا بها يداً ولا تتبعوا طرائق قدداً. وقد تكلموا على ملحظ تطويل الباء في رسم البسملة بكلام كله غير مقنع، والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل للإشارة إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي، فلما جعلوها علامة على فواتح السور نقلوها برسمها، وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون. والكلام على اسم الجلالة ووصفه يأتي في تفسير قوله تعالى: {أية : الحمد لله رب العالمين الرحمٰن الرحيم}تفسير : [الفاتحة: 2، 3]. ومناسبة الجمع في البسملة بين علم الجلالة وبين صفتي الرحمٰن الرحيم، قال البيضاوي إن المُسمِّي إذا قصَد الاستعانة بالمعبود الحق الموصوف بأنه مُولي النعم كلها جليلها ودقيقها يذكر عَلَم الذات إشارة إلى استحقاقه أن يستعان به بالذات، ثم يذكر وصف الرحمٰن إشارة إلى أن الاستعانة على الأعمال الصالحة وهي نعم، وذكر الرحيم للوجوه التي سنذكرها في عطف صفة الرحيم على صفة الرحمٰن. وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتابِ الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإلٰه الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعني فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك - إذ الناقل أمين - فهي نكتة لطيفة. وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه السلام فهي من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: {أية : يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمٰن}تفسير : [مريم: 45]، وقال: {أية : سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً}تفسير : [مريم: 47] ومعنى الحفي قريب من معنى الرحيم. وحُكِي عنه قوله: {أية : وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم}تفسير : [البقرة: 128]. وورد ذكر مرادفها في كتاب سليمان إلى ملكة سبأ: {أية : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين}تفسير : [النمل: 30، 31]. والمظنون أن سليمان اقتدى في افتتاح كتابه بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية في وارثي نبوته، وأن الله أحيا هذه السنة في الإسلام في جملة ما أوحى له من الحنيفية كما قال تعالى: {أية : ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل}تفسير : [الحج: 78].
الواحدي
تفسير : {بسم الله الرحمن الرحيم}؛ أَيْ: ابدؤوا أوِ افتتحوا بتسمية الله تيمُّناً وتبرُّكاً، و"الله": اسمٌ تفرَّد الباري به سبحانه، يجري في وصفه مجرى أسماء الأعلام، لا يُعرف له اشتقاق. وقيل: معناه: ذو العبادة التي بها يُقصد. {الرَّحمن الرَّحيم}: صفتان لله تعالى معناهما: ذو الرَّحمة، [أَي: الرَّحمة لازمةٌ له]، وهي إرادة الخير، ولا فرق بينهما، مثل: ندمانٍ ونديم. {الحمدُ لله} هو الثَّناء لله، والشُّكرُ له بإنعامه. {ربِّ العالمين}: مالك المخلوقات كلِّها. {مالك يوم الدِّين} [مأخوذٌ من المِلْك، والمِلْك مأخوذٌ من المُلْك، أَيْ]: قاضي يوم الجزاء والحساب؛ لأنَّه متفرِّدٌ في ذلك اليوم بالحكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- تبتدئ باسم الله الذى لا معبود بحق سواه، والمتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وهو صاحب الرحمة الذى يفيض بالنعم جليلها ودقيقها، عامها وخاصها، وهو المتصف بصفة الرحمة الدائمة. 2- الثناء الجميل بكل أنواعه وعلى كل حال لله وحده، ونثنى عليه الثناء كله لأنه منشئ المخلوقات والقائم عليها. 3- وهو صاحب الرحمة الدائمة ومصدرها، ينعم بكل النعم صغيرها وكبيرها. 4- وهو وحده المالك ليوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة، يتصرف فيه لا يشاركه أحد فى التصرف ولو فى الظاهر. 5- لا نعبد إلا إياك، ولا نطلب المعونة إلا منك. 6- نسألك أن توفقنا إلى طريق الحق والخير والسعادة. 7- وهو طريق عبادك الذين وفقتهم إلى الإيمان بك، ووهبت لهم نعمتى الهداية والرضا، لا طريق الذين استحقوا غضبك وضلوا عن طريق الحق والخير لأنهم أعرضوا عن الإيمان بك والإذعان لهديك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : البَسْملة شرح الكلمات: البسملة: قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم. الإسم: لفظ جُعل علامة على مُسَمَّى يعرف به ويتميّز عن غيره. الله: إسم علم على ذات الربّ تبارك وتعالى يُعرف به. الرحمن: اسم من أسماء الله تعالى مشتق من الرحمة دال على كثرتها فيه تعالى. الرحيم: إسم وصفة لله تعالى مشتق من الرحمة ومعناه ذو الرحمة بعباده المفيضها عليهم في الدنيا والآخرة. معنى البسملة: ابتدىء قراءتي متبركا باسم الله الرحمن الرحيم مستعينا به عز وجل. حكم البسملة: مشروع للعبد مطلوبٌ منه أن يُبَسْمِل عند قراءة كل سورة من كتاب الله تعالى الا عند قراءة سورة التوبة فإنه لا يبسمل وان كان في الصلاة المفروضة يبسمل سراً إن كانت الصلاة جهرية. ويسن للعبد أن يقول باسم الله. عند الأكل والشرب، ولبس الثوب. وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند الركوب. وعند كل أمر ذي بال. كما يجب عليه أن يقول بسم الله والله أكبر عند الذبح والنحر.
القطان
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: الحمد والمدحُ أخَوانِ لفظاً، ومعناهما الثناء الجميل، وهما هنا بقصد التعظيم والتبجيل في الضّراء والسراء على السواء. وبعضهم فرقاً بينهما، فيقول: الحمد يكون بعد الإحسان وهو مأمور به دائما لحديث: "حديث : من لم يحمَدِ الناسَ لم يحمد الله ". تفسير : أما المدح فيكون قبل الاحسان وبعده. وهو منهيٌّ عنه، لحديث "حديث : احثُوا في وجوه المدّاحين التراب ". تفسير : والربّ في كلام العرب له معان ثلاثة: السيد المطاع، والرجل المصْلِح للشيء، والمالك للشيء. فربُّنا جل ثناؤه: السيد المطاع في خلقه، والمصلح أمْرَ خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخَلْق والأمر. {ٱلْعَالَمِينَ}: جميع الكائنات في هذا الوجود. فمعنى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات والأرض، ومن فيهن وما بينهن، مما يُعلم وما لا يُعلم، فالثناء المطلق الذي لا يُحَدّ لله سبحانه إنما كان لأنه هو رب العالمين. {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}: الرحمن صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة، وقد تقدم انه لا يوصف بها الا الله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن:1ـ2]. {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه:5]. {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}تفسير : [الإسراء:110]. أما الرحيم، فقد كثر استعمالها في القرآن وصفاً فعليا وجاءت بأسلوب ايصال النعمة والرحمة: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [البقر:143] {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف:156] {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب:43]. ولا نطيل أكثر من ذلك، وإنما نريد أن نبين هنا نكتة إعادتهما وتكرارهما. فنأياً عن أن يُفهم من لفظة الرب صفة الجبروت والقهر اراد الله تعالى أن يذكِّر الخلق برحمته واحسانه، ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال. فذكَر "الرحمن" اي المفيض للنعم بسعة وتجدُّد لا منتهى لهما، و"الرحيم" الثابتَ له وصف الرحمة، لا تزايله أبدا. بذا عرّفهم أن ربوبيته رحمة واحسان، ليعلموا ان هذه الصفة هي الأصلية التي يرجع اليها معنى بقية الصفات فيتعلقوا به ويُقبلوا على اكتساب مرضاته. هذا وإن تكرار وصف الله لنفسه بالرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب لهو تأكيد لمعنى ان الدين الذي كتابه القرآن انما تقوم فضائله ونظُمه على الرحمة والحب والإحسان. وإذا كان الحمد لله والثناء عليه مرجعهما وأساسهما التربية من الله للعالَم فما أجدر المؤمن ان يتخلق بخُلق الله، وان يلتمس الحمد والثناء من هذا السبيل الكريم. فمن حمّله الله مسئولية التربية من إمام أو معلّم أو أحد الزوجين فإن عليه أن يعتبر ما كُلف برعايته أمانةً عنده من المربي الاعظم سبحانه، فلْيمضِ فيها على سَنَن الرحمة والاحسان لا الجبروت والطغيان. ان ذلك أوفى الى ان يُصلح الله به، وأقربُ ان تناله رحمته. {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}: قرىء: "مَلك يَوم الدِّين" و "مالكِ يوم الدين" قراءتان يدل مجموعهما على ان المُلك والمِلك في يوم القيامة لله وحده. {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الإنفطار:19] لا يشاركه في ذلك أحدٌ ممن خلق. وللفظ "الدين" معان كثيرة، منها المكافأة والعقوبة، وهذا المعنى يناسب المقام. وفي هذا تربية أُخرى للعبد، فإنه إذا آمن بأن هناك يوماً يظهر فيه احسان المحسن، واساءة المسيء، وأن زمام الحكم في ذلك اليوم العظيم بيد الله ـ تكوّن عنده خُلُق المراقبة، وتوقَّع المحاسبة، فكان ذلك أعظمَ سبيل لإصلاح كل ما يعمل. {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: نخصّك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلُّل، لذلك لم يستعمل اللفظُ الا في الخضوعِ لله تعالى، لأنهُ مولي أعظم النعم، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع. أمرنا الله تعالى أن لا نعبد غيره لأنه هو الإلَه الواحد لا شريك له. وترشدنا عبارة {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة. أحدهما: أن نعمل الاعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون الا على عملٍ يود المرء أن يبذل فيه طاقته، فهو يطلب المعونة على اتمامه. وثانيهما: قصْر الاستعانة بالله عليه وحده. وليس في هذا ما ينافي التعاون بين الناس. {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة:2]. فان هذا التعاون في دائرة الحدود البشرية لا يخرج عنها. قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن. وسرُّها هذه الكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالقسم الأول من الآية تبرؤ من الشِرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتفويضٌ إلى الله عز وجل. {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}: هداه الله هُدًى وهَدْياً وهِدَايةً الى الإيمان أرشده، وهداه الى الطريق وهداه الطريق وللطريق بيّنة له وعرّفه به. و الهداية دلالة بلطف، كما يقول الراغب الاصفهاني، والصراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه ولا انحراف. والصراط المستقيم ههنا هو جملة ما يوصِل الناس الى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام من جهتي العلم والعمل، وهو سبيل الاسلام الذي ختم الله به الرسالاتِ وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل الى الرسول الكريم تبليغه وبيانه. فالشريعة الاسلامية في جميع امورها من عقيدة، واخلاق، وتشريع، وفي صلة الانسان بالحياة، وعلاقته بالمجتمع، وعلاقة المسلمين بالأمم ـ تأخذ الطريق الصائب، لا إفراط ولا تفريط. هذا هو الصراط المستقيم. وهداية الله تعالى لا تحصى، نذكر منها: أولاً: الهداية التي تعم كل مكلَّف بحيث يهتدي الى مصالحه، كالعقل والفطنة والمعارف الضرورية كما قال عز وجل {أية : ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه:50]. ثانياً: نَصْبُ الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد:10]، وقوله: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت:17]. ثالثاً: الهداية بإرسال الرسل وانزال الكتب: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}تفسير : [الآنبياء:73]، وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء:9]. رابعاً: الكشف عن كثير من أسرار الأشياء كما هي، بالوحي والالهام والرؤيا الصادقة. وهذا القسم يختص بنيله الأولياء. والى ذلك اشار سبحانه وتعالى بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام:90]. وقال ابن تيمية: "كل عبد مضطرٌّ دائما الى مقصود هذا الدعاء، أي هداية الصراط المستقيم. فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول الى السعادة الا بها، فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم، واما من الضالين". وهذا الاهتداء لا يحصل الا بهدى الله {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}تفسير : [الكهف:17]. وقد بين الله تعالى هذا الصراط المستقيم بقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. اختلف المفسرون في بيان: الذين أنعم اللهُ عليهم، والمغضوبِ عليهم، والضآلِّين ـ وكتبوا وطوّلوا في ذلك. وأحسن ما قيل في ذلك ان الآية دلّت على أن الناس ثلاث فرق: الفرقة الأولى: أهل الطاعة {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [البقرة:3ـ5]، وهؤلاء هم الذين انعم الله عليهم. الفرقة الثانية: الكافرون: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}تفسير : [البقرة:6ـ7]، وهؤلاء هم أهل النقمة المغضوب عليهم. الفرقة الثالثة: هم المنافقون الحائرون، المترددون بين إيمانهم الظاهر وكفرهم الباطني {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}تفسير : [البقرة:10] فهم {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [البقرة:14]. وهؤلاء هم الضالّون المتحيرون. وقد فصّل الله تعالى هذه الفرق الثلاث في أول سورة البقرة كما سيأتي ان شاء الله. القراءات: قرأ ابنُ كَثير برواية قنبل، والكسائي عن طريق رويس "السراط" بالسين في الموضعَين، وقرأ الباقون "الصراط" بالصاد، وهي لغة قريش. هذه هي سورة الفاتحة، وقد تكفّل نصفُها الاول ببيان الحقيقة التي هي أساس هذا الوجود: تقرير ربوبية الله للعاملين ورحمته ورحمانيته، وتفرُّده بالسلطان يوم الدين؛ وتكفّل نصفها الثاني ببيان أساس الخطة العملية في الحياة، سواء في العبادات أو المعاملات. فالعبادة لله، والاستعانة به، والهداية منه بالتزام طريق الله، والبعد عن طريق الجاحدين والضالين المتحدّين. هذا والمتتبع للقرآن جميعه، الواقف على مقاصده ومعارفه، يرى أنه جاء تفصيلاً لما أجملته هذه السورة الكريمة. بهذا كانت "فاتحة الكتاب" و"أمَّ القرآن" و"السبع المثاني" والسورة الوحيدة التي طُلبت من المؤمنين في كل ركعة من كل صلاة.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - {بِسْمِ الله} الَّذِي لاَ مَعْبُودَ بِحقٍّ سِوَاهُ، المُتَّصِفِ بِكلِّ كَمَالٍ، المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّذِي يُفِيضُ بِالنِّعَم الجَلِيلَةِ عَامِّهَا وَخَاصِّهَا عَلَى خَلْقِه، وَهُوَ المُتَّصِفُ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ الدَّائِمَةِ.
الثعلبي
تفسير : قوله : {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} اعلم أنّ هذه الباء زائدة، وهي تسمّى باء التضمين أو باء الإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، فالكتابة لاصقة بالقلم. وهي مكسورة أبداً؛ والعلة في ذلك أن الباء حرف ناقص ممال. والإمالة من دلائل الكسر، قال سيبويه: لما لم يكن للباء عمل إلاّ الكسر كسرت. وقال المبرّد: العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت: بَيْبَيْت، فرددتها إلى الياء والياء أُخت الكسرة كما أن الواو أُخت الضمة والألف أُخت الفتحة، وهي خافضة لما بعدها فلذلك كسرت ميم الاسم. وطوّلت هاهنا وشبهت بالألف واللام؛ لأنهم لم يريدوا أن يفتتحوا كتاب الله إلاّ بحرف مفخّم معظّم. قاله القيسي. قال: وكان عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) يقول لكتّابه: (طوّلوا الباء، وأظهروا السين، وفرّجوا بينهما، ودوّروا الميم تعظيماً لكلام الله تعالى). وقال أبو ...... خالد بن يزيد المرادي: العلّة فيها إسقاط الألف من الاسم، فلما أسقطوا الألف ردّوا طول الألف الى الباء ليكون دالاًّ على سقوط الألف منها. ألا ترى أنهم لمّا كتبوا: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1] بالألف ردّوا الباء إلى صيغتها، فإنما حذفوا الألف من (اسم) هنا فالكثرة دورها على الألسن عملا بالخفّة، ولمّا لم يكثر أضرابها كثرتها أثبتوا الألف بها. وفي الكلام إضمار واختصار تقديره : قل، أو ابدأ بسم الله. وقال آدم: الاسم فيه صلة، مجازهُ: بالله الرَّحْمن الرحيم هو، واحتجوا بقول لبيد: شعر : تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلاّ من ربيعةَ أو مضرْ إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعتذرْ تفسير : أي ثم السلام عليكما. ومعناه: بالله تكوّنت الموجودات، وبه قامت المخلوقات. وأدخلوا الاسم فيه ليكون فرقاً بين المتيمِّن والمتيمَّن به. فأمّا معنى الاسم، فهو المسمى وحقيقة الموجود، وذات الشيء وعينه ونفسه واسمه، وكلها تفيد معنىً واحداً. والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى: {أية : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ}تفسير : [مريم: 7]، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال: {أية : يٰيَحْيَىٰ} تفسير : [مريم: 12]. فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى. وقوله تعالى:{أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ} تفسير : [يوسف: 40] وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات. وقوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]، و {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ} تفسير : [الرَّحمن: 78]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبادَ اللهِ حتّى لا يُعبَد له إسمٌ" تفسير : أي حتى لا يعبد هو. ثم يقال: رأينا للتسمية اسم، واستعمالها في التسمية أشهر وأكثر من استعمالها في المسمّى، ولعل الاسم أشهر، وجمعه: أسماء، مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء، فحذفت الواو للاستثقال، ونقلت حركة الواو إلى الميم فأُعربت الميم، ونقل سكون الميم إلى السين فسكنت، ثم أُدخلت ألف مهموزة لسكون السين؛ لأجل الابتداء يدلّك عليه التصغير والتصريف يقال: سُميّ وسميّة؛ لأن كل ما سقط في التصغير والتصريف فهو غير أصلي. واشتقاقه من (سما) (يسمو)، فكأن المخبر عنه بأنه معدوم ما دام معدوماً فهو في درجة يرتفع عنها إذ وجد، ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه. والإسم الذي هو العبارة والتسمية للمخبر والصفة للمنظر. وأصل الصفة ظهور الشيء وبروزه، والله أعلم. فأمّا ما ورد في تفسيرها بتفصيلها فكثير، ذكرت جلّ أقاويلها في حديث وحكاية. أخبرنا الأستاذ أبو القاسم بن محمد بن الحسن المفسّر، حدّثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد ابن حمدون المذكر، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدّثنا أحمد بن هشام الأنطاكي، حدّثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عبّاس عن إسماعيل عن يحيى عن أبي مليكة عن مسعود بن عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عيسى بن مريم أسلمته أمّه إلى الكُتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم: قل باسم الله. قال عيسى: وما باسم الله؟ فقال له المعلّم: ما أدري. قال: الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: مملكة الله ". تفسير : وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا إسحاق بن ميثم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو يقول: سمعت أبا عبد الله ختن أبي بكر الوراق يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول في {بسم ٱلله}: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة: فالباء على ستة أوجه: بارىء خلقه من العَرش الى الثرى، ببيان قوله: {أية : إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الطور: 28]. بصير بعباده من العرش الى الثرى، بيانه:{أية : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} تفسير : [الملك: 19]. باسط الرزق من العرش الى الثرى، بيانه: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26] . وباق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى: بيانه: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرَّحمن: 26-27]. باعث الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، بيانه: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الحج: 7]. بارّ بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: {أية : إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الطور: 28] . والسين على خمسة أوجه: سميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} تفسير : [الزخرف: 80]. سيّد قد بلغ سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص: 2] . سريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [البقرة: 202]. سلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ} تفسير : [الحشر: 23]. غافر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}تفسير : [غافر: 3]. والميم على اثني عشر وجهاً: ملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ}تفسير : [الحشر: 23]. مالك خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} تفسير : [آل عمران: 26] . منّان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الحجرات: 17]. مجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} تفسير : [البروج: 15]. مؤمّن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [سورة قريش: 4]. مهيمن اطّلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه:{أية : ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ}تفسير : [الحشر: 23]. مقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55]. مقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} تفسير : [النساء: 85]. متكرّم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} تفسير : [الإسراء: 70]. منعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} تفسير : [لقمان: 20]. متفضّل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 251]. مصوّر خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} تفسير : [الحشر: 24]. وقال أهل الحقائق: ..... في {بسم ٱلله} التيمّن والتبرّك وحثّ الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم بـ {بسم ٱلله} لمّا افتتح الله عزّ وجلّ كتابه به، والله أعلم. {ٱلله}، اعلم أن أصل هذه الكلمة (إله) في قول أهل الكوفة، فأُدخلت الألف واللام فيها تفخيماً وتعظيماً لما كان اسم الله عزّ وجلّ، فصار (الإله)، فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسن، وحوّلت هويتها إلى لام التعظيم فالتقى لامان، فأُدغمت الأولى في الثانية، فقالوا (الله). وقال أهل البصرة: أصلها (لاه)، فأُلحقت بها الألف واللام، فقالوا: (الله). وأنشدوا: شعر : كحلفة من أبي رباح يسمعها الآهه الكبار تفسير : فأخرجه على الأصل. وقال بعضهم: أُدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة المحذوفة في (إله)، فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة لو أُجريت على الأصل، ولهذا لم يدخل عليه في النداء ما يدخل على الأسماء المعرّفة من حروف التشبيه، فلم يقولوا: يا أيها الله. دفع أقاويل أهل التأويل في هذا الاسم مبنيّة على هذين القولين ... ثمة، واختلفوا فيه؛ فقال الخليل بن أحمد وجماعة: (الله) اسم علم موضوع غير مشتق بوجه، ولو كان مشتقّاً من صفة كما لو كان موصوفاً بتلك الصفة أو بعضها، قال الله: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65]. (الله): اسم موضوع لله تعالى لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}، يعني: أن كل اسم مشترك بينه وبين غيره؛ له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلاّ هذا الاسم فإنه مختص به لأن فيه معنى الربوبيّة. والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقي لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقي (له)، وإذا أسقطت من (له) اللام بقي هو. قالوا: وإذا أُطلق هذا الاسم على غير الله فإنما يقال بالإضافة كما يقال: لاه كذا أو ينكر فيقال: لله كما قال تعالى إخباراً عن قوم موسى عليه السلام: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 138]. وأما (الله)، و (الإله) فمخصوصان لله تعالى. وقال قوم: أصله (لاها) بالسريانية، وذلك أن في آخر أسمائهم مدّة، كقولهم للروح: (روحا)، وللقدس: (قدسا)، وللمسيح: (مسيحا)، وللابن: (ابنا)، فلما طرحوا المدّة بقي (لاه)، فعرّبه العرب وأقرّوه. ولا اشتقاق له، وأكثر العلماء على أنه مشتق؛ واختلفوا في اشتقاقه، فقال النضر بن إسماعيل: هو من التألّه، وهو التنسّك والتعبّد، قال رؤبة: شعر : لله در الغانيات المدّهِ سبحن واسترجعن من تألهي تفسير : ويقال: أله إلاهة، كما يقال: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: (ويذرك وإلهتك) أي عبادتك؛ فمعناه عبادتك المعبود الذي تحقّ له العبادة. وقال قوم هو من (الإله)، وهو الاعتماد، يقال: ألهت إلى فلان، آلَهُ إلهاً، أي فزعت إليه واعتمدت عليه، قال الشاعر: شعر : ألهت إليها والركائب وقّف تفسير : ومعناه: أن الخلق يفزعون ويتضرعون إليه في الحوادث والحوائج، فهو يألههم، أي يجيرهم، فسمي إلهاً، كما يقال: إمام للذي يؤتم به، ولحاف ورداء وإزار وكساء للثوب الذي يلتحف به، ويرتدى به، وهذا معنى قول ابن عباس والضحّاك. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو من (ألهت في الشيء) إذا تحيّرت فيه فلم تهتدِ إليه، قال زهير: شعر : ..... يأله العين وسطها تفسير : مخفّفة وقال الأخطل: شعر : ونحن قسمنا الأرض نصفين نصفها لنا ونرامي أن تكون لنا معا بتسعين ألفاً تأله العين وسطها متى ترَها عين الطرامة تدمعا تفسير : ومعناه: أن العقول تتحيّر في كنه صفته وعظمته والإحاطة بكيفيته، فهو إله كما قيل للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب. وقال المبرّد: هو من قول العرب: (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، قال الشاعر: شعر : ألهت إليها والحوادث جمّة تفسير : فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، قال الله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد: 28]. وسمعت أبا القاسم الحسن: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرحيم القناد يقول: أصله من (الوله)، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعزّ عليك. وأصله (أله) - بالهمزة - فأُبدل من الألف واو فقيل الوله، مثل (إشاح، ووشاح) و (وكاف، وإكاف) و (أرّخت الكتاب، وورّخته) و (ووقّتت، وأُقّتت). قال الكميت: شعر : ولهت نفسي الطروب إليهم ولها حال دون طعم الطعام تفسير : فكأنه سمّي بذلك؛ لأن القلوب تولّه لمحبّته وتضطرب وتشتاق عند ذكره. وقيل: معناه: محتجب؛ لأن العرب إذا عرفت شيئاً، ثم حجب عن أبصارها سمّته إلهاً، قال: لاهت العروس تلوه لوهاً، إذ حجُبت. قال الشاعر: شعر : لاهت فما عرفت يوماً بخارجة يا ليتها خرجت حتّى رأيناها تفسير : والله تعالى هو الظاهر بالربوبيّة [بالدلائل والأعلام] وهو المحتجب من جهة الكيفيّة عن الأوهام. وقيل: معناه المتعالي، يقال: (لاه) أي ارتفع. وقد قيل: من (إلا هتك)، فهو كما قال الشاعر: شعر : تروّحنا من اللعباء قصراً وأعجلنا الألاهة أن تؤوبا تفسير : وقيل: هو مأخوذ من قول العرب: ألهت بالمكان، إذا أقمت فيه، قال الشاعر: شعر : ألهنا بدار ما تبين رسومها كأن بقاياها وشام على اليدِ تفسير : فكأن معناه: الدائم الثابت الباقي. وقال قوم: (ان يقال) ذاته وهي قدرته على الإخضاع. وقال الحارث بن أسد المجلسي، أبو عبد الله البغدادي: الله من (ألههم) أي أحوجهم، فالعباد مولوهون إلى بارئهم أي محتاجون إليه في المنافع والمضارّ، كالواله المضطرّ المغلوب. وقال شهر بن حوشب: الله خالق كل شيء، وقال أبو بكر الوراق: هو. وغلّظ بعض بقراءة اللام من قوله: (الله) حتى طبقوا اللسان به الحنك لفخامة ذكره، وليصرف عند الابتداء بذكره وهو الرب. {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، قال قوم: هما بمعنىً واحد مثل (ندمان، ونديم) و (سلمان، وسليم)، وهوان وهوين. ومعناهما: ذو الرحمة، والرحمة: إرادة الله الخير بأهله، وهي على هذا القول صفة ذات. وقيل: هي ترك عقوبة من يستحق العقوبة، (وفعل) الخير إلى من لم يستحق، وعلى هذا القول صفة فعل، يجمع بينهما للاتّساع، كقول العرب: جاد مجد. قال طرفة: شعر : فما لي أراني وابن عمي مالكاً متى أدنُ منه ينأ عني ويبعدِ تفسير : وقال آخر: شعر : وألفى قولها كذباً ومينا تفسير : وفرّق الآخرون بينهما فقال: بعضهم الرَّحْمن على زنة فعلان، وهو لا يقع إلاّ على مبالغة القول. وقولك: رجل غضبان للممتلئ غضباً، وسكران لمن غلب عليه الشراب. فمعنى (الرَّحْمن): الذي وسعت رحمته كل شيء. وقال بعضهم: (الرَّحْمن) العاطف على جميع خلقه؛ كافرهم ومؤمنهم، برّهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم، قال الله تعالى: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف: 156]، و(الرحيم) بالمؤمنين خاصّة بالهداية والتوفيق في الدنيا، والجنة والرؤية في العقبى، قال تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43]. فـ (الرَّحْمن) خاصّ اللفظ عامّ المعنى، و (الرحيم) عامّ اللفظ خاصّ المعنى. و (الرَّحْمن) خاص من حيث إنه لا يجوز أن يسمى به أحد إلاّ الله تعالى، عامّ من حيث إنه يشمل الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع. و (الرحيم) عامّ من حيث اشتراك المخلوقين في المسمّى به، خاص من طريق المعنى؛ لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق. وهذا قول جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه). الرَّحْمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة، وقول ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر. وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الدّقاق، حدّثنا الحسن بن محمد بن جابر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، أخبرنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال: الرَّحْمن بأهل الدنيا، والرحيم بأهل الآخرة. وجاء في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. وقال الضحّاك: الرَّحْمن بأهل السماء حين أسكنهم السماوات، وطوّقهم الطاعات، وجنّبهم الآفات، وقطع عنهم المطاعم واللذات. والرحيم بأهل الأرض حين أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وأعذر إليهم في النصيحة وصرف عنهم البلايا. وقال عكرمة: الرَّحْمن برحمة واحدة، والرحيم بمائة رحمة وهذا المعنى قد اقتبسه من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي حدّثناه أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو، حدّثنا أبو هريرة وأحمد بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود ابن معاذ، أخبرنا عمير بن مروان عن عبد الملك أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وأخّر تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة ". تفسير : وفي رواية أخرى: "حديث : إن الله تعالى قابض هذه إلى تلك فمكملها مائة يوم القيامة، يرحم بها عباده ". تفسير : وقال ابن المبارك: (الرَّحْمن: الذي إذا سُئل أعطى، والرحيم إذا لم يُسأل غضب. يدلّ عليه ما حدّثنا أبو القاسم المفسّر، حدّثنا أبو يوسف رافع بن عبد الله بمرو الروذ، حدّثنا خلف ابن موسى: حدّثنا محمود بن خداش، حدّثنا هارون بن معاوية، حدّثنا أبو الملج وليس الرقّي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : من لم يسأل الله يغضب عليهتفسير : ، نضمه الشاعر فقال: شعر : إن الله يغضب إن تركت سؤاله وبنيُّ آدم حين يُسأل يغضب تفسير : وسمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت إبراهيم بن محمد النسفي يقول: سمعت أبا عبد الله ـ وهو ختن أبي بكر الوراق ـ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول: (الرَّحْمن: بالنعماء وهي ما أعطي وحبا، والرحيم بالآلاء وهي ما صرف وزوى). وقال محمد بن علي المزيدي: الرَّحْمن بالإنقاذ من النيران، وبيانه قوله تعالى: {أية : وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} تفسير : [آل عمران: 103]، والرحيم بإدخالهم الجنان، بيانه: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 46]. وقال المحاسبي: (الرَّحْمن: برحمة النفوس، والرحيم برحمة القلوب). وقال السريّ بن مغلس: (الرَّحْمن بكشف الكروب، والرحيم بغفران الذنوب). وقال عبد الله بن الجرّاح: (الرَّحْمن بـ ..... الطريق، والرحيم بالعصمة والتوفيق). وقال مطهر بن الوراق: (الرَّحْمن بغفران السيّئات وإن كن عظيمات، والرحيم بقبول الطاعات وإن كنّ [قليلات]). وقال يحيى بن معاذ الرازي: (الرَّحْمن بمصالح معاشهم، والرحيم بمصالح معادهم). وقال الحسين بن الفضل: (الرَّحْمن الذي يرحم العبد على كشف الضر ودفع الشر، والرحيم الذي يرقّ وربما لا يقدر على الكشف). وقال أبو بكر الوراق أيضاً: (الرَّحْمن بمن جحده والرحيم بمن وحّده، والرَّحْمن بمن كفر والرحيم بمن شكر، والرَّحْمن بن قال ندّاً والرحيم بمن قال فردا). في أن التسمية من الفاتحة أو لا؟ واختلف الناس في أنّ التسمية؛ هل هي من الفاتحة؟ فقال قرّاء المدينة والبصرة وقرّاء الكوفة: إنها افتتاح التيمّن والتبرّك بذكره، وليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ولا تجب قراءتها وأن الآية السادسة قوله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} . وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة - رحمهم الله - ورووا ذلك عن أبي هريرة. أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكابلي، أخبرنا علي بن عبد العزيز الحلّي، حدّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، حدّثنا الحجاج عن أبي سعيد الهذلي عن ..... عن أبي هريرة قال (أنعمت عليهم) الآية السادسة، فزعمت فرقة أنها آية من أمّ القرآن، وفي سائر السور فصل، فليست هاهنا أنها يجب قراءتها. [وقال قوم: إنها آية من فاتحة الكتاب] رووا ذلك عن سعيد بن المسيب، وبه قال قرّاء مكة والكوفة وأكثر قرّاء الحجاز، ولم يعدّوا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية. وقال الشافعي والشعبي وهو رأي عبد الله أنها نزلت في الآية الأُولى من فاتحة الكتاب، وهي من كل سورة آية إلاّ التوبة. والدليل عليه الكتاب والسنة؛ أمّا الكتاب سمعت أبا عثمان بن أبي بكر الزعفراني يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن موسى يقول: سمعت الحسن بن المفضّل يقول: رأيت الناس ....... في النمل أن {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فيها من القرآن فوجدتها بخطها ولو أنها مكرّرات في القرآن، فعرفنا أماكنها منه بل حتى {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرَّحمن: 13]، {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 15] لما كانا في القرآن كانت مكرّراتهما من القرآن. وبلغناحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في بدء الأمر على رسم قريش: "باسمك اللهم" حتى نزلت: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} [سورة هود: 41] فكتب: {بِسْمِ ٱللَّهِ} حتى نزلت: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} [سورة الإسراء: 110] فكتب: "بسم الله الرَّحْمن"، حتى نزلت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [سورة النمل: 30]، فكتب مثلها فلمّا كانت ..... هذه .... وحيث أن يكون.... منه ثم افتخر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآيةتفسير : ، وحقّ له ذلك. حدّثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوراق: أخبرنا أبو بكر أحمد بن اسحاق الفقيه حدّثنا محمد ابن يحيى بن سهل، حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا سلمة بن الأحمر عن يزيد بن أبي خالد عن عبد الكريم بن أمية عن أبي بريدة عن أبيه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟". فقلت: بلى. قال: "بأي شيء تفتتح إذا افتتحت القرآن؟". قلت: {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فقال: "هي هي ". تفسير : وفي هذا الحديث دلّ دليل على كون التسمية آية تامّة من الفاتحة وفواتح السور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين لفظ الآية كلها، والتي في سورة النمل ليست بآية وإنما هي بعض الآية، وبالله التوفيق. وأمّا الأخبار الواردة فيه، فأخبرنا أبو القاسم السدوسي، حدّثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ابن عبد الله العنبري، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا أبو سفيان المعمري عن إبراهيم بن يزيد قال: قلت لعمرو بن دينار: إن الفضل الرقاشي زعم أن {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ليس من القرآن؟ قال: سبحان الله ما أجرأ هذا الرجل سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس يقول: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت آية {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} علم أن السورة قد ختمت وفتح غيرها . تفسير : وحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي: حدّثنا أبو محمد إسماعيل ابن عيسى الواسطي: حدّثنا عبد الله بن نافع عن جهم بن عثمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللهحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟" قال: أقول: الحمد لله رب العالمين. قال: "قل: {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ". تفسير : وحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو الحسين...، حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو عبيد، حدّثنا عمر بن هارون البلخي عن أبي صالح عن أبي مليكة عن مسلمةحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : يعني يقطّعها آية آية حتّى عدّ سبع آيات عدّ الأعراب. أخبرنا أبو الحسين محمّد بن أحمد، حدّثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثنا الحسين بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وكان يقول: "من ترك قراءتها فقد نقص". وكان يقول: "هي تمام السبع المثاني والقرآن العظيم". وأخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدّثنا جعفر بن حيّان عن عبد الملك بن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} تفسير : [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب. وقيل لابن عباس: أين السابعة؟ قال: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} وعدّها في يديه ثم قال: أُخرجها لكم، وما أجد فيها أمركم. أخبرنا [محمّد بن الحسين] حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدّثنا يزيد بن سنان، حدّثنا أبو بكر الحنفي، حدّثنا نوح بن أبي بلال قال: سمعت المقبري عن أبي هريرة أنه قال: إذا قرأتم أمّ القرآن فلا تبرحوا {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فإنها إحدى آياتها وإنها السبع المثاني. وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري، حدّثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، حدّثنا أحمد بن نصر، حدّثنا آدم بن إياس عن أبي سمعان عن العلا، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبادي نصفين؛ فإذا قال العبد: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال العبد {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} قال الله: فوّض إليّ أمره عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال الله: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ". تفسير : وأخبرنا علي بن محمد بن الحسن المقري، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد القصّار، حدّثنا محمد بن بكر البصري، حدّثنا محمد بن علي الجوهري، حدّثنا... حدثني أبو إسماعيل بن يحيى ...، حدّثنا سفيان الثوري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يحدّث أصحابه؛ إذ دخل رجل يصلّي، وافتتح الصلاة، وتعوّذ، ثم قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رجل، قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية منه فقد قطعت عليه صلاته"تفسير : . لا تكون الصلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، ومن ترك آية فقد بطلت صلاته. وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدّثنا أبو بكر محمد بن عمر بن هشام، أخبرنا محمد بن يحيى، حدّثنا حكيم بن الحسين، حدّثنا سليمان بن مسلم المكّي عن نافع عن أبي مليكة عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فقد ترك آية من كتاب الله ". تفسير : وقد عدّها علي عليه السلام فيما عدّ من أمّ الكتاب. وأما الإجماع، فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الورّاق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا علي بن المديني، حدّثنا عبدالوهّاب بن فليح،عن عبدالله بن ميمون عن عبيد بن رفاعة أن معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة فصلّى بالناس صلاة يجهر فيها، ولمّا قرأ أم القرآن ولم يقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} وقضى صلاته، ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية: أنسيت أين {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} حين استفتحت القرآن؟ فأعادها لهم معاوية فقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. الكلام في جزئية البسملة من باقي السور هذا في الفاتحة، فأما في غيرها من السور، فأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، أن أبا بكر بن حفص بن عاصم قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، وقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} لأم القرآن ولم يقرأ للسورة التي بعدها حتى قضى صلاته، فلمّا سلّم ناداه المهاجرون من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فصلى بهم صلاة أخرى وقرأ فيها للسورة التي بعدها. وما ... النظر بآيات [السور] مقاطع القرآن على ضربين متقاربة ومتشاكلة. والمتشاكلة نحو ما في سورة القمر والرَّحْمن وأمثالهما، والمتقاربة قيل: في سورة {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير : [ق: 1-2]، وما ضاهاها. ثم نظرنا في قوله: {قبلهم}، فلم يكن من المتشاكلة ولا من المتقاربة، ووجدنا أواخر آي القرآن على حرفين: ميم ونون أو حرف صحيح قبلها نا مكسورة فأوّلها، أو واو مضموم ما قبلها، أو ألف مفتوح ما قبلها، ووجدنا سبيلهم هو هو مخالف لنظم الكتاب. هذا ولم نرَ غير مبتدأ آية في كتاب الله .... إذ يقول أيضاً: إن التسمية لا [تخلو]؛ إما أن تكون مكتوبة للفصل بين السور، أو في آخر السور، أو في أوائلها أو حين نزلت كتبت، وحيث لم تنزل لم تكتب، فلو كتبت للفصل لكتبت ... وتراخ، ولو كتبت في الابتدا لكتبت في (براءة)، ولو كتبت في الانتهاء لكتبت في آخر {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 1]. فلمّا أبطلت هذه الوجوه علمنا أنها كتبت حيث نزلت، وحيث لم تنزل لم تكتب. يقول أيضاً: إنا وجدناهم كتبوا ما كان غير قرآن من الآي والأخرى، أو خضرة، وكتبوا التسمية بالسواد فعلمنا أنها قرآن، وبالله التوفيق. حكم الجهر بالبسملة في الصلاة ثم الجهر بها في الصلاة سنّة لقول الله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 2] (فأمر) رسوله أن يقرأ القرآن بالتسمية، وقال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14 و 15] فأوجب الفلاح لمن صلّى بالتسمية. وأخبرنا أبو القاسم [الحسن بن محمّد بن جعفر] حدّثنا أبو صخر محمد بن مالك السعدي بمرو، حدّثنا عبد الصمد بن الفضل الآملي، حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي بغوطة [دمشق] قال: صليت خلف المهديّ أمير المؤمنين فجهر بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، فقلت: ما هذه القراءة يا أمير المؤمنين؟ [فقال: ] حدثني أبي عن أبيه عن عبد الله بن عباسحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}تفسير : ، قلت: أآثرها عنك؟ قال: نعم. وحدّثنا الحسن بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا أبو أحمد محمد بن قريش بن حابس بمرو الروذ إملاءً، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدّيري، حدّثنا عبد الرزاق عن عمر بن دينار، أن ابن عمر وابن عباس كانا يجهران بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. وحدّثنا الحسن بن محمد بن زكريا العنبري، حدّثنا محمد بن عبد السلام، حدّثنا إسحاق ابن إبراهيم، أخبرنا خَيْثَمة بن سليمان قال: سمعت ليثاً قال: كان عطاء وطاووس ومجاهد يجهرون بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. وحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرَّحْمن المروزي، حدّثنا الحسن ابن علي بن نصير الطوسي، حدّثنا أبو ميثم سهل بن محمد، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزاعي، عن عمّار بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، أن العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ بسم {ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} يجهرون بها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن صفوان. وحدّثنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو نصر منصور بن عبد الله الاصفهاني، حدّثنا أبو القاسم الاسكندراني، حدّثنا أبو جعفر الملطي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه قال: "اجتمع آل محمد على الجهر بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، وعلى أن يقضوا ما فاتهم من صلاة الليل بالنهار، وعلى أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن القول وفي صاحبهما". وبهذا الإسناد قال: سئل الصادق عن الجهر بالتسمية، فقال: "الحق الجهر به، وهي التي التي ذكر الله عزّ وجلّ: {أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 46]". وحدّثنا الحسن، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن كعب العدل، حدّثنا الحسين ابن أحمد بن الليث، حدّثنا محمد بن المعلّى المرادي، حدّثنا أبو نعيم عن خالد بن إياس عن سعيد ابن أبي سعيد المقرىء عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتاني جبريل فعلمني الصلاة"، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبّر فجهر بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} . تفسير : وحدّثنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن حمدون، حدّثنا الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن أيوب قالا: حدّثنا عقيل عن الزهري قال: من سنّة الصلاة أن تقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} في فاتحة الكتاب (فإن) لم يقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} لم يقرأ السورة. وقال: إن أوّل من ترك {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} عمرو ابن سعيد بن العاص بالمدينة، واحتجّ من أنّ إتيان التسمية أنها من الفاتحة، والجهر بها في الصلاة بما أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل النيسابوري القطّان، حدّثنا محمد بن إبراهيم الجرجاني، حدّثنا إبراهيم بن عمّار عن سعيد بن أبي عروبة عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن إسماعيل العماريّ، حدّثنا يزيد بن أحمد بن يزيد، حدّثنا أبو عمرو، حدّثنا محمد بن عثمان، حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس،حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون، ويخفون {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} . تفسير : فعلم بهذا الحديث أنه لم ينفِ كون هذه الآية من جملة السورة، لكنه تعرّض لترك الجهر فقط، على أنه أراد بقوله: (لا يجهرون): أنهم لا يتكلفون في رفع الصوت ولم يرد الإسراء والتخافت أو تركها أصلا. ويدل عليه ما أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدّثنا محمد بن عبد السلام الوراق وعبد الله بن محمد بن عبد الرَّحْمن قالا: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا شريك، عن ياسر، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي ليلى، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بـ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} جهر بها صوته، فكان المشركون يهزؤون بمكّة ويقولون: يذكر إله اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، ويسمونه الرَّحْمن، فأنزل الله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} فيسمع المشركون فيهزؤون، {وَلاَ تُخَافِتْ} عن أمتك ولا تسمعهم {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } [الإسراء: 110] . تفسير : واحتجّوا أيضاً بما أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا بشر ابن مطر [عن سفيان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة] عن أبيه عن قتادة عن أنس حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون القراءة بـ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : ، وإنما عنى بها أنهم كانوا يستفتحون الصلاة بسورة (الحمد)، فعبّر بهذه الآية عن جميع السورة كما يقول: قرأت {الحمد لله} و (البقرة)، أي سورة{الحمد لله} وسورة (البقرة) ... أي رويناها نحكم على هذين الحديثين وأمثالهما وبالله التوفيق. قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ... على نفسه، نعيماً منه على خلقه. ولفظه خبر ومعناه أمر، تقريره: قولوا: الحمد لله. قال ابن عباس: يعني: الشكر منه، وهو من الحمد .... والحمد لله نقيض الذم. وقال ابن الأنباري: هو مقلوب عن المدح كقوله: جبل وجلب، و: بض وضبّ. واختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، فقال بعضهم: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال الحميدة، تقول: حمدت الرجل، إذا أثنيت عليه بكرم أو [حلم] أو شجاعة أو سخاوة، ونحو ذلك. والشكر له: الثناء عليه أو لآله. فالحمد: الثناء عليه بما هو به، والشكر: الثناء عليه بما هو منه. وقد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرته، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، [فـ] لا يقال: شكرته على علمه وحلمه. والحمد أعمّ من الشكر؛ لذلك ذكره الله فأمر به، فمعنى الآية: الحمد لله على صفاته العليا وأسمائه الحسنى، وعلى جميع صنعه وإحسانه إلى خلقه. وقيل: الحمد باللسان قولاً، قال الله: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} تفسير : [الإسراء: 111]، وقال: {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ} تفسير : [النمل: 59] والشكر بالأركان فعلاً، قال الله تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} تفسير : [سبأ: 13]. وقيل: الحمد لله على ما حبا وهو النعماء، والشكر على ما زوى وهو اللأواء. وقيل: الحمد لله على النعماء الظاهرة، والشكر على النعماء الباطنة، قال الله تعالى: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} تفسير : [لقمان: 20]. وقيل: الحمد ابتداء والشكر .... حدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري لفظاً، حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي، حدّثنا محمد بن علي الترمذي، حدّثنا عبد الله بن العباس الهاشمي، حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو (بن العاص) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده ". تفسير : وحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، حدّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدّثنا علي بن حجر، حدّثنا شعيب بن صفوان عن مفضّل بن فضالة عن علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن {الحمد لله} قال: كلمة شكر أهل الجنة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا بسم الله سبحانه وتعالى - ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ البداية نفسها التي أرادها الله تبارك وتعالى - وهي أن تكون البداية بسم الله. وأول الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم كانت {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1]. وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون .. هي بسم الله. ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية. ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن .. وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: {ٱقْرَأْ}. واقرأ تتطلب أن يكون الإنسان .. إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه .. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه .. وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه .. وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب. وعندما قال جبريل: {ٱقْرَأْ} .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ .. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام منطقيا مع قدراته. وتردد القول ثلاث مرات .. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه وتعالى يقول للرسول: {ٱقْرَأْ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ .. ولقد أخذ خصوم الإسلام هذه النقطة .. وقالوا كيف يقول الله لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا بقارئ. نقول إن الله تبارك وتعالى .. كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلماً للبشرية كلها إلى يوم القيامة .. لأن كل البشر يعلمهم بشر .. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى. ليكون معلما لأكبر علماء البشر .. يأخذون عنه العلم والمعرفة. لذلك جاء الجواب من الله سبحانه وتعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} تفسير : [العلق: 1-2]. أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله .. وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الأميّ إعجازا .. ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه منك فقط لحظة نزوله. ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ولكن حتى قيام الساعة، ولذلك قال جل جلاله: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} تفسير : [العلق: 3-4]. أي أن الذي ستقرؤه يا محمد .. سيظل معلما للإنسانية كلها إلى نهاية الدنيا على الأرض .. ولأن المعلم هو الله سبحانه وتعالى قال: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} تفسير : [العلق: 3] مستخدما صيغة المبالغة. فهناك كريم وأكرم .. فأنت حين تتعلم من بشر فهذا دليل على كرم الله جل جلاله .. لأنه يسر لك العلم على يد بشر مثلك .. أما إذا كان الله هو الذي سيعلمك .. يكون "أكرم" .. لأن ربك قد رفعك درجة عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى. والحق يريد أن يلفتنا إلى أن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه يقرؤه بسم الله، ومادام بسم الله .. فلا يهم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم من بشر أو لم يتعلم. لأن الذي علمه هو الله .. وعلمه فوق مستوى البشرية كلها. على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله .. لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا .. ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه .. فالأمر لله علماً وقدرة ومعرفة .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. لذلك أنت تقرأ القرآن بسم الله لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاماً وتنزيلاً وقراءة .. ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله .. لأننا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلا .. لابد أن نبدأ بسم الله .. لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها .. ولا خلقنا البذرة التي نبذرها. ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع. إن الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع .. إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله .. بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع. والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار .. ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة. ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء .. فكأنه حين يبدأ العمل بسم الله، يبدؤه بسم الله الذي سخر له الأرض .. وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له عليها .. ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته .. فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له .. والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك .. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون .. ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية. بل هي تعمل بقدرة خالقها الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها. الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه. ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى أي انسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا .. لكان استئناس الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما .. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72]. وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا. يأتي الله سبحانه وتعالى إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة. والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون. فيلفتنا الله تبارك وتعالى إلى خطأ هذا الكلام. بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون .. فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمَنْ الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين إن شاءت جعلتها تعمل وإن شاءت جعلتها لا تعمل .. إذن فكل شيء في الكون بسم الله .. هو الذي سخر وأعطى .. وهو الذي يمنح ويمنع. حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار .. واقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50]. والأصل في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى .. هذا هو القانون .. ولكن القوانين لا تعمل إلا بأمر الله .. لذلك يتزوج الرجل والمرأة ولا تأتي الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق .. ولكنها إرادة خالق القانون .. إن شاء جعله يعمل .. وإن شاء يبطل عمله .. والله سبحانه وتعالى لا تحكمه القوانين ولكنه هو الذي يحكمها. وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل القوانين تفعل أو لا تفعل .. فهو قادر على أن يخرق القوانين .. خذ مثلا قصة زكريا عليه السلام .. كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاج إليه .. ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها .. وسألها وهي القديسة العابدة الملازمة لمحرابها.. {أية : قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} تفسير : [آل عمران: 37]. الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة .. مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل الشبهات .. ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون .. هو عدم السؤال عن مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات مَنْ يحصل عليها. الأم ترى الأب ينفق ما لا يتناسب مع مرتبه .. وترى الابنة ترتدي ما هو أكبر كثيرا من مرتبها أو مصروفها .. ولو سألت الأم الأب أو الابنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع .. ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام. بماذا ردت مريم عليها السلام؟ {أية : قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. إذن فطلاقة قدرة الله لا يحكمها قانون .. لقد لفتت مريم زكريا عليهما السلام إلى طلاقة القدرة .. فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع فيها الا طلاقة القدرة .. فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا .. هذه قضية ضد قوانين الكون .. لأن الإنجاب لا يتم الا وقت الشباب، فإذا كبر الرجل وكبرت المرأة لا ينجبان .. فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا .. لم تنجب وهي شابة وزوجها شاب .. فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز .. هذه مسألة ضد القوانين التي تحكم البشر .. ولكن الله وحده القادر على أن يأتي بالقانون وضده .. ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان .. ورزق زكريا بابنه يحيى. إذن كل شيء في هذا الكون بسم الله .. يتم باسم الله وبإذن من الله .. الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن إرادة الله فوق كل الأسباب .. أنت حين تبدأ كل شيء بسم الله .. كأنك تجعل الله في جانبك يعينك .. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء بسم الله .. لأن الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه وتعالى .. والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة .. فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى قوته وإلى عونه وإلى رحمته .. فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات .. كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها .. كأن نقول بسم الله القوي وبسم الله الرازق وبسم الله المجيب وبسم الله القادر وبسم الله النافع .. إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها .. ولكن الله تبارك وتعالى جعلنا نقول بسم الله بسم الله بسم الله الجامع لكل هذه الصفات. على أننا لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون الجزاء المادي وحده .. إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله .. وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله .. كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب للجميع .. له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة .. ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان .. بل الحياة الحقيقية هي الآخرة .. الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية .. بقدر عطاء الله في الدنيا .. والذي في باله الله يأخذ بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [سبأ: 1]. لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا .. ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة .. فلله الحمد في الدنيا والآخرة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع ". تفسير : ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل .. أي عمل ناقص فيه شيء ضائع .. لأنك حين لا تبدأ العمل بسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك .. وحين لا تبدأ العمل بسم الله .. فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا .. وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة .. فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة. فأقبل على كل عمل بسم الله .. قبل أن تأكل قل بسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به .. عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح .. عندما تدخل إلى بيتك قل بسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت .. عندما تتزوج قل باسم الله لأنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك .. في كل عمل تفعله ابدأه باسم الله .. لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه وتعالى .. فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملاً يغضب الله بسم الله .. إذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر .. أو أن تفعل عملاً يغضب الله .. وتذكرت بسم الله .. فإنك ستمتنع عنه .. ستستحي أن تبدأ عملا بسم الله يغضب الله .. وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه الله. الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلامه باسم الله .. فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله .. والله هو الإله المعبود في كونه .. ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به .. ولا نقدم على ما نهى عنه .. فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة .. وبطاعته في افعل ولا تفعل .. وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي آمنت به رباً وإلهاً .. والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى .. والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيها .. والذي خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة .. والذي ستقف أمامه يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت .. فالبداية من الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى. بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله .. وقد عصيت وقد خالفت .. نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن .. وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت .. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه بسم الله الرحمن الرحيم .. فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي .. بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها .. ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله .. فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم .. فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ بسم الله لأنني عصيته .. فالله سبحانه وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود إلى حظيرة الإيمان وهو رحمن رحيم .. فإذا قلت كيف أقول بسم الله وقد وقعت في معصية أمس .. نقول لك قل بسم الله الرحمن الرحيم .. فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه .. وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا. والرحمة والرحمن والرحيم .. مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه .. هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق .. بلا حول ولا قوة .. ويجد فيه كل ما يحتاج إليه نموه ميسرا .. رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل .. انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه .. وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته إليها .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي. "حديث : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته " تفسير : الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا .. ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر .. ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه .. ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم .. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا .. نرفع أيدينا إلى السماء .. ونقول يا رب رحمتك .. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله .. كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود إليه .. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا. على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة .. يقال راحم ورحمن ورحيم .. إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة .. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة .. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة .. والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف .. وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق .. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات .. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40]. هذه الآية الكريمة .. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46]. نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة .. "ظلام" .. أي شديد الظلم .. وقول الحق سبحانه وتعالى: "ليس بظلام" .. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة .. نقول إنك لم تفهم المعنى .. إن الله لا يظلم أحدا .. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد .. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد .. والعبيد هم كل خلق الله .. فلو أصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة .. فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل .. ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله تبارك وتعالى .. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة. نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم .. رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته .. فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر .. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق مَنْ آمن به ومَنْ لم يؤمن به، ويعفو عن كثير .. إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه بصرف النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم. ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط .. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله .. اذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة .. أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا .. فمن أين تأتي المبالغة؟ .. تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء .. فنعم الله في الآخرة أكبر كثيراً منها في الدنيا .. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها .. فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها. لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن الرحيم .. وهي موجودة في 113 سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور نفسها .. بمعنى أن كل سورة تبدأ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] تحسب البداية على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور. وقال العلماء أن {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] آية من آيات القرآن الكريم .. ولكنها ليست آية من كل سورة ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة .. وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا تبدأ بـ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن الرحيم في الآية 30 من سورة النمل في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}.
الصابوني
تفسير : بَيْن يَدَي السُّورَة: هذه السورة الكريمة مكية وآياتها سبعٌ بالإِجماع، وتسمى "الفاتحة" لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إِنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول، وهي - على قصرها ووجازتها - قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإِجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإِيمان بصفات الله الحسنى، وإِفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والتوجه إِليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إِلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إِليه بالتثبيت على الإِيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الاخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إِلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة ولهذا تسمّى "أم الكتاب" لأنها جمعت مقاصده الأساسية. فضْلهَا: أ - روى الإِمام أحمد في المسند أن "أبيَّ بن كعب" قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإِنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه"تفسير : فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى في سورة الحجر {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} تفسير : [الآية: 87]. ب - وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلَّى: "حديث : لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبعُ المثاني والقُرآن العظيم الذي أوتيتُه ". تفسير : التسمِيَة: تسمى "الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد" وقد عدّدها العلامة القرطبي وذكر أن لهذه السورة اثني عشر إسماً. اللغَة: {ٱلْحَمْدُ} الثناء بالجميل على جهة التعظيم، والتبجيل مقروناً بالمحبة وهو نقيض الذم وأعمُّ من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف الحمد {الله} اسم علم للذات المقدسة لا يشاركه فيه غيره، قال القرطبي: هذا الاسم {الله} أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، وهو اسم للموجود الحق، الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي لا إِله إِلا هو سبحانه {رَبِّ} الربّ: مشتق من التربية وهي إِصلاح شئون الغير ورعاية أمره قال الهروي: "يقال لمن قام بإِصلاح شيء وإِتمامه: قد ربَّه ومنه الربانيون لقيامهم بالكتب" والربُّ يطلق على عدة معان وهي "المالك، والمصلح، والمعبود، والسيد المطاع" {ٱلْعَالَمِينَ} العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط، وهو يشمل: الإِنس والجن والملائكة والشياطين كذا قال الفراء، وهو مشتق من العلامة لأن العالم علامة على وجود الخالق جل وعلا {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} صفتان مشتقتان من الرحمة، وقد روعي في كلٍ من {ٱلرَّحْمـٰنِ} و {ٱلرَّحِيمِ} معنى لم يراع في الآخر فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة لأن "فَعْلان" صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ولا يلزم منه الدوام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائم الإِحسان. قال الخطابي: الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر، والرحيم خاص بالمؤمن كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43]، {ٱلدِّينِ} الجزاء ومنه الحديث (كما تدين تُدان) أي كما تفعل تُجزى {نَعْبُدُ} قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولي أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى الخضوع {ٱلصِّرَاطَ} الطريق وأصله بالسين من الاستراط بمعنى الابتلاع كأن الطريق يبتلع السالك قال الشاعر: شعر : شحنّا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أَذلَّ من الصّراط تفسير : {ٱلْمُسْتَقِيمَ} الذي لا عوج فيه ولا انحراف {آمين} أي استجب دعاءنا وهي ليست من القرآن الكريم إِجماعاً. التفسِير: علمنا الباري جلّ وعلا كيف ينبغي أن نحمده ونقدسه ونثني عليه بما هو أهله فقال {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي قولوا يا عبادي إِذا أردتم شكري وثنائي الحمد لله، اشكروني على إِِِحساني وجميلي إِليكم، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإِيجاد، رب الإِنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرضين، فالثناء والشكر لله رب العالمين دون ما يُعبد من دونه {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} أي الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق والهداية إِلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} أي هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرّف المالك في ملكه {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19] {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نخصُّك يا ألله بالعبادة، ونخصك بطلب الإِعانة، فلا نعبد أحداً سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع، وإِيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحدٌ سواك {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم، وثبتنا على الإِسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإِنعام، من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولئك رفيقاً {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية. اللهم آمين. البَلاَغَة: 1- {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} الجملة خبرية لفظاً إِنشائية معنىً أي قولوا "الحمد لله" وهي مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى كقولهم: الكرم في العرب. 2 - {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه إِلتفات من الغيبة إِلى الخطاب ولو جرى الكلام على الأصل لقال: إِيّاه نعبد، وتقديم المفعول يفيد القصر أي لا نعبد سواك كما في قوله: {أية : وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] 3 - قال في البحر المحيط: وفي هذه السورة الكريمة من أنواع الفصاحة والبلاغة أنواع: الأول: حسن الافتتاح وبراعة المطلع. الثاني: المبالغة في الثناء لإِفادة "أل" الاستغراق. الثالث: تلوين الخطاب إِذ صيغته الخبر ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله. الرابع: الاختصاص في قوله {للَّه} الخامس: الحذف كحذف صراط من قوله {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} تقديره غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين. السادس: التقديم والتأخير في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. السابع: التصريح بعد الإِبهام {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} ثم فسره بقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. الثامن: الالتفات في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. التاسع: طلب الشيء والمراد به دوامه واستمراره في {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ} أي ثبتنا عليه. العاشر: السجع المتوازي في قوله: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} وقوله {نَسْتَعِينُ * * ٱلضَّآلِّينَ}. الفوَائِد: الأولى: الفرق بين {الله} و {الإِله} أن الأول اسم علم للذات المقدسة ذات الباري جل وعلا ومعناه المعبود بحق والثاني معناه المعبود بحقٍ أو باطل فهو اسم يطلق على الله تعالى وعلى غيره. الثانية: وردت الصيغة بلفظ الجمع "نعبد ونستعين" ولم يقل "إِياك أعبد وإِياك أستعين" بصيغة المفرد وذلك للإِعتراف بقصور العبد عن الوقوف في باب ملك الملوك فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الحقير الذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنضم إلى سلك المؤمنين الموحّدين فتقبل دعائي في زمرتهم فنحن جميعاً نعبدك ونستعين بك. الثالثة: نسبَ النعمة إِلى الله عز وجل {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم ينسب إِليه الإِضلال والغضب فلم يقل: غضبتَ عليهم أو الذين أضللتَهم وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى، فالشر لا ينسب إِلى الله تعالى أدباً وإِن كان منه تقديراً "الخير كله بيديك والشر لا ينسب إِليك". خاتمة في بَيَان الأسرَار القُدْسِيّة في فاتِحَة الكِتاب العَزِيز يقول شهيد الإِسلام الشيخ حسن البنا في رسالته القيمة "مقدمة في التفسير" ما نصه: "لا شك أن من تدبَّر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر آثار رحمته متجددة في كل شيء، فإِذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإِله {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وذكّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبةٍ ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بـ {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ومن كمال هذا الإِله العظيم أن يقرن الرحمن بـ "العدل" ويذكّر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19] فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} وإِذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إِلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إِلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إِليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وليسأله الهداية من فضله إِلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إِليه فلا يوفقون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن "آمين" براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إِلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآية الكريمة؟ وتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي (حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل..)تفسير : الحديث وأدم هذا التدبير والإِنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مكث وتمهّل، وخشوع وتذلّل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإِن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضلُ من تلاوة في تدبرٍ وخشوعٍ".
الصابوني
تفسير : التحليل اللفظي {ٱلْحَمْدُ للَّهِ}: الحمد هو الثناء بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل. قال القرطبي: الحمد في كلام العرب معناه: الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس، فهو - سبحانه - يستحق الحمد بأجمعه، والثناء المطلق. والحمد نقيض الذم. وهو أعم من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف الحمد، تقول: حمدت الرجل على شجاعته، وعلى علمه، وتقول: شكرته على إحسانه. والحمد يكون باللسان، وأمّا الشكر فيكون بالقلب، واللسان، والجوارح. قال الشاعر: شعر : أفادتكم النعماء منّي ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبّا تفسير : وذهب الطبري: إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء، لأنك تقول: الحمد لله شكراً. قال القرطبي: وما ذهب إليه الطبري ليس بمرضي، لأن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكرُ ثناءٌ على الممدوح بما أولى من الإحسان، وعلى هذا يكون {ٱلْحَمْدُ} أعمّ من الشكر. {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: الربّ في اللغة: مصدر بمعنى التربية، وهي إصلاح شؤون الغير، ورعاية أمره، قال الهروي: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربّه، ومنه سميّ (الربانيون) لقيامهم بالكتب. وفي "الصحّاح": ربّ فلانٌ ولده يربّه تربية أي ربّاه، والمربون: جمع المربّي. والرّب: مشتقٌ من التربية، فهو سبحانه وتعالى مدبّر لخلقه ومربيّهم، ويطلق الربّ على معان وهي: (المَالك، والمصلح، والمعبود، والسيّد المطاع) تقول: هذا ربّ الإبل، وربّ الدار، أي مالكها، ولا يقال في غير الله إلا بالإضافة، ففي الحديث الشريف: "حديث : لا يقل أحدُكم: أطعمْ ربّك، وضّيْء ربّك، ولا يقل أحدكم ربيّ، وليقل سيّدي ومولاي ". تفسير : والربّ: المعبود، ومنه قول الشاعر: شعر : أربّ يبول الثّعلبان برأسه لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب تفسير : والربّ: السيّد المطاع، ومنه قوله تعالى: {أية : فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} تفسير : [يوسف: 41] أي سيّده. والربّ: المصلح، ومنه قول الشاعر: شعر : يربّ الذي يأتي من الخير إنّه إذا سئل المعروف زاد وتممّاً تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ}: جمع عالَم، والعالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط والأنام. قال أبو السعود: العالَم: اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب، غلب فيما يعلم به الصانع تبارك وتعالى من المصنوعات. قال ابن الجوزي: العالم عند أهل العربية: اسم للخلق من مبدئهم إلى منتهاهم، فأمّا أهل النظر، فالعالَم عندهم: اسمٌ يقع على الكون الكلّي المُحْدَث من فلَك، وسماءٍ، وأرضٍ وما بين ذلك وفي اشتقاق العالَم قولان: أحدهما: أنه من العلم، وهو يقوّي قول أهل اللغة. والثاني: أنه من العلامة، وهو يقوّي قول أهل النظر. فكلُ ما في هذا الكون دالّ على وجود الصانع، المدبّر، الحكيم كما قال الشاعر: شعر : فيا عجباً كيف يُعْصى الإلٰه أم كيف يَجْحده الجاحد؟ ولله في كل تحريكة وتسكينةٍ أبداً شاهد وفي كل شيء له آيةٌ تدلّ على أنّه واحد تفسير : قال ابن عباس: (ربّ العالمين أي ربّ الإنس، والجنّ، والملائكة). وقال الفرّاء وأبو عبيدة: العالَمُ عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: (الإنس، والجنّ، والملائكة، والشياطين) ولا يقال للبهائم: عالَم لأن هذا الجمع جمع من يعقل خاصةً، قال الأعشى : (ما إن سمعت بمثلهم في العالمين). وقال بعض العلماء: كلّ صنف من أصناف الخلائق عالمٌ، فالإنس عالم، والجنّ عالم، والملائكة عالم، والطير عالم، والنبات عالم، والجماد عالم.. الخ فقيل: ربّ العالمين ليشمل جميع هذه الأصناف من العوالم. {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}: اسمان من أسمائه تعالى مشتقان من الرحمة، ومعنى {ٱلرَّحْمـٰنِ}: المنعم بجلائل النعم، ومعنى {ٱلرَّحِيمِ}: المنعم بدقائقها. ولفظ {ٱلرَّحْمـٰنِ} مبنيّ على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة التي لا نظير له فيها، لأن بناء (فعلان) في كلامهم للمبالغة، فإنهم يقولون للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبَع: شبعان. قال الخطّابي: فـ {ٱلرَّحْمـٰنِ} ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم، وعمّت المؤمن والكافر. و {ٱلرَّحِيمِ} خاص للمؤمنين كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43]. ولا يجوز إطلاق اسم (الرحمٰن) على غير الله تعالى لأنه مختص به جلّ وعلا، بخلاف الرحيم فإنه يطلق على المخلوق أيضاً قال تعالى: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. قال القرطبي: "وأكثرُ العلماء على أن الرحمٰن مختصّ بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمّى به غيره، ألا تراه قال: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} تفسير : [الإسراء: 110] فعادَل الاسم الذي لا يَشْركه فيه غيره: {أية : أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45] فأخبر أن الرحمٰن هو المستحق للعبادة جلّ وعزّ، وقد تجاسر (مسيلمة الكذاب) لعنه الله فتسمى بـ (رحمان اليمامة) ولم يتسمّ به حتى قرع مسامَعه نعت الكذّاب، فألزمه الله ذلك حتى صار هذا الوصف لمسيلمة عَلَماً يُعرف به". {يَوْمِ ٱلدِّينِ}: يوم الجزاء والحساب، أي أنه سبحانه المتصرّف في يوم الدين، تصرّف المالك في ملكه، والدينُ في اللغة: الجزاءُ، ومنه قوله عليه السلام: "إفعل ما شئت كما تدين تدان" أي كما تفعل تجزى. قال في "اللسان": والدينُ: الجزاء والمكافأة، ويومُ الدين: يوم الجزاء، وقوله تعالى: {أية : أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} تفسير : [الصافات: 53] أي مجزيّون محاسبون، ومنه الديّان في صفة الله عز وجل قال لبيد: شعر : حصادك يوماً ما زرعت وإنما يُدان الفتى يوماً كما هو دائن تفسير : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}: نعبدُ: نذلّ ونخشع ونستكين، لأن العبودية معناها: الذلّة والاستعانة، مأخوذ من قولهم: طريق معبّد أي مذلّل وطئته الأقدام، وذلّلته بكثرة الوطء، حتى أصبح ممهداً. قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه ثوبٌ ذو عَبَدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى، لأنه مولي أعظم النعم. فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع. والمعنى: لك اللهمّ نذل ونخضع ونخصك بالعبادة لأنك المستحقّ لكل تعظيم وإجلال، ولا نعبد أحداً سواك. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: الاستعانة: طلب العون، قال الفراء: أعنتهُ إعانةً، واستعنتهُ واستعنت به، وفي الدعاء: ربّ أعنّي ولا تُعِنْ عليّ، ورجل معوان: كثير الإعانة للناس وفي حديث ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). والمعنى: إيّاك ربنا نستعين على طاعتك وعبادتك في أمورنا كلها، فلا يملك القدرة على عوننا أحد سواك، وإذا كان من يكفر بك يستعين بسواك، فنحن لا نستعين إلا بك. {ٱهْدِنَا}: فعل دعاء ومعناه: دلّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنْسك وقُربك. والهداية في اللغة: تأتي بمعنى الدلالة كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17] وتأتي بمعنى الإرشاد وتمكين الإيمان في القلب كما قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ...} تفسير : [القصص: 56]. فالرسول صلى الله عليه وسلم هادٍ بمعنى أنه دالّ على الله {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] ولكنه لا يضع الإيمان في قلب الإنسان. وفعل هدى يتعدى بـ (إلى) وبـ (اللام) كقوله تعالى: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 23] وقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [الأعراف: 43] وقد يتعدّى بنفسه كما هنا {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ}. {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}: الصّراط: الطريقُ، وأصله بالسين (السّراط) من الاستراط بمعنى الابتلاع، سميّ بذلك لأنّ الطريق كأنه يبتلع السالك. قال "الجوهري": الصّراط، والسّراط، والزّراط: الطريق قال الشاعر: شعر : وأحملهم على وَضِح الصّراط تفسير : أي على وضح الطريق. قال القرطبي: أصلُ الصراط في كلام العرب: الطريق، قال الشاعر: شعر : شحنّا أرضهم بالخيل حتّى تركناهم أذلّ من الصراط تفسير : والعرب تستعير (الصراط) لكل قولٍ أو عملٍ وصف باستقامةٍ أو اعوجاج، والمراد به هنا ملّة الإسلام. {ٱلْمُسْتَقِيمَ}: الذي لا عوج فيه ولا انحراف، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ...} تفسير : [الأنعام: 153] وكلّ ما ليس فيه اعوجاج يسمّى مستقيماً. ومعنى الآية: ثبّتنا يا ألله على الإيمان، ووفقنا لصالح الأعمال، واجعلنا ممن سلك طريق الإسلام، الموصل إلى جنّات النعيم. {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}: النعمةُ: لينُ العيش ورغده، تقولُ: أنعمتُ عينَه أي سررتها، وأنعمتُ عليه بالغتُ في التفضيل عليه، والأصل فيه أن يتعدّى بنفسه، تقول: (أنعمتُه) أي جعلته صاحب نعمة، إلاّ أنه لمّا ضمنِ معنى التفضل عليه عدّي بعلى {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. قال ابن عباس: هم النبيّون، والصدّيقون، والشهداء، والصالحون، وإلى هذا ذهب جمهور المفسّرين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم}: هم اليهود لقوله تعالى فيهم: {أية : وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 112] وقوله تعالى: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ...} تفسير : [المائدة: 60]. {ٱلضَّآلِّينَ}: الضلاّل في كلام العرب هو الذهاب عن سَنَن القصد، وطريق الحق، والانحراف عن النهج القويم، ومنه قولهم: ضلّ اللبن في الماء أي غاب، قال تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ...} تفسير : [السجدة: 10] أي غبنا بالموت فيها وصرنا تراباً، وقال الشاعر: شعر : ألم تسأل فتخبرْك الدّيارُ عن الحيّ المضلّل أين ساروا تفسير : والمراد بالضالين (النّصارى) لقوله تعالى فيهم: {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 77]. وقال بعض المفسّرين: الأولى أن يُحمل {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} على كلّ من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفُساق، ويُحمل {الضالّون} على كل من أخطأ في الاعتقاد، لأنّ اللفظ عامٌ، والتقييد خلاف الأصل، والمنكرون للصانع والمشركون أخبثُ ديناً من اليهود والنّصارى، فكان الاحتراز عن دينهم أولى، وهذا اختيار الإمام الفخر. وقد ردّه الألوسي لأن تفسير المغضوب عليهم والضالين بـ (اليهود والنصارى) جاء في الحديث الصحيح المأثور فلا يُعتد بخلافه. وقال القرطبي: "جمهور المفسّرين أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسّراً عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث (عديّ بن حاتم) وقصة إسلامه". وقال أبو حيان: وإذا صحّ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب المصير إليه. أقول: ما ذكره الفخر الرازي ليس فيه ردّ للمأثور، بل إنّه عمّم الحكم فجعله شاملاً لليهود والنصارى ولجميع من انحرف عن دين الله، وضلّ عن شرعه القويم، حيث يدخل في اللفظ جميع الكفّار والمنافقين، وإليك نصّ كلام الإمام "الفخر": قال رحمه الله: "ويحتمل أن يقال المغضوب عليهم هم الكفّار، والضّالون هم المنافقون، وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آياتٍ من أوّل البقرة، ثمّ أتبعه بذكر الكفار، ثمّ أتبعه بذكر المنافقين، فكذا هنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ثم أعقبه بذكر الكفار وهو قوله {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} ثمّ أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. آمين: كلمة دعاء وليست من القرآن الكريم إجماعاً، بدليل أنها لا تكتب في المصحف الشريف، ومعناها: استجب دعاءنا يا رب. قال الألوسي: ويُسنّ بعد الختام أن يقول القارئ (آمين) لحديث أبي ميسرة حديث : أنّ جبريل أقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، فلما قال: {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال له: قل: آمين فقال آمين . تفسير : قال ابن الأنباري: وأمّا (آمين) فدعاء، وليس من القرآن، وهو اسم من أسماء الأفعال ومعناه: اللهمّ استجب، وفيه لغتان: القصرُ (أمين) والمدّ (آمين) فالأول على وزن (فعيل) والثاني على وزن (فاعِل). قال الشاعر: شعر : يا ربّ لا تسلُبَنّي حبها أبدَاً ويرحمُ اللهُ عبداً قال آميناً تفسير : وقال ابن زيدون: شعر : غيظ العِدَى من تساقينا الهَوَى فَدَعَوْا بأن نَغَصَّ فقال الدهر: آمِنا تفسير : المعنى الإجمالي علّمنا الله - تقدّست أسماؤه - كيف ينبغي أن نحمده ونقدّسه، ونثني عليه بما هو أهله، فقال ما معناه: يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي فقولوا: الحمد لله ربّ العالمين، اشكروني على إحساني وجميلي إليكم، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإيجاد، ربّ الإنس والجن والملائكة، وربّ السماوات والأرضين، وأنا الرحمٰن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمّ فضله جميع الأنام، فالثناء والشكر لله رب العالمين، دون ما يعبد من دونه، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق وسلامة الجوارح، وهداية الخلق إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهو السّيّد الذي لا يبلغ سؤدده أحد، والمصلح أمر عباده بما أودع في هذا العالم من نظام، يرجع كلّه بالمصلحة على عالم الإنسان والنبات والحيوان، فمن شمسٍ لولاها ما وجدت حياة ولا موت، ومن غذاءٍ به قوام البشر، ومياه بها حياة النبات والحيوان، وأنا المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين، تصرّف المالك في ملكه، فخصوني بالعبادة دون سواي، وقولوا لك اللهمّ نذلّ ونخضع، ونستكين ونخشع، ونخصّك بالعبادة، ولا نعبد أحداً سواك، وإيّاك ربّنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإنك المستحقّ لكل إجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحد سواك. فثبتنا يا ألله على الإسلام دينك الحق، الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، وثبتنا على الإيمان، واجعلنا ممّن سلك طريق المقربين، طريق النبيّين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ولا تجعلنا يا ألله من الحائرين عن قصد السبيل، السالكين غير المنهج القويم، من الذين ضلّوا عن شريعتك القدسية، وكفروا بآياتك ورسلك وأنبيائك، فاستحقوا اللعنة والغضب إلى يوم الدين.. اللهمّ آمين. معاني الفاتحة في "ظلال القرآن" يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره "الظلال" ما نصه: (يردّد المسلم هذه السورة القصيرة، ذات الأيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن، وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلاً غير الفرائض والسنن، ولا تصح صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". تفسير : إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجهات ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة. تبدأ السورة بـ (بسم الله الرحمٰن الرحيم) والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم في أول ما نزل من القرآن باتفاق، وهو قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1] وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أنّ الله (الأول، والآخر، والظاهر، والباطن) فهو سبحانه الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجودٍ وجودَه، ويبدأ منه كل مبدوءٍ بدأه، فباسمه إذن يكون كل ابتداء، وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه. وإذا كان البدء باسم الله، وما ينطوي عليه من توحيد لله، وأدبٍ معه، يمثّل الكلّية الأولى في التصور الإسلامي، فإن استغراق معاني الرحمة في صفتي (الرحمٰن الرحيم) يمثّل الكليّة الثانية في هذا التصور، ويقرّر حقيقة العلاقة بين الله والعباد وعقب البدء بـ {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} يجيء التوجه إلى الله بالحمد، ووصفُه بالربوبية المطلقة، يمثّل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله، والحمد هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن، فإن وجوده ابتداءً ليس إلا فيضاً من فيوضات النعمة الإلهية، وفي كل لمحة، وفي كل لحظة، وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله، وتغمر الخلائق كلها، وبخاصة هذا الإنسان. والربوبية المطلقة: هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل، والغَبَش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة، وشمولُ هذه الربوبية للعالمين جميعاً، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة، لتتّجه العوالم كلها إلى ربّ واحد، تقرّ له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة. وتبدو العقيدة الإسلامية: في كمالها وتناسقها رحمة.. رحمةً حقيقية للقلب والعقل، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقربٍ وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق. ثم تأتي هذه الصفة {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} التي تستغرق كلّ معاني الرحمة، وحالاتها ومجالاتها، تتكرر هنا في صلب السورة في آية مستقلة لتؤكد تلك الربوبية الشاملة، ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الربّ ومربوبيه، وبين الخالق ومخلوقاته.. إنها صلة الرحمة والرعاية، التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة النديّة. والتعبير بقوله: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} يمثّل الكليّة الضخمة، العميقة التأثير، كلية الاعتقاد بالآخرة. والاعتقادُ بيوم الدين كلية من كليّات العقيدة الإسلامية ذات قيمة هامة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالَم آخر، وهو مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا، والصور المشوّهة المنحرفة التي لم يُقدّر لها الكمال، وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع، ما لم تتحقّق هذه الكلية في تصور البشر، وما لم يثق الفرد المحدود بأنّ له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها وأن يضحّي في سبيلها. وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعورٍ، ولا خُلُق، ولا سلوك، ولا عمل، فهما صنفان مختلفان من الخَلْق، وطبيعتان متميّزتان، لا تلتقيان في الأرض في عمل، ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء.. وهذا هو مفرق الطريق. وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة، فلا عبادة إلاّ لله، ولا استعانة إلاّ بالله. وهنا كذلك مفرق طريق.. مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية، وبين العبودية المطلقة للعبيد، وهي تعلن ميلاد التحرر البشري، الكامل الشامل. ولقد درج (الغربيون) على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم: "قهر الطبيعة" ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية، المقطوعة الصلة بالله، وبروح الكون المستجيب لله، فأمّا المسلم الموصول القلب بربه الرحمٰن الرحيم الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبّحة لله رب العالمين، فيؤمن بأن هناك علاقة أخرى، غير علاقة القهر والجفوة، إنه يعتقد بأن الله هو مبدع هذه القُوى جميعاًِ، خلقها كلها وفق ناموس واحد، وسخّرها للإنسان ابتداءً، ويسّر له كشف أسرارها، ومعرفة قوانينها، وأنّ على الإنسان أن يشكر الله كلّما هيأ لَه أن يظفر بمعونة من إحداها، فالله هو الذي يسخّرها وليس هو الذي يقهرها {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13]. وبعد تقرير تلك الكليّات الأساسية في التصور الإسلامي، يبدأ في التطبيق العملي {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته، وهو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين، وهذا الأمر أعظم ما يطلبه المؤمن من ربه، فالهداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله، الذي ينسّق بين حركة الإنسان، وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين، ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فهو طريق الذين قسم لهم نعمته، لا طريق الذين غضب الله عليهم.. إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين. ولعلَّ ذلك يكشف لنا عن سرّ من أسرار اختيار السورة ليردّدها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة، أو ما شاء الله أن يردّدها كلّما قام يدعوه في الصلاة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أمر الباري - جل وعلا - بالتعوذ عند قراءة القرآن: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} تفسير : [النحل: 98]. قال جعفر الصادق: "إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ، وأما سائر الطاعات فإنه لا يتعوذ فيها، والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة، والنميمة، فأمر الله تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهراً، فيقرأ بلسان طاهر، كلاماً أنزل من رب طيب طاهر". اللطيفة الثانية: المشهور عند أهل اللغة أن البسملة هي قول القائل: (بسم الله الرحمٰن الرحيم)، وقد اشتهر هذا في الشعر والنثر، قال الشاعر: شعر : لقد بسملَتْ ليلَى غداةَ لقيتُها فيها حبّذَا ذاك الحبيبُ المبسملُ تفسير : وفي افتتاح القرآن الكريم بهذه الآية إرشادٌ لنا أن نستفتح بها كلّ أفعالنا وأقوالنا، وقد جاء في الحديث الشريف: "حديث : كلّ أمرٍ ذي بال لا يُبْدأ فيه ببسم الله الرحمٰن الرحيم فهو أبتر" تفسير : أي ناقص. فإن قيل: لماذا نقول بسم الله، ولا نقول بالله؟ فالجواب كما قال العلاّمة أبو السعود: هو التفريق بين اليمين والتيمّن يعني التبرك، فقول القائل: بالله يحتمل القسم ويحتمل التبرك. فذكر الاسم يدل على إرادة التبرك والاستعانة بذكره تعالى، ويقطع احتمال إرادة القسم. اللطيفة الثالثة: يرى بعض العلماء أنّ الاسم هو عين المسمّى، فقول القائل: (بسم الله) كقوله: (بالله) وأن لفظ الاسم مقحم كما في قول لبيد بن ربيعة: شعر : إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : أي ثمّ السلام عليكما، وقد ردّ هذا شيخ المفسرين ابن الطبري. قال ابن جرير الطبري: لو جاز ذلك وصحّ تأويله فيه على ما تأول لجاز أن يُقال: رأيت اسم زيد، وأكلتُ اسم الطعام، وشربت اسم الدواء، وفي إجماع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويله، ويقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يُقال: أكلتُ اسم العسل، يعني أكلتُ العسل؟ أقول: الصحيح ما قاله المحققون من المفسّرين إنّ ذلك للتفريق بين اليمين والتبرك. قال العلامة أبو السعود: وإنما قال (بسم الله) ولم يقل (بالله) وذلك للتفريق بين اليمين والتيمن، يعني (التبرك)، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة، فذكر الاسم لينقطع احتمال إرادة المسمّى، ويتعيّن حمل الباء على الاستعانة أو التبرك. اللطيفة الرابعة: الفرق بين لفظ (الله) ولفظ (الإلٰه) أن الأول اسم علم للذات المقدسّة لا يشاركه فيه غيره، ومعناه المعبود بحق، والثاني يطلق على الله تعالى وعلى غيره، وهو مشتق من (ألَهَ) ومعناه المعبود، سواءً كان بحق أو غير حق، فالأصنام التي كان يعبدها العرب تسمّى (آلهة) جمع (إلٰه) لأنها عُبدت بباطل من دون الله، وما كان أحد يسمى الصنم (الله) بل كان العربي في الجاهلية إذا سئل: من خلقك؟ أو من خلق السماوات والأرض؟ يقول: الله، وفيهم يقول القرآن الكريم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...} تفسير : [لقمان: 25]. اللطيفة الخامسة: في قولنا (بسم الله الرحمٰن الرحيم) فوائد جليلة، منها التبرك بذكر اسم الله تعالى، والتعظيم لله عز وجل، وطرد للشيطان لأنه يهرب من ذكر اسم الله، وفيها إظهار لمخالفة المشركين، الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها من المخلوقين الذين كانوا يعبدونهم، وفيها أمان للخائف ودلالة على انقطاع قائلها إلى الله تعالى، وفيها إقرار بالألوهية، واعتراف بالنعمة، واستعانة بالله تعالى، وفيها اسمان من أسمائه تعالى المخصوصة به وهما (الله) و (الرحمٰن). اللطيفة السادسة: الألف واللام في (الحمد) لاستغراق الجنس، والمعنى لا يستحق الثناء الكامل، والحمد التام الوافي، إلاّ الله ربّ العالمين، فهو الإلٰه المنعوت بصفات الكمال، المستحق لكل تمجيد وتعظيم وتقديس، والصيغة وردت معرّفة (الحمدُ لله) للإشارة إلى أنّ الحمد له تعالى أمر دائم مستمر، لا حادث متجدّد، فتدبره فإنه دقيق. اللطيفة السابعة: فائدةٌ ذكر {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}: عقب لفظ {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} هي أن لفظ (الربّ) ينبئ عن معنى الكبرياء، والسيادة، والقهر، فربمّا توهّم السامع أن هذا الربّ قهّار جبّار لا يرحم العباد فدخل إلى نفسه الفزع، واليأس، والقنوط، لذلك جاءت هذه الجملة لتؤكد أن هذا الرب - جلّ وعلا - رحمٰن رحيم، وأن رحمته وسعت كل شيء. قال أبو حيّان: بدأ أولاً بالوصف بالربوبيّة، فإن كان الرب بمعنى السيّد، أو بمعنى المالك، أو بمعنى المعبود، كان صفة فعل للموصوف، فناسب ذلك الوصف بالرحمانية والرحيمية، لينبسط أمل العبد في العفو إن زلّ، ويقوى رجاؤه إن هفا. قال ابن القيم: "وأما الجمع بين (الرحمٰن الرحيم) ففيه معنى بديع، وهو أنّ (الرحمٰن) دالّ على الصفة القائمة به سبحانه، و(الرحيم) دالّ على تعلقها بالمرحوم، وكأنّ الأول الوصفُ، والثاني الفعلُ، فالأول: دالّ على أن الرحمة صفته أي صفة ذات له سبحانه، والثاني: دال على أنه يرحم خلقه برحمته أي صفة فعل له سبحانه، فإذا أردتّ فهم هذا فتأمل قوله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43] {أية : إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 117] ولم يجيء قط رحمٰن بهم فعلمت أن (رحمٰن) هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته". ثم قال رحمه الله: وهذه النكتة لا تكاد تجدها في كتاب. ومجمل القول: أنَّ معنى (الرحمٰن) المنعم بجلائل النعم، ومعنى (الرحيم) المنعم بدقائقها. وقيل: إنهما بمعنى واحد، والثاني لتأكيد الأول وهو رأي الصبّان والجلال، وهو ضعيف فقد قال ابن جرير الطبري: لا توجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود. والراجح: ما ذهب إليه ابن القيم وهو أن الوصف الأول دال على الرحمة الثابتة له سبحانه، والثاني يدل على تجدّد الأفعال المتعلقة بهذه الصفة والله أعلم. اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، على سبيل التفنن في الكلام، لأنه أدخلُ في استمالة النفوس، واستجلاب القلوب، وهذا (الإلتفات) ضرب من ضروب البلاغة، ولو جرى الكلام على الأصل لقال (إيّاه نعبد) فعدل عن ضمير الغائب إلى المخاطب لنكتة (الإلتفات) ومثله قوله تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21] ثم قال: {أية : إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} تفسير : [الإنسان: 22] وقد يكون الإلتفات من (الخطاب) إلى (الغيبة) كما في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} تفسير : [يونس: 22] فقد كان الكلام مع المخاطبين، ثم جاء بضمير الغيبة على طريق الإلتفات. قال أبو حيان في "البحر": "ونظير هذا أن تذكر شخصاً متصفاً بأوصاف جليلة، مخبراً عنه إخبار الغائب، ويكون ذلك الشخص حاضراً معك، فتقول له: إيّاك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود، ما لا يكون في لفظ (إيّاه)". اللطيفة التاسعة: وردت الصيغة بلفظ الجمع في الجملتين {نَعْبُدُ} و{نَسْتَعِينُ} ولم يقل: (إياّك أعبد وإيّاك أستعين) وذلك لنكتةٍ لطيفة، هي اعتراف العبد بقصوره عن الوقوف في باب ملك الملوك جلّ وعلا، وطلبه الاستعانة والهداية مفرداً دون سائر العباد، فكأنه يقول: يا رب أنا عبد حقير، ذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنا أنضم إلى سلك الموحّدين، وأدعوك معهم، فتقبّل دعائي معهم، فنحن جميعاً نعبدك ونستعين بك. وتقديم المفعول على الفعل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} و{إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يفيد القصر والتخصيص كما في قوله: {أية : وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] كما يفيد التعظيم والاهتمام به. قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك. قال القرطبي: إن قيل: لم قدَّم المفعول {إِيَّاكَ} على الفعل {نَعْبُدُ}؟ قيل له: اهتماماً، وشأنُ العرب تقديم الأهم، يُذكر أنْ أعرابياً سبّ آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له السابّ: إيّاك عني، فقال له الآخر: وعنك أُعرض، فقدّما الأهم، وأيضاً لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز نعبدك، ونستعينك، ولا نعبد إيّاك ونستعين إياك، وإنما يتبع لفظ القرآن، قال العجّاج: شعر : إيّاك أدعو فتقبّل مَلَقي واغفر خطايايَ وكثّر ورقي تفسير : وكرّر الاسم لئلا يتوهم إيّاك نعبد ونستعين غيرك. اللطيفة العاشرة: نسبَ النعمة إلى الله عزّ وجل {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم ينسب الإضلال والغضب فلم يقل: (غضبت عليهم) وأضللتهم، وذلك جارٍ على طريق تعليم الأدب مع الله عزّ وجل، حيث لا ينسب الشرّ إليه (أدباً) وإن كان منه (تقديراً) كما قال بعضهم: الخير كلّه بيديك، والشرّ ليس إليك. فهو كقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 78-80] فلم يقل: (وإذا أمرضني) أدباً. وكقوله تعالى على لسان مؤمني الجن: {أية : وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} تفسير : [الجن: 10] فلم يقولوا: أشرّ أراد الله فتدبره فإنه دقيق. الدقائق البيانيّة في سورة الفاتحة قال أبو حيان في تفسيره "البحر المحيط": "وقد انجرّ في غضون تفسير هذه السورة الكريمة من علم البيان فوائد كثيرة لا يهتدي إلى استخراجها إلاّ من كان توغّل في فهم لسان العرب، ورُزق الحظّ الوافر من علم الأدب، وكان عالماً بافتنان الكلام، قادراً على إنشاء النثار البديع والنظام، وفي هذه السورة الكريمة من أنواع الفصاحة والبلاغة أنواع: النوع الأول: حسنُ الافتتاح وبراعة المطلع، وناهيك حسناً أن يكون مطلعها مفتتحاً باسم الله، والثناء عليه بما هو أهله من الصفات العليّة. النوع الثاني: المبالغة في الثناء وذلك العموم (أل) في الحمد المفيد للاستغراق. النوع الثالث: تلوين الخطاب في قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} إذ صيغته الخبر ومعناه الأمر أي قولوا: الحمد لله. النوع الرابع: الاختصاص باللاّم التي في (لله) إذ دلّت على أنّ جميع المحامد مختصة به تعالى إذ هو مستحق لها جلّ وعلا. النوع الخامس: الحذف وذلك كحذف (صراط) من قوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} التقدير: غير صراط المغضوب عليهم، وغير صراط الضالين. النوع السادس: التقديم والتأخير في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وكذلك في قوله: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} وقد تقدم الكلام على ذلك. النوع السابع: التصريح بعد الإبهام وذلك في قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} حيث فسّر الصراط. النوع الثامن: الإلتفات وذلك في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}. النوع التاسع: طلب الشيء وليس المراد حصوله بل دوامه واستمراره وذلك في قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي ثبتنا عليه. النوع العاشر: التسجيع المتوازي وهو اتفاق الكلمتين الأخيرتين في الوزن والرّوي وذلك في قوله تعالى: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ... ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} وقوله {نَسْتَعِينُ... وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. وجوه القراءات أولاً: قرأ الجمهور {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} بضمّ دال الحمد، وقرأ سفيانُ بن عُيَيّنة (الحمدَ الله) بالنصب، قال ابن الأنباري: ويجوز نصبه على المصدر بتقدير أحمد الله. قال أبو حيان: وقراءة الرفع أمكنُ في المعنى، ولهذا أجمع عليها السبعة، لأنها تدل على ثبوت الحمد واستقراره لله تعالى، فيكون قد أخبر بأنّ الحمد مستقرّ لله تعالى أي حمدُه وحمدُ غيره. ثانياً: قرأ الجمهور {ربّ العالمين} بكسر الباء وقرأ زيد بن عليّ {ربَّ العالمين} بالنصب على المدح أي أمدح ربّ العالمين، وهي فصيحة لولا خفض الصفات بعدها كما نبّه عليه أبو حيّان وغيره. قال القرطبي: يجوز الرفع والنصب في {ربّ} فالنصبُ على المدح، والرفع على القطع أي هو ربّ العالمين. ثالثاً: قرأ الجمهور {مَالِك يومِ الدّينِ} على وزن فاعل مالك وقرأ ابن كثير وابن عمر وأبو الدرداء {مَلِك} بفتح الميم مع كسر اللام. قال ابن الجوزي: وقراءة (مَلِك) أظهر في المدح لأن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكاً. وقال ابن الأنباري: وفي مالك خمسُ قراءات وهي: مالك، ومَلِك، ومَلْك، ومليك، ومَلاَك. رابعاً: قرأ الجمهور {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بضم الباء، وقرأ زيد بن علي {نعبِد} بكسر النون، وقرأ الحسن وأبو المتوكل {إيّاك يُعبد} بضم الياء وفتح الباء. خامساً: قرأ الجمهور {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} بالصّاد وهي لغة قريش، وقرأ مجاهد وابن محيصن (السّراط) بالسّين على الأصل. قال الفرّاء: اللغة الجيّدة بالصاد وهي اللغة الفصحى، وعامة العرب يجعلونها سيناً، فمن قرأ بالسين فعلى أصل الكلمة، ومن قرأ بالصّاد فلأنها أخفّ على اللّسان. وجوه الإعراب أولاً: {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} الجار والمجرور في {بِسمِ ٱلله} اختلف فيه النحويون على وجهين: أ - مذهب البصريين: أنه في موضع رفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ابتدائي بسم الله. ب - مذهب الكوفيين: أنه في موضع نصب بفعل مقدّر وتقديره: ابتدأتُ بسم الله. ثانياً: قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الحمدُ مبتدأ ولفظ الجلالة خبره تقديره: الحمد مستحق لله، و{رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} صفة، ومثله {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} و{مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} كلها صفات لاسم الجلالة. ثالثاً: قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} اختلف المفسّرون في {إِيَّاكَ} فذهب المحقّقون إلى أنه ضمير منفصل منصوب بالفعل بعده وأصله (نعبدك) و(نستعينك) فلما قُدّم الضمير المتصل أصبح ضميراً منفصلاً، والكاف للخطاب ولا موضع لها من الإعراب. وذهب آخرون إلى أنه ضمير مضاف إلى ما بعده، ولا يعلم ضمير أضيف إلى غيره. قال أبو السعود: وما ادّعاه الخليل من الإضافة، محتجاً عليه بما حكاه عن بعض العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإيّاه وإيّا الشوابّ، فممّا لا يعوّل عليه. وذكر ابن الأنباري وجوهاً عديدة ثمّ قال: والذي اختاره الأول، وقد بيّنا ذلك مستوفى في كتابنا الموسوم بـ "الانصاف في مسائل الخلاف". رابعاً: قوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...} {ٱهْدِنَا} فعل دعاء وهو يتعدى إلى مفعولين المفعول الأول هو ضمير الجماعة (نا) في إهدنا، و{ٱلصِّرَاطَ} هو المفعول الثاني، و{ٱلْمُسْتَقِيمَ} صفة للصراط، و{صِرَاطَ} بدل من الصراط الأول. خامساً: آمين: اسم فعل أمر بمعنى استجب. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل البسملة آية من القرآن؟ أجمع العلماء على أن البسملة الواردة في سورة النمل [30] هي جزء من آية في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : ولكنهم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة، ومن أول كل سورة أم لا؟ على أقوال عديدة: الأول: هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله. الثاني: ليست آية لا من الفاتحة، ولا من شيء من سور القرآن، وهو مذهب مالك رحمه الله. الثالث: هي آية تامة من القرآن أُنزلت للفصل بين السور، وليست آية من الفاتحة وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. دليل الشافعية: استدل الشافعية على مذهبهم بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أولاً - حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين، فاقرؤوا بسم الله الرحمٰن الرحيم، إنها أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسبعُ المثاني، وبسم الله الرحمٰن الرحيم أحدُ آياتها ". تفسير : ثانياً - حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمٰن الرحيم. ثالثاً - حديث أنس رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : كانت قراءته مدّاً.. ثمّ قرأ {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ...} . تفسير : رابعاً: حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: (حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذْ أغفى إغفاءة، ثمّ رفع رأسه متبسّماً، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت عليّ آنفاً سورة، فقرأ: {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ} [الكوثر: 1-3] . تفسير : قالوا: فهذا الحديث يدل على أن البسملة آية من كل سورة من سور القرآن أيضاً، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأها في سورة الكوثر. خامساً: واستدلوا أيضاً بدليل معقول، وهو أن المصحف الإمام كُتبت فيه البسملة في أول الفاتحة، وفي أول كل سورة من سور القرآن، ما عدا سورة (براءة)، وكتبت كذلك في مصاحف الأمصار المنقولة عنه، وتواتر ذلك مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكانوا يتشدّدون في ذلك، حتى إنهم منعوا من كتابة التعشير، ومن أسماء السّور، ومن الإعجام، وما وُجِد من ذلك أخيراً فقد كتب بغير خطّ المصحف، وبمداد غير المداد، حفظاً للقرآن أن يتسرّب إليه ما ليس منه، فلما وجدت البسملة في سورة الفاتحة، وفي أوائل السور دلّ على أنها آية من كل سورة من سور القرآن. دليل المالكية: واستدل المالكية على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من القرآن وإنما هي للتبرك بأدلة نوجزها فيما يلي: أولاً: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله ربِّ العالمين ). تفسير : ثانياً: حديث أنس كما في "الصحيحين" قال: "حديث : صلّيتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ". تفسير : وفي رواية لمسلم: (حديث : لا يذكرون (بسم الله الرحمٰن الرحيم) لا في أول قراءة ولا في آخرها ). تفسير : ثالثاً: ومن الدليل أنها ليست آية من الفاتحة حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجل: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}. قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال العبد: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}. قال الله تعالى: مجدّني عبدي - وقال مرة فوّض إليّ عبدي -. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . تفسير : قالوا: فقوله سبحانه: "قسمت الصلاة" يريد الفاتحة، وسمّاها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فلو كانت البسملة آية من الفاتحة لذكرت في الحديث القدسي. رابعاً: لو كانت البسملة من الفاتحة لكان هناك تكرار في {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} في وصفين وأصبحت السورة كالآتي: (بسم الله الرحمٰن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمٰن الرحيم) وذلك مخلّ ببلاغة النظم الجليل. خامساً: كتابتها في أوائل السور إنما هو للتبرك، ولامتثال الأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور، وهي وإن تواتر كتبُها في أوائل السور، فلم يتواتر كونها قرآناً فيها. قال القرطبي: "الصحيحُ من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقهُ التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه. والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن (البسملة) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلاَّ في النمل وحدها. ثم قال: إنّ مذهبنا يترجّح في ذلك بوجه عظيم وهو المعقول، وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرّت عليه الأزمنة، والدهور من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قطّ (بسم الله الرحمٰن الرحيم) اتّباعاً للسُنّة، وهذا يردّ ما ذكرتموه، بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تُحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك". دليل الحنفية: وأما الحنفية: فقد رأوا أنّ كتابتها في (المصحف) يدل على أنها قرآن ولكن لا يدل على أنها آية من سورة، والأحاديثُ الواردة التي تدل على عدم قراءتها جهراً في الصلاة مع الفاتحة تدل على أنها ليست من الفاتحة، فحكموا بأنها آية من القرآن تامة - في غير سورة النمل - أنزلت للفصل بين السور. ومما يؤيد مذهبهم: ما روي عن الصحابة أنهم قالوا: "كنا لا نعرف انقضاء السور حتى تنزل (بسم الله الرحمٰن الرحيم)، وكذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه "بسم الله الرحمٰن الرحيم". قال الإمام أبو بكر الرازي: "وقد اختلف في أنها آية من فاتحة الكتاب أم لا، فعدّها قرّاء الكوفة آية منها، ولم يعدّها قرّاء البصريين، وقال الشافعي: هي آية منها وإنْ تركها أعاد الصلاة، وحكى شيخنا (أبو الحسن الكرخي) عدم الجهر بها، وهذا يدل على أنها ليست منها، ومذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور، لترك الجهر بها، ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها، وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد، لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها آية من (فاتحة الكتاب) أو ليست بآية منها، ولم يعدّها أحد آية من سائر السور". ثم قال: "ومما يدل على أنها ليست من أوائل السور، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ} [الملك: 1]" تفسير : واتفق القرّاء وغيرهم أنها ثلاثون سوى (بسم الله الرحمٰن الرحيم) فلو كانت منها كانت إحدى وثلاثين وذلك خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل عليه أيضاً اتفاق جميع قرّاء الأمصار وفقهائهم على أن سورة (الكوثر) ثلاث آيات، وسورة (الإخلاص) أربع آيات، فلو كانت منها لكانت أكثر ممّا عدّوا". الترجيح: وبعد استعراض الأدلة وما استدل به كل فريق من أئمة المذاهب نقول: لعلّ ما ذهب إليه الحنفية هو الأرجح من الأقوال، فهو المذهب الوسط بين القولين المتعارضين، فالشافعية يقولون إنها آية من الفاتحة ومن أول كل سورة في القرآن، والمالكية يقولون: ليست بآية لا من الفاتحة ولا من القرآن {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} تفسير : [البقرة: 148] ولكنْ إذا أمعنا النظر وجدنا أن كتابتها في المصحف، وتواتر ذلك بدون نكير من أحد - مع العلم بأنّ الصحابة كانوا يجرّدونَ المصحف من كل ما ليس قرآناً - يدلّ على أنها قرآن، لكن لا يدل على أنها آية من كل سورة، أو آية من سورة الفاتحة بالذات، وإنما هي آية من القرآن وردت للفصل بين السور، وهذا ما أشار إليه حديث ابن عباس السابق (إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السور حتى ينزل عليه: (بسم الله الرحمٰن الرحيم) ويؤكد أنها ليست من أوائل السور أن القرآن نزل على مناهج العرب في الكلام، والعربُ كانت ترى التفنّن من البلاغة، لا سيّما في افتتاحاتها، فلو كانت آية من كل سورة لكان ابتداء كلّ السور على منهاجٍ واحد، وهذا يخالف روعة البيان في معجزة القرآن. وقول المالكية: لم يتواتر كونها قرآناً فليست بقرآن غير ظاهر - كما يقول الجصّاص - إذ ليس بلازم أن يقال في كل آية إنها قرآن ويتواتر ذلك، بل يكفي أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابتها ويتواتر ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وقد اتفقت الأمة على أن جميع ما في المصحف من القرآن، فتكون البسملة آية مستقلة من القرآن كرّرت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى، وهذا ما تطمئن إليه النفس وترتاح، وهو القول الذي يجمع بين النصوص الواردة والله أعلم. الحكم الثاني: ما هو حكم قراءة البسملة في الصلاة؟ اختلف الفقهاء في قراءة البسملة في الصلاة على أقوال عديدة: أ - فذهب مالك رحمه الله: إلى منع قراءتها في الصلاة المكتوبة، جهراً كانت أو سرّاً، لا في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور، وأجاز قراءتها في النافلة. ب - وذهب أبو حنيفة رحمه الله: إلى أن المصلي يقرؤها سراً مع الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وإن قرأها مع كل سورة فحسن. ج - وقال الشافعي رحمه الله: يقرؤها المصلي وجوباً. في الجهر جهراً، وفي السرّ سراً. د - وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: يقرؤها سرّاً ولا يسنّ الجهر بها. وسبب الخلاف: هو اختلافهم في (بسم الله الرحمٰن الرحيم) هل هي آية من الفاتحة ومن أول كل سورة أم لا؟ وقد تقدم الكلام على ذلك في الحكم الأول. وشيء آخر: هو اختلاف آراء السلف في هذا الباب. قال ابن الجوزي في "زاد المسير": وقد اختلف العلماء هل البسملة، من الفاتحة أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان، فأمّا من قال: إنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إذا قال بوجوب الفاتحة، وأمّا من لم يرها من الفاتحة فإنه يقول: قراءتها في الصلاة سنّة، ما عدا مالكاً رحمه الله فإنه لا يستحب قراءتها في الصلاة. واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به، فنقل جماعة عن أحمد: أنه لا يسُن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة. وذهب الشافعي: إلى أن الجهر بها مسنون، وهو مرويّ عن معاوية، وعطاء، وطاووس. الحكم الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة في الصلاة؟ اختلف الفقهاء في حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على مذهبين: أ - مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) أن قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة، فمن تركها مع القدرة عليها لم تصحّ صلاته. ب - مذهب الثوري وأبي حنيفة: أن الصلاة تجزئ بدون فاتحة الكتاب مع الإساءة ولا تبطل صلاته، بل الواجب مطلق القراءة وأقله ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة. أدلة الجمهور: استدل الجمهور على وجوب قراءة الفاتحة بما يلي: أولاً: حديث عُبادة بن الصامت وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". تفسير : ثانياً: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قال من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ الكتاب فهيِ خِداج فهي خِداج، فهي خداج غير تمام . تفسير : ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري: "حديث : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر ". تفسير : قالوا: فهذه الآثار كلّها تدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فإنّ قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" تفسير : يدل على نفي الصحة، وكذلك حديث أبي هريرة فهي خِداج قالها عليه الصلاة والسلام ثلاثاً يدل على النقص والفساد، فوجب أن تكون قراءة الفاتحة شرطاً لصحة الصلاة. أدلة الحنفية: استدل الثوري وفقهاء الحنفية على صحة الصلاة بغير قراءة الفاتحة بأدلة من الكتاب والسنّة. أمّا الكتاب: فقوله تعالى: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] قالوا: فهذا يدل على أن الواجب أن يقرأ أي شيء تيسّر من القرآن، لأن الآية وردت في القراءة في الصلاة بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} تفسير : إلى قوله: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمل: 20] ولم تختلف الأمة أن ذلك في شأن الصلاة في الليل، وذلك عموم عندنا في صلاة الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ. وأما السنّة: فما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : أن رجلاً دخل المسجد فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ عليه السلام وقال: "ارجع فصلّ فإنك لم تصل" فصلّى ثم جاء فأمره بالرجوع، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحْسنُ غيره، فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثمّ اركع حتّى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثمّ افعل ذلك في صلاتك كلها" . تفسير : قالوا: فحديث أبي هريرة في تعليم الرجل صلاته يدل على التخيير (اقرأ ما تيسّر معك من القرآن) ويقوّي ما ذهبنا إليه، وما دلت عليه الآية الكريمة من جواز قراءة أي شيء من القرآن. وأما حديث عبادة بن الصامت: فقد حملوه على نفي الكمال، لا على نفي الحقيقة، ومعناه عندهم (لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ولذلك قالوا: تصح الصلاة مع الكراهية، وقالوا هذا الحديث يشبه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد ". تفسير : وأما حديث أبي هريرة: (فهي خداج، فهي خداج...) الخ فقالوا: فيه ما يدلّ لنا لأنّ (الخداج) الناقصة، وهذا يدل على جوازها مع النقصان، لأنها لو لم تكن جائزة لما أُطلق عليها اسم النقصان، لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها، إذ لا يجوز الوصف بالنقصان للشيء الباطل الذي لم يثبت منه شيء. هذه هي خلاصة أدلة الفريقين: سردناها لك بإيجاز، وأنت إذا أمعنتَ النظر، رأيت أنّ ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلاً، وأقوى قيلاً، فإنّ مواظبته عليه الصلاة والسلام على قراءتها في الفريضة والنفل، ومواظبة أصحابه الكرام عليها دليل على أنه لا تجزئ الصلاة بدونها، وقد عضد ذلك الأحاديث الصريحة الصحيحة، والنبي عليه الصلاة والسلام مهمته التوضيح والبيان، لما أجمل من معاني القرآن، فيكفي حجّة لفريضتها ووجوبها قولُه وفعله عليه السلام. وممّا يؤيد رأي الجمهور ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليَيْن بفاتحة الكتاب وسورتين، ويُسمعنا الآية أحياناً، وكان يطوّل في الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح ". تفسير : وفي رواية: "حديث : ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ". تفسير : قال الطبري: يقرأ بأم القرأن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها. قال القرطبي: والصحيح من هذه الأقوال، قولُ الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعةٍ لكل أحدٍ على العموم لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" تفسير : وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وأُبِيّ بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: "حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"تفسير : . فهؤلاء الصحابة القُدوة، وفيهم الأسوة، كُلّهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة. قال الإمام الفخر: "إنه عليه السلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة، فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [الأعراف: 158] ويا لَلْعجب من أبي حنيفة فإنه تمسّك في وجوب (مسح الناصية) بخبر واحد وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى سُباطةَ قوم فبال وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفيه، في (أنه عليه السلام مسح على الناصية) فجعل ذلك القدر من المسح شرطاً لصحة الصلاة!! وهٰهنا نقل أهلُ العلم نقلاً متواتراً أنه عليه السلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة، ثمّ قال: إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها، وهذا من العجائب!". الحكم الرابع: هل يقرأ المأموم خلف الإمام؟ اتفق العلماء على أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً فإنه يحمل عنه القراءة، لإجماعهم على سقوط القراءة عنه بركوع الإمام، وأمّا إذا أدركه قائماً فهل يقرأ خلفه أم تكفيه قراءة الإمام؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: أ - فذهب الشافعي وأحمد: إلى وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام سواء كانت الصلاة سرّية أم جهرية. ب - وذهب مالك إلى أن الصلاة إذا كانت سرّية قرأ خلف الإمام، ولا يقرأ في الجهرية. جـ - وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا يقرأ خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية. استدل الشافعية والحنابلة بالحديث المتقدم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ". تفسير : فإن اللفظ عام يشمل الإمام والمأموم، سواء كانت الصلاة سرية جهرية، فمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب لم تصحّ صلاته. واستدل الإمام مالك: على قراءة الفاتحة إذا كانت الصلاة سرّية بالحديث المذكور، ومنع من القراءة خلف الإمام إذا كانت الصلاة جهرية لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 204]. وقد نقل القرطبي: عن الإمام مالك أنه لا يقرأ في الجهرية بشيء من القرآن خلف الإمام، وأمّا في السرّية فيقرأ بفاتحة الكتاب، فإن ترك قراءتها فقد أساء ولا شيء عليه. وأمّا الإمام أبو حنيفة: فقد منع من القراءة خلف الإمام مطلقاً عملاً بالآية الكريمة {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} تفسير : [الأعراف: 204] ولحديث "حديث : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ". تفسير : واستدل أيضاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا ". تفسير : خاتمة البحث: حكمة التشريع يقف الإنسان بين يدي هذه السورة الكريمة (سورة الفاتحة) وقفة العبد الخاشع، المعترف بالعجز، المقر بالتقصير، فإن هذه السورة وحي منزل من عند الله، وهي من كلام ربّ العالمين، وكلام الله فوق أن يحيط به عقل قاصر من بني الإنسان، أو يدرك أسراره العميقة بشر، مهما أوتي من النبوغ والذكاء، وسعة العلم والاطلاع. وقُصارى ما يدركه الإنسان أن يحسّ من قرارة نفسه بروعة هذا القرآن الكريم، وسمو معانيه، وجمال ألفاظه، وأن يشعر بالعجز الكامل عن أن يأتي بمثل آية من آياته، فضلاً عن مثل الكتاب العزيز، فإن هذه السورة الكريمة على قصرها ووجازتها قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد بالجزاء والحساب، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة، والاستعانة، والدعاء، والتوجه إليه جل وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم أو الضالّين إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراضٍ وأهداف. قال العلامة القرطبي: "سميت الفاتحة (القرآن العظيم) لتضمنها جميع علومه، وذلك لأنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلاّ بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، وهذه جملة المقاصد التي جاء بها القرآن العظيم". يقول الشهيد الشيخ حسن البنا رحمه الله في رسالته القيّمة "مقدمة في التفسير" ما نصه: "لا شك أن من تدبّر الفاتحة الكريمة - وكلّ مؤمن مطالب بتدبرها في تلاوته عامة، وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني، وجمالها، وروعة التناسب، وجلاله، ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه. فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله الموصوف بالرحمة، التي تظهر آثار رحمته متجدّدة في كل شيء، مستشعراً أنّ أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء. فإذا استشعر هذا المعنى، ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإلٰه (الرحمٰن الرحيم) وذكّره الحمد بعظيم نعمه، وكريم فضله، وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكّر من جديد أنّ هذه النعم الجزيلة، والتربية الجليلة، ليست عن رغبة ولا رهبة، ولكنّها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمٰن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإلٰه العظيم أن يقرن (الرحمٰن) بـ (العدل) ويذكّر بالحساب بعد الفضل، فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدينُ عباده، ويحاسب خلقه يوم الدين {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19]. فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة، والحساب، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشدّ ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه، وليعتمد عليه، وليخاطبه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق، أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه آمين. ولا جرم أن (آمين) براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ وتذكّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي الذي أوردناه آنفاً (حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل) تفسير : الخ وأدم هذا التدبر والإنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل، وخشوع وتذلّل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية، أو الصلاة الجهرية، فإنّ ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلبَ شيء أفضل من تلاوةٍ في تدبر وخشوع".
زيد بن علي
تفسير : حَدَّثنا أبو جعفر. قال: حَدَّثنا علي بن أحمد. قال: حدَّثَنا عَطاءُ بنِ السَّائب. قال: حدَّثَنا أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السلام. أنه سُئل عن فاتحةِ الكتابِ فقال: {بِسمِ ٱلله} هو تعظيمٌ لله {الرَّحْمٰنِ} بما خَلَقَ من الأرضِ في الأرضِ، والسَّماءِ في السَّماءِ. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فقال: الجنُ عالَمٌ والإِنسُ عالَمٌ، وسِوى ذلِكَ ثمانيةَ عشرَ ألفَ عَالَمٍ. من الملائكةِ على الأَرضِ في كلِ زاويةٍ منها أربعةُ آلافٍ وخمسمائة عالَم خلقَهُمْ لِعِبادَتِهِ تَباركَ وتَعالى. تفسير : وقوله تعالى: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} يومُ الحسابِ والجزاءِ. تفسير : وقوله تعالى: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} فالهِدَايةُ: التثبيتُ. والهِدايةُ: البَيانُ. وهو قولُهُ عزَّ وجلَّ: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}تفسير : . [فصلت: 17] والصِّراطُ: الطريقُ: والمستقيمُ: الواضحُ البيّنُ. تفسير : وقولٌه تعالى: { ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} هم اليهودُ والنصارى.
الأندلسي
تفسير : الباء حرف معنى وذكر لها النحاة معاني كثيرة ولم يذكر لها سيبويه إلا معنى الازلاي الالصاق والاختلاط ثم قال فمن اتسع من هذا اتسع في الكلام فهذا أصله وذكروا أنها هنا للاستعانة وما يتعلق به محذوف فقدره الكوفيون بدأت وجعل البصريون ذلك في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره ابتدائي. بسم الله أي كائن، بسم الله وخالف الزمخشري الفريقين فقدره متأخراً عن التسمية قال: تقديره بسم الله اقرأ أو أتلو لأن الذي يجيئ بعد التسمية مقروء والتقديم على العامل عنده يوجب الاختصاص وليس كما زعم قال سيبويه وقد تكلم على ضربت زيد ما نصه وإذا قدمت الإسم فهو عربي جيد كما كان ذلك يعني تأخيره عربياً جيداً فذلك قولك زيد ضربت والاهتمام والعناية ها هنا في التقديم والتأخيرَ سواء مثله في ضرب زيد عمرا وضرب عمرا زيد "انتهى" والاسم ها هنا هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في العيان إن كان محسوساً وفي الأذهان ان كان معقولاً من غير تعرض بسببيته للزمان وهو ثلاثي حذفت منه واو فقال البصريون: هي لام الكلمة لأنه عندهم مشتق من السمو. وقال الكوفيون: هي فاء الكلمة لأنه عندهم مشتق من الوسم وبعض العرب لم يعوض من المحذوف فقال: سم بكسر السين وضمها، والمشهور بهمزة وصل مكسورة وبعضهم يضمها ولا نعلم اسماً أوله: همزة وصل مضمومة غيره. وزعم بعض النحويين أنه ردت لأمُه وبني على فعل فقالوا: سمى كهدى فإِن صح هذا ففيه خمس لغات. وحذف ما تتعلق به الباء لأنه موطن لا ينبغي أن يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ذكر ما يتعلق به لم يكن ذكر الله مقدماً ففي حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى فطابق ذكر اللسان ذكر القلب وحذفت الألف من بسم الله تخفيفاً لكثرة الاستعمال "والله" لفظ عربي لا سرياني معرب وهو علم لموجود العالم وليس بمشتق عند الأكثر وألفه منقلبة عن أصل عند من يرى أنه مشتق فعن ياء إن كان من لاه يليه ارتفع أو عن واو إن كان من لاه يلوه لوها احتجب أو زائدة عند من يرى أنه مشتق من ألة أو وله فأصله إلاه أو ولاه فأبدلت واوه همزة كاعاء في وعاء ثم حذفت الهمزة اعتباطاً فقالوا: لاه كما قال بعضهم في ناس أن أصله أناس ودخلت عليه أل فقيل الله أو كان أصله الاه فنقلت حركة الهمزة إلى اللام بعد حذفها فأدغمت اللام في اللام ولزم النقل والادغام فقيل: الله، وصار لا ينطلق إلاّ على المعبود بحق وعلى هذا يكون فعال بمعنى مفعول كالكتاب بمعنى المكتوب وال هذه لازمة وشذ حذفها مع حذف حرف الجر في قولهم: لاه أبوك، يريدون لله أبوك. {ٱلرَّحْمـٰنِ} لفظ عربي خلافاً لمن زعم أنه ليس عربياً بل أصله رخمان بالخاء المعجمة فعرب بالحاء وهو بناء على فعلان من الرحمة والظاهر أنه وصف على فعلان وإن كان شذ بناؤه من المتعدي وذهب الاعلم وابن طاهر وغيرهما إلى أنه اسم علم مشتق من المتعدي كما اشتقوا الدبران من دبر صيغ للعلمية ويدل على علميته وروده غير تابع الاسم قبله في أكثر الكلام فعلى قول هؤلاء يكون الرحمن بدلاً من اسم الله. قال السهيلي: البدل فيه عندي ممتنع وكذلك عطف البيان لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى مبيّن لأنه أعرف الاعلام كلها وأبينها ألا تراهم قالوا: وما الرحمن ولم يقولوا وما الله فهو وصف يراد به الثناء وإن كان يجري مجرى الاعلام. "الرحيم" صيغة مبالغة فعلى القول بأن الرحمن صفة قيل دلالتهما واحدة كندمان ونديم وقيل معناهما مختلف فالرحمن أكثر مبالغة وأردف الرحيم ليكون كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف وقيل الرحيم أكثر مبالغة والذي يظهر ان جهة المبالغة مختلفة فلا تكون من باب التوكيد فمبالغة فعلان من حيث الاستيلاء والغلبة ومبالغة فعيل من حيث التكرار والوقوع بمحال الرحمة ولذلك لا يتعدى فعلان ويتعدى فعيل ومن ذهب إلى أنهما بمعنى واحد وليس توكيداً احتاج أن يخص كل واحد منهما بشيء فقيل رحمن الدنيا ورحيم الآخرة وقيل العكس وقيل لأهل السماء والأرض وقيل غير هذا وسمعت إضافة الرحمن في قولهم رحمن الدنيا والآخرة وسمع أيضاً استعماله بغير ألْ وبغير إضافة في قولهم لا زلت رحماناً ووصفه تعالى بذلك مجاز عن إنعامه على عباده ألا ترى أن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم إحسانه فعلى هذا هي في حق الله صفة فعل وقيل صفة ذات وهي إرادة الخير لمن أراد الله له ذلك. "الحمد" مصدر حمد يحمد والأصل في المصدر أن لا يجمع. وحكى ابن الاعرابي جمعه على أحمد. قال الشاعر: شعر : وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي تفسير : وأل في الحمد الظاهر أنها لتعريف الجنس فتدل على استغراق الأحمد كلها بالمطابقة وقراءة الجمهور والحمد بالرفع وهو يدل على ثبوت الحمد واستقراره لله تعالى فيكون قد أخبر بأن الحمد مستقر له تعالى أي حمده وحمد الحامدين وقرىء بالنصب على إضمار فعل قيل من لفظه تقديره حمدت الحمد لله فيتخصص الحمد بتخصيص فاعله وأشعر بالتجدد والحدوث ويكون من المصادر التي حذف فعلها وأقيمت مقامه وذلك في الاخبار نحو قولهم شكراً لا كفراً وقيل التقدير اقرؤوا الحمد لله أو الزموا الحمد لله واللام في قراءة الرفع تكون للاستحاق وفي قراءة النصب تكون للتبيين فيتعلق بمحذوف تقديره. "لله" أعني نحو قولهم سقيا لزيد. وقرىء بكسر الدال اتباعاً لحركة اللام فاحتمل أن يكون الاتباع في مرفوع أو منصوب وقرىء بضم لام الجر اتباعاً لحركة الدال. "الرب" السيد والمالك والمعبود والمصلح وهو اسم فاعل حذفت ألفه كما قيل بار وبر وقيل مصدر وصف به ويطلق الرب على الله وحده وبقيد الاضافة على غيره نحو رب الدار وقرىء رب بالنصب على المدح ويضعف الخفض الصفات بعدها إلا أن فرع على أن الرحمن علم. "العالمين" العالم لا مفرد له كالأنام واشتقاقه من العلم أو العلامة والمختار أنه كل مصنوع وجمع لاختلاف أنواع المصنوعات بالواو والياء على جهة الشذوذ ورب والرحمن والرحيم صفات مدح لأن ما قبله علم لم يعرض بالتسمية فيه اشتراك فيتخصص وبدئ بالرب لأن له التصريف في المسوّد والمملوك والعابد بما أراد من خير أو شر واتبع بالرحمانية والرحيمية لينبسط أملٍ العبد في العفو إن زل وإن كان الرب بمعنى المصلح كان الوصف بالرحمة مشعراً بعلة الاصلاح لأن الحامل للشخص على إصلاح العبد العمل رحمته له ومعنى سياق هذه الأوصاف ان المتصف بها مستحق للحمد وقرىء بنصب الرحمن الرحيم ورفعهما وإذا قلنا بأن التسمية من الفاتحة كان تكرار هاتين الصفتين تنبيهاً على قدر عظمهما. قرىء في السبعة. "مالك" وملك وقرىء ملك على وزن سهل وملكي بإِشباع كسرة الكاف وملك على وزن عجل وبرفع الكاف ومالك بنصب الكاف ومالكاً بالألف والنصب والتنوين وبالرفع والتنوين ومليك وملاك ومالك بالامالة المحضة وملك فعلاً ماضياً فينتصب بعده وبعد المنون يوم وهذه القراءات بعضها راجع لمعنى الملك وبعضها لمعنى الملك وكلاهما قهر وتسليط فالملك على من تأتت منه الطاعة باستحقاق وراجع بغيره والملك على من تأتت منه ومن لا تتأت وذلك باستحقاق فبينهما عموم وخصوص. واليوم هو المدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ويطلق أيضاً على مطلق الوقت. "والدين" الجزاء دناهم كما دانوا والقضاء ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله والطاعة في دين عمرو والعادة كدينك من أم الحويرث قبلها. والملة ورضيت لكم الاسلام ديناً والاضافة إلى يوم الدين اتساع إذ متعلق الملك والملك غير اليوم والاضافة على معنى اللام والظاهر تغاير ملك ومالك فقيل هما بمعنى واحد كالفره والفاره واليوم هنا زمان يمتد إلى أن ينقضي الحساب فيستقر كل فيما قدر له من جنة أو نار ومتعلق الملك، أو الملك هو الأمر أي ملك أو مالك الأمر في يوم الدين وفائدة الاختصاص بهذا اليوم وإن كان ملكاً أو مالكاً للأزمنة كلها التنبيه على عظم هذا اليوم بما يقع فيه ولما اتصف تعالى بالرحمة انبسط أمل العبد فنبه بالصفة بعدها ليكون من عمله على وجل وان لعمله يوماً تظهر له فيه ثمرته من خير أو شر. "إياك" ضمير نصب منفصل وفيه خلاف مذكور في النحو وقرىء بفتح الهمزة وشد الياء وكسرها وتخفيف الياء وبإِبدال الهمزة المفتوحة هاء والقول باشتقاق أياً ضعيف والكلام على وزنها فضول. "نعبد" العبادة التذلل عبدت الله تذللت له وقرىء نعبد بكسر النون ونعبد مبنياً للمفعول وهي قراءة مشكلة وتوجيهها أن فيها استعارة والتفاتاً فالاستعارة إحلال المنصوب موضع المرفوع فكأنه قال أنت ثم التفت فأخبر عنه اخبار الغائب فقال نعبد وغرابة هذا الالتفات كونه في جملة واحدة. "نستعين" والاستعانة طلب العون والطلب أحد معاني استفعل وهي اثنا عشر معنى وقرىء نستعين بكسر النون وإياك مفعول مقدم والتقدم للاعتناء والتهمم. قال الزمخشري: التقدم للتخصيص وقد تقدم الرد عليه في بسم الله وإياك التفات من غيبة إلى خطاب ومن أعرب ملك منادى فلا التفات لأنه خطاب بعد خطاب ودعوى الزمخشري ثلاث التفاتات في تطاول ليلك وما بعدها خطأ إنما هما التفاتان وفائدة الالتفات أنه لما ذكر أن الحمد لله المتصف بالربوبية والرحمة والملك لليوم المذكور أقبل على المحمود وأخبر أنه وغيره يعبده ويخضع له ولذلك أتى بالنون لانها تكون له ولغيره فكما أن الحمد يستغرق الحامدين كذلك العبادة تستغرق المتكلم وغيره وقرنت العبادة بالاستعانة للجمع بين ما يتقرب به العبد إلى الله وبين ما يطلبه من جهته وليكون ذلك توطئة للدعاء في قوله اهدنا وقدمت العبادة على الاستعانة لتقدم الوسيلة قبل طلب الحاجة لتحصل الاجابة إليها وأطلق العبادة والاستعانة ليتناول كل معبود به ومستعان عليه وكرر وإياك ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين وكل جملة منهما مقصودة وللتنصيص على أن الذي يطلب العون منه هو تعالى. "اهدنا" الهداية هنا الإِرشاد والدلالة وتتعدى إلى الثاني بالى وباللام وهنا تعدى بنفسه. "والصراط" الطريق وأصله السين وقرىء به وبين الزاي والصاد وبالزاي خالصة وهي لغة لعذرة وكعب وبني القين والصاد لغة قريش وعامة العرب على اشمام الصاد الزاي وتذكير الصراط أكثر من تأنيثه ويجمع في الكثرة على صراط وقياسه في القلة أصْرطة ان كان مذكراً واصرُط إن كان مؤنثاً. "المستقيم" اسم فاعل من استقام وهو استفعل بمعنى الفعل المجرد وهو قام والقيام هو الانتصاب والاستواء من غير اعوجاج. "والذين" اسم موصول والخلاف في لغته وفيما يعرف به الموصول مذكور في كتاب النحو والذين يخص العقلاء وما أجرى مجراهم. "أنعمت" والنعمة لين العيش ونعم الرجل إذا كان في نعمة والهمزة في أنعمت لجعل الشيء صاحب نعمة وهو أحد المعاني التي لأفعل وضمّن معنى التفضيل فعدي بعلى وأصله التعدية بنفسه أنعمته جعلته صاحب نعمة والتاء في أنعمت ضمير المخاطب المذكر المفرد وعلى حرف جر عند الأكثرين ظرف عند سيبويه وجماعة ومعنى على الاستعلاء حقيقة أو مجازاً وقرىء. "عليهم": بضم الهاء وسكون الميم وبكسر الهاء والميم بغير ياء وكذا بياء بعدها وبكسر الهاء وضم الميم بواو بعدها وبضمهما وواو بعدها وبضمهما بغير واو وبكسر الهاء وضم الميم بغير واو وبضم الهاء وكسر الميم بياء بعدها وكذلك بغير ياء. "اهدنا" صورته صورة الأمر. ومعناه الطلب والرغبة ولما أخبر المتكلم أنه ومن معه يعبدون الله تعالى ويطلبون منه العون سأل له ولهم الهداية إلى الطريق الواضح لأنهم بالهداية إليه تصح منهم العبادة. "صراط الذين" بدل عين المبدل منه إذ فيه بعض إبهام ليكون المسؤول الهداية إليه قد جرى ذكره مرتين وصار يذكر البدل منه حوالة على طريق من أنعم الله عليهم فكان ذلك أثبت وأؤكد، والبدل على الصحيح على نية تكرار العامل فكأنهم كرروا طلب الهداية وفسر المنعم عليهم بأقوال أولاها الأنبياء ومن ذكر معهم في قوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، الآية. ولم يقيد الانعام ليعم جميع المنعم به على سبيل البدل وبناء أفعل للفاعل استعطاف لقبول التوسل بالدعاء في الهداية أي طلبنا منك الهداية إذ سبق إنعامك فمن إنعامك إجابة سؤالنا ومضمون الجملة طلب استمرار الهداية إلى طريق من أنعم عليهم لأن من صدر منه حمداً لله وأخبر بأنه يعبده ويستعينه فقد حصلت الهداية له لكنه يسأل استمرارها. "غير" مفرد مذكر دائماً ومدلوله المخالفة بوجه ما وأصله الوصف ويستثنى به ويلزم الاضافة لفظاً أو معنى وإدخال أل عليه خطأ ولا يتعرف وان أضيف إلى معرفة. "المغضوب" والغضب يغير الطبع كما يروه. "عليهم" وعليهم الأولى في موضع نصب والثانية في موضع رفع وغير بدل من الضمير في عليهم أو من الذين. وهو ضعيف وان قاله أبو علي أو نعت على مذهب سيبويه إذ قد تتعرف غير إذا أضيفت إلى معرفة أو على مذهب ابن السراج في أنها تتعرف إذا وقعت على مخصوص لا شائع وقرىء غير وهو حال من الضمير في عليهم. وقال المهدوي من الذين والحال من المضاف إليه الذي لا موضع له من رفع أو نصب، المشهور أنه لا يجوز. وقال الأخفش والزجاج: نصب على الاستثناء المنقطع والمغضوب عليهم اليهود لأنهم كفروا عن علم وعاندوا والنصارى ضالون أي كفروا جهلاً فلهذا خص كل بوصف ولا في قوله "ولا الضالين" حرف خلافاً للكوفيين ودخلت لتأكيد معنى النفي الذي تدل عليه غير أنه كأنه قيل لا المغضوب عليهم ولا الضالين وأشعر أن الضالين هم غير المغضوب عليهم وإن كان كلهم قد اشتراك في الغضب والضلال، ولتقارب معنى غير ولا أجاز الزمخشري أنا زيداً غير ضارب قال: كما جاز أنا زيداً لا ضارب فأوردهما مورد الوفاق وفي المسألتين خلاف. "والضلال" سلوك سبيل غير القصد. ضل عن الطريق سلك غير جادتها، والضلال: الهلاك والضلال الحيرة والغفلة وكانت صلة الذين فعلا ماضياً وصلة أل اسماً لأن المقصود طلب الهداية إلى صراط من ثبت إنعام الله عليهم وصله أل بالاسم ليشمل سائر الأزمان وبناه للمفعول لأن من طلب منه الهداية ونسب الانعام إليه لا يناسب أن يواجه بوصف الانتقام وليكون المغضوب توطئة للختم بالضالين فيعطف موصول بال على موصول بال مثله والمراد بالانعام الانعام الديني. وروي عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن المغضوب عليهم هم اليهود وإن الضالين هم النصاريتفسير : . والغضب من الله تعالى إن كان إرادة الانتقام من المعاصي فهو من صفات الذات وإن كان إحلال العقوبة به كان من صفات الفعل ومناسبة ذكر الغضب أثر النعمة لأن الغضب يقابل الانتقام لا الضلال فبينهما تطابق معنوي. وأيضاً تشجيع فقد جمعت هذه الصورة حسن الافتتاح وبراعة المطلع إذ كان مفتتحاً باسم الله تعالى. والمبالغة في الثناء بعموم أل في الحمد لله، والاختصاص باللام في لله، وبالإِضافة في ملك يوم الدين، وحسن التقديم والتأخير في نعبد ونستعين والمغضوب عليهم والضالين، والتفسير بعد الابهام في صراط الذين، والالتفات في إياك نعبد وما بعده، وطلب الشيء والمقصود استدامته. وسرد الصفات لبيان خصوصيته في الموصوف أو مدح أو ذم، والتشجيع في الرحيم والمستقيم وفي نستعين والضالين.
الجيلاني
تفسير : {بِسمِ ٱلله} المعبر بها عن الذات الأحدية، باعتبار تنزيلها عن تلك المرتبة؛ إذ لا يمكن التعبير عنها باعتبار تلك المرتبة أصلاً، وباعتبار شمولها وإحاطتها جميع الأسماء والصفات الإلهية المستندة إليها المظاهر كلها المعبر عنها عند أرباب المكاشفة بالأعيان الثابتة، وفي لسان الشرع باللوح المحفوظ والكتاب المبين {الرَّحْمٰنِ} المعبر بها عن الذات الأحدية باعتبار تجلياتها على صفحات الأكوان وتطوراتها في ملابس الوجودب والإمكان، وتنزيلها عن المرتبة الأحدية إلى مراتب العددية، وتعيناتها بالتشخيصات العلمية والعينية وانصباغها بالصبغ الكيانية {الرَّحِيـمِ} [الفاتحة: 1] المعبر بها عن الذات الأحدية باعتبار توحيدها بعد تكثيرها، وجمعها بعد تفريقها، وطيِّها بعد نشرها، ورفعها بعد خفضها، وتجريدها بعد تقييدها. {ٱلْحَمْدُ} والثناء الشامل لجميع المحامد والأُثنِيّة الصادرة عن ألسنة ذرائر الكائنات المتوجهة نحو مبدعها طوعاً، المعترفة بشكر منعمها حالاً ومقالاً، أزلاً وأبداً، ثابتةً مختصة {للَّهِ} أي: للذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات المظهرة المريبة للعوالم، وما فيها بأسرها لكونه { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ولولا تربيته إياها وإمداده لها طرفة لفني العالم دفعة. {ٱلرَّحْمـٰنِ} المبدئ المبدع لها في النشأة الأولى بامتداد ظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا على مرآة العدم المنعكسة منها العالم كله وجزءه، شهادته وغيبه، أولاه وأخراه وأجزاءه بلا تفاوت {ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] المعيد للكل في النشأة الأخرى بطيّ سماه الأسماء وأرض الطبيعة السفلى إلى ما منه الابتداء وإليه الانتهاء لكونه: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] والجزاء المسمى في الشرع بيوم القيامة، والطامة الكبرى المندكة فيها الأرض والسماء المطويات فيها سجلات الأولى والأخرى في الأرض؛ إذ فيها ارتجت الآراء والأفكار وارتفعت الحجب والأستار، واضمحلت أعيان السوى والأغيار، ولم يبق إلا الله الواحد القهار، ثم لما تحقق العبد في هذا المقام، ووصل إلى هذا المرام، وفوض الأمور كلها إلى الملك العلام القدوس السلام حق له أن يلازم ربه ويخاطب معه بلا ستر ولا حجاب، تتميماً لمرتبة العبودية إلى أن يرتفع كاف الخطاب عن البين، وينكشف الغين عن العين، وعند ذلك قال لسان مقالة مطابقاً بلسان حاله: {إِيَّاكَ} لا إلى غيرك؛ إذ لا غير في الوجود معك {نَعْبُدُ} نتوجه ونسلك على وجه التذلل والخضوع؛ إذ لا معبود لنا سواك ولا مقصد إلا إياك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] أي ما نطلب الإعانة والإقدار على العبادة لك إلا منك؛ إذ لا مرجع لنا غيرك. {ٱهْدِنَا} بلطفك {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] الذي يوصلنا إلى ذروة توحيدك. {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} من المرتدين الشاكين، المنصرفين بمتابعة العقل المشوب بالوهم عن الطريق المستبين. {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7] بتغريرات الدنيا وتسويلات الشياطين عن منهج الحق ومحجة اليقين. آمين: إجابة منك يا أرحم الراحمين. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات - يسَّر الله أمرك - أن تتأمل في الأبجر السبعة المشتمل بهذا السبع المثاني في القرآن العظيم، المتفرعة على الصفات السبع الذاتية الإلهية، الموافقة للسماوات السبع والكواكب السبعة الكونية، وتدبر فيها حق التدبر، وتتصف بما رمز فيها تتخلص من الأودية السبعة الجهنمية، المانعة من الوصول إلى جنة الذات المستهلكة عندها جميع الإضافات والكثرات ولا يتيسر لك هذا التأمل والتدبر إلا بعد تصفية ظاهرك بالشرائع النبوية والنواميس المصطفوية المستنبطة من الكلم القرآنية، وباطنك بعزائمه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم المقتبسة من حكمها المودعة فيها، فيكن القرآن الجامع له خلق النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، المورث له من ربه المستخلف له. فالقرآن خلق الله المنزل على نبيه، من تخلق به فاز بما فاز، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تخلقوا بأخلاق الله"تفسير : وهي التي ذكرت في القرآن، والفاتحة منتخبة من جميع القرآن على أبلغ وجه وأوضح بيان، من تأمل فيها نال ما نال من جميع القرآن، لذلك فرض قراءتها عند الميل والتوجه إلى الذات الأحدية المعبر عنه بلسان الشرع، بالصلاة التي هي معراج أهل الاتجاه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة معراج المؤمن"تفسير : ، وقال أيضاً: "تفسير : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ". تفسير : فعليك أيها المصلي المتوجه إلى الكعبة الحقيقة والقبلة الأصلية أن تواظب على الصلوات المفروضة المقربة إليها، وتلازم الحكم والأسرار المودعة في تشريعها، بحيث إذا أردت الميل إلى جنابه والتوجه نحو بابه لا بد لك أولاً من التوضؤ والتطهر عن الخبائث الظاهر والباطنة كلها، والتخلي عن اللذات والشهوات برمتها إلى حيث تيسر لك التحريمة بلا وسوسة شياطين الأهواء المظلة. فإذا قلت مكبراً محرماً على نفسك جميع حظوظك من دنياك: الله أكبر، لا بد لك أن تلاحظ معناه بأنه: الذات الأعظم الأكبر في ذاته لا بالنسبة إلى الغير؛ إذ لا غير، وافعل هذا للصفة لا للتفضيل وتجعلها نصيب عينيك وعين مطلبك ومقصدك. وإذا قلت قلت متيمناً متبركاً: بسم الله، انبعثت رغبتك إليه ومحبتك له. وإذا قلت: الرحمن، استنشقته من النفس الرحماني ما يعينك على الترقي نحو جنابه. وإذا قلت: الرحيم، استروحت بنفحات لطفه ونسمات رحمته، وجئت بمقام الاستئناس معه سبحانه بتعديد نعمه على نفسك. وإذا قلت شاكراً لنعمه: الحمد لله، توسلت بشكر نعمه إليه. وإذا قلت: رب العالمين، تحققت بإحاطته وشموله وتربيته على جميع الأكوان. وإذا: قلت الرحمن، رجوت من سعة رحمته وعموم إشفاقه ومرحمته. وإذا قلت: الرحيم: نجوت من العذاب الأليم الذي هو الالتفات إلى غير الحق، ووصلت إليه بعدما فصلت عنه بل اتصلت. وإذا قلت: مالك يوم الدين، قطعت سلسلة الأسباب مطلقاً، وتحققت بمقام الكشف الشهود وحين ظهر لك ما ظهر، فلك أن تقول في تلك المقام والحالة بلسان الجمع: إياك نعبد، بك مخاطبين لك وإياك نستعين بإعانتك مستعينين منك. وإذا قلت: اهدنا الصراط المستقيم، تحققت بمقام العبودية. وإذا قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، تحققت بمقام الجمع. وإذا قلت: غير المغضوب عليهم، استوحشت من سطوة سلطنة صفاته الجلالية. وإذا قلت: ولا الضالين، خفت من الرجوع بعد الوصول. وإذا قلت: آمين، أمنت من الشيطان الرجيم. فلك أن تصلي على الوجه الذي تلي، حتى تكون لك صلاتك معراجاً إلى ذروة الذات الأحدية ومرقاة إلى السماء السرمدية، ومفتاحاً للخزائن الأزلية الأبدية، وذلك لا يتيسر إلا بعد الموت الإرادي من مقتضيات الأوصاف البشرية، والتخلق بالأخلاق المرضية والخصال السنية، ولا يحصل لك هذا الميل إلا بعد العزلة والفرار عن الناس المنهمكين في الغفلة، والانقطاع عنهم وعن وسوستهم وعاداتهم المرة، وإلا فالطبيعة سارقة والأمراض سارية والنفوس آمرة بالهوى، مائلة عن المولى، عصمنا الله من شرورها وخلصنا من غرورها بمنه وجوده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قال الشيخ - رحمه الله ونفعنا به وبعلمه في الدارين - سُمِّيت الفاتحة لمعنيين: أحدهما: أن الله تعالى بها فتح أبواب خزائن الحقائق التي ما فتح أبوابها لأحد من العالمين على حبيبه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب بعد أن أودع فيه حقائق جوامع الكلام التي أنزلها على جميع أنبيائه ورسله - عليهم السلام - يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. والثاني: أنها هي فاتحة فتوحات هذا الكتاب بأن الله تعالى ضمَّن فيها: حقائق مراتب الربوبية ومراتب العبودية، ومراتب الأمور الدنيوية ومراتب الأمور الأخروية التي هذا الكتاب مشتمل عليها سنجمع دقائق مبانيها. 1- فمراتب الربوبية عشرة: أولها: مرتبة اللاسم؛ بأن له تعالى أسماء. والثاني: الذات. والثالث: الصفات. فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} [الفاتحة: 1]. والرابع: الثناء. والخامس: الشكر. وهما حاصلان في {ٱلْحَمْدُ} [الفاتحة: 1]. والسادس: الألوهية بمعنى الخالقية، وهي حاصلة في {للَّهِ} [الفاتحة: 1]. والسابع: الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي حاصلة في {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1]. والثامن: الملكية بالمالكية، وهي حاصلة في {مَـٰلِكِ} [الفاتحة: 1]. والتاسع: المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصلة في {يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 1]. والعاشر الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلى الأبد، وهي حاصلة في {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 1]. 2- وكذلك في مرتبة العبودية عشرة: أولها: معرفة الله تعالى بهذه المراتب. والثاني: الإقرار بالربوبية لله تعالى وبعبودية نفسه له. والثالث: معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية. والرابع: العلم باحتياجه إلى الله تعالى واستغناء الله تعالى عنه. والخامس: عبادة الله تعالى على ما هو أهله بأمره. والسادس: الاستعانة بالله تعالى في عبوديته بالتوفيق والقدرة والتعليم والإخلاص. والسابع: الدعاء بالخضوع والخشوع والشوق والمحبة، فإنه خُلق لهذا كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ}تفسير : [الفرقان: 77] وقال تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. والثامن: الطلب لوجدان الله تعالى وصفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلى والمنية القصوى. والتاسع: الاستهداء عنه ليُهتدَى به وينعم عليه بإرشاده طريق الهداية. والعاشر: الاستدعاء منه بأن ينعم عليه، ويديم نعمته عليه، ولا يغضب فيرده إلى الضلالة والغواية. وهذه المراتب كلها حاصلة في {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلى آخر السورة فافهم جدّاً. 3- ومراتب الأمور الدنيوية أربعة: الملك والملك والتصرف فيهما بالملكية والمالكية، وفاتحة الكتاب مشتملة على هذه المراتب كلها كما أشرنا إلى طرف منها، وسنبينها في تفسيرها إن شاء الله تعالى، ولهذا المعنى أيضاً سُمِّيت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب في الحقيقة مصدر حقائق كل دين، وكتاب ومنشأ دقائق كل حكم وخطاب، كقوله: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 39]. وأما الحكمة في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختياره على سائر الحروف لا سيما على الألف بأنه أسقط الألف من الـ "اسم" وأثبت مكانه الباء، وقال: {بِسمِ} فعشرة معانٍ: أحدها: إن في الألف ترفعاً وتكبراً وتطاولاً، وفي الباء انكساراً وتواضعاً وتساقطاً، فالألف لما تكبرت وضعها الله تعالى والباء لما تواضعت رفعها الله تعالى كما ورد في الحديث: "حديث : من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله"تفسير : وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يأتي الجبل ليسمعه كلامه، فتطاول كل جبل طمعاً أن يكون محلاً لموسى عليه السلام، وتصاغر طور سيناء في نفسه "متى استحق أن أكون محلاً لقدم موسى عليه السلام في وقت المناجاة؟" فأوحى الله تعالى إلى موسى: "أن ائتِ ذلك الجبل المتواضع الذي ليس يرى لنفسه استحقاقاً" فكذلك حال الباء مع الألف. وثانيها: إن الباء مخصوصة بالإلصاق، وتصل كل حرف بخلاف أكثر الحروف خصوصاً الألف؛ لأن الألف مخصوصة بالقطع وتكون منقطعة عن الحروف كلها، فلما كانت الباء واصلة للرحم في الحروف وصلها الله تعالى، ولما كانت الألف قاطعة الرحم عن الحروف قطع الله معها كما روى عبد الله بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يحكي عن ربه - جل ثناؤه -: "حديث : أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم شققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته"تفسير : حديث صحيح. وثالثها: إن الباء مكسورة أبداً فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرب العندية من الله تعالى واسمه دون الألف كما قال تعالى: "حديث : انا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". تفسير : ورابعها: إن في الباء وإن كانت في الظاهر تساقط وتكسر، ولكن في الحقيقة رفعة درجة وعلو همته وهي من صفات المصدقين، وفي الألف ضده. أما رفعه درجتها فبأنها أعطيت نقطة وليست للألف هذه الدرجة، وأما علو الهمة فإنه لما عُرضت عليه النقطة ما قبلت إلا واحداً بسكون حاله كحال موحدٍ لا يقبل إلا واحداً، وعابدٍ لا يعبدُ إلا معبوداً واحداً، وقاصدٍ لا يقصدُ مقصوداً واحداً ومحبِّ لا يحبُّ إلا محبوباً واحداً. وخامسها: إن للباء صدقاً في طلب قُربة الحق ونيل المقصود الحقيقي لا يوجد في غيرها من الحروف وذلك أنها لما وجدت درجة حصول النقطة وبلغت هذه المرتبة وضعتها تحت قدمها؛ لصدقها في طلب المقصود الحقيق والمطلوب الأصلي، وما تفاخرت بها بل أعرضت عنها حتى بلغت مقصدها الأقصى ومقصودها الأعلى، فالباء مخصوصة من سائر الحروف بوضع النقطة تحتها ولا تناقضها الجيم وإنا كانت تحتها نقطة واحدة؛ لأن نقطة الجيم في وضع الحروف ليست تحتها بل هي وسطها وكذلك الباء، وإنما موضع النقطة تحتها عند اتصالهما بحرف آخر لئلا تشبها بالخاء والثاء بخلاف الباء فإن نقطتهما موضوعة تحتها وإن كانت مفردة غير متصلة بحرف آخر. وسادسها: إن الألف حرف العلة وهو معلول لا يتحمل الحركة، والباء حرف صحيح غير معلول يتحمل الحركة وحالهما كما أن الله عرض الأمانة على أهل السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72] فأمر الملائكة بالسجود له فأبى إبليس واستكبر فلعنه الله وأسقطه عن قربته وطرده عن جواره وحضرته، واصطفى آدم من بريته واجتباه لقربته وزاد علو درجته وهداه إلى محبته ومعرفته. وسابعها: إن الباء حرف تام متبوع في المعنى وإن كان ناقصاً منكسراً تابعاً في الصورة، والألف حرف ناقص تابع في المعنى وإن كان تاماً متبوعاً في الصورة ألا ترى أنك إذا نظرت إلى صورة وضع الحروف وجدت الألف مقدماً على الباء متبوعاً له، وإذا قلت الباء وجدت الألف تابعاً وإذا قلت الألف لم تجد للباء تبعية فالابتداء بالمتبوع التام في المعنى والناقص المنكسر التابع في الصورة أولى من الابتداء بمن هو على مثل هذا. وثامنها: إن الباء حرف عامل يعمل ويتصرف في غيره، فظهر لها من هذا الوجه قدر وقدرة فصلحت للابتداء، والألف ليس بعامل ولا متصرف في غيره فليس له هذا القدر والقدرة، فما صلح للابتداء والاقتداء. وتاسعها: إن الباء حرف في صفاته مكمل لغيره، فكماله في صفاء نفسه بأنه للإصاق والاستعانة والإضافة، وفيه تواضع إذا لم تقبل من الحركات إلا الكسرة، وله علو وقدر في تحميل الغير بأن يخفض الاسم التابع له ويجعله مكسور الصفات نفسه بحيث كل اسم يجيء خلف الاسم التابع له يكون مسكوراً بالإضافة، والذي يجيء بعده يكون مكسور بالصفة إلى غير النهاية كما دخل على الاسم، وجعل ميم بسم مكسورة، وجعل الهاء من الله مكسورة بالإضافة، والنون من الرحمن مكسورة بالصفة، والميم من الرحيم أيضاً مكسورة بالصفة لو شئت هلم جرَّا، فالكامل المكتمل أولى بالإمامة والتقدم من الألف الذي هو ناقص معلوم في نفسه منقص معلل لغيره، فإنه لو دخل في الفعل الماضي يجعله مهموز الفاء معتل العين ناقص اللام. وعاشرها: إن الباء حرف شفوي تفتح الشفة به ما لم تفتح بغيره من الحروف؛ لأن بالميم وإن كان شفوياً لا تفتح الشفة به كما تفتح بالباء حسّاً، وكان أول انفتاح فم الذرة للإنسانية في عهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] بالباء في جواب {بَلَىٰ} فلما كان الباء أول حرف نطق به الإنسان وفتح به فمه، وكان مخوصاً بهذه المعاني اقتضت الحكمة الإلهية اختيارها من سائر الحروف، فاختيارها ورفع قدرها وإعلاء شأنها وأظهر برهانها وأعز سلطانها وجعلها مفتتح كتابه ومبتدأ كلامه وخطابه، وأعطاه رفعة الألف وقامته وتقدمه على الحروف وإمامته فحذف الألف في {بِسمِ ٱلله} وطوَّل باؤه لإظهار تعظيمها وتفخيمها؛ إذ منها مرتبة الألف وأثبتها مكانه وقرنها باسم ذاته وصفاته، وجعلها معدن إشاراته ومنبع كراماته مع بريته. كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الباء بره بأوليائه، والسين سره مع أصفيائه، والميم منته على أهل ولائه، وأخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عيسى ابن مريم عليه السلام أرسلته أمه إلى الكتاب يتعلم فقال له المعلم: قل: {بِسمِ ٱلله}، فقال عيسى: وما {بِسمِ ٱلله} فقال: ما أدري! فقال: الباء بها الله، والسين سناؤه، والميم منته ". تفسير : وأخبرنا الثعلبي ثنا أبو القاسم بن حسين بن محمد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الوراق يقول في {بِسمِ ٱلله}: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة: * الباء على ستة أوجه: "بارئ" خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [البقرة: 284]. "بصير"، "باسط" رزق خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ}تفسير : [الرحمن: 27]. "باعث" الخلق عبد الموت للثواب والعقاب، من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [الحج: 7]. "بار" بالمؤمنين من العرش إلى الثرى بيانه: {أية : إِنَّهُ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الطور: 28]. * والسين على خمسة أوجه: "سميع" لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ}تفسير : [الزخرف: 80]. "سيد" قد انتهى سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}تفسير : [الإخلاص: 2]. "سريع" الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [البقرة: 202]. "سلام" على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ}تفسير : [الحشر: 23]. "ستار" ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}تفسير : [غافر: 3]. * والميم على اثنى عشر وجهاً: "ملك" الحق من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ}تفسير : [الحشر: 23]. "مالك" خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [آل عمران: 26]. "منان" على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ}تفسير : [الحجرات: 17]. "مجيد" على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ}تفسير : [البروج: 15]. "مؤمن" أمَّن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 4]. "مهيمن" اطلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ}تفسير : [الحشر: 23]. "مقتدر" على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45]. "مقيت" على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً}تفسير : [النساء: 85]. "مكرم" أوليائه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70]. "منعم" على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}تفسير : [لقمان: 20]. "مِفْضَلُ" عما خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 243]. "مصور" خلقه من العرش الى الثرى، بيانه: {أية : ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ}تفسير : [الحشر: 24]. قال الشيخ المحقق مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: الباء بلاؤه لأنبيائه وأحبائه، والسين سلامه لأوليائه وأصفيائه، والميم معروفة مع أهل ولائه في ابتلائه ومعرفة مبتلاه بالابتلاء، وإنه لأوليائه وأصفيائه ومنته على أهل سلامته بالآئه ونعمائه وسلامة القلب وصفائه. قال رحمه الله تعالى: قيل: ما المناسبة في حمل هذه الحروف على هذه المعاني؟ قلنا: إن مناسبة حمل الباء على البلاء وفي ابتداء كلامه وابتداء خطابه أن الإنسان في أصل الجبلة وبدء الخلقة خلق مجبولاً على الابتلاء، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}تفسير : [الإنسان: 2] إنما بنى أمر خلقته على الابتلاء؛ لأنه خلق للمحبة والولاء، كما قال تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، والمحبة مظنة الابتلاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحب الله عبداً ابتلاه وإذا أحبه حباً شديداً اقتناه فإن صبر ورضي اجتباه، قيل: يا رسول الله وما اقتناه؟ قال: لا يبقى له مالاً وولداً ". تفسير : وإن مناسبة حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية من افتتاح الكتاب، فملعنيين: أحدهما: أن السلامة مرتبة لأهل البلاء؛ لأن البلاء على نوعين: بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء المحبة على نوعين: بلاء المحبة وبلاء المحنة، وبلا النعمة على نوعين: بلاء الرحمة وبلاء النقمة، فأما بلاء المحبة فمخصوص بالأنبياء والأولياء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم بالأمثل فالأمثل"،تفسير : فمنهم من يختص ببلاء المحنة كما كان حال أيوب عليه السلام، ومنهم من يختص بلاء النعمة كما كان حال سليمان عليه السلام واعلم أن الطريق إلى الله تعالى جادة المحنة أقرب من جادة المنحة؛ لأن غبار بلاء المحنة بناء خُلَّص الأنبياء والأحباء أبرز، فَنزه النبوة والمحنة عن تدنس غش معدن الإنسانية وبموت الحسية الحيوانية. كما جاء: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأهل المحنة مجذوبون بجذبة البلاء واصلون إلى المبلي غير منقطعين في رتبة البلاء بالغون إلى كعبة وصال المحبوب، ألا ترى أن أيوب عليه السلام كيف وصل بجذبة {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}تفسير : [الأنبياء: 83]، إلى مشاهدة كمال {أية : وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 83]، وذلك لأنه تمسك بيد الصبر على جذبة الضر فسمه الضر إلى الضار، فأنسته لذة مشاهدة الضار عن شهود ألم الضر، فأرى أن الضر كان جذبة فوصله إلى الضار فعرفها أنها رحمة في صورة بلاء المحنة رحمه بها محبوبه وخلصه من حبس وجوده، فقال: {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}تفسير : [الأنبياء: 83]، أي أفنيتني عني بضاريتك {أية : وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 83]، والواو فيه واو الحال أي: في هذا الحال أرحم علي من جميع الراحمين؛ لأن رحمة الرحماء على المرحومين بالنعمة والمنحة في الظاهر لدفع الفقر والمرض وذلك أيضاً بلاء؛ بلاء النعمة لبعضهم رحمة وهم أهل الوفاء، ولبعضهم نقمة وهم أهل الجفاء، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]. فأهل الوفاء: أوفوا بما عهدوا الله على ترك الشهوات النفسانية والزينة الدنيوية حتى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم {أية : بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111]. وأهل الجفاء: نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا استعدادهم بالركون إلى زينة الدنيا، واتباعهم الهوى أولئك هم الخاسرون؛ فصارت عليهم النعمة في الظاهر نقمة في الحقيقة، فالنعمة توجب الإعراض، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}تفسير : [الإسراء: 83]. ومس الضر يوجب الإقبال إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ}تفسير : [فصلت: 51] فأنت رحمة علي بدفع النعمة والصحة على أنها مظنة الإعراض، وأفنيتني بك عني فلما جاوز الضر حده آل إلى ضده، فما أبقى الضرب مني شيئاً، وما بقي الضر كالنار إذ لم تبق من الحطب شيئاً لا تبقى النار، فإذا لم يبقى الضر ما بقي إلا الرحمة، فبنظر الرحمة نظرت إليك فرأيتك رحمة أرحم الراحمين، فإذا تحققت هذا فاعلم أن المرتبة الثانية من بلاء المحنة لأهل السلامة كما كان حال أيوب وإبراهيم ويونس وغيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - في المرتبة الثانية السلامة. وأما المعنى الثاني: في حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية فهو أنا ذكرنا أن الباء في افتتاح الكتب إشارة إلى البلاء لأهل الولاء، وقررنا أن الإنسان لا يخلو من البلاء بحال، وأثبتنا أن البلاء على نوعين بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء النعمة ما يكون مع سلامة الدين والدنيا لأهلهما، فالسين بعد باء البلاء إشارة إلى أهل الصفاء كما ذكر. فإن قيل: ما الفرق بين بلاء المحنة وبلاء النعمة التي هي الرحمة وكلامها السلامة في الدنيا والآخرة؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن بلاء المنحة وإن كانت السلامة ولكن يخلو بها صاحبها من المحنة. إمَّا في ابتداء أمره: كما كان حال إسماعيل ويوسف - عليهما السلام - ابتلاهما الله تعالى بالمحبة في حال عبادتهما فخلصهما منها بعد ذلك وأعطاهما النبوة والملك كما حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف: 101]. أمَّا في أثناء أحواله: كما كان لإبراهيم عليه السلام ابتلاه الله تعالى بذبح ولده ورميه في المنجنيق إلى نار نمرود حتى خلصه الله من ذبح الولد بعد التسليم عند الامتحان كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}تفسير : [الصافات: 103]، وكقوله: {أية : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الصافات: 107]، وخلصه عن النار بقوله: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]. وأما في آخر عهده: كما كان حال زكريا ويحيى وجرجيس - عليهم السلام - كانت فتنتهم في آخر عمرهم، ولهذا كان بلاء المحنة وبلاء المنحة مخصوصين بالأنبياء والأحباء؛ لأنهما فرع بلاء المحبة وهم مخصوصون بالمحبة وأهل المحبة لا ينفكون عن المحنة والمنحة، ولا يخلو أهل المنحة في بعض الأحوال من المحنة عن المنحة وإن كان الغالب على أحوالهم المحنة أو المنحة بخلاف أهل بلاء النعمة، فإنه يمكن أهل بلاء الرحمة منهم أن يستديم نعمته في سلامة الدين والدنيا، ولهذا أثبتناهم في المرتبة الثانية بإشارة السين السلامة لهم وهم الأولياء والأصفياء مع أنه يمكن أن يصيب بعضهم المصائب والمحن نادراً. الفرق الثاني: أن سلامة أهل بلاء المنحة غير سلامة بلاء أهل بلاء النعمة، وإن كانت سلامة بلاء النعمة داخلة في سلامة بلاء المنحة وهما شريكان في اسم السلامة لا في المعنى؛ لأن سلامة بلاء النعمة راجعة إلى البدن والمال والأولاد والأقرباء والأحباء في الدنيا والآخرة راجعة إلى عبور الصراط والنجاة من النار والدخول في دار السلامة كما قال تعالى: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}تفسير : [الحجر: 46]. وسلامة أهل بلاء المنحة وهم أهل المحبة من الأنبياء والأولياء في العبور من النعمة إلى المنعم ومن البلاء إلى المبلي ومن دار السلام كما قال تعالى في شرح عبورهم عن الجنة إلى مليك الجنة: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 54-55] أي: في عبورهم في جنات ونهر إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، والإشارة في قوله تعالى: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69] لهذه السلامة مودع في ترك سلامة أهل بلاء النعمة، وإنما قوله تعالى للنار: {أية : كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69] كان بعد أن أُلقي إبراهيم في النار لتخليص إبريز الخلة عن دنس التفات لغير الخليل، وإن كان إبراهيم عليه السلام في بدء مقام الخلقة نظر إلى غير خليله بنظر العداوة، وقال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]، وأعرض عن الأغيار وقال: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 79] وسعى على قدم العبودية إلى حضرة الربوبية: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99]. واعلم أن الطريق إليه بغير هدايته منسد، فأحال بعد إقامته شروط العبودية هداية الربوبية عليه، قال: {سَيَهْدِينِ} ليهديه الله إليه بقدم الوصال كما هداه بنظر التوحيد متى رأى القمر بازغاً قال: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76]، إلى أن قال: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}تفسير : [الأنعام: 76]، {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}تفسير : [الأنعام: 79] لأن الهداية بالنظر والتوحيد هداية أهل البداية، والبداية بالقدم والوصول إلى الوحدة هداية أهل النهاية، وبين النظر والقدم مسالك ومهالك كثيرة وقد انقطع فيها خلق عظيم من العلماء المتقين، وأعزة السالكين وهلك فيها جمهور الحكماء المتفلسفين اللهم إلا عبادك منهم المخلصين المجذوبين بجذبات المحبة من الأنبياء والمرسلين وأوليائك المحفوظين على صراط المستقيم والدين القويم كما خلصت بفضلك ورحمتك خليلك عليه السلام حين ابتليته بالإلقاء بالنار ليتخلص بالكلية من آفة التفاته كما تخلص من آفة الالتفات إلى المال والولد فلما ألقي في النار أدركته العناية الأزلية، وخلصت إبريز خلقته عن آفة الالتفات إلى غير خليله من نفسه ومن الوسائط كلها حتى جبريل حين تلقاه في الهواء ليمتحن إبريز خلته: "بمحك هل لك من حاجة"، فيرى هل هو صاف خالص أم فيه بقية روحانية بعد بذل الجسم والروح تتعلق بالمناسبة الروحانية بجبريل عليه السلام فاشتعلت نار الخلة بكبريت الغيرة وأحرقت بقيته الغيرية، فاشتعلت منها شعلة: "أما إليك فلا" فرجع جبريل عليه السلام بخفي حنين، فعبر عن مقاطع الوسائط بدلالية نور الخلة في خفاء العناية وصل الخليل إلى الجليل بالسلامة، فالنار كانت واسطة تخليصه وتمحيصه بترك سلامة أهل بلاء النعمة لنيل سلامة أهل بلاء المنحة وهي الوصول إلى المليك بالسلام. وكذلك الفرق بين بلاء أهل المنحة وبين بلاء أهل النعمة أن بلاء المحنة يكون الامتحان لأحباء في دار الدنيا كما كان محنة أيوب عليه السلام فلا يدفع أنها تنقضي في دار الدنيا صورة ومعنى، وإما تنقضي في الدنيا بالمعنى وبالموت صورة. بخلاف بلاء النعمة فإنه إما يدفع في الدنيا والآخرة صورة ومعنى وإما أن يكون في الدنيا بالمعنى لا بالصورة بأن يكون في التنعم ويكون في الآخرة بالصورة والمعنى. وأما مناسبة حمل الميم في المرتبة الثالثة من حروف بسم على معروفة مع أهل بلائه وولائه في أثناء ابتلائه، وعلى منته على أهل سلامة في الابتلاء بآلائه ونعمائه فظاهر، فإنه لو لم يكن معروفة ومع أهل بلائه بنعمة الصبر لزال قدمهم عن جادة العبودية ورؤية رحمة الربوبية في عين البلاء وانقطع نظريهم بحجاب البلاء عن الجمع كما كان في حق الأكثرين من المخذولين. قال تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}تفسير : [الفجر: 16] فرؤية الإهانة في البلاء من الخذلان، والصبر ليس من شأن الإنسان لأن الإنسان خلق من عجل، والصبر من الله تعالى كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 127] فالبلاء لأهل الولاء المنحة نعمة الصبر كقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ}تفسير : [البقرة: 155]، إلى قوله: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 155]، أي: بشر بأن هذا البلاء ليس للإهانة كما كان في حق أهل الخذلان بل للإعانة على نيل درجة الصبر ليستحقوا به الصلاة والرحمة والهداية من الله تعالى، وإن أيوب عليه السلام وجد مرتبة الصابرين ونعم العبد بمعروف الصبر من الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}تفسير : [ص: 44]، وكذلك لو لم تكن منته على أهل السلامة في بلاء النعمة المنحة الشكر ورؤية النعم من المنعم لزالت قدمهم عن الجادة كما كان حال قارون وفرعون؛ انقطع نظريهم لحجاب البلاء في النعمة عن المنعم قال قارون: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}تفسير : [القصص: 78]. وقال فرعون: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ}تفسير : [الزخرف: 51]، وقال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]، وهذه الآفة مذكورة في جبلة كل إنسان كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]، وإنما تخلص من هذه الورطة من تخلص بمنته عليه في عطية نعمة الصبر والشكر، فبقوه الصبر لا ينفق نعمة في معصية، وبقوة الشكر ينفقها في سبيل الله تعالى ويستعين بهما على طاعته ليصفو ويسلم قلبه عن كدورات الطغيان المنتهى عن الاستغناء، ويتنور بنور الشكر والصبر، فيرى بصر بصيرته بذلك النور نعمة الشكر من الشكور ونعمة الصبر من الصبور وهو الله تعالى، فبقدر الصبر والشكر يصل السالك إلى الصبر والشكور كما قيل: خطوتان وقد وصلت، وإن سليمان عليه السلام نال مرتبة العبدية بامتنان نعمة الشكر ودعوة {أية : وَهَبْ لِي مُلْكاً}تفسير : [ص: 35] كانت لاستكمال نعمة الشكر، وإنما أيوب وسليمان - عليهما السلام - اشتركا ي نيل مقام نعم العبد لأن كل منهما كان مخصوصاً بالاتصاف بصفة من صفات الله وهي الصبور والشكور، فلمَّا اشتركا في الاتصاف بصفات الله تعالى اشتركا في مقام نعم العبدية، والله أعلم. ثم اعلم أن في {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} أربع مراتب: الاسم والذات وصفة الجلال وصفة الجمال، وهذه هي مراتب الموجودات كلها فإنها أربعة أقسام: الألوهية والروحانية والجسمانية والحيوانيات، وهي كل ذي روح، ففي الباء في أول هذه المراتب الأربع إشارة إلى أن وجود هذه العوالم لي وليس لغيري وجود حقيقي إلا بالاسم. فللعالم، أعني ما سوى الله تعالى، بالاسم والمجاز وجود لا بالمعنى والحقيقة، وإلى هذا إشارة بعضهم بقوله: "ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله فيه"، وأوضح من هذا قول بعضهم: "ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله". وصرَّح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله"تفسير : حديث متفق على صحته، فتحقق {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} أن وجودي بذاتي وهو الله وصفاتي كلها - التي هي إمَّا من قبيل الجلال أو من قبيل الجمال -، فبذاتي قائمة وما سواي وهو العالم اسم موجود بإيجادي وقائم بقيوميتي {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 83]. وفيه أخرى وهي: أن الخلائق محجوبون عن الله تعالى بحجاب أسماء أنفسهم وحجاب أسماء ما سواهم من العالم، وقد تصوروا لكل اسم مسمى فوقعوا في تيه الشرك والتفرقة، وتاهوا في بيداء الضلالة وزلت قدمهم عن الصراط المستقيم وجادة التوحيد والوحدة والوحدانية، فلمَّا عبروا بقدم الصدق في المتابعة عن حجب الأسماء وقطعوا مفاوزها بتعلم {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31] الذي كان آدم مخصوصاً به، وعلموا أن لا طائل تحتها عرفوا أن هذه الأسماء على الأشياء كلها {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ}تفسير : [النجم: 23]. ولكشف هذا القناع كان دعاء: النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم أرنا الأشياء كما هي"تفسير : لأت كل شيء بحسب نظر المظاهر أسماء بإزاء معنى يلائمه، كما سمي آدم لأنه من آديم الأرض فهذا الاسم يلائم لآدم عليه السلام في الظاهر، وله في الحقيقة اسم آخر بإزاء اسم حقيقي، فلما أودع الله تعالى فيه ما يلائم لتلك الحقيقة وذلك قوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30] فسماه بمناسبة المعنى الحقيقي المودع: خليفة. فكذلك لكل شيء في الظاهر اسم وفي الحقيقة اسم آخر والآدمي مخصوص بتعليم الأسماء كلها دون الملك وغيره، فلما خلصوا عن حبس حمل الأسماء ورفعوا حجبها وصلوا إلى الله تعالى، وإذا وصلوا إلى الله تعالى منعوا من جلاله وهو الرحمن وتمتعوا من جماله وهو الرحيم في تقدم الأسماء، وأما تقدم الاسم في "بسم" فلوجوه: منها ما قيل: للتبرك والتيمن. ومنها ما قيل: للفرق بين التيمن واليمين. ومنها ما قلت: أن له الأسماء الحسنى، وبحسب كل اسم له صفة فإطلاق اسم المطلق شامل لكل اسم من الأسماء وأصلها من الصفات، وليس لله صفة إلا يدل عليها اسم، فعلى هذا وقع الابتداء بما يدل على كل اسم وصفة والباقية للتضمين أي: ابتدائي بأسمائي وصفاتي كلها وأنا الرحمن الرحيم الذي لي تكونت الكائنات وظهر الموجودات إذ بي أسباب معايش أنواع المخلوقات عامة بالرحمانية وأرتب درجات معاد أهل الكرامات والقربات خاصاً بالرحمة. ومنها: أن تقدم الاسم لتزكية النفوس وتصفية القلوب عن كل اسم ورسم، ولتحلية الأسرار بأنوار الله تعالى لأن التحلية لا تكون إلا بعد التزكية؛ لقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 14-15] أي: يزكي نفسه بذكر اسم ربه ويجلي روحه بتحلية الصلاة والمناجاة مع ربه عز وجل. ومنها: أن المحب لما تعلم اسم المحبوب نسي نفسه، كما كان حال مجنون قيل: ما اسمك؟ قال: ليلى، وكذلك كان عصيان آدم نسيانه لما علمه الرب الأسماء كلها لقوله تالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31]، نسي اسم نفسه بأنه خليفة الله تعالى، واسم إبليس بأنه عدو له، واسم الشجرة وأنه منهي عنها فاعتذر الله تعالى، فقال: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115]، وكذلك حال ابن منصور لتحقق في نظره أن كل شيء ما خلا الله باطل، فعلم أن الله هو الحق فنسي عند سطوة تحقق اسم الحق نسي نفسه، فلما جاء الحق زهق الباطل، قيل له: من أنت؟ قال: أنا الحق! فقدم الاسم هاهنا ينسي العبد عند تحقق اسمه اسم ما سواه، فيتجلى له الله تعالى حقيقة لا اسماً ولا اسماً، كما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : [الكهف: 24] أي: إذا نسيت غير الرب. وأما الإشارة إلى تحقيق تفسير كلمة {ٱلله} قلنا كلمة الله مبنية على أربعة أحرف: الألف ولامين وهاء، وحرفان منها متفقان في الجنسية متصلان، وحرفان مختلفان مفترقان، والمتفقان أحدهما متحرك والثاني ساكن لمجموعها في الصورة والمعنى دال على الإشارة إلى صفتيه ونعمتيه، أما صفتاه فهما الظاهر والباطن، وأما نعمتاه فنعمة ظاهرة ونعمة باطنة، وأما صفتاه الظاهر والباطن وهما مختلفان فيدل عليهما حرفان مختلفان الألف والهاء؛ لأن الألف للإظهار والهاء للإضمار، كقولك: لست، تدل على النفي، فإذا دخلت الألف فيه وتقول: ألست، تدل على الإظهار والإثبات وإذا أدخلت الهاء في آخر الكلمة يكون للإظمار، كقولك: داره، لصاحب الدار مضمر ليس بظاهر، فالألف إشارة إلى صفة الظاهر، والهاء إ شارة إلى صفة الباطن، والحرفان المتفقان وهما اللامان يدلان على نعمتيه فإنهما متفقان في الجنسية، كما قال تعالى: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}تفسير : [لقمان: 20]، هذا في الصورة. وأما في المعنى إلى نعمه واحدة الآن؛ أي: نعمتان آلائه نعمتاه فالتشديد فيه للتفخيم، فالإشارة في هذه اللفظة إلى أن الله تعالى مع عباده نعمتين: نعمة الظاهر ونعمة الباطن، فاللنعمة الظاهرة معنيان، أحدهما: نعمة إظهارك بالإيجاد بعدما كنت مخفياً في العدم، والثاني: نعمة إلباس صورتك في الظاهر بعدما كنت مخفياً في عالم الأرواح كما قال {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}تفسير : [الأعراف: 111] أي: خلقناكم في عالم الأرواح ثم صروناكم في عالم الأجسام. وكذلك للنعمة الباطنة معنيان. أحدهما: نعمة إبقائك في الوجود. والثاني: نعمة إعطائك الروح الشريف، فإن عظمة الألوهية وعزة الوحدانية كانت مقتضية للتفرد بالوجود ونفي الشركة مطلقاً إلا أن الرحمة الواسعة كانت مقتضية الإيجاد، فسبقت رحمته غضبه بإيجاد الخلق بالصفة الرحمانية التي هي عامة في حق جميع الموجودات بالإيجاد وبإبقائها بالصفة الرحيمية، فالإشارة في تحقيق حق كلمة الله أنه أربعة أحرف وبحسب كل حرف له نعمة، فلو لم تكن نعمة الأربعة المناسبة للحروف لما كان للموجودات وجود أصلاً، أمَّا مناسبة النعم الأربعة مع الحروف الأربعة فهي ما بينا أن النعمة نعمتان: نعمة ظاهرة ونعمة باطنة، وللنعمة الظاهرة معنيان، وللنعمة الباطنة معنيان كما مرَّ ذكرها، وبينا أن الحروف على نوعين متفقان ومختلفان، واحد منهما متحرك والثاني ساكن، فالمتحرك من أحد حرفيها مناسب لنعمه الظاهرة من المعنيين المذكورين، والساكن مناسب لنعمة الباطنة، ولم لم يكن بين ذاته وبين ذوات المكاشفين بصفات جماله وجلاله حجب الأثواب الرحمانية والرحيمية واسطة لاحترقت ذواتهم وتلاشت أجسادهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلُّ شَىْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ". تفسير : وهذا كما أن الله تعالى لما أراد بالحكمة البالغة أن ينتفع أهل الأرض بنور الشمس وحرارتها وخواصها جعل بين الشمس وبين الأرض فلك الزمهرير وهو الهواء البارد، ثم البحر المحيط من الماء البارد واسطة حتى يندفع قوة الحرارة ببرودتها، ولو لم يكن ذلك لاحترقت الأرض ومن عليها فلإفشاء هذا السر وكشفه هذه الحقيقة على أسرار شاكري نعمائه، جعل توقيع بسم الله الرحمن الرحيم في صدر كتابه الكريم ليتحقق لهم أن الخلق حجاب الاسم محجوبون عن الله تعالى، فلما عبروا بجذبات ألطافه عن حجاب الاسم وصلوا إلى المسمى وهو الله فيتجلى لهم بالألوهية، فإذا أرادت سطوة التجلي أن تمحقهم بالكلية فأدركتهم الصفة الرحمانية والرحيمية فتبقيهم بلادهم. والمختار عندنا: أن كلمة الله أعظم الأسماء من وجوه: الأول: أن الأخبار تدل على هذا وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد فإذا رجل يصلي يقول: "حديث : اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الصمد الذي لم تلد ولم تولد ولم يكن كفواً أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب... الحديث ". تفسير : وأما ما روى أبي ابن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هو في قوله: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [البقرة: 255] أو في قوله: {أية : الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : [آل عمران: 2] فالأخبار دالة على أن الاسم الأعظم مودع في الدعاء والآيتين ولا بد أن يكون مكرراً في كل آية منهما وفي الدعاء هو الحي القيوم، فلما حضر النبي صلى الله عليه وسلم الاسم الأعظم في هاتين الآيتين علمنا أن ذلك هو الحي القيوم قلنا فلما نظرنا ما وجدنا الاسم المكرر في الآيتين والدعاء إلا اسم الله، فتحقق بناء أن الاسم الأعظم هو الله. وأما الجواب عن قول من احتج بالآيتين على أن الاسم الأعظم في إحدى الآيتين ووجد فيهما: فلو كان للحصر لكان "أو" للشك هاهنا، ولو كانت للشك لما وجد إلا في آية منهما دون الأخرى، كقولنا: زيد في هذا الدار أو في هذه، فلا بد وأن يكون في دار واحدة فلما وجد في الآيتين، وما نفي عما سواها علمنا أنه يحتمل أن يوجد في موضع آخر كما وجدنا في الدعاء في الحديث. والثاني: أن الاسم على نوعين: اسم الذات واسم الصفة، كما أن الذات أشرف من الصفة، فكذلك اسم الذات أشرف وأعظم من اسم الصفة، وقد بينا أن هذا الاسم - أعني الله - اسم الذات وغيره من الأسماء الصفات فتعين أن يكون هو الاسم الأعظم. والثالث: أن الصفات داخلة في الذات، والذات ليس بداخل في الصفات، فأسماء الصفات تكون داخلة في اسم الذات، ولا يكون اسم الذات داخلاً في أسماء الصفات، فعلمنا أن الاسم الأعظم هو اسم الذات لا أسماء الصفات، وهذا الاسم متعين للذات. والرابع: أن من عزة هذا الاسم وعظمته لا يجمع ولا يثنى ولا يسقط منه الألف واللام عند النداء حتى لا يتغير حروف لفظه بخلاف جميع الأسماء، وهذا دليل واضح على أنه الاسم الأعظم. والخامس: أنه لو سقط منه حرف كان الباقي أسماء الله تعالى، فإنك إن أسقطت الهمزة بقي "لله" وهو من صفات الله، قال الله تعالى: {أية : للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 42]، وإن أسقطت اللام الأولى بقي "له" وهو أيضاً من صفات الله تعالى، قال الله تعالى: {أية : لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الفرقان: 2]، وإن أسقطت الثانية بقي "هو" وهو أيضاً من صفات الله تعالى، قال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ}تفسير : [الحشر: 24]، فلما لم توجد هذه الخاصية في الأسماء غيره علمنا أنه الاسم الأعظم. والسادس: أن الله تعالى لما علم حبيبه صلى الله عليه وسلم عند إثبات وحدانيته ونفي الألهية من غير ذاته، قال: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [محمد: 19] فلو كان اسم أعظم غير من هذا لعلمه حبيبه مكان هذا خصوصاً عند نفي الشركة عن ذاته جل جلاله. والسابع: أن لهذا اسم خصوصية في الإيمان؛ لأن الإيمان بدونه لا يصح كقولك: "لا إله إلا الله" ولو قلت بدل الله أسماء من أسماء الصفات لا يصح إسلامه فظهر أنه أعظم الأسماء. والثامن: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقتال على قبول هذا الاسم كما قال: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"تفسير : فكانت النجاة عن الدركات موقوفة على هذا الاسم، والفوز بالدرجات موقوفاً على هذا الاسم، وصون النفس عن القتل والمال عن النهب والولد عن الأسر موقوفاً على هذا الاسم، فوجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء. والتاسع: أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم عند الإعراض عن كل ما سوى الله، والإقبال بالكلية إليه بذكر هذا الاسم، وقال: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}تفسير : [الأنعام: 91]، فدل على أن هذا الاسم أعظم الأسماء. والعاشر: أن الله تعالى لتعظيمه لهذا الاسم صانه عن تسمية غيره بهذا الاسم، ومن عظمة هذ1الاسم لم يتجاسر أحد من المنكرين ومن أعداء الدين أن يتعلقوا بهذا الاسم ويسموا آلهتهم به أو غيرها، كما قال تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65]؛ أي هل تعلم شيئاً له اسم الله سوى الله، فلعزة هذا الاسم عند الله تعالى وكرامته عليه وما أنعم على أحد تسيمته، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعزة كنيته عنده نهى عن التكني بكنيته قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تسموا باسمي ولا تسموا بكنيتي"تفسير : فبهذا علمنا أنه أعظم الأسماء. والحادي عشر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"،تفسير : فاختصاص بهذين الاسمين بالمحبة لا شرك أنه لاختصاص اسميه الله والرحمن، كما خص هذين الاسمين بالذكر في الدعاء عن الأسماء كلها بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}تفسير : [الإسراء: 110]، وذلك يدل على أنهما أشرف وأعظم من غيرهما، ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن؛ لأنه قدمه في الذكر أولاً وثانيا، ولأن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة واسم الله يدل على الألوهية والقهر والعظمة والعزة وغيرها من الصفات، فثبت بهذا أن اسم الله أعظم الأسماء وأحبها إلى الله تعالى، والله أعلم. والثاني عشر: أن الله تعالى أمر عباده بملازمة ذكر هذا الاسم وجعله سبب الفلاح، كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 10] ومدح العباد على مداومته، وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 191]، وجعل مفاتح الجنة ثمنها كما قال النبي: صلى الله عليه وسلم "حديث : مفتاح الجنة لا إله إلا الله"، تفسير : وقال: "حديث : ثم الجنة لا إله إلا الله"؛ تفسير : بل جعل حقيقة مفتاح قلوب عباده المخلصين وبه فتح روزنة قلوب الطالبين إلى عالم الأرواح، وبه نوَّر أنوار المحبين بأنواع الجمال، وبه أزاح عن أسرار المحققين أستار صفات الوجود بتدلي صفات الجلال؛ ليهتدوا إلى شاطئ وادي أيمن الوصال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا"، تفسير : وقد تحقق للمتمسكين بعروته الوثقى أنهم به نالوا ما أرادوا، ووجدوا ما طلبوا، وأعطلوا ما سئلوا، وأجيبوا إذا دعوا فعرفوه أنه الاسم الأعظم. والثالث عشر: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صرح بفضل ذكر هذا الاسم على ذكر الأسماء كلها بقوله: "حديث : أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ للهِ"،تفسير : فلو كان اسم أعظم من الله لكان هو الأفضل. والرابع عشر: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئاً أذكرك فأدعوك به، قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله، قال يا رب كل عبادك يقول لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت إنما أريد شيئاً تخصني به، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع وضعن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله"،تفسير : حديث صحيح، فهذا صريح بأنه ليس شيء أعز وأعظم من كلمة الله. والخامس عشر: أن هذا الاسم عند أكثر العلماء وكبار القراء لا سبيل للعقل إلى كيفية اشتقاقه، وثبت أيضاً أن كنه الحق لا سبيل للعقول إلى معرفته، فكان لهذا الاسم زيادة مناسبة مع أن هذا المسمى من هذا الوجود وسائر الأسماء ليس كذلك، فوجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء، ولهذا افتتح كتابه الكريم والقرآن العظيم بهذا الاسم وجعله مبدأ خطابه وأثبته في صدر كتابه؛ ليعلم أن ما أنزل في هذا الكتاب من أسماء الصفات والحمد والثناء وإظهار الآيات وإثبات الحجج وذكر الآلاء والنعماء والأوامر والنواهي والوعد والوعيد والإخبارات والآثار والقصص والمواعظ والعلوم والإشارات والرموز والألفظ والمعاني والنكت واللطائف والأسرار والدقائق والقراءات والمحكمات والمتشابهات والآيات الناسخات والمنسوخات وغير ذلك من موجبات الرحمة والعقوبة والهداية والضلالة كله صادرة عنه، كما أن سلطاناً يبعث منشوراً إلى ممالكه ومماليكه يكتب بأحب أسمائه إليه وأعظم ألقابه لديه في طغر منشوره؛ ليعلم أن جميع الأحكام الواردة في المنشور صادرة عنه، فلما كان توقيع المنشور الإلهي موشحاً باسم الله علمنا أنه أحب أسمائه وأعظمها قدراً، واكتفينا بهذا المقدار من شرح فضائل هذا الاسم وإقامة البينات على شرفه وعظمته؛ إذ هو بحر زاخر ولا آخر له يستغرق فيه العقول والأوهام ولا تضبطه العلوم والأفهام، كما قال تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}تفسير : [الأنعام: 91]، أي لم يعرفوا كنه ذات الله حق معرفته وكذلك لم يعرفوا كنه اسم الله حق معرفته. فأما لو سأل سائل فيما اخترنا بأن الاسم الأعظم هو قولنا "الله": أن من شأن الاسم الأعظم أنه من دعا الله به أجاب، وإذا سئل به أعطي، فنحن ندعو به ونسأل فلم نر أثر الإجابة في أكثر الأوقات قلنا الجواب عنه وجهين: أحدهما: أن للدعاء أدباً وشرطاً لا يستجاب الدعاء إلا بها كما أن للصلوات آداباً وشرائط لا تصح إلا بها، فأول شرائطه أن يصلح باطنه باللقمة الحلال فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر "حديث : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ومشربه حرام ثم يمد يده إلى الله يا رب يارب فأنى يستجاب له"تفسير : حديث صحيح، وقد قيل: الدعاء مفتاح السماء وأسنانه لقمة الحلال، وآخر شرطه أن يدعو الإخلاص وحضور القلب، قال الله تعالى: {أية : دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [يونس: 22]، فإن حركة الإنسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولو أنه على الباب وصوت الحارس على السطح،أما إذا كان حاضراً في الحضرة كان له في الشفيع، ولا نطول الكلام في هذا فإنه ليس مكانه. والوجه الثاني: أن الاسم وإن كان في نفسه معظماً؛ ولكن يؤول فائدة عظيمة إليك إذا قلت بالتعظيم وتعظيمه يكون بقدر صفاء نيتك وعلو همتك في الذكر عن تطهير قلبك من الحظوظ الدنيوية والأخروية، فإنك لو ذكرته بحظ من الحظوظ النفسانية بالروحانية يقع الذكر تبعاً لحظك فالعظمة تكون للحظ لا للاسم، فمهما تخلصت سريرتك عن لوث الحظوظ يبقي الذكر طبياً معظماً لا يتعلق بحظ من الحظوظ يصعد إلى المذكور، كقوله تعالى: {أية : يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10]. والعمل الصالح أن تطهر ذكرك عن الحظوظ، وتراقبه بالحقوق ليكون حظك من الذكر المذكور ومن الاسم المسمى وهو أعظم الحظوظ، فيكون ذكرك أعظم الأذكار والاسم المذكور أعظم الأسماء، ففي هذه الحالة بكل اسم دعوت الله يكون الاسم الأعظم والدعاء مستجاباً؛ لأن دعوته له وما طلبت منه إلا هو فوجدته؛ لأنه قال: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]، أي اطلبوني تجدوني كما قال تعالى: "حديث : ألا من طلبني وجدني"تفسير : فافهم جدّاً. قوله: {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} قال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى معناهما ذو الرحمة، ورحمة الله إرادته الخير والنعمة والأحسان. قلت: اختلف العلماء في معنى الرحمة فقال بعض المحققين: الرحمة من صفات الذات وهي إرادته إيصال الخير ودفع الشر، والإرادة صفة الذات، وهو المختار عندي؛ لأنه تعالى لو لم يكن موصوفاً بهذه الصفة لما خلق الموجودات، فلما خلق الخلق علمنا أن رحمته صفة ذاتية؛ لأن الخلق إيصال خير الوجود إلى المخلوق ودفع شر العدم عنه، فإن الوجود خير كله والعدم شر كله، وقال الآخرون: الرحمة من صفات الفعل وهو نفس إيصال الخير ودفع الشر بدون إيصال الخير محال، قلت: وأيضاً الخير بدون الإرادة المتقدمة في حق الباري سبحانه وتعالى محال؛ لأن إيصال الخير فعل والفعل مسبوق بالإرادة من الفاعل المختار فثبت بهذا أن الله تعالى كان في الأزل هو الرحمن الرحيم. وذكر أبو حامد الغزالي - رحمه الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تخلقوا بأخلاق الله"،تفسير : وهذا يقتضي أن يكون للعبد من كل اسم من أسماء الله حظ يليق بها. فأقول: حظ العبد من اسم الرحمن الرحيم أن يكون العبد كثير الرحمة. واعلم: أن كل من كان إلى العبد أقرب كان إيصال الخير والرحمة إليه وأوجب، وإن أقرب الناس إليه نفسه، فوجب أن يرحم نفسه ثم يرحم غيره: "أبدأ بنفسك ثم بمن تعول"، فأما رحمته مع نفسه فإما أن يكون في الأمور الروحانية أو في الأمور الجسمانية. أما في الأمور الروحانية: فاعلم أن للنفس قوتين نظرية وعملية، فأما القوة النظرية فإيصال الرحمة إليها يتزكيتها عن الجهل وتحليتها بالعلم الحقيقي وهو معرفة الله كشفاً وشهوداً معرفة عيانية لا بيانية، بل عينية لا عيانية، فافهم جدّاً. وأما القوة العملية فصونها في الإخلاء عن طرفي الإفراط والتفريط، وإلزامها المواظبة على التوسط بين الطرفين بأوامر الشريعة ونواهيها على قانون الطريقة. وأما في الأمور الجسمانية فقسمان: الأمور المطلوبة بالذات والمطلوبة بالعرض، أما المطلوبة بالذات: فهي اللذات الجسمانية وهي محصورة في المطعوم والمنكوح، وقد قال تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}تفسير : [الأعراف: 31]، فالرحمة على البدن هو الامتناع من الإسراف. وأما المطلوبة بالعرض: فهو المال، والرحمة فيه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان: 67]، فهذه مقاصد كل أحد من الرحمة على نفسه: وأما رحمته على غيره فاعلم أن كما الإنسان في كمال العبودية، وكمال العبودية في رعاية حقوق الربوبية وإيصال الحظوظ إلى البرية ورفع الأذية كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله"تفسير : وكان آخر وصيته صلى الله عليه وسلم في آخر حياته: "حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم ". تفسير : وقال بعض المشايخ: مجامع الخيرات محصورة في أمرين: الصدق مع الحق والخُلُق مع الخلق. ومما يدل أن هذه المرتبة أعظم المراتب وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 17]، وقال: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]، وقال: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 159]، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فبدأ في الذكر بوصف أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالرحمة، فقال: "حديث : أرحم أمتي أبو بكر"تفسير : والقول في خصوصية الرحمن دون سائر الصفات من وجوه: أولها: أنه أخص أسماء الصفات إلى الذات؛ لأن الأسماء على نوعين أسماء صفات اللطف وأسماء صفات القهر، وللرحمن خصوصيته بالصفتين بأن يوجد منه اللطف والقهر كما يوجد من الذات المقدسة، ويوجد منه الإيجاد والإفناء كما يجيء، وهذا من خصائص الذات الإلهي دون سائر الصفات، فثبت أنه أخص الأسماء. وثانيها: أن له مناسبة مع الذات دون سائر الصفات، وهي أن اسم الذات وهو الله كما لا يجوز على غيره، فكذلك اسم الرحمن لا يجوز على غير الله، ولهذا المناسبة صار مخصوصاً بالذكر في الدعاء مع ذكر الله تعالى بقوله: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}تفسير : [الإسراء: 110]. وثالثها: أن الرحمن أقرب إلى اسم الله من سائر الأسماء، يدل على هذا القرآن والحديث أما القرآن فقوله تعالى: {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} [الفاتحة: 1] ذكر بعد اسم الله الرحمن لقربته إلى الله، وأما الحديث ما روي أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله تسع وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم... الحديث ". تفسير : ذكر بعد اسم الله الرحمن وقدمه على سائر أسماء الصفات فعلمنا أنه أقرب الأسماء إلى الله، وأما الفرق بين الرحمن والرحيم وإن كانا اسمين مشتقين من الرحمة أن الرحمن من صفة جلاله، والرحيم من صفة جماله، والفرق بينهما أن الجلال متوسط بين الذات الإلهي والذي من شأنه القهر والعزة التي اقتضت ونفي شركة الوجود بين صفة الجمال التي من شأنها اللطف والرحمة التي اقتضت الإيجاد والإبقاء، فنسبة أحد طرفي الجلال إلى قهَّارية الذات فيه طرف من القهر، وبنسبة أحد طرفيه إلى رحيميَّة الجمال فيه رحمة، فالرحمة فيه تغوث بقوة القهارية، فصارت أقوى من رحيميَّة الجمال، فأعطيت المبالغة في الرحمة والقهر فيه صار مسبوقاً ومغلوباً بلطف الرحمة بقوله تعالى: "حديث : سبقت رحمتي غضبي"،تفسير : وفي رواية: "حديث : غلبت رحمتي غضبي"، تفسير : فالقهر المسبوق بالرحمة والرحمة المقوية بالقهر هو الرحمن الرحيم المبالغ في الرحمة، فثبت أن الرحمن من صفة الجلال، والرحيم من صفة الجمال، ولهذا جاء الرحمن واسطة بين الله والرحيم في {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، وإذا كان الرحمن متوسط بين القهر الصرف وبين اللطف المحض فتارة بالقهر يقتضي الإفناء وتارة باللطف يقتضي الإثبات، كما أخبر الله تعالى عن صفة إفنائه بقوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً * ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ}تفسير : [الفرقان: 25-26]. وأخبر عن صفة إيجاده وإثباته بقوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [الفرقان: 59] أي: الذي ظن هو الرحمن فظهر أن الرحمن أكثر مبالغة في الرحمة من الرحيم، وفيه طرف من هيبة الألوهية وهو مخصوص دون الرحيم، فالحمد لله شامل الثناء والشكر والمدح، أما الثناء فيكون بذكر الصفات الحميدة إذا قلت: هذا رجل كريم، فقد أثبت عليه والشكر يكون على النعمة من المنعم بأي معروف أولاك به. وقال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7] أي: في النعمة والمدح أن تذكر الرجل بجميع ما فيه من الخصال الحميدة وتنفي عنه جميع الصفات النقيصة التي لم تكن فيه، وليس من شأن المخلوقين أن يحمدوا الله بهذه المعاني الثلاثة الحقيقية إلا تقليداً ومجازاً، أما الثناء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب ليلة المعراج: يا نبي إني على علم أن هذا ليس من شأن المخلوقين، فقال: "حديث : لا أحصي ثناء عليك"تفسير : وعلم أنه لا بدَّ له من امتثال الأمر وإظهار العبودية، فقال: "حديث : أنت كما أثنيت على نفسك"تفسير : فهذا ثناء بالتقليد لأنه أثنى عليه بثنائه الذي أثنى الله به على نفسه في الأزل ثناء يليق بذاته وصفاته الأزلية على التحقيق، ولم يبلغ علم مخلوق حادث كنه صفة من صفات الله تعالى الأزلية، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255]، حتى يثني عليه بمعرفة كنه صفة من صفاته؛ لأن الثناء فرع المعرفة فما أثنى أحد على الله تحقيقاً إلا تقليداً، فافهم جدّاً. وأما الشكر أيضاً فلا يتحقق الإنسان بشكر أنعم الله إلا برؤية العجز عن القيام بأدائه كما حكي عن داود عليه السلام أنه قال: "حديث : إلهي كيف أشكرك وأنا لا أصل شكرك إلا بنعمتك؟ فأوحى الله إليه: الآن شكرتني"تفسير : وذلك لأن توفيق الشكر نعمة موجبة للشكر فلا نهاية لنعمه، فكيف يدرك الشكر المحادث النعمة التي هي غير متناهية؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34]؟ وأما المدح فلا يمكن الإنسان أن يمدح الحق حقيقة أيضاً؛ لأن المدح يدل على كمال معرفة الذات والصفات حتى لا يذكره على ما هو به، وذلك محال؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}تفسير : [الزمر: 67]، فلهذا حمد نفسه بالثناء والشكر والمدح، وقال {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] أي: له أن يحمد ذاته الأزلي الأبدي بالحمد الأزلي الأبدي بالحمد الأزلي الأبدي، والحمد لا يصلح إلا له فهو محمود بحمده أزلاً وأبداً، والحمد له أما الحمد لله إشارة إلى ثناء ذاته بالإلهية، {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، إشارة إلى شكر أنعام الربوبية على ربوبيته. {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 3-4]، إشارة إلى مدح ذاته لجميع صفات لطفه وقهره وجماله وجلاله في كماله وملكه بمالكيته وملكيته في الدنيا والآخرة قبل خلقها، وفيه دلالة على أنه ما أثنى وما شكر وما مدح الله أحداً إلا الله تعالى، كما قال تعالى، كما قال بعض المشايخ: ما قال أحداً إلله إلا الله، فلما عجز الخلق عن الثناء والشكر والمدح، فالثناء للسان والشكر للأركان؛ لقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}تفسير : [سبأ: 13]. والمدح للجنان. شكر اللسان يعصمك من سيف السلطان ويسلمك من آفة الكفران، وشكر الأركان ينجيك من دركات النيران ويبلغك إلى درجات الجنان، ومدح الجنان يقربك إلى الرحمن ويشرفك بخلع الغفران، فالحمد بمعنى الثناء على نوعين: ثناء الذات بالوحدانية والفردانية الأزلية الأبدية في الألوهية، وثناء الصفات بأنهما موصوفة بصفات الكمال منزهة عن النقصان والزوال. والحمد بمعنى الشكر على نوعيه: شكر الذات وشكر الصفات؛ فشكر الذات على نعمة الوجود، وشكر الصفات على بذل الوجود. والحمد بمعنى المدح على نوعين: مدح الذات بنفي الذات في الوجود إلا ذاته، ومدح الصفات ببذل الأوصاف وإنفائها في صافته لتكون باقياً بهويته لا بأنانتيك. {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، فربوبيته بمعنى الخالقية والمالكية والسيدية عامة، وبمعنى التربية خاصة بحسب أنواع الموجودات متفاوتة؛ فهو مربي الأشباح بأنواع نعمه، ومربي الأرواح بأصناف كرمه، ومربي نفوس العابدين بأحكام الشريعة، ومربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة، ومربي أسرار المحبين بأنواع الحقيقة، وهو مدبر كل أمر حكيم من الأزل إلى الأبد، وهو متم نعمته الظاهرة والباطنة في الدنيا والعقبى على عباده والمؤمنين، كما قال تعالى: {أية : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة: 3]. ومتم أنوار الأسرار الطالبين كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ}تفسير : [الصف: 8]، وهو المنعم على الموجودات بأنعام الإيجاد عامة، ونعمة الهداية خاصة؛ لقرب اختصاصه بإجابة الدعاء؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالدعاء ووعدهم عليه الاستجابة بقوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]، ثم علمهم كيف يدعونه وبأي اسم يدعونه بقوله تعالى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}تفسير : [الأعراف: 55]. وذكر في مواضع كثيرة من القرآن بصيغة الدعاء كقوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة: 201]، وأمثاله كثيرة وألهم الله أنبياءه ورسله - عليه السلام - عند طلب الحاجة وإجابة الدعاء أن يدعوا بهذا الاسم؛ أولهم آدم عليه السلام كما قال تعالى: {أية : فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 37]، قيل كانت قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا}تفسير : [الأعراف: 23]، فأجابه وتاب عليه وهدى، ثم دعا نوع عليه السلام قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26]، ثم دعا إبراهيم عليه السلام وقال: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [البقرة: 260]، ثم دعى موسى عليه السلام وقال: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ}تفسير : [يونس: 88]، ثم دعا يوسف عليه السلام وقال: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف: 101]، ثم دعا سليمان عليه السلام وقال: {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ}تفسير : [ص: 35]، ثم دعا زكريا عليه السلام وقال: {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي}تفسير : [مريم: 4]، ودعا يحيى عليه السلام وقال: {أية : وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}تفسير : [مريم: 6]، ثم دعا عيسى عليه السلام وقال: {أية : ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [المائدة: 114]، ثم أمر حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعوه وقال: {أية : رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه: 114]، ثم ندب المؤمنين في مواضع القرآن أي قوله: ربنا، وغير هذا من الأنبياء والأولياء دعوه بهذا الاسم فأجابهم بفضله وكرمه؛ لعزة هذا الاسم وعظمته، فالله تعالى لما أكرم هذه الأمة وأقامهم مقام المناجاة معه، وأمرهم بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة، منَّ على حبيبه صلى الله عليه وسلم وأمته بالسبع المثاني بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}تفسير : [الحجر: 87] وفيه إشارة شريفة ودقيقة لطيفة وهي أن الله تعالى منَّ عليه بفاتحة الكتاب كما منَّ عليه بجميع القرآن، والسر فيه بأن جميع حقائق وأصول معانيه مندرجة في الفاتحة، كما ذكرناه فجعل فاتحة الكتاب ديباجة مناجاة العبد من الرب في الصلاة. وبدأ افتتاحها بأسمائه الحسنى وصفاته العلى قال: {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} [الفاتحة: 1]، ثم ثنى بحمد ذات الألوهية، وثلَّث بنعت صفة ربوبية التي هي من خصوصية الإجابة حيث قدمت على الدعاء كما مرَّ ذكره، وقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. ثم أكد التحميد لله بالثناء والتحميد وقال: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 3-5]، ثم أعقبها سؤال حاجة فقال: ولعبدي ما سأل. ومن غاية اختصاص الرب بإجابة الدعاء، حتى أن إبليس بعد ما لعن وطرد دعا الله تعالى بهذا الاسم، وقال: {أية : رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الحجر: 36]، فأجابه ربه لعظمه هذا الاسم وقال: {أية : فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ}تفسير : [الحجر: 37]، ولكنه ما وفق تصرفه في تحصيل نعمة ولا يته بل كان حقه استدراجاً وكيداً، كما قال تعالى: {أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [القلم: 45]. فالمسكين إبليس لو كان من أهل الكرامة وفق لقوله: {أية : رَبِّ فَأَنظِرْنِي}تفسير : [الحجر: 36]، بلد انظرني ولإجابة الله تعالى: {أية : فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ}تفسير : [الحجر: 37]، بدل قوله: إنك من المنظرين، من خصوصية هذا الاسم شموله صفات لا يشملها غيره من الأسماء بمقتضى اللغة منها ما يدل على المدح لذاته وهو السيد لقوله تعالى: {أية : ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}تفسير : [يوسف: 42] أي: عند سيدك وكذلك المالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: "حديث : أرب إبل أم رب غنم؟ فقال: من كل ما أتاني الله فأكثر وأطيب ". تفسير : ومنها: ما يدل على أنه خالق؛ لقوله إخباراً عن موسى عليه السلام في جواب فرعون حين قال: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ}تفسير : [الشعراء: 23-24]. ومنها: ما يدل على كمال رحمته ولطفه في حق العالمين جميعاً عاماً وفي حق الإنسان خاصاً وفي حق الخواص خصوصاً، أما في حق العالمين فتربيتهم بأغذيتهم وأسباب بقاء وجودهم، وفي حق الإنسان خاصاً وهو أنه يربى ذرات وجودهم بألبان ألطاف ربوبيته عند الميثاق، وقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، وبرحمة ربوبيته خلقهم وبلطف ربوبيته خاطبهم، وبكرم ربوبيته أسمعهم وأبصرهم، وبسر ربوبيته أنطقهم وبفضل ربوبيته أعملهم، وبعناية ربوبيته أشهدهم، حتى قالوا: {بَلَىٰ} وجعل بحكمة تدبير ربوبيته إقرارهم بذر التوحيد، وفي خواص الخواص من الأنبياء والأولياء فبأن يربي بذر توحيدهم في أرض قلوبهم بماء الشريعة والأديان ورياح الإيمان والإيقان وأنواع شموس الإحسان والعرفان وبقيمة الربوبية يتم عليهم مشاهدة جماله وكاشفة جلاله. ما قال تعالى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2]، ثم شرَّف أمته ببركة متابعته بهذه التشريفات وأنعم عليهم بهذه الكرامات والدرجات عند طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في تقديم ذكره ومقامه {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 3-4]، الرحمن الرحيم فائدة التكرار فيهما من وجهين، أحدهما: أن ذكرهما في بسم الله الرحمن الرحيم هو مبدأ الكتاب ومفتتح الخطاب بأنه هو الرحمن الرحيم بأن دعاكم بالإلهية إلى الطاعة والعبادة، وإنما دعاكم ليغفر لكم بالرحمانية والرحيمية؛ لقوله تعالى: {أية : يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 10]. وأما ذكرهما في الفاتحة عقيب الحمد لله رب العالمين الذي هو المدح "حديث : يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليَّ عبدي... الحديث"تفسير : فثبت أنهما في الفاتحة للثناء فذكرهما في البسملة من الله تعالى، لاستمالة قلوب العباد على العبودية بالرحمة والغفران، وفي الفاتحة من العباد للثناء على الله تعالى وبالجمال والجلال للقربة والرضوان، والثاني: ذكرهما في البسملة لتسكين الهيبة ورفع الدهشة من عظمة اسم الله تعالى عن عباده كما كان حال موسى عليه السلام حين خاطبة: بـ {أية : إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ}تفسير : [القصص: 30] كادت تزهق نفس موسى من هيبة استماع اسم الله، فانبسط معه على بساط العزة لإزاحة الدهشة والإراحة من الوحشة بقوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17]، ولأن يستأنس برحمانية ورحيمية نفوس العباد إلى عبادة الله تعالى، وتطمئن قلوبهم بذكر الله كما قال تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]، ليستعدوا بذلك لمناجاته و ليستحقوا المدح والثناء على ذاته وصفاته، فيناجونه في الصلاة ويذكرونه بالدعاء ويعرفون إليه الحاجة؛ ليديهم إلى نيل الدرجات ورتب القربات. {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، الإشارة فيه إلى أن الدين في الحقيقة الإسلام، يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}تفسير : [آل عمران: 19]، والإسلام على نوعين: الإسلام بالظاهر وإسلام بالباطل، فإسلام الظاهر بإقرار اللسان وعمل الأركان لقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 14]، وقال صلى الله عليه وسلم: في جواب جبريل عليه السلام: ما الإسلام؟ قال: "حديث : الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتجج البيت إن استطعت إليه سبيلاً"تفسير : فهذا الإسلام جسداني والجسداني ظلماني، ويعبر عن الليل باللظلمة، وأما الإسلام الباطن فانشراح القلب والصدر بنور الله بقوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]، فهذا الإسلام الروحاني نوراني ويعبر عن اليوم بالنور، فالإسلام الجسداني يقتضي إسلام الجسد لأوامر الله تعالى، ونواهيه، والإسلام الروحاني يقتضي استسلام القلوب والروح لإحكامه الأزلية وقضائه وقدره، فمن كان موقوفاً عند الإسلام الجسداني، ولم يبلغ مرتبة الإسلام الروحاني فهو بعد في سير نعمة الدين مترف ومتحير، فيرى ملوكاً وملاكاً كثيرة كما كان حال الخليل عليه السلام فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76] وتنفس سعادته وطلعت شمس الإسلام الروحاني من وراء جبل نفسه عن شوق القلب صبح فهو على {أية : نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22] واضح في كشف يوم الدين، فيكون ورد وقته: "أصبحنا وأصبح الملك لله"، فيشاهد بعين اليقين بل يكاشف حق اليقين أن الملك لله ولا مالك إلا مالك يوم الدين، فإذا تجلى له النهار وكشف بالمالك جهاراً يخاطبه وجاهاً ويناجيه شفاهاً {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. الكلام فيه على ثلاثة أوجه: أولها: على الخطاب لأنه رجع من الغيبة إلى الخطاب، وإنما رجع إلى الخطاب من الغيبة؛ لأنه ليس بين المملوك ومالكه إلا حجاب ملك نفس المملوك، فإذا عبر عن حجاب ملك النفس وصل إلى مشاهدة مالك النفس، كما قيل عن أبي يزيد أنه في بعض مكاشفاته قال: إلهي كيف أجد السبيل إليك؟ قال له ربه: دع نفس وتعال. فللنفس أربع صفات لها من كل صنف حجاب آخر، وهي: الأمارية واللوامية والملهمية والمطمئنة، فأمر العبد المملوك بأن يذكر مالكه بأربع صفات الإلهية والربوبية والرحمانية والرحيمية، فيعبر بعد مدح الإلهية وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية وقوة جذبات هذه الصفات الأربع عن حجب ممالك الصفات الأربع للنفس، فيخلص عن ظلمات ليلة دين نفسه لطلوع صبح صادق يوم الدين {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً}تفسير : [الانفطار: 19] فيبقي العبد عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وهو كلٌّ على مولاه فيرحمه مالكه ويذكره بسنة عادة كرمه على قضية وعده {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]، ويناديه ويخاطب نفسه: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}تفسير : [الفجر: 27]، ثم يجذبه من غيبة نفسه إلى شهود مالكية ربه بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز، كما قرأ بعضهم: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} نصباً على نداء {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. وثانيها: في معنى: {نَعْبُدُ} وتحقيقه أن نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، وقيل العبادة سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذالة، يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً، موطوءة بالأقدام وبعير إذا كان مطلياً بالقطران، ويسمى العبد عبداً لذلِّه وانقياده لمولاه. قلت: حد العبادة على ما قال ليس بحد تام؛ لأن للملائكة عبادة وليست عبادتهم سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة والعبادة الحقيقية خلوص النفس عن كل حظ من الحظوظ الدنيوية والأخروية ليعبد الله بالحق لا للحظ لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]. وثالثها: في خصوصية قوله تعالى: {نَعْبُدُ} أن النفس دنياوية تعبد هواها لقوله تعالى: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات: 40-41]، والروح قربي تعبد القرية والعندية لقوله تعالى: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، والسر حضرتي تعبد الحق تبارك وتعالى لقوله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه في ملك مقرب ولا نبي مرسل"،تفسير : فلما أنعم الله تعالى على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده، كما قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها إليَّ ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل"،تفسير : فيقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على الصفات جماله وجلاله، ويقرب الرب على مقتضى كرمه وإنعامه كما قال: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"،تفسير : بنصفه إلى خلاص عبده من عبودية الأغيار بإخراجه عن ظلمات بعضها فوق بعض من هوى النفس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته وشهود فردانيته. فأشرقت أرض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم، وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى، وجعلوا كلهم واحداً وقالوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] نستوفقك ونطلب المعونة منك على عبادتك على أمورنا كلها. قال أبو بكر الوراق: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك خلقتنا {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك هديتنا، قلت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المعبود {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المقصود، وأيضاً: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المطلوب {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المحبوب، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك مالك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ لأن ما سواك هالك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على نعمتك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على معرفتك، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك قلت: لنا عبادي، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ لأنك لنا إليك هادي {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، الهداية على ثلاثة أوجه: هداية العام، وهداية الخاص، وهداية الأخص أما هداية العام فإنه هدى جميع الحيوانات إلى جلب منافعها ودفع مضارها بقوله: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]. وقال تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 8-10]، وأما هداية الخاص فهو هداية المؤمنين إلى الجنة لقوله تعالى: {أية : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}تفسير : [يونس: 9]، وأما هداية الأخص فهي هداية الحقيقة التي من الله وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99]. فقال الله تعالى: {أية : يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الشورى: 13]، بهذه الهداية إلى الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي"، تفسير : وفي قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7]، إشارة إلى هذا المعنى أي كنت ضالاً عني في تيه وجودك فطلبتك بجودي، وجذبتك بفضلي، وهديتك بجذبات عنايتي ونور هدايتي إلي، وجعلتك نوراً وأنزلت إليك نوراً فأهدي بك إلي من أشاء من عبادي، فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات وجود السوى إلى نور الروحاني، ونهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة: 15-16]. واعلم: أن الصراط المستقيم هو الدين القويم، وما يدل عليه القرآن العظيم وهو خلق سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4]، ثم قال تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ}تفسير : [الأنعام: 153]، وهو على نوعين: [الأول]: صراط مستقيم إلى الجنة؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [يونس: 25]، أي: إلى الجنة، فهذا لأصحاب اليمين؛ لقوله تعالى: {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ}تفسير : [الواقعة: 27-28]. والثاني: صراط مستقيم إلى الله؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]، {أية : صِرَاطِ ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 53] وهذا للسابقين؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 10-11]، وفي الآيتين إشارة إلى من هدي إلى صراط مستقيم فهو من السابقين المقربين، وإن كل ما يكون لأصحاب اليمين يكون له وهو سابق على أصحاب اليمين فيما يكون للمقربين من شهود الجمال وكشف الجلال وهذه المرتبة خاصة لسيد المرسلين وخاتم النبيين ومتابعة لقوله: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}تفسير : [يوسف: 108]. {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، الإشارة فيه إلى طريق من أنعمت عليهم بكشف الحقيقة، وتكرار الصراط إشارة إلى أن الصراط الحقيقي صراطان: صراط من العبد إلى الرب، وصراط من الرب إلى العبد؛ فالذي من العبد إلى الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطعت به الرواحل، ونادى [رب] العزة لأهل العزة لطلب رد السبيل لقوله تعالى حكاية عن قاطع هذا الطريق وتقطع هذا الفريق: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16]. والذي من الرب إلى العبد فطريق آمن، وبالأمان كائن قد سلمت قوافله وبالنعم محفوفة منازلة ويسيرون فيه سيارته ويقادون بالسلاسل قادته {أية : مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ...}تفسير : الآية [النساء: 69]. أنعم الله على أسرارهم بأنوار العناية وعلى أرواحهم بأسرار الهداية وعلى قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم في قمع الهوى وقهر الطبع، وحفظ الشرع بالتوفيق والرعاية وفي مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاءة. {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، بالنعمة الظاهرة والباطنة كما قال تعالى: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}تفسير : [لقمان: 20]، وأما النعمة الظاهرة فبعثه الأنبياء وإنزال الكتب، وأحكام الشرائع وتوفيق قبول دعوة الرسل، وإجابة الحق واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس لأوامر الشرع ونواهيه والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية، والنعمة الباطنة فإن الله تعالى أنعم على أواحهم في بداية الفطرة بإضافة رشاش نوره لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل"تفسير : فكان فتح باب صراط الله إلى العبد رشاش ذلك النور وأول الغيث رش ثم ينسكب، فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش إلى مشاهدة الغيب وينظرون الغيث ويستغيثون: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، وهو{صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، بجذبات ألطافك وفتحت عليهم أبواب فضلك ليهتدوا بك إليك فأصابوا بما أصابهم منك بك {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7]، قال الواحدي: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7]، بالمخالفة والعصيان {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7]، عن السنة. قلت: هم الذين أخطأهم ذلك النور حين رشَّ عليهم من نوره فضلوا في تيه هوى النفس، وتاهوا في ظلمات الطبع والتقليد فغضب عليهم من اليهود ولعنهم بالطرد حتى لم يهتدوا إلى الشرع والتحقيق، ودفعوا عن الصراط المستقيم عن المرتبة الإنسانية التي خلق فيها الإنسان في أحسن تقويم ومسخوا قردة وخنازير صورة ومعنى أيضاً، {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7]، بالخذلان {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} بالنسيان لما وقعوا عن الصراط في سير البشرية مشوا بشرك الشرك كالنصارى فاتخذوا الهوى إلهاً {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}تفسير : [المائدة: 73]، {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة: 67]، وأيضاً {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} بالغيبة بعد الحضور والمحنة بعد السرور، والظلمة بعد النور نعوذ بالله من الحور بعد الكور {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} في الفسق والفجور. {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7]، بالرجوع عن الصراط المستقيم فنودوا: (وأهدوهم إلى سواء الجحيم)، {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7]، عن كرم الكريم ورحمة الرحيم بالإعراض عن الدين القويم، المحرومين عن القلب السليم وجنات النعيم باستحقاق العذاب الأليم، غير المغضوب عليهم بالاحتباس في المنازل والانقطاع عن القوافل، ولا الضالين بالصدور عن المقصود. وفصل في {آمِّينَ} والتائبين سنة بعد ولا الضالين كان في الصلاة وخارج الصلاة، روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}، "آمينَ، خفض بها صورته"تفسير : حديث حسن. وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : (آمين) ختم رب العالمين على عباده المؤمنين"،تفسير : قلت فيه إشارات: منها: أن العبد يكتب كتابه بقلم فعله وكل حركة تصدر منه فهي حرف وكل عمل كلمة تكتب في كتاب طاعته ومعصية فكم من كتاب قد كتب طاعة ومعصية وسعد به ملك اليمين أو الشمال، فلما بلغ الحضرة لم يجد فيها حرفاً، أما السيئات فقد محتها الحسنات، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}تفسير : [هود: 114]، وأما الطاعات فقد أحبطها الرياء والشرك لقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65]، فإن الله تعالى من غاية كرمه مع عباده جعل آمين خاتمة كتاب صلاة العبادة حتى لا يمحوها شيء من الأشياء فيبقي بها مختوماً ثابتاً إلى يوم الجزاء فإنه يمحو الله ما يشاء ويثبت، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل الختم على الكتاب"،تفسير : ومنها أن تعالى قال: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ". تفسير : فالإشارة فيه أن للعبد نصفه من الحمد والثناء والدعاء؛ فيبقي نصف من الإجابة والهداية والرحمة والعفو والمغفرة والرضوان والنجاة من النيران ورفعه الدرجات من الجنان وكرامة بقاء الرحمن فختمت على ما سأل بخاتم: {آمِّينَ} ليوم يقوم الناس لرب العالمين يقال في قبول القوم ختم به عليه. ومنها: أن العبد محجوب عن الله تعالى بحجاب أنانيته ووجدان وجوده، ووجوده مركب عن الروحاني العلوي والجسماني السفلي، فالشرع إنما جاء ليخرجه من ظلمات حجاية الجسماني السفلي إلى نور الروحاني العلوي؛ لأن من بقي فيها فهو في سفلي من النار لقوله: {أية : وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا}تفسير : [آل عمران: 103]، فمن نجا من ظلمات نار سفلي وجوده ووصل إلى نور جنة علو وجوده فهو بعد محجوب بحجاب النور العلوي لقوله: صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة"تفسير : فالروحاني بالنسبة إلى الجسماني نوارني؛ ولكن بالنسبة إلى نور القديم ظلماني كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة ". تفسير : فالنور الحقيقي هو الله تعالى وما سواه مخلوق ظلماني، وكما العبد في العبودية بالخروج عن ظلمات أنانيته إلى نور هويته وفقدان وجوده في وجدان وجود الحق، والحكمة في بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب في الأمور والنواهي وجميع أحكام الشرع وآدابه مقصورة على هذا المعنى، ولهذا ذكر الله تعالى في مواضع من القرآن {أية : لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [الحديد: 9]، وإن أخرج قومك من الظلمات إلى النور فالله تعالى بجوده وكرمه جمع أصول ما في الكتب المنزلة في سور القرآن، وأودع حقائق ما في سور القرآن في سورة فاتحة الكتاب؛ بل في المراتب العشر للربوبية كما ذكرنا محصورة في المراتب الأربعة إلى قولنا: الهداية من الأزل إلى الأبد؛ لأن العبد كان محتاجاً إلى هدايته في الأزل بأن يهديه إلى الوجود وهي لو لم تكن هدايته لكان ضالاً في تيه العدم وهذا أحد معاني قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7]. فلما هدى العبد بهداية: "كن" فخرج عن ضلالة العدم إلى هدى الوجود الروحاني فكان ضالاً في عالم الأرواح، كما قيل: ضل الماء في اللبن، فاحتاج إلى هدايته ليخرجه بهداية {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29] من ضلالة الروحاني إلى هدى عالم الجسماني إلى أن بلغ كمال مرتبة الإنسانية بالبلوغ والعقل، فيضل في تيه أنانية الوجود فيحتاج إلى هدايته بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي جاء عليه من العدم إلى الوجود حتى يرجع عليه من الوجود إلى العدم فقوله: {ٱهْدِنَا} طلب أسباب الرجوع وهي في صورة النبي والشرع، وفي الحقيقة جذبة الحق ليهديه بهذه إلى العدم وفناء الوجود، كما هداه إلى الوجود بالنفخة ليهتدي إلى واجب الوجود وهذا معنى آخر من معاني: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7]. فكما أنه لا نهاية لواجب الوجود فكذلك لا نهاية لهدايته إلى معرفته إلى الأبد؛ فالله تعالى جعل العروج إلى العدم من شأن الإنسان بنفسه إلا بالذي أوجده وإنزاله إلى أسفل سافلين ليعرج بها إلى أعلى عليين العدم، فعلى الله التعريج وعلى العبد التسليم، وتسليم العبد بالإيمان والعمل الصالح لقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}تفسير : [التين: 6]، وجزاء الأعمال الصلاة فلهذا قال تعالى: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي... الحديث ". تفسير : فالعبد يقرب إلى الله بصدق النية وبحمده وشكره على ما أولاه من نعمه ويستهديه به إليه والحق تعالى يأخذه منه إليه ويفنيه عنه، ويبقيه بالأمر، ويرفع رسوم أنانيته بسطوة تجلي هويته فيفقد الوجود فقداناً لا يجده أبداً ويجد المفقود وبعد أن لا يفقده أبداً؛ لأنه صار ملكه لقوله تعالى: "ولعبدي ما سأل"، ذكره بلام التمليك فيختم الله تعالى بعد بخاتم آمين فهذا هو الإشارة إلى قمام عباده المخلصين بأنه ختم ليس لأحد من العالمين أن يتصرف فيه أو يفك ختم برب العالمين، ولهذا يئس إبليس عن التصرف فيهم، وقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83] والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. تفسير عين الحياة يا طالب تفسير بطن سورة فاتحة الكتاب، اعلم أولاً أسماءهم الأربعة وهي: سورة الحمد، والسبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب؛ وتيقن أن الحمد ناسوتي، والسبع المثاني اسم ملكوتي، وأم القرآن جبروتي، وفاتحة الكتاب لاهوتي، فإذا أُطلعت على أساميه، بعد إطلاعك على مطلع النقطة الواقعة تحت باء البسملة في الأصل الأول، وعلى حد البسملة في الأصل الثاني؛ فافهم تفسير بطن البسملة مختصراً موجزاً مجزءاً عن تفاصيلها، بأن الكتاب الحقيقي يقول ابتداءً بالاسم الناسوتي الأثري، الدال على ذات المسمى اللاهوتي، ألوف بالصفة الجبروتية والفعل الملكوتي في تحرير كتاب جامع الحساب، وتقرير الرطب واليابس المتفرق في مفردات محاسبات ممالك الغيب والشهادة؛ لإظهار الكنز المخفي في الألف المخفي في {بِسمِ} [الفاتحة: 1]، الذي هو مظهر للألف المخفي في {الرَّحْمٰنِ} [الفاتحة: 1]، الذي هو من لام {ٱلله} [الفاتحة: 1] وهائه، وأتبين بالابتداء بالاسم الأثري أن دار الكسب عالم الناسوت، وبالختم على {الرَّحِيـمِ} [الفاتحة: 1] العقلي أن دار الإقامة والجزاء عالم الملكوتي؛ ليمكن الشقيقة الناسوتية قبول الفيض من الدقائق الجبروتية بواسطة الملكوتي، وللدقيقة الملكوتية قبول الفيض من الحقائق اللاهوتية بواسطة الجبروت، وتشتغل الشقيقة الناسوتية، بحمده المسطور في سورة الحمد الناسوتي الموصل لها، لا الحمد المخصوص بالسبع المثاني، الشامل فيضه لبياضه دقائق اللطائف السبعة وسواديتها، المنوطة بها الشقيقة الناسوتية المرباة في البدن المجعول. وفي هذا السر يعرف سبب إطلاق السبع المثاني عليها، ويطلع على معنى السبع ومعنى المثاني، فإذا أحمدته اللطائف السبع في المرتبة البياضية والسوادية مثنى بلسان الإنسان الغيبي، والأنس الشهادي تلهم دقائقها الحمد الجبروتي المخزون في أم القرآن، ثم تلهم حقائقها الحمد اللاهوتي المستحق للذات المكنون في فاتحة الكتاب، مما أشار إليه صاحب المقام المحمود في حديث الشفاعة بقوله: "حديث : ألهمت بمحامد لا تحضره إلا أن تلحقا بحقائق القرآن المكنونة في هذه السورة"تفسير : سميت فاتحة الكتاب؛ لأنها تفتتح كل شيء عالم اللاهوت، ولدقائقه المخزونة فيها سميت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب جبروتي وهو أصل الكتب، ولدقائقه المستورة فيها سميت سبع المثاني؛ لأن اللطائف السبعة غيبية ملكوتية تحدث بلسان البياض والسواد، ولشقائقه المسطورة فيها سميت سورة الحمد الواجب الناسوتي قراءتها في الصلاة، التي هي معراج المؤمن فيها يناجي رب العالمين سميت سورة الحمد؛ فينبغي حينئذٍ أن يعرف معنى بطن هذه السورة يتضح منك القرآن في المعراج وقت المناجاة، وتصلح بأن تكون صلاة مقسومة بينك وبين ربك، كما جاء في الحديث: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، أقول: حمدني عبدي إلى أن قال: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أقول: سألنَي عبدي، ولعبدي ما سأل"،تفسير : وجعل الصلاة قراءة سورة الحمد، وحسبك هذا الحديث في وجود قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة بطنه. على سبيل الإجمال هو أن يعلم بأن الله الحميد المحمود أراد أن يعلم الخلق بحميده؛ ليحمدوه في عالم الشهادة والغيب، ويجعلوا أنفسهم مستحقين لسلام الحق ورحمته وبركاته، {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، ووصف الله الذي هو المتجلي في العقد الأول الآحادي اللاهوتي للحقائق بصفة الدال عليها اسم الرب، الذي هو المتجلي في العقد الرابع إلا في الناسوتي؛ ليمكن للشقائق الآلافية التمتع بحقائق الحمد والانتفاع بها، وسره قريب من سر الابتداء في البسملة، بالاسم الناستوي، وإفشاء من حد القرآن مما لست مأذوناً في بيانه. ثم وصف بـ{ٱلرَّحْمـٰنِ} [الفاتحة: 3]، المتجلي بالعقد الثاني المعشراتي الجبروتي للدقائق القائمة بالحقائق؛ ليحمدوه على رحمته العامة الشاملة لجميع الموجودات بعد حمدهم على ربوبيته في الأطوار المختلفة. ثم وصف بـ{ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]، المتجلي بالعقد الثالث، المائي الملكوتي للدقائق المنوطة بالدقائق القائمة بالحقائق؛ ليحمدوه رحمته الخاصة المحيطة بالمؤمنين في الدار الآخرة، قوله: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب: 43]، يدل على صدق هذا البيان، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهذا التقرير شاهد عدل، وهو قوله: "حديث : يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ". تفسير : ثم وصف بـ{مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]؛ ليتيقنوا بأن أسماءه أزلية قبل خلق الخلق وظهور العالم، وكان مبدعاً خالقاً قبل الإبداع والخلق، كما أن مالك يوم الدين قبل إظهاره، ويبالغوا في تحميده بعد تيقنهم بيوم الدين والجزاء، وأنه يدينهم في ذلك اليوم. ثم أخبرهم بأن الحمد الحقيقي لا يصدر إلا من العبد الحقيقي بقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5]؛ ليعبدوه مخلصين ويحمدوه موقنين بألاَّ معبود سواه، وتقديم المفعول على الفعل يفيد الاختصاص؛ ولأجل هذا السر قدم المفعول في العبادة والاستعانة، وكرر بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]؛ لئلا يستعينوا إلا بمعبودهم ويتيقنوا بألاَّ مستعان إلا هو؛ ليمكن لهم الحمد على مبعوديته ومستعانيته، ومن يستعين بغير معبوده يشرك في الحمد غيره، وهذا شرك حقيقي غفل عنه الخواص فضلاً عن العوام، ويقول من يستعين به المستعين بلسان الحال، فاطلب الاستعانة ممن تعبده وتحمده، وما أحسن ما قال صاحب قدم صدق. استعانة المخلوق بالمخلوق كاستعانة المسجون بالمسجون، اللهم إلا أن المتبعين في المحققين الذين نظروا بعين الوحدة في الكثرة، وعلموا أن الآثار الكثيرة ظاهرة عن الأفعال الصادرة عن الصفات القائمة بالذات، وجعلوا الناس كالبنيان يشد بعضهم بعضاً، ويستعين بأثر الحق الظاهر من فعل الحق الصادر من صفة الحق القائمة بذات الحق بالحق في الحق، ولا يمكن الوصول إلى هذا المقام إلا على سبيل التدريج، وهو بأن يترك الاستعانة من غير الحق مدة مديدة في الوسط، حتى تصح منهم الاستعانة بأثر الحق في الانتهاء، ولا يضرها في مقام الوحدة، فإذا استعنت في حمد الله بالمستعان المعبود المالك الرحيم الرحمن الرب الله المحمود، وحمدته على تعليمه إياك؛ فيزداد في التعليم على قضية {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، ويعلمكم بعد أداء حق الحمد المقدور للبشر سؤال ما كان الناس أحوج إليه في دينهم ودنياهم، وهو: الهداية إلى الصراط المستقيم، والثبات عليه بقوله: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، وهو أدق من الخط الموهوم بين الظل والضياء والهداية إليه، والثبات عليه لا يمكن إلا بتوفيق الحق. ثم ينبهكم بأن الصراط المستقيم الذي هدى إليه خواص عباده، وأنعم عليهم بالاستقامة عليه هو الذي ما كان شرقياً صاحب تفريط وما كان غريباً، صاحب إفراط بقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] بالاستقامة بعد الهداية، {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] من أهل الإفراط، {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7] من أهل التفريط، ليكونوا خائفين من مكره، راجين من كرمه؛ حتى يجوزوا على الجسر ويدخلوا دار السلام ويشرفوا بالسلام، كما أخبرنا الله الملك السلام في الكلام القديم: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73]. والخوف والرجاء جناحان للطائر فوق الجسر، إن لم يكن له جناح الخوف لهوى في زمهرير الأمن، فإن لم يكن له جناح الرجاء لهوى في نار اليأس، وهذان الجناحان أثران ظاهران من فعل القهر وفعل اللطف الصادرين من صفة لطيفية وقهارية، وقلب المؤمن بين إصبعي لطفه وقهره يقلبه كيف يشاء، وإلى هذا السر أشار خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مناجاته حيث قال: "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك"،تفسير : وهاتان الصفتان ثابتتان لذت الله ذي الجلال والإكرام، فمن يأمن مكر الله وقهره فهو من الخاسرين المفرطين، ومن ييأس من روح الله ولطفه فهو من الكافرين المفرطين، ومن يفرح من لطفه ويخف من قهره من الفائزين الثابتين على الصراط المستقيم في دار التلوين، التي الاستقامة فيها أشد وأشق على النفس من الدخول في النار؛ ولأجل هذا أعدل الخلق مزاجاً "حديث : شيبتني سورة هود"،تفسير : ومراده أمر الله إياه بالاستقامة بقوله: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ}تفسير : [هود: 112]، فحق له التشيب؛ رأفةً على من معه، وخوفاً على تقصيرهم في الاستقامة، فإذا علمت هذه الفوائد فخذ نصيباً من فوائد أسمائه الحسنى المبسوطة في بساط هذه السورة، وهي المنعم الهادي المستعان المعبود المالك الرحيم الرحمن الرب الله المحمود. وتيقن أنه تعالى ينتبه باسم المحمود لطيفة بغيبة القارئ، وباسم الله لطيفة طفلية، وباسم الرب لطيفة جنينية، وباسم الرحمن لطيفة خلقية، وباسم الرحيم لطيفة لحمية، وباسم المالك لطيفة عظمية، وباسم المعبود لطيفة حط مضغية، وباسم المستعان لطيفة علقية، وباسم الهادي لطيفة نطفية، وباسم المنعم لطيفة سلالية عن سر النقطية الأحدية، التي هي مظهر للنقطة الذاتية، وعن سر الحياتية والسمعية والبصرية والمتكلمية والعلمية المريدية والقديرية والحكيمية والواحدية، والأسماء المطهرة في هذه السورة دالة على حضرة النقطة الأحدية وحضرات صفاتها الأربع، فمن يطلع على أسرار هذه الأسامي العشرة المظهرة والمضمرة، المدرجة في درج فاتحة الكتاب، المخصوص بالنبي الأمي صاحب لواء الحمد في المقام المحمود، ويعبده حق عبادته في الشهادة والغيب بحمده، حق حمده باللطائف السبع على وفق الشرع، مخالفاً للطبع بقدر الوسع يؤذن بالدخول في الحضرة العظمى، التي هي منتهى مأرب الحجاج في المعراج، والداخل فيها أن شرف بالطهارة الكبرى يكون آمناً من المكر والاستدراج. وحمد اللطيفة القالبية: اشتغال جوارحها وأعضائها في عبودية الحق. وحمد اللطيفة النفسية، ترك هواها بالإعراض عن الدنيا، والإقبال على المولى في النعماء والبلوى؛ بحيث لا يمكن للشيطان إلقاء خاطر في ردعها من الخواطر، التي كانت فيها مخالفة الله تعالى. وحمد اللطيفة القلبية: حفظ المرآة عن إفشاء سر ما يشاء، في هذه المرآة. وحمد اللطيفة الروحية: ترك غيرتها على اللطيفة القلبية؛ لقلة التفاتها إليها لكثرة اشتغالها بمراقبة المرآة، وإقامتها محاذاة الوجه. وحمد اللطيفة الخفية: حيرتها في مشاهدة ما في المرآة من الآيات البينات. وحمد اللطيفة الحقيقة طالعة سوى الحق في الكتاب المسطور بقاف قلم؛ فإنه صاحب المقام المحمود، الآخذ من دال ذوات روحانية أحمدية ميم مداد نورانية محمدية؛ ليظهر على لام لوح قدمه صور ما في كنز القدم وصورها، يأخذ الفيض من الاسم المحمود الشامل للمعارف محمداً مفصلاً، الحاوي وولايته بدال الدوائر الأربع في الموقف الأعظم، ومن اسم الله بألوهيته في عالم اللاهوت، ومن اسم الرب بربوبيته في عالم الناسوت، ومن اسم الرحمن برحمته في عالم الجبروت، ومن اسم الرحيم برحمته الخاصة في عالم الملكوت، ومن اسم المالك بعزته في المواقف الآثارية، ومن المعبودية بلسطنته في المواقف الأفعالية، ومن اسم المستعان بقيوميته في المواقف الصفاتية، ومن اسم الهادي برأفته في المواقف الذاتية، ومن اسم المنعم بمنعميته في المواقف النقطية وسرها، بقبول المعبود المحمود هدية الحمد منها في الخواص والمحاضر والحضرات يتبين في سيماء حاله، وعلامة قبول الإذن بالدخول في الحضرة العظمة: حصول الطهارة الكبرى. ولولا ملالة طبعي من الكتابة؛ لبينت بطون القرآن من أوله إلى آخره في هذه السورة الواحدة، الجامعة لمفرقات الأحكام السياسية والطهارية والعبادية الشاملة للمواعظ، والأمثال والحكم المخصوصة باللطائف السبع، وتربيتها في أطوارها المختلفة، وسبب ظهور الملالة مطايا الهمم عن السير في طلب معاني الأمور، وأخذ فيض ضياء العالم من منبع النور، وعدم من يفهم ما كتبته منذ عشرين سنة، وقلة التفات الناس الناسي مبدأه ومعاده إلى المعارف الرحمانية، وكثرة اشتغال الخلق بمزخرفات المتفلسفين وطامات المتصوفين وترهات الحسوميين مما يستنكف منه، مقتفوا آثار [الفلاسفة] عن متابعي سنن السنن الإسلامية من علماء الربانية، وقصور همة الفقهاء والحكماء والمشايخ، هداهم إلى الصراط المستقيم على الذات العاجلة والطلاب والسُّلاك، أعلى الله همتهم على المكاشفات السرية والمشاهدات الروحية والتجليات الروحية والتجليات الصورية والنورية. اللهم {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6-7]، نعمة الإيمان الغيبي، {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7]، ممن حرم نعمة الإيمان الشهودي، آمين يا رب العالمين؛ أي: استجب دعائي ولا تخيب رجائي، وصلى الله على خير خلقه سيدنا وقرة أعيننا: محمد وآله وصحبه أجمعين. هذا أول المجلد الرابع والعشرين من كتاب "مطلع النقط ومجمع اللفظ"، ومن الطور المجلد العشرون منه، وعدد مجلدات "مطلع النقط" من غير تفسير موافقة ثمانٍ وعشرون، و"تفسير المواقف" وهي مائة وإحدى وثلاثون ألفاً ومائة وإحدى وثلاثون، وقد كتبت بإلهام شرح موقفين منها إن ورد علي قياساً عليهما يكون ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسة وستين مجلداً كل مجلد أربعون كراساً عشرة أوراق كل ورقة أربعون سطراً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { بِسْمِ اللَّهِ } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ "اسم" مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. { اللَّهِ } هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات. فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء. { الْحَمْدُ لِلَّهِ } [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. { رَبِّ الْعَالَمِينَ } الرب، هو المربي جميع العالمين - وهم من سوى الله - بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار. { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار. كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام. وقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك. وقدم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده. و "العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة. و "الاستعانة" هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر "الاستعانة" بعد "العبادة" مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي. ثم قال تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك. وهذا الصراط المستقيم هو: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. { غَيْرِ } صراط { الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط { الضَّالِّينَ } الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم. فهذه السورة على إيجازها، قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: { رَبِّ الْعَالَمِينَ } . وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: { اللَّهِ } ومن قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ { الْحَمْدُ } كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وأن الجزاء يكون بالعدل، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل. وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [والضلال] في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالحمد لله رب العالمين. __________
النسائي
تفسير : 1- أنا إسماعيل بن مسعود، نا خالد - يعني: ابن الحارث، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المُعلي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ به وهو يصلي فدعاه قال: فصليت ثم أَتيْتُهُ، قال: "ما منعك/ أن تُجيبني؟" قال: كنت أصلي، قال: "ألم يقل الله عز وجل { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ألا أُعلِّمك أعظم سورة قبل أن أخرج من المسجد؟" [قال: فذهب ليخرج] قلت: يا رسول الله قولك؟ قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم ". تفسير : 2- أنا سُويد بن نصر، أنا عبد الله، عن مالك والحارث بن مسكين - قراءة عليه وأنا أسمع منه، عن ابن القاسم قال: حدثني مالك - واللفط له - عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السَّائب - مولى هشام بن زُهرة - يقول: "سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلُّ صلاة لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن هي خِداج هي خِداج هي خِداج - غير تام"تفسير : قلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانا وراء الإمام، فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقرؤا؛ يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تبارك وتعالى: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليَّ عبدي، يقول العبد مالك يوم الدين، يقول الله : مجَّدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الَّذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين، فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):