٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في ذكر السموم والحميم وترك ذكر النار وأهوالها؟ نقول: فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى فقال: هواؤهم الذي يهب عليهم سموم، وماؤهم الذي يستغيثون به حميم، مع أن الهواء والماء أبرد الأشياء، وهما أي السموم والحميم من أضر الأشياء بخلاف الهواء والماء في الدنيا فإنهما من أنفع الأشياء فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أيضاً أحر، ولو قال: هم في نار، كنا نظن أن نارهم كنارنا لأنا ما رأينا شيئاً أحر من التي رأيناها، ولا أحر من السموم، ولا أبرد من الزلال، فقال: أبرد الأشياء لهم أحرها فكيف حالهم مع أحرها، فإن قيل: ما السموم؟ نقول: المشهور هي ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل غالباً، والأولى أن يقال: هي هواء متعفن، يتحرك من جانب إلى جانب فإذا استنشق الإنسان منه يفسد قلبه بسبب العفونة ويقتل الإنسان، وأصله من السم كسم الحية والعقرب وغيرهما، ويحتمل أن يكون هذا السم من السم، وهو خرم الإبرة، كماقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمّ ٱلْخِيَاطِ } تفسير : [الأعراف: 40] لأن سم الأفعى ينفذ في المسام فيفسدها، وقيل: إن السموم مختصة بما يهب ليلاً، وعلى هذا فقوله: {سَمُومٍ } إشارة إلى ظلمة ما هم فيه غير أنه بعيد جداً، لأن السموم قد ترى بالنهار بسبب كثافتها. المسألة الثانية: الحميم هو الماء الحار وهو فعيل بمعنى فاعل من حمم الماء بكسر الميم، أو بمعنى مفعول من حمم الماء إذا سخنه، وقد ذكرناه مراراً غير أن ههنا لطيفة لغوية: وهي أن فعولاً لما تكرر منه الشيء والريح لما كانت كثيرة الهبوب تهب شيئاً بعد شيء خص السموم بالفعول، والماء الحار لما كان لا يفهم منه الورود شيئاً بعد شيء لم يقل: فيه حموم، فإن قيل: ما اليحموم؟ نقول: فيه وجوه أولها: أنه اسم من أسماء جهنم ثانيها: أنه الدخان ثالثها: أنه الظلمة، وأصله من الحمم وهو الفحم فكأنه لسواده فحم فسموه باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جاءت لمعنيين: الزيادة في سواده والزيادة في حرارته، وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى دونهم في العذاب دائماً لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم الهواء الذي هو السموم، وإن استكنوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكن يكونوا في ظل من يحموم وإن أرادوا الرد عن أنفسهم السموم بالاستكنان في مكان من حميم فلا انفكاك لهم من عذاب الحميم، ويحتمل أن يقال فيه ترتيب وهو أن السموم يضربه فيعطش وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء فيقطع أمعاءه ويريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل ظل اليحموم، فإن قيل: كيف وجه استعمال (من) في قوله تعالى: {مّن يَحْمُومٍ }؟ فنقول: إن قلنا إنه اسم جهنم فهو لابتداء الغاية كما تقول: جاءني نسيم من الجنة، وإن قلنا: إنه دخان فهو كما في قولنا: خاتم من فضة، وإن قلنا: إنه الظلمة فكذلك، فإن قيل: كيف يصح تفسيره بجهنم مع أنه اسم منصرف منكر فكيف وضع لمكان معرف، ولو كان اسماً لها، قلنا: استعماله بالألف واللام كالجحيم، أو كان غير منصرف كأسماء جهنم يكون مثله على ثلاثة مواضع كلها يحموم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ} ذكر منازل أهل النار وسماهم أصحاب الشمال، لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظّم ذكرهم في البلاء والعذاب فقال: {مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ} {فِي سَمُومٍ} والسموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن. والمراد هنا حرّ النار ولفحها. {وَحَمِيمٍ } أي ماء حار قد ٱنتهى حره، إذا أحرقت النار أكبادهم وأجسادهم فزعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من النار إلى الماء ليطفىء به الحر فيجده حميماً حارًّا في نهاية الحرارة والغليان. وقد مضى في «القتال» {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد:15]. {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} أي يفزعون من السَّموم إلى الظلّ كما يفزع أهل الدنيا فيجدونه ظلاً من يَحْموم؛ أي من دخان جهنم أسود شديد السواد. عن ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما. وكذلك اليَحْموم في اللغة: الشديد السواد وهو يَفْعول من الحَمّ ومن الشَّحْم المسودّ بٱحتراق النار. وقيل: هو مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم. وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود. وعن ٱبن عباس أيضاً: النار سوداء. وقال ٱبن زيد: اليَحْموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار. {لاَّ بَارِدٍ} بل حار لأنه من دخان شفير جهنم. {وَلاَ كَرِيمٍ} عذب؛ عن الضحاك. وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه فليس بكريم. وقيل: «وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ» أي من النار يُعذَّبون بها؛ كقوله تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر:16]. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} أي إنما ٱستحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا متنعمين بالحرام. والمتَرف المنعَّم؛ عن ٱبن عباس وغيره. وقال السديّ: «مُتْرَفِينَ» أي مشركين. {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} أي يقيمون على الشرك؛ عن الحسن والضحاك وٱبن زيد. وقال قتادة ومجاهد: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه. الشعبي: هو اليمين الغَمُوس وهي من الكبائر؛ يقال: حَنِث في يمينه أي لم يَبَرَّها ورجع فيها. وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد الله فذلك حِنْثهم؛ قال الله تعالى مخبراً عنهم: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [النحل:38]. وفي الخبر: كان يَتحنَّث في حِرَاء؛ أي يفعل ما يسقط عن نفسه الْحِنث وهو الذنب. {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا} هذا ٱستبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له؛ فقال الله تعالى: {قُلْ} لهم يا محمد {إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ} من آبائكم {وَٱلآخِرِينَ } منكم {لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} يريد يوم القيامة. ومعنى الكلام القسَم ودخول اللام في قوله تعالى: «لَمَجْمُوعُونَ» هو دليل القسم في المعنى؛ أي إنكم لمجموعون قسَماً حقاً خلاف قسمكم الباطل {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ} عن الهدى {ٱلْمُكَذِّبُونَ } بالبعث {لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} وهو شجر كريه المنظر، كريه الطّعم، وهي التي ذكرت في سورة «أية : والصافات» تفسير : [الصافات:62]. {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} أي من الشجرة؛ لأن المقصود من الشجر شجرة. ويجوز أن تكون «من» الأولى زائدة، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً كأنه قال: {لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} طعاماً. وقوله: {مِّن زَقُّومٍ} صفة لشجر، والصفة إذا قدَّرت الجار زائداً نصبت على المعنى، أو جررتَ على اللفظ، فإن قدرت المفعول محذوفاً لم تكن الصفة إلا في موضع جر. قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} أي على الزقوم أو على الأكل أو على الشجر؛ لأنه يذكر ويؤنث. {مِنَ ٱلْحَمِيمِ} وهو الماء المغليّ الذي قد ٱشتدّ غليانه وهو صديد أهل النار. أي يورثهم حَرَّ ما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشاً فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش فيجدونه حميماً مُغْلًى. قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ} قراءة نافع وعاصم وحمزة «شُرْبَ» بضم الشين. الباقون بفتحها لغتان جيدتان؛ تقول العرب: شَرِبت شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً بضمتين. قال أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها، والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله فَعْل، ألاٰ ترى أنك ترده إلى المرة الواحدة؛ فتقول: فَعْلة نحو شَرْبة وبالضم الاسم. وقيل: إن المفتوح والاسم مصدران، فالشَّرْب كالأكل، والشُّرب كالذُّكْر، والشِّرْب بالكسر المشروب كالطِّحْن المطحون. والهِيم الإبل العِطاش التي لا تَرْوى لداء يصيبها؛ عن ٱبن عباس وعِكرمة وقَتادة والسُّديّ وغيرهم؛ وقال عكرمة أيضاً: هي الإبل المِراض. الضحاك: الهيم الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشاً شديداً، واحدها أَهْيَم والأنثى هَيْماء. ويقال لذلك الداء الهُيَام؛ قال قيس بن الملوَّح:شعر : يقال بِه داء الهُيَامِ أصابه وقد علِمت نفسي مكانَ شِفائِها تفسير : وقوم هِيم أيضاً أي عِطاش، وقد هاموا هُيَاماً. ومن العرب من يقول في الإبل: هائم وهائمة والجمع هيم؛ قال لَبِيد:شعر : أَجَزْتُ إِلى معارِفِها بِشُعْثٍ وأَطْلاَحٍ مِن العِيدِيِّ هِيم تفسير : وقال الضحاك والأخفش وٱبن عيينة وٱبن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل. وروي أيضاً عن ٱبن عباس: فيشربون شرب الرمال التي لا ترْوى بالماء. المهدوي: ويقال لكل ما لا يروى من الإبل والرمل أهيم وهيماء. وفي الصحاح: والهُيَام بالضم أشد العطش. والهُيَام كالجنون من العشق. والهُيَام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى. يقال: ناقة هَيْماء. والهيماء أيضاً المفازة لا ماء بها. والهَيام بالفتح: الرمل الذي لا يتماسك أن يسيل من اليد لِليِنه والجمع هِيم مثل قَذَالٍ وقُذُلٍ. والهِيَام بالكسر الإبل العطاش الواحد هيمان، وناقة هيماء مثل عطشان وعطشى. قوله تعالى: {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي رزقهم الذي يُعدّ لهم، كالنزل الذي يعدّ للأضياف تكرمةً لهم، وفيه تهكُّم؛ كما في قوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران:21] وكقول أبي السّعد الضَّبيّ:شعر : وكنا إذا الْجَبَّارُ بالجيشِ ضَافَنَا جعلنا القَنَا والمرهفاتِ له نُزْلاَ تفسير : وقرأ يونس بن حبيب وعباس عن أبي عمرو «هَذَا نُزْلُهُمْ» بإسكان الزاي؛ وقد مضى في آخر «آل عمران» القول فيه. {يَوْمَ ٱلدِّينِ} يوم الجزاء، يعني في جهنم.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين، عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال: { وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ} أي: أيُّ شيء هم فيه أصحاب الشمال؟ ثم فسر ذلك فقال: {فِى سَمُومٍ} وهو الهواء الحار {وَحَمِيمٍ} وهو الماء الحار { وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} قال ابن عباس: ظل الدخان، وكذا قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وقتادة والسدي وغيرهم، وهذه كقوله تعالى:{أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَـٰلَةٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } تفسير : [المرسلات: 29 ــــ 33] ولهذا قال ههنا: { وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} وهو الدخان الأسود { لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} أي: ليس طيب الهبوب، ولا حسن المنظر؛ كما قال الحسن وقتادة: {وَلاَ كَرِيمٍ} أي: ولا كريم المنظر، قال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس بكريم. وقال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي، فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم. وهذه الدار ليست بنظيفة ولا كريمة. وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه، ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} أي: كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم، لا يلوون على ما جاءتهم به الرسل {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ} أي: يقيمون ولا ينوون توبة {عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} وهو الكفر بالله، وجعل الأوثان والأنداد أرباباً من دون الله. قال ابن عباس: الحنث العظيم: الشرك. وكذا قال مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الشعبي: هو اليمين الغموس { وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ }؟ يعني: أنهم يقولون ذلك مكذبين به، مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلأَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } أي: أخبرهم يا محمد: أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة، لا يغادر منهم أحداً؛ كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } تفسير : [هود: 103 ــــ 105] ولهذا قال ههنا: { لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} أي: هو موقت بوقت محدود، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص. {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِـئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} وذلك أنهم يقبضون ويسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملؤوا منها بطونهم، { فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ } وهي الإبل العطاش، واحدها أهيم، والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: الهيم: الإبل العطاش الظماء، وعن عكرمة أنه قال: الهيم: الإبل المراض، تمص الماء مصاً ولا تروى. وقال السدي: الهيم: داء يأخذ الإبل، فلا تروى أبداً حتى تموت، فكذلك أهل جهنم، لا يروون من الحميم أبداً. وعن خالد بن معدان: أنه كان يكره أن يشرب شرب الهيم غبة واحدة من غير أن يتنفس ثلاثاً، ثم قال تعالى: { هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم؛ كما قال تعالى في حق المؤمنين: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} تفسير : [الكهف: 107] أي: ضيافة وكرامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَصْحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مآ أَصْحَٰبُ ٱلشِّمَالِ }.
الماوردي
تفسير : {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} فيه قولان: أحدهما الدخان، قاله أبو مالك. الثاني: أنها نار سوداء، قاله ابن عباس. {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} فيه وجهان: أحدهما: لا بارد المدخل، ولا كريم المخرج، قاله ابن جريج. الثاني: لا كرامة فيه لأهله. ويحتمل ثالثاً: أن يريد لا طيب ولا نافع. {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرفِينَ} فيه وجهان: أحدهما: منعمين، قاله ابن عباس. الثاني: مشركين، قاله السدي. ويحتمل وصفهم بالترف وجهين: أحدهما: التهاؤهم عن الإعتبار وشغلهم عن الإزدجار. الثاني: لأن عذاب المترف أشد ألماً. {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الشرك بالله، قاله الحسن، والضحاك، وابن زيد. الثاني: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه، قاله قتادة، ومجاهد. الثالث: هو اليمين الموس، قاله الشعبي. ويحتمل رابعاً: أن يكون الحنث العظيم نقض العهد المحصن بالكفر. {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها الأرض الرملة التي لا تروى بالماء، وهي هيام الأرض، قاله ابن عباس. الثاني: أنها الإبل التي يواصلها الهيام وهو داء يحدث عطشاً فلا تزال الإبل تشرب الماء حتى تموت، قاله عكرمة، والسدي، ومنه قول قيس بن الملوح: شعر : يقال به داء الهيام أصابه وقد علمت نفسي مكان شفائياً تفسير : الثالث: أن الهيم الإبل الضوال لأنها تهيم في الأرض لا تجد ماءً فإذا وجدته فلا شيء أعظم منها شرباً. الرابع: أن شرب الهيم هو أن تمد الشرب مرة واحدة إلى أن تتنفس ثلاث مرات، قاله خالد بن معدان، فوصف شربهم الحميم بأنه كشرب الهيم لأنه أكثر شرباً فكان أزيد عذاباً. {هَذَا نُزْلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} أي طعامهم وشرابهم يوم الجزاء، يعني في جهنم.
ابن عطية
تفسير : إعراب قوله: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} قد تقدم نظيره. وفي الكلام هنا معنى الإنحاء عليهم وتعظيم مصابهم. والسموم: أشد ما يكون من الحر باليابس الذي لا بلل معه. والحميم: السخن جداً من المائع الذي في جهنم، والعرب تقول للماء السخن حميماً. واليحموم: الأسود وهو بناء مبالغة. واختلف الناس في هذا الشيء الأسود الذي يظل أهل النار ما هو فقال ابن عباس ومجاهد وأبو مالك وابن زيد هو الدخان، وهذا قول الجمهور. وقال ابن عباس أيضاً: هو سرادق النار المحيط بأهلها، فإنه يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم، وحكى النقاش، أن اليحموم: اسم من أسماء جهنم، وقاله ابن كيسان، وقال ابن بريدة وابن زيد أيضاً في كتاب الثعلبي: هو جبل من نار أسود يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه أشد شيء وأمره. وقوله: {ولا كريم} قال الطبري وغيره معناه: ليس له صفة مدح في الظلال، وهذا كما تقول: ثوب كريم ونسب كريم، يعني بذلك أن له صفات مدح. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يصفه بعدم الكرم على معنى: ألا كرامة لهم، وذلك أن المرء في الدنيا قد يصبر على سوء الموضوع لقرينة إكرام يناله فيه من أحد، فجمع هذا الظل في النار أنه سيئ الصفة وهم فيه مهانون. والمترف: المنعم في سرف وتخوض. و {يصرون} معناه: يعتقدون اعتقاداً لا ينوون عنه إقلاعاً، قال ابن زيد: لا يثوبون ولا يستغفرون. و {الحنث}: الإثم ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث". تفسير : الحديث، أراد: لم يبلغوا الحلم فتتعلق بهم الآثام. وقال الخطابي: {الحنث} في كلام العرب العدل الثقيل، شبه الإثم به. واختلف المفسرون في المراد بهذا الإثم هنا، فقال قتادة والضحاك وابن زيد: هو الشرك، وهذا هو الظاهر. وقال قوم في ما ذكر مكي: هو الحنث في قسمهم الذي يتضمنه قوله تعالى: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم} تفسير : [الأنعام: 109، النحل: 38، النور: 53، فاطر: 42] الآية في التكذيب بالبعث، وهذا أيضاً يتضمن الكفر، فالقول به على عمومه أولى. وقال الشعبي: {الحنث العظيم}: اليمين الغموس. وقد تقدم ذكر اختلاف القراء في قوله: {أئذا}، و {إنا}، ويختص من ذلك بهذا الموضع أن ابن عامر يخالف فيه أصله فيقرأ هذا: "أئذا". "أئنا" بتحقيق الهمزتين فيهما على الاستفهام، ورواه أبو بكر عن عاصم في قوله: {إنا لمبعوثون} والعامل في قوله: {أئذا} فعل مضمر يدل عليه قوله: {لمبعوثون} تقديره: أنبعث أو نحشر، ولا يعمل فيه ما بعده لأنه مضاف إليه. وقرأ عيسى الثقفي: "مُتنا" بضم الميم، وقرأ جمهور الناس: "مِتنا" بكسرها وهذا على لغة من يقول: مت أموت على وزن فعل بكسر العين يفعل بضمها، ولم يحك منها عن العرب إلا هذه اللفظة وأخرى هو فضل يفضل. وقرأ بعض القراء: "أوْ" بسكون الواو ومعنى الآية استبعاد أن يبعثوا هم وآباؤهم على حد واحد من الاستبعاد وقرأ الجمهور: "أوَ آباؤنا" بتحريك الواو على أنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، ومعناها: شدة الاستبعاد في الآباء، كأنهم استبعدوا أن يبعثوا، ثم أتوا بذكر من البعث فيهم أبعد وهذا بين لأهل العلم بلسان العرب. ثم أمر الله تعالى نبيه أن يعلمهم بأن العالم محشور مبعوث لـ {يوم معلوم} موقت و {ميقات}: مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} قد تقدم أنه بمعنى التعجب من حالتهم وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم ثم بين منقلبهم وما أعد لهم من العذاب فقال تعالى: {في سموم} أي في حر النار وقيل في ريح شديد الحرارة {وحميم} أي ماء حار يغلي، {وظل من يحموم} يعني في ظل من دخان شديد السواد قيل إن النار سواد وأهلها سود وكل شيء فيها أسود وقيل اليحموم اسم من أسماء النار {لا بارد ولا كريم} يعني لا بارد المنزل ولا كريم المنظر وذلك لأن فائدة الظل ترجع إلى أمرين أحدهما دفع الحر والثاني حسن المنظر وكون الإنسان فيه مكرماً وظل أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل من دخان أسود حار، ثم بين بما استحقوا ذلك فقال تعالى: {إنهم كانوا قبل ذلك} يعني في الدنيا، {مترفين} يعني منعمين {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} يعني على الذنب الكبير وهو الشرك وقيل الحنث العظيم اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك يدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: {وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون} فرد الله تعالى عليهم بقوله {قل إن الأولين والآخرين} يعني الآباء والأبناء، {لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} يعني أنهم يجمعون ويحشرون ليوم الحساب {ثم إنكم أيها الضالون} يعني عن الهدى {المكذبون} أي بالبعث والخطاب لكفار مكة وقيل إنه عام مع كل ضال مكذب، {لآكلون من شجر من زقوم} تقدم تفسيره {فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم} يعني الإبل العطاش قيل إن الهيام داء يصيب الإبل فلا تروى معه ولا تزال تشرب حتى تهلك وقيل الهيم الأرض ذات الرمل التي لا تروى بالماء قيل يلقى على أهل النار العطش فيشربون من الحميم شرب الهيم فلا يروون {هذا نزلهم} يعني ما ذكر من الزقوم والحميم أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد لهم {يوم الدين} يعني يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله تعالى: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ}. لما ذكر منازل أهل الجنة وسمَّاهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النَّار، وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاء والعذاب، فقال: {مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ فِي سَمُومٍ} وهي الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها. وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسمّ الحية والعقرب وغيرهما. قال ابن الخطيب: "ويحتمل أن يكون هو السّم، والسّم يقال في خرم الإبرة، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40]؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن". وقيل: السموم يختص بما يهبّ ليلاً، وعلى هذا فقوله: "سَمُومٍ" إشارة إلى ظلمة ما هم فيه. و "الحَمِيم": هو الماء الحارّ الذي قد انتهى حره، فهو "فَعِيل" بمعنى "فاعل" من حَمِمَ الماء، أو بمعنى "مفعول" من حم الماء إذا سخنه. وقوله: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ}. "اليَحْمُوم" وزنه "يَفْعُول". قال أبو البقاء: "من الحمم، أو الحميم". قال القرطبي: "هو" يَفْعُول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل: مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم. و "اليَحْمُوم": قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم. وقيل: هو وادٍ في جهنم. وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر. وقيل: إنه الظُّلمة، وأصله من الحمم، وهو الفَحْم، فكأنه لسواده فحم، فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته. قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً؛ لأنهم إن تعرَّضوا لمهبّ الهواء أصابهم السَّمُوم، وإن استكنُّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكِنِّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرُّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب، أو يقال: إنَّ السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار السَّموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءهُ، فيريد الاستظلال بظلّ، فيكون ذلك الظلّ ظل اليَحْمُوم. وذكر السموم دون الحميم دون النَّار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرها. قال الضَّحاك: النار سوداء، وأهلها سُود، وكل ما فيها أسود. قوله: {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} صفتان للظلّ، كقوله: "مِنْ يَحْمُومٍ". وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة لـ "يحموم"، وإن كان السياق يرشد إلى الأول. وقرأ ابن أبي عبلة: {لا بَارِدٌ ولا كريمٌ} برفعهما: أي: "هُوَ لا بَارِدٌ". كقوله: [الكامل] شعر : 4692-....................... فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ تفسير : قال الضَّحاك: "لا بَارِدٍ" بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، "ولا كَرِيم" عذب. وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم. وقيل: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} أي: من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر: 16]. قال الزمخشري: "كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه". قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال: فائدة الظل أمران: أحدهما: دفع الحر. والآخر: كون الإنسان فيه مكرماً؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا. ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون: "الدار لا واسعة ولا كريمة". قوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}. أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعّمين بالحرام. و "المُتْرَف": المنعم. قاله ابن عباس وغيره. وقال السُّدي: "مُتْرَفينَ" أي: مشركين. قوله: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ}. الحِنْثُ في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي. وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله: "لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ". وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث. وفي الحديث: "حديث : كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ"تفسير : ، أي: يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو: "تَحَرَّجَ" فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب. فصل في تفسير الآية قال الحسن، والضحاك، وابن زيد: {يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} أي: يقيمون على الشرك. وقال قتادة ومجاهد: الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه. وقال الشَّعبي: هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه، أي: لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم. فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم. وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين: {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الواقعة: 24] كما قاله في السَّابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ}، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ}، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم. وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ} يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم: "بَلَغَ الحِنْثَ" أي: بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة. وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب. قوله تعالى: {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا} الآية. هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدّم الكلام على ذلك في "والصَّافات"، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة "الرَّعْد". فإن قيل: كيف أتى بـ "اللام" المؤكدة في قوله تعالى: {لَمَبْعُوثُونَ}، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل "اللام" في خبر "إنَّ"، تقول: "إنَّ زيداً ليجيء، وإنَّ زيداً لا يجيء" فلا تذكر "اللام"، ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته. والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا: "أئِذَا مِتْنَا" ثم لم يقتصروا عليه، بل قالوا بعده: {وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً} أي: وطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً، والعظامُ رفاتاً ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه: أحدها: استعمال "إنَّ". ثانيها: إثبات "اللام" في خبرها. ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا وقالوا: {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} فقال الله تعالى لهم: "قُلْ" يا محمد {إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ} من آبائكم، و {وَٱلآخِرِينَ} منكم {لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} يعني: يوم القيامة. ومعنى الكلام: القسم ودخول "اللام" في قوله تعالى: {لَمَجْمُوعُونَ} هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجمُوعون قسماً حقًّا، بخلاف قسمكم الباطل. قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ} عن الهدى {ٱلْمُكَذِّبُونَ} بالبعث {لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ}، وهو شجر كريه المَنْظَر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة "والصَّافَّات". وهذا الخطاب عامّ، وقيل: لأهل "مكة"، وهو من تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقدم هنا الضَّالين على المكذبين في آخر السورة، قال: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الواقعة: 92]، فقدم المكذبين على الضَّالين؛ لأنهم هنا أصرُّوا على الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا: "أئذا مِتْنَا". وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو يقال: إنَّ الكلام هنا مع الكُفَّار وهم ضلوا أولاً، وكذبوا ثانياً، وفي آخر السورة الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم فقدم التكذيب به إظهاراً للعناية به صلى الله عليه وسلم. قوله: {مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ}. فيه أوجه: أحدها: أن تكون "من" الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم. الثاني: أن تكون "من" الثَّانية صفة لـ "شجر" فيتعلق بمحذوف أي: مستقر. الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجراً، و "من" الثانية على ما تقدم من الوجهين. الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقُّوماً، و "من" الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من "زقّوم" أي: كائناً من شجر، ولو تأخَّر لكان صفة. الخامس: أن "من شجر" صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئاً من شجر و "مِنْ زقُّومٍ" على هذا نعت لـ "شجر" أو لشيءٍ محذوف. السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها. قوله: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ}. الضمير في "منها" عائد على الشجر، وفي "عليه" للشجر أيضاً. وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان. وقيل: الضمير في "عليه" عائد على "الزَّقُّوم". وقال أبو البقاء: للمأكول. وقال ابن عطية: "للمأكول أو الأكل" انتهى. وفي قوله: "الأكْل" بُعْد. وقال الزمخشري: "وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في "منها" و "عليه"، ومن قرأ: {مِن شَجَرَةٍ مِّن زَقُّومٍ} فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها". فصل في تحرير معنى الزقوم قال ابن الخطيب: "اختلفت أقوال الناس في "الزقوم"، وحاصل الأقوال يرجع إلى كون ذلك في الطَّعم مرًّا، وفي اللمس حارًّا، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يَسيغهُ. والتحقيق اللغوي فيه أن الزَّقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن "ز ق م" لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه. يقال منه: مَزَقَ يَمْزقُ، ومنه: زَمَقَ شعره إذا نتفه، ومنه "القَزْمُ" للدَّناءة واللؤم. وأقوى من هذا أن "القاف" مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر الأمر على مكروه، فالقاف مع "الميم" كـ "القمامة والتَّقَمْقُم والقُمْقُمة"، وبالعكس "المقامق" لتغليظ الصوت، و "المَقْمَقَة" هو الشق. وأما القاف مع الزاي فـ "الزق" رمي الطائر بذرقه، والزَّقْزقة: للخفة، وبالعكس - القزنوب - فينفر الطَّبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقُبْح، ثم قرن بالأكل، فدلَّ على أنه طعام ذو غُصَّة. وأما ما يقال: بأن العرب تقول: "زَقَمْتَنِي" بمعنى: أطعمتني الزّبد والعسل واللَّبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس من ذهب". وقد تقدم الكلام على الزَّقُوم في "والصَّافات". وقوله: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ}. بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل الشَّيء لتحلّة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا منها البطون. وقوله: "البُطُون" إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم بطنه. وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب. قوله: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} أي: على الأكل، أو على الزَّقوم لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار. قوله: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ}. وهذا أيضاً بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارًّا مُنْتِناً، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهْيم، وهو الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى. وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من "شُرْب". وباقي السبعة بفتحها. ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها. فقيل: الثلاث لغات في مصدر "شرِبَ"، والمقيس منها إنما هو المفتوح، والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب كـ "الرَّعْي" و "الطَّحْن". قال القرطبي: "تقول العرب: "شَرِبْتُ شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً" بضمتين". قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشِّين وفتحها وكسرها. والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله "فَعْل"؛ ألا ترى أنك تردّه إلى المرة الواحدة، فتقول: "فَعْلَة" نحو "شَرْبة". وقال الكسائي يقال: "شربت شُرْباً وشَرْباً". ويروى قول جعفر: "أيَّامُ مِنى أيَّام أكْلٍ وشَرْب". ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشَّاربين. قال: [البسيط] شعر : 4693- كأنَّهُ خَارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفتأدِ تفسير : و "الهِيْم" فيه أوجه: أحدها: أنه جمع "أهْيَم أوْ هَيْمَاء"، وهو الجمل والنَّاقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقماً شديداً. والأصل: "هُيْم" - بضم "الهاء" - كـ "أحْمر وحُمْر، وحَمرَاء وحُمْر" فقلبت الضمة كسرة لتصح "الياء"، وذلك نحو "بِيض" في "أبْيَض". وأنشد لذي الرّمة: [الطويل] شعر : 4694- فأصْبَحْتُ كالهَيْمَاءِ، لا المَاءُ مُبْرِدٌ صَداهَا، ولا يَقْضِي عليْهَا هُيَامُهَا تفسير : الثاني: أنَّه جمع "هَائِم وهَائمة" من "الهيام" أيضاً، إلا أن جمع "فَاعِل وفاعِلَة" على "فُعل" قليل، نحو: "نَازِل ونُزُل، وعائذ وعُوذ". ومنه: [الطويل] شعر : 4695-....................... عُوذٍ مَطَافِلِ تفسير : وقوله: "العوذ المطافيل". وقيل: هو من "الهيَام" وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هَامَ على وجهه. الثالث: أنه جمع "هَيَام" بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً، فيكون مثل "سَحَاب وسُحُب" - بضمتين - ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصحّ "الياء" كما فُعِلَ بالذي قبله. [الرابع: أنه جمع "هُيَام" - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة في "الهيام" بالفتح. حكاها ثعلب. إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على "فُعُل" نحو: "قَرَاد وقُرُد"، ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح "الياء"]. وفي "الصحاح": "والهُيَام - بالضَّم - أشدّ العطش، و "الهيام" كالجنون من العشق، و "الهَيْمَاء" أيضاً: المفازة لا ماء بها، و "الهِيَام" - بالكسر - العطاش". والمعنى: أنَّهم يصيبهم من الجُوع ما يلجئهم إلى أكل الزَّقُّوم، ومن العطش ما يضطرهم إلى شُرْب الهيم. وقال الزمخشري: "فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟. قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهِي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين". انتهى. يعني قوله: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ}. وهو سؤال حسن، وجوابه مثله. وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ} تفسير للشرب قبله. ألا ترى أنَّ ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان: إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه. والثانية: عدم جَدْوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهِيْمِ على التفسيرين. وقال أبو حيَّان: ""والفاء" تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولاً لما عطشوا شربُوا من الحميم ظنًّا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشاً بحرارة الحميم، فشربوا بعده شرباً لا يقع بعده ريٌّ أبداً، وهو مثل شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: الصفة، والمشروب منه في {فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ} محذوف لفهم المعنى، تقديره: فشاربون منه" انتهى. قال شهاب الدين: "والظَّاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانياً". قوله: {ٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ}. قرأ العامة: "نُزُلُهُمْ" بضمتين. وروي عن أبي عمرو من طرق. وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف. و "النُّزُل": ما يعدّ للضيف. وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكّماً بمن أعد له. وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضَّبي: [الطويل] شعر : 4696- وكُنَّا إذا الجَبَّارُ أنْزَلَ جَيْشَهُ جعلنَا القَنَا والمُرهفاتِ لَهُ نُزْلا تفسير : ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنُّزل الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [التوبة: 34].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم؟ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وظل من يحموم} قال: من دخان أسود، وفي لفظ: من دخان جهنم. وأخرج هناد وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {وظل من يحموم} قال: من دخان جهنم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {وظل من يحموم} قال: من دخان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه {وظل من يحموم} قال: الدخان. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {لا بارد ولا كريم} قال: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} قال: منعمين {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} قال: على الذنب العظيم. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} قال: هي الكبائر. وأخرج ابن عدي والشيرازي في الألقاب والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الواقعة {فشاربون شرب الهيم} بفتح الشين من شرب. وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {شرب الهيم} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {شرب الهيم} قال: الإِبل العطاش. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزوجل: {فشاربون شرب الهيم} قال: الإِبل يأخذها داء يقال له الهيم، فلا تروى من الماء، فشبه الله تعالى شرب أهل النار من الحميم بمنزلة الإِبل الهيم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: شعر : أجزت إلى معارفها بشعب واطلاح من العبديّ هيم تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مجلز رضي الله عنه {فشاربون شرب الهيم} قال: كان المراض تمص الماء مصّاً ولا تروى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {فشاربون شرب الهيم} قال: الإِبل المراض تمصّ الماء مصّاً ولا تروى. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {فشاربون شرب الهيم} قال: ضراب الإِبل دواب لا تروى. وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فشاربون شرب الهيم} قال: هيام الأرض يعني الرمال. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال {الهيم} الإِبل العطاش. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {شرب الهيم} قال: الإِبل الهيم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه {شرب الهيم} قال: داء يأخذ الإبل فإذا أخذها لم ترو. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {شرب الهيم} برفع الشين.
ابو السعود
تفسير : {وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ} شروعٌ في تفصيلِ أحوالِهم التي أُشير عند التنويعِ إلى هولِها وفظاعتِها بعدَ تفصيلِ حسنِ حالِ أصحابِ اليمينِ. والكلامُ في قولِه تعالى: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ} عينُ ما فُصِّلَ في نظيرِه وكذا في قولِه تعالى {فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} والسَّمومُ حرُّ نارٍ ينفذُ في المسامِّ والحميمُ المُتناهِي في الحرارةِ. {وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ} منْ دُخانٍ أسودَ بهيمٍ {لاَّ بَارِدٍ} كسائرِ الظلالِ {وَلاَ كَرِيمٍ} فيه خير ما في الجملة سُمِّيَ ذلكَ ظلاً ثم نُفى عنه وصفاهُ البردُ والكرمُ الذي عبر به عن دفع أذى الحر لتحقيقِ أنه ليس بظلَ وقرىءَ لا باردٌ ولا كريمٌ بالرفعِ أي لا هُو باردٌ ولا كريمٌ. وقولُه تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} تعليلٌ لابتلائِهم بما ذُكِرَ من العذابِ أي إنَّهم كانُوا قبلَ ما ذُكِرَ من سُوءِ العذابِ في الدُّنيا منعّمينَ بأنواعِ النعمِ من المآكلِ والمشاربِ والمساكنِ الطيبةِ والمقاماتِ الكريمةِ منهمكينَ في الشهواتِ فلا جرمَ عُذبُوا بنقائضِها.
القشيري
تفسير : {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ}: والسَّموم فيحُ جهنم وحَرُّها. والحميم: الماءُ الحار. {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ}، وهو الدُّخان الأُسود. {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ}: لا بارد: أي لا راحةَ فيه. ولا كريمٍ: ولا حَسَنٍ لهم؛ (حيث لا نفع فيه). {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} أي: كانوا في الدنيا مُمَتَّعين. {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} أي الذَّنْبِ العظيم. {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}؟ أي: أنهم يُكَذِّبون بالبعث.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصحاب الشمال} شروع فى تفصيل احوالهم وهم الكفار لقوله تعالى {أية : والذين كفروا بآياتنا هم اصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة}تفسير : {مااصحاب الشمال} اى لاتدرى مالهم من الشر وشدة الحال يوم القيامة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وأصحابُ الشمال ما أصحابُ الشمال} تفظيع لشأنهم، والشمال والمشأمة واحد. {في سَمُوم} في حرّ نار تنفذ في المسامّ، {وحميم} وماء حارّ، تناهي في الحرارة، {وظِلٍّ من يَحْمُوم} من دخان أسود بهيم، {لا باردٍ} كسائر الظلال، {ولا كريم} فيه خير مّا في الجملة، سمّاه ظلاًّ، ثم نفى عنه برد الظل ورَوْحَه ونفعَه لمَن يأوي إليه من أذى الحر، وذلك كرمه - ليمحي عنه ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه، والمعنى: أنه ظلٌّ حار ضارّ. {إِنهم كانوا قبل ذلك} أي: في الدنيا {مُتْرَفِينَ} منعّمين بأنواع النِعَم، من المآكل والمشارب، والمساكن الطيبة، والمقامات الكريمة، منهمكين في الشهوات، فمَنَعَهم ذلك من الانزجار، وشَغَلَهم عن الاعتبار. وهو تعليل لابتلائهم بما ذكر من العذاب، {وكانوا يُصِرُّون} يُداومون {على الحِنْثِ العظيم} أي: على الذنب العظيم، وهو الشرك؛ لأنه نقض عهد الميثاق، وخروج عن طاعة الملك إلى نصر غيره. والحنث: نقض العهد الموثّق باليمين، أو: الكفر بالبعث، لقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ}تفسير : [النحل: 38]، ثم صار يُطلق على مطلق الذنب، ومنه: بلغ الغلامُ الحنث، أي: وقت الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب. {وكانوا يقولون} لغاية عتوهم: {أئِذا مِتْنَا وكنا تراباً وعظاماً} أي: إذا صارت أجزاؤنا من الجلد والعظم واللحم، بعضها تراباً، وبعضها عظاماً نخرة، نُبعث بعد ذلك؟ وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابها حيواناً. والعامل في "إذا" ما دلّ عليه قوله: {أئنا لمبعوثون} أي: أنْبعث إذا صرنا في هذه الحالة؟ ولا يعمل فيه لفظه؛ لأنّ "إنّ" والاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلهما، {أَوَ آباؤنا الأولون} يُبعثون أيضاً؟ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وحسن العطف على المضمر في {لمبعوثون} من غير توكيدٍ بـ"نحن" للفاصل الذي هو الهمزة، يعنون بذلك: أن بعث آبائهم أبعد في الوقوع من بعثهم. وقرئ في السبع بأو العاطفة. ثم ردّ عليهم بقوله: {قل إِنّ الأولين والآخِرين} أي: إنّ الأولين من الأمم المتقدمين، الذين من جملتهم آباؤكم، والآخرين، الذين من جملتهم أنتم. وفي تقديم "الأولين" مبالغة في الرد، حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد مع مراعاة الترتيب، {لمجموعون} بالبعث {إِلى ميقاتٍ يومٍ معلوم} أي: إلى ما وقتت به الدنيا باعتبار فنائها من يوم معلوم، وهو يوم البعث والحساب، والإضافة بمعنى "من" كخاتم فضة. {ثم إِنكم أيها الضالون} عن الهدى {المكذِّبون} بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأضرابهم، {لآكلون} بعد البعث والجمع ودخول جهنم {مِن شجرٍ مِن زقوم} "مِن" الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الشجر. {فمالئُون منها البطونَ} أي: بطونكم من شدة الجوع، {فشاربون عليه} عقب ذلك بلا ريث {من الحميم} الماء الحار. أنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكَّره على اللفظ في "منها" و "عليه". {فشاربون شُرْبَ الهِيم} وهي الإبل التي بها الهُيَام، وهو داء يُصيبها فتشرب ولا تروَى، أي: لا يكون شربكم شراباً معتاداً، بل يكون مثل شرب الإبل الهيم، واحدها: "هيماء وأَهْيَم" وحاصل الآية: أنه يُسلط عليهم من الجوع ما يضطرون معه إلى أكل الزقوم، الذي هو كالمهل، وإذا ملأوا منه البطون يُسلّط عليهم ما يضطرّهم إلى شرب الحميم، الذي يُقَطِّع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهِيم، وإنما صحّ عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متّفقة، لأنَّ كونهم شاربين الحميم مع ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء، أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كشرب الهِيم الماء أمر عجيب أيضاً، فكانت صفتين مختلفتين. {هذا نُزلُهم} النُزل: هو الرزق الذي يُعدّ للنازل تكرمةً له، {يَوْمَ الدَّينِ} يوم الجزاء، فإذا كان نُزلهم هذا، فما ظنك بعدما استقر بهم القرار، واطمأنت بهم الدار في النار؟ وفيه من التهكُّم ما لا يخفى. {نحن خلَقناكم فلولا} فلاّ {تُصَدِّقُونَ} تحضيض على التصديق، إمَّا بالخَلق؛ لأنهم وإن كانوا مصدّقين به إلاّ أنه لمّا كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذّبون به، وإمّا بالعبث؛ لأنّ مَن خلَق أولاً لم يمتنع عليه أن يَخلق ثانياً. الإشارة: أصحاب الشمال هم أهل الخذلان من العصاة والجُهال، في سَموم الجهل والبُعُد، ينفذ في مسام أرواحهم وقلوبهم، وحميم الحرص والتعب، والجزع والهلع، وظِلٍّ من يحموم، وهو التدبير والاختيار، لا بارد ولا كريم، أي: ليس كظل الرضا وبرد التسليم، بل هو ظل مشؤوم، حاجب عن شمس العيان، مُوقع في ظل الذل والطمع والهوان. إنهم كانوا قبل ذلك؛ قبل وقت وصول العارفين مُترفين متنعمين في الحظوظ، منهمكين في الشهوات، وكانوا يُصِرُّون على الحنث العظيم، وهو حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وكانوا يُنكرون بعث الأرواح من الجهل إلى العرفان، ويقولون: {أئذا متنا وكنا تراباً}، أي: أرضيين بشريين، وعظاماً يابسين بالقسوة والبُعد، {أئنا لمبعوثون} من هذه الموتة إلى حياة أرواحنا بالعلم والمعرفة؟ والحاصل: أنهم كانوا ينكرون وجود أهل التربية؛ الذي يُحيي اللّهُ بهم القلوبَ والأرواحَ الميتة بالجهل والغفلة. قل إنَّ الأولين منكم الذين كانوا على هذا الوصف، والآخرين إلى يوم القيامة، لمجموعون إلى الحضرة، إذا صَحِبوا أهل التربية، فيفتح الله عليهم إلى ميقات يوم معلوم، وهو الحد الذي سبق لفتحهم. ثم إنكم أيها الضالون المكذّبون المنكِّرون لوجود الطبيب، الذي يُحيي الأرواح الميتة والقلوب، {لآكلون من شجر من زقوم} وهي شجرة الجهل وتوارد الشكوك والخواطر على قلوبكم، فمالئون منها بطونكم، بحيث لا يبقى في بواطنكم متسع لأنوار اليقين والمعرفة، فشاربون على ذلك من الحميم، وهو الغضب والتدبير والاختيار، {فشاربون شُرب الهيم}، لا يملُّون منه ليلاً ولا نهاراً، كذا يَظلُّون يَبنون ويَهدمون، وهو عين البطالة والتضييع. {هذا نُزلهم يوم الدين}، أي: يوم يُجازِي الحقُّ المتوجهين إليه بالوصال وراحة الاتصال. {نحن خلقناكم}: أنشأناكم من العدم، فلولا تُصدِّقون في إحياء أرواحكم بالعلم والمعرفة بعد موتها، فإنّ القادر على إنشاء الأشباح قادر على إحياء الأرواح. والله تعالى أعلم. ثم برهن على ذلك، فقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ}.
الطوسي
تفسير : عشر آيات كوفي عند جميعهم. وأحدى عشر آية في المدني الأول. عد الكل {وأصحاب الشمال} ولم يعده الكوفيون. وعد الكل {في سموم وحميم} ولم يعده الكوفيون، وعد {المكنون} و {كانوا يقولون} ولم يعده الباقون. وعد الكل إلا اسماعيل والشاميين {الأولين والآخرين} وعد اسماعيل والشاميون {لمجموعون} ولم يعده الباقون. قيل في معنى قوله {وأصحاب الشمال} ثلاثة اقوال: أحدها - إنهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى جهنم. الثاني - هم الذين يأخذون كتبهم بشمالهم. الثالث - الذين يلزمهم حال الشؤم والنكد. وكل هذا من أوصافهم. وقوله {ما أصحاب الشمال} معناه معنى قوله {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} وقد فسرناه. وقوله {في سموم وحميم} فالسموم الريح الحارة التي تدخل فى مسام البدن، ومسام البدن خروقه، ومنه أخذ السم، لانه يسري في المسام. والحميم الحار الشديد الحرارة من الماء، ومنه قوله {أية : يصب من فوق رؤسهم الحميم } تفسير : وحم ذلك أي ادناه كأنه حرر أمره حتى دنا. وقيل: في سمون جهنم وحميمها. وقوله {وظل من يحموم} فاليحموم الاسود الشديد السواد باحتراق النار، وهو (يفعول) من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار. وأسود يحموم أي شديد السواد {وظل من يحموم} أي دخان شديد السواد - في قول ابن عباس وابي مالك ومجاهد وقتادة وابن زيد - وقوله {لا بارد ولا كريم} معناه لا بارد كبرد ظلال الشمس، لانه دخان جهنم، ولا كريم، لان كل ما انتفى عنه الخير، فليس بكريم. وقال قتادة: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر. وقوله {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} قال ابن عباس: معناه إنهم كانوا في الدنيا متنعمين. وقوله {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} قال قتادة ومجاهد كانوا يقيمون على الذنب العظيم، ولا يتوبون منه، ولا يقلعون عنه. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: كانوا يقيمون على الشرك العظيم. وقيل: اصرارهم على الحنث هو ما بينه الله تعالى في قوله {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } تفسير : والاصرار الاقامة على الامر من جهة العزم على فعله، فالاصرار على الذنب نقيض التوبة منه، والحنث نقض العهد المؤكد بالحلف، فهؤلاء ينقضون العهود التي يلزمهم الوفاء بها، ويقمون على ذلك غير تائبين منه، ووصف الذنب بأنه عظيم أنه اكبر من غيره مما هو أصغر منه من الذنوب. وقوله {وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون}؟! حكاية من الله تعالى عما كان يقول هؤلاء الكفار من انكارهم البعث والنشور والثواب والعقاب وأنهم كانوا يقولون مستبعدين منكرين: أئذا متنا وخرجنا عن كوننا أحياء وصرنا تراباً وعظاما بالية أئنا لمبعوثون؟! ولم يجمع ابن عامر بين الاستفهامين إلا ها هنا، أو يبعث واحد من آبائنا الذين تقدموا قبلنا ويحشرون ويردون إلى كونهم أحياء إن هذا لبعيد. والواو في قوله {أو آباؤنا} متحركة، لأنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} أي قل لهم يا محمد إن تقدمكم من آبائكم او غير آبائكم، والآخرين الذين يتأخرون عن زمانكم يجمعهم الله ويبعثهم ويحشرهم إلى وقت يوم معلوم عند الله، وهو يوم القيامة.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ثمّ ذكر سبحانه أصحاب الشمال، وعجب رسوله من حالهم، وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى جهنّم، أي قعر العالم، كما أفصح عن اسمها، يقال: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر. أو الذين يأخذون كتبهم بشمالهم، أي من جانب الحسّ والطبيعة، وقد مرَّ بيان أنّ المعنيين متلازمان. وبيانه بوجه آخر: انّ النفس الكليّة الموصوفة بالقوّتين - المعبّر عنها بلسان الشرع بـ " اللوح المحفوظ" - ظلّ للعقل الكلّي - المعبّر عنه بـ "القلم الأعلى" و "النور المحمّدي"، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أوّل ما خلق الله نوري ". تفسير : كما أنّ الطبيعة ظِلّها، فما لم تمتدّ من ظِلّ النفس وبقيَت في درجة النوريّة سُمّيت بالزمّردة الخَضراء، وما امتدّ من ظِلّ النفس فتسمّى طبيعة وكان امتدادها على جوهر الهيولى المظلمة، فظهر من جوهر الهيولى والطبيعة الجسم الطبيعي مظلماً، ولهذا شبَّهوه بالفحمة السوداء، وفي هذا الجسم ظهرت صور هذا العالَم وأشكاله. فكما علمت هذا في النفس الكلّية، فاعلم أنّ الحال في النفوس الجزئيّة هكذا، لأنّها رقائق للنفس الكلّية، فلكل نفس جزئيّة جانبان: الأعلى وهو اليمين، والأسفل وهو الشمال. وليس لها الانتقال من طرف إلى طرف إلاّ أفراد النفوس الإنسانيّة، فإنّ كلاّ منها كطير له جناحان، بأحدهما يطير إلى فوق - وهو القوّة النظريّة - وبالآخر يهوي إلى تحت، وهو القوّة العمليّة، فمن طارت نفسه إلى العالم الأعلى، إمّا بقوّة ذاته كالمجتهدين العارفين، أو بقوّة غيره كالمقلّدين المريدين، فهو من أهل السعادة الأخرويّة، إمّا من الفائزين المقرّبين، أو من أصحاب اليمين الناجين. ومن هَوَتْ نفسه إلى العالَم الأسفل، ونزلت درجته إلى درجة الطبيعة والحواسّ، فهو من أهل الشقاوة الأخرويّة، وأصحاب الشمال والوَبال، لرُكونه وسكونه إلى عالَم الطبيعة. فإذا زالت عنه القوى الطبيعيّة، ونفدت منه هذه الحواسّ، كان كانسان مقطوع الأعضاء، ممثول الأطراف في ظلمة شديدة لا أوحش منها، فما أصعب حال أصحاب الشمال، وما أشدّ نكال أهل الظلمة والوبال. فأراد سبحانه أن يكشف عن سوء أحوالهم وقبح وبالهم:
الجنابذي
تفسير : {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ فِي سَمُومٍ} حرّ نارٍ يدخل فى المسامّ {وَحَمِيمٍ} ماءٍ متناهٍ فى الحرارة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشِّمَالِ} وهم أهل النار {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} في نار وحميم، أي الشراب الذي لا يستطاع من حره. قال: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} أي: من دخان، [واليحموم الدخان الشديد السواد] وهو قوله: (أية : انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ)تفسير : [المرسلات: 30-31] يُنطَلَق بهم عند الفراغ من حسابهم ويُساقون إلى النار. ثم يبعث الله إليهم ملكاً فيقول للخزنة: (أية : وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ) تفسير : [الصافات:24] أي: عن أعمالهم الخبيثة، فيحبسون قبل أن يصلوا إلى النار، فيخرج عنق من النار فيحبط بهم جميعاً فيغشاهم الحرّ والغشيان. وذلك قوله عز وجل: (أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)تفسير : [الكهف:29] ثم يخرج من النار دخان أسود مظلم غليظ شديد حتى يكون فوق رؤوسهم. ثم يتفرق ذلك الظل ثلاث فرق فوقهم على السرادقات، فينطلق كل قوم من شدة الحر الذي أصابهم من حر السرادق، فذلك قوله: {انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}. قال تعالى: {لاَّ بَارِدٍ} أي: لا بارد في الظل {وَلاَ كَرِيمٍ} أي: في المنزل. والكريم: الحسن. قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} هو كقوله عز وجل: (أية : إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً) تفسير : [الانشقاق:13]. والمترفون أهل السعة والنَّعمة في الدنيا، يعني المشركين. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر .
اطفيش
تفسير : {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ0فِى سَمُومٍ} ريح حارة من النار تنفد المسام أو حر النار ينفد المسام ومر مثله. {وَحَمِيمٍ} ماء متناه في الحرارة {وَظِلٍ مِّن يَحْمُومٍ} دخان شديد السواد وهو يفعول من الحمة وهي السواد هذا قول ابن عباس والجمهور وقيل: هو سرادق النار المحيط باهل النار فانه يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم وفسر بعضهم هذه السرادق بالدخان وقيل اليحموم جبل في النار اسود وقيل اسم من اسماء النار وهي سوداء وكل شيء فيها اسود.
اطفيش
تفسير : {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ} هو مثل قوله تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين فى سدر. والسموم الريح الحارة المؤثرة تأَثير السم أو النار النافذة فى مسام البدن التى يخرج منها العرق. والتنوين للتعظيم وكذا فى قوله {وَحَمِيمٍ} أى ماءَ حار غاية الحرارة وفى قوله {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} بوزن يفعول من الحمة وهى قطعة من الفحم، والمراد الدخان الأَسود سمى باسم الفحم لشبهه به فى السواد، فهو اسم له وسمى ظلا تهكما بهم، ووجه الشبه أن الدخان فى الهواء على صورة الظل فى الأَرض أو سرادق من النار محيط بهم ويعلوهم كالظل، روايتان عن ابن عباس أو اسم لجهنم لأَنها سوداء لهبها أسود لا ضوء له، وكلها وكل ما فيها أسود أو جبل أسود فيها يفزعون إِليه فيجدونه أشد {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} لا ومدخولها اسم نعت لظل أى غير بارد غير كريم، نفى الله عز وجل أن يكون بارداً كسائر الظل وأن يكون كريماً أى نافعا بإِزالة الحر كذلك، فاستعار الكرم للنفع فاشتق منه على طريق التبعية لفظ كريم بمعنى نافع والتحقيق قيل إِن الاستعارة التبعية لم تتقدمها استعارة أصلية بل تقدمها قصد تشبيه فقط، وفى نفى البرد والكرم عن الظل الذى لهم إِشارة إِلى إِثباتها لأَعدائهم المؤْمنين وذلك زيادة فى غيظهم وتحسرهم، وقيل كريم مرضى فى برده وفيه أنه لا وجه لنفى كون برده مرضيا بعد نفى البرد البته من أصله. وأجيز أن يكون نفياً لكرامة من يستريح إِليه ونسب إِلى الظل مجازا كأَنه قيل ولا كريم أهله بل مهانون والطبيعة تقبل المجلس الردئ لكرامة تلحق به ولا تقبل المجلس الحسن مع إِهانة تلحق به، ويجوز أن يكون ذلك نعتاً ليحموم، فيفيد نفى الكرم عن اليحموم والبرد العام وعن الظل المخصوص منه، إِذ كان بعضه مع بقاء ما تقدم من نكتة نفى البرد والكرم عن الظل. أشار إِليه الإِمام أبو حيان ورد على تفسير قبل هذه السورة بمقدار لبغدادى يكثر فيه الرد على أبى حيان ولى همة فى الجواب عنه، لكن لى إِشغال.
الالوسي
تفسير : والكلام في قوله تعالى: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ * فِى سَمُومٍ } على نمط ما سلف في نظيره، والسموم قال الراغب: الريح الحارة التي تؤثر تأثير السم، وفي «الكشاف» حرّ نار ينفذ في المسام، والتنوين للتعظيم وكذا في قوله تعالى: {وَحَمِيمٍ } وهو الماء الشديد الحرارة.
ابن عاشور
تفسير : إفضاء إلى الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة، وهم أصحاب المشاقّة. والقول في جملة: {ما أصحاب الشمال} وموقع جملة {في سموم} بعدها كالقول في جملة {أية : وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود}تفسير : [الواقعة: 27، 28]. والسموم: الريح الشديد الحرارة الذي لا بلل معه وكأنه مأخوذ من السُّمّ، وهو ما يهلك إذ لاقى البدن. والحميم: الماء الشديد الحرارة. واليحموم: الدخان الأسود على وزن يفعول مشتق من الحُمَم بوزن صُرَد اسم للفحم. والحُممة: الفحمة، فجاءت زنة يفعول فيه اسماً ملحوظاً فيه هذا الاشتقاق وليس ينقاس. وحرف {مِن} بيانية إذ الظل هنا أريد به نفس اليحموم، أي الدخان الأسود. ووصف {ظل} بأنه {من يحموم} للإِشعار بأنه ظل دخان لَهب جهنم، والدخان الكثيف له ظل لأنه بكثافته يحجب ضوء الشمس، وإنما ذكر من الدخان ظله لمقابلته بالظل الممدود المُعدّ لأصحاب اليمين في قوله: {أية : وظِلّ ممدود}تفسير : [الواقعة: 30]، أي لا ظل لأصحاب الشمال سِوى ظِل اليحموم. وهذا من قبيل التهكم. ولتحقيق معنى التهكم وصف هذا الظل بما يفيد نفي البرد عنه ونفي الكرم، فبرد الظلّ ما يحصل في مكانه من دفع حرارة الشمس، وكرمُ الظلّ ما فيه من الصفات الحسنة في الظلال مثل سلامته من هبوب السموم عليه، وسلامة الموضع الذي يظله من الحشرات والأوساخ، وسلامة أرضه من الحجارة ونحو ذلك إذ الكريم من كل نوع هو الجامع لأكثر محاسن نوعه، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : إني ألقي إليّ كتاب كريم} تفسير : في سورة سليمان (29)، فوُصف ظلّ اليحموم بوصف خاص وهو انتفاء البرودة عنه واتبع بوصف عام وهو انتفاء كرامة الظلال عنه، ففي الصفة بنفي محاسن الظلال تذكير للسامعين بما حُرم منه أصحاب الشمال عسى أن يحذروا أسباب الوقوع في الحرمان، ولإفادة هذا التذكير عدل عن وصف الظلّ بالحرارة والمضرّة إلى وصفه بنفي البرد ونفي الكرم.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى السموم في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى {أية : فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ}تفسير : [الطور: 27]. وقد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى {أية : وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً}تفسير : [النساء: 57] وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة في قوله هنا {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} وقوله في المرسلات {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ}تفسير : [المرسلات: 30-31]. وقوله: {مِّن يَحْمُومٍ} أي من دخان أسود شديد السواد ووزن اليحموم يفعول، وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود لاحتراقه بالنار.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأصحاب الشمال: أي هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال في الموقف يوم القيامة وهم أهل الشرك والمعاصي في الدنيا. في سموم: أي ريح حارة تنفذ في مسام الجسد. وحميم: أي ماء حار شديد الحرارة. وظل من يحموم: أي دخان شديد السواد. لا بارد ولا كريم: أي لا بارد كغيره من الظلال ولا كريم حسن المنظر. كانوا قبل ذلك : أي في الدنيا. مترفين: أي منعمين لا ينهضون بالتكاليف الشرعية ولا يتعبون في طاعة الله ورسوله. يصرون على الحنث العظيم: أي الذنب العظيم وهو الشرك. وكانوا يقولون أئذا متنا الآن: أي وكانوا ينكرون البعث الآخر. لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم: أي لوقت يوم معلوم وهو يوم القيامة. أيها الضالون المكذبون: أي الضالون عن طريق الهدى المكذبون بالبعث والجزاء. من شجر من زقوم: أي من أخبث الشجر المرّ في غاية الكراهة والبشاعة طعماً ولوناً. فشاربون شرب الهيم: أي شاربون شرب الإِبل العطاش، إذ الهيمان العطشان والهيمى العطشى. هذا نزلهم يوم الدين: أي هذا ما أعد لهم من قرىً يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان أحوال الأصناف الثلاثة التي انقسمت البشرية إليها عند خروجها من قبورها فذكر حال السابقين وحال أصحاب اليمين وذكر هنا حال أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال فقال تعالى: {وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ} تنديد بحالهم وإعلان عن سوء عاقبتهم وما هم فيه من عذاب إنهم {فِي سَمُومٍ} أي ريح حارة تنفذ في مسام الجسم {وَحَمِيمٍ} وهو ماء حار شديد الحرارة هذا شرابهم، {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} إنه دخان أسود شديد السواد {لاَّ بَارِدٍ} كغيره من الظلال {وَلاَ كَرِيمٍ} أي وليس بذي حسن في منظره. وقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} هذه علة جزائهم بالعذاب الأليم إنهم كانوا في الدنيا منعمين لا يصلون ولا يصومون ولا يجاهدون ولا يرابطون، {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} أي على الإِثم العظيم أي الشرك وكبائر الإِثم والفواحش. {وَكَانُواْ يِقُولُونَ} منكرين للبعث والجزاء جاحدين باليوم الآخر - {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} أي أحياء كما كنا في الدنيا {أَوَ آبَآؤُنَا} أيضا مبعوثون كذلك والاستفهام في الموضعين للاستبعاد والإِنكار. وهنا أمر تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بقوله {قُلْ} أي قل لهم: {إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ} أي أنتم وآباؤكم من عهد آدم والآخرين منكم ومن ذريتكم إلى نهاية حياة الإِنسان {لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} أي لوقت يوم معلوم عند الله محدد باليوم والساعة والدقيقة {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ} عن سبيل الهدى المعرضون عن الحق المكذبون بالبعث لداخلون جهنم ماكثون فيها أبداً وإنكم {لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} وهو شر ثمر وأخبث ما يؤكل مرارة {فَمَالِئُونَ مِنْهَا} بطونكم لما يصيبكم من الجوع الشديد، {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ} أي الماء الحار الشديد الحرارة مكثرين كما تكثر الإِبل الهيم التي أصابها العطش واشتد بها داء الهيام الذي أصابها. قوله تعالى {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي هذا الذي ذكرنا من طعام الضالين المكذبين وشرابهم هو نزلهم الذي ننزلهم يوم الدين وأصل النزل ما يعد للضيف النازل من قرى: طعام وشراب وفراش. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أصحاب الشمال يدخل فيهم كل كافر وجد على وجه الأرض فإنهم في التقسيم ثلث الناس وفي الواقع هم أضعاف أضعاف السابقين وأصحاب اليمين لأن أكثر الناس لا يؤمنون. 2- التنديد بالترف والتنعم في هذه الحياة الدنيا فإنه يقود إلى ترك التكاليف الشرعية فيهلك صاحبه لذلك لا لكون طعامه وافراً وشرابه لذيذاً. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء بما لا مزيد عليه من العرض والوصف لحال الناس.
القطان
تفسير : السموم: ريح حارة تنفُذ في مسام البدن. الحميم: الماء الحار. وظلٍّ من يحموم: في ظلٍ من دخان حارٍ شديد السواد. مترفين: منعمين. الحنث العظيم: الذنب العظيم وهو الشِرك بالله. ميقات: وقت معلوم، والمراد به يوم القيامة. شجر الزقّوم: شجر ينبت في أصل الجحيم. الهِيم: الإبل يصيبها داءٌ تشرب معه ولا تروى. النزل: مكان مهيّأ للضيف. يوم الدين: يوم الجزاء. بعد ان بيّن الله مقام الصِنفين: السابِقين واصحاب اليمين، وما يلقاه كل منهم من عز ونعيم مقيم وشرف عظيم - بين هنا الصنف الثالث المقابل وهم الجاحِدون المعاندون، اصحاب الشمال. ولا يدري أحدٌ ما ينال أصحابَ الشمال من العذاب، فهم في ريح حارة تشوي الوجوه، وماءٍ متناهٍ في الحرارة، وفي ظلٍ من دخانٍ حارّ شديد السواد، لا بارد يخفّف حرارةَ الجو، ولا كريمٍ يعود عليهم بالنفع إذا استنشقوه. والسبب في ذلك: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} مسرِفين في الاستمتاع بنعيم الدنيا. وكانوا يصرّون على الشِرك بالله، ويحلفون بأنه لن يُبعث من يموت. كما جاء في سورة النحل الآية 38 {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : وكانوا يزيدون في الانكار فيقولون: أنُبعث إذا متنا، وصارت أجسامُنا تراباً وعظاما بالية؟ هل نعود الى حياة ثانية، ونُبعث نحن وآباؤنا الأقدمون الذين ماتوا من زمن قديم!؟. قل لهم أيها الرسول الكريم: سوف يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد في ذلك اليوم المعلوم، ثم إنكم أيها الجاحدون المكذّبون بالبعث، ستأكلون في جهنّم من شجرةِ الزقّوم التي وصفها الله تعالى في سورة الصافّات بقوله: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 64، 65]، فمالئون من هذا الشجرِ الخبيثِ بطونَكم، فشاربون ماءً شديدَ الحرارة لا يروي ظمأكم، كما تشرب الابلُ المصابةُ بمرض العطَش فلا تروى أبدا. وكل ما ذكر فهو ضيافتهم يوم الدِّين على سبيل التهكّم بهم، لأن قوله تعالى {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ}، معناه: هذا ما يهيّأ لضيافتهم. وفي هذا توبيخٌ لهم وتهكم بهم. قراءات: قرأ عاصم ونافع وابن عامر وحمزة: شُرب الهيم بضم الشين. والباقون: شَرب الهيم بفتح الشين. وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابُ} (41) - وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ الذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ، وَيَقِفُونَ فِي المَحْشَرِ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَمَا يُدْرِيكَ مَا يَكُونُ عَلَيهِ حَالُهُمْ؟.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ } . المراد بأصحاب الشمال [هم:] أصحاب النار، والأعمال المشئومة. فذكر [الله] لهم من العقاب، ما هم حقيقون به، فأخبر أنهم { فِي سَمُومٍ } أي: ريح حارة من حر نار جهنم، يأخذ بأنفاسهم، وتقلقهم أشد القلق، { وَحَمِيمٍ } أي: ماء حار يقطع أمعاءهم. { وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ } أي: لهب نار، يختلط بدخان. { لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ } أي: لا برد فيه ولا كرم، والمقصود أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، الذي لا خير فيه، لأن نفي الضد إثبات لضده. ثم ذكر أعمالهم التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء فقال: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } أي: قد ألهتهم دنياهم، وعملوا لها، وتنعموا وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل عن إحسان العمل، فهذا هو الترف الذي ذمهم الله عليه. { وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ } أي: وكانوا يفعلون الذنوب الكبار ولا يتوبون منها، ولا يندمون عليها، بل يصرون على ما يسخط مولاهم، فقدموا عليه بأوزار كثيرة [غير مغفورة]. وكانوا ينكرون البعث، فيقولون استبعادا لوقوعه: { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ } أي: كيف نبعث بعد موتنا وقد بلينا، فكنا ترابا وعظاما؟ [هذا من المحال] { أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ } قال تعالى جوابا لهم وردا عليهم: { قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ والآخرين لمجموعون إلى ميقات يَوْمٍ مَعْلُومٍ } أي: قل إن متقدم الخلق ومتأخرهم، الجميع سيبعثهم الله ويجمعهم لميقات يوم معلوم، قدره الله لعباده، حين تنقضي الخليقة، ويريد الله تعالى جزاءهم على أعمالهم التي عملوها في دار التكليف. { ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ } عن طريق الهدى، التابعون لطريق الردى، { الْمُكَذِّبُونَ } بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق والوعد والوعيد. { لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ } وهو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا. { فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ } والذي أوجب لهم أكلها -مع ما هي عليه من الشناعة- الجوع المفرط، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه أفئدتهم. هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وأما شرابهم، فهو بئس الشراب، وهو أنهم يشربون على هذا الطعام من الماء الحميم الذي يغلي في البطون شرب الإبل الهيم أي: العطاش، التي قد اشتد عطشها، أو [أن الهيم] داء يصيب الإبل، لا تروى معه من شراب الماء. { هَذَا } الطعام والشراب { نزلُهُمْ } أي: ضيافتهم { يَوْمَ الدِّينِ } وهي الضيافة التي قدموها لأنفسهم، وآثروها على ضيافة الله لأوليائه. قال تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نزلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا }. تفسير : ثم ذكر الدليل العقلي على البعث، فقال: { نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ } أي: نحن الذين أوجدناكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، من غير عجز ولا تعب، أفليس القادر على ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير، ولهذا وبخهم على عدم تصديقهم بالبعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم منه وأبلغ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):