٥٥ - ٱلرَّحْمَٰن
55 - Ar-Rahman (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى ما هو أعظم من إرسال الشواظ على الإنس والجن، فكأنه تعالى ذكر أولاً ما يخاف منه الإنسان، ثم ذكر ما يخاف منه كل واحد ممن له إدراك من الجن والإنس والملك حيث تخلوا أماكنهم بالشق ومساكن الجن والإنس بالخراب، ويحتمل أن يقال: إنه تعالى لما قال: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } تفسير : [الرحمٰن: 26] إشارة إلى سكان الأرض، قال بعد ذلك: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاءُ } بياناً لحال سكان السماء، وفيه مسائل. المسألة الأولى: الفاء في الأصل للتعقيب على وجوه ثلاثة منها: التعقيب الزماني للشيئين اللذين لا يتعلق أحدهما بالآخر عقلاً كقوله قعد زيد فقام عمرو، لمن سألك عن قعود زيد وقيام عمر، وإنهما كانا معاً أو متعاقبين ومنها: التعقيب الذهني للذين يتعلق أحدهما بالآخر كقولك: جاء زيد فقام عمرو إكراماً له إذ يكون في مثل هذا قيام عمرو مع مجيء زيد زماناً ومنها: التعقيب في القول كقولك: لا أخاف الأمير فالملك فالسلطان، كأنك تقول: أقول لا أخاف الأمير، وأقول لا أخاف الملك، وأقول لا أخاف السلطان، إذا عرفت هذا فالفاء هنا تحتمل الأوجه جميعاً، أما الأول: فلأن إرسال الشواظ عليهم يكون قبل انشقاق السموات، ويكون ذلك الإرسال إشارة إلى عذاب القبر، وإلى ما يكون عند سوق المجرمين إلى المحشر، إذ ورد في التفسير أن الشواظ يسوقهم إلى المحشر، فيهربون منها إلى أن يجتمعوا في موضع واحد، وعلى هذا معناه يرسل عليكما شواظ، فإذا انشقت السماء يكون العذاب الأليم، والحساب الشديد على ما سنبين إن شاء الله وأما الثاني: فوجهه أن يقال: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فيكون ذلك سبباً لكون السماء تكون حمراء، إشارة إلى أن لهيبها يصل إلى السماء ويجعلها كالحديد المذاب الأحمر، وأما الثالث: فوجهه أن يقال: لما قال: {أية : فَلاَ تَنتَصِرَانِ } تفسير : [الرحمن: 35] أي في وقت إرسال الشواظ عليكما قال: فإذا انشقت السماء وصارت كالمهل، وهو كالطين الذائب، كيف تنتصران؟ إشارة إلى أن الشواظ المرسل لهب واحد، أو فإذا انشقت السماء وذابت، وصارت الأرض والجو والسماء كلها ناراً فكيف تنتصران؟. المسألة الثانية: كلمة (إذا) قد تستعمل لمجرد الظرف وقد تستعمل للشرط وقد تستعمل للمفاجأة وإن كانت في أوجهها ظرفاً لكن بينها فرق فالأول: مثل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } تفسير : [الليل: 1، 2] والثاني: مثل قوله: إذا أكرمتني أكرمك ومن هذا الباب قوله تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] وفي الأول لا بد وأن يكون الفعل في الوقت المذكور متصلاً به وفي الثاني لا يلزم ذلك، فإنك إذا قلت: إذا علمتني تثاب يكون الثواب بعده زماناً لكن استحقاقه يثبت في ذلك الوقت متصلاً به والثالث: مثال ما يقول: خرجت فإذا قد أقبل الركب أما لو قال: خرجت إذا أقبل الركب فهو في جواب من يقول متى خرجت إذا عرفت هذا فنقول: على أي وجه استعمل (إذا) ههنا؟ نقول: يحتمل وجهين أحدهما: الظرفية المجردة على أن الفاء للتعقيب الزماني، فإن قوله: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء } بيان لوقت العذاب، كأنه قال: إذا انشقت السماء يكون العذاب أي بعد إرسال الشواظ، وعند انشقاق السماء يكون وثانيهما: الشرطية وذلك على الوجه الثالث وهو قولنا: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ } عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا انشقت السماء، كأنه قال: إذا انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلاً، وأما الحمل على المفاجأة على أن يقال: يرسل عليكما شواظ فإذا السماء قد انشقت، فبعيد ولا يحمل ذلك إلا على الوجه الثاني من أن الفاء للتعقيب الذهني. المسألة الثالثة: ما المختار من الأوجه؟ نقول: الشرطية وحينئذ له وجهان أحدهما: أن يكون الجزاء محذوفاً رأساً ليفرض السامع بعده كل هائل، كما يقول القائل: إذا غضب السلطان على فلان لا يدري أحد ماذا يفعله، ثم ربما يسكت عند قوله إذا غضب السلطان متعجباً آتياً بقرينة دالة على تهويل الأمر، ليذهب السامع مع كل مذهب، ويقول: كأنه إذا غضب السلطان يقتل ويقول الآخر: إذا غضب السلطان ينهب ويقول الآخر غير ذلك وثانيهما: ما بينا من بيان عدم الانتصار ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ } إلى أن قال تعالى: {أية : وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً } تفسير : [الفرقان: 25، 26] فكأنه تعالى قال: إذا أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس فلا ينتصران، فإذا انشقت السماء كيف ينتصران؟ فيكون الأمر عسيراً، فيكون كأنه قال: فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيراً في غاية العسر، ويحتمل أن يقال: فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه كما قال تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } تفسير : [الانشقاق: 1] إلى أن قال: {أية : يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلَـٰقِيهِ } تفسير : [الانشقاق:6] الآية. المسألة الرابعة: ما المعنى من الانشقاق؟ نقول: حقيقته ذوبانها وخرابها كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاء } تفسير : [الانبياء: 104] إشارة إلى خرابها ويحتمل أن يقال: انشقت بالغمام كما قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ } تفسير : [الفرقان: 25] وفيه وجوه منها أن قوله: {بِٱلْغَمَـٰمِ } أي مع الغمام فيكون مثل ما ذكرنا ههنا من الانفطار والخراب. المسألة الخامسة: ما معنى قوله تعالى: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدّهَانِ }؟ نقول: المشهور أنها في الحال تكون حمراء يقال: فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة، وحجرة وردة أي حمراء اللون. وقد ذكرنا أن لهيب النار يرتفع في السماء فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء، ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال: وردة للمرة من الورود كالركعة والسجدة والجلسة والقعدة من الركوع والسجود والجلوس والقعود، وحينئذ الضمير في كانت كما في قوله: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } تفسير : [يۤس: 53] أي الكائنة أو الداهية وأنث الضمير لتأنيث الظاهر وإن كان شيئاً مذكراً، فكذا ههنا قال: {فَكَانَتْ وَرْدَةً } واحدة أي الحركة التي بها الانشقاق كانت وردة واحدة، وتزلزل الكل وخرب دفعة، والحركة معلومة بالانشقاق لأن المنشق يتحرك، ويتزلزل، وقوله تعالى: {كَٱلدّهَانِ } فيه وجهان أحدهما: جمع دهن وثانيهما: أن الدهان هو الأديم الأحمر، فإن قيل: الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون معناه كانت السماء كالأديم الأحمر، ولكن ما المناسبة بين الوردة وبين الدهان؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: المراد من الدهان ما هو المراد من قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ } تفسير : [المعارج: 8] وهو عكر الزيت وبينهما مناسبة، فإن الورد يطلق على الأسد فيقال: أسد ورد، فليس الورد هو الأحمر القاني والثاني: أن التشبيه بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان والثالث: هو أن الدهن المذاب ينصب انصبابة واحدة ويذوب دفعة والحديد والرصاص لا يذوب غاية الذوبان، فتكون حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره فكأنه قال حركتها تكون وردة واحدة كالدهان المصبوبة صباً لا كالرصاص الذي يذوب منه ألطفه وينتفع به ويبقي الباقي، وكذلك الحديد والنحاس، وجمع الدهان لعظمة السماء وكثرة ما يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها، فإن الكواكب تخالف غيرها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي ٱنصدعت يوم القيامة {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} الدِّهَانُ الدهن؛ عن مجاهد والضحاك وغيرهما. والمعنى أنها صارت في صفاء الدهن؛ والدهان على هذا جمع دُهْن. وقال سعيد بن جُبير وقتادة: المعنى فكانت حمراء. وقيل: المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن؛ أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدُّهن لرقتها وذوبانها. وقيل: الدّهان الجلد الأحمر الصّرف؛ ذكره أبو عبيد والفراء. أي تصير السماء حمراء كالأديم لشدة حَرِّ النار. ٱبن عباس: المعنى فكانت كالفرس الْوَرْد؛ يقال للكُمَيت: وَرْدٌ إذا كان يتلوّن بألوان مختلفة. قال ٱبن عباس: الفرس الوَرْد؛ في الربيع كميت أصفر، وفي أوّل الشتاء كُمَيت أحمر، فإذا ٱشتد الشتاء كان كُمَيتاً أغبر. وقال الفراء: أراد الفرس الوَرْديّة، تكون في الربيع وَرْدةً إلى الصفرة، فإذا ٱشتد البرد كانت وَرْدةً حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وَرْدةً إلى الغُبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الْوَرْد من الخيل. وقال الحسن: {كَٱلدِّهَانِ } أي كصبّ الدُّهْن فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً. وقال زيد بن أسلم: المعنى أنها تصير كعَكَر الزيت، وقيل: المعنى أنها تمرّ وتجيء. قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان. وهذا قريب مما قدمناه من أن الفرس الوَرْدة تتغير ألوانها. وقال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر؛ حكاه الثعلبي. وقال الماورديّ: وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبُعد المسافة تُرى بهذا اللون الأزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة الدم وتُرى بالحائل زرقاء؛ فإن كان هذا صحيحاً فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة وٱرتفاع الحواجز ترى حمراء، لأنه أصل لونها. والله أعلم. قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} هذا مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [القصص:78] وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم؛ فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض، وهذا قول عكرمة. وقيل: المعنى لا يسألون إذا ٱستقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة. رواه العوفي عن ٱبن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضاً: المعنى لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم؛ دليله ما بعده. وقاله مجاهد عن ٱبن عباس. وعنه أيضاً في قوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر:92] وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} وقال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقال قتادة: كانت المسألة قبل؛ ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم. وفي حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه قال: «حديث : فَيلْقَى العبدَ فيقول أي فُلْ ألم أُكْرِمك وأُسوِّدْك وأُزَوِّجْك وَأُسَخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ وأَذرْك تَرْأَسُ وتَرْبَعُ فيقول بلى فيقول أفظننتَ أنك مُلاَقيّ فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت ويثني بخير ما ٱستطاع فيقول ها هنا إذاً ثُمَّ يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك فيفتكر في نفسه مَن هذا الذي يشهد عليّ فيُختَم على فِيهِ ويقال لفخذه ولحمه وعظامه ٱنطقي فتنطق فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله وذلك ليعذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه» تفسير : وقد مضى هذا الحديث في «حم السجدة» وغيرها.
البيضاوي
تفسير : {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً } أي حمراء كوردة وقرئت بالرفع على كان التامة فيكون من باب التجريد كقوله:شعر : وَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ تَحْوِي الغَنَائِمِ أَوْ يَمُوتَ كَرِيمُ تفسير : {كَٱلدّهَانِ } وهو اسم لما يدهن به كالحزام، أو جمع دهن وقيل هو الأديم الأحمر. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي مما يكون بعد ذلك. {فَيَوْمَئِذٍ } أي فيوم تنشق السماء. {لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك حين ما يخرجون من قبورهم ويحشرون إلى الموقف ذوداً ذوداً على اختلاف مراتبهم، وأما قوله تعالى: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ }تفسير : [الحجر: 92] ونحوه فحين يحاسبون في المجمع، والهاء للإِنس باعتبار اللفظ فإنه وإن تأخر لفظاً تقدم رتبة. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم. {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } وهو ما يعلوهم من الكآبة والحزن. {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ } مجموعاً بينهما، وقيل يؤخذون {بِٱلنَّوَاصِى } تارة وبـ {ٱلأقْدَامَ } أخرى. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا } بين النار يحرقون بها. {وَبَيْنَ حَمِيمٍ } ماء حار. {آنٍ} بلغ النهاية في الحرارة يصب عليهم، أو يسقون منه، وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ} موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين فأضيف إلى الرب تفخيماً وتهويلاً، أو ربه و {مَّقَامِ} مفخم للمبالغة كقوله:شعر : ذَعَرَّتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ــ @ ــ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ تفسير : {جَنَّتَانِ} جنة للخائف الإِنسي والأخرى للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية وكذا ما جاء مثنى بعد. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} أنواع من الأشجار والثمار جمع فِنْ، أو أغصان جمع فنن وهي الغصنة التي تتشعب من فرع الشجرة، وتخصيصها بالذكر لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل. قيل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }. {فِيهِمَا مِن كُلّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ } صنفان غريب ومعروف، أو رطب ويابس. {فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} من ديباج ثخين وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنك بالظهائر، و {مُتَّكِئِينَ} مدح للخائفين أو حال منهم، لأن من خاف في معنى الجمع. {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} قريب يناله القاعد والمضطجع، {وَجَنَى} اسم بمعنى مجني وقرىء بكسر الجيم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} يوم القيامة؛ كما دلت عليه هذه الآيات مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 16] وقوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰۤئِكَةُ تَنزِيلاً} تفسير : [الفرقان: 25] وقوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } تفسير : [الانشقاق: 1 ــــ 2] وقوله تعالى: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} أي: تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر، وهول يوم القيامة العظيم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء، حدثنا نافع أبو غالب الباهلي، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم» تفسير : قال الجوهري: الطش: المطر الضعيف، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} قال: هو الأديم الأحمر، وقال أبو كدينة عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} كالفرس الورد، وقال العوفي عن ابن عباس: تغير لونها، وقال أبو صالح: كالبرذون الورد، ثم كانت بعد كالدهان، وحكى البغوي وغيره: أن الفرس الورد تكون في الربيع صفراء، وفي الشتاء حمراء، فإذا اشتد البرد، تغير لونها، وقال الحسن البصري: تكون ألواناً. وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة، وتكون كالمهل كدردي الزيت، وقال مجاهد: {كَٱلدِّهَانِ} كألوان الدهان، وقال عطاء الخراساني: كلون دهن الورد في الصفرة، وقال قتادة: هي اليوم خضراء، ويومئذ لونها إلى الحمرة يوم ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب، وذلك حين يصيبها حر جهنم. وقوله تعالى: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} وهذه كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 35 ــــ 36] فهذا في حال، وثم في حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم، وقال الله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْـأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر: 92 ــــ 93] ولهذا قال قتادة: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} قال: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟ فهذا قول ثان. وقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة عن المجرمين، بل يعرفون بسيماهم، وهذا قول ثالث، وكأن هذا بعدما يؤمر بهم إلى النار، فذلك الوقت لا يسألون عن ذنوبهم، بل يقادون إليها، ويلقون فيها كما قال تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ} أي: بعلامات تظهر عليهم. وقال الحسن وقتادة: يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون. قلت: وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء. وقوله تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ} أي: يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه، ويلقونه في النار كذلك، وقال الأعمش عن ابن عباس: يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته بقدمه، ويفتل ظهره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام، يعني: جده، أخبرني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة قال: أتيت عائشة، فدخلت عليها وبيني وبينها حجاب، فقلت: حدثك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأتي عليه ساعة لا يملك فيها لأحد شفاعة؟ قالت: نعم، لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شعار واحد، قال: «حديث : نعم، حين يوضع الصراط لا أملك لأحد فيها شفاعة حتى أعلم أين يسلك بي، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه حتى أنظر ماذا يفعل بي ــــ أو قال: يوحى ــــ وعند الجسر حين يستحد ويستحر» تفسير : فقالت: وما يستحد وما يستحر؟ قال: «حديث : يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجوزه لا يضره، وأما المنافق فيتعلق، حتى إذا بلغ أوسطه، خر من قدميه فيهوي بيديه إلى قدميه»تفسير : قالت: فهل رأيت من يسعى حافياً، فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه؟ فإنه كذلك يهوي بيده ورأسه إلى قدميه، فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه، فتقذفه في جهنم، فيهوي فيها مقدار خمسين عاماً، قلت: ما ثقل الرجل؟ قالت: "ثقل عشر خلفات سمان، فيومئذ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام". هذا حديث غريب جداً، وفيه ألفاظ منكر رفعها، وفي الإسناد من لم يسم، ومثله لا يحتج به، والله أعلم. وقوله تعالى: { هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي: هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، هاهي حاضرة تشاهدونها عياناً، يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً، وتصغيراً وتحقيراً. وقوله تعالى: { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} أي: تارة يعذبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب، يقطع الأمعاء والأحشاء، وهذه كقوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر: 71 ــــ 72]. وقوله تعالى: {ءَانٍ} أي: حار، قد بلغ الغاية في الحرارة، لا يستطاع من شدة ذلك، قال ابن عباس في قوله: { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} أي: قد انتهى غليه، واشتد حره، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن والثوري والسدي. وقال قتادة: قد آن طبخه منذ خلق الله السموات والأرض، وقال محمد بن كعب القرظي: يؤخذ العبد فيحرك بناصيته في ذلك الحميم حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس، وهي كالتي يقول الله تعالى: {أية : فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} تفسير : [غافر: 71 ــــ 72] والحميم الآن، يعني: الحار، وعن القرظي رواية أخرى {حَمِيمٍ ءَانٍ} أي: حاضر، وهو قول ابن زيد أيضاً، والحاضر لا ينافي ماروي عن القرظي أولاً أنه الحار؛ كقوله تعالى: {أية : تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ} تفسير : [الغاشية: 5] أي: حارة شديدة الحر لا تستطاع، وكقوله: {أية : غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ} تفسير : [الأحزاب: 53] يعني: استواءه ونضجه فقوله: {حَمِيمٍ ءَانٍ} أي: حميم حار جداً. ولما كان معاقبة العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين، من فضله ورحمته، وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عن عذابه وبأسه، مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك، قال ممتناً بذلك على بريته: {فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمآءُ } انفرجت أبواباً لنزول الملائكة {فَكَانَتْ وَرْدَةً } أي مثلها محمرة {كَٱلدّهَانِ } الأديم الأحمر على خلاف العهد بها وجواب إذا فما أعظم الهول؟
الماوردي
تفسير : {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ} يعني يوم القيامة. {فَكَانَتْ وَرْدَةً} فيه وجهان: أحدهما: وردة البستان، وهي حمراء، وقد تختلف ألوانها لكن الأغلب من ألوانها الحمرة، وبها يضرب المثل في لون الحمرة، قال عبد بني الحسحاس: شعر : فلو كنت ورداً لونه لعشقتني ولكن ربي شانني بسواديا تفسير : كذلك تصير السماء يوم القيامة حمراء كالورد، قاله ابن بحر. الثاني: أنه أراد بالوردة الفرس الورد يكون في الربيع أصفر وفي الشتاء أغبر، فشبه السماء يوم القيامة في اختلاف ألوانها بالفرس الورد، لاختلاف ألوانه، قاله الكلبي والفراء. وفي قوله: {كَالدِّهَانِ} خمسة أوجه: أحدها: يعني خالصة، قاله الضحاك. الثاني: صافية، قاله الأخفش. الثالث: ذات ألوان، قاله الحسن. الرابع: صفراء كلون الدهن، وهذا قول عطاء الخراساني، وأبي الجوزاء. الخامس: الدهان أديم الأرض الأحمر، قاله ابن عباس، قال الأعشى: شعر : وأجرد من فحول الخيل طرف كأن على شواكله دهانا تفسير : وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن هي حمراء كحمرة الدم وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة وارتفاع الحواجز ترى حمراء لأنه أصل لونها. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: كانت المسألة قبل، ثم ختم على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، قاله قتادة. الثاني: أنه لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا، قاله ابن عباس. الثالث: لا يسأل الملائكة عنهم لأنهم قد رفعوا أعمالهم في الدنيا، قاله مجاهد. الرابع: أنه لا يسأل بعضهم بعضاً عن حاله لشغل كل واحد منهم بنفسه، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الخامس: أنهم في يوم تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه فهم معروفون بألوانهم فلم يسأل عنهم، قاله الفراء. {يَطُوفَونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب. وفي قوله تعالى: {ءَانٍ} ثلاثة أوجه: أحدها: هو الذي انتهى حره وحميمه، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: شعر : وتخضب لحية غدرت وخانت بأحمر من نجيع الجوف آن تفسير : أي حار. الثاني: أنه الحاضر، قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه الذي قد آن شربه وبلغ غايته، قاله مجاهد.
ابن عطية
تفسير : جواب "إذا" محذوف مقصود به الإبهام، كأنه يقول: {فإذا انشقت السماء} فما أعظم الهول، وانشقاق السماء انفطارها عند القيامة. وقال قتادة: السماء اليوم خضراء وهي يوم القيامة حمراء، فمعنى قوله: {وردة} أي محمرة كالوردة وهي النوار المعروف. وهذا قول الزجاج والرماني. وقال ابن عباس وأبو صالح والضحاك: هي من لون الفرس الورد، فأنث لكون {السماء} مؤنثة. واختلف الناس في قوله: {كالدهان} فقال مجاهد والضحاك: هو جمع دهن، قالوا وذلك أن السماء يعتريها يوم القيامة ذوب وتميع من شدة الهول. وقال بعضهم: شبه لمعانها بلمعان الدهن. وقال جماعة من المتأولين الدهان: الجلد الأحمر، وبه شبهها، وأنشد منذر بن سعيد: [الطويل] شعر : يبعن الدهان الحمر كل عشية بموسم بدر أو بسوق عكاظ تفسير : وقوله تعالى: {لا يسأل عن ذنبه} نفي للسؤال. وفي القرآن آيات تقتضي أن في القيامة سؤالاً، وآيات تقتضي نفيه كهذه وغيرها، فقال بعض الناس ذلك في مواطن دون مواطن، وهو قول قتادة وعكرمة وقال ابن عباس وهو الأظهر في ذلك أن السؤال متى أثبت فهو بمعنى التوبيخ والتقرير، ومتى نفي فهو بمعنى الاستخبار المحض والاستعلام، لأن الله تعالى عليم بكل شيء. وقال الحسن ومجاهد: لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بالسيما، والسيما التي يعرف بها {المجرمون} هي سواد الوجوه وزرق العيون في الكفرة، قاله الحسن. ويحتمل أن يكون غير هذا من التشويهات. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {فيؤخذ بالنواصي والأقدام}. فقال ابن عباس: يؤخذ كل كافر بناصيته وقدميه فيطوى يجمع كالحطب ويلقى كذلك في النار. وقال النقاش: روي أن هذا الطي على ناحية الصلب قعساً وقاله الضحاك. وقال آخرون: بل على ناحية الوجه، قالوا فهذا معنى: {فيؤخذ بالنواصي والأقدام}. وقال قوم في كتاب الثعلبي: إنما يسحب الكفرة سحباً، فبعضهم يجر بقدميه، وبعضهم بناصيته، فأخبر في هذه الآية أن الأخذ يكون {بالنواصي} ويكون بـ {الأقدام}. وقوله: {هذه جهنم} قبله محذوف تقديره: يقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ وفي مصحف ابن مسعود: "هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان". وقرأ جمهور الناس: "يَطُوفون" بفتح الياء وضم الطاء وسكون الواو. وقرأ طلحة بن مصرف: "يُطَوّفون" بضم الياء وفتح الطاء وشد الواو. وقرأ أبو عبد الرحمن: "يطافون"، وهي قراءة علي بن أبي طالب. والمعنى في هذا كله أنهم يترددون بين نار جهنم وجمرها {وبين حميم} وهو ما غلي في جهنم من مائع عذابها. والحميم: الماء السخن. وقال قتادة: إن العذاب الذي هو الحميم يغلي منذ خلق الله جهنم. وأنى الشيء: حضر، وأنى اللحم أو ما يطبخ أو يغلى: نضج وتناهى حره والمراد منه. ويحتمل قوله: {آن} أن يكون من هذا ومن هذا. وكونه من الثاني أبين، ومنه قوله تعالى: {أية : وغير ناظرين إناه} تفسير : [الأحزاب: 53] ومن المعنى الآخر قول الشاعر [عمرو بن حسان الشيباني]: [الوافر] شعر : أنى ولكل حاملة تمام تفسير : ويشبه أن يكون الأمر في المعنيين قريباً بعضه من بعض، والأول أعم من الثاني.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَرْدَةً} وردة النبات الحمراء مثل لون السماء أحمر إلا أنها ترى زرقاء لكثرة الحوائل وبعد المسافة كعروق البدن حمرة لحمرة الدم وترى زرقاء للحوائل، فإذا زالت الحواجز، وقربت يوم القيامة من الأبصار يرى لونها الأصلي الأحمر، أو أراد بالوردة الفرس الورد يحمر في الشتاء ويصفر في الربيع ويغبر في شدة البرد شبهاً لاختلاف ألوانها يوم القيامة به لاختلاف ألوانه، {كَالدِّهَانِ} خالصة، أو صافية أو ذوات ألوان، أو أصفر كلون الدهن، أو الدهان الأديم الأحمر "ع".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاءُ}: جواب «إِذا»محذوفٌ مقصودٌ به الإِبهام؛ كأَنَّه يقول: فإذا انشقَّتِ السماءُ، فما أَعْظَمَ الهَوْلَ! قال قتادة: السماءُ اليومَ خَضْرَاءُ، وهي يوم القيامة حَمْرَاءُ، فمعنى قوله: {وَرْدَةً} أي: مُحْمَرَّةً كالوَرْدَةِ، وهي النُّوَّارُ المعروفُ؛ وهذا قول الزَّجاجِ وغيره. وقوله: {كَٱلدِّهَانِ} قال مجاهدٌ وغيره: هو جمع دُهْنٍ؛ وذلك أَنَّ السماء يعتريها يومَ القيامة ذَوْبٌ وتَمَيُّعٌ من شِدَّةِ الهَوْلِ، وقال ابن جُرَيْجٍ: من حَرِّ جَهَنَّمَ، نقله الثعلبيُّ، وقيل غير هذا. وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} قال قتادة وغيره: هي مواطنُ؛ فلا تعارُضَ بين الآيات. وقوله سبحانه: {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ} قال ابن عباس: يُؤْخَذُ كُلُّ كافر بناصيته وقدَمَيْهِ، ويُطْوَىٰ، ويُجمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقَىٰ كذلك في النار، وقيل: المعنى: أَنَّ بعضَ الكفرة يُؤْخَذُونَ بالنواصي، وبعضُهم يُسْحَبُونَ، ويُجَرُّون بالأقدام. وقوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ} أي: يقال لهم على جهة التوبيخ، وفي مصحف ابن مسعود: «هٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمَا بِهَا تُكَذِّبَانِ لاَ تَمُوتَانِ فِيهَا وَلاَ تَحْيَيَانِ». وقوله سبحانه: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} المعنى: أَنَّهم يتردَّدون بين نارِ جهنَّم وَجَمْرِهَا، وبين حميمٍ، وهو ما غُلِيَ في جهنَّم من مائع عذابها، وآنَ الشَّيْءُ: حَضَرَ، وآنَ اللَّحْمُ أو ما يُطْبَخُ أوْ يُغْلَىٰ: نَضِجَ وتناهَىٰ حَرُّهُ، وكونُهُ من الثاني أَبْيَنُ.
القشيري
تفسير : ينفكُّ بعضها عن بعض وتصير في لون الورد الأحمر. ويقال: بها الفُرُش الموردة كالدهان وهو جمع دهن. أي كدهن الزيت وهو دردي الزيت. ويقال: كما أن الوردة يتلوَّن لونُها؛ إذ تكون في الربيع إلى الصُّفْرة، فإذا اشتدت الوردة كانت حمراء، وبعد ذلك إلى الغبرة ـ فكذلك حالُ السماء تتلون من وصفٍ إلى وصفٍ في القيامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا انشقت السماء} اى انصدعت يوم القيامة وانفك بعضها من بعض لقيام الساعة او انفرجت فصارت ابوابا لنزول الملائكة كقوله تعالى {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام} {أية : ونزل الملائكة تنزيلا}تفسير : وفى الخبر "حديث : من نار جهنم اذا كشف عنها"تفسير : {فكانت وردة} كوردة حمرآء فى اللون وهى الزهرة المعروفة التى تشم والغالب على الورد الحمرة قال شعر : ولو كنت وردا لونه لعشقتنى ولكن ربى شاننى بسواديا تفسير : وقيل لأن اصل لون السماء الحمرة و انما ترى زرقاء للعبد والحوآئل ولان لون النار اذا خالط الارزق كساه حمرة {كالدهان} خبر ثان لكانت اى كدهن الزيت فكانت فى حمرة الوردة وفى جريان الدهن اى تذوب وتجرى كذوبان الدهن وجريه فتصير حمرآء من جرارة جهنم وتصير مثل الدهن فى رقته وذوبانه وهو اما جمع دهن او اسم لما يدهن به كالادام لما يؤتدم به وجواب اذا محذوف اى يكون من الاحوال والاهوال مالا يحيط به دآئرة المقال قال سعدى المفتى ناصب اذا محذوف اى كان ماكان من الامر الهائل الذى لايحيط به نطاق العبارة او رأيت امرا عظيما هائلا وبهذا الاعتبار تتسبب هذه الجملة عما قبلها لان ارسال الشواظ يكون سببا لحدوث الامر الهائل او رؤيته فى ذلك الوقت
الطوسي
تفسير : ثمان آيات بصرى وتسع في ما عداه، عدّ الكل {يكذب بها المجرمين} ولم يعده البصريون. يقول الله تعالى {فإذا انشقت السماء} ومعناه إن ينفك بعضها عن بعض، فالسماء تنشق يومئذ وتصير حمراء كالوردة. ثم تجرى كالدهان قال الفراء: الوردة الفرس الوردة. وقال الزجاج: يتلون كما يتلون الدهان المختلفة أى فكان كلون فرس ورده، وهو الكميت فيتلون في الشتاء لونه بخلاف لونه في الصيف، وكذلك في الفصول فسبحان خالقها والمصرّف لها كما يشاء. والوردة واحدة الورد، وإنما تصير السماء كالوردة في الاحمرار ثم تجري كالدهان، وهو جمع دهن كقولك قرط وقراط عند انقضاء الأمر وتناهي المدة. وقال الحسن: هي كالدهان أى كالدهن الذى يصب بعضه على بعض بألوان مختلفة. وقيل: تمور كالدهن صافية. وقال قتادة: لونها حينئذ الحمرة كالدهان في صفاء الدهن وإشراقه. وقال قوم: إن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم فتصير حمراء ذائبة كالدهن. قال الجبائي: وروي أن السماء الدنيا من حديد وليس في الآية ما يدل ما قاله، لاحتمال ذلك ما قاله المفسرون. والأقوال التي ذكرناها. وقال الفراء: الدهان الأديم الأحمر ووجه النعمة في إنشقاق السماء حتى وقع التقرير بها فى قوله {فبأى آلاء ربكما تكذبان} هو ما فى الاخبار به من الزجر والتخويف بانشقاق السماء فوقع فى السبب ولا يصلح فى المسبب أن يكون منفعة، ولكن لسبب النفع الذى هو الزجر فى دار الدنيا، فلذلك وقع التقرير بقوله {فبأى آلاء ربكما تكذبان}. وقوله {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان} معناه لا يسأل فى ذلك الموطن لما يلحقه من الدهش والذهول الذى تحار له العقول، وإن وقعت المسألة فى وقت غيره بدلالة قوله {أية : وقفوهم إنهم مسؤلون} تفسير : وقال قتادة: يكون المسائلة قبل ثم يختم على الافواه عند الجحد فتنطق الجوارح. وقيل: معناه إن يومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان ليعرف المذنب من المؤمن المخلص، لان الله تعالى قد جعل عليهم علامة كسواد الوجوه وقبح الخلق ولم يدخل فى ذلك سؤال المحاسبة للتوبيخ والتقريع، لأنه تعالى قال {وقفوهم إنهم مسؤلون} وتقدير الاية فيومئذ لا يسأل أنس عن ذنبه ولا جان عن ذنبه. وقيل: يجوز أن يكون المراد أنه لا يسأل احد من انس ولا جان عن ذنب غيره، وإنما يسأل هو سؤال توبيخ عن فعل نفسه. وقوله {يعرف المجرمون بسيماهم} معناه إن الله تعالى جعل للكفار والعصاة علامات تعرفهم بها الملائكة والسيماء العلامة. ومنه قوله {أية : سيماهم في وجوههم من أثر السجود} تفسير : وهو مشتق من السوم وهو رفع الثمن عن مقداره، ومنه {أية : مسومين} تفسير : أي معلمين بعلامة والعلامة يرفع باظهارها لتقع المعرفة بها والمعرفة هي العلم عند المتكلمين. وقال بعض النحويين: إن متعلق المعرفة المفرد ومتعلق العلم الجملة كقولهم عرفت زيداً وعلمت زيد قائماً ولو جئت بقائم فى عرفت لكان حالا ولم يخرج عن معرفة زيد. وقوله {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} قال الحسن: يجمع بين ناصيته وقدمه بالغل فيسحب إلى النار. والناصية شعر مقدم الرأس، ومنه ناصية الفرس ومنه قوله تعالى {أية : لنسفعاً بالناصية } تفسير : أي ليقترن بها ما سحقته النار إذلالا لها وأصله الاتصال من قول الشاعر: شعر : فى يناصيها بلادقى تفسير : أي يتصل بها فالناصية متصلة بالرأس و (الاقدام) جمع قدم وهو العضو الذي يقدمه صاحبه للوطيء به على الأرض. وقيل: يأخذهم الزبانية بنواصيهم وأقدامهم فتسحبهم إلى النار أى تأخذهم تارة بذا، وتارة بذا. وقال الحسن وقتادة يعرفون بأنهم سود الوجوه زرق العيون، كما قال تعالى {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }تفسير : {فبأى آلاء ربكما تكذبان} وجه النعمة بذلك ما فيه من الزجر عن المعاصي والترغيب فى الطاعات وذلك نعمة من الله على العباد فى الدين. وقوله {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} معناه يقال لهم يوم القيامة إذا شاهدوا جهنم {هذه جهنم} ويحتمل أن يكون المراد هذه جهنم التي وصفتها هي التي يكذب بها المجرمون الكفار بنعم الله {يطوفون بينها وبين حميم آن} قيل: يطوفون بين أطباقها فى عذاب النار، وبين الحميم آن. والحميم الماء الحار. والآن الذي بلغ نهايته. والمراد - ها هنا - هو الذى قد بلغ نهاية حرّه من آنى يأنى إنياً فهو آن، ومنه قوله {أية : غير ناظرين إناه } تفسير : يعني نضاجه وبلوغه غايته {فبأي آلاء ربكما تكذبان} والاخبار بذلك لطف وزجر عن المعاصي فلذلك كانت نعمة اعتد بها وقرر بها.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً} أي محمرّةً {كَالدِّهَانِ} أي: كعكر الزيت، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: أي: مثل الدهان إذا صب بعضه على بعض رأيت لها حمرة. وقال مجاهد: كألوان الدهان. وبعضهم يقول: أُدُم تكون في اليمن يقال لها الدّهان. {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي: نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. قال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} أي: لا يطلب علم ذلك من قِبَلِهم. {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} [بعلاماتهم]، أي: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. {فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} اي: يجمع بين ناصيته وقدميه من خلفه ثم يلقى في النار. وتفسير الحسن: يجمع بين ناصيته وقدميه من الغل لِكَيْ لا يضطرب. قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. قوله عز وجل: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ} أي: المشركون {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}. بلغنا ـ والله أعلم ـ أن شجرة الزقوم نابتة في الباب السادس من جهنم على صخرة من نار، وتحتها عين من الحميم أسود غليظ، فيسلط على أحدهم الجوع، فيُنطلق به، فيأكل منها حتى يملأ بطنه، فتغلي في بطنه كغلي الحميم، فيطلب الشراب ليبرد به جوفه، فينزل من الشجرة إلى تلك العين التي تخرج من تحت الصخرة، من فوقها الزقوم ومن تحتها الحميم، فتزل قدماه على تلك الصفا، فيقع لظهره ولجنبه، فيشتوى عليها كما يشتوى الحوت على المِقلَى. فتحسبه الخزان على وجهه، فينحدر على تلك العين، ولا ينتهي إليها إلا وقد ذهب لحم وجهه، فينتهي إلى تلك العين، فيسقيه الخزان في إناء من حديد من نار. فإذا أذناه من فيه [اشتوى وجهه، وإذا وضعه على شفتيه] تقطعت شفتاه وتساقطت أضراسه وأنيابه من حره. فإذا استقر في بطنه أخرج ما كان في بطنه من دبره. وبلغنا أن ابن عباس قال: إن في جهنم شجرة ثابته في أصل جهنم، لا بد للكافر من أكلها، فتملأ بطنه. فيهوي حتى إذا انتهى إليها أكل منها. فإذا ملأ بطنه صعد إلى أعلاها. فإذا بلغ إلى أعلاها انحدر إليها أيضاً. فإذا أكل منها صعد إلى أعلاها أيضاً، فإذا بلغ إلا أعلاها انحدر إليها. وقال في آية أخرى: (أية : عَامِلَةٌ نَّاصِبةٌ) تفسير : [الغاشية:3] أي: كفرت بالله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار، فهم في عناء وترداد. قوله تعالى: {حَمِيمٍ آنٍ} فالحميم: الحار، والآني: الذي قد انتهى حره. وقال مجاهد: قد بلغ أناه وحان شرابه. ذكروا عن الحسن في قوله: (أية : تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ)تفسير : [الغاشية:5] أنى حرها فاجتمع. قال: قد وقد عليها منذ خلق الله السماوات والأرض. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ} انفرجت ابوابها لنزول الملائكة جوابها محذوف أي فما أعظم الهول يقدر بعد الدهان. {فَكَانَتْ وَرْدَةً} أي حمراء كوردة قال قتادة: السماء اليوم خضراء ويوم القيامة حمراء وقرأ عبيد بن عمير: برفع وردة على ان كان تامة أي فحصلت سماء كوردة وهو من التجريد البديعي كقول قتادة بن مسلمة الحنفي شعر : فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم أو يموت كريم تفسير : أي إلى أن يموت كريم يعني نفسه انتزع منه نفسه كريما مبالغة في كرمه {كَالدِّهَانِ} صفة الوردة أي وردة مذابة كالدهان أو خبر ثان وهو مفرد اسم بما يدهن به أو جمع دهن وقيل: الأديم الأحمر وقيل: كدهن الزيت كما قال: كالمهل وهو دري الزيت وعن الحسن كالدهان اذا صب بعضه على بعض رأيت له حمرة وقال مجاهد: كألوان الأدهان تتلون عند إنشقاقها كتلون النوار يحمر ويصفر في الربيع وإذا اشتد الحر اغبر فيذهب وقيل تتلون في الساعة الوانا في جهاتها وقيل: تكون كالورد ابيض الى الحمرة وقيل الدهان: ادم باليمن وقال ابن جريج: يصلها حر جهنم فتذوب حتى تكون كالدهن وقيل: من شدة الهول وقيل: المراد بانشقاقها اخرابها.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء } أي انصدعت يوم القيامة، وحديث امتناع الخرق حديث خرافة، ومثله ما يقوله أهل الهيئة اليوم في السماء على أن الانشقاق فيها على زعمهم أيضاً متصور {فَكَانَتْ وَرْدَةً } أي كالوردة في الحمرة، والمراد بها النور المعروف قاله الزجاج وقتادة، وقال ابن عباس وأبو صالح: كانت مثل لون الفرس الورد، والظاهر أن مرادهما كانت حمراء. وقال الفراء: أريد لون الفرس الورد يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي الشتاء إلى الحمرة، وفي اشتداد البرد إلى الغبرة فشبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وروي هذا عن الكلبـي أيضاً، وقال أبو الجوزاء: وردة صفراء والمعول عليه إرادة الحمرة. ونصب {وَرْدَةً } على أنه خبر ـ كان ـ وفي الكلام تشبيه بليغ. وقرأ عبيد بن عمير {وَرْدَةً } بالرفع على أن ـ كان ـ تامة أي فحصلت سماء وردة فيكون من باب التجريد لأنه بمعنى كانت منها، أو فيها سماء وردة مع أن المقصود أنها نفسها كذلك فهو كقول قتادة بن مسلمة: شعر : فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي المغانم أو يموت كريم تفسير : حيث عنى بالكريم نفسه. وقوله تعالى: {كَٱلدّهَانِ } خبر ثان لكانت أو نعت لوردة أو حال / من اسم ـ كانت ـ على رأي من أجازه أي كدهن الزيت كما قال تعالى: { أية : كَٱلْمُهْلِ } تفسير : [الكهف: 29] وهو دردي الزيت، وهو إما جمع دهن كقرط وقراط، أو اسم لما يدهن به كالحزام والإدام، وعليه قوله في وصف عينين كثيرتي التذارف: شعر : كأنهما مزادتا متعجل فريان لما تدهنا (بدهان) تفسير : وهو الدهن أيضاً إلا أنه أخص لأنه الدهن باعتبار إشرابه الشيء، ووجه الشبه الذوبان وهو في السماء على ما قيل من حرارة جهنم وكذا الحمرة، وقيل: اللمعان، وقال الحسن: أي كالدهان المختلفة لأنها تتلون ألوانا؛ وقال ابن عباس: الدهان الأديم الأحمر؛ ومنه قول الأعشى: شعر : وأجرد من كرام الخيل طرف كأن على شواكله (دهانا) تفسير : وهو مفرد، أو جمع، واستدل للثاني بقوله: شعر : تبعن (الدهان) الحمر كل عشية بموسم بدر أو بسوق عكاظ تفسير : و(إذا) شرطية جوابها مقدر أي كان ما كان مما لا تطيقه قوة البيان، أو وجدت أمراً هائلاً، أو رأيت ما يذهل الناظرين وهو الناصب لإذا، ولهذا كان مفرعاً ومسبباً عما قبله لأن في إرسال الشواظ ما هو سبب لحدوث أمر هائل، أو رؤيته في ذلك الوقت.
ابن عاشور
تفسير : تفريع إخبار على إخبار فرع على بعض الخبر المجمل في قوله: {أية : سنفرغ لكم أيها الثقلان}تفسير : [الرحمٰن: 31] إلى آخره، تفصيل لذلك الإجمال بتعيين وقته وشيء من أهوال ما يقع فيه للمجرمين وبشائر ما يعطاه المتّقون من النعيم والحبور. وقوله: {فكانت وردة} تشبيه بليغ، أي كانت كوَرْدة. والوَرْدَة: واحدة الورد، وهو زهر أحمر من شجرة دقيقة ذات أغصان شائكة تظهر في فصل الربيع وهو مشهور. ووجه الشبه قيل هو شدة الحمرة، أي يتغير لون السماء المعروف أنه أزرق إلى البياض، فيصير لونها أحمر قال تعالى: {أية : يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات}تفسير : [إبراهيم: 48]. ويجوز عندي: أن يكون وجه الشبه كثرة الشقوق كأوراق الوردة. والدهان، بكسر الدال: دردي الزيت. وهذا تشبيه ثان للسماء في التموج والاضطراب. وجملة {فبأي ألاء ربكما تكذبان} معترضة بين جملة الشرط وجملة الجواب وقد مثّل بها في «مغني اللبيب» للاعتراض بين الشرط وجوابه، وعينّ كونها معترضة لا حالية، وهذه الجملة معترضة تكرير للتقرير والتوبيخ كما هو بيّن، وانشقاق السماء من أحوال الحشر، أي فإذا قامت القيامة وانشقت السماء. كما قال تعالى: {أية : فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء}تفسير : [الحاقة: 15، 16] أن قوله: {أية : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}تفسير : [الحاقة: 18]. وهذا هو الانشقاق المذكور في قوله: {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمٰن} تفسير : في سورة الفرقان (25، 26). وجملة {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه} الخ جواب شرط (إذا). واقترن بالفاء لأنها صُدرت باسم زمان وهو {يومئذٍ} وذلك لا يصلح لدخول (إذا) عليه. ومعنى {لا يسئل عن ذنبه}: نفي السؤال الذي يريد به السائل معرفة حصول الأمر المتردّد فيه، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون}تفسير : [القصص: 78]. وليس هو الذي في قوله تعالى: {أية : فوربّك لنسألنهم أجمعين عمّا كانوا يعملون}تفسير : [الحجر: 92، 93] وقوله: {أية : وقفوهم إنهم مسؤولون}تفسير : [الصافات: 24]، فإن ذلك للتقرير والتوبيخ فإن يوم القيامة متسع الزمان، ففيه مواطن لا يسأل أهل الذنوب عن ذنوبهم، وفيه مواطن يسألون فيها سؤالاً تقرير وتوبيخ. وجملة {فبأي ألاء ربكما تكذبان} تكرير للتقرير والتوبيخ.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء ستنشق يوم القيامة، وأنها إذا انشقت صارت وردة كالدهان، وقوله: {وَرْدَةً}: أي حمراء كلون الورد، وقوله {كَٱلدِّهَانِ}: فيه قولان معروفان للعلماء. الأول منها: أن الدهان هو الجلد الأحمر، وعليه فالمعنى أنها تصير وردة متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه. والثاني: أن الدهان هو ما يدهن به، وعليه، فالدهان، قيل: هو جمع دهن، وقيل: هو مفرد، لأن العرب تسمى ما يدهن به دهاناً، وهو مفرد، ومنه قول امرئ القيس: شعر : كأنهما مزادتا متعجل فريان لما تدهني بدهان تفسير : وحقيقة الفرق بين القولين أنه على القول بأن الدهان هو الجلد الأحمر، يكون الله وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد وهو الحمرة فشبهها بحمرة الورد. وحمرة الأديم الأحمر. قال بعض أهل العلم: إنها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة. وقال بعض أهل العلم: أصل السماء حمراء إلا أنها لشدة بعدها وما دونها من الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته، وأنها يوم القيامة ترى على حقيقة لونها. وأما على القول بأن الدهان هو ما يدهن به، فإن الله وقد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين أحدهما حمرة لونها، والثاني أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن. أما على القول الأول، فلم نعلم آية من كتاب الله تبين هذه الآية، بأن السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر. وأما على القول الثاني الذي هو أنها تذوب وتصير مائعة، فقد أوضحه الله في غير هذا الموضع وذلك في قوله تعالى في المعارج{أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ}تفسير : [المعارج: 6-8] والمهل شيء ذائب على كلا القولين سواء قلنا: إنه دردي الزيت وهو عكره، أو قلنا إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما. وقد أوضح تعالى في الكهف أن المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، وذلك في قوله تعالى:{أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}تفسير : [الكهف: 29]. والقول بأن الوردة تشبيه الفرس الكميت وهو الأحمر لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، وتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى الغبرة في فصل. وأن المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة واضح البعد عن ظاهر الآية، وقول من قال: إنها تذهب وتجيء معناه له شاهد في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى:{أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً}تفسير : [الطور: 9] الآية، ولكنه لا يخلو عندي من بعد. وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى:{أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1] وقوله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ}تفسير : [الحاقة: 15-16]. وقوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ}تفسير : [الفرقان: 25] الآية. وقوله:{أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}تفسير : [الانفطار: 1]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة ق في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}تفسير : [ق: 6].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فإذا انشقت السماء: أي انفتحت أبوابا لنزول الملائكة إلى الأرض لتسوق الخلائق إلى المحشر. فكانت وردة كالدهان: أي السماء محمرة احمرار الأديم أو الفرس الأحمر وذابت فكانت كالدهان في صفائها وذوبانها. فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان: أي يوم يخرجون من قبورهم لا يسألون عن ذنوبهم لما لهم من علامات كاسوداد الوجوه وبياضها، ويسألون عند الحساب. يعرف المجرمون بسيماهم: أي سواد الوجوه وزرقة العيون. فيؤخذ بالنواصي والأقدام: أي تضم ناصية المجرم إلى قدميه ويؤخذ فيلقى في جهنم. هذه جهنم التي يكذب بها: أي يقال لهم توبيخاً وتبكيتاً هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون في الدنيا. المجرمون: أي الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي. يطوفون بينها وبين حميم آن: أي يسعون مترددين بينها وبين ماء حار قد انتهت حرارته إلى حد لا مزيد عليه وهو الحميم الآن يُسقونه إذا عطشوا واستغاثوا يطلبون الماء لإِراواء غلتهم العطشة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض أحوال القيامة وأهوال الموقف فقال جل جلاله وعظم سلطانه: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي تفتحت لنزول الملائكة فكانت أبواباً بعد أن احمرت وتغيرت زرقتها لحمرة كحمرة الأديم الاحمر أو الفرس الأحمر أو الوردة الحمراء كل ذلك صالح لتشبيه لونها به وذابت فكانت كالدهان كما جاء وصفها في سورة المعارج يوم تكون السماء كالمهل. وهو دِرْديّ الزيت وعكره. فيومئذ أي يوم إذ يقع هذا يعظم الكرب ويشتد البلاء ويخرج الناس من قبورهم لا يسأل عن ذنبه إنس لا جان أي انسىً ولا جنى فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ وقوله تعالى {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} أي باسوداد وجوههم وزرقة أعينهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام أي فيجمع الملك المكلف الإِنس أو الجن المجرم بين ناصيته وقدميه ويأخذه فيرمي به في نار جهنم فبأي آلاء ربكما تكذبان أبنعمة العدالة أم بنعمة إكرام المتقين الصالحين. قولوا لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد. وقوله تعالى {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ} أي يقال لهم توبيخاً وتبكيتاً هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون على أنفسهم بالشرك والمعاصي في الحياة الدنيا قال تعالى {يَطُوفُونَ} أي يسعون مترددين {بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} أي ماء حار اشتدت حرارته فبلغت حداً لا مزيد عليه يسقونه إذا استغاثوا من العطش. فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ إن خزي المجرمين وتعذيبهم نعمة تُقربها الفطرة البشرية ولا يقدرها إلا من ذاق طعم الخوف والعذاب الذي ينزله المجرمون بالمتقين فلذا كان تعذيبهم يوم القيامة نعمة، كما أن هذا العرض لأحوال يوم القيامة وأهوالها نعمة إذ عليه آمن المؤمنون واتقى المتقون، فلذا قال تعالى بعد وصفِ حال أهل النار فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان الانقلاب الكوني وخراب العالم للقيامة. 2- يبعث الناس من قبورهم ولهم علامات تميزهم فيعرف السعيد والشقي. 3- التنديد بالإِجرام وهو الشرك والظلم والمعاصي.
د. أسعد حومد
تفسير : (37) - فَإذا جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ تَتَصَدَّعُ السَّمَاءُ، وَيَحْمَرُّ لوْنُها، وَتَذُوبُ حَتَّى لَتَصِيرُ وَكَأنَّها الزَّيتُ المُحْتَرِقُ، وَنَحْوهُ ممّا يُدْهَنُ بِهِ. وَرْدَةً - حَمْراءَ كَالوَرْدَةِ. كَالدِّهَانِ - مَا يُدْهَنُ بِهِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} معناه كَلونِ الوَردِ. والدِّهانُ: جَمعُ دُهنٍ. وقال: وردةٌ حمراء. والدِّهان الجِلدُ المَبشورُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ } [أي] يوم القيامة من شدة الأهوال، وكثرة البلبال، وترادف الأوجال، فانخسفت شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، { فَكَانَتْ } من شدة الخوف والانزعاج { وَرْدَةً كَالدِّهَانِ } أي: كانت كالمهل والرصاص المذاب ونحوه { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ } أي: سؤال استعلام بما وقع، لأنه تعالى عالم الغيب والشهادة والماضي والمستقبل، ويريد أن يجازي العباد بما علمه من أحوالهم، وقد جعل لأهل الخير والشر يوم القيامة علامات يعرفون بها، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):