Sajda. 1 - recommended (السجدة 1 - موصى به) (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُوْنَ عَنْ عِبَادَتِہٖ وَيُسَبِّحُوْنَہٗ وَلَہٗ يَسْجُدُوْنَ۝۲۰۶ۧ۞
Inna allatheena AAinda rabbika la yastakbiroona AAan AAibadatihi wayusabbihoonahu walahu yasjudoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين عند ربك» أي الملائكة «لا يستكبرون» يتكبَّرون «عن عبادته ويسبِّحونه» ينزهوِّنه عما لا يليق به «وله يسجدون» أي يخصونه بالخضوع والعبادة فكونوا مثلهم.

206

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } والمعنى: أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب، وحوادث الحقد والحسد، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعداً للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى بالمواظبة على الطاعة، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام: {أية : وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً }تفسير : [مريم: 31] وقال لمحمد عليه السلام: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99]. المسألة الثانية: المشبهة تمسكوا بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ } وقالوا لفظ {عِندَ } مشعر بالمكان والجهة. وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }تفسير : [الأعراف: 54 يونس: 3] على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلاً في المكان والجهة. وإذا ثبت هذا فنقول: وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ } تفسير : [الحديد: 4] ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا ههنا، وأيضاً جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال: «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة، فكذا ههنا. والوجه الثاني: إن المراد القرب بالشرف. يقال: للوزير قربة عظيمة من الأمير، وليس المراد منه القرب بالجهة، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة. والوجه الثالث: أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات. والوجه الرابع: إنما قال تعالى في صفة الملائكة: {ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشاً عظيماً، وإن كانوا متفرقين في البلد، فكذا ههنا والله أعلم. المسألة الثانية: تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه. المسألة الرابعة: ذكر من طاعاتهم أولاً كونهم يسبحون، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب، ويتفرع عليها أعمال الجوارح. وأيضاً قوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يفيد الحصر ومعناه: أنهم لا يسجدون لغير الله. فإن قيل: فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }تفسير : [الحجر: 30 ص: 73] والمراد أنهم سجدوا لآدم؟ والجواب: قال الشيخ الغزالي: الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض. فأما عظماء ملائكة السموات فلا. وقيل أيضاً: إن قوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يفيد أنهم ما سجدوا لغير الله، فهذا يفيد العموم. وقوله: فسجدوا لآدم خاص، والخاص مقدم على العام. واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة، كقوله تعالى حكاية عنهم: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ }تفسير : [الصافات: 165، 166] وقوله: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } تفسير : [الزمر: 75] والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة بإجماع. وقال «عِنْدَ رَبِّكَ» والله تعالى بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده؛ عن الزجاج. وقال غيره: لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله. وقيل: لأنهم رُسُل الله؛ كما يقال: عند الخليفة جيش كثير. وقيل: هذا على جهة التشريف لهم، وأنهم بالمكان المكرم؛ فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة. {وَيُسَبِّحُونَهُ} أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء. {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} قيل: يصلون. وقيل: يَذِلّون، خلاف أهل المعاصي. الثانية ـ والجمهور من العلماء في أن هذا موضعُ سجود للقارىء. وقد ٱختلفوا في عدد سجود القرآن؛ فأقصى ما قيل: خمس عشرة. أوّلها خاتمة الأعراف، وآخرها خاتمة العَلَق. وهو قول ٱبن حبيب وٱبن وهب ـ في رواية ـ وإسحاق. ومن العلماء من زاد سجدة الحِجْر قوله تعالى: {أية : وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 98] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فعلى هذا تكون ست عشرة. وقيل: أربع عشرة؛ قاله ابن وهب في الرواية الأُخرى عنه. فأسقط ثانية الحج. وهو قول أصحاب الرأي، والصحيح سقوطها؛ لأن الحديث لم يصح بثبوتها. ورواه ابن ماجه وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن مُنين من بني عبد كُلال عن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن؛ منها ثلاث في المفصّل، وفي الحج سجدتان. وعبد الله بن مُنين لا يحتج به؛ قاله أبو محمد عبد الحق. وذكر أبو داود أيضاً من حديث حديث : عقبة بن عامر قال قلت: يا رسول الله، أفي سورة الحج سجدتان؟. قال: «نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما»تفسير : . في إسناده عبد الله بن لَهِيعة، وهو ضعيف جداً. وأثبتهما الشافعيّ وأسقط سجدة ص. وقيل: إحدى عشرة سجدة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل. وهو مشهور مذهب مالك. وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وفي سنن ٱبن ماجه عن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء، الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج سجدة والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وصۤ وسجدة الحواميم. وقيل: عشر، وأسقط آخرة الحج وصۤ وثلاث المفصل؛ ذُكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع، سجدة آلۤم تنزيل وحم تنزيل والنجم والعلق. وسبب الخلاف اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر المجرّد بالسجود في القرآن، هل المراد به سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة؟ الثالثة ـ واختلفوا في وجوب سجود التلاوة؛ فقال مالك والشافعيّ: ليس بواجب. وقال أبو حنيفة: هو واجب. وتعلّق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب، وبقوله عليه السلام: «حديث : إذا قرأ ٱبن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا وَيْلَه»تفسير : . وفي رواية أبي كُرَيب «يا ويلِي»، وبقوله عليه السلام إخباراً عن إبليس لعنه الله: «حديث : أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار»تفسير : . أخرجه مسلم. ولأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه. وعوّل علماؤنا على حديث عمر الثابت ـ خرّجه البخاري ـ أنه قرأ آية سجدة على المِنبر فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأُخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال: «حديث : أيها الناس على رِسْلكم! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء»تفسير : . وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من الأنصار والمهاجرين. فلم ينكر عليه أحد فثبت الإجماع به في ذلك. وأما قوله: «حديث : أُمِر ابن آدم بالسجود» تفسير : فإخبار عن السجود الواجب. ومواظبة النبيّ صلى الله عليه وسلم تدل على الاستحباب! والله أعلم. الرابعة ـ ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حَدَث ونَجس ونيةٍ واستقبالِ قبلة ووقت. إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة. وذكره ابن المنذر عن الشعبيّ. وعلى قول الجمهور هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم؟ اختلفوا في ذلك؛ فذهب الشافعيّ وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها. وقد روى في الأثر عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد كبّر، وكذلك إذا رفع كبّر. ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة. وٱختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة؛ وبالتكبير لذلك قال عامّة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أوّلها للإحرام. وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب. والأوّل أولى؛ لقوله عليه السلام: «حديث : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» تفسير : وهذه عبادة لها تكبير، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى، لأنها فعل وصلاة الجنازة قول. وهذا اختيار ابن العربيّ. الخامسة ـ وأما وقته فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقاً؛ لأنها صلاة لسبب. وهو قول الشافعيّ وجماعة. وقيل: ما لم يُسْفِر الصبح، أو ما لم تصفرّ الشمس بعد العصر. وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر. وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا. وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتّب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح. وٱختلافهم في المعنى الذي لأجله نُهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله أعلم. السادسة ـ حديث : فإذا سجد يقول في سجوده: «اللَّهُمَّ ٱحطط عني بها وِزْراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً»تفسير : . رواه ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره ابن ماجه. السابعة ـ فإن قرأها في صلاة، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفرداً أو في جماعة وأمن التخليط فيها. وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص جوازه. وقيل: لا يسجد. وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النّهيُ عنه فيها، سواء كانت صلاة سر أو جهر، جماعة أو فرادى. وهو معلّل بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة. وقيل: معلّل بخوف التخليط على الجماعة؛ وهذا أشبه. وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط. الثامنة ـ روى البخاريّ عن أبي رافع قال: صلّيت مع أبي هريرة العَتَمة، فقرأ «إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» فسجد؛ فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. انفرد بإخراجه. وفيه: «وقيل لعمران بن حُصين: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها؟ قال: أرأيت لو قعد لهاٰ كأنه لا يوجبه عليه. وقال سَلْمان: ما لهذا غدونا. وقال عثمان: إنما السجدة على من ٱستمعها. وقال الزُّهريّ: لا يسجد إلا أن يكون طاهراً، فإذا سجدت وأنت في حَضَر فاستقبل القبلة، فإن كنت راكباً فلا عليك حيث كان وجهك. وكان السائب لا يسجد لسجود القاص» والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ } أي الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } يتكبَّرون {عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ } يُنَزِّهونه عَما لا يليق به {وَلَهُ يَسْجُدُونَ } أي يخصونه الخضوع والعبادة فكونوا مثلهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {عِبَادَتِهِ} الصلاة والخضوع فيها، أو امتثال الأوامر واجتناب النواهي، قاله الجمهور {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} نزلت لما قالوا أنسجد لما تأمرنا، إذا كانت الملائكة مع شرفها تسجد فأنتم أولى.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين عند ربك} يعني الملائكة المقربين لما أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالذكر في حالة التضرع والخوف أخبر أن الملائكة الذين عنده مع علو مرتبتهم وشرفهم وعصمتهم {لا يستكبرون عن عبادته} وطاعته لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه عز وجل: {ويسبحونه} يعني وينزهونه عن جميع النقائص ويقولون سبحان ربنا {وله يسجدون} لا لغيره. فإن قلت: التسبيح والسجود داخلان في قوله تعالى لا يستكبرون عن عبادته لأنهما من جملة العبادة فكيف أفردهما بالذكر؟ قلت: أخبر الله عز وجل عن حال الملائكة أنهم خاضعون لعظمته لا يستكبرون عن عبادته ثم أخبر عن صفة عبادتهم أنهم يسبحونه وله يسجدون ولما كانت الأعمال تنقسم إلى قسمين أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأعمال القلوب هي تنزيه الله عن كل سوء وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله: ويسبحونه. وعبر عن أعمال الجوارح بقوله: وله يسجدون وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن فيستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قوله: وله يسجدون ليوافق الملائكة المقربين في عباداتهم (ق) عن عبد الله بن عمر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته في غير وقت صلاة"تفسير : (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار"تفسير : (م) عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلى رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة"تفسير : والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي العريان المجاشعي عن ابن عباس‏.‏ أنه ذكر سجود القرآن فقال‏:‏ الأعراف والرعد والنحل وبنو إسرائيل ومريم والحج سجدة واحدة، والنمل والفرقان والم تنزيل وحم تنزيل وص، وليس في المفصل سجود‏. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال‏:‏ عد علي بن العباس عشر سجدات في القرآن‏.‏ الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج الأولى منها، والفرقان، والنمل، وتنزيل السجدة، وحم السجدة. وأخرج ابن ماجه والبيهقي في سننه عن أبي الدرداء قال ‏"‏سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء‏.‏ الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج سجدة، والفرقان، وسليمان سورة النمل، والسجدة، وص وسجدة الحواميم‏"‏‏. وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمرو بن العاص ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَهُ خَمْسَ عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث من المفصل وفي سورة الحج سجدتين‏"‏‏. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لوضع جبهته‏"‏‏. وأخرج مسلم وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول‏:‏ يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ فليَ النار ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن سيرين قال‏:‏ سئلت عائشة عن سجود القرآن‏؟‏ فقالت‏:‏ حق لله يؤديه أو تطوّع تطوّعه، وما من مسلم سجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة، أو جمعهما له كلتيهما‏. وأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار قال‏:‏ إذا قرأ الرجل السجدة فلا يسجد حتى يأتي على الآية كلها، فإذا أتى عليه رفع يديه وكبر وسجد. وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبَّر، وسجد وسجدنا معه‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والدارقطني والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل يقول في السجدة مراراً ‏"‏حديث : سَجَدَ وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن السكن قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره‏"‏ تفسير : قال‏:‏ وبلغني أن داود عليه السلام كان يقول‏:‏ سجد وجهي متعفراً في التراب لخالقي وحق له، ثم قال‏:‏ سبحان الله ما أشبه كلام الأنبياء بعضهم ببعض‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول في سجوده‏:‏ اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي، اللهم ارزقني علماً ينفعني وعلماً يرفعني‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة أنه كان يقول إذا قرأ السجدة‏:‏ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، سبحان الله وبحمده ثلاثا‏ً. وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال‏:‏ كانوا يكرهون إذا أتوا على السجدة أن يجاوزوها حتى يسجدوا. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع قراءة آخر سورة الأعراف في كل جمعة على المنبر‏"‏‏.‏

القشيري

تفسير : أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم، وهذه سُنَّة الله تعالى مع خواص عباده؛ يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق لئلا يُخِلُّو بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين} قال الكاشفى [آورده اندكه كفار مكه تعظم ميكردند از سجده نمودن مرخدايرا وتنفر نموده ميكفتند {أية : أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} تفسير : [الفرقان: 60]. [حق سبحانه وتعالى ميفرمايد اى محمدا اكركافران ازسجود من سركشى ميكنند بدرستى آنانكه] {عند ربك} اى الملائكة المقربين لديه قرب الشرف والمكانة لا قرب المسافة والمكان {لا يستكبرون} [كردن نمى كشند] {عن عبادته} بل يؤدونها حسبما امروا به {ويسبحونه} اى ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه {وله} تقديم الجار على الفعل للحصر {يسجدون} اى يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيأ وهو تعريض بسائر المكلفين ولذلك شرع السجود عند قراءتها. واعلم ان السجدة نهاية الخضوع وانما شرعت فى موضع جبرا للنقصان كسجود السهو وفى موضع لمخالفة الكفار والموافقة للمسلمين. قال الكاشفى [سجده تلاوت جهارده موضع است درقرآن واختلاف دردوموضع است يكى در آخر سوره حج بمذهب امام شافعى وامام احمد سجده هست وبمذهب امام اعظم نيست ودوم درسوره ص بمذهب امام اعظم هست لان النبى عليه السلام قرأ سورة ص وسجد وبمذهب باقى ائمه نه] لان المذكور فيها ركوع لا سجود واختلف فى موضع السجود فى فصلت فعند على رضى الله عنه هو قوله {أية : إن كنتم إياه تعبدون} تفسير : [فصلت: 37]. وبه اخذ الشافعى وعند عمر وابن مسعود رضى الله عنهما هو قوله {أية : لا يسئمون} تفسير : [فصلت: 37] فاخذنا به احتياطا فان تأخير السجدة لازم لا تقديمها [ونزدامام اعظم سجدة تلاوت برخواننده وشنونده درنماز وغير نماز واجبست درحال واكر فوت شود قضا لازمست وبمذهب ائمه ديكر سنت وقضا لازم نه] ويكره تأخير السجدة من غير ضرورة ويستحب ان يقوم القاعد فيكبر ويسبح تسبيح الصلاة ويكبر ويقوم ثم يقعد لكون الخرور فيه اكمل. وقوله تسبيح الصلاة اى يقول "حديث : سبحان ربى الاعلى" تفسير : ثلاثا وهو الاصح وقيل يقول "حديث : خضعت للرحمٰن فاغفر لى يا رحمٰن" تفسير : وقيل يقول "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك وطاعتك " . تفسير : وهو مختار صاحب الاسرار المحمدية ويروى فيه عن نفسه سماع هاتف يأمره بالدعاء بذلك وكان صلى الله عليه وسلم يقول فى سجود التلاوة "حديث : سجد وجهى للذى خلقه وصوره فاحسن صورته وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" تفسير : يقولها مرارا ثم يقول "حديث : فتبارك الله احسن الخالقين الهم اكتب لى بها عندك اجرا وضع عنى بها وزرا واجعلها لى عندك ذخرا وتقبلها منى كما تقبلت من عبدك داود عليه الصلاة والسلام " . تفسير : قال ابن فخر الدين الرومى ان قرأ سجدة سبحان ضم اليها ما ذكره سبحانه وتعالى عن الطائفة الساجدين واستحسن عنهم بقوله {سبحان ربنا ان كان وعد ربنا مفعولا} وان قرأ آية التنزيل والاعراف قال "حديث : اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك واعوذ بك ان اكون من المستكبرين عن امرك" تفسير : وان قرأ الم السجدة قال "حديث : اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة كتابك " . تفسير : وان قرأ سجدة والنجم قال "حديث : اللهم اجعلنى من الباكين اليك الخاشعين لك" تفسير : وكذا فى غيره. قال المولى اخى جلبى وان لم يذكر فيها شيأ اجزأه لانها لا تكون اقوى من السجدة الصلاتية ويستحب للسامع ان يسجد مع التالى ولا يرفع رأسه قبل لانه بمنزلة امامه ويشترط نية السجود للتلاوة لا التعيين حتى لو كان عليه سجدات متعددة فعليه ان يسجد عددها وليس له ان يعين ان هذه السجدة لآية كذا وهذه لآية كذا ويستحب للتالى اخفاؤها اذا لم يكن السامع متهيئا للسجود تحرزا عن تأثيمه واذا كان متهيأ يستحب له ان يجهر حثالة على العبادة. قال الامام الخبازى فى حواشى الهداية يستحب ان يصلى على النبى عليه السلام كلما ذكر ولا تستحب السجدة كلما تليت تلك الآية اذا كان المجلس واحدا والفرق ان الرسول عليه السلام محتاج والرب عز وجل غير محتاج. قال الامام محمد بن العربى قدس سره فى روح القدس له اعلم ان لاشيء انكأ على ابليس من ابن آدم فى جميع احواله فى صلاته من سجوده لانه خطيئته فكثرة السجود وتطويله يحزن الشيطان وليس الانسان بمعصوم من ابليس فى صلاته الا فى سجوده لانه حينئذ يذكر الشيطان معصيته فيحزن فيشتغل بنفسه عنك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا قرأ ابن آدم السجد فسجد اعتزل الشيطان يبكى ويقول يا ويلتى امر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وامرت بالسجود فابيت فلى النار" تفسير : فالعبد فى سجوده معصوم من الشيطان غير معصوم من النفس فخواطر السجود كلها اما ربانية او ملكية او نفسية وليس للشيطان عليه من سبيل فاذا قام من سجوده غابت تلك الصفة عن ابليس فزال حزنه فاستغل بك انتهى كلامه. يقول الفقير فيه اشارة الى ان الشيطان انما ابى عن السجود لاستكباره فكل من استكبر عنه كالكفار كان الشيطان قرينه فى جميع احواله وكل من تواضع فسجد كالمؤمنين اعتزل عنه الشيطان فى تلك الحال لا فى جميع الاحوال الا ان يزكى نفسه عن رذيلة الكبر فحينئذ يتخلص فى جميع احواله ويكون من العباد المخلصين شعر : زينت تو بس كمر بندكى تاج تودر سجده سر افكندكى شوم توبادا كه ببالاو بست سجده طاعت بردش هرجه هست توكنى از سجده او سر كشى به كه ازين شيوه قدم در كشى تفسير : [وحضرت شيخ الاسلام قدس سره فرمود سرى كه درو سجودى نيست سفجه به ازدست وكفى كه دروجودى نيست كفجه به ازدست] ونعم ما قال شعر : شرف نفس بجودست وكرامت بسجود هركه اين هردو ندارد عدمش به زوجود تفسير : قال فى التأويلات النجمية {إن الذين عند ربك} يعنى الذين افنوا افعالهم واخلاقهم وذواتهم فى اوامر الله واخلاقه وذاته فما بقوا عند انفسهم وانما بقوا ببقاء الله عنده {لا يستكبرون عن عبادته} لان الاستكبار من اخلاقهم وقد افنوها فى اخلاقه فما بقى لهم الاستكبار فكيف يستكبرون عن عبادته وقد افنوا افعالهم فى اوامر الله وهى عبادته فاعمالهم قائمة بالعبادة لا بالفعل وهم فى حال الفناء عن انفسهم والبقاء بالله {ويسبحونه} اى ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد عن ان يكون هو العبد او العبد اياه بل هو هو كما كان فى الازل لم يكن شيأ مذكورا {وله يسجدون} فى الوجود والعدم من الازل والابد سجدوا له من الازل فى العدم منقادين مسخرين قابلين لاحكام القدرة فى الايجاد للوجود وسجدوا له الى الابد فى الوجود ببذل الموجود منقادين مسخرين قابلين لاحكام القدرة فى تصاريف الاعدام والايجاد والابقاء.

الطوسي

تفسير : بين الله تعالى ان الذين عنده، وهم الملائكة، ومعناه انهم عنده بالمنزلة الجليلة لا بقرب المسافة، لأنه تعالى ليس في مكان ولا جهة فيقرب غيره منه، لأن ذلك من صفات الأجسام، وهذا حث منه على الطاعة والاستكانة والخضوع له، لأن الملائكة مع فضلها وارتفاع منزلتها إذا كانت لا تستكبر عن عبادته بل تسبحه دائماً وتسجد مثل ذلك فبنوا آدم بذلك اولى واحق ولهم أوجب والزم. قال الجبائي معنى {عند ربك} إنهم في المكان الذي لا يملك فيه الحكم بين الخلق سواه لأنه ملك عباده الحكم في الارض على وجه حسن. قال: ويجوز ان يكون المراد بذلك أنهم رسله الذين يبعثهم في أمور الانس، واذا كانوا رسله جاز أن ينسبهم إلى نفسه فيقول: إنهم عنده، كما يقال: عند الخليفة جيش كثير، ولا يراد به في مكانه، ولا بالقرب منه، وإنما يراد انهم اصحابه وإن كانوا متفرقين في البلاد. وقال الزجاج: من قرب من رحمة الله وفضله فهو عند الله اي قريب من تفضله وإحسانه. وهذا اول سجدات القرآن، وهي - عندنا - مستحبة غير واجبة وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وسبب نزول الآية ان قريشاً لما قالت: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟! نزلت هذه الآية.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} فى موضع التّعليل للامر والنّهى والمراد من حصل له الحضور عنده من الانبياء (ع) والرّسل (ع) وخلفائهم فى سلسلة الصّعود والملائكة المقرّبين فى سلسلة النزّول {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ} على سبيل الاستمرار {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} استمراراً فان اردت اللّحوق بهم والاتّصاف بصفاتهم فلا تغفل عن ذكره.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذين عِنْد ربِّكَ} وهم الملائكة، ومعنى العندية شرفهم وقربهم من فضل الله ورحمته {لا يسْتَكبِرونَ عَن عِبادَتهِ} مع شرفهم وبعدهم عن الذنب، فكيف ليستكبر عنها الناس مع انغماسهم فى الذنوب، واحتياجهم إلى الجنة، فالآية تعريض بهم، ولذا شرع السجود لقراءتها. {ويُسبِّحونه} فى كل وقت عما لا يليق، أى ينزهونه فيمن قال سبحان الله فقد نزهه عموما عما لا يليق، ومن قال: لا إله إلا الله فقد نزهه عن الشركة وهكذا {ولَهُ يسْجُدونَ} قدم الجار والمجرور للحصر والفاصلة، والتسبيح والسجود تمثيل للعبادة العامة التى لا يستكبرون عنها، وهذا موضع السجدة، وزعم النقاش والنخعى: إن شئت ركعت، وإن شئت سجدت. قال ابن عمر: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه، حتى لا يجد بعضنا موضعا لجبهته فى غير وقت صلاة، وبه يستدل مجئ سجود التلاوة فى الوقت الذى لا تجوز فيه الصلاة، وليس بقاطع لاحتمال أن يريد فى غير وقت صلاة من الصلوات الخمس، وفى الحديث: "حديث : عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" تفسير : وأنه ليس فى السماء موضع شبر إلا وعليه ملك راكع، أو ساجد، أو مسبح، أو مهلل، أو معظم لله، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} وهم الملائكة مطلقا، لأَن المراد بالعندية الرتبة بالعبادة الخالصة المتتابعة ولو فى الأَرض وكلهم متصفون بمضمون خبر إِن، أَو المراد ملائكة الملأ الأَعلى كملائكة العرش وملائكة ما فوق سدرة المنتهى متابعة للفظ عند، وهى أَيضا عندية رتبة لتنزه الله عز وجل عن المكان، أَو ملائكة السموات وما فوقهن ونحو ذلك، مما لا ينفذ فيه إِلا أَمر الله {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} ولا يغفلون {وَيُسَبِّحُونَهُ} ينزهونه عن صفات الخلق {وَلَهُ} لا لغيره ولا مع غيره {يَسْجُدُونَ} يخضعون بالجوارح والقلوب والأَلسنة، فكونوا مثلهم بقدر ما استطعتم. روى مسلم وابن ماجة عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا قرأَ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى، ويقول: أَمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلى النار"تفسير : ، وعن عائشة رضى الله عنها أَنه صلى الله عليه وسلم يقول فى سجود القرآن بالليل مرارا: "حديث : سجد وجهى للذى خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أَحسن الخالقين"تفسير : . وعن عائشة رضى الله عنها. مرفوعا: "حديث : ما من مسلم يسجد لله تعالى سجدة إِلا رفعه الله تعالى بها درجة، أَو حط عنه بها خطيئة، أَو جمع له كلتيهما "تفسير : . والله أَعلم.. ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم.. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم....

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} وهم ملائكة الملأ الأعلى، فالمراد من العندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزه الله تعالى عن ذلك، وقيل: المراد عند عرش ربك {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} بل يؤدونها حسبما أمروا به {وَيُسَبِّحُونَهُ} أي ينزهونه عما لا يليق بحضرة كبريائه على أبلغ وجه {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي ويخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به غيره جل شأنه، وهو تعريض بمن عداهم من المكلفين كما يدل عليه تقديم {لَهُ} وجاز أن يؤخذ من مجموع الكلام كما آثره العلامة الطيبي لأنه تعليل للسابق على معنى ائتوا بالعبادة على وجه الإخلاص كما أمرتم فإن لم تأتوا بها كذلك فإنا مغنون عنكم وعن عبادتكم إن لنا عباداً مكرمين من شأنهم كذا وكذا فالتقديم على هذا للفاصلة، ولما في الآية من التعريض شرع السجود عند هذه الآية إرغاماً لمن أبى ممن عرض به. قيل: وقد جاء الأمر بالسجدة لآية أمر فيها بالسجود امتثالاً للأمر، أو حكي فيها استنكاف الكفرة عنه مخالفة لهم، أو حكي فيها سجود نحو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأسياً بهم، وهذا من القسم الثاني باعتبار التعريض أو من القسم الأخير باعتبار التصريح، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده لذلك كما روى ابن أبـي شيبة عن ابن عمر«حديث : اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي اللهم ارزقني علماً ينفعني وعملاً يرفعني» تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل مراراً «حديث : سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين» تفسير : وجاء عنها أيضاً «حديث : ما من مسلم سجد لله تعالى سجدة إلا رفعه الله تعالى بها درجة أو حط عنه بها خطيئة أو جمعهما له كلتيهما» تفسير : وأخرج مسلم وابن ماجه والبيهقي عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» تفسير : ، واستدل بالآية على أن إخفاء الذكر أفضل، ويوافق ذلك ما أخرجه أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الذكر الخفي» تفسير : وهي ناعية على جهلة زماننا من المتصوفة ما يفعلونه مما يستقبح شرعاً وعقلاً وعرفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} وهي الروح {وََجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} / وهي القلب {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أي ليميل إليها ويطمئن فكانت الروح تشم من القلب نسائم نفحات الألطاف {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} أي جامعها وهو إشارة إلى النكاح الروحاني والصوفية يقولون: إنه سائر في جميع الموجودات ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} في البداية بظهور أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني {فَلَمَّا أَثْقَلَت} كبرت وكثرت آثار الصفات {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} لأنهما خافا من تبدل الصفات الروحانية النورانية بالصفات النفسانية الظلمانية {لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً} للعبودية {أية : لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} تفسير : [الأعراف:189] {أية : فَلَمَّا ءَاتَـٰهُمَا صَالِحاً} تفسير : بحسب الفطرة من القوى {أية : جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَا ءَاتَـٰهُمَا } تفسير : [الأعراف: 190] أي جعل أولادهما لله تعالى شركاء فيما آتى أولادهما فمنهم عبد البطن ومنهم عبد الخميصة ومنهم من عبد الدرهم والدينار {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} كائناً ما كان {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} في العجز وعدم التأثير {فَٱدْعُوهُمْ} إلى أي أمر كان {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [الأعراف: 194] في نسبة التأثير إليهم {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا} استفهام على سبيل الإنكار أي ليس لهم أرجل يمشون بها بل بالله عز وجل إذ هو الذي يمشيهم وكذا يقال فيها بعد {أية : قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ} تفسير : [الأعراف: 195] إن استطعتم {إِنَّ وَلِيِّيَ ٱللَّهِ} حافظي ومتولي أمري {أية : ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّٱى ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 196] أي من قام به في حال الاستقامة {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 198] الحق ولا حقيقتك لأنهم عمي القلوب في الحقيقة، والضمير للكفار {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أي السهل الذي يتيسر لهم ولا تكلفهم ما يشق عليهم {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالوجه الجميل، {أية : وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] فلا تكافئهم بجهلهم. عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية قيل وذلك لقوة دلالتها على التوحيد فإن من شاهد مالك النواصي وتصرفه في عباده وكونهم فيما يأتون ويذرون به سبحانه وتعالى لا بأنفسهم لا يشاقهم ولا يداقهم في تكاليفهم ولا يغضب في الأمر والنهي ولا يتشدد ويحلم عنهم، {أية : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 200] بالشهود والحضور فإنك ترى حينئذ أن لا فعل لغيره سبحانه، وهذا إشارة إلى ما يعتري الإنسان أحياناً من الغضب وإيماء إلى علاجه بالاستعاذة قال بعضهم: إن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً، وإذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله تعالى خلق فيه داعية وقد سبقت عليه الكلمة الأزلية فلا سبيل له إلى تركه وحينئذ يتغير غضبه. وقد ورد من عرف سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب، الاستعاذة بالله تعالى في المعنى طلب الالتجاء إليه باستكشاف ذلك النور، {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} الشرك {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} لمة منه بنسبة الفعل إلى غيره سبحانه وتعالى: {تَذَكَّرُواْ} مقام التوحيد ومشاهدة الأفعال من الله تعالى: {أية : فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 201] فعالية الله تعالى لا شيطان ولا فاعل غيره سبحانه في نظرهم {وَإِخْوٰنِهِم} أي إخوان الشياطين من المحجوبين {يَمُدُونَهُم} الشياطين في الغي وهو نسبة الفعل إلى السوى {أية : ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 202] عن العناد والمراء والجدل، و {قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} أي جمعتها من تلقاء نفسك {أية : قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحِٱ إِلَىَّ مِنْ رَبِّى } تفسير : [الأعراف:203] لأني قائم به لا بنفسي {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} أي للقرآن بآذانكم الظاهرة {وَأَنْصِتُواْ} بحواسكم الباطنة، وجوز أن يكون ضمير {لَهُ} للرب سبحانه، أي إذا قرىء القرآن فاستمعوا للرب جل شأنه فإنه المتكلم والمخاطب لكم به {أية : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 204] بالسمع الحقيقي أو برحمة تجلي المتكلم في كلامه بصفاته وأفعاله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} بأن تتحلى بما يمكن التحلي به من صفات الله تعالى، وقيل: هو على حد {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 21] / {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} حسب اختلاف المقام {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ} أي دون أن يظهر ذلك منك بل تكون ذاكراً به له {بِٱلْغُدُوّ} أي وقت ظهور نور الروح {وَٱلأَصَالِ} أي وقت غلبات صفات النفس {وَلاَ تَكُن} في وقت من الأوقات {أية : مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 205] عن شهود الوحدة الذاتية، وقال بعض الأكابر: إن قوله سبحانه: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} إشارة إلى أعلى المراتب وهو حصة الواصلين المشاهدين، وقوله سبحانه وتعالى: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ} إشارة إلى المرتبة الوسطى وهي نصيب السائرين إلى مقام المشاهدة، وقوله جل شأنه: {وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} إيماء إلى مرتبة النازلين من السالكين، وفي ذكر الخوف اشعار باستشعار هيبة الجلال كما قال:شعر : أشتاقه فإذا بدا أطرقت من اجلاله لا خيفة بل هيبة وصيانة لجماله تفسير : وذكروا أن حال المبتدي والسالك منوطة برأي الشيخ فإنه الطبيب لأمراض القلوب فهو أعرف بالعلاج، فقد يرى له رفع الصوت بالذكر علاجاً حيث توقف قطع الخواطر وحديث النفس عليه، وفي «عوارف المعارف» للسهروردي قدس سره لا يزال العبد يردد هذه الكلمة على لسانه مع مواطأة القلب حتى تصير متأصلة فيه مزيلة لحديث النفس وينوب معناها في القلب عنه فإذا استولت الكلمة وسهلت اللسان تشربها القلب ويصير الذكر حينئذ ذكر الذات، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة، وذاك هو المقصد الأقصى من الخلوة، وقد يحصل ما ذكر بتلاوة القرآن أيضاً إذا أكثر التلاوة واجتهد في مواطأة القلب مع اللسان حتى تجري التلاوة على اللسان وتقوم مقام حديث النفس فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة ا هـ. ونقل عنه أيضاً ما حاصله أن بنية العبد تحكي مدينة جامعة، وأعضاؤه وجوارحه بمثابة سكان المدينة، والعبد في إقباله على الذكر كمؤذن صعد منارة على باب المدينة يقصد إسماع أهل المدينة الأذان، فالذاكر المحقق يقصد إيقاظ قلبه وإنباء أجزائه وأبعاضه بذكر لسانه فهو يقول ببعضه ويسمع بكله إلى أن تنتقل الكلمة من اللسان إلى القلب فيتنور بها ويظفر بجدوى الأحوال ثم ينعكس نور القلب على القالب فيتزين بمحاسن الأعمال ا هـ. {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} وهم الفانون الباقون به سبحانه وتعالى أرباب الاستقامة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} لعدم احتجابهم بالأنانية {وَيُسَبِّحُونَهُ} بنفيها {أية : وَلَهُ يَسْجُدُونَ } تفسير : [الأعراف: 206] بالفناء التام وطمس البقية والله تعالى هو الباقي ليس في الوجود سواه.

ابن عاشور

تفسير : تتنزل منزلة العلة للأمر بالذكر، ولذلك صُدرت بـ {إن} التي هي لمجرد الاهتمام بالخبر، لا لرد تردد أو إنكار، لأن المخاطب منزه عن أن يتردد في خبر الله تعالى، فحرف التوكيد في مثل هذا المقام يغني غناء فاء التفريع، ويفيد التعليل كما تقدم غير مرة، والمعنى: الحث على تكرر ذكر الله في مختلف الأحوال، لأن المسلمين مأمورون بالاقتداء بأهل الكمال من الملإ الأعلى، وفيها تعريض بالمشركين المستكبرين عن عبادة الله بأنهم منحطون عن تلك الدرجات. والمراد بــــ {الذين عند ربك} الملائكة، ووجه جعل حال الملائكة علة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر: أن مرتبة الرسالةُ تلحق صاحبها من البشر برتبة الملائكة، فهذا التعليل بمنزلة أن يقال: اذكر ربك لأن الذكر هو شان قبيلك، كقول ابن دارة سالم بن مسافع:شعر : فإن تتقوا شراً فمثلُكم اتقى وإن تفعلوا خيراً فمثلكُمُ فعل تفسير : فليس في هذا التعليل ما يقتضي أن يكون الملائكة أفضل من الرسل، كما يتوهمه المعتزلة لأن التشبه بالملائكة من حيث كان الملائكة أسبقَ في هذا المعنى؛ لكونه حاصلاً منهم بالجِبِلّة فهم مثل فيه، ولا شبهة في أن الفريق الذين لم يكونوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة، إذا تخلقوا بمثل خلق الملائكة، كان سُموهم إلى تلك المرتبة أعجب، واستحقاقهم الشكر والفضل له أجدر. ووجه العدول عن لفظ الملائكة إلى الموصولية: ما تؤذن به الصلة من رفعة منزلتهم، فيتذرع بذلك إلى إيجاد المنافسة في التخلق بأحوالهم. و{عند} مستعمل مجازاً في رفعة المقدار، والحظوة الآلهية. وقوله: {لا يستكبرون عن عبادته} ليس المقصود به التنويه بشأن الملائكة لأن التنويه بهم يكون بأفضل من ذلك، وإنما أريد به التعريض بالمشركين وأنهم على النقيض من أحوال الملائكة المقربين، فخليق بهم أن يكونوا بعداء عن منازل الرفعة، والمقصود هو قوله: {ويسبحونه} أي ينزهونه بالقول والاعتقاد عن صفات النقص، وهذه الصلة هي المقصودة من التعليل للأمر بالذكر. واختيار صيغة المضارع لدلالتها على التجديد والاستمرار، أو كما هو المقصود وتقديم المعمول من قوله: {وله يسجدون} للدلالة على الاختصاص أي ولا يسجدون لغيره، وهذا أيضاً تعريض بالمشركين الذين يسجدون لغيره، والمضارع يفيد الاستمرار أيضاً. وهنا موضع سجود من سجود القرآن، وهو أولها في ترتيب الصحف، وهو من المتفق على السجود فيه بين علماء الأمة، ومقتضى السجدة هنا أن الآية جاءت للحض على التخلق بأخلاق الملائكة في الذكر، فلما أخبرت عن حالة من أحوالهم في تعظيم الله وهو السجود لله، أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبادر بالتشبه بهم تحقيقاً للمقصد الذي سبق هذا الخبر لأجله. وأيضاً جرى قبل ذلك ذكر اقتراح المشركين أن يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية كما يقترحون فقال الله له: {أية : قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي}تفسير : [الأعراف: 203] وبأن يأمرهم بالاستماع للقرآن وذكر أن الملائكة يسجدون لله، شرع الله عند هذه الآية سجوداً؛ ليظهر إيمان المؤمنين بالقرآن وجحود الكافرين به حين سجد المؤمنون، ويمسك المشركون الذين يحضرون مجالس نزول القرآن، وقد دل استقراء مواقع سجود القرآن أنها لا تعدو أن تكون إغاظة للمشركين أو اقتداء بالأنبياء أو المرسلين كما قال ابن عباس في سجدة، {أية : فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب}تفسير : [ص: 24] أن الله تعالى قال: {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90] فداود ممن أمر محمد صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي به.

د. أسعد حومد

تفسير : (206) - يُعْلِمُ اللهُ عِبَادَهُ أنَّ المَلاَئِكَةَ الكِرَامَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لاَ يَفْتُرُونَ وَلاَ يَسْتَكْبِرُونَ، فَعَلَى المُؤْمِنينَ الاقْتِدَاءُ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذا كنا عند ربنا وفي حضرة ما منحه لما من خَلْق وما أمدنا به من إيجاد من عُدم سواء، فلماذا خص هؤلاء بالعندية؟. إياك أن تفهم من العندية أنها عندية المكان؛ لأن المكان مُحَيَّز، وربنا عز وجل لا يتحيز في مكان، والعندية هنا عندية الفضل، وعندية الرحمة، وعندية الملك، وعندية العناية. أو إن كل خلق لله جعل لهم أسباباً ومسبَّبات، ولكن خلقاً من خلقه يسبحونه بذاته، وليس لهم عمل آخر، ويعرفون بالملائكة العالين، لا الملائكة المدبرات أمراً أو الحفظة. ولذلك قلنا سابقاً: إن الحق سبحانه وتعالى حينما أمر الملائكة بالسجود لآدم، وامتنع إبليس، قال له: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}تفسير : [ص: 75]. و{ٱلْعَالِينَ} هم الذين لم يشملهم أمر السجود، فهم ملائكة موجودون ولا عمل لهم إلا تسبيح الذات العلية ولا يدرون عن الخلق أو الدنيا شيئاً. وهم غير الملائكة المسخرين لخدمتنا؛ فالذين عند ربنا هم الملائكة المُهيَّمون الذين لا يعرفون شيئاً إلا الذات الإلهية وتسبيح الذات وعملهم يحدده الله هنا: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} واختلف العلماء في كيفية سجود الملائكة، أهو الخضوع؟ أهو الصلاة؟ أهو السجود الذي نعرفه نحن؟ والسجود عندنا هو منتهى ما يمكن من الخضوع لله عز وجل وقت الصلاة. لأنه نزول بأشرف شيء في الإنسان وهو الوجه الذي يضعه المؤمن على الأرض خضوعاً لله عز وجل. ولذلك علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا مررنا على آية سجدة من آيات كتاب الله فيها مثل ذلك فعلينا أن نستجيب لها استجابة حقيقية ونسجد لها سجدة تسمى التلاوة، ويكون ذلك عند تلاوتها أو سماعها من القارئ، وحصرها العلماء فيما تجدونه في المصحف عند كل سجدة وجعلوا عندها علامة ووضعوا تحت الكلمة التي نسجد عندها خطاً. وحين قام العلماء ببيان المواضع التي تطلب فيها هذه السجدات وجدوها قد ابتدأت بسجدة آخر سورة "الأعراف" التي نتناولها بخواطرنا الآن، وانتهت بسجدة "العلق": {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1]. وبينهما سجدات، وبعض العلماء عدّ في سورة الحج سجدتين وبعضهم أهمل السجدة الثانية في هذه السورة. فمن حسبها خمس عشرة سجدة، عدّ سجدة الحج الثانية المختلف عليها مع سجدة الحج الأولى - المتفق عليها - وبعض العلماء قال: إنها أربع عشرة سجدة؛ لأنه لم يحسب سجدة الحج الثانية. وهب أنك أردت أن تسجد لله شكراً في أي وقت، وعند أي آية فاسجد لله سجدة الشكر، وهي سجدة واحدة كسجدة التلاوة وتستحب عند تجدد نعمة أو انقشاع غمّه، أو زوال نقمة ولا تكون إلا خارج الصلاة. والسجود بطبيعة الحال تبدأه بالتكبير، ورفع اليدين كأنك تبدأ الصلاة، والمفترض أن تقول: "سبحان ربي الأعلى"، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا ما نقوله في السجود للتلاوة، وروي عن ابن عباس قال: حديث : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فقال: إنِّي رأيتُ البارحَة - فيما يرى النائم كأنِّي أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدةَ فسجدت الشجرةُ لسجودي فسمعتها تقول: اللهم احطُطْ عني بها وِزْراً، واكتُب لي بهاَ أَجْراً، واجْعْلها لي عندكَ ذُخْراَ. قال ابنُ عباس: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجلُ عن قولِ الشجرة ". تفسير : وبذلك تختم سورة الأعراف، والتسمية للسورة في ذاتها متناسبة؛ لأن "الأعراف" هو المكان العالي البارز الذي يجلس عليه القوم ممن تساوت حسناتهم وسيئاتهم لينظروا إلى أهل الجنة وينظروا إلى أهل النار، وهكذا تكون الأعراف مكاناً يزيد في الارتفاع، وهي مأخوذة من "عرف الفرس"، وعرف الفرس أعلى شيء فيه، والأنفال أيضاً هي الزيادة؛ ولذلك فإن التسمية متناسبة سواء بالنسبة لسورة الأعراف أو الأنفال، وأيضاً يوجد التناسب في المعنويات، وهذا التناسب نلحظه عندما نقرأ قول الحق تبارك وتعالى في أواخر سورة الأعراف: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 201]. ثم يأتي قوله سبحانه وتعالى في أول سورة الأنفال: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ...} تفسير : [الأنفال: 1]. لأن من مهام الشيطان أن يفرق بين المؤمنين بوسوسته لهم، فإذا ما تذكروا الله وما أعده لأهل الإيمان؛ فهم يبصرون الحقيقة الأولى التي ترتفع على كل شيء وهي الإيمان بالله، وهذا الإيمان إنما يتطلب تصفية القلوب من كل ما يكدرها حتى تكون خالصة نقية.