٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
133
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا هو القصة الخامسة، وإنه تعالى إنما ذكر هذه القصة ليعتبر بها مشركو العرب، فإن الذين كفروا من قومه هلكوا والذين آمنوا نجوا، وقد تقدم شرح هذه القصة، وقد نبههم بقوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيْلِ } وذلك لأن القوم كانوا يسافرون إلى الشام والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في الليل وفي أول النهار، فلهذا السبب عين تعالى هذين الوقتين. ثم قال تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني أليس فيكم عقول تعتبرون بها، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ } تقدم قصة لوط. {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } أي بالعقوبة. {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } خاطب العرب: أي تمرون على منازلهم وآثارهم «مُصْبِحِينَ» وقت الصباح {وَبِٱلْلَّيْلِ} تمرون عليهم أيضاً. وتم الكلام. ثم قال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي تعتبرون وتتدبرون.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام: أنه بعثه إلى قومه، فكذبوه، فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته؛ فإنها هلكت مع من هلك من قومها؛ فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلاً ونهاراً، ولهذا قال تعالى: { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم، وتعلمون أن للكافرين أمثالها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }.
الماوردي
تفسير : {إلا عجوزاً في الغابرين} فيها أربعة أوجه: أحدها: الهالكين، قاله السّدي. الثاني: في الباقين من الهالكين، قاله ابن زيد. الثالث: في عذاب الله تعالى، قاله قتادة. الرابع: في الماضين في العذاب، حكاه مقاتل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تقدم الكلام على نظيره، وقوله: "مُّصْبِحِينَ" حال، وهو من أصْبَحَ التامة أي داخلين في الصَّبَاح، ومنه: شعر : 4222- إذَا سَمِعْتَ بِسُرَى القَيْـ ـنِ فَاعْلَمْ بأَنَّه مُصْبِح تفسير : أي مقيم في الصباح، وتقدم ذلك في سورة الروم، و"بِاللَّيْلِ" عطف على الجارِّ قَبْلَها، أي ملتبسين بالليل، والمعنى أن أولئك القوم كانوا يسافرون إلى الشام، والمسافر في أكثر الأمر إنما يَمْشِي في الليل أو في النهار فلهذا السبب عبر تعالى عن هذين الوقتين ثم قال: {وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ليس فِيكُمْ عقول تَعْتَبرُون بها قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} قرىء بضم النون وكسرها، قال الزمخشري، قال ابن الخطيب: وإنَّما صارت هذه القصة آخر القصص لأنه لم يصبر على أذى قومه، قال المفسرون: بَعَثَ الله تعالى يُونسَ عليه (الصلاة و) السلام إلى أرض نينَوى من أرض الموصل فدعاهم إلى الله - عز وجل - فكذبوه وتمادوا عليه على كفرهم فلما طال ذلك عليه خرج من بين اظهرهم وواعدهم حلول العذاب بعد ثلاث كما سياتي. قوله: "إِذْ أَبَقَ" (ظرف للمُرْسَلِين، أي هو من المرسلين، حتى في هذه الحالة و "أَبَقَ" هرب يقال: أَبَقَ العَبْدُ يأبق إِبَاقاً فهو آبِقٌ و) الجمع إباق كضِرَابٍ، وفيه لغة ثانية أَبِقَ بالكسر يَأْبَقُ بالفتح وتَأَبَّقَ الرجلُ تشبه به في الاستتار، وقول الشاعر: شعر : 4223-............. (وَ) أَحْكَمَتْ حَكَمَاتِ القِدِّ وَالأَبَقَا تفسير : قيل: هو القِتب. (قوله): "فَسَاهَمَ" أي فغالبهم في المساهمة وهي الاقْتراعُ، وأصله (أن) يخرج السهم على من غلب "فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ" أي المغلوبين، يقال أدْحَضَ الله حُجَّتَهُ فَدَحِضَتْ أي أزالها فزالت وأصل الكلمة من الدَّحْضِ وهو الزّلق يقال: دَحِضَتْ رِجْلُ البعير إذا زَلِقَتْ. فصل قال ابن عباس ووهب: كان يونُس وعد قومه العذاب فلما تأخر عنهم خرج كالمتشرِّد منهم فقصد البحر فركب السفينة فاحتبست السفينة فقال الملاحون: ههنا عبد أَبَق من سيده فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس فاقترعوا ثلاثاً فوقعت على يونس فقال يونس: أنا الآبق وزَجَّ نَفْسَهَ في الماء. قوله: {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} المليم الذي أتى بما يلام عليه. قال: شعر : 4224- وَكَمْ مِنْ مُليمٍ لَمْ يُصَبْ بمَلاَمَةٍ ومُشْبَعٍ بالذَّنْبِ لَيْسَ لَهُ ذنْبُ تفسير : يقال: ألاَمَ فلانٌ أي فعل ما يلام عليه، وقوله "وَهُو مُلِيمٌ" حال. وقرىء "مَلِيمٌ" بفتح الميم من لاَمَ يَلُومُ وهي شاذة جداً، إذا كان قياسها "مَلُومٌ"؛ لأنها من ذوات الواو كَمقُولٍ ومَصُوبٍ. قيل: ولكن أخذت من ليم على كذا مبنياً للمفعول ومثله في ذلك: شِيب الشيءُ فهو مَشِيبٌ ودُعِيَ فهو مَدْعِيٌّ. والقياس مَشُوبٌ وَمدعوٌّ لأنهما من يَشوب ويَدْعُو. فصل روى ابن عباس أن يونس - عليه (الصلاة و) السلام - كان يسكن مع قومه فِلَسْطِينَ فَغَزَاهُمْ ملكٌ وسَبَى منهم تسعة أسباط ونصف وبقي سبطان ونصف وكان قد أوحي إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوّكم (أ) وأصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبيٍّ من أنبيائهم أنْ اذْهَبْ إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل لهم يبعث إلى بني إسرائيل نبياً فاختار يُونُسَ - عليه (الصلاة و) السلام - لقوته وأمانته، قال يونس: الله أمرك بهذا؟ قال: لا ولكن أمرت أن أبْعَثَ قوياً أميناً وأنت كذلك فقال يونس: وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا تبعثه؟ فألح الملك عليه فغضب يونُس منه وخرج حتى أتى بَحْر الروم فوجد سفينةً مشحونةً فحملوه فيها، فلما أشرف على لُجَّة البحر أشرفوا على الغرق. فقال الملاحون إن فيكم عاصياً وإلاّ لم يحصل في السفينة ما نراه. وقال التجار قد جرّبنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرج عليه نغرقه فلأن يغرق واحد خيرٌ من غَرَقِ الكل فخرج من بينهم يونس فقال يا هؤلاء: أنا العاصي وتلفّف في كساء ورمى بنفسه فالتقمه الحُوتُ وأوحى الله إلى الحوت: لا تكسر منه عظماً ولا تقطَعْ له وصلاً ثم إن السمكة خرجت من نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى (بَحْرِ) البطائح، ثم دجلة فصعدت به ورمته في أرض نَصِيبِينَ بالعَرَاء، وهو كالفَرْخ المَنتُوفِ لا شَعْرٌ ولا لَحْمٌ فأنبت الله عليه شجرةً من يَقْطين فكان يتسظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد. ثم إنَّ الأَرَضَـ(ـةَ) أكلتها فحَزِنَ يونُس لِذَلِكَ حُزْناً فقال يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والرِّيح وأَمُصُّ من ثمرها وقد سقطت فقيل (له): يا يونس تحزن (على شجرة) أَنْبَتَت في ساعة واقْتُلِعَتْ في ساعة ولا تحزن على مائة ألفٍ أو يزيدون تركتهم فانطلقْ إليهم. قوله: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} من الذاكرين الله قبل ذلك وكان كَثير الذِّكْر، قال ابن عباس: من المصلين وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكن قَدَّمَ عَملاً صالحاً. وقال سعيد بن جبير هو قوله في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين". قوله: "فِي بَطْنِهِ" الظاهر أنه متعلق "بلَبِثَ". وقيل: حال أي مستقر. وكان بَطْنه قبراً له إلَى يَوْمِ القيامة، قال الحسن: لم يلبث إلا قليلاً ثم أُخْرِجَ من بطن الحوت. وقال بعضهم: التقمة بكرة ولَفظَهُ عشيا وقال مقاتل بن حَيَّانَ ثلاثة أيام، وعن عطاء: سبعة أيام، وعن الضحاك، عشرون يوماً. وقيل: شهر، وقيل: أربعين يوماً. قال ابن الخطيب: ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير. وروى أبو بردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قال: سَبَّحَ يُونُسُ في بطن الحوت فسَمِعَت الملائكةُ تسبيحه فقالوا ربنا إنا نسمع صوتاً بأرضٍ غريبة فقال ذاك عبدي يونس عَصَانِي فحَبَسْتُهُ في بطن الحُوتِ في البَحْر، قالوا: العبدُ الصالح الذي كان يصيعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه بالساحل. وروي أن يونس لما ابتلعه الحوت ابتلغ الحوتَ حوتٌ آخرُ أكبرُ منه فلما استقر في جَوْف الحُوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هي حَيٌّ فَخرَّ ساجداً وقال: يار رب اتخذت لك مسجداً لم يعبدك أحد في مثله. قوله: "فَنَبَذْنَاهُ" أضاف النبذ إلى نفسه مع أن ذلك النبذ إنما حصل بفعل الحوت وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. وقوله: "بِالعَرَآءِ" أي في العراء نحو: زَيْدٌ بِمَكَّةَ. والعراء: الأرض الواسعة التي لا نباتَ بها و مَعْلَم اشتقاقاً من العُري وهو عدم السُّترة وسميت الأرض الجرداء بذلك لعدم استتهارها بشيء. والعَرَى بالقصر الناحية ومنه اعْتَرَاهُ أي قصد عَرَاهُ. وأما الممدود فهو كما تقدم الأرضُ الفَيْحَاءُ قال: شعر : 4225- وَرَفَعْتُ رِجْلاً لاَ أَخَافْ عِثَارَهَا ونَبَذْتُ بالمَتْنِ العَرَاءِ ثِيَابِي تفسير : قوله: "وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ" أي له، وقيل: عنده {شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} اليقطين (يَـ)ـفْعِيلٌ من قَطَنَ بالمكان إذا أقام فيه لا يَبْرَحُ. قال المبرد والزجاج: اليقطينُ كل ما لم يكن له ساقٌ من عُود كالقِثَّاءِ والقَرْع والبَطِّيخِ والحَنْظَلِ وهو قوله الحسن و (قتادة)، ومقاتل. قال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين. وروى الفراء أنه ورق القرع عن ابن عباس. فقال: "ومَنْ جَعل ورق القرع من بين الشجر يقطيناً كل ورقة اتسعت وسترت فهي يقطين". واعلم أن في قوله: "شجرة" ما يرد قول بعضهم أن الشجرة في كلامهم ما كان لها ساق من عود بل الصحيحُ أنها أعم، ولذلك بُيِّنَتْ بقوله: "مِنْ يَقْطِينٍ"، وأما قوله: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ} تفسير : [الرحمن: 6] فلا دليل فيه لأنه استعمال اللفظ العام في أحد مدلولاته. وقيل: بل أنبت الله اليقطين الخاص على ساق معجزةً له، فجاء على أصله. قال الواحدي: الآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون: أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن فأنبته الله لأجله، والآخر: أن اليقطين مغروس ليحصل له ظل، ولو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به. وقال مقاتل بن حَيَّان: كان يونس يستظلّ بالشجرة وكانت وَعْلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بُكْرةً وعشيًّا حتى اشتد لحمه ونَبَتَ شَعْرُهُ. وقال ههنا: "فنبذناه بالعَرَاءِ" وقال في موضع آخر: {أية : لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} تفسير : [القلم: 49] ولكنه تداركه النعمة فنَبَذَهُ وهو غير مذموم. فصل قال شهاب الدين: ولو بنيت من الوعد مثل يقطين لقلت: يَوْعِيدٌ، لا يقال بحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة كيَعِدُ مضارع "وَعَدَ" لأن شرط تلك الياء أن تكون للمضارعة، وهذه مما يمتحن بها أهل التصريف بعضُهْم بعضاً. قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} يحتمل أن يكون المراد: "وَأرْسَلْنَاهُ قبل مُلْتَقَمِهِ"؛ وعلى هذا فالإرسال وإن ذكر بعد الالتقام فالمراد به التقديم. والواو معناها الجمع ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد الالتقام قال ابن عباس: كان إرسال يونسَ بعدما نبذة الحوت وعلى هذا التقدير يجوز أنه أرسل إلى قوم آخرينَ سوى القوم الأُوَل ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها. قوله: "أَوْ يَزِيدُونَ" في "أو" هذه سبعة أوجه تقدم تحقيقها أول البقرة عند قوله تعالى: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 19] فالشك بالنسبة إلى المخاطبين أي أن الرَّائِي يشك عند رؤيتهم، والإبهام بالنسبة إلى الله تعالى أبهم أمرهم والإباحة أي أن الناظر إليهم يباح له أن يحذرهم بهذا القدر أو بهذا القدر وكذا التخيير أي هو مخير بين أن يحذرهم كذا أو كذا، والإضراب ومعنى الواو واضحان. قوله: {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} قال قتادة أرسل إلى أهل نِينَوَى من أرض الموصل قبل الالتقام كما تقدم، وقيل: بعده، وقيل: إلى قوم آخرين. وتقدم الكلام على "أو". قال ابن عباس: إنها بمعنى الواو، وقال مقاتل والكلبي: بمعنى بل، وقال الزجاج: على الأصل بالنسبة للمخاطبين. واختلفوا في مبلغ الزيادة، قال ابن عباس ومقاتل: كانوا عِشْرين ألفاً. ورواه أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الحسن: بضعاً وثلاثينَ ألفاً، وقال سعيد بن جبير: تسعين ألفاً فآمنوا يعني الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينَة العذاب فآمنوا فمتعناهم إلى حين انقضاء آجالهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه {إلا عجوزاً في الغابرين} يقول: إلا امرأته تخلفت، فمسخت حجراً، وكانت تسمى هيشفع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {إلا عجوزاً في الغابرين} قال: الهالكين {وإنكم لتمرون عليهم} قال: في أسفاركم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} قال: نعم. صباحاً ومساء، من أخذ من المدينة إلى الشام أخذ على سدوم قرية قوم لوط. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} قال {تمرون عليهم مصبحين} قال: على قرية قوم لوط {أفلا تعقلون} قال: أفلا تتفكرون أن يصيبكم ما أصابهم.
القشيري
تفسير : مضت قصتهُ وكيف نجَّى أَهلَه إلا امرأته التي شارَكَتْهم في عصيانهم، فحقَّ العذاب عليها مثلما عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان لوطا} هو لوط بن هاران اخى ابراهيم الخليل عليه السلام {لمن المرسلين} الى قومه وهم اهل سدوم بالدال المهملة فكذبوه وارادوا اهلاكه فقال رب نجنى واهلى مما يعملون فنجاه الله واهله فذلك قوله تعالى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِنَّ لوطاً لمنَ المرسلين إِذ نجيناه} أي: واذكر إذ نجيناه {وأهلَه أجمعين إِلا عجوزاً في الغابرين} في الباقين؛ لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحقّ عليهم العذاب مثل ما حقّ عليهم، {ثم دمرنا}: أهلكنا {الآخَرِين وإِنكم لتَمُرُّونَ عليهم مُصبحينَ} داخلين في الصباح، {وبالليلِ} أي: ومساء، أو: نهاراً وليلاً. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدو منه ذهاباً، ويروح إليه إياباً، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم الدارسة، وديارهم الخالية. {أفلا تعقِلون} أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص مَن قبلهما؛ لأن الله تعالى قد سَلَّمَ على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أُولي العزم. الإشارة: ينبغي لمَن له عقل إذا مرَّ بآثار مَن سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهّب للسفر، ويتزوّد للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ...}
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أن لوطاً كان من جملة من أرسله الله نبياً إلى خلقه داعياً لهم إلى طاعة الله ومنبهاً لهم على وجه وحدانيته، وإن قومه كذبوه وجحدوا نبوته فأهلكهم الله ونجا لوطاً وأهله اجمعين، واستثنى من جملة اهله الناجين {عجوزاً} أهلكها الله، لكونها على مثل ما كان قومه عليه {في الغابرين} أي في الباقين الذين اهلكوا، فالغابر الباقي قليلا بعد ما مضى، ومنه الغبار، لانه يبقى بعد ذهاب التراب قليلا. والتغبير التلحين لانه يبقى الصوت فيه بالترديد قليلا، ومنه قول الشاعر: شعر : به غبر من دأبه وهو صالح تفسير : ثم انه لما نجى لوطاً وأهله وخلصهم، دمر الآخرين من قومه. والتدمير الاهلاك على وجه التنكيل دمر عليهم إذا غير حالهم إلى حال التشويه، فالله تعالى اهلك قوم لوط بما أرسل عليهم من الحجارة، وبما فعل بهم من انقلاب قراهم. وقوله {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} توبيخ من الله للكفار الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله وتعنيف لهم على ترك اعتبارهم وإيقاظهم بمواضع هؤلاء الذين أهلكهم الله ودمر عليهم مع كثرة مرورهم عليها صباحاً ومساء وليلا ونهاراً. وفي كل وقت. ومن كثر مرورهم بمواضع العبرة فلم يعتبر كان الوم ممن قل ذلك منه. وقوله {أفلا تعقلون} معناه أفلا تتدبرون فتتفكرون في ما نزل بهؤلاء القوم من الكفر والضلال. وقيل: وجه القصص وتكريرها، كتشويق إلى مثل ما كانوا عليه من مكارم الاخلاق ومحاسن الأفعال وصرف الناس عن مساوي الاخلاق وقبائح الأفعال قال الشاعر: شعر : تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد ابوالا تفسير : ثم قال تعالى مخبراً عن يونس عليه السلام انه كان من جملة من أرسله الله إلى خلقه وجعله نبياً يدعو إلى توحيده وخلع الانداد دونه. وقوله {إذ أبق إلى الفلك المشحون} معناه حين هرب إلى السفن المملوءة، فالاباق الفرار، فالآبق الفار إلى حيث لا يهتدي اليه طالبه يقال: أبق العبد يأبق أباقاً فهو آبق إذا فرّ من مولاه. والآبق والهارب والفار واحد. قال الحسن: فر من قومه {إلى الفلك المشحون} أي المحمل الموقر. وقوله {فساهم} قال ابن عباس معناه قارع، وهو قول السدي {فكان من المدحضين} قال مجاهد: يعني من المسهومين، والمساهمة المقارعة، فلما ساهم يونس قومه وقع السهم عليه، فالقي في البحر، فالتقمه الحوت، فكان من المدحضين، قال الحسن كان من المقروعين. وقيل: معناه فكان من الملقين في البحر، والدحض الزلق لأنه يسقط عنه المار فيه. ومنه قوله {أية : حجتهم داحضة} تفسير : أي ساقطة، ودحض يدحض دحضاً فهو داحض، وأدحضته ادحاضاً، وقيل: كان يونس عليه السلام قد توعدهم بالعذاب ان أقاموا على ما هم عليه، فلما رأوا مخايل العذاب واماراته دعوا الله أن يكشف عنهم وتابوا اليه، فكشفه. وكان يونس قد خرج قبل ان يأمره الله - عز وجل - بالخروج من بين قومه استظهاراً، فلما كشف الله عنهم لام نفسه على الخروج ومضى على وجهه إلى ان ركب البحر. وقيل: إنما تساهموا لأنهم أشرفوا على الغرق فرأوا ان طرح واحد أيسر من غرق الجميع. وقيل: لا بل لما رأوا الحوت قد تعرضت لهم، قالوا فينا مذنب مطلوب فتقارعوا فلما خرج على يونس رموا به في البحر فالتقمه الحوت. ومعناه ابتلعه يقال التقمه التقاماً ولقم يلقم لقماً وتلقم تلقماً. وقوله {وهو مليم} معناه أتى بما يلام عليه، وإن وقع مكفراً عند من قال بتجويز الصغائر على الانبياء، وعندنا قد يلام على ترك الندب، يقال ألام الرجل إلامة فهو مليم، وقال مجاهد وابن زيد: المليم المذنب قال لبيد: شعر : سفها عذلت ولمت غير مليم وهداك قبل اليوم غير حكيم تفسير : ثم قال {فلولا أنه كان من المسبحين} قال قتادة: كان من المصلين في حال الرخاء فنجاه الله من البلاء. وقال سعيد بن جبير: كان يقول لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين، والتسبيح التنزيه عما لا يليق ولا يجوز في صفته، ويقال: سبح الله يسبح تسبيحاً إذا قال: سبحان الله معظماً له بما هو عليه من صفات التعظيم نافياً عنه ما لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات المخلوقين والمحتاجين. وقوله {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} إخبار منه تعالى انه لولا تسبيح يونس لتركه اليه أي كان يبقى في بطنه إلى يوم القيامة الذي يحشر الله فيه الخلائق، وقوله {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} إخبار منه تعالى انه لما اراد تخليصه طرحه بالعراء وهو الفضاء الذي لا يواريه شجر ولا غيره. قال الشاعر: شعر : فرفعت رجلا لا اخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي تفسير : وقال السدي: لبث في بطن الحوت اربعين يوماً {وهو سقيم} أي هو مريض حين القاه الحوت. ثم اخبر تعالى انه انبت عليه شجرة من يقطين تكنه من حر الشمس. اليقطين كل شجرة ليس لها ساق يبقى من الشتاء إلى الصيف، فهي يقطين وقال ابن عباس وقتادة: هو القرع. وقال مجاهد وسعيد بن جبير كل شجر لا يقوم على ساق كالبطيخ والدبا والقرع فهو يقطين. وهو تفعيل من قطن بالمكان إذا اقام إقامة زائل لا إقامة راسخ كالنخل والزيتون ونحوه والقطاني من الحبوب التي تقيم في البيت، قال أمية بن ابي الصلت. شعر : فانبت يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله القى ضاحيا تفسير : وروي عن ابن عباس ان اليقطين كل شجرة لها ورق عريض. وقوله {وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون} قيل: أرسل الله يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل - في قول قتادة - وقال ابن عباس: كانت رسالته بعد ما نبذه الحوت، فيجوز على هذا انه أرسل إلى قوم بعد قوم ويجوز أن يكون ارسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها. وقيل: إن قوم يونس لما رأوا إمارات العذاب ولم يكونوا قد بلغوا حد الاجبار واليأس من البقاء آمنوا، وقبل الله إيمانهم، لأنهم لو كانوا حصلوا في العذاب لكانوا ملجئين ولما صح إيمانهم على وجه يستحق به الثواب. وقوله {أو يزيدون} قيل في معنى {أو} ثلاثة اقوال: احدها - ان تكون بمعنى الواو، وتقديره إلى مئة الف وزيادة عليهم. الثاني - ان تكون بمعنى (بل) على ما قال ابن عباس. الثالث - ان تكون بمعنى الابهام على المخاطبين، كأنه قال أرسلناه إلى احدى العدتين. ثم حكى تعالى عنهم أنهم آمنوا بالله وأقروا له بالوحدانية وراجعوا التوبة، وكشف الله عنهم العذاب ومتعهم إلى وقت فناء آجالهم، فالتمتيع والامتاع هو التعريض للمنافع الحاصلة كالامتاع بالبساتين والرياض وشهي الطعام والشراب.
اطفيش
تفسير : {وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا} امرأته. {في الغابرين} الماضين في الهلاك.
اطفيش
تفسير : {وإنَّ لُوطاً لمِن المُرْسَلين* إذ نجيناهُ وأهْله أجْمعين} قرابته المؤمنين وسائر من آمن به، والاستثناء متصل فى قوله: {إلا عَجُوزا} هى زوجه، وكانت كبيرة السن التفتت وراءها وقالت واقوماه، فأصابها حجر وكانت كافرة تنافق باظهار الايمان {في الغابرين} نعت لعجوزا أى ثابتة فى جملة الباقين فى العذاب لم تنج، كما أنجى لوط ومن معه.
الالوسي
تفسير : سبق بيانه في الشعراء.
ابن عاشور
تفسير : هذا ثاني الأنبياء الذين جمعهم التنظير في هذه الآية، ولوط كان رسولاً للقُرى التي كان ساكناً في إحداها فهو رسول لا شريعةَ له سوى أنه جاء ينهى الأقوام الذين كان نازلاً بينهم عن الفاحشة وتلك لم يسبق النهي عنها في شريعة إبراهيم. و {إذ} ظرف متعلق بــــ {المُرسلين}. والمعنى: أنه في حين إنجاء الله إياه وإهلاك الله قومَه كان قائماً بالرسالة عن الله تعالى ناطقاً بما أمره الله، وإنما خصّ حين إنجائه بجعله ظرفاً للكون من المرسلين لأن ذلك الوقت ظرف للأحوال الدالة على رسالته إذ هي مماثلة لأحوال الرسل من قبل ومن بعد. وتقدمت قصة لوط في سورة الأنعام وفي سورة الأعراف. والعجوز: امرأة لوط، وتقدم خبرها وتقدم نظيرها في سورة الشعراء.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 133- وإن لوطاً لمن المرسلين الذين أرسلناهم لتبليغ رسالتنا إلى الناس. 134- لقد نجيناه وأهله جميعاً، مما حل بقومه من العذاب. 135- إلا امرأته العجوز، فقد هلكت مع الهالكين. 136- ثم أهلكنا من سِوى لوط ومن آمن به. 137، 138- وإنكم يا أهل مكة لتمرون على ديار قوم لوط فى سفركم إلى الشام صباحاً ومساء، أفقدتم عقولكم فلا تعقلون ما حل بهم جزاء تكذيبهم؟. 139- وإن يونس لمن الذين أرسلناهم لتبليغ رسالتنا إلى الناس. 140، 141- إذ هجر قومه من غير أمر ربه، وذهب إلى سفينة مملوءة فركب فيها، فتعرضت السفينة للغرق فاقترعوا لإخراج أحد ركابها عن حمولتها، فخرجت القرعة على يونس، فكان من المغلوبين بالقرعة، فأُلْقِىَ فى البحر على حسب عُرْفهم فى ذلك الحين. 142- فابتلعه حوت وهو مستحق للملامة، جزاء هروبه من الدعوة إلى الحق وعدم الصبر على المخالفين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإن لوطاً لمن المرسلين: أي وإن لوطا وهو ابن هاران أخي إبراهيم الخليل لمن جملة الرسل أيضا. إذ نجيناه وأهله أجمعين: أي اذكر يا رسولنا ممن أنعمنا عليهم بالنبوة والرسالة لوطا إذ نجيناه وأهله أجمعين من عذاب مطر السوء. إلا عجوزا في الغابرين: أي إلا امرأته الكافرة هلكت في الغابرين أي الباقين في العذاب. ثم دمرنا الآخرين: أي أهلكنا الآخرين ممن عدا لوطاً والمؤمنين معه. وإنكم لتمرون عليهم: أي في أسفاركم إلى فلسطين وغزة ومصر بالليل والنهار. أفلا تعقلون: أي يا أهل مكة ما حل بهم فتعتبرون وتتعظون فتؤمنوا وتوحدوا. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إنعام الله على من اصطفى من عباده فقال تعالى {وَإِنَّ لُوطاً} وهو ابن هاران أخي إبراهيم عليهما السلام {لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي لمن جُملة رسلنا {إِذْ نَجَّيْنَاهُ} أي اذكر إنعامنا عليه إذ نجيناه من العذاب وأهله أجمعين {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} وهي امرأته إذ كانت مع الكافرين فبقيت معهم فهلكت بهلاكهم. وقوله تعالى {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} أي ممن عدا لوطاً ومن آمن به من قومه. وقوله {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيلِ} هذا خطاب لأهل مكة المشركين إذ كانوا يسافرون للتجارة إلى الشام وفلسطين ويمرون بالبحر الميت وهو مكان الهالكين من قوم لوط أصبح بعد الخسف بحراً ميتاً لا حياة فيه البتة. وقوله {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} توبيخ لهم وتقريع على عدم التفكر والتدبر إذ لو فكروا لعلموا أن الله تعالى أهلكهم لتكذيبهم برسولهم وكفرهم بما جاءهم به من الهدى والدين الحق، وقد كذب هؤلاء فأي مانع يمنع من وقوع عذاب بهم كما وقع بقوم لوط من قبلهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة لوط ورسالته. 2- بيان العبرة في إنجاء لوط والمؤمنين معه وإهلاك الكافرين المكذبين به. 3- بيان أن لا شفاعة تنفع ولو كان الشافع أقرب قريب إلا بعد أن يأذن الله للشافع وبعد رضائه عن المشفوع له. 4- وجوب التفكر والتعقل في الأحداث الكونية للاهتداء بذلك إلى معرفة سنن الله تعالى في الكون والحياة.
القطان
تفسير : في الغابرين: الباقين مع الكافرين. مصبحين: في وقت الصباح. إذ أبقَ: هرب من سيده. المشحون: المملوء. فساهَمَ: ضرب اهل السفينة القرعة. المدحَضين: المغلوبين. مُليم: فَعَلَ ما يستحق عليه اللوم. العَراء: المكان الخالي. يقطين: اليقطين: كل ما لا ساق له من النبات، وغلب على القرع. وقد نجينا لوطاً وأهله إلا امرأته العجوز التي بقيت مع الهالكين، ثم دمّرنا قومه. وإنكم يا مشركي قريش لتمرون على أطلال بيوتهم بسَدوم في البحر الميت في طريقكم إلى الشام. وقد تقدم ذكرُ لوط في سور الاعراف وهود والعنكبوت. {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} إذ يئس من هداية قومه فهرب منهم قبل ان يأذن له الله، وركب في سفينة مملوءة بالمسافرين والامتعة، فوقفت السفينة ولم تتحرك، فقال ركابها: ان هنا رجلاً هارباً من سيده. فعملوا قرعة بينهم، فخرجت القرعة على يونس، ورمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت. {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} لولا ذلك لبقي في بطن الحوت الى يوم القيامة. فَلَفَظَه بأرض خالية من النبات، وهو سقيم من شدة ما لقي في بطن الحوت. {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ}. وبعد ان شفي أرسلناه الى اهل نينوى، وهم اكثر من مائة الف، فآمنوا به فمتعناهم الى وقت معلوم.
د. أسعد حومد
تفسير : (133) - وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ لُوطاً إِلَى أَهْلِ سَدُومَ وَكَانُوا قَدْ أَتْوْا مِنَ المُنْكَرَاتِ مَا لَمْ يَسْبِقَهُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ فَنَصَحَهُمْ، وَطَالَبَهُمْ بِالكَفِّ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفَسَادِ، وَالكُفْرِ، والبَغْيِ، فَلَمْ يَنْتَصِحُوا فأَهْلَكَهُم اللهُ جَمِيعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة قومه أشقَّ مهمة؛ لذلك ذُكِر في القرآن سبع عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذُكِر عشرِ مرات بالنصب، ووَجْه المشقة في مهمته عليه السلام أنه جاء ليُعدِّلَ أعنفَ الغرائز في النفس البشرية، وهي الغريزة الجنسية. لَيْتَ هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحدٌ غيرهم، كما قال تعالى على لسان سيدنا لوط: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 80]. قلنا سابقاً: إن كل إنسان مِنَّا له في ذاته الخاصة حرية، فإذا انتقلتْ إلى غيره جاءتْ قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموماً في الشارع، ولكلٍّ حدود والتزامات، فالإنسان مثلاً حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون حريته أوسعَ، حيث لا أحدَ معه يحدُّ من حريته. فإذا خرج من حجرته الخاصة إلى الصالة مثلاً تصبح حريته مُقيَّدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قُيِّدتْ حريته أكثر؛ لأن لكل مَنْ يتعامل معهم في الشارع حرية، وحريةُ الآخرين تُقيِّد حريتك، فإذا ما ذهبتَ إلى النادي مثلاً حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل وأدبك الجمّ .. إلخ. لذلك ظهر تبجُّح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: {أية : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} تفسير : [العنكبوت: 29] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخُلْوة تفعلونه في النادي علانيةً، وهذه الفِعْلة ممنوعة شرعاً، حتى لو كانت في المحلَّلة لك وهي الزوجة؛ لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد. لذلك لما نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفَهم هذه الحرية من قوله تعالى: {أية : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} تفسير : [البقرة: 223] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض المعدَّة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث يأتي الولد، فإنْ كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان الإسلام يُحرِّم هذه الفِعْلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟ وكما حرَّم الشرع فِعْلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرَّم كذلك أنْ تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يُسمَّى بالسِّحاق والعياذ بالله، وهذا التحريم بالقياس على الرجل. إذن: فالشرع عدَّل الغرائز المنحرفة في علاقة الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض أنْ يأتي طاهراً شريفاً، ليكون أهلاً لهذه الخلافة. لذلك ذُكِر سيدنا لوط عليه السلام سبعاً وعشرين مرة لثِقَل المهمة التي كلَّف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب الرسالات، ورغم طبيعة خَلْقه العجيبة، إلا أنه ذُكِر خمساً وعشرين مرة. وأنا شخصياً أخذتُ على كثيرين من الكُتَّاب والعلماء أنهم ينسبون هذه الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن الفعلة النكراء لواط ومرتكبها (لوطي)، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليُعدِّل سلوكَ الناس فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مُقْتضى الكلام العربي في النسب، كما قال الناظم: شعر : وَالوَاحِد اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجمْع إنْ لم يُشَابِهْ وَاحِداً بِالوَضْعِ تفسير : يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة مَا يُسمَّى بالنحت، ويمكن أن ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيداً عن لوط - عليه السلام - فعيْبٌ أنْ نجعله عُنْواناً لهذه الفاحشة. وهذه الآيات التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ولنهايتها، حيث نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلكَ الكافرين، وبداية قصة لوط حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [العنكبوت: 26]. فهذه لقطة من القصة، وليس تكْرَاراً لها كما يدعي البعض، فالقَصَص في القرآن لا يأتي سَرْداً جملة واحدة، إنما يأتي لقطات مختلفة يذكرها في مناسبتها. وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فَهْم كتاب الله، فالأمر الأول بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أنْ يُجري لموسى هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 17] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أنْ يُؤنسه؛ لذلك أطال سيدنا موسى في الجواب، فقال: {أية : قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18] ثم أمره الله أنْ يُلقيها: {أية : قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 19-21]. إذن: أراد الحق سبحانه أنْ يدرِّب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه مع فرعون ورأى العصا حَيَّة على الحقيقة، كان لديه دُرْبة ولا يخاف. ثم كان الأمر بإلقاء العصَا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر. وإنْ شاء سبحانه أورد القصة كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام القصة؛ لأن القصة في القرآن ليستْ سَرْداً لتاريخ، ولا مجالاً للتسلية، إنما تُسَاق للعبرة والعظة، وتُسَاق لتسلية سيدنا رسول الله. فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللَّدد والخصومة والعناد والكفر كانت تقتضي أنْ يُثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلتْ عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يُسلِّي الله رسوله فيقول له: لأنك سيد الرُّسُل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، فلا بُدَّ أنْ تتضاعف لك المتاعبُ من قومك. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلاً ثورة يوليو 1952 وما زلنا نشهد الاحتفال بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها شيئاً جديداً، ونستخلص منها دروساً. إذن: نقول جاء القصصُ القرآني كل لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32]. يقول سبحانه: {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} [الصافات: 133-136] أي: بالقصف والرَّجْم. كلمة (وأهله) الأهل تُطلَق على عشيرة الرجل الأقربين، وتُطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجَّى لوطاً وأهله أجمعين، واستثنى منهم امرأته {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} [الصافات: 135]، وفي آية أخرى قال: {أية : إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ} تفسير : [العنكبوت: 33] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة لوط المعنيان معاً، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من الغابرين يعني الباقين أيضاً للعذاب حتى يأتي. ثم يُذكّرنا الحق سبحانه بأن القصة في القرآن لا تُسَاق للتسلية، إنما تُساق للعبرة والعظة، فيقول: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ} [الصافات: 137] أي: على آثارهم في سدوم {مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] في الصباح {وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 138] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقَّى من ديارهم. كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ومِثْلها تماماً قصة سيدنا يونس: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَإِنَّ لُوطاً} أيضاً {لَّمِنَ} جملة {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 133] الفائزين بمرتبة الحق اليقين. اذكر يا أكمل الرسل للمعتبرين المؤمنين وقت {إِذْ نَجَّيْنَاهُ} أي: لوطاً {وَأَهْلَهُ} أي: أولاده وأهل بيته {أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً} [الصافات: 134-135] وهي: امرأته بقيت {فِي ٱلْغَابِرِينَ} [الصافات: 135] الهالكين بالعذاب المنزل عليهم بشؤم فعلتهم الشنيعة، المتناهية في القباحة والشناعة. {ثُمَّ} بعدما نجيناه وأهله {دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} [الصافات: 136] من قومه وأهلكناهم أجمعين. {وَإِنَّكُمْ} يا أهل مكة {لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ} أي: على أطلاعهم ومنازلهم المنقلبة بشؤم فعلتهم وقت ترحالكم إلى الشام، وهي على متن الدرب {مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] إن كنتم سائرين في أسفاركم في الليالي، {وَبِٱلَّيلِ} إن كنتم سائرين في أيامكم، يعني: إن سرتم ليلاً تصبحون عندها، وإن سرتم نهاراً تمسون دونها. وبالجملة: هي على طريقكم أيها المجبولون على العبرة والعظة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 138] وتتفكرون فيما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم وإنكارهم على رسل الله؛ ليعتبروا منهم ومن أطلالهم ورسومهم المندرسة المنكوسة، ولا تفعلوا مثل أفعالهم. {وَإِنَّ يُونُسَ} ابن متَّى أيضاً {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] من عندنا، المتحملين لأعباء رسالتنا. اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ أَبَقَ} وهرب من نزول العذاب الموعود على قومه حين دعاهم إلى الإيمان والتوبة، فلم يجيبوا له ولم يقبلوا منه دعوته، فدعا عليهم، وبعدما قرب حلول العذاب عليهم. خرج من بينهم هارباً، حتى لا يحلقه ما يحلقهم، فلما وصل البحر ركب {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} [الصافات: 140] المملوء من الناس والأحمال والأثقال، فاحتسبت السفينة على أهلها فاضطربوا، فقال البحارون: إن في السفينة عبداً آبقاً، فبادروا إلى القرعة ما على ما هو عادتهم في أمثاله، وبعد خروج القرعة باسم واحد من أهلها، طرحوه في الماء فأخذت في الجري والذهاب. {فَسَاهَمَ} أي: قارع حينئذ أهلها، فخرجت القرعة باسم يونس {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] المغلوبين المغرقين بمقتضى القرعة. وبعدما خرجت القرعة باسمه، تفطن أنه من الاختبارات الإلهية، فقال: أنا العبد الآبق، فرمى نفسه في الماء خوفاً من غضب الله وكمال غيرته وحميته، وتوطيناً على مقتضى قضاء الله، مفوضاً أمره إليه سبحانه. وبعدما وصل إلى جوف الماء {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ} بإلهام الله إياه على الفور، وابتلعه {وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] نفسه، نادم على فعله الذي فعله بلا نزول وحي من ربه؛ لذلك أخذ حنيئذ سبح له سبحانه عام لا يليق بشأنه. وبالجملة: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] المنكشفين بوحدة الحق، وتنزهه عن سمات الكثرة مطلقاً. {لَلَبِثَ} واستقر {فِي بَطْنِهِ} أي: بطن الحوت {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 144] وصار له بطنه كالقبر لسائر الأموات، وبالجملة: لا ينجو منه أبداً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن نجاة لوط ودرجاته بقوله: {وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 133]، يشير إلى لوط الروح أنه مهبط أنوار الحق ومحط أسراره؛ {إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الصافات: 134]، من القلب والسر وصفاتهما {أَجْمَعِينَ} [الصافات: 134] من سطوات قهرنا، {إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ} [الصافات: 135]، وهي عجوز النفس الأمَّارة؛ فإنها بمثابة الزوجة للوط الروح، {ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ} [الصافات: 136] من النفس وصفاتها، {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ} [الصافات: 137] أيتها الصفات الإنسانية عليهم مصبحين في صباح يوم الدين، يشاهدون آثار سطوات قهرنا باستيلاء صفات النفس وغلبات دواعي الشهوات، {وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 138] فتعتبرون وتؤمنون بوحدانية الحق تعالى، وترجعون إلى أبواب فضله وكرمه ورحمته. {وَإِنَّ يُونُسَ} أي: يؤنس القلب {لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139]، وهو أيضاً مهبط أنوار الحق تعالى؛ {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} [الصافات: 140]؛ أي: فلك الهوى المشحون من شهوات النفس، {فَسَاهَمَ} مع أهل الهوى؛ {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141]؛ أي: من المغلوبين المفتونين بشهوات النفس فألقى في بحر الدنيا، {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ} [الصافات: 142] حوت النفس، {وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] بالتفاته إلى بحر الدنيا وركوبه فلك الهوى إذ أبق من عبودية المولى، {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] المطيعين الذاكرين لله، الراجعين إليه بالتوبة والاستغفار {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ} [الصافات: 144]؛ يعني: القلب في بطن حوت النفس {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 144] والإشارة فيه أن خلاص يونس القلب إذا التقمه حوت النفس لا يكون إلا بملازمة ذكر الله، {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145]، يشير بهذا إلى أن القلب إن تخلص من بحر النفس وبحر الدنيا يكون مستقيماً؛ بانحراف مزاجه القلبي بمجاورة صحبة النفس وإسراف طبعها، بقوله: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 146]، يشير إلى إنبات شجرة العناية عليه؛ ليستظل بظلها إلى أن يزول عنه ضعف البشرية، ويتقي بالسلامة القلبية، ويستعد لتواتر الإلهامات الربانية، ويستحق بالخلافة للسلطنة الروحانية، فينصب لرعاية الرعية. فذلك قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] به يشير إلى أن كل قلب تخلص من سجن النفس يصير سلطاناً على ولاية الإنسانية، يحكم على مائة ألف صف من صفات البشرية أو يزيدون، {فَآمَنُواْ} هذه الصفات كلها بما يأتيهم من الحق، واقتدوا به وتخلقوا بأخلاقه؛ {فَمَتَّعْنَاهُمْ} يعني: بالقلب وأخلاقه {إِلَىٰ حِينٍ} [الصافات: 148] يستعدون للتخلق بأخلاق الله تعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله، لوط بالنبوة والرسالة، ودعوته إلى اللّه قومه، ونهيهم عن الشرك، وفعل الفاحشة. فلما لم ينتهوا، نجاه اللّه وأهله أجمعين، فسروا ليلا فنجوا. { إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } أي: الباقين المعذبين، وهي زوجة لوط لم تكن على دينه. { ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ } بأن قلبنا عليهم ديارهم {أية : فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ } تفسير : حتى همدوا وخمدوا. { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ } أي: على ديار قوم لوط { مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ } أي: في هذه الأوقات، يكثر ترددكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمرية { أَفَلا تَعْقِلُونَ } الآيات والعبر، وتنزجرون عما يوجب الهلاك؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):