Verse. 3741 (AR)

٣٦ - يس

36 - Yaseen (AR)

سُبْحٰنَ الَّذِيْ خَلَقَ الْاَزْوَاجَ كُلَّہَا مِمَّا تُنْۢبِتُ الْاَرْضُ وَمِنْ اَنْفُسِہِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُوْنَ۝۳۶
Subhana allathee khalaqa alazwaja kullaha mimma tunbitu alardu wamin anfusihim wamimma la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سبحان الذي خلق الأزواج» الأصناف «كلها مما تنبت الأرض» من الحبوب وغيرها «ومن أنفسهم» من الذكور والإناث «ومما لا يعلمون» من المخلوقات العجيبة الغريبة.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : قد ذكرنا أن لفظة سبحان علم دال على التسبيح وتقديره سبح تسبيح الذي خلق الأزواج كلها، ومعنى سبح نزه، ووجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه تعالى لما قال: {أية : أَفلاَ يَشْكُرُونَ } تفسير : [يس: 35] وشكر الله بالعبادة وهم تركوها ولم يقتنعوا بالترك بل عبدوا غيره وأتوا بالشرك فقال: سبحان الذي خلق الأزواج وغيره لم يخلق شيئاً فقال أو نقول، لما بين أنهم أنكروا الآيات ولم يشكروا بين ما ينبغي أن يكون عليه العاقل فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا } أو نقول لما بين الآيات قال: سبحان الذي خلق ما ذكره عن أن يكون له شريك أو يكون عاجزاً عن إحياء الموتى وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {كُلَّهَا } يدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن الزوج هو الصنف وأفعال العباد أصناف ولها أشباه هي واقعة تحت أجناس الأعراض فتكون من الكل الذي قال الله فيها إنه خلق الأزواج كلها، لا يقال مما تنبت الأرض، يخرج الكلام عن العموم لأن من قال أعطيت زيداً كل ما كان لي يكون للعموم إن اقتصر عليه، فإذا قال بعده من الثياب لا يبقى الكلام على عمومه لأنا نقول ذلك إذا كانت من لبيان التخصيص، أما إذا كانت لتأكيد العموم فلا، بدليل أن من قال أعطيته كل شيء من الدواب والثياب والعبيد والجواري يفهم منه أنه يعدد الأصناف لتأكيد العموم ويؤيد هذا قوله تعالى في حم: {أية : ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ } تفسير : [الزخرف: 12] من غير تقييد. المسألة الثانية: ذكر الله تعالى أموراً ثلاثة ينحصر فيها المخلوقات فقوله: {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } يدخل فيها ما في الأرض من الأمور الظاهرة كالنبات والثمار وقوله: {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } يدخل فيها الدلائل النفسية وقوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } يدخل ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين وهذا دليل على أنه لم يذكر ذلك للتخصيص بدليل أن الأنعام مما خلقها الله والمعادن لم يذكرها وإنما ذكر الأشياء لتأكيد معنى العموم كما ذكرنا في المثال. المسألة الثالثة: قوله {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } فيه معنى لطيف وهو أنه تعالى إنما ذكر كون الكل مخلوقاً لينزه الله عن الشريك فإن المخلوق لا يصلح شريكاً للخلق، لكن التوحيد الحقيقي لا يحصل إلا بالاعتراف بأن لا إله إلا الله، فقال تعالى اعلموا أن المانع من التشريك فيما تعلمون وما لا تعلمون لأن الخلق عام والمانع من الشركة الخلق فلا تشركوا بالله شيئاً مما تعلمون فإنكم تعلمون أنه مخلوق ومما لا تعلمون فإنه عند الله كله مخلوق لكون كله ممكناً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلأَزْوٰجَ } الأصناف {كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } من الحبوب وغيرها {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } من الذكور والإِناث {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } من المخلوقات العجيبة الغريبة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَزْوَاجَ} "ع" الأصناف، أو الذكر والأنثى {مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ} النخل والشجر والزرع من كل صنف زوج {وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ} الأرواح.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏{‏سبحان الذي خلق الأزواج كلها‏} ‏ قال‏:‏ الأصناف كلها‏.‏ الملائكة زوج، والإِنس زوج، والجن زوج، وما تنبت الأرض زوج، وكل صنف من الطير زوج، ثم فسر فقال ‏ {‏مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون‏} ‏ الروح لا يعلمه الملائكة ولا خلق الله، ولم يطلع على الروح أحد وقوله ‏ {‏ومما لا يعلمون‏} ‏ لا يعلم الملائكة ولا غيرها‏.

ابو السعود

تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا} استئنافٌ مسوقٌ لتنزيهه تعالى عمّا فعلوه من ترك شكره على آلائه المذكورة واستعظام ما ذُكر في حيِّزِ الصِّلةِ من بدائعِ آثارِ قُدرتِه وأسرارِ حكمتِه وروائعِ نعمائِه الموجبةِ للشُّكرِ وتخصيصِ العبادةِ به والتَّعجيب من إخلالِهم بذلك والحالةُ هذه وسبحانَ علمٌ للتَّسبـيحِ الذي هو التَّبعيدُ عن السُّوءِ اعتقاداً وقولاً أي اعتقادَ البُعد عنه والحكم به من سَبَح في الأرضِ والماءِ إذا أبعد فيهما وأمعنَ ومنه فرسٌ سبوحٌ أي واسعُ الجري. وانتصابُه على المصدريّةِ ولا يكاد يذكر ناصبُه أي أسبِّح سبحانَه أي أنزهه عمَّا لا يليقُ به عقْداً وعملاً تنزيهاً خاصَّا به حقيقاً بشأنِه وفيه مبالغةٌ من جهةِ الاشتقاقِ من السَّبحِ ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ عن المصدرِ الدَّالِ على الجنسِ إلى الاسمِ الموضوع له خاصَّة لا سيِّما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذِّهنِ ومن جهة إقامتهِ مقامَ المصدرِ مع الفعلِ وقيل: هو مصدرٌ كغفرانِ أُريد به التَّنزه التَّام والتَّباعد الكُلِّيُ عن السُّوءِ ففيه مبالغةٌ من جهةِ إسنادِ التَّنزه إلى الذَّاتِ المُقدَّسةِ فالمعنى تنزه بذاتِه عن كلِّ ما لا يليقُ به تنزُّهاً خاصَّا به فالجملةُ على هذا إخبارٌ من الله تعالى بتنزهِه وبراءتِه عن كلَّ ما لا يليقُ به مَّما فعلُوه وما تركُوه وعلى الأوَّلِ حكم منه عزَّ وجلَّ بذلك وتلقين للمؤمنين أنْ يفعلُوه ويعتقدُوا مضمونَه ولا يُخلُّوا به ولا يغفلُوا عنه. والمرادُ بالأزواجِ الأصنافُ والأنواعُ {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} بـيانٌ لها والمرادُ به كلُّ ما ينبتُ فيها من الأشياءِ المذكورةِ وغيرها {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} أي خلقَ الأزواجَ من أنفسِهم أي الذَّكرَ والأُنثى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي والأزواجَ مما لم يُطلعهم الله تعالى على خُصوصيَّاتهِ لعدمِ قُدرتِهم على الإحاطةِ بها ولمَّا لم يتعلَّق بذلك شيءٌ من مصالحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وإنما أطلعَهم على ذلك بطريقِ الإجمالِ على منهاجِ قوله تعالى: { أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [سورة النحل: الآية 8] لمَا نيطَ به وقوفُهم على عظمِ قدرتِه وسعةِ مُلكهِ وسلطانِه. {وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلليْلُ} جملة من خبرٍ مقَّدمٍ ومبتدأٍ مؤخَّرٍ كما مرَّ وقوله تعالى {نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} جملةٌ مبـيِّنة لكيفيَّةِ كونِه آيةً أي نُزيله ونكشفُه عن مكانِه مستعارٌ من السَّلخِ وهو إزالةُ ما بـين الحيوانِ وجلدِه من الاتِّصالِ. والأغلبُ في الاستعمالِ تعليقُه بالجلدِ يقال سلختُ الإهابَ من الشَّاةِ وقد يُعكس ومنه الشَّاةُ المسلوخةُ {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} أي داخلونَ في الظَّلامِ مفاجأةً وفيه رمزٌ إلى أنَّ الأصلَ هو الظَّلامُ والنُّورُ عارضٌ. {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا} لحدَ مُعين ينتهي إليهِ دورُها فشبه بمستقرِّ المسافرِ إذ قطع مسيرَه أو لكبد السَّماءِ فإنَّ حركتَها فيه توجد أبطأ بحيثُ يظنُّ أنَّ لها هناك وقفةً قال: شعر : [مُعْرَوْرياً رمض الرَّضراض يركضه] والشَّمسُ حَيْرى لها بالجوِّ تدويمُ تفسير : أو لا استقرارَ لها على نهجٍ مخصوصٍ أو لمنتهى مقدَّر لكلِّ يومٍ من المشارقِ والمغاربِ فإنَّ لها في دورِها ثلاثمائة وستِّين مشرقاً ومغرباً تطلع كلَّ يومٍ من مطلعِ وتغربُ من مغربٍ ثمَّ لا تعودُ إليهما إلى العامِ القابلِ أو لمنقطعِ جريها عند خرابِ العالمِ. وقُرىء إلى مستقرَ لها. وقُرىء لا مستقرَّ لها أي، لا سكونَ لها فإنَّها متحرِّكةٌ دائماً وقُرىء لا مستقرَّ لها على أنَّ لا بمعنى ليسَ. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى جريها وما فيهِ من معنى البُعد مع قُرب العهدِ بالمُشارِ إليه للإيذانِ بعلوِّ رُتبتهِ وبُعد منزلتِه أي ذلك الجريُ البديعُ المنطوي على الحِكَمِ الرَّائعةِ التي تحارُ في فهمها العقولُ والأفهامُ {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} الغالبِ بقُدرته علَى كلِّ مقدورٍ {ٱلْعَلِيمِ} المحيطِ علمُه بكلِّ معلومٍ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [الآية: 36]. قال عبد العزيز المكى: {خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} ثم قال: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] ليستدل بذلك أن خالق الأزواج منزه عن الزّوج مستغنٍ عنه.

القشيري

تفسير : تُنَبِّه هذه الآيةُ على التفكُّرِ في بديع صُنْعِه؛ فقال: تنزيهاً لِمَنْ خَلَقَ الأَشياء المتشاكلةَ في الأجزاء والأعضاء، من النبات، ومن أنفسهم، ومن الأشياء الأخرى التي لا يعلمون تفصيلها، كيف جعل أوصافَها في الطعوم والراوئح، في الشكل والهيئة، في اختلاف الأشجار في أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف أنوارها وأَزهارها، واختلاف أشكال ثمارها في تفرُّقِها واجتماعها، ثم ما نيط بها من الانتفاع على مجرى العادة مما يسميه قومٌ: الطبائع؛ في الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واختلاف الأحداث التي يخلقها اللَّهُ عقيب شراب هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى العادة من التأثيرات التي تحصل في الأبدان. ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، فالأوقات متجانسة، والأزمان، متماثلة، والجواهر متشاكلة.. وهذه الأحكام مختلفة، ولولا تخصيصُ حُكْم اللَّهُ لكل شيءٍ بما اختصَّ به لم يكن تخصيصٌ بغير ذلك أولى منه. وإنَّ مَنْ كحَّلَ اللَّهُ عيونَ بصيرته بيُمْن التعريف، وقَرَنَ أوقاته بالتوفيق، وأتَمَ نَظَره، ولم يصده مانع. فما أقوى في المسائل حُجَّتَه! وما أوْضَحَ في السلوكِ نَهْجَه!. إنَّها لأقْسَامٌ سَبَقَت على مَنْ شاءَه الحقُّ بما شاء.

البقلي

تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} خلق الاصناف من العرش الى الثرى بغير رؤية ولا يتفكر بل على ما اسبق فى علمه فى الازل على مثال ولا على اشخاص وهو منزه ان يكون شبيه او نظير قال عبد العزيز المكى خلق الازواج كلها ثم قال ليس كمثله شئ ليستدل بذلك ان خالق الاشياء منزه عن الروح مستغنى عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {سبحان الذى خلق الازواج كلها} سبحان علم للتسبيح الذى هو التبعيد عن السوء اعتقادا وقولا اى اعتقاد البعد عنه والحكم به فان العلم كما يكون علما للاشخاص كزيد وعمرو وللاجناس كاسامة يكون للمعانى ايضا لكن علم الاعيان لا يضاف وهذا لا يجوز بغير اضافة كما فى الآية اقيم مقام المصدر وبين مفعوله باضافته اليه والمراد بالازواج الاصناف والانواع جمع زوج بالفارسية [جفت] خلاف الفرد ويقال للانواع ازواج لان كل نوع زوج بقسميه. وفى سبحان استعظام ماذكر فى حيز الصلة من بدائع آثار قدرته وروائع نعمائه الموجبة للشكر وتخصيص العبادة به والتعجب من اخلال الكفرة بذلك والحالة هذه فان التنزيه لا ينافى التعجب. والمعنى اسبح الذى اوجد الاصناف والانواع سبحانه اى انزهه عما لا يليق به كما فعله الكفار من الشرك وما تركوه من الشكر وتلقين للمؤمنين ان يقولوه ويعتقدوا مضمونه ولا يخلوا به لوا يغفلوا عنه. وقال بعضهم سبحان مصدر كغفران اريد به التنزه التام والتباعد الكلى عن السوء على ان تكون الجملة اخبار من الله بالتنزه والمعنى تنزه تعالى بذاته عن كل لا ما يليق به تنزها خاصا ومن هو خالق الاصناف والانواع كيف يجوز ان يشرك به ما لا يخلق شيئا بل هو مخلوق عاجز. قال ابن الشيخ والتنزيه يتناول التنزيه بالقلب وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك الاعتقاد وهو الذكر الحسن وبالاركان معهما جميعا وهو العمل الصالح والاول هو الاصل والثانى ثمرة الاول والثالث ثمرة الثانى والذى لان الانسان اذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على لسانه واذا قال ظهر صدقه فى مقاله من افعال جوارحه فاللسان ترجمان الجنان والاركان ترجمان اللسان {مما تنبت الارض} بيان للازواج والمراد كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها {ومن انفسهم} اى خلق الازواج من انفسهم اى الذكر والانثى {ومما لا يعلمون} اى والازواج مما لا يطلعهم على خصوصياته لعدم قدرتهم على الاحاطة بها ولما انه لم يتعلق بها شئ من مصالحهم الدينية والدنيوية. قال القرطبى اى من اصناف خلقه فى البر والبحر والسماء والارض ثم يجوز ان يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر ويعلمه الملائكة ويجوز ان لا يعلمه مخلوق. يقال دواب البحر والبر الف صنف لا يعلم الناس اكثرها. قال فى بحر العلوم ويجوز ان يكون المعنى مما لا يدركون كنهه مما خلق من الاشياء من الثواب والعقاب كما قال عليه السلام "حديث : اربع لا تدرك غايتها شرور النفس وخداع ابليس وثواب اهل الجنة وعقاب اهل النار" تفسير : ومنه الروح فانه ما بلغنا ان الله تعالى اطلع احدا على حقيقة الروح. وفى الاية اشارة الى انه ما من مخلوق الا وقد خلق شفعا اذ الفردية من اخص اوصاف الربوبية كما قال عبد العزيز المكى رحمه الله خلق الازواج كلها ثم قال {أية : ليس كمثله شئ} تفسير : ليستدل بذلك ان خالق الاشياء منزه عن الزوج والى ان فى كل شئ دليلا على وجوده تعالى ووحدته وكمال قدرته. قال فى كشف الاسرار [هريكى برهستى الله كواه وبريكانكئ وى نشان نه كواهى دهنده را خرد نه نشان دهنده را زبان] شعر : وفى كل شئ له آية تدل على انه واحد تفسير : قال فى انيس الوحدة وجليس الخلوة [وقتى بادشاهى بوداورا بكفر وزندقه ميلى بود وزيرى داشت عاقل ومسلمان خواست كه باد شارها ازان باز آورد وعادت وزير آنجنان بودكه هرسال بادشاهرا يكبار ضيافت كردى جون وقت ضيافت در رسيد بادشاهرا دعوت كرد بزمين شورستان كفت آنجاى جه جاى ميزبانيست وزير كفت آنجا بوستانهاى خوش وانهار دلكش روان وعمارتهاى كران ظاهر شده است بى آنكه كسى مباشرت واقدام نموده بادشاه جون اين سخن دور از عقل شنيد بحنديد وكفت در عقل جه كونه كنجد كه بنابى بنا كننده ظاهر شود وزير كفت ظاهر شدن عالم علوى وسفليست باجندين عجائب وغرائب بى آفريد كارى جه كونه معقول بود باد شاهرا اين سخن عظيم خوش آمد واورا سعادت وهدايت روى نمود] شعر : جشمها وكوشهارا بسته اند جزمرا آنهاكه از خود رسته اند جزعنايت كى كشايد جشم را جز محبت كى نشاند خشم را جون كريزم زانكه بى توزنده نيست بى خداونديت بود بنده نيست توبه بى توفيقت اى نور بلند جيست جز بدريش توبه ريش خند تفسير : نسأل الله الوقوف على اسراره والاستنارة بانوار آثاره انه الظاهر فى المجالى بحسن اسمائه وصفاته والباطن بحقائق كمالاته فى غيب ذاته

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وروح {والقمر قدرناه} رفعاً على الاستئناف لأن الفعل مشغول بالضمير العائد إلى القمر. وقال ابو علي: الأجود أن يكون رفعاً على تقدير وآية لهم القمر قدرناه، لأنه اشبه بالجمل قبلها. ومن رفعه بالابتداء جعل (لهم) صفة للنكرة والخبر مضمر، وتقديره {وآية لهم} في المشاهدة او الوجود، ويكون قوله {الليل نسلخ منه النهار} تفسير للآية. الباقون بالنصب بتقدير فعل مضمر، ما بعده تفسيره، وتقديره: وقدرنا القمر قدرناه. يقول الله تعالى منزهاً نفسه ومعظماً لها ودالا بأنه هو الذي يستحق الحمد بما نبه بقوله {سبحان الذي} أي تنزيهاً للذي {خلق الأزواج كلها} أي تعظيماً وتبجيلا له بجميع ما خلق من الازواج، وهي الاشكال، والحيوان على مشاكلة الذكر للانثى، وكذلك النخل والحبوب اشكال، والتين والكرم ونحوه اشكال، فلذلك قال {مما تنبت الأرض} يعني من سائر النبات {ومن أنفسهم} من الذكر والانثى {ومما لا يعلمون} مما لم يشاهدوه ولم يصل خبره اليهم. ثم قال {وآية لهم} يعني دلالة وحجة على صحة ذلك {الليل نسلخ منه النهار} أي نخرج منه النهار {فإذا هم مظلمون} أي داخلون في الظلمة لا ضياء لهم فيه بالشمس، فالسلخ إخراج الشيء من لباسه، ومنه إخراج الحيوان من جلده، يقال سلخ يسلخ سلخاً فهو سالخ، ومنه قوله {أية : فانسلخ منها} تفسير : أي فخرج منها خروج الشيء مما لابسه، ثم قال {والشمس تجري لمستقر لها} آية اخرى. وقيل في معنى المستقر ثلاثة اقوال: احدها - لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. الثاني - قال قتادة: لوقت واحد لها لا تعدوه ولا تختلف. الثالث - إلى ابعد منازلها في الغروب. وقال المبرد معنى {لمستقر لها} أي إلى. ومن قال الشمس لا تستقر بل تتحرك أبداً قال معنى {لمستقر لها} أنها كلما انتهت إلى منقلب الصيف عادت في الرجوع وإذا بلغت منقلب الشتاء عادت إلى الصعود. ثم قال {ذلك تقدير العزيز العليم} أي من قدر الشمس على ذلك إلا القادر الذي لا يضام، العالم بما يفعله؟، ثم قال {والقمر قدرناه} فمن رفع عطف على قوله {والشمس تجري} ومن نصب قدر له فعلا يفسره وقوله {قدرناه منازل} كل يوم ينزل منزلا غير المنزل الأول لا يختلف حاله إلى ان يقطع الفلك {حتى عاد كالعرجون القديم} فالعرجون العذق الذي فيه الشماريخ، فاذا تقادم عهده يبس وتقوس، فشبه به. وقال الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى المنابت في النخلة من العذق، والقديم الذي اشرف على حول. وقوله {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} حتى يكون نقصان ضوئها كنقصان القمر، وقال ابو صالح: معناه لا يدرك احدهما ضوء الآخر، وقيل معناه: {لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر} في سرعة سيره {ولا الليل سابق النهار} اي ولا يسبق الليل النهار. وقيل: إن احدهما لا يذهب إلى معنى الآخر وكل له مقادير قدرها الله عليه. ثم قال {وكل في فلك يسبحون} يعني الشمس والقمر والكواكب يسبحون في الفلك. وإنما جمعها بالواو والنون لها أضاف اليها افعال الآدميين. وقيل: الفلك مواضع النجوم من الهواء الذي يجري فيه. ومعنى يسبحون يسيرون فيه بانبساط، وكل ما انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومنه السباحة في الماء.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وقد نزَّه الله سبحانه ذاته وعظمها أولاً، عن نسبة النقص في الذات، والشَّين في الصفات، والفتور والتقصير في الأفعال، وأوضح دليله ثانياً، بأنه هو الذي يستحق منتهى الحمد وغاية الشكر، فيكون الكلام كدعوى الشيء بِبيِّنَتهِ، أي تنزيهاً وتعظيماً وبراءة عن الآفة والنقص والسوء، للذي خلق الأنواع والأشباه والأشكال والأمثال من كل نوع، أي كل طبيعة متكثِّرةِ الأفراد، كأنواع الكائنات من أصول ثلاثة، هي الموضوعات والقوابل. لأن الأنواع المتكثِّرة الأفراد، الحاصلة بالقوة والإستعداد، الناشئة في سلسلة العائدات إلى الباري تعالى، المتعاكسة في الوجود لسلسلة الباديات منه: لا بد لوجودها من مادة تقبل تكثُّر نوعيتها وتعدُّد أفرادها. وذلك لأن التكثُّر في مَالَهُ حدٌّ نوعي، وتأحّد طبيعي، يحتمل بحسب الفرض، أن يكون اما بالماهية، أو لازمها، أو عارضها، والقسمان الأولانِ يوجبان انحصار النوع في شيء واحد، وهو خلاف المفروض، فتعيَّن القسم الثالث، فلا بد من مادة قابلة، ينفعل عن الفاعل البريء عن التغيّر أحوالاً وأغراضاً: حادثة تحتاج في حدوثها وتجددها إلى قوة إنفعالية، وحركات استعدادية سُفْلية، تابعة لحركاتٍ ومحصّلات فلكية لأغراض عُلْوية، تلحق تلك الحركات إلى فاعلٍ غير متناهي القدرة في التأثير، وقابلٍ غير متناهي القوة في الإنفعال، فتنفتح أبواب نزول الرحمة والخيرات، وأسباب ورود النعمة والبركات، لقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم:34] وقوله: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي}تفسير : [الكهف:109] الآية. وهي على كثرة أفرادها وأنواعها منحصرة في ثلاثة أجناس: أولها: ما لا شعور لها، ولا نفس حساسة فيها في حد حقيقتها، وهي مما تنبت من الأرض، والمراد منها ما يندرج فيه المعادن والنباتات، إذ جميعها "مما يخرج من الأرض" وينشأ منها. وثانيها: ما له نفس شاعرة مريدة للحركات إقداماً وإحجاماً، جلباً ودفعاً، طلباً وهرباً، شهوة وغضباً، ولا يخلو منه حيوان، إذ أدنى مراتب الحيوانية فيما له قوة اللمس، وهذه القوة موجودة لكل حيوان حتى الدود والخراطين التي تكون في الطين، فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للحرب، لا كالنبات فإنه يقطع فلا ينقبض لعدم احساسه بالقطع، ومادة تكوّن الحيوان وأصل خلقته إنما هي مواد فضلية منوية، موجودة في أبدان الحيوانات، حاصلة من فضلة الهضم الرابع، باستخدام النفوس الحيوانيّة للقوى النفسانيّة والطبيعيّة، كالجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة المحركة للغذاء في عروق البدن وأعماقه المخرجة للفضلة إلى أطراف البدن ومخارجها، مستقرة في قرار مكين بوسيلة حركات وانفعالات جماعية، واقعة من نفوس الآباء والأمهات على أغراض حيوانية، طلباً للشهوة واللذة التي هي الغاية القصوى لأفاعيلها، فأشار إلى ذلك بقوله: "ومن أنفسهم". وثالثها: ما له إدراكات كلية، وهي عقول مجردة وموجودات مستقلة في الوجود البقائي والكمال الأخروي، حاصلة من الأفكار والتأملات القدسية الواردة على العقول الهيولانية، وإليها أشار بقوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}. واعلم أن جوهر الناطق الذي به تكون هوية الإنسان، ذو حالتين: حالة بها يكون نفساً، وحالة بها يكون عقلاً، فهو بحسب الحالة الأولى داخل في النفوس الحيوانية، مبدؤه المزاج، ومنتهاه الموت بالإنحلال. وبحسب الحالة الثانية داخل في قسم الملائكة المقربين والعقول المقدسين، فمبدء تكونه من عالم الأمر ومرجعه إلى الله، فقوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}. إشارة إلى مادة تكوّن الأرواح الإنسية الكاملة في العلم والعمل، لأنها ليست من عالم الشهادة ومن مدركات الحواس، ولا مما يعلَمُه جميعُ الناس. وأما كيفيّة تولّدها من الأمور العقلية والأعمال المقرِّبةِ لها من الكمال، المخرجَة إياها من القّوة إلى الفعل، فهي مما يطول شرحه، وليس لكل إنسان نصيب في فهمه، بل المغترُّون بظواهر العلوم، مِمَّن يجحدون وجودَ عالَم الأمر، وبلوغ الإنسان إليه بوسيلة العلوم والتفكرّات، جهلاً بأن هذا البلوغ هو الغرض الأعلى، والغاية القصوى في ارسال الأنبياء، وإنزال الكتب عليهم من السماء. وتلخيص القول، ان الله تعالى، كما يُصوِّر الجنين بصورة الحيوانية، المرتبة على نطفة سقطت من الأب في الرحم بتدبير الأربعينات، فكذلك إذا سقطت من صلب نبّوة الأنبياء، وولاية الأولياء نُطَفُ العقائد الإيمانية، في أرحام نفوس أهل الإيمان، بتربية تصرفات المعلمين والمشايخ، فالله تعالى يحوّلها من حال إلى حال، ويُكَمِّلها بكمال بعد كمال، ويقلبّها من مقام إلى مقام، حتى ينتهي إلى كمال التهيّوء والإستواء، فيخلق بقدرته وهدايته في رحم النفوس، صورة وليد القدس، وطفل خلفاء الله في أرضه، على الوجه الذي يليق لتحمّل الأمانة، حسب إرادة الله ومشيئته لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران:6] فيستحق الآن، أن ينفخ فيه الروح المختص بأنبيائه، وأوليائه، وهو الروح القدسي، الذي هو مجعول إلقائه وصورة كتابته، كقوله: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر:15] وكقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة:22]. ولهذه الفائدة العظيمة، والنعمة الجسيمة، أهبط الأرواح من أعلى علّيين القُرْب إلى أسفل سافلين البُعْد كما قال: {أية : ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}تفسير : [البقرة:38] فإذا نفخ فيه الروح القدسي، يكون آدم وقتِه، فيسجد له بالخلافة الإلهية الملائكةُ كلُهم أجمعون، تفهّم إنشاء الله وَتَنبَّه. والمحجوبُ عن غير هذا العالم كالظاهريين، فسَّر ما لا يعلمون بأزواج من الحيوانات العفنيّة، والجمادات المعدنية، التي لم يجعل الله للبشر طريقاً إلى العلم بها، لأنه لا حَاجَة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم. وفيه ما لا يخفى من التعسّف، إذ سَوْقُ الآية يدل، على كون ما لا يعلمون، خلقاً عظيماً وصنعاً بديعاً، أشرف ممّا وجد في البشر في هذا العالم الأدنى، ونفي العلم به، والجهل بحقيقته، إنما هو بالنسبة إلى جمهور الناس وعامَّتِهم، لا الخلّص الكاملين من عباده، وكثيراً ما يستعمل نفيُ العلم، لأجل التعظيم بشيء والترغيب عليه، والمناقشة فيه، كما في قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة:17]. وفي الحديث القدسي: "حديث : أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عينٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سمِعتْ وَلاَ خَطَرَ على قلب بشر ". تفسير : ويُحتمل أن يكون كلمة "من" في المواضع الثلاثة بيانية، فتكون إشارة إلى أعيان أجناس المخلوقات الثلاثة بذواتها، لا إلى موادها وقوابلها وموضوعاتها، إعلاماً بكثرة ما خلق وأنواعها وأصنافها وأعدادها، الخارجة عن ما يحصره علم البشر، وعن ضبطه وإحصائه، دلالةً على عِظَم قدرة باريها، واتساع مملكة خالقها ومنشئها جلّ ذكره، وما ذكرنا أوْلىٰ، لكَوْنِ الحكمة فيه أكثر، والفائدة فيه أشمل، ومعرفة الشيء بأسبابه وأصوله أوثَق.

الجنابذي

تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} اى اصناف المواليد {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} من انواع النّبات والاشجار {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} من اصناف المعادن والحيوان الّتى لم يروها ولم يسمعوا بها.

اطفيش

تفسير : {سبحان الذي خلق الأزواج كهلا مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} ازواج النبات اصنافه وازواج الناس الذكور والاناث وخلق الله اشياء لا يعلمها الناس ولم يطلعهم الله عليها لاقتضاء حكمته ان لا يطلعهم عليها وفيها اصناف في الارض والسماء والبر والبحر.

اطفيش

تفسير : {سُبحان الَّذي خَلق الأزْواج كُلَّها} سبحوه تسبيحا فهو اسم مصدر هو التسبيح نائب عن فعل الأمر، أو سبحونى تسبيحا بصيغة التكلم، ووضع الظهر موضع المضمر، ليذكر القدرة التامة، إذ قدر على خلق الأصناف، والزوج ما يقترن بآخر مماثل له، ولو تركيبا أو جوهرية، أو عرضية أو مضاد له، وكل المخلوقات كذلك، أو اسم مصدر هو التسبح بضم الموحدة، أى تنزه الله أو أتنزه بالذات، وعلى كل حال المراد البعد عن أن يشرك به مخلوق فى العبادة، أو يتصف بصفة مخلوق {ممَّا تُنبتُ الأرْض} من أصناف النبات التى بالحرث أو بالغرس، وبغير ذلك. {ومن أنْفُسهم} كذكر وأنثى وخنثى، أو هو عند الله أحدهما، وأحمر وأبيض وأسود، وقصير وطويل، وغير ذلك {وممَّا لا يعْلمُون} كقوله تعالى: " أية : ويخلق ما لا تعلمون" تفسير : [النحل: 8] أى وأزواجا مما لا تعلمون لم نسمع به ولم نره، أو سمعنا به ولم نره، كما قيل: إن وراء المحيط أرضا بيضاء معمورة بخلق يعبدون الله عز وجل كعبادة الملائكة، لا يعلمون آدم ولا ديانا هذه، وما يعلمه كل أحد أقل قليل جدا ممَّا يجهله، وما يجهله غير متناه، وما يعلمه متناه.

الالوسي

تفسير : {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا } استئناف مسوق لتنزيهه تعالى عما فعلوه من ترك شكره عز وجل، واستعظام ما ذكر في حيز الصلة من بدائع آثار قدرته وأسرار حكمته وروائع نعمائه الموجبة لشكره تعالى. وتخصيص العبادة به سبحانه والتعجيب من إخلالهم بذلك والحال هذه. وقد تقدم الكلام في {سُبْحَانَ }. وفي "الإرشاد" هنا أنه ((علم للتسبيح الذي هو التبعيد عن السوء اعتقاداً وقولاً أي اعتقاد البعد عنه والحكم به من سبح في الأرض والماء إذا بعد فيهما وأمعن وانتصابه على المصدرية أي أسبح سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقداً وعملاً تنزيهاً خاصاً به حقيقاً بشأنه عز شأنه، وفيه مبالغة من جهة الاشتقاق وجهة العدول إلى التفعيل وجهة العدول عن المصدر الدار على الجنس إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما العلم وجهة إقامته مقام المصدر مع الفعل، وقيل: هو مصدر كغفران أريد به التنزه التام والتباعد الكلي عن السوء ففيه مبالغة من جهة إسناد التنزه إلى الذات المقدس فالمعنى تنزه بذاته عن كل ما لا يليق به تعالى تنزهاً خاصاً به سبحانه، فالجملة على هذا إخبار منه تعالى بتنزهه وبراءته عن كل ما لا يليق به مما فعلوه وما تركوه؛ وعلى الأول حكم منه عز وجل بذلك وتلقين للمؤمنين أن يقولوه ويعتقدوا مضمونه ولا يخلوا به ولا يغفلوا عنه)). وقدر بعضهم الفعل الناصب أمراً أي سبحوا سبحان. والمراد بالأزواج الأنواع والأصناف، وقال الراغب: الأزواج جمع زوج ويقال لكل واحد من القرينين ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضاداً وكل ما في العالم زوج من حيث أن له ضداً ما أو مثلاً ما أو تركيباً ما بل لا ينفعك بوجه من تركيب صورة ومادة وجوهر وعرض. {مِمَّا تُنبِتُ ٱلارْضُ } بيان للأزواج والمراد به كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } أي وخلق الأزواج من أنفسهم أي الذكر والأنثى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } أي والأزواج مما لم يطلعهم الله تعالى ولم يجعل لهم طريقاً إلى معرفته بخصوصياته وإنما اطلعهم سبحانه على ذلك بطريق الإجمال على منهاج {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [النحل: 8] لما نيط به وقوفهم على عظم قدرته وسعة ملكه وجلالة سلطانه عز وجل. ولعله لما كان العلم من أخص صفات الربوبية لم يثبت على وجه الكمال والإحاطة لأحد سواه سبحانه ولو كان بطريق الفيض منه تبارك وتعالى على أن ظرف الممكن يضيق عن الإحاطة فما يجهله كل أحد أكثر مما يعلمه بكثير. وقد يقال على بعض الاعتبارات: إن ما يعلمه كل أحد متناه وما يجهله غير متناه ولا نسبة بين المتناهي وغير المتناهي أصلاً فلا نسبة بين معلوم كل أحد ومجهوله. وتأمل في هذا مع دعوى بعض الأكابر الوقوف على الأعيان الثابتة والاطلاع عليها وقل رب زدني علماً.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين جملة { أية : وءاية لهم الأرض } تفسير : [يس: 33] وجملة { أية : وءاية لهم الليل } تفسير : [يس: 37]، أثارُه ذكر إحياء الأرض وإخراج الحبّ والشجر منها فإن ذلك أحوالاً وإبداعاً عجيباً يذكّر بتعظيم مُودِع تلك الصنائع بحكمته وذلك تضمن الاستدلال بخلق الأزواج على طريقة الإِدماج. و{سُبْحٰنَ} هنا لإِنشاء تنزيه الله تعالى عن أحوال المشركين تنزيهاً عن كل ما لا يليق بإلهيته وأعظمه الإِشراك به وهو المقصود هنا. وإجراء الموصول على الذات العلية للإِيماء إلى وجه إنشاء التنزيه والتعظيم. وقد مضى الكلام على {سُبْحَانَ} في سورة البقرة وغيرها. و{الأزواج}: جمع زوج وهو يطلق على كل من الذكر والأنثى من الحيوان، ويطلق الزوج على معنى الصنف المتميز بخواصه من نوع الموجودات تشبيهاً له بصنف الذكر وصنف الأنثى كما في قوله تعالى: { أية : فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى } تفسير : وتقدم في سورة طه (53)، والإِطلاق الأول هو الكثير كما يؤخذ من كلام الراغب، وهو الذي يناسبه نقل اللفظ من الزوج الذي يكون ثانِياً لآخرَ، فيجوز أن يحمل {للأزْواجَ} في هذه الآية على المعنى الأول فيكون تذكيراً بخلق أصناف الحيوان الذي منه الذكر والأنثى، وتكون {مِن} في المواضع الثلاثة ابتدائية متعلقة بفعل {خَلَقَ}. وهذا إدماج لذكر آية أخرى من آيات الانفراد بالخَلق، فخلْق الحيوان بما فيه من القوى لتناسله وحماية نوعه وإنتاج منافعه، هو أدق الخلق صنعاً وأعمقه حكمة، وأدخله في المنة على الإِنسان، بأن جعلت منافع الحيوان له كما في آية سورة المؤمنين. فمن أجل ذلك خصّ من بين الخلق الآخر بقَرْنه بالتسبيح لخالقه تنويهاً بشأنه وتفنناً في سرد أعظم المواليد الناشئة عن إيداع قوة الحياة للأرض وانبثاق أنواع الأحياء وأصنافها منها، كما أشار إليه الابتداء بذكر {مِمَّا تُنبِتُ الأرْضُ} قبلَ غيره من مبادىء التخلق لأنه الأسبق في تكوين مواد حياة الحيوان فإنه يتولد من النطف الذكور والإِناث، وتتولد النطف من قوى الأغذية الحاصلة من تناول النبات فذلك من معنى قوله: {مما تنبت الأرض ومن أنفسهم} أي ومما يتكون فيهم من أجزائهم الحيوانية. وجيء بضمير جماعة العقلاء تغليباً لنوع الإِنسان نظراً لكونه المقصود بالعبرة بهذه الآية، وللتخلص إلى تخصيصه بالعبرة في قوله: {ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ}. وإشارة قوله تعالى: {ومِمَّا لاَ يَعْلمونَ} إلى أسرار مودعة في خلق أنواع الحيوان وأصنافه هي التي ميزت أنواعه عن بعض وميزت أصنافه وذكورَه عن إناثه، وأودعت فيه الروح الذي امتاز به عن النبات بتدبير شؤونه على حسب استعداد كل نوع وكل صنف حتى يبلغ في الارتقاء إلى أشرف الأنواع وهو نوع الإِنسان، فمعنى {ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ}: مما لا يعلمونه تفصيلاً وإن كانوا قد يشعرون به إجمالاً، فإن المتأمل يعلم أن في المخلوقات أسراراً خفية لم تصل أفهامهم إلى إدراك كنهها، ومن ذلك الروح فقد قال تعالى: { أية : قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } تفسير : [الإسراء: 85]. وقد يتفاضل الناس في إدراك بعض تلك الخصائص إجمالاً وتفصيلاً ثم يستوون في عدم العلم ببعضها، وقد يمتاز بعض الطوائف أو الأجيال بمعرفة شيء من دقائق الخلق بسبب اكتشاف أو تجربة أو تقضي آثار لم يكن يعرفها غير أولئك ثم يستوون فيما بقي تحت طيّ الخفاء من دقائق التكوين، فبهذا الشعور الإجمالي بها وقع عدّها في ضمن الاعتبار بآية خلق الأزواج من جميع النواحي. وإذا حمل {الأزواج} في قوله: {سُبحٰنَ الذي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّهَا} على المعنى الثاني لهذا اللفظ وهو إطلاقه على الأصناف والأنواع المتمايزة كما في قوله: { أية : فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى } تفسير : [طه: 53] كانت {من} في المواضع الثلاثة بيانية، والمجرور بها في فحوى عطف البيان، أو بدل مفصل من مجمل من قوله: {الأزواج} والمعنى: الأزواج كلها التي هي: ما تنبت الأرض، وأنفسهم، وما لا يعلمون. ويدل قوله {ومِمَّا لاَ يَعْلمُونَ} على محذوف تقديره: وما يعلمون، وذلك من دلالة الإِشارة. فخص بالذكر أصناف النبات لأن بها قوام معاش الناس ومعاش أنعامهم ودوابهم، وأصناف أنفس الناس لأن العبرة بها أقوى، قال تعالى: { أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون } تفسير : [الذاريات: 21]. ثم ذكر ما يعمّ المخلوقات مما يعلمه الناس وما لا يعلمونه في مختلف الأقطار والأجيال والعصور. وقدم ذكر النبات إيثاراً له بالأهمية في هذا المقام لأنه أشبه بالبعث الذي أومأ إليه قوله: { أية : وإن كُلٌّ لما جَميعٌ لدينا مُحْضَرُونَ } تفسير : [يس: 32]. وتكرير حرف {مِن} بعد واو العطف للتوكيد على كلا التفسيرين. وضمير {أنفسهم} عائد إلى {العِبَادِ} في قوله: { أية : يا حَسْرَةً على العِباد } تفسير : [يس: 30]. والمراد بهم: المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَ} {ٱلأَزْوَاجَ} (36) - تَنَزَّهَ اسْمُ اللهِ الذِي خَلَقَ هَذِهِ الأَصْنَافَ وَالأَنْوَاعَ كُلَّهَا عَلَى سُنَّةِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ: مِنَ النَّبَاتِ وَمِنَ الأَنْفُسِ، وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُهُ النَّاسُ. الأَزْوَاجُ - الأَنْوَاعُ والأَصْنَافُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {سُبْحَانَ} [يس: 36] تعني: التنزيه المطلق لواجب الوجود الأعلى عن أنْ تحكمه قوانين الموجود نفسه؛ لذلك تُقال في كل أمر عجيب كما في قصة الإسراء والمعراج، فقد استهلَّ القرآنُ سورة الإسراء بقوله تعالى {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1] فالإسراء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم الصعود به إلى السماء السابعة في جزء في الليل يُعَدُّ أمراً عجيباً، وينبغي ألاَّ نقيسَ هذا الفعل على قوتنا نحن، بل على قوة الفاعل؛ لأن الفعل يجب أنْ يُقارن بقوة فاعله قوةً وضعفاً. وسبق أنْ قُلْنا لتوضيح هذه المسألة: إنني لو قلتُ: صعدتُ بابني الصغير قمة افرست مثلاً، أتقول لي: كيف صعد ولدك الصغير قمة افرست؟ فالحق سبحانه في قوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1] يقول لنا: لا تتعجبوا من هذه المسألة؛ لأن محمداً لم يَقُل سريتُ، إنما قال: أُسْرِي بي، فأنا الذي أسريت به وأنا مُنَزَّه عن الزمان، ومُنزه عن المكان وعن القوة، وإذا كان كل فعل يُقاس زمنه بقوة فاعله فَقِسِ الزمن على الفاعل الأعلى سبحانه، وعندها ستجد لا زمن. وقلنا: إنك حين تذهب إلى الإسكندرية مثلاً ماشياً تستغرق عدة أيام، أمّا بالسيارة فتستغرق عدة ساعات، وبالطائرة عدة دقائق، وبالصاروخ ثواني، إذن: كلما زادت القوة قَلَّ الزمن، وعلى هذا قِس الإسراء والمعراج. لذلك تجد أن هذه الكلمة {أية : سُبْحَانَ} تفسير : [الإسراء: 1] لا تُقَال ولم تُقَل من قبل إلا لله تعالى، مع كثرة الجبابرة في الأرض، ومع وجود مَنِ ادعى الألوهية، ومَن قال: أنا ربكم الأعلى ومع ذلك لم تُقَلْ إلا لله؛ لذلك نقول في ذكر الله: سبحانك ولا تُقال إلا لك، لماذا؟ لأنها تعني التنزيه المطلق، وهو لا يكون إلا لله. وكلمة (سبحان) مصدر يعني: لله سبحان أي تنزيه قبل أن يوجد مَنْ ينزهه، فهو مُنزَّه في ذاته قبل أنْ يوجد مَنْ يقول سبحان الله، كما أنه تعالى خالق قبل أنْ يخلق، ورازق قبل أنْ يرزق أحداً، فالصفة موجودة فيه سبحانه قبل أنْ يُوجد لها متعلق، كما تقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة رائعة، أم هو شاعر قبل أنْ يقولها؟ نعم هو شاعر قبل أن يقول القصيدة، ولولا موهبة الشعر عنده ما قالها. إذن: فصفات الكمال كلها موجودة لله تعالى قبل أنْ يوجد لها متعلق؛ لأن هذه الصفات هي التي أوجدتْ متعلقها. وكما ذكر القرآن كلمة المصدر (سبحان) ذكر المشتق منها من الماضي، فقال سبحانه: {أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحشر: 1]. وذكر المضارع في قوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجمعة: 1]. إذن: الحق سبحانه مُسبَّح قبل أنْ يخلق الخَلْق، ثم لما خلق الخَلْق سبحتْ له كلُّ المخلوقات، وما زالت تُسبِّح وستظل تُسبِّح، فما دام الكون كله مُسبِّحاً فلا تخرج أنت عن هذه المنظومة، وسبِّح معها: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]. والتنزيه المطلق للحق سبحانه له مقامات ثلاثة: الأول: أنْ تُنزِّه ذاته سبحانه عن كل الذوات. الثاني: أنْ تُنزه صفاته سبحانه عن كل الصفات، فأنت تُوصف بالغِنى، لكن غناك ليس كغِنَى الحق سبحانه، أنت موجود والله موجود، فهل وجودك كوجوده سبحانه؟ .. الخ. ثم الثالث: أنْ تنزه فعله سبحانه أنْ يشبه الأفعال، فإذا قيل: الله فعل كذا. إياك أن تقيس فعْله تعالى بفعلك؛ لذلك قلنا في {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ..} تفسير : [الإسراء: 1] قِسْها على قوة الفاعل سبحانه، لا على قوتك أنت. الحق سبحانه حينما يأتي بشيء يعلمه المخاطبون الأولون لا يغلق خزائن فضله، إنما يترك لنا رصيداً احتياطياً لكل ما يجد بعد ذلك نتيجة التطور والتزاوج في قوله سبحانه: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36]، فقوله تعالى: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36]. فهو غير معلوم للمخاطبين أولاً، لكن سيُعلم فيما بعد، وأبرز آيات القرآن التي أشارت إلى هذه المسألة قوله سبحانه: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. فجاء قوله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8] رصيداً احتياطياً لما استجدَّ بعد ذلك من وسائل النقل والمواصلات، كالسيارات والطائرات والصواريخ .. الخ. فإنْ قلتَ: فلماذا جاءت هذه الأشياء المتسجدَّة على سبيل الإجمال؟ نقول: لأن العقل لم يكُن مستعداً لأنْ يقبلها ساعة الخطاب، وهو لم يَرَ شيئاً من هذا، لكن حين يوجد الشيء يراه صراحة، فقال سبحانه على سبيل الإجمال {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8] لأن كل يوم سيأتي لنا بجديد وبعجائب لم نَرَها من قبل، وآخر ما شاهدناهُ من ذلك الصواريخ، ومَنْ يدريك لعلنا نرى عن قريب ما هو أعجب منها، وعندها سنُدخِل كل هذه الأشياء تحت {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. كذلك هنا في قوله تعالى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] فنحن نعلم الأزواج في {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} [يس: 36] وشاهدناها مثلاً في تلقيح النخيل وغيره من المزروعات، ونعرف منها الذكر والأنثى في النخيل وفي الجميز مثلاً، لكن هناك مزروعات أخرى لا نعرف فيها الذكر من الأنثى، وهذه الأنواع تُلقِّحها الرياح بقدرة الله كما قال سبحانه: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر: 22]. وفي بعض المزروعات جعل الخالق سبحانه الذكورة والأنوثة في العود الواحد، وغالب الظن أنها في المزروعات الضرورية للأقوات كالذرة والقمح، فليس فيهما عود ذكر وأخر أنثى، إنما في العود الواحد كعود الذرة مثلاً نجد في أعلى العود سنبلة تحمل حبَّات لقاح الذكورة وتحتها كوز الذرة الذي تخرج منه شعيرات تمثل الأنوثة وتتلقى حبات اللقاح التي تبعثرها الرياح من أعلى. لذلك إذا لم تخرج هذه الشعيرات وتبرز من الكوز (يدكَّر) كما يقول الفلاحون يعني: لا يُخرج كوزاً، ولا تتكوَّن بداخله حبَّات الذرة، لماذا؟ لأنه لم يتلقَّ حبات الذكورة. لذلك من العجائب أنك تجد حبات الذرة في أسفل الكوز أكبر مما يليها إلى أعلى وبالتدريج؛ لأن كل شعيرة من الشعيرات متصلة بحبة من حبات الكوز، وتمثل هذه الشعيرة القناةَ التي تنقل اللقاح إلى الحبة، لكن الشعيرات التي تنزل إلى أسفل الكوز تخرج منه قصيرةً متفرقة، مما يتيح لها أن تتلقى أكبر كمية من اللقاح على خلاف الشعيرات الأعلى، فإنها تكون طويلة متراكمة بعضها على بعض؛ لذلك لا تأخذ كفايتها من اللقاح، فتكون حبَّاتها أقلَّ حجماً، إلى أنْ تضمر في أعلى الكوز وتتلاشى. ونحن جميعاً نشاهد صِدْق قوله تعالى {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر: 22] حين ننظر مثلاً إلى الجبال وهي جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر اخضرَّتْ، فمَنْ بذر فيها هذه البذور؟ والحق سبحانه وتعالى في قوله {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] إنما يُطمئننا على امتداد النعمة وامتداد المنعَم عليه، فبالتزاوج يبقى النوع ويتكاثر، والزوجية موجودة في كل شيء، وكلمة زوج لا تعني اثنين كما يظن البعض، إنما الزوج يعني: الشيء الواحد لكن معه مثله، فنحن لا نقول للحذاء مثلاً زوج يعني اليمين والشمال، إنما نقول زوجين، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يقال له: توأم وهما توأمان. والزوجية موجودة في كل شيء في الوجود، كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } تفسير : [الذاريات: 49]. وإذا نظرتَ إلى هذا الوجود كله بعين العلم الفاحصة المجرِّبة المدقِّقة لوجدتَ كل شيء في الوجود زوجين لاستدامة الصنف، بعض هذه الأشياء ندري مسألة الزوجية فيها، وبعضها لا ندري به، وما دام الزوجان يجتمعان للتكاثر فلا بُدَّ من تلقيح أحدهما بالآخر، فما الذي يدلّنا على ميعاد هذا التكاثر؟ قالوا: الشيء الذي لا دَخْلَ للإنسان فيه فالله يعلم ميعاده، ويجعلها تتكاثر كُلٌّ بما يناسبه، لكن المشكلة عندك أنتَ أيها الإنسان، ولو كانت عندك مقاييس دقيقة في الذات لعلمتَ أن هناك تغيُّرات كيماوية في جسمك تحتاج منك إلى دِقَّة ملاحظة، هذه التغيرات هي التي تدلُّك على ميعاد التكاثر. والآن اخترعوا ساعة تضعها المرأة بعد الحيض، وتلاحظ منها درجة حرارتها، فإذا ارتفعت عن 37 فهذا يعني وجود تغيُّر كيماوي في الجسم، يدل على نزول البويضة؛ لذلك نرى كثيرين من الأزواج تتأخر عندهم عملية الإنجاب، لأن المرأة ليست لديها دِقَّة الملاحظة التي تعرف منها وقت التبويض الذي يُؤدي إلى الإنجاب. وذكر الحق سبحانه الزوجية في {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] ولم يذكر الحيوان، لماذا؟ لأنه سبحانه ذكر الأعلى، وهو الإنسان الحيوان الناطق، فالآخر مِثْله وتابعٌ له. ومعنى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] أن في الكون أشياء كثيرة لا نعلم وجه الزوجية فيها، وقد نعلمها مستقبلاً مع تَقدُّم العلوم التجريبية، كما حدث مثلاً في الكهرباء، وعرفنا أنها سالب وموجب، ولا نستفيد بالكهرباء إلا إذا التقى السالب بالموجب، أما إنِ التقى سالبٌ بسالب أو موجبٌ بموجب، فالنتيجة تكون عكسية، والسالب والمُوجب هنا نوع من أنواع الزوجية، كذلك الحال في الذرَّة وغيرها مما اكتشفه العلم الحديث. إذن: فكلمة {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] لها مدلولات وقعتْ، أخبر الله عنها قبل أنْ نكتشفها لنعلم أن الغيب الذي يخبرنا الله به يأتي كمقدمة لغيب آخر سنعرفه في المستقبل، وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا: كما صدَّق الواقع ما أخبرتُ به من الغيب، فصدِّقوا ما أخبرتُكم به من غيب الآخرة. بعد أن تكلَّم الحق سبحانه عن المكان وهو الأرض تكلَّم عن الزمان؛ لأن الإنسان يعيش بالأحداث، والحدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فبعد أن حدَّثنا الحق سبحانه عن الأرض وما عليها وهي المكان، يُحدِّثنا عن الزمان، فقال سبحانه: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ ...}.

الجيلاني

تفسير : {سُبْحَانَ} القادر المقتدر القيوم المطلق المنزه عن الشيبه والنظير، المبترئ عن الشريك والوزير، والمستقل في التصرف والتدبير {ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ} وقدر الأصناف المتوالدة المتزايدة {كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} من الشجر والنبات بأجناسهما وأنواعهما وأصنافهما {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} ذكورهم وإناثهم أنواعاً وأصنافاً وأشخاصاً، وكذا من جميع ما يعلمون من أجناس الحيوانات وأصنافها وأنواعها {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] من المخلوقات التي لا اطلاع لهم عليها؛ إذ ما من مخلوق إلا وقد خلق شفعاً؛ لأن الفردية والوترية والصمدية كوجود الوجود، والقيومية المطلقة من أخص أوصاف الربوبية والألوهية، لا شركة فيها للمصنوع أصلاً؛ إذ لا يتوهم التعدد والكثرة في الوجود الذي هو الواجب قطعاً. {وَ} أيضاً {آيَةٌ} عظيمة منا إياهم {لَّهُمُ} أن يتأملوا فيها ويستدلوا بها على كمال قدرتنا وأحكامنا وعلمنا وإرادتنا {ٱلَّيلُ} المظلم؛ أي: العدم الأصلي، حين {نَسْلَخُ} ننزع ونظهر {مِنْهُ} أي: من الليل المظلم {ٱلنَّهَارَ} المضيء؛ أي: نور الوجود الفائض منا إياهم حسب امتداد أظلال أسمائنا وصفاتنا عليهم {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} [يس: 37] مستقرون في ظلمة العدم لولا إفاضة الوجود عليهم. {وَ} أيضاً من جملة آياتنا العظام: {ٱلشَّمْسُ} المضيئة، المشرقة على صفائح الكائنات كإشراق نور الوجود المطلق، الفائض على هياكل الموجودات حسب التجليات الإلهية {تَجْرِي} وتسري بلا قرار وثبات بمقتضى أمرنا وحكمنا {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} بقدرناه إياها منتهى ومنزلاً بمقتضى حكمتنا المتقنة المرتبتة على تجلياتنا الحِبِّية، المنتشئة من ذاتنا المتصفة بالأوصاف اللطيفة الجمالية {ذَلِكَ} الجري والسراية على هذا النظام الأبلغ الأبدع {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} القادر الغالب المتقدر على عموم المقادير {ٱلْعَلِيمِ} [يس: 39] باستعداداتها وقابلياتها. {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ} أي: عينَّا حسب قدرتنا الغالبة وحكمتنا البالغة لمرآة القمر الخالية عن النور الذاتي، القابلة لأن يكتسبه من قرص الشمس حسب المقابلة والمحاذاة بينهما، كذلك جعلنا له {مَنَازِلَ} متفاوتة في الوضع، فعند تمام المقابلة والمحاذاة يبدو بدراً كاملاً بلا نقصان في قرصه أصلاً، ثم ينقص شيئاً فشيئاً، يوماً فيوماً {حَتَّىٰ عَادَ} القمر في أخر المنازل الثمانية والعشرين التي وضت له في علم التنجيم والتقويم لاستفادته النور من الشمس {كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} [يس: 39] أي: كعذق النخل العتيق الذي عليه الشماريخ المعوجة المصفرة من طول المدى. وكذا عيَّنا بمقتضى قدرتنا وحكمتنا لسير كل واحد منهما حسب الفصول الأربعة مقداراً من الزمان، بحيث لا يتخلف سيرهم عنه؛ لينتظم أمر المعاش؛ لذلك {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ} أي: لا يصلح ويتيسر لها {أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} أي: تسرع في سيرها إلى أن تدرك القمر، بل هي بطيئة السير، تقطع البروج الاثنى عشر في سنة والقمر سريع السير يقطعها في كل شهر {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي: لا يسع ويتيسر له أن يسبق ويدخل في الهار، بل لكل منهما مدة مخصوصة مقدرة من عند الحكيم الع ليم، لا يسع لهما التجاوز عنها {وَ} لذلك {كُلٌّ} أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارات {فِي فَلَكٍ} مخصوص معين من الأفلاك السبعة المتسعة {يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ويسيرون فيه ويدورون فيه على الانبساط والاستقلال، بلا توهم السبق والإدراك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [يس: 36] من الآباء العلوية والأمهات السفلية بازدواج الكاف والنون {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} [يس: 36] أرض البشرية {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} [يس: 36] بازدواج الروح والقالب، {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] من تأثير نظر العناية في قلوب عباده المخلصين لهم منا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ} [يس: 37] ليل البشرية {نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} [يس: 37] الروحانية {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} [يس: 37] بظلمة الخلقية فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليه من نوره، {وَٱلشَّمْسُ} [يس: 38] أي: شمس نور الله {تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} [يس: 38] وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله ذلك المستقر {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} [يس: 38] الذي لا يهتدي إليه أحد إلا به {ٱلْعَلِيمِ} [يس: 38] الذي يعلم حيث يجعل رسالته. وقوله: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39] يشير إلى صفة قمر القلب فإن القلب كالقمر في استفادة النور من الشمس بالروح أولاً ثم من شمس شهود الحق تعالى وله ثمانية وعشرون منزلاً على حسب حروف القرآن، كما أن للقمر ثمانية وعشرون منزلاً فالقلب ينزل كل حين منها بمنزل وهذه أسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والغيرة والفتوة والقربة والكثرة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين، فإذا صار إلى آخر منازله فقد تخلق بخلق القرآن واعتصم بحبل الله وله أوان أن يعتصم بالله، ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في قطع منازل العبودية: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر: 99]. ويقال للمؤمنين في الجنة: "اقرأ وارتق" يعني: اقرأ القرآن وارتق مقامات القرب وبقوله: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} [يس: 39] يشير إلى سير قمر القلب في منازله فإذا ألف الحق تعالى في أول منزل ثم بر بالإيمان والعمل الصالح، ثم تاب وتوجه إلى الحضرة، ثم ثبت على ذلك التوجه جعل له الجمعية مع الله فيستنير قلبه بنور ربه حتى يصير بدراً كاملاً، ثم يتناقص بدنوه من شمس شهود الحق تعالى قليلاً قليلاً كلما ازداد بدنوه من الشمس ازداد في نفسه نقصاناً إلى أن يتلاشى ويخفى ولا يرى لها أثراً وهذا مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : الفقر فخري" تفسير : لأنه صلى الله علليه وسلم كلما ازداد دنوه إلى الحضرة ليلة المعراج ازداد في فقره من الوجود. كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى&#1648}تفسير : [النجم: 8، 9] ذكر هاهنا فقرة إلى الوجود فوجده الله عائلاً عن وجوده فأغناه بجوده وبقوله: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} [يس: 40] يشير إلى أن القمر عند تلاشي وجوده وفقره عن الوجود وإن كانت الشمس تغنيه بجودها وتنور القمر شمساً والشمس قمراً فكذلك قمر القلب متوجه إلى شمس الحق تعالى يتنور بنورها. لا تدرك القمر ليصير القمر، {وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} [يس: 40]؛ ليكون نهاراً؛ يعني: لا يصير القمر شمساً ولا الشمس قمراً، فكذلك القلب بتوجهه إلى شهود الحق تعالى بتنورها، كما قال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69]، ولكنه لا يصير الرب تعالى عبداً ولا العبد ربَّا. {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، فالرب تعالى يسبح في فلك الربوبية، والعبد في فلك العبودية، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، من أصحاب الحلول وأرباب الفضول.