٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يعظم عليه إصرارهم على الكفر كما قال: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ } تفسير : [الكهف: 6] وقال: {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 3] وقال تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر: 8] فلما أطنب الله تعالى في هذه الآية في فساد مذاهب المشركين تارة بالدلائل والبينات وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد أردفه بكلام يزيل ذلك الخوف العظيم عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {إنا أنزلنا عليك الكتاب } الكامل الشريف لنفع الناس ولاهتدائهم به وجعلنا إنزاله مقروناً بالحق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله فمن اهتدى فنفعه يعود إليه، ومن ضل فضير ضلاله يعود إليه {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } والمعنى أنك لست مأموراً بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم، وذلك لتسلية الرسول في إصرارهم على الكفر، ثم بين تعالى أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى، وذلك لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة والضلال يشبه الموت والنوم، وكما أن الحياة واليقظة وكذلك الموت والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله عز وجل وإيجاده فكذلك الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى، ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر الله تعالى في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فيصير التنبيه على هذه الدقيقة سبباً لزوال ذلك الحزن عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه النظم في الآية، وقيل نظم الآية أنه تعالى ذكر حجة أخرى في إثبات أنه الإله العالم ليدل على أنه بالعبادة أحق من هذه الأصنام. المسألة الثانية: المقصود من الآية أنه تعالى يتوفى الأنفس عند الموت وعند النوم إلا أنه يمسك الأنفس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى وهي النائمة إلى أجل مسمى أي إلى وقت ضربه لموتها فقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } يعني أنه تعالى يتوفى الأنفس التي يتوفاها عند الموت يمسكها ولا يردها إلى البدن وقوله: {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } يعني أن النفس التي يتوفاها عند النوم يردها إلى البدن عند اليقظة وتبقى هذه الحالة إلى أجل مسمى، وذلك الأجل هو وقت الموت فهذا تفسير لفظ الآية وهي مطابقة للحقيقة، ولكن لا بد فيه من مزيد بيان، فنقول النفس الإنسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء وهو الحياة، فنقول إنه في وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر هذا البدن وعن باطنه وذلك هو الموت، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن من بعض الوجوه ولا ينقطع ضوؤه عن باطن البدن، فثبت أن الموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام كامل والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه، وإذا ثبت هذا ظهر أن القادر العالم الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه أحدها: أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه وذلك اليقظة وثانيها: أن يرتفع ضوء النفس عن ظاهر البدن من بعض الوجوه دون باطنه وذلك هو النوم وثالثها: أن يرتفع ضوء النفس عن البدن بالكلية وهو الموت فثبت أن الموت والنوم يشتركان في كون كل واحد منهما توفياً للنفس، ثم يمتاز أحدهما عن الآخر بخواص معينة في صفات معينة، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم، وهو المراد من قوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ويحتمل أن يكون المراد بهذا أن الدليل يدل على أن الواجب على العاقل أن يعبد إلهاً موصوفاً بهذه القدرة وبهذه الحكمة وأن لا يعبد الأوثان التي هي جمادات لا شعور لها ولا إدراك، واعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً، فقالوا نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى بأن قال: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } وتقرير الجواب أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها والأول: باطل لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها والثاني: باطل لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى: {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً } ثم بين أنه لا ملك لأحد غير الله بقوله: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ومنهم من تمسك في نفي الشفاعة مطلقاً بقوله تعالى: {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً } وهذا ضعيف لأنا نسلم أنه سبحانه ما لم يأذن في الشفاعة لم يقدر أحد على الشفاعة، فإن قيل قوله: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } فيه سؤال لأن هذا يدل على أن المتوفى هو الله فقط، وتأكد هذا بقوله: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] وبقوله: {أية : رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] وبقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] ثم إن الله تعالى قال في آية أخرى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [السجدة: 11] وقال في آية ثالثة: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } تفسير : [الأنعام:61] وجوابه أن المتوفي في الحقيقة هو الله، إلا أنه تعالى فوض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال إلى ملك من الملائكة، ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو رئيس وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في هذه الآية إلى الله تعالى بالإضافة الحقيقية، وفي الآية الثانية إلى ملك الموت لأنه هو الرئيس في هذا العمل وإلى سائر الملائكة لأنهم هم الأتباع لملك الموت، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّـاسِ} لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم. {بِٱلْحَقِّ} متلبساً به. {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ} إذ نفع به نفسه. {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } فإن وباله لا يتخطاها. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وإنما أمرت بالبلاغ وقد بلغت. {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهراً وباطناً وذلك عند الموت، أو ظاهراً لا باطناً وهو في النوم. {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} ولا يردها إلى البدن، وقرأ حمزة والكسائي قُضِيَ بِضَم القاف وكسر الضاد والموت بالرفع. {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ } أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو الوقت المضروب لموته وهو غاية جنس الإرسال. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن في ابن آدم نفساً وروحاً بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والحياة، فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم قريب مما ذكرناه. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} من التوفي والإِمساك والإِرسال. {لاَيَاتٍ } دالة على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية حين الموت، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة في توفيها عن ظواهرها وإرسالها حيناً بعد حين إلى توفي آجالها. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ } بل اتخذت قريش. {مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَاءَ} تشفع لهم عند الله. {قُلْ أَوَ لَّوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ولا تعلم. {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً } لعله رد لما عسى يجيبون به وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون هي تماثيلهم، والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه، ولا يستقل بها ثم قرر ذلك فقال: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه. {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة فيكون الملك له أيضاً حينئذ. {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ } دون آلهتهم. {ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} انقبضت ونفرت. {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } يعني الأوثان. {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله، ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه، والاشمئزاز أن يمتلىء غماً حتى ينقبض أديم وجهه، والعامل في {إِذَا ذُكِرَ } العامل في إذا المفاجأة. {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} التجىء إلى الله بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وضجرت من عنادهم وشدة شكيمتهم، فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها. {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم. {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص. {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} زيادة مبالغة فيه وهو نظير قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم }تفسير : [السجده: 17] في الوعد. {وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ } سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض صحائفهم. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} وأحاط بهم جزاؤه. {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا } إخبار عن الجنس بما يغلب فيه، والعطف على قوله {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} بالفاء لبيان مناقضتهم وتعكيسهم في التسبب بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره، وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم. {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مّنَّا } أعطيناه إياه تفضلاً فإن التخويل مختص به. {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } مني بوجوه كسبه، أو بأني سأعطاه لما لي من استحقاقه، أو من الله بي واستحقاقي، والهاء فيه لما إن جعلت موصولة وإلا فللنعمة والتذكير لأن المراد شيء منها. {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } امتحان له أيشكر أم يكفر، وهو رد لما قاله وتأنيث الضمير باعتبار الخير أو لفظ الـ {نعمة}، وقرىء بالتذكير. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك، وهو دليل على أن الإِنسان للجنس. {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } الهاء لقوله {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} لأنها كلمة أو جملة، وقرىء بالتذكير {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } قارون وقومه فإنه قال ورضي به قومه {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من متاع الدنيا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني: القرآن {لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِ} أي: لجميع الخلق من الإنس والجن؛ لتنذرهم به، {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ} أي: فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي: بموكل أن يهتدوا، {أية : إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} تفسير : [هود: 12] {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40]. ثم قال تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } تفسير : [الأنعام: 60 ــــ 61] فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى، ولهذا قال تبارك وتعالى: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأَخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره. وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين»تفسير : . وقال بعض السلف: تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} التي قد ماتت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. قال السدي: إلى بقية أجلها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء، ولا يغلط، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ } متعلق ب «أنزل» {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ } اهتداؤه {وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } فتجبرهم على الهدى.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الله عند توفي الأنفس يقبض أرواحها من أجسادها والتي لم تمت وهي في منامها يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها. {فيمسك التي قضى عليها الموت} أنى تعود الأرواح إلى أجسادها. {ويرسلُ الأخرى} وهي النائمة فيطلقها باليقظة للتصرف إلى أجل موتها، قاله ابن عيسى. الثاني: ما حكاه ابن جريج عن ابن عباس أن لكل جسد نفساً وروحاً فيتوفى الله الأنفس في منامها بقبض أنفسها دون أرواحها حتى تتقلب بها وتتنفس، فيمسك التي قضى عليها الموت أن تعود النفس إلى جسدها ويقبض الموت روحها، ويرسل الأخرى وهي نفس النائم إلى جسدها حتىتجتمع مع روحها إلى أجل موتها. الثالث: قاله سعيد بن جبير إن الله تعالى يقبض أرواح الموتى إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت فلا يعيدها ويرسل الأخرى فيعيدها. قال علي رضي الله عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها الشياطين وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة.
ابن عطية
تفسير : هذا إعلام بعلو مكانة محمد عليه السلام واصطفاء ربه له. و {الكتاب} القرآن. وقوله: {بالحق} يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد مضمناً الحق في أخباره وأحكامه، والآخر: أن يريد أنه أنزله بالواجب من إنزاله وبالاستحقاق لذلك لما فيه من مصلحة العالم وهداية الناس، وكأن هذا الذي فعل الله تعالى من إنزال كتاب إلى عبيده هو إقامة حجة عليهم، وبقي تكسبهم بعد إليهم، {فمن اهتدى فلنفسه} عمل وسعى، {ومن ضل فعليها} جنى، والهدى والضلال إنما لله تعالى فيهما خلق واختراع، وللعبد تكسب، عليه يقع الثواب أو العقاب. وأخبر نبيه أنه ليس بوكيل عليهم ولا مسيطر، والوكيل: القائم على الأمر حتى يكمله، ثم نبه تعالى على آية من آياته الكبر تدل الناظر على الوحدانية وأن ذلك لا شرك فيه لصنم وهي حالة التوفي، وذلك أن الله تعالى ما توفاه على الكمال فهو الذي يموت، وما توفاه متوفياً غير مكمل فهو الذي يكون في النوم، قال ابن زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وكثرت فرقة في هذه الآية وهذا المعنى. ففرقت بين النفس والروح، وفرق قوم أيضاً بين نفس التمييز ونفس التخيل، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن. وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله به وغيبه عن عباده في قوله: {أية : قل الروح من أمر ربي} تفسير : [الإسراء: 85] ويكفيك أن في هذه الآية {يتوفى الأنفس}، وفي الحديث الصحيح: "حديث : إن الله قبض أرواحنا حين شاء وردها علينا حين شاء" تفسير : في حديث بلال في الوادي، فقد نطقت الشريعة بقبض الروح والنفس في النوم وقد قال الله تعالى: {أية : قل الروح من أمر ربي} تفسير : [الإسراء: 85] فظاهر أن التفصيل والخوض في هذا كله عناء وإن كان قد تعرض القول في هذا ونحوه أئمة، ذكره الثعلبي وغيره عن ابن عباس أنه قال: في ابن آدم نفس بها العقل والتمييز، وفيه روح به النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. والأجل المسمى في هذه الآية: هو عمر كل إنسان. وقرأ جمهور القراء "قَضى عليها" بفتح القاف على بناء الفعل للفاعل. وقرأ حمزة والكسائي "قُضي" بضم القاف على بنائه للمفعول، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى. ثم أحال أهل الفكرة على النظر في هذا ونحوه فإنه من البين أن هذه القدرة لا يملكها ويصرفها إلا الواحد الصمد، لا رب غيره.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ} الآية.. اعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعظُم عليه إصراهم على الكفر كما قال تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَارِهِمْ} تفسير : [الكهف:6] وقال: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر:8] وقال: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء:3] فلما بين الله تعالى في هذه الآيات فساد مذاهب المشركين تارة بالدلائل البينات وتارة بضرب الأمثال وتارةً بذكر الوعد والوعيد أردفه بكلام يزيل ذلك الخوف العظيم عن قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ الكامل الشريف لنفع الناس وهداهم وجعلنا إنزاله مقروناً بالحق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله فمن اهتدى فنفعه يعود إليه ومن ضل فضير ضلاله يعود إليه {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} أي لست مأموراً بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر بل القَبُول، وعدم القبول مفوض إليهم وذلك تسلية للرسول - عليه (الصلاة و) السلام - ثم بين تعالى الهداية لا تحصل إلا بتوفيق الله تعالى، وكما أن الموت والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى، كذلك الضلال لا يحصل إلا بأمر الله تعالى، ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سرّ الله في القدر ومن عرف سرّ الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب فيصير التنبيه على هذه الدقيقة سبباً لزوال ذلك الحزن عن قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا وجه النظم، وفيه وجه آخر وهو أن الله تعالى ذكر حجة أخرى في إثبات أنه إلهٌ عالم ليلد على أنه بالعبادة أحقُّ من هذه الأصنام.
التستري
تفسير : قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ}[41] يعني أنزله لهم ليهتدوا بالحق إلى الحق، ويستضيؤوا بأنواره.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ} [الآية: 41]. قال سهل: القرآن للناس بالحق ليهتدوا بالحق إلى الحق ويستضيئوا بأنواره.
القشيري
تفسير : مَنْ أحسن فإحسانهُ إلى نَفْسه اكتَسبَه ومَنْ أساء فبلاؤه على نفسه جَلَبَه - والحقُّ غنيٌّ عن التجمُّلِ بطاعةِ مَنْ أقبل والتنقُّصِ بِزَلَّةِ مَنْ أعرض.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا انزلنا عليك الكتاب} اى القرآن {للناس} اى لاجلهم فانه مناط لمصالحهم فى المعاش والمعاد وقد سبق الفرق بين اليك وعليك فى اول السورة {بالحق} حال من فاعل انزلنا حال كوننا محقين فى انزاله او من مفعوله كون ذلك الكتاب ملتبسا بالحق والصدق اى كل ما فيه حق وصواب لا ريب فيه موجب للعمل به حتما {فمن اهتدى} بان عمل بما فيه {فلنفسه} اى انما نفع به نفسه {ومن ضل} بان لم يعمل بموجبه {فانما يضل عليها} لما ان وبال ضلاله مقصور عليها {وما انت عليهم بوكيل} الوكيل القائم على الامر حتى يكمله اى وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وما وظيفتك الا البلاغ وقد بلغت أى بلاغ. وفى الآية اشارة الى ان القرآن مذكر جوار الحق للناس الذين نسوا الله وجواره فمن تذكر بتذكيره واتعظ بوعظه واهتدى بهدايته كانت فوائد الهداية راجعة الى نفسه بان تنورت بنور الهداية فانمحى عنها آثار ظلمات صفاتها الحيوانية السبعية الشيطانية الموجبة لدخول النار {ومن ضل فانما يضل عليها} فانه يوكله الى نفسه وطبيعته فتغلب عليه الصفات الذميمة فيكون حطب النار {وما انت} يا محمد {عليهم بوكيل} تحفظهم من النار اذا كان فى استعدادهم الوقوع فيها. وفى الحديث "حديث : انما مثلى ومثل امتى كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها وانا آخذ بحجزكم تقحمون فيه" تفسير : والحجز جمع الحجزة كالكدرة وهى معقد الازار خصه بالذكر لان اخذ الوسط اقوى فى المنع واصل تقحمون بالتشديد تتقحمون وفيه اى فى النار على تأويل المذكور يعنى انا آخذكم حتى ابعدكم عن النار وانتم تدخلون فيها بشدة. ومعنى التمثيل ان النبى عليه السلام فى منعهم عن المعاصى والشهوات المؤدية الى النار وكونهم متقحمين متكلفين فى وقوعها مشبه بشخص مشفق يمنع الدواب عنها وهن يغلبنه. وفى الحديث اخبار عن فرط شفقته على امته وحفظهم من العذاب ولا شك فيه لان الامم فى حجر الانبياء كالصبيان الاغبياء فى اكناف الآباء صلوات الله عليهم وسلامه. وفى الحديث "حديث : ان مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث اصاب ارضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وانبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا واصاب منها طائفة اخرى انما هى قيعان لا تمسك ماء فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع لذلك رأسا" تفسير : اى لم يلتفت اليه بالعمل ولم يقبل هدى الله الذى ارسلت به انتهى فعلم العالم العامل المعلم كالمطر الواقع على التربة الطيبة وعلم العالم المعلم الغير العامل كالمطر الواقع على الاجادب واما الذى لا يقبل الهدى اصلا فكان كالارض التى لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فكما انها ليس فيها ماء ولا كلأ فكذا الكافر والجاهل ليس فيه علم ولا عمل فلا لنفسه نفع ولا لغيره
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف {فيمسك التي قضي عليها} على ما لم يسم فاعله. الباقون {قضى} بفتح القاف، وهو الأجود لأن اسم الله تعالى قد تقدم في قوله {الله يتوفى الأنفس حين موتها} وقيل: إن الموت - هٰهنا - المراد به النوم. والتوفي - هٰهنا - توفى النفس لا الروح، لأن ابن عباس قال في ابن آدم نفس وروح، فاذا نام قبضت نفسه وبقيت روحه. والروح والذي يكون بها الغظيط. والنفس هي التي يكون بها التميز، فاذا مات قبضت نفسه وروحه. فان قيل: كيف قال هٰهنا {الله يتوفى الأنفس} وقال في موضع آخر {أية : توفته رسلنا} {أية : قل يتوفاكم ملك الموت}. تفسير : قيل: ان الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت بأمر الله، ومعه رسل واعوان، فلذلك قال {توفته رسُلنا}. وحجة من بنى الفعل للفاعل قوله {ويرسل الأخرى} ومن بنى للمفعول به، فلان المعنى يؤل اليه. وقال الفراء تقديره الله يتوفى الانفس حين موتها ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء اجلها. وقيل: توفها نومها لقوله {أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار}. تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن نفسه {إنا أنزلنا عليك} يا محمد {الكتاب} يعني القرآن {للناس بالحق}. ومعناه أنزلناه على انه حق، فهذه فائدة الباء. وفي ذلك حجة على من زعم ان الله سبحانه يريد بانزاله إضلال الكافرين عن الايمان، لانه لو كان كذلك لم يكن منزلا على انه حق وجب النظر في موجبه ومقتضاه، فما رغب فيه وجب العمل به وما حذر منه وجب اجتنابه، وما صححه وجب تصحيحه وما أفسده وجب افساده، وما دعا اليه فهو الرشد، وما صرف عنه فهو الضلال. ثم قال {فمن اهتدى} يعني بما فيه من الأدلة {فلنفسه} لان منفعة عاقبته من الثواب تعود عليه {ومن ضل} عنه وحاد {فإنما يضل عليها} يعني على نفسه، لأن وخيم عاقبته من العقاب تعود عليه. ثم قال {وما أنت} يا محمد {عليهم بوكيل} أي بحفيظ ولا رقيب وإنما عليك البلاغ والوكيل القائم بالتدبير. وقيل {ما أنت عليهم بوكيل} معناه وما انت عليهم برقيب في ايصال الحق إلى قلوبهم وحفظه عليهم حتى لا يتركوه ولا ينصرفوا عنه، ولا تقدر على إكراههم على الاسلام، وإنما الله تعالى القادر عليه. قوله {الله يتوفى الأنفس حين موتها} معناه انه يقبضها اليه إذا اراد إماتتها بأن يقبض روحها بأن يفعل فيها الموت {والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت} فلا يردها اليه {ويرسل الأخرى..} التى يريد ابقائها إلى أن تستوفي اجلها الذي قدره لها. وقد ذكرنا ما روي عن ابن عباس من أن قبض الروح يكون منه ميتاً. وقبض النفس يكون به فاقداً للتمييز والعقل، وإن لم يفقد حياته. والفرق بين قبض النوم والموت ان قبض النوم يضاد اليقظة، وقبض الموت يضاد الحياة وقبض النوم تكون الروح معه في البدن، وقبض الموت يخرج الروح منه عن البدن، وقال سعيد بن جبير والسدي: ان أرواح الأحياء إذا ناموا تجتمع مع أرواح الاموات، فاذا أرادت الرجوع إلى الاجساد أمسك الله ارواح الاموات وأرسل ارواح الاحياء. ثم قال {إن في ذلك} يعني في قبض الأرواح تارة بالموت، وقبض الأنفس بالنوم أخرى {لآيات} أي دلالات واضحات على توحيد الله، فانه لا يقدر عليه سواه {لقوم يتفكرون} أي يستعملون عقولهم بالفكر في ذلك فيعرفون الله تعالى بذلك. ثم اخبر عن هؤلاء الكفار فقال {أم اتخذوا} معناه بل اتخذ هؤلاء الكفار {من دون الله شفعاء} بزعمهم، من الأصنام والأوثان فقال {قل} لهم يا محمد {أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون} تنبيها لهم على انهم يتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يقدرون على شيء من الشفاعة ولا غيرها ولا يعقلون شيئاً. والالف في {أولو} الف الاستفهام يراد به التنبيه. ثم قال {قل} لهم يا محمد {لله الشفاعة جميعاً له ملك السماوات والأرض} أي الشفاعة لمن له التدبير والتصرف في السموات والأرض ليس لاحد الاعتراض عليه في ذلك {ثم إليه ترجعون} معاشر الخلق أي إلى حيث لا يملك احد التصرف والامر والنهي سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كل إنسان على عمله على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب. ثم اخبر عن حالهم وشدة عنادهم، فقال {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} يعني نفرت نفوسهم عن التوحيد وانقبضت عنه يقال: فلان مشمئز عن كذا إذا انقبض عنه. وفي قوله: اشمأزت قلوبهم دليل على فساد قول من يقول المعارف ضرورة {وإذا ذكر الذين من دونه} قال السدي: يعني اوثانهم {إذا هم يستبشرون} أي يفرحون ويسرون حتى يظهر السرور في وجوههم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} جملة مستأنفة فى مقام التّعليل للامر بالقول يعنى انّا انزلنا عليك الكتاب {لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ} لاجل تهديدهم وترغيبهم فما لك لا تقول لهم فقل لهم ما انزلنا اليك ولا تبال سمعوا او لم يسمعوا {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} حتّى تراقب عدم ضلالهم وتحزن لضلالهم.
الأعقم
تفسير : {إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فمن اهتدى} بالقرآن {فلنفسه} لأن نفعه يعود عليه {ومن ضل فإنما يضل عليها} حيث يعود وبال ضلاله عليه {وما أنت عليهم بوكيل} لتجبرهم على الهدى، لأن التكليف مبني على الاختيار {الله يتوفى الأنفس حين موتها} يعني يقبضها عن التصرف ويمسكها ويحفظها حين موتها {والتي لم تمت في منامها} يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، أي يتوفاها حين منامها، وشبَّه النائمين بالموتى، ومنه: {أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل} تفسير : [الأنعام: 60] حيث لا يميزون ولا يتصرفون والموتى كذلك {فيمسك} الأنفس {التي قضى عليها الموت} الحقيقي إلى يوم القيامة {ويرسل الأخرى} النائمة {إلى أجل مسمى} إلى وقت ضربه لموتها {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} في الأدلة {أم اتخذوا من دون الله شفعاء} يعني اتخذوا وزعموا أنها تنفعهم [تنفعكم] وهن الأصنام {قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون} أنكم تعبدونها {قل لله الشفاعة جميعاً} أي هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه {له ملك السماوات والأرض ثم اليه ترجعون} يوم القيامة فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة}، قيل: نفرت، وقيل: أنكرت {وإذا ذكر الذين من دونه} يعني الأوثان {إذا هم يستبشرون} يفرحون {قل} يا محمد {اللهم فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ابتدأ من غير شيء {عالم الغيب والشهادة} يعني ما غاب وما حضر، وقيل: الموجود والمعدوم {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} في أمر دينهم ودنياهم، وحكمه اثابة المؤمنين وعقوبة الظالمين وإنصاف المظلوم من الظالم قال سبحانه: {ولو أن للذين ظلموا} يعني ظلموا أنفسهم بالعصيان، وقيل: ظلموا الناس {ما في الأرض جميعاً} من الأموال {ومثله معه لافتدوا به} أي جعلوا ذلك فداء لأنفسهم {من سوء العذاب يوم القيامة} أي أشده وسمي سوء لأنه يسوء صاحبه {وبدا لهم} أي ظهر لهم ما لم يكونوا يحتسبون، يعني ظهر جزاء أعمالهم الذي ينزل بهم ما لم يكن في حسابهم في الدنيا، وقيل: ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} أي سيئات أعمالهم التي كسبوها وسيئات كسبهم حين تعرض صحائفهم وكانت خافية عليهم كقوله: {أية : أحصاه الله ونسوه}تفسير : [المجادلة: 6]، وأراد بالسيئات أنواع العذاب التي يجازون بها على ما كسبوا فسماها سيئات، كما قال: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40] {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي نزل بهم وأحاط بهم جزاء هزئهم لأنهم كانوا يستهزئون إذا ذكر عندهم البعث والنشور.
اطفيش
تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} أي القرآن* {لِلنَّاسِ} أي لأجل الناس ولأجل حاجتهم اليه في مصالحهم دنيا وأخرى يبشرون وينذرون به فيقوى داعيهم الى الطاعة ويضعف داعي المعصية* {بِالْحَقِّ} متعلق بانزل كأنه قيل أنزلناه بالحق عليك ليهتدي به الناس ولست محتاجاً الى هدايتهم ولا مضرور بضلالتهم* {فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ} أي فاهتداؤه لنفسه أو فقد اهتدى لنفسه أو هو اهتدى لنفسه أي فائدة اقتدائية ترجع اليه لا لغيره والحصر من لام الاختصاص ان شئت فقدر مؤخراً أي فلنفسه اهتداء أو فلنفسه قد اهتدى أو اهتدى فيفيد الحصر أيضاً. {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} يرجع وبال ضلالته عليها أي على نفسه وفى الآية دلالة على أن العبد مختار فى أفعاله لا مجبر فلذا صح له الثواب والعقاب. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} لن توكل عليهم لتجبرهم على الهدى وانما أمرت بالبلاغ وقد فعلت والتكليف مبني على الاختيار والآية منسوخة عند بعض أصحابنا وغيرهم بآية (السيف) والحق أنها باقية لانه لا منافاة بينهما ولعل تسمية مثل ذلك نسخاً اصطلاح بعض
اطفيش
تفسير : {إنَّا أنْزلنَا عَليْك الكتابَ} القرآن {للنَّاس} لأجل الناس أو هو نفع لهم، وذلك أن فيه مصالح دينهم ودنياهم وأخراهم {بالحقِّ} متعلق بأنزل {فَمنِ اهْـتدى} بطاعة الله والبعد عن معصيته {فلنفسه} فاهتداؤه لنفسه {ومَن ضلَّ} بالكفر به أو عدم العمل به {فإنمَّا يضلُّ عَليْها} إذ هو المعاقب لا غيره بذلك {وما أنتَ عَليْهم بوكيلٍ} تجبرهم على الاهتداء، إن عليك إلا التبليغ، وقد اجتهدت فيه، اللهم صل وسلم عليه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّـاسِ } لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في المعاش والمعاد {بِٱلْحَقّ } حال من مفعول {أَنزَلْنَا } أو من فاعله أي أنزلنا الكتاب ملتبساً أو ملتبسين بالحق {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ } بأن عمل بما فيه {فَلِنَفْسِهِ } إذ نفع به نفسه {وَمَن ضَلَّ } بأن لم يعمل بموجبه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لما أن وبال ضلاله مقصور عليها {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } لتجبرهم على الهدى وما وظيفتك إلا البلاغ وقد بلغت أي بلاغ.
ابن عاشور
تفسير : الجملة تعليل للأمر بأن يقول لهم اعملوا على مكانتكم المفيد موادعتَهم وتهوينَ تصميم كفرهم عليه، وتثبيتَه على دعوته. والمعنَى: لأنا نزلنا عليك الكتاب بالحق لفائدة الناس وكفاك ذلِك شرفاً وهدايةً وكفاك تبليغه إليهم فمن اهتدى من الناس فهدايته لنفسه بواسطتك ومن ضل فلم يهتد به فضلاَلُه على نفسه وما عليك من ضلالهم تَبعة لأنك بلغتَ ما أمرتَ به. ولذلك خولف بين ما هنا وبين قوله في صدر السورة إنَّا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق، لأن تلك في غرض التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم فناسب أن يكون إنزال الكتاب إليه، و {للنَّاس} متعلق بــــ {أنزلنا}، و {بالحَقِّ} حال من {الكِتَاب}، والباء للملابسة، واللام في {للنَّاس} للعلة، أي لأجل الناس. وفي الكلام مضاف مفهوم مما تؤذن به اللام من معنى الفائدة والنفع أي لنفع الناس، أو مما يؤذن به التفريع في قوله: {فَمَن اهتدى} الخ. وفاء {فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِه} للتفريع وهو تفريع ناشىء من معنى اللام. و (مَنْ) شرطية، أي من حصل منه الاهتداء في المستقبل فإن اهتداءه لفائدة نفسه لا غير، أي ليست لك من اهتدائه فائدة لذاتك لأن فائدة الرسول صلى الله عليه وسلم (وهي شرفه وأجره) ثابتة عن التبليغ سواء اهتدى من اهتدى وضل من ضل. وتقدم نظير هذه الآية في قوله: {أية : قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}تفسير : آخر سورة يونس (108)، وفي قوله: {أية : وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}تفسير : في آخر سورة النمل (91، 92)، ولكن جيء في تينك الآيتين بصيغة قصر الاهتداء على نفس المهتدي وتُرك ذلك في هذه السورة، ووجْهُ ذلك أن تينك الآيتين واردتان بالأمر بمخاطبة المشركين فكان المقام فيهما مناسباً لإِفادة أن فائدة اهتدائهم لا تعود إلا لأنفسهم، أي ليست لي منفعة من اهتدائهم، خلافاً لهذه الآية فإنها خطاب موجه من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ليس فيها حالُ من ينزل منزلة المُدل باهتدائه. أما قوله: {ومَن ضَلَّ فإنما يضل عليها} فصيغة القصر فيه لتنزيل الرسول صلى الله عليه وسلم في أسفه على ضلالهم المفضي بهم إلى العذاب منزلةَ من يعود عليه من ضلالهم ضُر، فخوطب بصيغة القصر، وهو قصر قلب على خلاف مقتضى الظاهر. ولذلك اتّحدت الآيات الثلاث في الاشتمال على القصر بالنسبة لجانب ضلالهم فإن قوله في سورة النمل (92) {أية : فقل إنما أنا من المنذرين}تفسير : في معنى: {فإنما يضل عليها}، أي ليس ضلالكم عليَّ فإنما أنا من المنذرين. وهذه نكت من دقائق إعجاز القرآن. وقوله: {وما أنت عليهم بوكيل} القول فيه كالقول في {أية : وما أنا عليكم بوكيل}تفسير : في سورة يونس (108). وجملة {وما أنت عليهم بوكيل} عطف على جملة {فَمَنِ اهتَدَى فلِنَفْسه} أي لَسْتَ مأموراً بإرغامهم على الاهتداء، فصيغ هذا الخبر في جملة اسمية للدلالة على ثبات حكم هذا النفي.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق: أي أنزلنا عليك يا رسولنا القرآن بالحق أي ملتبساً به. وما أنت عليهم بوكيل: أي ليس عليك أمر هدايتهم فتجبرهم على الإِيمان. الله يتوفى الأنفس حين موتها: أي ينهى حياة العباد بقبض أرواحهم عند نهاية آجالهم. والتي لم تمت في منامها: أي يتوفاها وقت النوم يحبسها عن التصرف كأنها شيء مقبوض. فيمسك التي قضى عليها الموت: أي يقبضها لحكمة بالموت عليها حال النوم. ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى: أي التي لم يحكم بموتها يرسلها فيعيش صاحبها إلى نهاية أجله المعدود له. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون: أي في قبض الأرواح وإرسالها، والقدرة على ذلك دلائل وبراهين على قدرة الله تعالى على البعث الذي أنكره المشركون. أم اتخذوا من دون الله شفعاء: أي أن كفار مكة لا يتفكرون ولو كانوا يتفكرون لما أنكروا البعث، ولا ما اتخذوا من دون الله شفعاء لوضوح بطلان ذلك. قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً: أي قل لهم أيشفع لكم شركاؤكم ولو كانوا لا يملكون شيئاً ينكر عليهم دعواهم الشفاعة لهم وهي أصنام لا تملك ولا تعقل. قل لله الشفاعة جميعا: أي أخبرهم أن جميع الشفاعات لله وحده فشفاعة الأنبياء والشهداء والعلماء والأطفال مملوكة لله فلا يشفع أحد إلا بإذنه. وإذا ذكر الله وحده اشمأزت: أي وإذا ذكر الله وحده كقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله نفرت نفوس المشركين وانقبضت وظهر الغضب والسخط في وجوههم. وإذا ذكر الذين من دونه: أي الأصنام والأوثان التي يعبدونها من دون الله تعالى. إذا هم يستبشرون: أي فرحون جذلون وذلك لافتتانهم بها ونسيانهم لحق الله تعالى وهو عبادته وحده مقابل خلقه ورزقه لهم. معنى الآيات: إن السياق الكريم كان في عرض الصراع الدائر بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه المشركين فدافع الله تعالى عن رسوله ودفع عنه كل أذى ومكروه وتوعد خصومه بالعذاب في الدنيا والآخرة وهنا يسليه ويصبره فيقول له {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن {لِلنَّـاسِ} أي لهداية الناس وإصلاحهم {بِٱلْحَقِّ} أي ملتبساً بالحق، فمن اهتدى بالقرآن فآمن وعمل صالحاً فعائد ذلك له حيث ينجو من النار ويدخل الجنة، ومن ضل لعدم قبوله هداية القرآن فأصر على الشرك والمعاصي فإنما يضل على نفسه أي عائد ضلاله على نفسه إذ هو الذي يحرم الجنة ورضا الله تعالى ويُلقى في النار خالداً فيها وعليه غضب من الله لا يفارقه أبداً. وقوله: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} أي لم يوكل إليك أمر هدايتهم فتجد نفسك في هم من ذلك إن عليك إلا البلاغ المبين إنك لم تكلف حفظ أعمالهم ومحاسبتهم عليها، ولا أمر هدايتهم فتجيرهم على ذلك. وقوله تعالى: في الآية الثانية من هذا السياق [42] {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ} أي يقبض أرواحها {حِينَ مَوْتِـهَا} أي عند نهاية أجلها فيأمر تعالى ملك الموت فيخرج الروح بإذن الله ويقبضها، {وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا} أي يقبضها بمعنى يحبسها عن التصرف، حال النوم، فإن أراد موتها قبضها ولم يردها إلى جسدها، وإن لم يرد وفاتها أرسلها فتعود إلى الجسد ويعيش صاحبها إلى الأجل المسمى له وهي نهاية عمره إن في ذلك القبض للروح والإِرسال، والوفاة والإِحياء لآيات أي دلائل وحجج كلها قاضية بأن القادر على هذا قادر على البعث والنشور الذي كذب به المشركون كما أن صاحب هذه القدرة العظيمة هو صاحب الحق المطلق في الطاعة والعبادة ولا تنبغي العبادة إلا له. وقوله {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم الأحياء بالإِيمان أما الأموات وهم الكافرون فلا يجدون في ذلك آية ولا دليلاً وذلك لموتهم بالشرك والكفر. وقوله تعالى: في الآية الثالثة [43] {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ} أي بل اتخذ المشركون الذين كان المفروض فيهم أن يهتدوا على الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة لو كانوا يتفكرون بدل أن يهتدوا إلى توحيد الله اتخذوا من دونه أوثانا سموها شفعاء يرجون شفاعتها لدى الله في قضاء حوائجهم. وذلك لجهلهم وسخف عقولهم. قال تعالى لرسوله: {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} أي قل لهم أيشفعون لكم ولو كانوا لا يملكون شيئاً من أسباب الشفاعة ومقتضياتها ولو كانوا لا يعقلون معنى الشفاعة ولا يفهمونه لأنهم أصنام وأحجار والاستفهام للتبكيت والتقريع. لو كان القوم يشعرون. ثم أمر تعالى رسوله أن يعلن عن الحقيقة وإن كانت عند المشركين مُرة {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} أي جميع أنواع الشفاعة هي ملك لله مختصة به فلا يشفع أحد إلا بإذنه، إذاً فاطلبوا الشفاعة من مالكها الذي له ملك السماوات والأرض، لا ممن هو مملوك له، ولا يعقل حتى معنى الشفاعة ولا يفهمها وقوله ثم إليه ترجعون أي بعد الموت أحببتم أم كرهتم؟ فاتخذوا لكم يداً عنده بالإِيمان به وتوحيده في عبادته. وقوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} هذا كشف عن حال المشركين، وما هم عليه من الجهل والسفه إنهم إذا سمعوا لا إله إلا الله ينفرون وينقبضون ويظهر ذلك غضباً في وجوههم، يكادون يسطون على من قال لا إله إلا الله، وإذا ذكر الذين من دونه أي وإذا ذكر الأصنام التي يعبدونها من دون الله إذا هم يستبشرون فرحون مسرورون، وهذا عائد إلى افتتانهم بأصنامهم، ونسيانهم لحقوق ربهم عليهم وهي الإِيمان به وعبادته وحده مقابل ما خلقهم ورزقهم ودبر حياتهم، ولكن أنى لأهل ظلمة النفس وانتكاس القلب أن يعوا ويفهموا؟. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر والثبات في أصعب الظروف. 2- مظاهر قدرة الله في الموت والحياة مما يقتضي الإِيمان به وبلقائه وتوحيده. 3- إبطال حجة المشركين في عبادة الأوثان من أجل الشفاعة لهم إذ الشفاعة كلها لله. 4- بيان خطأ من يطلب الشفاعة من غير الله، إذْ لا يملك الشفاعة إلا هو. 5- بيان سفه المشركين وضلالهم في غضبهم عند سماع التوحيد، وفرحهم عند سماع الشرك.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (41) - إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ يَا مُحَمَّدُ، مُشْتَمِلاً عَلَى الحَقِّ الثَّابِتِ لِتُبِلِّغَهُ إِلَى جَمِيعِ الخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، وَلِتَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلِتُنْذِرَهُمْ عِقَابَهُ وَعَذَابَهُ، فَمَنِ اهْتَدَى وَآمَنَ بِمَا جِئْتَهُ بِهِ فَإِنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ وَضَلَّ، فَإِنَّهُ لاَ يُضِلُّ إِلاَّ نَفْسَهُ، وَلاَ يَضُرُّ إِلاَّ نَفْسَهُ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لَسْتَ رَقِيباً تُرَاقِبُ مَنْ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ مُبَلِّغٌ، وَعَلَيكَ البَلاَغُ وَعَلَى اللهِ الحِسَابُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى مرة يتحدث عن ذاته سبحانه بضمير الجمع (إنَّا) ومرة بالمفرد (إني) أو (إنني)، فإنْ كان الكلام في قضية التوحيد جاء بالضمير المفرد كما في قوله سبحانه لسيدنا موسى: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [طه: 14] لأنه يريد أنْ يقرر قضية التوحيد، ويؤكد سبحانه أنه إله واحد لا شريك له. فإنْ كان الكلام عن أمر لله فيه عمل ولخلفائه في الأرض عمل يأتي بالجمع كما هنا {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ} [الزمر: 41]. وتأملوا حرف الجر في (عليك) وفي (للناس) فلحروف الجر في اللغة معَانٍ واسعة، كلمة (عليك) تدلُّ على أنني أحملك المسئولية أمَّا اللام في (للناس) فتدلّ على النفع لهم، كما نقول في الحسابات: له، عليه، فله تعطي نَفْعاً وعليه تعطي تبعات. فكأن الحق سبحانه يقول: يا قوم يا مَنْ تسمعون لدعوة محمد اعلموا أنها لصالحكم وتعود عليكم بالنفع والغنيمة، فقد أنزلنا عليه حملاً ثقيلاً سيتعبه في ذاته وفي أهله، وسيُعرِّضه للسخرية والإيذاء والتآمر .. الخ. فالكتاب نزل عليك يا محمد بتبعاته ومسئولياته، فتحمله وكُنْ من أولي العزم من الرسل الذين سبقوك، مع أنهم أخذوا حيِّزاً محدوداً في الزمان وفي المكان، أما أنت فأخذتَ حيِّزاً غير محدود، لا في الزمان ولا في المكان، فحين تتحمّل المشاق في سبيل دعوتك، فاعلم أنك ستتحمل من الشدائد على قدر عموم رسالتك. إذن: فدعوة الإسلام خيرها لكم ومتاعبها يتحملها رسول الله، هذا معنى {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ} [الزمر: 41] أي: في صالحهم. وحين نُوسع الحروف ونقف على معانيها نأخذ مثلاً قوله تعالى في أول سورة البقرة: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 5]. فالمؤمنون على الهدى، و (على) تفيد الاستعلاء وكأنه مطيّة تحملهم وتريحهم لا تتعبهم وتُوصِّلهم إلى غايتهم، هكذا جاء الهدى ليريح الناس ويحملهم إلى أشرف الغايات، فالزموه لأنه ما جاء ليُحملكم ما لا تطيقون، إنما جاء ليخدمكم. وقوله سبحانه: {بِٱلْحَقِّ} [الزمر: 41] الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والحق يعني وضع الشيء في موضعه، فإذا زحزحتهُ عن موضعه فأنا الطارئ عليه، والحق لا بُدَّ أنْ يعود إلى موضعه مرة أخرى، وإنما هي ابتلاءات واختبارات لنُمحِّص جنود الحق لتكون عندهم الأهلية لأنْ يحملوا الدعوة إلى أنْ تقوم الساعة. والحق سبحانه يعلمنا: إنْ رأيتَ الباطل علا وارتفع فخُذْ لك واقعة، وخُذْ لك عبرةً من الأشياء المحسَّة التي تقع تحت بصرك في أصل الحياة وهو الماء، فالماء ينزل من السماء على قمم الجبال فيأخذ معه إلى الوديان القش والحصى والزبد، فتتكون طبقة كم الريم تعلو الماء وهي حقيرة لا قيمةَ لها حتى إذا ما هبَّتْ الرياح أزاحتْ هذا الزبد هنا وهناك وبقيتْ صفحة الماء نظيفة ناصعة، هكذا يكون علو الباطل عُلواً مؤقتاً، وسرعان ما يعود الحق إلى نصابه. والحق سبحانه ما سمح للباطل بأنْ يعلوَ إلا يظهر للناس ميزة الحق، فحين يُعضّ الناسُ بالباطل، وحين يؤلمهم يضجون منه ويشتاقون للحق، فكأن الباطل جندٌ من جنود الحق. وقوله سبحانه: {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ} [الزمر: 41] أي: لصالحها، لأن المشرع سبحانه حين شرع لنا وبعث لنا الرسل وأنزل الكتب ما انتفع من ذلك بشيء، وهو سبحانه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، لأنه بصفات الكمال المطلق أوجدك، بل وأوجد لك قبل أنْ يستدعيك للوجود، فبصفة الكمال فيه خلق، فهو سبحانه خالق قبل أنْ يخلق شيئاً، كما تقول: فلان شاعر، يعني شاعر قبل أنْ تسمع منه شعراً، لأنه ما قال الشعر إلا لأنه شاعر. إذن: الحق سبحانه لا ينتفع من عبادة الناس بشيء، والفائدة كلها تعود عليهم هم، لأنهم صنعته، والصانع يريد لصنعته أنْ تكون على ما يرام وعلى خير حال من بدايتها إلى نهايتها إليه سبحانه. وما دام الشرع والمنهج جاء لصالح البشر، فمَن اهتدى فالهداية تعود إليه، ومَنْ ضَلَّ فضلاله عليه {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الزمر: 41] وتأمل هنا أيضاً معنى حرف الجر في {فَلِنَفْسِهِ} [الزمر: 41] وحرف الجر (عليها)، فنَفْع الهداية لك، وضرر المعصية عليك. وقوله: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} [الزمر: 41] أي: ما أنت يا محمد عليهم بوكيل، والوكيل هو مَنْ يكون حُرُّ التصرف فيمن وكل عنهم، بحيث يستطيع أنْ يجبرهم، وأن يحملهم على ما يريد هو. والحق سبحانه وتعالى ما أراد لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} تفسير : [ق: 45] إنما أراد له أنْ يكون داعياً الحسنى، بحيث يأتي إليه الناس بالحب طواعيةً، ولو شاء لجعلهم كالملائكة وطبعهم على الطاعة. لذلك الكون الذي رضي أنْ يأتمر بأمر الله بدون اختيار له في شيء كان حكيماً واعياً؛ لأن المتحمل قد يضمن نفسه ساعة التحمل، لكن لا يضمن نفسه ساعة الأداء، والفارق بين مسلك الناس في الأمور أنهم يختلفون في إدراك المسئولية ساعة التحمل وساعة الأداء، وكل فساد بين الناس في التعامل إنما منشؤه هذه المسألة. وسبق أنْ مثّلنا لذلك بالأمانة أودعها عندك لحين عودتي مثلاً من السفر فتقبلها عندك، وحين أعود لا أجدها، فقد يطرأ عليك من الظروف ما يجعلك تتصرَّف فيها، وهنا تظهر حكمة الجمادات التي أبتْ أنْ تتحمل الأمانة، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. وقوله سبحانه: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} [الزمر: 41] فيه تسليةٌ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنّ ربه يقول له: لا تُتعب نفسك، ولا تُحملها فوق طاقتها، فما عليك إلا البلاغ، فإنْ نالك شيء من أذاهم فاعلم أنه لا يُنقص من مكانتك عندهم، فأنت عندهم الصادق الأمين، وهم يعلمون أنك على الحق، ومنزلتك عندهم كبيرة، ورأيهم فيك من أحسن الآراء، فلا تحزن لقولهم فيك: شاعر وساحر ومجنون: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. فكأنَّ الحق سبحْانه جعل المسألة عنده سبحانه وأعفى منها رسول الله، فأنت يا محمد لا غبارَ عليك، وما كذبك المكذِّبون الظالمون إلا لأنهم جحدوا بآياتي.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ} [الزمر: 41] أو للذين {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة: 67]، ليذكرهم القرآن جواز الحق، وما نالوا من فضل الله، {بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ} [الزمر: 41] بالقرآن {فَلِنَفْسِهِ} [الزمر: 41] اهتدى؛ لأن فوائد الهداية راجعة إلى نفسه بأن تنورت بنور الهداية، فتمحوا عنها ظلمات آثار صفاتها الحيوانية السبعية الشيطانية الموجبة لدخول النار، {وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الزمر: 41]، فإنه توكل إلى نفسه وطبيعتها، فتغلبت عليه الصفات الذميمة، فيكون حطب النار، {وَمَآ أَنتَ} [الزمر: 41] يا محمد، {عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} [الزمر: 41] تحفظهم من النار. وبقوله: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} [الزمر: 42] عنده، {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الزمر: 42]، يشير إلى أنه تعالى من عواطف إحسانه القديم في شأن العبد ورعاية صلاحه في ليله ونهاره، وحالة نومه ويقظته، وحين وفاته وحياته، وبعد مماته، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} [الزمر: 42] لدلالات على كمال عناية الله ونهاية لطفه وكرمه في حق عباده {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] في هذه الإشارات المودعة وفي هذه العبارات. ثم أخبر عن جهالة العباد وضلالتهم بقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43]، يشير إلى أن اتخاذ الأشياء للعبادة أو للشفاعة بالهوى والطبع لا بامر الله ووفق الشرع يكون ضلالة على ضلالة، وإن المقبول في العبادة والشفاعة ما يكون بأمر الله ومتابعة نبيه على وفق الشرع؛ وذلك لأن حجاب العبد هو الطبع والهوى، وإنما أرسل الأنبياء لنفي الهوى؛ ليكون حركات العبادة وسكناتهم بأمر الحق تعالى ومتابعة الأنبياء لا بأمر الهوى ومتابعة النفس؛ لأن النفس وهواها ظلمانية، والأمر ومتابعة الأنبياء نورانية؛ ولهذا قال تعالى: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257] ولا تندفع الظلمة إلا بالنور. ثم اعلم أن العبادات نورانية، والشهوات ظلمانية، ولكن العبد إذا عبد الله بالهوى والطبع تصير عبادته ظلمانية، وإذا جامع زوجته بالأمر على وفق الشرع تصير شهوته نورانية، {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44]؛ أي: هو مالك الشفاعة لا يملكها غيره، إلا في ما ملكه الشفاعة وأذن له فيها، {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44]، يشير إلى أن ما في السماوات سماوات القلوب، والأرواح أرض النفوس، والأشباح هو الله مالك ولا يملكه أحد؛ لأنه عُبد، ولا ملك لعبد فالعبد وما يملكه لمولاه، وإنما هو عارية عندهم، والعاري مردودة إلى مالكها، ثم كل عبد من العباد يرجع إلى حضرة ربه ويرى أحواله، هل ربح بما أعطي أو خسر عليه؟
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه أنزل على رسوله الكتاب المشتمل على الحق، في أخباره وأوامره ونواهيه، الذي هو مادة الهداية، وبلاغ لمن أراد الوصول إلى اللّه وإلى دار كرامته، وأنه قامت به الحجة على العالمين. { فَمَنِ اهْتَدَى } بنوره واتبع أوامره فإن نفع ذلك يعود إلى نفسه { وَمَنْ ضَلَّ } بعدما تبين له الهدى { فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لا يضر اللّه شيئا. { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، وتجبرهم على ما تشاء، وإنما أنت مبلغ تؤدي إليهم ما أمرت به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):