Verse. 5361 (AR)

٦٩ - ٱلْحَاقَّة

69 - Al-Haqqa (AR)

فَلَاۗ اُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُوْنَ۝۳۸ۙ
Fala oqsimu bima tubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا» زائدة «أقسم بما تبصرون» من المخلوقات.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: منهم من قال: المراد أقسم و(لا) صلة، أو يكون رد الكلام سبق، ومنهم من قال: لا ههنا نافية للقسم، كأنه قال: لا أقسم، على أن هذا القرآن قول رسول كريم يعني أنه لوضوحه يستغني عن القسم، والاستقصاء في هذه المسألة سنذكره في أول سورة {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [القيامة: 1]. المسألة الثانية: قوله: {بِمَا تُبْصِرُونَ ومالا تُبْصِرُونَ } يوم جميع الأشياء على الشمول، لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} المعنى أقسم بالأشياء كلّها ما ترون منها وما لاترون. و «لا» صلة. وقيل: هو رَد لكلام سبق؛ أي ليس الأمر كما يقوله المشركون. وقال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً ساحر. وقال أبو جهل: شاعر. وقال عقبة: كاهن؛ فقال الله عز وجل: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي أقسم. وقيل: «لا» ها هنا نفي للقَسَم، أي لا يحتاج في هذا إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، وعلى هذا فجوابه كجواب القسم. {إِنَّهُ} يعني القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يريد جبريل، قال الحسن والكلبيّ ومقاتل. دليله: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ} تفسير : [التكوير:19-20]. وقال الكلبيّ أيضاً والقُتَبِي: الرسول ها هنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} وليس القرآن قول الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما هو من قول الله عز وجل ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلّغُه والعاملُ به، كقولنا: هذا قول مالك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مقسماً لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه، ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، فقال تعالى: { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل، ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}تفسير : [التكوير: 19 ــــ 21] وهذا جبريل عليه السلام، ثم قال تعالى: {أية : وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [التكوير: 22] يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم{أية : وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [التكوير: 23] يعني: أن محمداً رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها {أية : وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} تفسير : [التكوير: 24] أي: بمتهم. {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ} تفسير : [التكوير: 25] وهكذا قال ههنا: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كلاً منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه، ولهذا قال تعالى: { تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شريح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ } قال: فقلت: كاهن، قال: فقرأ: { وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} إلى آخر السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع، فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، ولله الحمد والمنّة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلا } زائدة {أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ } من المخلوقات.

الماوردي

تفسير : {فلا أُقْسِمُ بما تُبصِرون} قال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً ساحر، وقال أبو جهل: إنه شاعر، وقال عقبة بن معيط: إنه كاهن فقال اللَّه تعالى قسماً على كذبهم " فلا أُقْسِم" أي أقسم، و " لا " صلة زائدة. {وَما لا تُبْصِرونَ} فيه وجهان: أحدهما: بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون من الخلق، قاله مقاتل. الثاني: أنه رد لكلام سبق أي ليس الأمر كما يقوله المشركون. ويحتمل ثالثاً: بما تعلمون وما لا تعلمون، مبالغة في عموم القسم. {إنه لَقْولُ رسولٍ كريمٍ} فيه قولان: أحدهما: جبريل، قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال ابن قتيبة: وليس القرآن من قول الرسول، إنما هو من قول اللَّه وإبلاغ الرسول، فاكتفى بفحوى الكلام عن ذكره.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَلآ أُقْسِمُ} لا صلة لما قال الوليد إن محمداً ساحر، وقال أبو جهل شاعر، وقال عقبة كاهن، أقسم الله تعالى على كذبهم {تُبْصِرُونَ} الأرض والسماء {وَمَا لا تُبْصِرُونَ} الملائكة أو تبصرون من الخلق وما لا تبصرون الخالق.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} قيل: «لا» زائدةٌ وقيل: «لا» رَدٌّ لما تَقَدَّمَ من أَقوالِ الكفار، والبَدْأَة: أقْسِمُ. وقوله: {بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} قَال قتادة: أرادَ اللَّه تعالى أن يَعُمَّ بهذا القسمِ جميعَ مخلوقاتهِ، والرسولُ الكريمُ قيل: هو جبريلٌ، وقيل: هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ}. قد تقدم مثله في آخر الواقعة، إلا أنه قيل هاهنا: إن "لا" نافية لفعل القسم، وكأنه قيل: لا احتياجَ أن أقسمُ على هذا؛ لأنه حقٌّ ظاهرٌ مستغنٍ عن القسم، ولو قيل به في الواقعة لكان حسناً. واعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلالة على إمكان القيامةِ، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السُّعداءِ، وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآنِ، فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ}. وقيل: المراد: أقسم، و"لا" صلةٌ، والمعنى أقسم بالأشياء كلها ما ترون منها وما لا ترون، فعمَّ جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرجُ عن قسمين: مبْصر وغير مبصر، فقيل: الخالقُ والخلقُ، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنُّ، والنعم الظاهرة، والباطنة. وإن لم تكن "لا" زائدة، فالتقدير: لا أقسم على أنَّ هذا القرآن قول رسولٍ كريم - يعني "جبريل"، قاله الحسن والكلبي ومقاتل - لأنه يستغنى عن القسم لوضوحه. وقال مقاتل: سببُ نزولِ هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال: إنَّ محمداً ساحرٌ. وقال أبو جهل: شاعر وليس القرآن من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عقبة: كاهن، فقال الله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي: أقسم. وإن قيل: "لا" نافية للقسم، فجوابه كجواب القسم. "إنه" يعني القرآن {لقول رسول كريم} يعني جبريل. قاله الحسن والكلبي ومقاتل، لقوله: {أية : لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ }تفسير : [التكوير: 19، 20]. وقال الكلبي أيضاً والقتبي: الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ}، وليس القرآن من قول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو من قول الله - عز وجل - ونسب القول إلى الرسولِ، لأنه تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك. فإن قيل: كيف يكونُ كلاماً لله تعالى، ولجبريل، ولمحمد عليهما الصلاة والسلام؟ فالجواب: أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسةٍ، فالله سبحانه أظهره في اللوح المحفوظ، وجبريلُ بلغه لمحمدٍ - عليهما الصلاة والسلام - ومحمد صلى الله عليه وسلم بلغه للأمة. قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ} هو جوابُ القسمِ، وقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ} معطوف على الجواب، فهو جواب. أقسم على شيئين: أحدهما: مثبت، والآخر: منفي، وهو من البلاغة الرائعة. قوله: {قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ}، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}. انتصب "قليلاً" في الموضعين نعتاً لمصدر، أو زمان محذوف، أي: إيماناً أو زماناً قليلاً، والنَّاصبُ: "يؤمنون" و"تذكرون" و"ما" مزيدةٌ للتوكيدِ. وقال ابن عطية: ونصب "قليلاً" بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه: "تؤمنون"، و"ما" يحتملُ أن تكون نافية، فينتفى إيمانهم ألبتة، ويحتمل أن تكون مصدرية، وتتصف بالقلة، فهو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرةٍ لا تغني عنهم شيئاً، إذ كانوا يصدقون أن الخيرَ والصلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو حقّ وصواب. قال أبو حيَّان: أما قوله: "قليلاً نصب بفعل" إلى آخره، فلا يصح؛ لأن ذلك الفعل الدال عليه "تؤمنون" إما أن تكون "ما" نافية - كما ذهب إليه - أو مصدرية، فإن كانت نافية فذلك الفعل المُضْمَر الدال عليه "تؤمنون" المنفي بـ"ما" يكون منفياً، فيكونُ التقدير: ما تؤمنون قليلاً ما تُؤمنون، والفعل المَنْفِي بـ"ما" لا يجوز حذفه، ولا حذف ما، لا يجوز "زيداً ما أضربُه" على تقدير: "ما أضْربُ زيداً ما أضربه"، وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفعٍ بـ"قليلاً" على الفاعلية، أي: قليلاً إيمانكم، ويبقى "قليلاً" لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ولا ناصب له، وإما في موضع رفعٍ على الابتداء؛ فيكون مبتدأ لا خبر له، لأن ما قبلهُ منصُوبٌ. قال شهابُ الدين: لا يُريد ابن عطية بدلالةِ "تؤمنون" على الفعل المحذوف الدلالة في باب الاشتغال، حتى يكون العامل الظاهر مفسراً للعامل المضمر، بل يريد مجرّد الدلالة اللفظية، فليس ما أورده أبو حيان عليه من تمثيله بقوله: "زيداً ما أضربه" أي: "ما أضرب زيداً ما أضربُه" وأما الردُّ الثاني فظاهرٌ، وقد تقدم لابن عطية هذا القولُ في أول سورة "الأعراف" فَليُلتَفَتْ إليه. وقال الزمخشريُّ: "والقّلةُ في معنى العدم، أي: لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتَّة". قال أبو حيَّان: ولا يُرادُ بـ"قليلاً" هنا النفي المحض كما زعم، وذلك لا يكون إلاَّ في "أقلُّ رجل يقول ذلك إلا زيدٌ"، وفي "قل" نحو "قَلَّ رجلٌ ذلك إلا زيدٌ" وقد يستعمل في "قليلة"، و"قليلة" إذا كانا مرفوعين، نحو ما جوزوا في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 4853 -........................ قَلِيلٌ بِهَا الأصْوَاتُ إلاَّ بُغامُهَا تفسير : أما إذا كان منصوباً نحو: "قليلاً ضربت، أو قليلاً ما ضربت" على أن تكون "ما" مصدرية، فإن ذلك لا يجوزُ؛ لأنه في "قليلاً ضربت" منصوب بـ"ضربت"، ولم تستعمل العرب "قليلاً"، إذا انتصب بالفعل نفياً، بل مقابلاً لكثير، وأما في "قليلاً ما ضربت" على أن تكون "ما" مصدريةٌ، فتحتاج إلى رفع "قليل"؛ لأن "ما" المصدرية في موضع رفع على الابتداء. انتهى ما رد به عليه. قال شهاب الدين: "وهذا مجرد دعوى". وقرأ ابنُ كثيرٍ وابن عامر بخلافٍ عن ابن ذكوان: "يؤمنون، يذكرون" بالغيبة حملاً على "الخاطئون" والباقون: بالخطاب، حملاً على "بما تبصرون". وأبيّ: وتتذكرون "بتاءين". فصل في القرآن الكريم قوله: {وما هو بقول شاعرٍ}؛ لأنه مباينٌ لصنوفِ الشعر كلِّها، {ولا بقول كاهنٍ}؛ لأنه ورد بسبِّ الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئاً على من سبِّهم. وقوله: {قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ}، المراد بالقليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله. وقيل: إنهم قد يؤمنون في قلوبهم إلا أنهم يرجعون عنه سريعاً، ولا يتممون الاستدلال، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ}تفسير : [المدثر: 18] إلا أنه في آخرِ الأمرِ قال: {أية : إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}تفسير : [المدثر: 24]. وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله تعالى، والمعنى لا يؤمنون أصلاً، والعربُ يقولون: قلّ ما تأتينا، يريدون لا تأتينا. قوله: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، هذه قراءةُ العامة، أعني الرَّفع على إضمار مبتدأ، أي: هو تنزيلٌ وتقدم مثله. وأبو السِّمال: "تنزيلاً" بالنصب على إضمار فعل، أي: نزل تنزيلاً. قال القرطبي: وهو عطفٌ على قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} أي: إنه لقول رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين.

السلمي

تفسير : قال جعفر: بما تبصرون من صنعى فى ملكى وما لا تبصرون من برى بأوليائي. قال الجنيد: بما تبصرون من آثار الرسالة على حبيبى وصفىّ صلى الله عليه وسلم وما لا تبصرون من سرى معه الذى أخفيته على الخلق. قال ابن عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة وما لا تبصرون من سر القدرة. قال الحسين: أى ما أظهر الله للملائكة والقلم واللوح وما لا تبصرون مما اختزن عن خلقه الذى لم يجر القلم به ولم تشعر الملائكة بذلك وما أظهر الله للخلق من صفاته وأراهم من صنعه وأبدى لهم من علمه فى جنب ما اختزن عنهم إلا كذرة فى جميع الدنيا والآخرة ولو أظهر الله من حقائق ما اختزن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلاً عن جملها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ}. "لا" صلة والمعنى: أُقْسِم؛ كأنه قال: أقسم بجميع الأشياء، لأنه لا ثالثَ لما يبصرون وما لا يبصرون. وجوابُ القَسَم: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}.. أي وجيهٍ عند الله. وقولُ الرسولِ الكريم هو القرآنُ أو قراءةُ القرآن. وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن أي أَن محمداً ليس شاعراً ولا كاهناً بل هو: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ}. أي لو كان محمدٌ يكذب علينا لمنعناه منه وعصمناه عنه، ولو تعمَّد لعذَّبناه. والقول بعصمة الأنبياء واجب. ثم كان لا ناصرَ له منكم ولا من غيركم، وهذا القرآن: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ}. حقُّ اليقين هو اليقين فالإضافة هكذا إلى نفس الشيء. وعلوم الناس تختلف في الطرق إلى اليقين خفاءً وجلاءً؛ فما يقال عن الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحقِّ اليقين يرجع إلى كثرة البراهين، وخفاء الطريق وجلائه، ثم إلى كون بعضه ضرورياً وإلى بعضه كسبياً، ثم ما يكون مع الإدراكات.

البقلي

تفسير : اقسم الله سبحانه لما ظهر من انوار صفاته فى ايافى لذوى الابصار من العارفين.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا اقسم} اى فأقسم على ان لا مزيدة للتأكيد واما حمله على معنى نفى الاقسام لظهور الامر واستغنائه عن التحقيق بالقسم فيرده تعيين المقسم به بقوله بما الخ وقال بعضهم هو جملتان والتقدير وما قاله المكذبون فلا يصح اذ هو قول باطل ثم قال اقسم {بما تبصرون وما لا تبصرون} قسم عظيم لانه قسم بالاشياء كلها على سبيل الشمول والاحاطة لانها لا تخرج عن قسمين مبصر وغير مبصر فالمبصر المشاهدات وغير المبصر المغيبات فدخل فيهما الدنيا والآخرة والاجسام والارواح والانس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة وغير ذلك مما يكون لائقا بأن يكون مقسما به اذ من الاشياء ما لا يليق بأن يكون مقسما به واليه الاشارة بقول القاشانى اى الوجود كله ظاهرا وباطنا وبقول ابن عطاء آثار القدرة واسرارها وبقول الشيخ نجم الدين بما تبصرون من المشهودات والمحسوسات بابصار الظواهر ومالا تبصرون من المغيبات ببصائر البواطن يعنى بالمظاهر الاسمائية والمظاهر الذاتية وبقول الحسين اى بما اظهر الله لملائكته والقلم واللوح وبما اختزن فى علمه ولم يجر القلم به ولم تشعر الملائكة بذلك وما اظهر الله للخلق من صفاته وأراهم من صنعه وأبدى لهم من علمه فى جنب ما اختزن عنهم الا كذرة فى جنب الدنيا والآخرة ولو أظهر الله ما اختزن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلا عن حمله وقال الشيخ أبو طالب المكى قدس سره فى قوت القلوب اذا كان العبد من اهل العلم بالله والفهم عنه والسمع منه والمشاهدة له شهد ما غاب عن غيره وابصر ما عمى عنه سواء كما قال تعالى {فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون}.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فلا أُقسم} أي: أُقسم، على أن "لا" مزيدة للتأكيد، كقوله: {أية : فَلاَ وَرَبِكَ }تفسير : [النساء:65] أي: احلف {بما تُبصرون} في عالم الشهادة، {وما لا تُبصرون} مما هو في عالم الغيب، أو بما تُبصرون من الأرض والسماء، والأجسام والأجرام، وما لا تُبصرون من الملائكة والأرواح، أو: ما تُبصرون من النعم الظاهرة، وما لا تُبصرون من النِعَم الباطنة. والتحقيق: أنه أقسم بالكل {إِنه} أي: القرآن {لقولُ رسولٍ كريم} على الله، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أو جبريل عليه السلام، أي: يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله عزّ وجل، {وما هو بقولِ شاعرٍ} كما تزعمون تارة، {قليلاً ما تؤمنون} أي: إيماناً قليلاً تؤمنون، {ولا بقول كاهنٍ} كما تزعمون ذلك تارة أخرى، والكاهن هو الذي يُخبر عن بعض المضمرات, فيُصيب بعضها ويخطىء أكثرها، ويزعم أنَّ الجن تُخبره بذلك، ويدخل فيه: مَن يُخبر عن المغيبات من جهة النجوم أو الحساب، {قليلاً ما تذكّرون}، والقلة في معنى العدم، يقال: هذه أرض قلما تُنبت؛ أي: لا تنبت أصلاً، والمعنى: لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتّة. وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون (ما) نافية؛ فينتفي إيمانهم ألبتة، ويحتمل أن تكون مصدرية، فيتصف إيمانهم بالقلة، ويكون إيماناً لغوياً؛ لأنهم صدّقوا بأشياء يسيرة، لا تغني شيئاً. هـ. فتحصل في (ما) ثلاثة أقوال؛ المشهور: أنها زائدة لتأكيد القلة. قال أبو السعود: قيل: ذكر الإيمان مع نفي الشاعرية؛ لأنّ عدم مشابهة القرآن للشِعر أمر بيِّن، لا يُنكره إلاَّ معاند، بخلاف مباينته للكهانة؛ فإنه يتوقف على تذكُّر أحواله صلى الله عليه وسلم ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة، ومعاني أقوالهم، وأنت خبير بأنَّ ذلك أيضاً مما لا يتوقف على تأمُّل قطعاً. وقُرىء بالياء فيهما. هـ. {تنزيلٌ من رَبِّ العالمين} أي: هو تنزيل، وهو تقرير لكنه قول رسول كريم، نزل عليه من رب العالمين، أنزله على لسان جبريل صلى الله عليه وسلم، {ولو تقوَّل علينا} محمد {بعضَ الأقاويل} أي: ولو ادّعى علينا شيئاً لم نَقُلْهُ افتراء علينا. سَمَّى الافتراء تقوُّلاً؛ لأنه قول متكلّف، والأقوال المفتراة أقاويل، تحقيراً لها، كأنها جمع أفعولة، من القوْل، كالأضاحيك، {لأخذنا منه باليمين} أي: لقتلناه صبراً، كما تفعل الملوك بمَن يَكذب عليهم، مُعاجلةً بالسخط والانتقام، فصوّر قتل الصبر بصورته؛ ليكون أهْول، وهو أن يأخذ بيده، وتضرب رقبته، وخصَّ اليمين؛ لأنَّ القتَّال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده، وهو أن يكفحه بالسيف ـ وهو أشد على المصبور؛ لنظره إلى السيف ـ أخذه بيمينه، ومعنى {لأخذنا منه باليمين}: لأخذنا بيمينه، {ثم لقطعنا منه الوتينَ} أي: لقطعنا وتينه، وهو نياط القلب، إذا قطع مات صاحبه. {فما منكم}، الخطاب للناس، أو المسلمين، {مِن أحدٍ} "من" زائدة، {عنه} أي: عن القتل أو المقتول، {حاجزين}؛ دافعين، وجمعَه، وإن كان وصفاً لـ"أحد"؛ لأنه في معنى الجماعة؛ لأنَّ النكرة بعد النفي تعم. {وإِنه} أي: القرآن {لتذكرةٌ}؛ لَعِظةٌ {للمتقين} لأنهم المنتفعون به، {وإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُكَذِّبِينَ} فنُجازيهم على تكذيبهم، {وإِنه لحسرةٌ على الكافرين} عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين له، {وإِنه لَحقُّ اليقين} أي: محض اليقين الذي لا يحوم حوله ريب ما، وحق اليقين فوق عين اليقين على ما يأتي. {فسَبِّحْ باسم ربك العظيمِ} أي: فَسبِّح بذكر اسمه العظيم، تنزيهاً عن التقوُّل عليه، شكراً على ما أوحي إليك، أي: قل سبحان الله العظيم شكراً لنعمة الوحي والاصطفاء. الإشارة: أقسم تعالى بذاته المقدسة، ما وقع به التجلِّي وما لم يقع، أي: ما ظهر منها في عالَم الشهادة، وما لم يظهر، على حقيّة القرآن، وأنه خرج من حضرة الحق، إلى الرسول الحق، ناطقاً بالحق، على لسان السفير الحق، متجلِّياً من ذات الحق، واصلاً من الحق إلى الحق، مشتملاً على علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فعلم اليقين: ما أدراك من جهة البرهان، وعين اليقين: ما أدراك بالكشف والبيان، وحق اليقين: ما أدراك بالشمول والبيان، ومثال ذلك تقريباً، وجود مكة مثلاً، فمَن لم يرها فقد حصل له بالإخبار علم اليقين، ومَن رآها، ولم يدخلها، فقد حصل له عين اليقين، ومَن دخلها وعرف أماكنها وأزقتها، فقد حصل له حق اليقين، وكذلك شهود الحق تعالى، فمَن تحقق بوجوده من جهة الدليل فعنده علم اليقين، ومَن كشف له عن حس الكائنات، وشاهد أسرار الذات، لكنه لم يتمكن من دوام شهودها، فعنده عين اليقين، ومَن تمكن مِن شهودها ورسخ في المعرفة، فعنده حق اليقين. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

الطوسي

تفسير : قرأ {قليلاً ما يؤمنون، ويذكرون} بالياء فيهما مكي شامي ويعقوب، وسهل على الخبر عن الكفار. الباقون بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وقيل في قوله {فلا أقسم} ثلاثة اقوال: احدها - قال الفراء: انه ردّ لكلام قائل، فكأنه قال: ليس الأمر على ما يقال أقسم إنه {لقول رسول كريم}. والثاني - قال قوم (لا) صلة مؤكدة وتقديره فأقسم. الثالث - قال قوم: إنها نفي للقسم، ومعناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح الحق في انه {لقول رسول كريم} وفى هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم. وقيل: هو كقول القائل: لا والله لأفعل ذاك، ولا والله لأفعلن ذاك. وقال قتادة: أقسم تعالى بالاشياء كلها ما يرى وما لا يرى، وقال الجبائي: إنما أراد إنه لا يقسم بالاشياء المخلوقات ما يرى وما لا يرى، وإنما يقسم بربها، لأن القسم لا يجوز إلا بالله. وقوله {إنه لقول رسول كَريم} جواب القسم، قال الجبائي: هو قول الله على الحقيقة، وإنما الملك وجبرائيل والرسول يحكون ذلك، وإنما أسنده إليهم من حيث أن ما يسمع منهم كلامهم ولما كَان حكاية كلام الله قيل: هو كلام الله على الحقيقة فى العرف، وقرئ {إنه من قول رسول كريم} جواب القسم. وقال الحسن: فالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله الذى أتى بهذا القرآن. وقال غيره: هو جبرائيل عليه السلام والاول اظهر، والكريم الخليق بالخير الواسع من قبله، يقال: كرم يكرم كرماً فهو كريم، وضده لؤم يلؤم لؤماً، فهو لئيم. ولما اقسم تعالى أن هذا القرآن هو قول رسول كريم نفى بعده أن يكون قول شاعر فقال {وما هو بقول شاعر} فالشاعر هو المبتدئ بانشاء الشعر، ولا يكون حاكي الشعر شاعراً، كما يكون حاكي الكلام متكلماً، لانه يحكي شعراً انشأه غيره، وإنما نزه الله تعالى نبيه عن الشعر ومنعه منه، لان الغالب من حال الشاعر أنه يدعو إلى الهوى، والرسول بأني بالحكمة التي يدعو اليها العقل للحاجة إلى العمل عليها والاهتداء بها، مع انه بين أن القرآن صنف من الكلام خارج عن الانواع المعتادة، وذلك أدل على إعجازه لبعده عما جرت به العادة فى تأليف الكلام قال قتادة: طهر الله نبيه من الشعر والكهانة وعصمه منهما. وقوله تعالى {قليلاً ما تؤمنون} معناه قليلا بما ذكرناه إيمانكم (وما) مصدرية وقال قوم (ما) صلة، وتقديره قليلا تؤمنون بما ذكرناه أي لستم تؤمنون به. وقوله {ولا بقول كاهن} فالكاهن هو الذي يسجع فى كلامه على ضرب من التكلف لتشاكل المقاطع، وهو ضد ما توجبه الحكمة فى الكلام، لانها تقتضي أن يتبع اللفظ المعنى، لانه إنما يحتاج إلى الكلام للبيان به عن المعنى، وإنما البلاغة فى الفواصل التي يتبع اللفظ فيها المعنى، فتشاكل المقاطع على ثلاثة أضرب: فواصل بلاغة، وسجع كهانة، وقواف تتبع الزنة، والكاهن الذي يزعم ان له خدمة من الجن تأتيه بضرب من الوحي. وقوله {قليلا ما تذكرون} أي تتفكرون قليلا فيما ذكرناه، فلذلك لا تعلمون صحة ما قلناه، ولو انعمتم النظر لعلمتم صحته. ثم قال {تنزيل من رب العالمين} أي هو تنزيل نزله الله رب العالمين على رسوله. وقوله {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل} اخبار من الله تعالى على وجه القسم أن هذا الرسول الذي حكى بأن القرآن نزل عليه من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وآله لو تقول على الله فى بعض كلامه، ومعناه لو كذب علينا فى بعض ما لم يؤمر به، فالتقول تكلف القول من غير رجوع إلى حق، والتقول والتكذب والتزيد بمعنى واحد {لأخذنا منه باليمين} جواب القسم، ومعناه أحد وجهين: احدهما - لاخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الاذلال، كما يقول السلطان يا غلام خذ بيده فانه على وجه الاهانة، قال الحسن: معناه لقطعنا يده اليمين. والثاني - لاخذنا منه بالقوة كما قال الشاعر: شعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : وقوله {لقطعنا منه الوتين} قال ابن عباس وسعيد بن جبير: الوتين نياط القلب. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: هو عرق فى القلب متصل بالظهر إذا قطع مات الانسان، قال الشماخ بن ضرار الثعلبي: شعر : إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فأشر فى ندم الوتين تفسير : وقوله {فما منكم من أحد عنه حاجزين} معناه ليس أحد يمنع غيره من عقاب الله بأن يكون حائلا بينه وبينه، فالحاجز هو الحائل بين الشيئين. وإنما قال {حاجزين} بلفظ الجمع، لان (أحداً) يراد به الجمع وإن كان بصيغة الواحد. ثم قال {وإنه لتذكرة للمتقين} قسم من الله تعالى أن هذا القرآن تذكرة وعظة للمتقين، وهو قول قتادة، وإنما اضافه إلى المتقين، لانهم المنتفعون به، فالتذكرة العلامة التي يذكر بها المعنى، ذكره تذكرة، فهو مذكر، كقولك جزاه تجزية وجزاه تجزية، فالمتقى يتذكر القرآن بأن يعمل عليه في أمر دينه في اعتقاد او عمل به فيتميز الجائز مما لا يجوز، والواجب مما ليس بواجب، والصحيح مما لا يصح. وقوله {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} عطف على جواب القسم، ومعناه التحذير من التكذيب بالحق وأنه ينبغي أن يتذكر أن الله تعالى يعلمه ويجازي عليه. وقوله {وإنه لحسرة على الكافرين} معناه إن هذا القرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا، فالحسرة الغم من أجل ما انحسر وقته كيف فات العمل الذي كان ينبغي فيه أن يفعل، فيحسر السرور عن النفس إلى الغم بانحساره. وقيل: إن التكذيب به حسرة على الكافرين. ثم اقسم تعالى فقال {وإنه} يعني القرآن الذي انزله والاخبار بما اخبر به وذكره {لحق اليقين} ومعناه الحق اليقين، وإنما اضافه إلى نفسه، والحق هو اليقين، كما قيل مسجد الجامع ودار الآخرة وبارحة الاولى ويوم الخميس وما اشبه ذلك، فيضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه كما اختلف الحق واليقين. والحق هو الذي معتقده على ما اعتقده، واليقين هو الذي لا شبهة فيه. ثم قال لنبيه {فسبح} يا محمد والمراد به جميع المكلفين ومعناه نزه الله تعالى {باسم ربك العظيم} ومعناه نزهه عما لا يجوز عليه من صفات خلقه و {العظيم} هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه بما يستحق من أوصافه. وروي انه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله: حديث : اجعلوها في ركوعكم .

الجنابذي

تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ} لفظة لا مزيدةٌ للتّأكيد وشاع زيادتها فى القسم {بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} بكلّ ما من شأنه ان يبصر وان لا يبصر.

اطفيش

تفسير : {فَلا أُقْسِمُ} لوضوح الامر حتى لايحتاج الى قسم فلان فيه او أي اقسم تأكيدا فلا زائدة لتاكيد القسم او لا نافية ورد لامر المشركين والوقف عليها أي لايصح ما قال المشركون من انكار البعث وغيره وتقدم اكثر من هذا {بِمَا تُبْصِرُونَ0وَمَا لا تُبْصِرُونَ} بما تشاهدون وما لا تشاهدون وذلك شامل للخلق الموجود والماضي والآتي والخالق جلا وعلا وقيل: الدنيا والآخرة وقيل: ما على الارض وما في باطنها وقيل: الاجسام والارواح وقيل: الانسان والملائكة مع الجن وقيل: النعم الظاهرة والباطنة وقيل: ما اعلم به خلقا واستأثر بعلمه.

اطفيش

تفسير : لأَنا أقسم بلام القسم فحذفت همز أنا ونونه أو لا ناهية، أى لا تخطئوا كما دل عليه لا يأكله إِلا الخاطئون، أو لا زائدة للتأكيد فإِذا كان الجواب منفياً فلا تأكيد للنفى، وإِذا كان مثبتاً كما هنا فهى تأْكيد للإِثبات فيرجع إِلى معنى قولك لا تنكروا هذا المثبت أو نفى القسم لظهور الأَمر، وما تبصرون ما تشاهدون من آثار القدرة والأَجسام والدنيا والإِنس والخلق والنعم الظاهرة.

الالوسي

تفسير : قد تقدم الكلام في {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}تفسير : [الواقعة: 75] وما تبصرون وما لا تبصرون - المشاهدات والمغيبات وإليه يرجع قول قتادة - هو عام في جميع مخلوقاته عز وجل، وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة وقيل الأجسام والأرواح، وقيل الدنيا والآخرة، وقيل الإنس والجن والملائكة، وقيل الخلق والخالق، وقيل النعم الظاهرة والباطنة والأول شامل لجميع ما ذكر. وسبب النزول - على ما قال مقاتل: ان الوليد قال - ان محمداً صلى الله عليه وسلم ساحر وقال أبو جهل شاعر وقال عتبة كاهن فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {فَلاَ أُقْسِمُ } الخ.

ابن عاشور

تفسير : الفاء هنا لتفريع إثبات أن القرآن منزل من عند الله ونفي ما نسبه المشركون إليه، تفريعاً على ما اقتضاه تكذيبهم بالبعث من التعريض بتكذيب القرآن الذي أخبَر بوقوعه، وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم القائل إنه موحى به إليه من الله تعالى. وابتدىء الكلام بالقَسَم تحقيقاً لمضمونه على طريقة الأقسام الواردة في القرآن، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : والصافات صفاً}تفسير : [الصافات: 1]. وضمير {أُقسم} عائد إلى الله تعالى. جمع الله في هذا القَسَم كل ما الشأن أن يُقسَم به من الأمور العظيمة من صفات الله تعالى ومن مخلوقاته الدالة على عظيم قدرته إذ يجمع ذلك كله الصِلَتان {بما تبصرون وما لا تبصرون}، فمما يبصرون: الأرض والجبال والبحار والنفوس البشرية والسماوات والكواكب، وما لا يبصرون: الأرواح والملائكة وأمور الآخرة. و {لا أقسم} صيغة تحقيقِ قَسَم، وأصلها أنها امتناع من القسَم امتناع تحرّج من أن يحلف بالمُقْسمِ به خشية الحنث، فشاع استعمال ذلك في كل قسم يراد تحقيقه، واعتبر حرف (لا) كالمزيد كما تقدم عند قوله: {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم} تفسير : في سورة الواقعة (75)، ومن المفسرين من جعل حرف (لا) في هذا القسم إبطالاً لكلام سابق وأنّ فعل أُقْسِم} بعدها مستأنف، ونُقض هذا النوع بوقوع مثله في أوائل السور مثل: {أية : لا أقسم بيوم القيامة}تفسير : [القيامة: 1] و{أية : لا أقسم بهذا البلد}تفسير : [البلد: 1]. وضمير {إنه} عائد إلى القرآن المفهوم من ذكر الحشر والبعث، فإن ذلك مما جاء به القرآن ومجيئه بذلك من أكبر أسباب تكذيبهم به، على أن إرادة القرآن من ضمائر الغيبة التي لا معاد لها قد تكرر غير مرة فيه. وتأكيد الخبر بحرف (إنَّ) واللامِ للرد على الذين كذبوا أن يكون القرآن من كلام الله ونسبوه إلى غير ذلك. والمراد بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه عطف قوله: {أية : ولو تَقَول علينا بعض الأقاويل}تفسير : [الحاقة: 44]، وهذا كما وصف موسى بـ {رسول كريم} في قوله تعالى: {أية : ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءَهم رسول كريم}تفسير : [الدخان: 17] وإضافة {قول} إلى {رسول} لأنه الذي بلّغه فهو قائله، والإِضافة لأدنى ملابسة وإلاّ فالقرآن جَعَله الله تعالى وأجرَاه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كما صدر من جبريل بإيحائه بواسطته قال تعالى: {أية : فإنما يسرناه بلسانك}تفسير : [مريم: 97]. رَوي مقاتل أن سبب نزولها: أن أبا جهل قال: إن محمداً شاعر، وأن عقبة بن أَبي مُعيط قال: هو كاهن، فقال الله تعالى: {إنه لقول رسول كريم} الآية. ويجوز أن يراد بـ {رسول كريم} جبريل عليه السلام كما أريد به في سورة التكوير إذ الظاهر أن المراد به هنالك جبريل كما يأتي. وفي لفظ {رسول} إيذان بأن القول قول مُرسله، أي الله تعالى، وقد أكد هذا المعنى بقوله عقبه {تنزيلٌ من ربّ العالمين}. ووصف الرسول بـ {كريم} لأنه الكريم في صنفه، أي النفيس الأفضل مثل قوله: {أية : إني أُلقي إليّ كتاب كريم } تفسير : في سورة النمل (29). وقد أثبت للرسول الفضل على غيره من الرسل بوصف {كريم}، ونفي أن يكون شاعراً أو كاهناً بطريق الكناية عند قصد رد أقوالهم. وعطف {ولا بقول كاهن} على جملة الخبر في قوله: {بقول شاعر}، و {لا} النافية تأكيد لنفي {ما}. وكني بنفي أن يكون قولَ شاعر، أو قول كاهن عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً أو كاهناً، رد لقولهم: هو شاعر أو هو كاهن. وإنما خص هذان بالذكر دون قولهم: افتراه، أو هو مجنون، لأن الوصف بكريم كاف في نفي أن يكون مجنوناً أو كاذباً إذ ليس المجنون ولا الكاذب بكريم، فأما الشاعر والكاهن فقد كانا معدودين عندهم من أهل الشرف. والمعنى: ما هو قول شاعر ولا قول كاهن تلقاه من أحدهما ونسبَه إلى الله تعالى. و {قليلاً} في قوله: {قليلاً ما تؤمنون} {قليلاً ما تذكَّرون} مراد به انتفاء ذلك من أصله على طريقة التمليح القريب من التهكم كقوله: {أية : فلا يؤمنون إلاّ قليلاً}تفسير : [النساء: 46]، وهو أسلوب عربي، قال ذو الرمة:شعر : أُنيحَتْ ألْقَتْ بَلْدَةً فوق بَلْدةٍ قَلِيلٍ بها الأصواتُ إلاّ بُغَامُها تفسير : فإن استثناء بُغام راحلته دل على أنه أراد من (قليل) عدم الأصوات. والمعنى: لا تؤمنون ولا تذكرون، أي عندما تقولون هو شاعر وهو مجنون، ولا نظر إلى إيمان من آمن منهم من بعدُ. وقد تقدم في سورة البقرة (88) قوله: {أية : فقليلاً ما يؤمنون}تفسير : . وانتصب قليلاً في الموضعين على الصفة لمصدر محذوف يدل عليه {تؤمنون} و {تذكَّرون} أي تؤمنون إيماناً قليلاً، وتذكَّرون تذكراً قليلاً. و {ما} مزيدة للتأكيد كقول حاتم الطائي:شعر : قليلاً به ما يَحْمَدَنَّك وَارث إذَا نال مما كنتَ تَجمع مَغْنَمَا تفسير : وجملتَا {قليلاً ما تؤمنون قليلاً ما تذَّكَّرون}معترضتان، أي انتفى أن يكون قول شاعر، وانتفى أن يكون قول كاهن، وهذا الانتفاء لا يحصِّل إيمانكم ولا تذكركم لأنكم أهل عناد. وقرأ الجمهور {ما تؤمنون}، و {ما تذكرون} كليهما بالمثناة الفوقية، وقرأهما ابن كثير وهشام عن ابن عامر (واختلف الرواة عن ابن ذكوان عن ابن عامر) ويعقوبُ بالياء التحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وحسَّن ذلك كونُهما معترضتين. وأوثر نفي الإِيمان عنهم في جانب انتفاء أن يكون قول شاعر، ونفي التذكُّر في جانب انتفاء أن يكون قول كاهن، لأن نفي كون القرآن قول شاعر بديهي إذ ليس فيه ما يشبه الشعر من اتزان أجزائه في المتحرك والساكن والتقفية المتماثلة في جميع أواخرِ الأجزاء، فادعاؤهم أنه قول شاعر بهتان متعمَّد ينادي على أنهم لا يُرجى إيمانهم، وأما انتفاء كون القرآن قولَ كاهن فمحتاج إلى أدنى تأمل إذ قد يشبَّه في بادىء الرأي على السامع من حيث إنه كلام منثور مؤلف على فواصل ويؤلف كلام الكهان على أسجاع مثناة متماثلة زوجين زوجين، فإذا تأمل السامع فيه بأدنى تفكر في نظمه ومعانيه عَلم أنه ليس بقول كاهن، فنظمُه مخالف لنظم كلام الكهان إذ ليست فقراته قصيرة ولا فواصله مزدوجة ملتزم فيها السجع، ومعانيه ليست من معاني الكهانة الرامية إلى الإِخبار عما يحدث لبعض الناس من أحداث، أو ما يلم بقوم من مصائب متوقعة ليحذروها، فلذلك كان المخاطبون بالآية منتفياً عنهم التذكر والتدبر، وإذا بطل هذا وذاك بطل مدعاهم فحق أنه تنزيل من رب العالمين كما ادعاه الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم. وقوله: {تنزيل من رب العالمين} خبر ثان عن اسم (إنّ) وهو تصريح بعد الكناية. ولك أن تجعل {تنزيل من رب العالمين} خبر مبتدأ محذوف جرى حذفه على النوع الذي سماه السكاكي بمتابعة الاستعمال في أمثاله وهو كثير في الكلام البليغ، وتجعلَ الجملة استئنافاً بيانياً لأن القرآن لمَّا وصف بأنه {قول رسول كريم} ونفي عنه أن يكون قول شاعر أو قول كاهن، ترقَّب السامع معرفة كنهه، فبُين بأنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم ليقوله للناس ويتلوه عليهم. و {تنزيل} وصف بالمصدر للمبالغة. والمعنى: إنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم. وعبر عن الجلالة بوصف {ربّ العالمين} دون اسمِه العلَم للتنبيه على أنه رب المخاطَبين وربُ الشعراءِ والكهانِ الذين كانوا بمحل التعظيم والإِعجاب عندهم نظير قول موسى لفرعون {أية : ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين}تفسير : [الشعراء: 26].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بما تبصرون وما لا تبصرون: أي بكل مخلوق في الأرض وفي السماء. إنه لقول رسول كريم: أي القرآن قاله تبليغا رسول كريم هو محمد صلى الله عليه وسلم. وما هو بقول كاهن: أي ليس القرآن بقول كاهن إذ ليس فيه من سجع الكهان شيء. لأخذنا منه باليمين: أي بالقوة أو لأخذنا بيمينه لنقتله. ثم لقطعنا منه الوتين: أي نياط القلب الذي إذا انقطع مات الإِنسان. حاجزين: أي مانعين وهو خبر ما النافية العاملة عمل ليس وجمع لأن أحد يدل على الجمع نحو لا نفرق بين أحد من رسله وبين لا تقع إلا بين اثنين فأكثر. وإنه لحسرة على الكافرين: أي التكذيب بالقرآن حسرة يوم القيامة على المكذبين به. وإنه لحق اليقين: أي الثابت يقينا أو اليقين الحق. فسبح باسم ربك العظيم: أي نزه ربك العظيم الذي كل شيء أمام عظمته صغير حقير أي قل سبحان ربي العظيم. معنى الآيات: قوله تعالى فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون أي فلا الأمر كما ترون وتقولون أيها المكذبون أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون من المخلوقات في الأرض وفي السماوات إنه أي القرآن لقول رسول كريم على ربّه تعالى وهو محمد صلى الله عليه وسلم أي إنه تبليغه وقوله إليكم وما هو بقول شاعر. كما تقولون كذباً قليلا ما تؤمنون أي إن إيمانكم قليل ضيق الدائرة فلو كان واسعاً لا تسع للإِيمان بالقرآن إنه كلام الله ووحيه وليس هو من جنس الشعر لمخالفته له نظماً ومعنىً. وما هو بقول كاهن قليلا ما تذكرون أي وليس القرآن بقول كاهن قليلا ما تذكرون أي تذكركم قليل جدا فلو تذكرتم كثيرا لعلمتم أن القرآن ليس بكلام الكهان لملازمته للصدق والحق والهدى ولبعد قائله عن الإِثم والكذب بخلاف قول الكهان فإِن سداه ولحمته الكذب وقائله هو الإِثم كله فأين القرآن من قول الكهان؟ وأين محمد الرسول من الكهان اخوان الشيطان إنه تنزيل من ربّ العالمين أيها المكذبون الضالون. وأمر آخر وهو أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ولو تقول علينا بعض الأقاويل ونسبها إلينا لأخذنا منه باليمين أي لبطشنا به وأخذنا بيمنيه ثم لقطعنا منه الوتين فيهلك إذ الوتين هو عرق القلب إذا قطع مات الإِنسان وإذا فعلنا به هذا فمن منكم يحجزنا عنه؟ وهو معنى قوله تعالى {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} وقوله تعالى {وَإِنَّهُ} أي القرآن {لَتَذْكِرَةٌ} أي موعظة عظيمة للمتقين الذين يخافون عقاب الله ويخشون نقمه وعذابه وإنا لنعلم أن منكم أيها الناس مكذبين ليس بخاف عنا أمرهم وسنجزيهم وصفهم وإنه لحسرة على الكافرين أي يوم القيامة عندما يرون المؤمنين به يؤخذ بهم ذات اليمين إلى دار السلام والمكذبين به يؤخذ بهم ذات الشمال إلى دار البوار. وإنه لحق اليقين أي اليقين الحق. بعد هذا التقرير في إثبات الوحي والنبوة أمر تعالى رسوله الذي كذب برسالته المكذبون أمره أن يستعين على الصبر بذكر الله تعالى فقال له {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي قل سبحان ربي العظيم منزها اسمه عن تحريفه وتسمية المحدثات به معظما ربك غاية التعظيم إذ هو العليّ العظيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لله تعالى أن يحلف بما شاء من مخلوقاته لحكم عالية وليس للعبد أن يحلف بغير الربّ تعالى. 2- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية. 3- وصف الرسول بالكرم وبكرامته على ربّه تعالى. 4- عجز الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكذب على الله تعالى وعدم قدرته على ذلك لو أراده ولكن الذي لا يكذب على الناس لا يكذب على الله كما قال هرقل ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ردّاً على أبي سفيان لما قال له لم نجرب عليه كذباً قط.. 5- مشروعية التسبيح بقول سبحان ربي العظيم إن صح أنه لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه اجعلوها في ركوعكم فكانت سنة مؤكدة سبحان ربي العظيم ثلاثا في الركوع أو أكثر.

القطان

تفسير : فلا أقسِم: معناها، فأُقسِم. بما تبصرون: بما تشاهدون من المخلوقات وما في هذا الكون العجيب. وما لا تبصرون: كل ما غاب عنكم وما اكثره. ولا بقول كاهن: الكاهنُ مَنْ يتنبأ بالغيب كذباً وزورا، وكان هذا النوع من الناس شائعا عند العرب في الجاهلية. ولو تقوّل: لو افترى علينا. الأقاويل: الأكاذيب، الاقوال المفتراة. لأخذْنا منه: لأمسكناه. باليمين: بيمينه. الوتين: الشريان الرئيسي الذي يغذي الجسمَ بالدم النقي الخارج من القلب، فاذا قطع هذا العِرقُ مات الانسان حالا. حاجزين: مانعين. وإنَّه لحقُّ اليقين: وان القرآن الكريم لحقٌّ ثابت من عند الله. بعد هذه الجولةِ مع الجاحدين وما ينتظرُهم من عذاب في ذلك اليوم الشديد الهول - يعود الكتابُ ليؤكّد أن ما يتلوه الرسولُ الكريم هو القرآنُ الكريم من عندِ ربّ العالمين، وأن الأمرَ لا يحتاج إلى قَسَم أنه حقٌ، صادرٌ عن الحق، وانه ليس شعرَ شاعرٍ، ولا كهانةَ كاهنٍ، ولا افتراءَ مفترٍ، فما هو بحاجة الى توكيدِ يمين. {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ}. تكرر هذا التعبيرُ {لاَ أُقْسِمُ} في القرآن الكريم، وهو يمين عظيم. وهو كما يقول المتأكد من أمرٍ من الأمور: لا حاجة الى اليمين عليه..... لقد حارتْ قريش في أمرِ الرسولِ الكريم، وتبلبلت آراء زعمائها في ما يتلوه عليهم، فقال بعضُهم إنه كاهن، وقال بعضُهم إنه مجنون، وقال بعضهم إنه شاعر، وقال بعضهم إنه ساحر.. ولم يستقرّ رأيهم على شيء، حتى إن أكبرَ أعدائه - وهو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، صاحبُ لواء قريش يوم بدر - قال مسفّهاً هذه الآراء كلها بقوله: "يا معشرَ قريش، انه واللهِ قد نزل بكم أمر ما أتيتم به بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حَدَثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صِدغيه الشَّيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحرٌّ لا واللهِ، ما هو بساحر. لقد رأينا السحرةَ ونَفَثْهم وعقدهم. وقلتم كاهن! لا واللهِ ما هو بكاهن. قد رأينا الكهنةَ وتخالُجَهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر! لا واللهِ ما هو بشاعر. قد رأينا الشِعر، وسمعنا أصنافه كلَّها: هَزَجَه وَرجَزه. وقلتم مجنون! لقد رأينا الجنون فما هو كذلك. يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه واللهِ قد نزل بكم امر عظيم.....". أُقسِم بما تشاهدون من هذا الكون العجيب وما فيه حولَكم من مخلوقات، وبما غابَ عنكم مما لا تشاهدونه، وما أكثره... أنّ هذا القرآن هو قولُ رسولٍ كريم أنزلَه اللهُ عليه، {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} حيث كان بعض زعماء قريش يقول عنه إنه شاعر {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} وليس هو بقولِ كاهن من كهنةِ العرب كما تزعمون، بل هو: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أنزله على عبده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ان أثبت اللهُ تعالى أن القرآن الكريم تنزيلٌ من رب العالمين، ليس بشعرٍ ولا كهانة - أكّد هنا أن الرسولَ الأمين لا يمكن ان يتقوَّلَه، اذ لو فعلَ ذلك لأخذْنا منه بيمينه، وقطَعْنا منه نِياطَ قلبه فيموتُ حالا، فلا يستطيعُ أحدٌ منكم مهما بلغتْ قوَّتُه ان يحجِزَ عقابنا عنه. وهذا معنى: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}. ثم بين الله تعالى أنّ هذا القرآن تذكِرةٌ وعِظةٌ لمن يتقي الله ويخشاه، وأنه حسرةٌ على الكافرين حينما يَرَوْنَ ثوابَ المؤمنين، {وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ} فهو حقٌّ ثابت لا ريبَ فيه. ولو ان منكم مكذِّبين. ثم امر رسوله الكريم أن يسبِّح ربه العظيم وينزّهَه، ويشكره على ما آتاه من النِعم، وعلى ما أوحى به إليه من القرآن العظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : (38) - قَسَماً بِمَا تُشَاهِدُونَهُ فِي عَالَمِ المَرْئِيَّاتِ. فَلاَ أُقْسِمُ - أُقْسِمُ قَسَماً مُؤَكَّداً.

الجيلاني

تفسير : وبعدما شرع سبحانه من أحوال يوم القيامة وأهوالها وأفزاعها، وما جرى فيها من الوعيدات الهائلة، والمصيبات الشديدة الشاملة، فرَّع عليه قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي: لا حاجة في إثبات ما ثبت، وتبيين ما بيّن بالقسم {بِمَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38] من المظاهر والمجالي. {وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 39] منها من المقسمات التي نُطلع أحداً عليها، فعليم أيها المكلفون أن تتوجهوا إلى القرآن المنزل عليكم على سبيل التبيان والبيان فتعتقدوا جميع ما فيه حقاً صدقاً، وتمتثلوا بأوامره، وتجتنبوا عن نواهيه. {إِنَّهُ} أي: القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40] نفسه، لا يتأتى منه المراء والافتراء على الله؛ إذ هو منزه عن أمثال هذه الرذائل المنافية لمنصب الرسالة التي هي مرتبة الخلافة والنيابة عن المرسِل الكريم. {وَمَا هُوَ} أي: القرآن {بِقَوْلِ شَاعِرٍ} كما يقوله في حقه بعض الكفرة الجاهلين بقدره وشأنه، لكن {قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41] بصدقه وحقيته؛ لفرط عنادكم واستنكاركم. {وَلاَ} هو {بِقَوْلِ كَاهِنٍ} كما زعم بعضهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كاهن، لكن {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 42] وتتعظون أن ما فيه ليس من جنس كلام الكهنة، لا لفظاً ولا معنى؛ إذ ما في القرآن من السرائر والأحكام، مشعرة بالحكمة المتقنة الإلهية التي هي بمراحل عن أحلام الكهنة المنحرفين عن جادة التوحيد والإسلام. بل هو {تَنزِيلٌ} صادر ناشئ {مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الحاقة: 43] لتربية الكل على مقتضى الحكمة؛ ليستعدوا إلى فيضان التوحيد واليقين. {وَلَوْ تَقَوَّلَ} أي: اختلق وافترى {عَلَيْنَا} محمد {بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ} [الحاقة: 44] من تلقاء نفسه بلا ومحي منَّا. {لأَخَذْنَا} ألبتة وانتقمنا {مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ} [الحاقة: 45] أي: بالقدرة الكاملة، كما ننتقم من سائر العصاة والمفترين. {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ} زجراً عليه، وتعذيباً له {ٱلْوَتِينَ} [الحاقة: 46] أي: نياط قلبه الذي منه عموم إدراكاته. {فَمَا مِنكُمْ} أيها المكلفون {مِّنْ أَحَدٍ} حينئذٍ {عَنْهُ} أي: عن أخذه وعذابه {حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] مانعين، يمنعوننا عن بطشه وتعذيبه؛ يعني: إن محمدً صلى الله عليه وسلم لا يفتري علينا شيئاً لأجلكم أيها الكافرون، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم منَّا أنه لو افترى علينا شيئاً من تلقاء نفسه، ونسبه إلينا ظلماً وزوراً لعذبناه عذاباً شديداً، بحيث لا يقدر أحد أن يدفع عذابنا عنه. {وَ} بالجملة: {إِنَّهُ} أي: القرآن {لَتَذْكِرَةٌ} صادرة منَّا، متعلقة {لِّلْمُتَّقِينَ} [الحاقة: 48] المتحفظين أنفسهم عن مقتضيات قهرنا وجلالنا. {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ} بمقتضى علمنا الحضوري {أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ} [الحاقة: 49] أيها الكافرون المفترون، فنجازيكم على مقتضى تكذيبكم. {وَإِنَّهُ} أي: القرآن {لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [الحاقة: 50] في الدنيا والآخرة، يتحسرون في الدنيا من نزوله على المؤمنين وإن كانوا لا يظهرون، ويتحسرون أيضاً في الآخرة بترتب الثواب على من صدقه وآمن به، وهم حينئذٍ يتحسرون ويتندمون على عدم الإيمان والتصديق به. {وَ} بالجملة: {إِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ} [الحاقة: 51] إلى من وصل إلى مرتبة اليقين الحقي، مترقياً من اليقين العلمي والعيني. {فَسَبِّحْ} يا أكمل الرسل من وصل بمرتبة حق اليقين {بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الحاقة: 52] الذي ربَّاك على الخلق العظيم، وأوصلك إلى روضة الرضا وجنة التسليم بلطفه العميم. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي، المتحقق بمرتبة حق اليقين - مكَّنك الله علهيا بلا تذبذب تلوين - أن تتأمل في مرموزات القرآن، وتتدبر في كشف السرائر المودعة فيه بقلب خالٍ عن مطلق الوساوس والأوهام، صافٍ عن الكدورات الحاصلة من تقليدات ذوي الأحلام الخائضين فيه بمقتضى الآراء والأفهام الركيكة بلا تأييد من جانب الحكيم العلام، فلك أن تتوجه إليه بقلب حاضر غائب فارغ عن عموم الأشغال، مائل عن مطلق الزيغ والضلال الواقع فيه من أصحاب الظواهر القانعين منه بالقيل والقال بحسب تفاهم عرفهم. وإياك إياك أن تكتفي بمجرد منطوقات الألفاظ، وتقتصر عليها بلا خوض في تيار بحاره الزخارات التي هي مملوءة بدرر المعارف والحقائق الموصلة إلى مرتبة حق اليقين. وإذا خضت وغصت فيه على الفرصة المذكورة، واستخرجت من درر فوائده بقدر حوصلتك واستعدادك، حق لك أن تقول حينئذٍ: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ} [الحاقة: 51] وأن تكون مرجعاً للخطاب الإلهي بقوله: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الحاقة: 52].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أقسم تعالى بما يبصر الخلق من جميع الأشياء وما لا يبصرونه، فدخل في ذلك كل الخلق بل يدخل في ذلك نفسه المقدسة، على صدق الرسول بما جاء به من هذا القرآن الكريم، وأن الرسول الكريم بلغه عن الله تعالى. ونزه الله رسوله عما رماه به أعداؤه، من أنه شاعر أو ساحر، وأن الذي حملهم على ذلك عدم إيمانهم وتذكرهم، فلو آمنوا وتذكروا، لعلموا ما ينفعهم ويضرهم، ومن ذلك، أن ينظروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم، ويرمقوا أوصافه وأخلاقه، لرأوا أمرا مثل الشمس يدلهم على أنه رسول الله حقا، وأن ما جاء به تنزيل رب العالمين، لا يليق أن يكون قول البشر بل هو كلام دال على عظمة من تكلم به، وجلالة أوصافه، وكمال تربيته لعباده، وعلوه فوق عباده، وأيضا، فإن هذا ظن منهم بما لا يليق بالله وحكمته فإنه لو تقول عليه وافترى { بَعْضَ الأقَاوِيلِ } الكاذبة. { لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } وهو عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات منه الإنسان، فلو قدر أن الرسول -حاشا وكلا- تقول على الله لعاجله بالعقوبة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، لأنه حكيم، على كل شيء قدير، فحكمته تقتضي أن لا يمهل الكاذب عليه، الذي يزعم أن الله أباح له دماء من خالفه وأموالهم، وأنه هو وأتباعه لهم النجاة، ومن خالفه فله الهلاك. فإذا كان الله قد أيد رسوله بالمعجزات، وبرهن على صدق ما جاء به بالآيات البينات، ونصره على أعدائه، ومكنه من نواصيهم، فهو أكبر شهادة منه على رسالته. وقوله: { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } أي: لو أهلكه، ما امتنع هو بنفسه، ولا قدر أحد أن يمنعه من عذاب الله. { وَإِنَّهُ } أي: القرآن الكريم { لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } يتذكرون به مصالح دينهم ودنياهم، فيعرفونها، ويعملون عليها، يذكرهم العقائد الدينية، والأخلاق المرضية، والأحكام الشرعية، فيكونون من العلماء الربانيين، والعباد العارفين، والأئمة المهديين. { وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ } به، وهذا فيه تهديد ووعيد للمكذبين، فإنه سيعاقبهم على تكذيبهم بالعقوبة البليغة. { وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ } فإنهم لما كفروا به، ورأوا ما وعدهم به، تحسروا إذ لم يهتدوا به، ولم ينقادوا لأمره، ففاتهم الثواب، وحصلوا على أشد العذاب، وتقطعت بهم الأسباب. { وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ } أي: أعلى مراتب العلم، فإن أعلى مراتب العلم اليقين وهو العلم الثابت، الذي لا يتزلزل ولا يزول. واليقين مراتبه ثلاثة، كل واحدة أعلى مما قبلها: أولها: علم اليقين، وهو العلم المستفاد من الخبر. ثم عين اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة البصر. ثم حق اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة الذوق والمباشرة. وهذا القرآن الكريم، بهذا الوصف، فإن ما فيه من العلوم المؤيدة بالبراهين القطعية، وما فيه من الحقائق والمعارف الإيمانية، يحصل به لمن ذاقه حق اليقين. { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } أي: نزهه عما لا يليق بجلاله، وقدسه بذكر أوصاف جلاله وجماله وكماله. تم تفسير سورة الحاقة، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، على كماله وأفضاله وعدله.