Verse. 3 (AR)

١ - ٱلْفَاتِحَة

1 - Al-Fatiha (AR)

الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ۝۳ۙ
Alrrahmani alrraheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الرحمن الرحيم» أي ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : وأما قوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات، أما التخليص عن أقسام الآفات فلا يمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات، وهي كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى، ومن شاء أن يقف على قليل منها فليطالع «كتب الطب» حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في كل واحد من الأعضاء والأجزاء، ثم يتأمل في أنه تعالى كيف هدى عقول الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان، فإنه إذا خاض في هذا الباب وجده بحراً لا ساحل له. وقد حكى جالينوس أنه لما صنف كتابه في منافع أعضاء العين قال: بخلت على الناس بذكر حكمة الله تعالى في تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد، فرأيت في النوم كأن ملكاً نزل من السماء وقال يا جالينوس، إن إلهك يقول: لم بخلت على عبادي بذكر حكمتي؟ قال: فانتبهت فصنفت فيه كتاباً، وقال أيضاً: إن طحالي قد غلظ فعالجته بكل ما عرفت فلم ينفع، فرأيت في الهيكل كأن ملكاً نزل من السماء وأمرني بفصد العرق الذي بين الخنصر والبنصر؛ وأكثر علامات الطب في أوائلها تنتهي إلى أمثال هذه التنبيهات والإلهامات، فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث عرف أن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الضبط والإحصاء. أحوال الآخرة وتقسيمها إلى عقلية وسمعية:

البيضاوي

تفسير : {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } كرره للتعليل على ما سنذكره.

ابن كثير

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة. قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [الحجر: 49 - 50] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الأنعام: 165] قال: فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ولو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ } أي ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}. قال ابن عرفة: قدم أولا الوصف برَبّ العَالمِينَ تنبيها على أصل النشأة، وأنه هو الخالق المبدئ، ثم ثنى بحال الإنسان في الدّنيا من النعم والإحسان، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ - وقرئا منصوبين، ومَرْفُوعَيْنِ، وتَوْجِيهُ ذلك ما ذكر في: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وتقدم الكلام على اشْتِقاقِهما في "البَسْمَلَةِ" فَأَغْنَى عن إِعَادَتِه. قوله تعالى: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} يجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً أيضاً، أوْ بَدَلاًَ، وإن كان البدلُ بالمشتقِّ قليلاً، وهو مُشْتَقٌّ من "المَلْك" - بفتح الميم - وهو: الشَّدُّ والرَّبْطُ، قال الشاعرُ في ذلك: [الطويل] شعر : 49 - مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا تفسير : ومنه: إِمْلاَكُ العَرُوسِ؛ لأنّه عَقْدٌ، ورَبْطٌ، لِلنِّكَاحِ. وقُرِىءَ: "مَالِك" بالألَفِ. قال الأَخْفَش - رحمه الله تعالى - يُقال: مَلِك بَيِّنُ المُلْكِ - بضم الميم، و"مَالِك" من "الِمَلْكِ" بفتح الميم وكسرها. ورُويَ ضمُّها - أيضاً - بهذا المعنى. وروي عن العربِ: "لِي في هَذَا الوَادي مَلْكٌ ومُلْكٌ ومِلْكٌ" مُثَلَّثُ الفاء، ولكن المعروفَ الفرقُ بَيْنَ الأَلْفَاظِ الثَّلاثَةِ: فالمفْتُوحُ: الشَّدُّ والرَّبْط. والمضْمُومُ: هو القَهْرُ والتسلُّطَ على من يتأتّى منه الطاعَةُ، ويكون باسْتِحْقَاقٍ وغَيْرِه، والمقصور: هو التّسَلُّطَ عَلَى مَنْ يتأتّى منه الطاعة ومَنْ لا يتأتى منه، ولا يكونُ إلاَّ باستحقاقٍ؛ فيكونُ بَيْنَ المقصورِ والمضمُُومِ عمومٌ وخُصوصٌ من وجه. وقال الرَّاغِبُ: المِلْكُ أي "بالكَسْرِ" كالجِنْسُ للملك، أَي "بالضَّم" فكُلُّ مِلْكٍ "بالكسر" ملك، وليس كُلُّ ملكٍ مِلْكاً، فعلى هذا يكُونُ بينهما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وبهذا يُعْرَفُ الفرقُ بين ملك ومالك، فَإِنَّ ملكاً مأْخُوذَةٌ مِنْ المُلْكِ بالضمِ ومالِكاً مأخوذ من المِلك "بالكَسْرِ" وقيل: إنَّ الفرقَ بينهما: أَنَّ المَلِكَ: اسْمُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ السياسة، إِمَّا في نَفْسِه، بِالتمكُّنِ مِنْ زمامِ قواه وصرفها عَنْ هَوَاهَا. وإِمَّا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، سَوَاءٌ تولى ذلك أَوْ لَمْ يتولّ. وقد رَجَّحَ كُلُّ فَرِيقٍ إِحْدَى القِرَاءَتَيْنِ على الأُخْرَى تَرْجِيحاً يكادُ يسقط القِرَاءَاتِ الأُخْرَى، وهذا غَيْرُ مَرْضيٍّ؛ لأنَّ كِلْتَيْهِما مُتَوَاتِرةٌ، ويدلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ثَعْلَب - رحمه الله تعالى - أنه قال: إِذَا اخْتَلفَ الإِعْرَابُ في القرآن عن السّبعةِ، لم أُفَضِّلُ إِعْرَاباً على إعراب في القرآنِ، فإذا خرجتُ إلى كلامِ الناسِ، فضَّلْتُ الأَقْوَى. نقله أَبُو عَمْرو الزّاهد في "اليَوَاقيت". قال أَبُو شَامَة - رحمه الله: - قَدْ أَكْثَر المُصَنِّفُونَ في القراءَات والتفاسِيرِ مِنَ التّرْجِيحِ بَيْنَ هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ، حتى أن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليْسَ هذا بِمَحْمُودٍ بعد ثُبُوتِ القِراءَتَيْنِ، وصحَّةِ اتصافِ الربِّ - سبحانه وتعالى - بهما حتى إني أُصَلِّي بهذه في رَكْعَةٍ، وبهذه في رَكْعة، ذكر ذلك عند قَوْلِه تعالى: مَالِك يَوْمِ الدِّين. وَروَى الحُسَيْنُ بنُ عَليٍّ الجعفي، وعبدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: "مَلْكِ" بِجَزْمِ اللاَّمِ على النَّعْتِ أيضاً. وقرأ الأَعْمَش، ومحمدُ بنُ السّميفع، وأَبُو عَبْد الملك قاضي الجُنْد: "مَالِكَ" بنصب الكاف على النِّداءِ. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعض غزواته: يا مالك يوم الدين، وقُرىء بنصبِ الكَافِ من غير ألف النداء أيضاً، وهي قراءةُ عَطِيَّةَ بن قَيْس، وقرأ عَوْن العُقَيْلِيُّ بالأَلف وَرَفْعِ الكَاف، على مَعْنَى: "هُوَ مَالِك". وقرأ أَبُو حَيْوَة شُرَيح بنُ يَزيد: برفع الكافِ مِنْ غَيْر أَلِف. وقرأَ يَحْيَى بنُ يَعْمُر "مالك" بالإمالة والإضجاع البليغ. وقرأ أَيُّوبُ السَّخْتيَانِيّ: بَيْنَ الإِمَالةِ والتّفْخِيمِ، ورواها قُتَيْبَةُ عنِ الكِسَائي. وقرأ الحَسَنُ {مَلَك يَوْمَ الدِّين} على الفِعْلِ، وهو اختيارُ أَبِي حَنِيفَة - رضي الله تعالى عنه - ورُويتْ أيضاً عَنْ أَبِي حَيْوَة، ويَحيَى بن يعمر فمما رجحت به قراءة "مَالِكِ" أَنَّها أمْدَحُ؛ لعُمُومِ إضافَتِه، إِذْ يُقالُ: "مَالِكُ الجِنِّ، والإِنْسِ، والطَّيرِ" ولا يُقالُ: "مَلِك الطّيْرِ"، وأنشدوا على ذلك: [الكامل] شعر : 50 - سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ [الوُجُوهُ] لِوَجْهِهِ مَلِكِ المُلُوكِ وَمَالِكِ العَفْوِ تفسير : وقالُوا: فُلاَنُ مَالِك كَذَا، لِمَنْ يَمْلِكُه، بخلافِ مَلِك فَإِنَّهُ يُضَافُ إلى غَيرِ المُلُوكِ نحو: "مَلِكِ العَرَب، والعَجَمِ"، ولأَنَّ الزيادةَ في البناءِ تَدُلُّ على الزيادَةِ في المعنى، كما تقدم في "الرحمن" ولأَنَّ ثواب تَالِيها أَكثرُ من ثَوابِ تَالِي "مَلِك". ومما رُجِّحَتْ به قراءَةُ "مَلِكِ" ما حكاه الفَارسِيّ، عن ابن السّرَّاجِ، عَنْ بَعْضِهم: أنه وصف [نَفْسَه] بِأنه مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، بقوله: "رَبِّ العَالَمِينَ"، فلا فَائِدَةَ في قراءَةِ مَنْ قَرَأَ "مَالِكِ"؛ لأنها تَكْرَارٌ. قال أَبُو عَليٍّ: ولا حُجَّةَ فِيه؛ لأنَّ في التَّنْزِيلِ مِثْلهُ كَثِيرٌ، يَذْكُرُ العَامَُّ، ثُمَّ الخَاصُّ؛ نحو: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} تفسير : [الحشر: 24]. وقال أَبُو حَاتم: "مَالِكِ" أَبْلَغُ في مَدْحِ الخَالِقِ، و "مَلِكِ" أَبْلَغ في مَدْحِ المَخْلُوقِ، والفرق بَيْنَهُمَا: أَنَّ المَالِكَ مِنَ المخلوقين قد يَكُونُ غيرَ مَلِكٍ، وإذا كَانَ اللهُ - تعالى - مَلِكاً كان مالكاً [أيضاً] واختاره ابنُ العَرَبيِّ. ومِنْهَا: أَنَّها أَعَمُّ إذ تُضَافُ للمملوكِ وغَيْرِ المَمْلُوكِ، بخلاف "مَالِكِ" فإنه لا يُضَاف إلاَّ لِلْمملوكِ كما تقدم، ولإشْعَارِه بالكثرةِ، ولأنه تَمدَّحَ تعالى - بقوله تعالى - "مَالِكِ المُلْكِ"، وبقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} تفسير : [آل عمران: 26]، ومَلِكٌ مأخوذٌ منه [كما تقدّم، ولم يتمدح بـ "مالك المِلْك" بكسر الميم الذي "مالك" مأخوذ منه]. وقال قَوْمٌ: "مَعْنَاهُمَا: واحِدٌ؛ مثلُ: فَرِهِين وفَارِهِين، وحَذِرِين وحَاذِرِين". ويُقالُ: المَلِكِ والمالِكِ: هو القَادِرُ على اختراع الأعيان من العَدَمِ إلى الوجود، ولا يَقْدِرُ عليه أحد غير الله تعالى. وجمع "مَالِكِ": مُلاَّك ومُلَّك، وجَمْعُ "مَلِك": أَمْلاَك ومُلُوك. وقُرِىء: "مَلْك" بسكون اللاّم، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 51 - وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طوَالٍ عَصَيْنَا المَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا تفسير : كما يُقالُ: فَخِذٌ وفَخْذٌ، وجَمْعُه على هذا: أَمْلُك ومُلُوك، قاله مَكِّيٌّ رحمه الله. و" مَلِيك"، ومنه: الكامل شعر : 52 - فَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ المَلِيكُ فَإِنَّمَا قَسَمَ الخَلاَئِقَ بَيْنَنَا عَلاَّمُهَا تفسير : و"مَلَكي" بالإشْبَاعِ، وتُرْوَى عن نَافِع - رحمه الله -. إذا عُرِفَ هذا فيكونُ "مَلِك" نعتاً لله - تعالى - ظاهراً، فإنه معرفة بالإضافة. وأما "مَالِك" فإِنْ أُرِيدَ به مَعْنَى المُضِيّ، فجعلُه نَعْتاً واضِحٌ أيضاً؛ لأن إضافَتَه مَحْضَة فيتعرَّفُ بها، ويُؤيّد كونَهُ ماضِيَ المَعْنَى قِراءةُ من قرأ: {مَلَكَ يَوْمَ الدِّينِ} فجعل "مَلَك" فِعْلاً مَاضِياً، وإن أُرِيد به الحالُ، أو الاستقبالُ [فَيُشْكِلُ؛ لأنه: إِمَّا أنْ يُجْعَلَ نعتاً لله، ولا يجوزُ؛ لأنَّ إضافَةَ اسمِ الفَاعِلِ بمعنى الحالِ، أو الاستقبال] غَيْرُ محضةٍ، فلا يُعرف، وإذا لم يتعرّفْ، فلا يكون نعتاً لمعرفةٍ؛ لما عرفت فيما تقدم من اشتراط الموافقة تَعْرِيفاً وتنكيراً. وإِمَّا أنْ يُجعَلَ بَدَلاً، وهو ضَعيفٌ، لأن البدل بالمشتقاتِ نادِرٌ كما تقدم. والذي يَنْبَغِي أَنْ يُقالَ: إنه نعتٌ على مَعْنَى أنَّ تَقْييدَهُ بالزمانِ غَيْرُ مُعْتَبرٍ؛ لأَنّ الموصوفَ إِذَا عُرِّفَ بِوَصْفٍ كان تقْييدُه بزمانٍ غير معتبرٍ، فكان المعنى - والله أعلم - أنه متَّصِفٌ بمالك يوم الدِّين مطلقاً من غير نظر إِلَى مُضِيٍّ وَلاَ حَالٍ، ولاَ اسْتِقبالٍ، وهذا مَالَ إلَيهِ الزمخشريُّ رحمه الله تعالى. وإضافَةُ "مَالِكِ" و "مَلِكِ" إلى "يَوْمِ الدِّينِ" مِنْ بابِ الاتِّساعِ؛ إذْ متعلّقُهما غيرُ اليومِ، والتقديرُ: مَالِكِ الأَمْرِ كُلِّهِ يَوْم الدِّينِ. ونظيرُ إِضَافَةِ "مَالِكٍ" إلى الظَّرْفِ - هُنَا - نَظِيرُ إِضَافَةِ "طَبّاخٍ" إلى "ساعات" في قول الشاعر: [الرجز] شعر : 53 - رُبَّ ابْنِ عَمِّ لِسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ طَبَّاخِ سَاعَاتِ الكَرَى زَادَ الكَسِلْ تفسير : إِلاَّ أَنَّ المَفْعُولَ في البيت مَذْكُورٌ - وهو "زادَ الكَسِلْ"، وفي الآية الكريمةِ غيرُ مذكورٍ؛ للدلاَلةِ علَيه. ويجوزُ أَنْ يكونَ الكَلاَمُ [على ظاهِرِه] من غيرَ تَقْديرِ حَذْفٍ. ونسْبَةُ "المِلْك" و"المُلْك" إلى الزمان في حَقِّ اللهِ - تعالى - غَيْرُ مُشْكِلَةٍ، ويُؤيِّدُه ظاهرُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرأ: {مَلَكَ يَوْمَ الدّين} فِعْلاً ماضياً، فإن ظاهِرَهَا كونُ "يَوْمَ" مَفْعُولاً به والإضافةُ على مَعْنَى "اللامِ"، لأَنَّها الأصل. ومِنْهم مَنْ جعلها في هذا النحو على معنى "في" مُسْتَنِداً إلَى ظاهِرِ قَولِه تبارك وتعالى: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [سبأ: 33] قال: المعنى "مَكْرٌ في اللَّيْلِ" إذ اللَّيلُ لاَ يُوصَفُ بالمكرِ، إنما يُوصَفُ بِه العُقَلاَءُ، فالمَكْرُ واقِعٌ فيه. والمشهورُ أَنَّ الإضافَةَ: إِمَّا على معنى "اللامِ" وإما على مَعْنى [مِنْ]، وكونُها بمعنى "في" غَيْرُ صَحِيحٍ. وأَمَّا قولُه تعالى: "مَكْرُ اللَّيْلِ" فلا دَلاَلَةَ فِيه؛ لأنَّ هذا من بَابِ البَلاَغَةِ، وهو التَّجوزُ في أَنْ جَعَلَ ليلهم ونهارهم ماكِرَيْنِ مبالغةً في كَثْرة وقوعه منهم فيهما؛ فهو نَظيرُ قَوْلِهِمْ: نَهَارُهُ صَائِم، ولَيْلُهُ قَائِم؛ وقول الشاعر في ذلك البيت: [البسيط] شعر : 54 - أَمَّا النَّهَارُ فَفِي قَيْدٍ وَسِلْسِلَةٍ وَاللَّيْلُ فِي بَطْنِ مَنْحُوتٍ مِنَ السَّاجِ تفسير : لما كانت هذه الأشياءُ يكْثُر وقُوعها في هذه الظروفِ، وَصَفُوهَا بها مُبَالغةً في ذلك، وهو مَذْهَبٌ حَسَنٌ مَشْهُورٌ في كَلاَمِهِمْ. و "اليَوْمُ" لُغَةً: القِطْعَةُ مِنَ الزَّمَانِ، أيَِّ زَمَنٍ كَان مِنْ لَيْلٍ وَنَهار؛ قال اللهُ تبارك وتعالى: {أية : وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ} تفسير : [القيامة:29 و30] وذلك كنايةٌ عن احتضار الموتى، وهو لا يختَصُّ بِلَيْلٍ ولا نَهَار. وأما في العُرْف: فهو من طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشمس. وقال الرَّاغِبُ: "اليوم" يُعَبَّرُ به عن وَقْتِ طُلُوعِ الشمسِ إلى [غُرُوبِها]. وهذا إنَّما ذكرُوهُ في النَّهارِ لا في اليَومِ، وجعلوا الفرقَ بينهما ما ذكرتُ، وقد يُطْلَقُ اليوم على السَّاعَةِ، قال تبارك وتعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة: 3]، وربما عُبِّرَ عَنِ الشِّدَّةِ باليوم، يُقالُ يَوْمٌ أَيَوْمُ؛ كما يُقالُ: لَيْلَةٌ لَيْلاَءُ. ذكره القُرْطُبِيُّ رحمه الله تعالى. و "الدِّينِ" مضافٌ إِلَيه أَيْضاً، والمرادُ به - هنا - الجَزَاءُ؛ ومنه قولُ الشاعر: [الهزج] شعر : 55 - وَلَمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَا نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا تفسير : أي: جَازيْنَاهُمْ كما جَازَوْنَا. وقال آخَرُ في ذلك: [الكامل] شعر : 56 - وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّ مُلْكَكَ زَائلٌ وَاعْلَمْ بَأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ تفسير : ومثله: [المتقارب] شعر : 57 - إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْناهُمُ وَدِنَّاهُمْ مِثْلَ مَا يَقْرِضُونا تفسير : ومثله [الطويل] شعر : 58 - حَصَادَكَ يَوْمَاً مَا زَرَعْتَ وإِنَّما يُدانُ [الفَتَى] يَوْماً كَمَا هُوَ دَائِنُ تفسير : وقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - ومُقاتِلٌ والسُُّدِّيُّ: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}: قَاضِي يَوْمِ الحِسَابِ؛ قال تعالى: {أية : ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} تفسير : [التوبة: 36]. أي: الحسابُ المستقيمُ. وقال قَتَادَةُ: "الدِّين: الجَزَاءُ ويقعُ على الجزاءِ في الخَيْرِ والشَّرِّ جمِيعاً". وقال مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِي: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّين، يوم لا ينفعُ فيه إلاّ الدِّين". وقيل: الدين القَهْرُ: يُقالُ: دِنْتُهُ فَدَانَ أي: قَهَرْتُهُ فذلّ. وقيل: الدينُ الطاعَةُ؛ ومنه: "وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً"، أَيْ: طَاعَةً، وله مَعَانٍ أُخَرُ: العادَةُ؛ كقولِه هذا البيت: [الطويل] شعر : 59 - كَدِينِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرثِ قَبْلَهَا وَجَارَتِهَا أُمِّ الرِّبابِ بمَأْسَلِ تفسير : أَيْ: كَعَادَتِكِ. ومثله: [الوافر] شعر : 60 - تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينُهُ أَبَداً وَدِينِي تفسير : ودَانَ: عَصَى وأطاعَ: وذَلَّ وعَزَّ، فهو من الأضدَادِ [قاله ثعلب]. والقضاءُ؛ ومنه قولُه تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 2]، أَيْ: في قَضَائِهِ وحُكْمِه. والحَالُ؛ سُئِلَ بعضُ الأعرابِ فقال: "لو كنتُ على دِينٍ غيرِ هذه، لأَجَبْتُكَ"، أَيْ: على حَالَةٍ. والدَّاءُ؛ ومنه قولُ الشاعرِ في ذلك: [البسيط] شعر : 61 - يَا دِينَ قَلْبِكَ مِنْ سَلْمَى وَقَدْ دِينَا تفسير : ويُقالُ: دِنْتُهُ بفعله أَدِينُه دَيْناً أَدِينُه دَيْناً وَدِيناً - بفتح الدَّال وكَسْرِها في المصدر - أيْ: جَازَيْتُه. ويُسْتعارُ للملّة والشريعَةِ أيضاً؛ قال اللهُ تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ} تفسير : [آل عمران:83]، يَعْنِي: الاسلامَ؛ بدليلِ قَوْلِه تَعَالَى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}تفسير : [آل عمران: 85]. ويُقَالُ: دِينَ فُلاَنٌ يُدَانُ إذا حُمِلَ على مَكْروهٍ، ومنه قِيل للعبدِ: مَدِين، ولِلأَمَةِ: مَدِينَة. وقِيل: هو من دِنْتُهُ: إذا جازيته بطاعته، وجعل بعضُهم "المَدِينَة" مِنْ هذا البابِ قاله الرَّاغِبُ، وسيأتي تحقيقُ هذه اللفظةِ عند ذكرها إِنْ شاء اللهُ تعالى. وإنما خُصَّ "يوم الدين" بالذكر مع كونِه مالِكاً للأيّام كُلِّها؛ لأنَّ الأَمْلاَكَ يومئذَ زائِلة، فلا مُلْكَ ولاَ أَمْرَ إِلاَّ لَه؛ قال الله تعالى: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الفرقان: 26]، وقال: {أية : لِمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]، وقال تعالى: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}تفسير : [الانفطار: 19]. فصل فيمن قرأ بالإدغام هنا قرأ أَبُو عَمْرو - رحمه الله تعالى: - "الرَّحِيم ملك" بإدغام المِيمِ في الميم، وكذلك يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَينِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَخْرج واحد، أو [كانا] قرِيبَي المَخْرج، سواءٌ كانَ الحرفُ سَاكِناً أَوْ مُتَحَرِّكاً، إِلاّ أَنْ يَكُونَ الحرفُ الأوَّلُ مُشَدَّداً، أَوْ مُنَوَّناً، أَوْ مَنْقُوصاً أَوْ مَفْتُوحاً، أَوْ تَاءَ الخِطَابِ قبلَه ساكِن في غَيْرِ المِثْلَين، فإنه لا يدغمها وإدغامُ المتحرك يَكُونُ في الإِدغَامِ الكَبيرِ، وافَقه حَمْزَة من إدغام المتحركِ في قوله تعالى: {أية : بَيَّتَ طَآئِفَةٌ} تفسير : [النساء: 81] {أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً} تفسير : [الصافات: 1 و 2 و 3]، {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً}تفسير : [الذاريات: 1]. وأَدْغَمَ التاءَ فيما بعدَها من الحُرُوف وافَقَهُ حَمْزَةُ بروايةَ رَجَاء، وخَلَف، والكِسَائِي [في إدغام الساكن وهو إدغام الساكن في المتحرك] إِلاَّ في الراءِ عند اللام، والدال عند الجيم، وكذلك لا يُدْغِمُ حَمْزَةُ الدَّالَ عند السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلاّ في أحرف معدودة. فصل في كلام القدرية والجبرية قال ابنُ الخَطِيب: قالتِ القدريَّةُ: إن كان خَالِقُ أَفْعالِ العبادِ، هو الله - تعالى - امتنع القول بالثواب، والعقاب، والجزاءِ، لأن الثوابَ للرّجل على ما لم يعملْ عَبَث، وعقابه على ما لم يعمل ظُلْمٌ وعلى هَذا التقديرِ، فيبطل كونه مَالِكاً ليوم الدين. وقالت الجبريةُ: لو لم تَكُنْ أعمالُ العبادِ بتقدير الله وترجيحه، لم يكن مالكاً لها، ولما أَجْمَعَ المسلِمُون على كونه مَالِكاً للعباد، ولأعمالِهم، عَلِمْنَا أَنَّهُ خالقٌ لها مقدرٌ لَهَا.

السيوطي

تفسير : أخرج الترمذي وابن أبي الدنيا وابن الأنباري كلاهما في كتاب المصاحف عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {ملك يوم الدين} بغير ألف. وأخرج ابن الأنباري عن أنس قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر، وعمر، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل {ملك يوم الدين} بغير ألف. وأخرج أحمد في الزهد والترمذي وابن أبي داود وابن الأنباري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يقرأون {مالك يوم الدين} بالألف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي داود في المصاحف من طريق سالم عن أبيه. أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يقرأون {مالك يوم الدين}. وأخرج وكيع في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود وابنه عن الزهري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، كانوا يقرأونها {مالك يوم الدين} وأوّل من قرأها ملك بغير ألف مروان. وأخرج ابن أبي داود والخطيب من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والبراء بن عازب قالا: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر {ملك يوم الدين}. وأخرج ابن أبي داود عن ابن شهاب. أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد، كانوا يقرأون {مالك يوم الدين} قال ابن شهاب: وأوّل من أحدث ملك، مروان. وأخرج ابن أبي داود وابن الأنباري عن الزهري. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {ملك يوم الدين} وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة ، والزبير، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل. وأخرج ابن أبي داود وابن الأنباري عن أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كلهم كانوا يقرأ {ملك يوم الدين}. وأخرج ابن أبي داود وابن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {مالك يوم الدين}. وأخرج ابن أبي داود وابن الأنباري والدارقطني في الأفراد وابن جميع في معجمه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {ملك يوم الدين}. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {مالك يوم الدين}. وأخرج الطبراني في معجمه الكبير عن ابن مسعود. أنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {مالك يوم الدين} بالألف {غير المغضوب عليهم} خفض. واخرج وكيع والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طرق عن عمر بن الخطاب. أنه كان يقرأ {مالك يوم الدين} بالألف. وأخرج وكيع وسعيد بن منصور عن أبي قلابة، أن أبي بن كعب كان يقرأ {مالك يوم الدين}. وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي داود عن أبي هريرة، أنه كان يقرأها {مالك يوم الدين} بالألف. وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبيدة، أن عبد الله قرأها {مالك يوم الدين}. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود وأناس من الصحابة في قوله {مالك يوم الدين} قال: هو يوم الحساب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {مالك يوم الدين} يقول : لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكماً كملكهم في الدينا. وفي قوله {يوم الدين} قال: يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم. إن خيراً فخير وأن شراً فشر، إلا من عفا عنه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {مالك يوم الدين} قال: يوم يدين الله العباد بأعمالهم. وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت "حديث : شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضعه في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد علىالمنبر، فكبر وحمد الله ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمنه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين} لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزل قوّة وبلاغاً إلى حين"تفسير : . قال أبو داود: حديث غريب اسناده جيد. أهل المدينة يقرأون {ملك يوم الدين} وهذا الحديث حجة لهم.

السلمي

تفسير : بالإشراف على أسرار أوليائه والتجلى لأرواح أنبيائه والرحيم بالعطف على أنفس الخلائق برهم وفاجرهم يبسط معايشهم فى الدنيا. وقيل: الرحمن خاص الاسم خاص الفعل والرحيم عام الاسم عام الفعل. وقيل: الرحمن بالنعمة والرحيم بالعصمة. وقيل: الرحمن بالتجلى والرحيم بالتولى. وقيل: الرحمن بكشف الأنوار والرحيم لحفظ ودائع الأسرار. وقيل: الرحمن بذاته والرحيم فى نعوته وصفاته وجل الحق أن يدرك حقيقة أساميه أحد؛ لأن أسماءه بلا علة، وإنما يظهر للخلق نصيبهم من الأسامى لا حقيقة حقه فمن ظن أنه يفسر أساميه على حقيقة حقه فقد ضل ضلالاً بعيدًا؛ لأنه أظهر الأسامى للإثبات رحمة لخلقه لا إشرافًا على صفاته ونعوته قال الله تعالى { أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } تفسير : [طه: 110] وكيف يدرك شئ من صفات من الجهات لا يضمنه والسمات لا يأخذه والأوقات لا تداوله ومصنوعةٌ لا تجاوله والترجمة لا تجليه والآداب لا تؤدبه والإشارات لا تدانيه، لم تلتبس به حالٌ ولا ينازعه باك، لا الصفات أوجدته ولا الأسامى زينته، بل هو موجد كل موجود وخالق كل موصوف - جل وتعالى-. سمعت منصورًا بإسناده يقول عن جعفر قال: الرحمن الذى يرزق الخلق ظاهرًا وباطناً، فرزق الظاهر الأقوات من المأكولات والمشروبات والعوافى، والباطن العقل والمعرفة والفهم وما ركب فيه من أنواع البدائع كالسمع والبصر والشم والذوق واللمس والهمة والظن.

القشيري

تفسير : اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة صفة أزلية وهي إرادة النعمة وهما اسمان موضوعان للمبالغة ولا فضل بينهما عند أهل التحقيق. وقيل الرحمن أشد مبالغة وأتم في الإفادة، وغير الحق سبحانه لا يسمى بالرحمن على الإطلاق، والرحيم ينعت به غيره، وبرحمته عرف العبد أنه الرحمن، ولولا رحمته لما عرف أحد أنه الرحمن، وإذا كانت الرحمة إرادة النعمة، أو نفس النعمة كما هي عند قوم فالنعم في أنفسها مختلفة، ومراتبها متفاوتة فنعمة هي نعمة الأشباح والظواهر، ونعمة هي نعمة الأرواح والسرائر. وعلى طريقة من فرَّق بينهما فالرحمن خاص الاسم عام المعنى، والرحيم عام الاسم خاص المعنى؛ فلأنه الرحمن رزق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم، ولأنه الرحيم وفق المؤمنين لما به حياة سرائرهم، فالرحمن بما روَّح، والرحيم بما لوَّح؛ فالترويح بالمَبَارِّ، والتلويح بالأنوار: والرحمن بكشف تَجَلِّيه والرحيم بلطف تولِّيه، والرحمن بما أولى من الإيمان والرحيم بما أسدى من العرفان، والرحمن بما أعطى من العرفان والرحيم بما تولَّى من الغفران، بل الرحمن بما ينعم به من الغفران والرحيم بما يَمُنُّ به من الرضوان، بل الرحمن بما يكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعيان، بل الرحمن بما يوفق، والرحيم بما تحقق، والتوفيق للمعاملات، والتحقيق للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين، والرحمن بما يصنع لهم والرحيم بما يدفع عنهم؛ فالصنع بجميل الرعاية والدفع بحسن العناية.

البقلي

تفسير : وقوله تعالى {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} بالرحمن سبقت رحمته غضبه والرَّحيم وبالرَّحيم حجب كرمه بالاشراف على اسرار الاولياء والتجلى لارواح انبيانه وقيل الرحمن خاص الاسم خاص الفعل والرّحيم عام الاسم عام الفعل وقيل الرحمن بالنعمة الرحيم بالعصمة وقيل الرحمن بالتجلى والرّحيم بالتدلّى وقيل الرحمن يكشف الانوار والرّحيم بحفظ ودايع الاسرار وقيل الرحمن بذاته والرّحيم ينعوته وصفاته وقال سهل بنسيم روح الله اخترع من ملكه ما شاء رحمه لانه رحمن رحيم وقال الواسطى الرحمانية تشوق الروح شوقاً والالهية تذوق الحق ذوقاً الحق ذوقاً وقال ابراهيم الخواص من عرفَهَ بانه الرحمنُ الرّحيم لَزِمه معرفته بالرحمة الثقة به في حيوته وماته والعطف بالرحمة على الخلائق اجمع في الدنيا بالعوافى والارزاق بالمغفرة والغفران قال جعفر صادق الرحمنُ العاطفُ على خلقه السَابق المقدور عليهم والمراقِبُ لهم والرحيم المتعطف لهم في امر المعاشِ والعوافى وقال الجنيد في قوله الرحمن الرّحيم على وجمعين رحمة لعطفه ورحمةُ عطفه اشارة باسمه الرّحمن الى لطفه واشارة باسمه الرَّحيم الى عطف وقال الاستاذ الرحمنُ خاص الاسم عام المعنى والرّحيم عام الاسم خاصّ المعتى فالرحمن بما رَوّح والرّحيم بما لَوَحَ فالتَرويح للعباد والتوليح بالانوار والرّحمن بكشف نجليه والرّحيم بلطف توايه والرحمن بما اولى من الا يمان والرّحيم بما اسرى من العرفان والحرمن بما اعطى من العرفان والرحيم بما تولّى من الغفران والرحيم بما من به الرضوان والرحمن بما يكرم به الرضوان فالرحيم بما يكرم به من الرّوية والعيان فالرحمن بما يوافق والرحيم بما يحقق فالتوفيق للمعاملات والتحقيق للمواصلات فالمعاملات للقاصدين والموصولات للواجدين والرحمن بما يَصْنَع لهم والرحيم بما يدفع عنهم والصنع يجمع العناية والدفع بحسن الرعاية الى ههنا كلام الاستاذ امّا من اخترعى ان اسم الرحمن محل طلوع انوار العناية والرحيم محل اشراق شمس الكفاية فالبالعناية تهدى اهل العرفان الى مشاهد القدم وبالكفاية يحفظ حقائق ايمانهم ابداً لوجه بقاء الديموميّة فالبرحمن تأيدهم وبالرحيم ترقّيهم وتحفظهم فالاوّل للعناية والاخر للفكاية تعهدهم بنور الازلية بين الصفتين حتى يصيروا بالرحمن مشتافين و والرّحيم والهِين وقال حَمِيد هل يكون من الرحمن لاهل الايمان الا الا من والامان والرّوية والعيانَ وقال سهل الرحم على عباده بالمغفرة والرّضوان والرّحيم عُليهم من العوافى والارزاق.

اسماعيل حقي

تفسير : {الرحمن الرحيم} فى التكرار وجوه. احدها ما سبق من ان رحمتى البسملة ذاتيتان ورحمتى الفاتحة صفاتيتان كماليتان والثانى ليعلم ان البسملة ليست من الفاتحة ولو كانت منها لما اعادهما لخلوا الإعادة عن الفائدة والثالث انه ندب العباد الى كثرة الذكر فان من علامة حب الله حب ذكر الله وفى الحديث "حديث : من احب شيئا اكثر ذكره "تفسير : . والرابع انه ذكر رب العالمين فبين ان رب العالمين هو الرحمن الذى يرزقهم فى الدنيا الرحيم، الذى يغفر لهم فى العقبى ولذلك ذكر بعده مالك يوم الدين يعنى ان الربوبية اما بالرحمانية وهى رزق الدنيا وما بالرحيمية وهى المغفرة فى المغفرة فى العقبى والخامس انه ذكر الحمد وبالحمد تنال الرحمة فان اول من حمد الله تعالى من البشر آدم عطس فقال الحمد لله واجيب للحال يرحمك ربك ولذلك خلقك فعلم خلقه الحمد وبين انهم ينالون رحمته بالحمد. والسادس ان التكرار للتعليل لان ترتيب الحمد على هذه الأوصاف امارة علية مأخذها فالرحمانية والرحيمية من جملتها لدلالتهما على انه مختار في الاحسان لا موجب وفى ذلك استيفاء اسباب استحقاق الحمد من فيض الذات برب العالمين وفيض الكمالات بالرحمن الرحيم ولا خارج عنهما فى الدنيا وفيض الاثوبة لطفا والأجزية عدلا فى الآخرة ومن هذا يفهم وجه ترتيب الاوصاف الثلاثة. والفرق بين الرحمن والرحيم اما باختصاص الحق بالاول او بعمومه او بجلائل النعم فعلى الاول هو الرحمن بما لا يصدر جنسه من العباد والرحيم بما يتصور صدوره منهم فذا كما روى عن ذى النون قدس سره وقعت ولولة فى قلبى فخرجت الى شط النيل فرأيت عقربا يعدو فتبعته فوصل الى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا الى شاب نائم واذا افعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم – ويحكى – ان ولد الغراب اذا خرج من القشر يكون كلحم احمر ويفر الغراب منه فيجتمع عليه البعوض فليتقمه الى ان ينبت ريشه فعند ذلك تعود الام اليه ولهذا قيلا يا رازق النعاب فى عشه واما على ان الرحمن عام فقيل كيف ذلك وقلما يخلو أحد بل حالة له عن نوع بلوى قلنا الحوادث منها ما يظن انه رحمة ويكون نقمة وبالعكس قال الله تعالى {أية : فعسى أن تكرهوا شيئاً} تفسير : [النساء: 19] الآية فالاول كما قال شعر : ان الشاب والفراغ والجده مفسدة للمرء أى مفسده تفسير : وكل منها فى الظاهر نعمة والثانى كحبس الولد فى المكتب وحمله على التعليم بالضرب وكقطع اليد المتأكلة فالابله يعتبر بالظواهر والعاقل ينظر الى السرائر فما من بلية ومحنة الا وتحتها رحمة ومنحة وترك الخير الكثير للشر القليل شر كبير فالتكاليف لتطهير الارواح عن العلائق الجسدانية وخلق النار لصرف الاشرار الى اعمال الابرار وخلق الشيطان لتميز المخلصين من العباد فشأن المحقق ان يبنى على الحقائق كالخضر عليه السلام فى قصة موسى عليه السلام معه فكل ما يكره الطبع فتحته اسرار خفية وحكمة بالغة فلولا الرحمة وسبقها للغضب لم يكن وجود الكون ولما ظهر للاسم المنعم عين وإما على ان الرحمن لجلائل النعم فانما اتبعه بالرحيم لدفع توهم ان يكون طلب العبد الشيء اليسير سوء ادب كما قيل لبعضهم جئتك لحاجة يسيرة قال اطلب لها رجلا يسيرا فكأن الله يقول لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت عني ولكنى رحيم فاطلب منى حتى شراك نعلك وملح قدرك: قال الشيخ السعدى قدس سره العزيز شعر : محالست اكر سربرين درنهى كه باز آيدت سدت حاجت تهى تفسير : قال اهل الحقيقة الحضرات الكلية المختصة بالرحمن صلاة حضرة الظهور وحضرة البطون وحضرة الجمع وكل موجود فله هذه المراتب ولا يخلو عن حكمها وعلى هذه المراتب تنقسم احكام الرحمة فى السعداء والاشقياء والمتنعمين بنفوسهم دون ابدانهم كالارواح المجردة وبالعكس والجامعين بين الامرين وكذا من اهل الجنة منهم سعداء من حيث نفوسهم بعلومهم دون صورهم لكونهم لم يقدموا فى الجنة الاعمال ما يستوجبون به النعيم الصورى وان كان فنزر يسير بالنسبة الى من سواهم وعكس ذلك كالزهاد والعباد الذين لا علم لهم فان ارواحهم قليلة الحظ من النعيم الروحانى لعدم المناسب بينهم وبين الحضرات العلمية الآلهية ولهذا لم تتعلق هممهم زمان العمل بما وراء العمل بل ظنوه الغاية فوقفوا عنده واقتصروا عليه رغبة فيما وعدوا به ورهبة مما حذروا منه واما الجامعون بين النعيمين تماماً فهم الفائزون بالحظ الكامل فى العلم والعمل كالرسل عليهم الصلاة والسلام ومن كملت وراثته منهم اعنى الكمل من الاولياء: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : هركبوتر مى برد در مذهبى وين كبوتر جانب بى جانبى

الطوسي

تفسير : القراءة ـ قرأ عاصم والكسائي وخلف ويعقوب: مالك بالألف. الباقون ملك بغير الف؛ ولم يمل أحد الف مالك، وكسر جميعهم الكاف. وروي عن الأعمش، انه فتحها على النداء، وربيعة بن نزار يخففون مالك ويسقطون الألف، فيقولون: ملك بتسكين اللام وفتح الميم كما قال ابو النجم. تمشي الملك عليه حلله. والألف ساقط في الخط في القراءتين والمعول على الأولتين دون النصب وإسكان اللام ومعنى ملك يوم الدين باسقاط الألف أنه الملك يومئذ لا ملك غيره وأنه لا يؤتى في ذلك الوقت أحداً الملك كما اتاه في الدنيا، وقوى ذلك بقوله تعالى: {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} تفسير : وبانه يطابق ما تقدم من قوله: {رب العالمين الرحمن الرحيم} ومن قرأ مالك بالف معناه انه مالك يوم الدين والحساب لا يملكه غيره ولا يليه سواه. اللغة والمالك هو القادر على التصرف في ماله، وأن يتصرف فيه على وجه ليس لأحدٍ منعه منه، ويوصف العاجز بأنه مالك من جهة الحكم. والملك هو القادر الواسع القدرة الذي له السياسة والتدبير، ويقال ملك بيِّن الملك مضمومة الميم، ومالك بيِّن الملك والمِلك بفتح الميم وكسرها، وضم الميم فيه لغة شاذة ذكرها ابو علي الفارسي. ويقال طالت مملكة الأمير ومملَكته بكسر اللام وفتحها وطال مُلكه ومَلكه اذا طال رقه، واعطاني من ملكه وملكه، ولي في هذا الوادي ملك ومَلك ومِلك ويقال نحن عبيد مملكة وليس بعبيدقن اي سبياً لم يملك في الأصل، ويقال: شهدنا املاك فلان وملكه، ولا يقال ملاكه، فأصل الملك الشد من قول الشاعر: شعر : ملكت بها كفي وانهرت فقعها تفسير : اي شددت. وملكت العجين اي شددت عجنه. ويقال: هذا ملك فلان اذا كان له التصرف فيه على ما بيناه. فأمّا من رجح قراءة ملك من حيث انه وصف نفسه بأنه ملك كل شيء بقوله: {رب العالمين} فلا فائدة في تكرير ما قد مضى فقد ابعد لأن في القرآن له نظائر تقدّمها العام وذكر بعد العام الخاص: {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق} تفسير : فعمّ في الأول ثم خص ذكر الأنسان تنبيهاً على تأمل ما فيه من اتقان الصنعة ووجوه الحكمة، كما قال: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}؟ تفسير : ولذلك نظائر كثيرة. وفي الناس من قال ان ملك ابلغ في المدح من مالك. لأن ملك مالك وليس كل مالك ملكاً. وقال تغلب: إن مالك ابلغ من ملك لأنه قد يكون الملك على من لا يملك، كما يقال ملك الروم وان كان لا يملكهم ولا يكون مالكا إلا على ما يملك. وقال بعضهم: ان مالك أبلغ في المدح للخالق من ملك. وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك، لأن مالك من المخلوقين قد يكون غير ملك. واذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا. والاقوى أن يكون مالك أبلغ في المدح فيه تعالى؛ لانه ينفرد بالملك ويملك جميع الاشياء فكان أبلغ. وقوله تعالى: {يوم الدين} الاعراب ـ مجرور بالاضافة قي القراءتين معاً، وهو من باب يا سارق الليلة أهل الدار. اتسع في الظرف فنصب. نصب المفعول به ثم اضيف على هذا الحد وليس ذلك مثل قوله: {وعنده علم الساعة} مفعول بها على الحقيقة، ولا أن جعل الظرف مفعولا على السعة، لأن الظرف اذا جعل مفعولا على السعة فمعناه معنى الظرف. ولو جعل ظرفاً لكان المعنى: يعلم في الساعة. وذلك لا يجوز لانه تعالى يعلم في كل وقت والمعنى: انه يعلم الساعة أي يعرفها. ومن نصب انما هرب ان يخرج من خطاب الغائب إلى المواجه في قوله {اياك نعبد واياك نستعين} وليس ذلك ببديع، لأنه مستعمل في القرآن وفى الشعر. قال الله تعالى: {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} تفسير : فعدل عن خطاب المواجه إلى الكنانة عن الغائب. وقال الشاعر: شعر : كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر وتحلب تفسير : وقال ابو كثير الهلالي: شعر : يا لهف نفسي، كان جدة خالد وبياض وجهك للتراب الاعفر تفسير : وقال لبيد بن ربيعة: شعر : قامت تشكي اليَّ النفس مجهشة وقد حملتك سبعاً بعد سبعينا تفسير : فرجع الى مخاطبة نفسه، وقد تقدم الاخبار عنها. وقال الكسائي التقدير: قولوا اياك نعبد. فيكون على حكاية ما امروا به. اللغة: والدين الحساب، والدين الجزاء ايضاً. قال كعب بن جعيل: شعر : اذا ما رمونا رميناهم ودناهم فوق ما يقرضونا تفسير : وقال آخر: شعر : واعلم وايقن ان ملكك زائل واعلم بانك ما تدين تدان تفسير : يعني: ما تجزي تجزى. ومنه قوله تعالى: {كلا بل تكذبون بالدين} يعني بالجزاء. وقوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين} أي غير مجزيين. وبهذا قال جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وقتادة. وروي عن ابن عباس ومجاهد وابي جعفر: انه الحساب. والدين ايضاً الطاعة. وقال عمرو بن كلثوم: شعر : وايام لنا غر طوال عصينا الملك فيها ان ندينا تفسير : والدين الملك قال زهير: شعر : لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك تفسير : والدين القهر والاستعلاء قال الأعشى: شعر : هو دان الرباب اذ كرهوا الدين دراكا بغزوة وصقال تفسير : يعني ذللهم للطاعة. والدين العادة قال المثقب العبدي: شعر : تقول وقد درأت لها وضينى أهذا دينه ابداً وديني تفسير : التفسير {ويوم الدين} عبارة عن زمان الجزاء كله، وليس المراد به ما بين المشرق والمغرب وطلوع الشمس إلى غروبها

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قوله جل اسمه: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} آيةٌ قد مضى تفسيرُها. وإنّما وقع ذكرُها ثانياً للمبالغة والتأكيد. أو لأنّ في الأول ذكر الإلهية، فوصَل بذكر النعَم التي بها يستحق العبادة، وها هنا ذكر الحمْد، فوصَله بذكر ما يستحقّ به الحمد والشكر على النعم، فليس فيه تكرار.

الجنابذي

تفسير : ليكون تفضيلا لها وقد مضى تحقيق الصّفتين وجعلهما هاهنا صفتين لله يشعر بجعلهما فى التّسميّة صفتين لاسم الله ليكون تأسيساً واشارة الى انّ القارى ينبغى ان يكون فى قرائته مرتقياً من النّظر الى الاسماء والاتّسام بها وتوصيفها بصفات الله الى النّظر الى الذّات وتوصيفها بصفاتها حتّى يتحقّق فى حقّه امتثال امر: اقرء وارق.

الأعقم

تفسير : {الرحمٰن} المنعم بنعم الدنيا والدين. {الرحيم} واسع الرحمة. {مٰلك} قرأ عاصم مالك بالألف. {يوم الدين} يوم الجزاء، وقيل: يوم القهر، وقيل: يوم الحساب، ومنه: "كما تدين تدان". {إياك نعبد} أي نخضع لك بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، إلتفات خرج من الغيبة إلى الخطاب، والإلتفات يكون من الغيبة الى الخطاب مثل هذا، ومن الخطاب الى الغيبة مثل قوله تعالى: {أية : حتى اذا كنتم في الفلك وجَرين بهم}تفسير : [يونس: 22] ومن الغيبة الى المتكلم مثل قوله تعالى: {أية : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد ميت} تفسير : [فاطر: 9] وقد التفت امرئ القيس ثلاثة التفاتات في ثلاثة أبيات وهو قوله: شعر : تطاول ليلك بالاثمد ونام الخلي ولم يرقد وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العابر الارمِد وذلك من نبإ جاءني وخُبِّرْته عن أبي الاسوَدِ تفسير : العابر: انسان العين، والرمد: وجع العين، وكان من حقه ان يقول: تطاول ليلي بالاُثمد، لأنه يخاطب نفسه. {واياك نستعين} اي نطلب المعونة منك على عبادتك. {اهدنا} اي دلنا {الصراط المستقيم} الطريق الواضح، ومنه: {أية : ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} تفسير : [الأعراف: 86] وقيل: طريق الإسلام، وقيل: القرآن، وقيل: طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصحابه، قال أمير المؤمنين على صراط: شعر : إذا اعوج الموارد مستقيم تفسير : وقيل: الدين الذي لا يقبل الله من العباد غيره. {صراط الذين أنعمت عليهم} قرأ ابن مسعود صراط من أنعمت عليهم، وقرأ حمزة الزراط بالزاي، وابن كثير بالسين عليهم: قرأ حمزة برفع الها حيث وقع وهم النبيّون والصديقون والشهداء والصالحون، وعن ابن عباس هم أصحاب موسى قبل ان يغيروا، وقيل: هم الانبياء. {غير المغضوب عليهم} هم اليهود. {ولا الضالين} هم النصارى، وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود والنصارى، ولا الضالين هم الكفار، وقيل: هم اهل البدع، يستحبُّ للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة: آمين، بعد سكتة على نون ولا الضالين، ليميز ما هو قرآن بما ليس بقرآن، تجريد.

اطفيش

تفسير : {الرَّحْمَٰن} المنعم بالنعم العظيمة، أو مريد الإنعام به، وليس معرّبا من رحمن بالخاء المعجمة كما قيل {الرَّحِيم} المنعم بالنعم التي دون تلك، أو مريدها، وليس بينها عموم وخصوص على هذا، فضلا عن أن يقال، قدمت الخاصة على العامة، وإنما ذلك لو فسر الرحيم بالمنعم بمطلق النعم، أو هما سواء، كنديم وندمان، جمعا تأكيدا، كما روى، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وعلى الأخصية، فقد قيل بجواز تقديم الصفة الخاصة على العامة للفاصلة، كما في قوله تعالى "رَءوف رَحيم". وقوله تعالى: "رَسولا نبيا". وقيل: يا رحمن الدنيا، لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة، لأنه يخص المؤمن. وقيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، لأن نعم الآخرة كلها عظام، وأما نعيم الدنيا فجليلة وحقيرة، وهي هنا مبنية على الميم، نظير النون في العالمين والدين.

الخليلي

تفسير : سبق تفسيرهما وبقى النظر في إعادتهما وللمفسرين في ذلك آراء منهم من يرى هذه الإعادة دليلا على أن البسملة ليست من الفاتحة إذ لو كانت من الفاتحة لما كان معنى لتكرار ما جاء فيها من غير داع إلى ذلك، ومن هؤلاء ابن جرير الطبري فقد جعل من هذه الإعادة دليلا على خطأ القائلين بأن البسملة من الفاتحة ثم التفت إلى ما جاء في القرآن مما ظاهره التكرار نحو قوله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : في سورة الرحمن وقوله: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : في سورة المرسلات وأجاب بأن ذلك إنما يكون مع الفاصل وما قبل {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} في سورة الفاتحة لا يكفي لأن يعد فاصلا وبنى ذلك في رأيه على ما حكاه عن جماعة من أهل التأويل بأن في التركيب تقديما وتأخيراً والأصل {الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين مالك يوم الدين} وبين سبب هذه الدعوى أن الأصل في التركيب أن يكون كل شيء مع مناسبه وفي الآيات وصف الله سبحانه بالربوبية والرحمة والملك، والربوبية أليق أن تكون بجانب الملك والرحمة بجانب الالوهية المستفادة من اسم الجلالة، وذكر أن التقديم والتأخير مما لا يستنكر في الوضع العربي والشواهد عليهما قائمة في القرآن نفسه ومن سائر الكلام العربي، وذكر من القرآن شاهدا على ذلك قول الله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً..} تفسير : [الكهف: 1- 2] فإن في التركيب - حسبما يقول - تقديما وتأخيرا والأصل {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا} واستشهد لذلك من كلام العرب بقول جرير: شعر : طاف الخيال وأين منك لماما فارجع لزورك بالسلام سلاما تفسير : فالأصل: طاف الخيال لماماً منك هو.. وهذا الذي اعتمده ابن جرير ونسبه إلى جماعة من أهل التأويل نسبه أبو حيان في البحر المحيط إلى مكي وقال: لولا جلالة قائله لنزهت كتابي عن ذكره ثم ذكر أبو حيان علوَّ بلاغة القرآن وجمال أسلوبه في تركيب كلماته ورصف جمله فلا وجه للدعوى بأنه قدم فيه ما حقه التأخير أو أخر ما حقه التقديم وأضاف إلى ذلك بأن الله سبحانه وصف نفسه في الفاتحة بالربوبية والرحمة، وذكر فيها حمده وعبادته، ووصف الربوبية يقتضي استحقاق الحمد، ووصف الرحمة يقتضى استحقاق العبادة، وقد وُضع كل واحد من الوصفين بجوار ما يلائمه. هذا وضعف كلام ابن جرير أظهر من أن يحتاج إلى الكشف، فان عبارات القرآن الكريم لا يصح أن تُحمل على خلاف الأصل إلاّ لأمر يقتضي الخروج عنه ولا داعي هنا للتقديم والتأخير، ولا يصح أن يُحمل التركيب القرآني الذي هو أبلغ تركيب في الكلام على ما قد يضطر الشعراءَ إليه في شعرهم محافظتُهم على الوزن والقافية، فإن للشعر أحكاما لا تكون حتى للكلام المنثور، وقد يفضى الإِضطرار بالشعراء إلى الإِتيان بتركيب ممجوج تأباه الفصاحة، نحو قول الفرزدق: شعر : وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه تفسير : وقد أجمع علمَاء البلاغة على رداءة هذا التركيب، فهل يصح أن يُحمل عليه أو على مثله شيء من التركيب القرآنى الذى يتعالى عن الضرورات، ويعلو على كل العبارات، وأما قول الله تعالى في فاتحة الكهف {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا، قَيِّماً} تفسير : فإن كل كلمة فيه قد جاءت في موضعها من غير تقديم ولا تأخير، فإن الله سبحانه ابتدأ بنفي العوج عن كتابه ثم أكد هذا النفي بوصفه أنه قيّم والتأكيد يأتي بعد المؤكد، وقد اجتمع من نفي العوج عن الكتاب ووصفه أنه قيّم نفى النقص عنه وإثبات الكمال له، وإذا ألقينا نظرة على ترتيب كلمات الفاتحة الشريفة وجدنا كل كلمة جاءت في موضعها بحسب ما يقتضيه معناها، وتصدير الفاتحة بعد البسملة بجملة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أمر تقتضيه الرسالة التي بُعث بها النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وبُعث بها النبيون من قبله فإن رسالات جميع المرسلين تلتقي على الدعوة إلى توحيد الله تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} وقد كانت دعوة كل رسول يواجه بها قومه {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 59] فلا غرو أذا رأينا أم القرآن الكريم تُصدَّر - بعد البسملة التي تشترك فيها مع غيرها من السور - بجملة تستأصل جذور الشرك والوثنية من قلوب العباد وتغرس فيها شجرة التوحيد الخالص، كيف وقد جمعت الفاتحة مقاصد القرآن، والتوحيد أسمى مقاصده، وقد كان القرآن منذ بداية نزوله يواجه تلك الوثنية العاتية المتأصلة في نفوس العرب، فما أنسب أن تكون بداية هذه السورة الكريمة معنية ببناء صرح العقيدة الصّحيحة التي ترجع إليها جزئيات الأعمال في الإِسلام، إذ ما من شيء من أعمال المسلم التي يطالب بها إلا وهو إما أن يكون مددا للعقيدة أو منبثقا منها، فالشعائر التعبدية كلها وقود لمشكاتها وصقل لمرآتها والشريعة الجامعة التي شرعها الله هي من مقتضياتها ولوازمها، فإن إنفراد الله سبحانه بالربوبية والألوهية يقتضي أن لا يُستمد منهج الحياة إلاّ منه، ولا ريب أن ذوي الفطرة السليمة إذا قرع مسامعهم قول الحق سبحانه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وتصوروا معناه داخلت قلوبهم هيبة تجف منها نفوسهم وترتجف منها أوصالهم لما يدركونه من عظمة الخالق سبحانه الذي يخضع لجلاله كل كائن في الوجود، ويذل لكبريائه كل عزيز وعظيم، فلا عجب إذا تُلِّيَ ذلك بوصف الرحمن الرحيم لإِفاضة الطمأنينة على هذه القلوب الواجفة وإنزال السكينة على هذه النفوس المضطربة عندما تشعر بأن هذه الربوبية هي ربوبية رحمة وإحسان، والألوسي الذي تشدد في إنكار كون البسملة آية من الفاتحة يتفق هنا معنا على ضعف هذه الحجة، وأوضح أن هذا التكرار لفائدة وهي أن ذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عزّ شأنه وذكرهما هنا تعليل لاستحقاقه تعالى الحمد، والرّازي يرى أن حكمة التكرار تشويق القلوب إلى رحمة الله تعالى كأنه قيل: اذكر أني إله ورب مرة واحدة، واذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمه أكثر منها بسائر الأمور، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال: لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين، ونظيره قوله تعالى: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ}تفسير : [غافر: 3] وتعقب الألوسي كلام الرازي بأن الألوهية مكررة أيضا يشير بذلك إلى ذكر اسم الجلالة في البسملة وإعادته في جملة الحمد لله، وذكر الإِمام محمد عبده نكتة ظاهرة في إعادة هذين الوصفين الكريمين وهي أن تربيته تعالى للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه، ثم أشار إلى النكتة التي ذكرناها من قبل وهي أن مراده تعالى بهذا التكرير أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليكون في ذلك حافز لهم على اكتساب مرضاته وتجنب ما يؤدي إلى سخطه.. إلى آخر ما ذكر. ويرى السيد رشيد رضا أنه لا وجه للبحث في عد ذكر {الرحمن الرحيم} في سورة الفاتحة تكرارا أو إعادة مطلقا، وبين أن ذلك ظاهر على القول بأن البسملة ليست آية منها، وأما على القول بأنها آية منه فيحتاج إلى بيان، وأوضح وجهه وهو أن المراد من جعلها آية منها ومن كل سورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقنها ويبلغها الناس إعلانا منه بأن السورة التي صُدرت بها منزلة من عند الله لتكون رحمة لخلقه بما تشتمل عليه من هدايه، وأنه عليه أفضل الصلاة والسلام لم يكن له كسب فيها ولا صنع، وما هو إلا مبلغ لها بأمر الله تعالى، فلذلك كانت مقدمة للسور كلها إلا سورة براءة المنزلة بالسيف وكشف الستار عن نفاق المنافقين، فهي بلاء على من أنزل أكثرها في شأنه لا رحمة بهم، ثم قال: وإذا كان المراد ببدء الفاتحة بالبسملة أنها منزلة من الله رحمة بعباده فلا ينافي ذلك أن يكون من موضوع هذه السورة بيان رحمة الله تعالى مع بيان ربوبيته للعالمين، وكونه الملك الذي يملك وحده جزاء العاملين على أعمالهم وأنه بهذه الأسماء والصفات كان مستحقا للحمد من عباده، كما أنه مستحق له في ذاته، ولهذا نُسب الحمد إلى اسم الذات الموصوف بهذه الصفات، ثم أضاف إلى ذلك أن الحاصل أن معنى الرحمة في بسملة كل سورة هو أن السورة منزلة برحمة الله وفضله فلا يُعد ما عساه يكون في أول السورة أو أثنائها من ذكر الرحمة مكررا مع ما في البسملة وإن كان مقرونا بذكر التنزيل كأول سورة فصلت {أية : حـمۤ، تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}تفسير : [فصلت: 1- 2] لأن الرحمة في البسملة للمعنى العام في الوحي والتنزيل وفي السور للمعنى الخاص الذي تبينه السوره.. الخ. هذا وبما أن القرآن الكريم أنزله الله ليكون هدًى للمؤمنين، فإن كل كلمة منه تشع منها الهداية، وبإمكان تاليه أن يستفيد بكل ما يتلوه في تهذيب نفسه وتربية ضميره، وذكر صاحب "المنار" أن حظ العبد من وصف الله تعالى بالربوبية أن يحمده تعالى ويشكره باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله مستشعرا عظم المنة من الله سبحانه عليه من غير أن يكون تعالى محتاجا إليه، وفي هذا ما يدعوه إلى إحسان تربية نفسه وتربية من يوكل إليه تربيته من أهل وولد ومريد وتلميذ، واستعمال نعمته بهداية الدين في تربية نفسه الروحية والإِجتماعية، وكذا تربية من يوكل إليه تربيتهم، وأن لا يبغي كما بغى فرعون فيدعى أنه رب الناس، وكما بغى فراعنة كثيرون ولا يزالون يبغون بجعل أنفسهم شارعين يتحكمون في دين الناس بوضع العبادات التي لم ينزلها الله تعالى، وبقولهم هذا حلال وهذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيته قال تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [الشورى: 21] وفسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله بمثل هذا. وذكر صاحب المنار أيضا أن حظ العبد من وصف الله بالرحمة أن يطالب نفسه بأن يكون رحيما بكل من يراه مستحقا للرحمة من خلق الله تعالى حتى الحيوان الأعجم، وأن يتذكر دائما أن ذلك هو طريقه إلى رحمة الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما يرحم الله من عباده الرحماء"تفسير : رواه الطبراني عن جرير بسند صحيح وقال: "حديث : الراحمون يرحمهم الله تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" تفسير : رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث ابن عمر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله تعالى يوم القيامة" تفسير : رواه البخاري في "الأدب المفرد" والطبراني عن أبي أمامه وأشار السيوطي إلى صحته.

ابن عاشور

تفسير : وصفان مشتقان من رَحِم، وفي «تفسير القرطبي» عن ابن الأَنباري عن المبرد أن الرحمٰن اسم عبراني نقل إلى العربية قال وأصله بالخاء المعجمة (أي فأبدلت خاؤه حاء مهملة عند أكثر العرب كشأن التغيير في التعريب) وأنشد على ذلك قول جرير يخاطب الأخطل:شعر : أو تتركُنَّ إلى القسّيس هِجْرَتكم ومسْحَكُم صُلْبَكم رَخْمان قُربَانا تفسير : (الرواية بالخاء المعجمة) ولم يأت المبرد بحجة على ما زعمه، ولم لا يكون الرحمٰن عربياً كما كان عبرانياً فإن العربية والعبرانية أختان وربما كانت العربية الأصلية أقدم من العبرانية ولعل الذي جرأه على ادعاء أن الرحمٰن اسم عبراني ما حكاه القرآن عن المشركين في قوله: {أية : قالوا وما الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 60] ويقتضي أن العرب لم يكونوا يعلمون هذا الاسم لله تعالى كما سيأتي وبعض عرب اليمن يقولون رَخِم رخمة بالمعجمة. واسم الرحمة موضوع في اللغة العربية لرقة الخاطر وانعطافه نحو حيّ بحيث تحمل من اتصف بها على الرفق بالمرحوم والإحسان إليه ودفع الضر عنه وإعانته على المشاق. فهي من الكيفيات النفسانية لأنها انفعال، ولتلك الكيفية اندفاع يحمل صاحبها على أفعال وجودية بقدر استطاعته وعلى قدر قوة انفعاله، فأصل الرحمة من مَقُولة الانفعال وآثارُها من مقولة الفِعل، فإذا وصف موصوف بالرحمة كان معناه حصول الانفعال المذكور في نفسه، وإذا أخبر عنه بأنه رحم غيره فهو على معنى صدَر عنه أثر من آثار الرحمة، إذ لا تكون تعدية فعل رحم إلى المرحوم إلا على هذا المعنى فليس لماهية الرحمة جزئيات وجودية ولكنها جزئيات من آثارها. فوصف الله تعالى بصفات الرحمة في اللغات ناشىء على مقدار عقائد أهلها فيما يجوز على الله ويستحيل، وكان أكثر الأمم مجسِّمة ثم يجيء ذلك في لسان الشرائع تعبيراً عن المعاني العالية بأقصَى ما تسمح به اللغات مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض المخلوقات بالدليل العام على التنزيه وهو مضمون قول القرآن: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] فأهل الإيمان إذا سمعوا أو أطلقوا وصفي الرحمٰن الرحيم لا يفهمون منه حصول ذلك الانفعال الملحوظ في حقيقةِ الرحمة في متعارف اللغة العربية لسطوع أدلة تنزيه الله تعالى عن الأعراض، بل إنه يراد بهذا الوصف في جانب الله تعالى إثباتُ الغرض الاسمى من حقيقة الرحمة وهو صدور آثار الرحمة من الرفق واللطف والإحسان والإعانة؛ لأن ما عدا ذلك من القيود الملحوظة في مسمى الرحمة في متعارف الناس لا أهمية له لولا أنه لا يمكن بدونه حصول آثاره فيهم ألا ترى أن المرء قد يرحم أحداً ولا يملك له نفعاً لعَجز أو نحوه. وقد أشار إلى ما قلناه أبو حامد الغزالي في «المقصد الأسنى» بقوله: «الذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادراً على قضائها لم يسمَّ رحيماً إذ لو تمت الإرادة لوفَّى بها وإن كان عاجزاً فقد يسمى رحيماً باعتبار ما اعتوره من الرحمة والرقة ولكنه ناقص». وبهذا تعلم أن إطلاق نحو هذا الوصف على الله تعالى ليس من المتشابه لتبادر المعنى المراد منه بكثرة استعماله وتحقق تنزه الله عن لوازم المعنى المقصود في الوضع مما لا يليق بجلال الله تعالى كما نطلق العليم على الله مع التيقن بتجرد علمه عن الحاجة إلى النظر والاستدلال وسبق الجهل، وكما نطلق الحي عليه تعالى مع اليقين بتجرد حياته عن العادة والتكون، ونطلق القدرة مع اليقين بتجرد قدرته عن المعالجة والاستعانة. فوصفه تعالى بالرحمٰن الرحيم من المنقولات الشرعية فقد أثبت القرآن رحمة الله في قوله: {أية : ورحمتي وسعت كل شيء}تفسير : [الأعراف: 156] فهي منقولة في لسان الشرع إلى إرادة الله إيصال الإحسان إلى مخلوقاته في الحياة الدنيا وغالبُ الأسماء الحسنى من هذا القبيل. وأما المتشابه فهو ما كانت دلالته على المعنى المنزه عنه أقوى وأشد وسيأتي في سورة آل عمران (7) عند قوله تعالى: {أية : وأخر متشابهات}تفسير : . والذي ذهب إليه صاحب الكشاف وكثير من المحققين أن الرحمٰن صفة مشبهة كغضبان وبذلك مثله في «الكشاف». وفعل رَحِم وإن كان متعدياً والصفة المشبهة إنما تصاغ من فِعلٍ لازم إلا أن الفعل المتعدي إذا صار كالسجية لموصوفه ينزل منزلة أفعال الغرائز فيحول من فِعَل بفتح العين أو كسرها إلى فَعُل بضم العين للدلالة على أنه صار سجية كما قالوا فقُه الرجل وظرف وفهم، ثم تشتق منه بعد ذلك الصفة المشبهة، ومثله كثير في الكلام، وإنما يعرف هذا التحويل بأحد أمرين إما بسماع الفعل المحول مثل فقُه وإما بوجود أثره وهو الصفة المشبهة مثل بليغ إذا صارت البلاغة سجية له، مع عدم أو قلة سماع بلغ. ومن هذا رحمٰن إذ لم يسمع رحُم بالضم. ومن النحاة من منع أن يكون الرحمٰن صفة مشبهة بناء على أن الفعل المشتق هو منه فعل متعد وإليه مال ابن مالك في «شرح التسهيل» في باب الصفة المشبهة ونظره برب وملك.. وأما الرحيم فذهب سيبويه إلى أنه من أمثلة المبالغة وهو باق على دلالته على التعدي وصاحب «الكشاف» والجمهور لم يثبتوا في أمثلة المبالغة وزن فعيل فالرحيم عندهم صفة مشبهة أيضاً مثل مريض وسقيم، والمبالغة حاصلة فيه على كلا الاعتبارين. والحق ما ذهب إليه سيبويه. ولا خلاف بين أهل اللغة في أن الوصفين دالان على المبالغة في صفة الرحمة أي تمكنها وتعلقها بكثير من المرحومين وإنما الخلاف في طريقة استفادة المبالغة منهما وهل هما مترادفان في الوصف بصفة الرحمة أو بينهما فارق؟ والحق أن استفادة المبالغة حاصلة من تتبع الاستعمال وأن الاستعمال جرى على نكتة في مراعاة واضعي اللغة زيادة المبنى لقصد زيادة في معنى المادة قال في «الكشاف»: «ويقولون إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى وقال الزجاج في الغضبان هو الممتلىء غضباً ومما طن على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مَرْكَباً من مراكبهم بالشُّقْدُف وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق فقلت في طريق الطائف لرجل منهم ما اسم هذا المحمل - أردت المحمل العراقي - فقال: أليس ذاك اسمه الشقندف؟ قلت: بلى فقال: هذا اسمه الشِّقِنْدَاف فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى» وهي قاعدة أغلبية لا تتخلف إلا في زيادات معروفة موضوعة لزيادة معنى جديد دون زيادة في أصل معنى المادة مثل زيادة ياء التصغير فقد أفادت معنى زائداً على أصل المادة وليس زيادة في معنى المادة. وأما نحو حَذِر الذي هو من أمثلة المبالغة وهو أقل حروفاً من حاذر فهو من مستثنيات القاعدة لأنها أغلبية. وبعد كون كل من صفتي الرحمٰن الرحيم دالة على المبالغة في اتصافه تعالى بالرحمة فقد قال الجمهور إن الرحمٰن أبلغ من الرحيم بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى وإلى ذلك مال جمهور المحققين مثل أبي عبيدة وابن جني والزجاج والزمخشري وعلى رعي هذه القاعدة أعني أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى فقد شاع ورود إشكال على وجه إرداف وصفه الرحمٰن بوصفه بالرحيم مع أن شأن أهل البلاغة إذا أجروا وصفين في معنى واحد على موصوف في مقام الكمال أن يرتقوا من الأعم إلى الأخص ومن القوي إلى الأقوى كقولهم: شجاع باسل وجواد فياض، وعالم نحرير، وخطيب مصقع، وشاعر مفلق، وقد رأيت للمفسرين في توجيه الارتقاء من الرحمٰن إلى الرحيم أجوبة كثيرة مرجعها إلى اعتبار الرحمٰن أخص من الرحيم فتعقيب الأول بالثاني تعميم بعد خاص ولذلك كان وصف الرحمٰن مختصاً به تعالى وكان أول إطلاقه مما خصه به القرآن على التحقيق بحيث لم يكن التوصيف به معروفاً عند العرب كما سيأتي. ومدلول الرحيم كون الرحمة كثيرة التعلق إذ هو من أمثلة المبالغة ولذلك كان يطلق على غير الله تعالى كما في قوله تعالى في حق رسوله {أية : بالمؤمنين رؤوف رحيم}تفسير : [التوبة: 128] فليس ذكر إحدى الصفتين بمغن عن الأخرى: وتقديم الرحمٰن على الرحيم لأن الصيغة الدالة على الإتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلقاتها. وينسب إلى قطرب أن الرحمٰن والرحيم يدلان على معنى واحد من الصفة المشبهة فهما متساويان وجعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد اللفظي ومال إليه الزجاج وهو وجه ضعيف إذ التوكيد خلاف الأصل والتأسيس خير من التأكيد والمقام هنا بعيد عن مقتضى التوكيد. وقد ذكرت وجوه في الجمع بين الصفتين ليست بمقنعة. وقد ذكر جمهور الأئمة أن وصف الرحمٰن لم يطلق في كلام العرب قبل الإسلام وأن القرآن هو الذي جاء به صفة لله تعالى فلذلك اختص به تعالى حتى قيل إنه اسم له وليس بصفة واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمٰن قالوا وما الرحمٰن}تفسير : [الفرقان: 60] وقال: {أية : وهم يكفرون بالرحمٰن}تفسير : [الرعد: 30] وقد تكرر مثل هاتين الآيتين في القرآن وخاصة في السور المكية مثل سورة الفرقان وسورة الملك وقد ذكر الرحمٰن في سورة الملك باسمه الظاهر وضميره ثماني مرات مما يفيد الاهتمام بتقرير هذا الاسم لله تعالى في نفوس السامعين فالظاهر أن هذا الوصف تنوسي في كلامهم، أو أنكروا أن يكون من أسماء الله. ومن دقائق القرآن أنه آثر اسم الرحمٰن في قوله: {أية : ما يمسكهن إلا الرحمٰن} تفسير : في سورة الملك (19)، وقال: {أية : ما يمسكهن إلا الله}تفسير : في سورة النحل (79) إذ كانت آية سورة الملك مكية وآية سورة النحل القدر النازل بالمدينة من تلك السورة، وأما قول بعض شعراء بني حنيفة في مسيلمة:شعر : سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أباً وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا تفسير : فإنما قاله بعد مجىء الإسلام وفي أيام ردة أهل اليمامة، وقد لقبوا مسيلمة - أيامئذٍ - رحمٰن اليمامة وذلك من غلوهم في الكفر. وإجراء هذين الوصفين العليين على اسم الجلالة بعد وصفه بأنه رب العالمين لمناسبة ظاهرة للبليغ لأنه بعد أن وصف بما هو مقتضى استحقاقه الحمد من كونه رب العالمين أي مدبر شؤونهم ومبلغهم إلى كمالهم في الوجودين الجثماني والروحاني، ناسب أن يتبع ذلك بوصفه بالرحمٰن أي الذي الرحمة له وصف ذاتي تصدر عنه آثاره بعموم واطراد على ما تقدم، فلما كان رباً للعالمين وكان المربوبون ضعفاء كان احتياجهم للرحمة واضحاً وكان ترقبهم إياها من الموصوف بها بالذات ناجحاً. فإن قلت إن الربوبية تقتضي الرحمة لأنها إبلاغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً وذلك يجمع النعم كلها، فلماذا احتيج إلى ذكر كونه رَحماناً؟ قلت لأن الرحمة تتضمن أن ذلك الإبلاغ إلى الكمال لم يكن على وجه الإعنات بل كان برعاية ما يناسب كل نوع وفرد ويلائم طوقه واستعداده، فكانت الربوبية نعمة، والنعمة قد تحصل بضرب من الشدة والأذى، فأتبع ذلك بوصفه بالرحمٰن تنبيهاً على أن تلك النعم الجليلة وصلت إلينا بطريق الرفق واليسر ونفي الحرج، حتى في أحكام التكاليف والمناهي والزواجر فإنها مرفوقة باليسر بقدر ما لا يبطل المقصود منها، فمعظم تدبيره تعالى بنا هو رحمات ظاهرة كالتمكين من الأرض وتيسير منافعها، ومنه ما رحمته بمراعاة اليسر بقدر الإمكان مثل التكاليف الراجعة إلى منافعنا كالطهارة وبث مكارم الأخلاق، ومنها ما منفعته للجمهور فتتبعها رحمات الجميع لأن في رحمة الجمهور رحمة بالبقية في انتظام الأحوال كالزكاة. وقد اختلف في أن لفظ رحمٰن لو لم يقرن بلام التعريف هل يصرف أو يمنع من الصرف؟ قال في الكافية: «النون والألف إذا كانا في صفة فشرط منعه من الصرف انتفاء فَعلانة، وقيل وجود فَعْلى، ومن ثم اختلف في رحمٰن، وبنو أسد يصرفون جميع فَعلان لأنهم يقولون في كل مؤنث له فعلانة» واختار الزمخشري والرضى وابن مالك عدم صرفه.

الشنقيطي

تفسير : هما وصفان لله تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمٰن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء. وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {ٱلرَّحْمَـٰنِ} رحمن الدنيا والآخرة، و {ٱلرَّحِيمِ} رحيم الآخرة. وقد أشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الفرقان: 59] وقال {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه: 5]، فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. قاله ابن كثير ومثله قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الملك: 19] أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء. ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الرحمن: 1-2] إلى قوله: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 13] وقال: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43] فخصهم باسمه الرحيم. فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما"تفسير : . فالظاهر في الجواب - والله أعلم - أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا، لكنه لا يختص بهم في الآخرة، بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضاً، فيكون معنى رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما. والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضاً أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب: 43]، لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضاً. وكذلك قوله تعالى:{أية : لَّقَد تَّابَ اللهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 117]، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجارة للضمير الواقع على النَّبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضاً. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : تقدم شرح هاتين الكلمتين في البسملة. وأنهما اسمان وصف بهما اسم الجلالة "الله" في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ثناءً على الله تعالى لاستحقاقه الحمد كلّه.

د. أسعد حومد

تفسير : (3) - وَهُو صَاحِبُ الرَّحْمَةِ الدَّائِمَةِ ومَصْدَرُها، يُنْعِم بِكُلِّ النِّعَمِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا عَلَى خَلْقِهِ.