١٣ - ٱلرَّعْد
13 - Ar-Ra'd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين: القول الأول: أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا الوجه ففيه وجهان: أحدهما: أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون، فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعاً بسهولة ونشاط، ومن المسلمين من يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى. والثاني: أن اللفظ عام والمراد منه أيضاً العام وعلى هذا ففي الآية إشكال، لأنه ليس كل من في السموات والأرض يسجد لله بل الملائكة يسجدون لله، والمؤمنون من الجن والإنس يسجدون لله تعالى، وأما الكافرون فلا يسجدون. الجواب عنه من وجهين: الأول: أن المراد من قوله: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي ويجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول. والثاني: وهو أن المراد من السجود التعظيم والاعتراف بالعبودية، وكل من في السموات ومن في الأرض يعترفون بعبودية الله تعالى على ما قال: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25]. وأما القول الثاني في تفسير الآية فهو:- أن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على السوية وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس، إلا بتأثير موجود ومؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه بإعدامه، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد والإعدام، وذلك هو السجود وهو التواضع والخضوع والانقياد، ونظير هذه الآية: { أية : بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } تفسير : [البقرة:116] وقوله: { أية : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 83]. وأما قوله تعالى: {طَوْعًا وَكَرْهًا } فالمراد: أن بعض الحوادث مما يميل الطبع إلى حصوله كالحياة والغنى، وبعضها مما ينفر الطبع عنه كالموت والفقر والعمى والحزن والزمانة وجميع أصناف المكروهات، والكل حاصل بقضائه وقدره وتكوينه وإيجاده، ولا قدرة لأحد على الامتناع والمدافعة. ثم قال تعالى: {وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } وفيه قولان: القول الأول: قال المفسرون، كل شخص سواء كان مؤمناً أو كافراً فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرهاً وهو كاره، وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله، وعند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها وتخشع كما جعل الله للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح الله تعالى وحتى ظهر أثر التجلي فيها كما قال: { أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } تفسير : [الأعراف: 143]. والقول الثاني: وهو أن المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر، لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال الحسن وقَتَادة وغيرهما: المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كَرهاً بالسيف. وعن قَتَادة أيضاً: يسجد الكافر كارهاً حين لا ينفعه الإيمان. وقال الزجاج: سجود الكافر كَرها ما فيه من الخضوع وأثر الصّنعة. وقال ابن زيد: {طَوْعاً} من دخل في الإسلام رغبة، و{كَرها} من دخل فيه رهبة بالسيف. وقيل: {طوعاً} من طالت مدة إسلامه فألف السجود، و{كَرها} من يكره نفسه لله تعالى؛ فالآية في المؤمنين، وعلى هذا يكون معنى {وَالأَرْضِ} وبعض من في الأرض. قال القُشَيْرِي: وفي الآية مسلكان: أحدهما: أنها عامة والمراد بها التخصيص؛ فالمؤمن يسجد طوعاً، وبعض الكفار يسجدون إكراهاً وخوفاً كالمنافقين؛ فالآية محمولة على هؤلاء، ذكره الفرّاء. وقيل على هذا القول: الآية في المؤمنين؛ منهم من يسجد طوعاً لا يثقل عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه؛ لأن التزام التكليف مشقّة، ولكنهم يتحملون المشقّة إخلاصاً وإيماناً، إلى أن يألفوا الحق ويَمْرُنوا عليه. والمسلك الثاني: ـ وهو الصحيح ـ إجراء الآية على التعميم؛ وعلى هذا طريقان: أحدهما: أن المؤمن يسجد طوعاً، وأما الكافر فمأمور بالسجود مؤاخذ به. والثاني: ـ وهو الحق ـ أن المؤمن يسجد ببدنه طوعاً، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع؛ وهذا كقوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [الإسراء: 44] وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة. {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدوّ والآصال؛ لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ناحية؛ وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء؛ وهو كقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} تفسير : [النحل: 48] قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: ظِل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع؛ وظل الكافر يسجد كرهاً وهو كاره. وقال ٱبن الأنباريّ: يجعل للظلال عقول تسجد بها، كما جُعِل للجبال أفهامُ حتى خاطبت وخوطبت. قال القُشَيري: في هذا نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأما الظلال فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير حياة لها، والسجود بمعنى الميل؛ فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب؛ يقال: سجدت النخلة أي مالت. و{الآصال} جمع أُصُل، واْلأُصُل جمع أَصِيل؛ وهو ما بين العصر إلى الغروب، ثم أصائِل جمع الجمع؛ قال أبو ذؤيب الهذلي:شعر : لَعَمْرِي لأَنْتَ البيتُ أُكرِمُ أَهلَهُ وأَقعدُ في أَفْيَائِهِ بِالأَصَائِل تفسير : و«ظِلاَلُهُمْ» يجوز أن يكون معطوفاً على {منْ} ويجوز أن يكون ٱرتفع بالابتداء والخبر محذوف؛ التقدير: وظلالُهم سُجدٌ بالغدوّ والآصال و{بالغدوّ} يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون جمع غداة؛ يقوّي كونه جمعاً مقابلة الجمع الذي هو الآصال به.
البيضاوي
تفسير : {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا} يحتمل أن يكون السجود على حقيقته فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين، طوعاً حالتي الشدة والرخاء والكفرة كرهاً حال الشدة والضرورة. {وَظِلَـٰلُهُم } بالعرض وأن يراد به انقيادهم لإِحداث ما أراده منهم شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص وانتصاب {طَوْعًا وَكَرْهًا } بالحال أو العلة وقوله: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} ظرف لـ {يَسْجُدُ} والمراد بهما الدوام أو حال من الظلال، وتخصيص الوقتين لأن الظلال إنما تعظم وتكثر فيهما، والغدو جمع غداة كقنى جمع قناة، و {الآصال} جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب. وقيل الغدو مصدر ويؤيده أنه قد قرىء و {الإِيصال} وهو الدخول في الأصيل.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعاً من المؤمنين، وكرهاً على الكافرين {وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ} أي: البُكَر {وَٱلأَصَالِ} وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار، كقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَٰلُهُ} تفسير : [النحل: 48] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ طَوْعاً } كالمؤمنين {وَكَرْهًا } كالمنافقين ومن أُكره بالسيف {وَ} يسجد {ظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ} البُكَرِ {وَٱلأَصَالِ } العشايا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض طوعاً وكرهاً}فيه أربعة تأويلات: أحدها: طوعاً سجود المؤمن، وكرهاً سجود الكافر، قاله قتادة. الثاني: {طوعاً}من دخل في الإسلام رغبة، {وكرهاً}من دخل فيه رهبة بالسيف، قاله ابن زيد . الثالث: {طوعاً}من طالت مدة إسلامه فألف السجود، {وكرهاً}من بدأ بالإسلام حتى يألف السجود، حكاه ابن الأنباري. الرابع: ما قاله بعض أصحاب الخواطر أنه إذا نزلت به المصائب ذل، وإذا توالت عليه النعم ملّ. {وظلالهم بالغدو والآصال}يعني أن ظل كل إنسان يسجد معه بسجوده، فظل المؤمن يسجد طائعاً كما أن سجود المؤمن طوعاً، وظل الكافر يسجد كارهاً كما أن سجود الكافر كرهاً. والآصال جمع أصُل، والأصل جمع أصيل، والأصيل العشيّ وهو ما بين العصر والمغرب قال أبو ذؤيب: شعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائِه بالأصائل
ابن عبد السلام
تفسير : {طَوْعاً} المؤمن {وَكَرْهاً} الكافر، أو طوعاً من أسلم راغباً وكرهاً من أسلم بالسيف راهباً {وَظِلالُهُم} يسجد ظل المؤمن معه طائعاً وظل الكافر كارهاً. {وَالأَصَالِ} جمع أُصُل وأُصُل جمع أصيل وهو العشي ما بين العصر والمغرب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسُّجود، و{مَن}: تَقَعُ على الملائكةِ عموماً، و«سُجُودُهُمْ»: طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في {مَن }، وسجودُهم أيضاً طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام؛ كما قاله قتادة، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في {مَن }؛ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل وٱلاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، وٱعتباراتِهِ. وقوله سبحانه: {وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ }: إِخبار عن أَنَّ الظِّلال لها سُجُودٌ للَّه تعالى؛ كقوله تعالى: { أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ } تفسير : [النحل:48]، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعاً، وهو كاره ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور. وقوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ}: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ؛ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع. وقوله سبحانه: {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاءِ مَآءً}: يريد به المَطَرَ، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}: «الأودية»: ما بين الجبالِ مِنَ ٱلانخفاضِ والخَنَادِقِ، وقوله: {بِقَدَرِهَا }: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها. * ت *: وقوله: {فَٱحْتَمَلَ } بمعنى: حَمَلَ، كٱقْتَدَرَ وقَدَرُ. قاله * [ص] *. و{ٱلزَّبَدُ } ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و«الرابِي»: المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة. وقوله سبحانه: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ}: المعنَى: ومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ٱبتغاء ٱلاستمتاعِ بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضاً إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلاً للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ. وقوله: {جُفَاءً}: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب. وقال * ص *: {جُفَاءً}: حال، أي: مضمحلاًّ متلاشياً، أبو البقاء: وهمزته منقلبة عن واوٍ، وقيل: أصل. انتهى. وقوله: {مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ }: يريد الخالِصَ من الماء ومِنْ تلك الأحجار. وقوله سبحانه: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ }: ابتداءُ كلامٍ، و{ٱلْحُسْنَىٰ }: الجنة.{وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ }: هم الكَفَرة، و{سُوءُ الحِسَابِ}: هو التقصِّي على المحاسَب، وأَلاَّ يقع في حسابِهِ من التجاوُزِ شَيْءٌ؛ قاله شَهْرُ بن حَوْشَبٍ والنَّخَعِيُّ وَفَرْقَدٌ السَبَخِيُّ وغيرهم.
البقاعي
تفسير : ولما كانت دعوة الأمر واضحة السبل جلية المناهج في جميع كتبه، وكلها إلى الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله: {ولله} أي الملك الأعلى {يسجد} أي يخضع وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله {أية : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} تفسير : [هود:119] {من في السماوات والأرض} لجميع أحكامه النافذة وأقضيته الجارية {طوعاً} والطوع: الانقياد للأمر الذي يدعى إليه من قبل النفس {وكرهاً} قال الرازي رحمه الله: والكافر في حكم الساجد وإن أباه لما به من الحاجة الداعية إلى الخضوع، واعلم أن سجود كل صنف هو تذلـله وتسخره وانقياده لما أريد له، فكل موجود جماد وحيوان عاقل وغير عاقل وروحاني وغير روحاني مسخر لأمر من له الخلق والأمر؛ وقال الشيخ محيي الدين النووي رضي الله عنه في شرح المهذب: أصله - أي السجود - الخضوع والتذلل، وكل من تذلل وخضع فقد سجد، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سخر له - هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع. ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد سبحانه، لا قدرة لأحد على تغيير ذلك بوجه، قال: {وظلالهم} أي أيضاً تسجد له بامتدادها على الأرض، تقصر تارة بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها، لا يقدرون على منع ظلالهم من ذلك حيث يكون لهم ظلال، وذلك {بالغدو} جمع غداة، وهي البكرة: أول النهار {والآصال *} جمع أصيل، دائماً في جميع البلاد، وفي وسط النهار في بعض البلاد؛ والظل: ستر الشخص ما بإزائه، والفيء: الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، والأصيل: العشيّ ما بين العصر إلى المغرب - كأنه أصل الليل الذي ينشأ منه. ومادة "صلا" - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الأحد عشر، وهي: صلو، صول، لصو، لوص، وصل، صلي، صيل، لصي، ليص، أصل، صأل - تدور على الوصالة، فالصلاة وصلة بين العبد وربه سواء كانت دعاء أو استغفاراً أو رحمة أو حسن الثناء من الله على رسوله، أو ذات الأركان، وصلوات اليهود لمتعبداتهم من ذلك في الأصل، والصلا: وسط الظهر منا، أو من كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة والذنب - يجوز أن يكون من ذلك، لأنه يقرب من غيره من الأعضاء إذا انثنى الحيوان، ويجوز أن يكون شبه بالعود المعوج الذي يقوم بإصلائه النار، وأصلت الناقة وصليت - إذا استرخى صلواها لقرب نتاجها، والمصلّي من خيل الحلبة: الذي يجيء على إثر السابق، فإنه يواصله، وصلى الحمار أتنه: طردها وقحمها الطريق - فكأنه بذلك قومها بعد أن كانت معوجة، أو أراد مواصلتها؛ صال الرجل صولة - إذا سطا واستطال، لأن ذلك مواصلة على وجه القهر والغلبة، وكذا صال الفحل على الإبل - إذا قاتلها، والعير - إذا حمل على العانة فشلها، وصال على كذا: وثب، وصاوله: واثبه، والتصويل: إخراجك الشيء بالماء، لأن ذلك سبب الخلوص، وإذا خلص الشيء تواصلت أجزاؤه، لأن ذلك المخرج كان حائلاً بينها، والتصويل - أيضاً: كنس نواحي البيدر، لأنه سبب لتواصل ما كان متفرقاً، ومن ذلك المصول - كمنبر: شيء ينقع فيه الحنظل لتذهب مرارته، وبهاء: المكنسة، والصيلة - بالكسر: عقدة العذبة - لتواصل محل العقد بعضه ببعض وبه يتماسك اتصال بعض العمامة ببعض، والجراد يصول في مشواه، من التصويل، أي يساط، بمعنى يخلط بالتقليب فيتواصل منه ما كان متفرقاً، وصال يصيل - لغة في يصول، وصيل له - كذا بالكسر: قيض وأتيح، لأنه صار مقارناً له، ولصوت الرجل عبته وقذفته - لأنك وصلت به العيب، وفلان لا يلصو إلى ريبة، أي لا ينضمُّ إليها ولا ينضاف؛ واللوص: اللمح من خلل باب ونحوه كالملاوصة - كأنه وصلة بالنظر من موضع غير معهود، أو لأنه سبب الوصلة إلى ما يراد، ولاوص: نظر كأنه يختل ليروم أمراً، والشجرة: أراد أن يقطعها بالفأس، فلاوص في نظره يمنة ويسرة كيف يأتيها وكيف يضربها - لأن حاصل ذلك المواصلة على وجه الشدة كما تقدم في صال عليه، وتلوص: تلوى وتقلب، ومنه أليص - أي أرعش، وألاصه على الشيء: أداره عليه وأراده منه - كأنه طلب منه مواصلته، واللواص - كسحاب: الفالوذ كالملوص كمعظم، والعسل الصافي - لأنه أهل للمواصلة، ولوص: أكل، واللوص: وجع الأذن والنحر، واللوصة؛ وجع الظهر - كأنه لشدته لا مواصل للبدن سواه، ولاص: حاد - أي سلب الوصلة؛ والوصلة - التي هي مدار المادة وكأنها الحقيقة التي تشعبت منها فروعها - هي الضم وهي التئام الشيء بالشيء، وكل ما اتصل بشيء فالذي بينهما وصلة، وضدها الفرقة، والوصل: ضد القطع، والأوصال المفاصل ومجتمع العظام، لأنها موضع اتصال العظم بالآخر، والوصلان - بالكسر والضم: طبقاً الظهر، ويقال: هما العجز والفخذ، والوصيلة: الشاة تلد ذكراً ثم تلد أنثى، فتصل أخاها، وفيها خلاف كثير كله يدور على الوصلة، ووصل الشيء بالشيء: لأمه، ووصل الشيء وإلى الشي: بلغه وانتهى إليه، وأوصله واتصل: لم ينقطع، ووصله وواصله - كلاهما يكون في عفاف الحب ودعارته، والوصائل جمع وصيلة - لثياب حمر مخططة يمنية يتخذها الناس دروعاً يشق من جانبيها، كأنه لأنها توصل بغيرها أو يقطع بعضها ثم يوصل بها لتصير دروعاً، والوصيلة: العمارة والخصب والرفقة والسيف - لأن ذلك أهل لأن يوصل، والوصيلة: كبة الغزل لشدة التباس بعضها ببعض، والأرض الواسعة - لأن اتصالها لم يحل بينه جبال، وليلة الوصل: آخر ليالي الشهر، لأنها تصل بين الشهرين، وحرف الوصل: الذي بعد الروي - لأنه وصل حركة حرف الروي، ووصيلك: من يدخل ويخرج معك، وتَصِلُ: بئر ببلاد هذيل، واتصل الرجل - إذا انتسب، لأنه وصل نفسه بمن انتسب إليهم، والموصول: دابة كالدبر تلسع الناس، كأنه من السلب؛ وصليت اللحم: شويته - لأنك وصلته بالنار، وصليته: ألقيته في النار للإحراق، والصلاء - ككساء: الشواء أو النار كالصلى فيهما، وكأن منه: صلّىعصاه على النار، أي أحماها ليقومها - لأن كلاًّ منهما وصله بالنار للإصلاح، وأصليته النار: أدخلته إياها وأثويته فيها، وصلى يده بالنار: سخنها - لأنه وصلها بها، وصلي النار - كرضي: قاسى حرها، وصليت فلاناً: درايته وخاتلته وخدعته - كل ذلك لإرادة مواصلته لأمر، والصلاية - ويهمز: الجبهة، لكثرة مباشرتها الأرض في الصلاة، ومدق الطيب - لمواصلة الدق، وصليت للصيد تصلية - إذا نصبت له شركاً ليقع فيه فتصل إليه، ومنه الحديث "إن للشيطان مصالي وفخوخاً" جمع مصلاة وفخ، والصليان - بكسر ثم تشديد - قال في مختصر العين: نبت معروف، وقال القزاز: وهو شجر له جعثن ضخم، ربما جرد وسطه ونبت ما حوله، وهو من أفضل المراعي وهو خبز الإبل، وقيل: إن الخيل تأكله ولونه أصهب - انتهى. فسمي بذلك لكثرة مواصلة الإبل له؛ ولصيت الرجل كرميت ورضيت - إذا عبته وقذفته بالفجور، وقال القزاز: وقيل: هو أن يضيفه إلى ربية، ولصي إليه: انضم إليه لريبة؛ ولاص يليص: حاد، ولصته أليصه وألصته - إذا أزعجته أو حركته لتنتزعه - كأنه من السلب، وألصته عن كذا - إذا راودته عنه، يمكن أن يكون سلباً وأن يكون إيجاباً؛ والأصل: أسفل كل شيء - لأن جميع الأشياء واصله إليه، وأصل - ككرم: صار ذا أصل أو ثبت أو رسخ كتأصل، والرأي: جاد - كل ذلك تشبيه بالأصل، والأصيل: من له أصل، والعاقب الثابت الرأي، وقد أصل - ككرم، والأصيل: العشيّ - لأنه وصلة ما بين النهار والليل، أو الليل، أو لأنه لما آذن بتصرم النهار كان كأنه اجتثه من أصله، ومنه الأصيل - للهلاك والموت كالأصيلة فيهما، ولقيتهم مؤصلاً أي بالأصيل، وأخذه بأصلته - محركاً، وأصيلته أي كله بأصله، وأصيلتك: جميع مالك أو نخلتك، والأصل - ككتف: المستأصل، وأصله علماً: قتله - كأنه أدام مواصلته حتى أتقنه، والأصلة - محركة: حية قصيرة تساورالإنسان - قاله في مختصر العين، وفي القاموس: حية صغيرة أو عظيمة تهلك بنفخها، فإن نظرت إلى المساورة فهو من المواصلة - كما تقدم في صال عليه، وإن نظرت إلى الهلاك فهو من الاستئصال، وأصل الماء - كفرح: أسن من حمأة، واللحم: تغير، يجوز أن يكون من الوصلة أي لشدة مواصلة الحمأة للماء والهواء للحم، وأن يكون من الأصيل أي الهلاك بجملته وأصله، وأن يكون من سلب المواصلة؛ وصؤل البعير - ككرم صآلة: واثب الناس أو صار يقتل الناس ويعدو عليهم، وصئيل الفرس: صهيله - لمواصلة نغماته، وهذا وقد مضى عند قوله تعالى في سورة هود عليه السلام { صلواتك تأمرك} إشارة إلى هذا - والله سبحانه وتعالى أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال} قال: ظل المؤمن يسجد {طوعاً} وهو طائع لله، وظل الكافر يسجد {كرهاً} وهو كاره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة - رضي الله عنه - {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} قال: أما المؤمن، فيسجد طائعاً. وأما الكافر، فيسجد كارهاً، يسجد ظله. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - في الآية قال: الطائع، المؤمن. والكاره، ظل الكافر. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض، طوعاً وكرهاً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد - رضي الله عنه - في الآية قال: من دخل طائعاً، هذا طوعاً. وكرهاً: من لم يدخل إلا بالسيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن منذر قال: كان ربيع بن خيثم إذا سجد في سجدة الرعد قال: بل طوعاً يا ربنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وظلالهم بالغدوّ والآصال} يعني حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه أو شماله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {وظلالهم بالغدوّ والآصال} قال: ذكر لنا أن ظلال الأشياء كلها تسجد لله، وقرأ {أية : سجداً لله وهم داخرون} تفسير : [النحل: 48] قال: تلك الظلال تسجد لله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {وظلالهم بالغدوّ والآصال} قال: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في الآية قال: إذا طلعت الشمس، يسجد ظل كل شيء نحو المغرب. فإذا زالت الشمس، سجد ظل كل شيء نحو المشرق حتى تغيب. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - أنه سئل عن قوله {وظلالهم} قال: ألا ترى إلى الكافر؟ فإن ظلاله جسده كله أعضاؤه لله مطيعة غير قلبه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} [الآية: 15]. قال الجنيد: العارف طوعًا، والمعرض كرهًا. وقال إذا نزلته المصائب ذل، وإذا جاءه الرجاء مل.
القشيري
تفسير : المؤمن يسجد لله طوعاً، وإذا نزل به ضر ألجأه إلى أَنْ يتواضع ويسجد، وذلك معنى سجوده كرهاً - وهذا قول أهل التفسير. والكافر يسجد طائعاً مختاراً، ولكن لمَّا كان سجودُه لطلبِ كَشْفِ الضُّرِّ قال تعالى: (إنه يسجد كرهاً) على مقتضى هذا كلُّ مَنْ يَسْجُدُ لابتغاءِ عِوَضٍ أو لكشفِ محنة. ويقال السجودُ على قسمين: ساجدٌ بِنَفْسِه وساجدٌ بقلبه؛ فسجودُ النَّفْسِ معهود، وسجودُ القلب من حيث الوجود.. وفَرْقٌ بين من يكون بنفسه، وواجد بقلبه. ويقال الكلُّ يسجدون لله؛ إِمَّا من حيث الأفعال بالاختيار، أو من حيث الأحوال بنعت الافتقار والاستبشار: سجودٌ من حيث الدلالة على الوحدانية؛ فكلُّ جزءٍ من عين أو أثر فَعَلَى الوحدانية شاهدٌ، وعلى هذا المعنى للَّهِ ساجدٌ. وسجود من حيث الشهادة على قدرة الصانع واستحقاقه لصفات الجلال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله يسجد} حقيقة وهو بوضع الجبهة على الارض {من فى السموات} يعنى الملائكة وارواح الانبياء والاولياء واهل الدرجات من المؤمنين {والارض} من الملائكة والمؤمنين من الثقلين {طوعا} حال اى طائعين حالتى الشدة والرخاء {وكرها} اى كالكارهين حالة الشدة والضرورة وذلك من الكافرين والمنافقين والشياطين. ويقال من ولد فى الاسلام طوعا ومن سبى من دار الحرب كرها وفى الحديث "حديث : عجب ربك من قوم يساقون الى الجنة بالسلاسل" تفسير : وفيه اشارة الى ان من اهل المحبة والوفاء من يطلب لدخول الجنة فيأبى ذلك طلبا للقيام بالخدمة فتوضع فى اعناقهم السلاسل من الذهب فيدخلون بها الجنة: قال الكمال الخنجدى شعر : نيست ماراغم طوبى وتمناى بهشت شيؤه مردم نااهل بودهمت بست تفسير : {وظلالهم} على حذف الفعل اى ويسجد ظلال اهل السموات والارض بالعرض اى تبعا لذى الظل ويجوز ان يراد بالسجود معناه المجازى وهو انقيادهم لاحداث ما اراده الله فيهم شاؤوا او كرهوا وانقياد ظلالهم لتصريفه اياها بالمد والتقليص ونقلها من جانب الى جانب فالكل مذلل ومسخر تحت الاحكام والتقدير {بالغدو والآصال} الغدو جمع غداة وهى البكرة والآصال جمع اصيل وهو العشى من حين زوال الشمس الى غيبوبتها كما فى بحر العلوم. وقال فى الكواشى وغيره الاصيل ما بين العصر وغروب الشمس والباء بمعنى فى ظرف ليسجد اى يسجد فى هذين الوقتين والمراد بهما الدوام لان السجود سواء اريد به حقيقته او الانقياد والاستسلام لا اختصاص له بالوقتين وتخصيصهما مع ان انقياد الظلال وميلانها من جانب الى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاعها لا يختص بوقت دون وقت بل هى مستسلمة منقادة لله تعالى فى عموم الاوقات لان الظلال انما تعظم وتكثر فيهما. قال فى التأويلات النجمية وظلالهم اى نفوسهم فان النفوس ظلال الارواح وليس السجود بالطوع من شأن النفوس لان النفس امارة بالسوء الا ما رحم الرب تعالى لتسجد طوعا والاكراه على السجود بتبعية الارواح وايضا ولله يسجد من فى السموات اى سموات القلوب والارواح والعقول طوعا والارض اى من فى ارض النفوس من صفات النفس والحيوانية والسبعية والشيطانية كرها لانه ليس من طبعهم السجود والانقياد اهـ. قال بعض الكبار من اسرار هذا العالم انه ما من حادث الا وله ظل يسجد لله تعالى سواء كان ذلك الحادث مطيعا او عاصيا فان كان من اهل الموافقة فهو ساجد مع ظلاله وان كان من اهل المخالفة فالظل نائب منابه فى الطاعة [وحقيت آنست كه طوع ورغبت صفت آنهاست كه لطف ازل نهال ايمان در زمين دل ايشان نشانده ونفرت وكراهيت خاصيت آنانكه قهر لم يزل تخم خذلان در مزرعه نفس نفرمان ايشان فشانده] شعر : برآن زخمى زندكين بى نيازيست برين مرهم نهدكين دلنوازيست تفسير : قال الكاشفى [اين سجده دوم است ازسجدات قرآنى وحضرت شيخ رضى الله عنه در سفر سابع ازفتوحات كه ذكر سجده قرآنى ميكند اين را سجود الظلال وسجود العام كفته وفرموده كه لازم است بنده تصديق كند خدايرا درين خبر وسجده آرد] وقد سبق فى آخر الاعراف ما يتعلق بسجدة التلاوة فارجع. واما سجدة الشكر وهى ان يكبر ويخر ساجدا مستقبل القبلة فيحمده تعالى ويشكره ويسبح ثم يكبر فيرفع رأسه فقد قال الشافعى يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم كحدوث ولد أو نصر على الاعداء ونحوه وعند رفع نقمة كنجاة من عدو او غرق ونحو ذلك وعن ابى حنيفة ومالك ان سجود الشكر مكروه ولو خضع فتقرب لله تعالى بسجدة واحدة من غير سبب فالارجح انه حرام قال النووى ومن هذا ما يفعله كثير من الجهلة الضالين من السجود بين يدى المشايخ فان ذلك حرام قطعا بكل حال سواء كان الى القبلة او لغيرها وسواء قصد السجود لله او غفل وفى بعض صوره ما يقتضى الكفر كذا فى الفتح القريب
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى ان جميع من في السموات والارض يسجدون له إما طوعاً منهم او كرهاً. وقيل في معنى ذلك ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن وقتادة وابن زيد: ان المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كرهاً بالسيف، ويكون المعنى على هذا إن السجود واجب لله، فالمؤمن يفعله طوعاً والكافر يؤخذ بالسجود كرهاً اي هذا الحكم في وجوب السجود لله الثاني - ان المؤمن يسجد لله طوعاً، والكافر في حكم الساجد كرهاً بما فيه من الحاجة اليه، والذلة التي تدعو الى الخضوع لله تعالى. الثالث - قال ابو علي: سجود الكره بالتذليل للتصريف من عافية الى مرض، وغنى الى فقر وحياة الى موت كتذليل الأكم للحوافر في قول الشاعر: شعر : ترى الاكم فيها سجداً للحوافر تفسير : وقال الزجاج: يجوز ان يكون المعنى إِن فيمن سجد لله من يسهل ذلك عليه وفيهم من يشقّ عليه فيكرهه، كما قال {أية : حملته أمُّه كرهاً ووضعته كرهاً}. تفسير : وقوله {وظلالهم بالغدو والأصال} أي وتسجد ظلالهم. وقيل في معناه قولان: احدهما - ان سجود الظلال بما فيه من تغير الذلة التي تدعو إِلى صانع غير مصنوع له العزة والقدرة. والثاني - قيل سجود الظل لأنه يقصر بارتفاع الشمس ويطول بانحطاطها، وذلك من آيات الله الدالة عليه، والسجود هو وضع الوجه على الارض على وجه الخضوع مذلّة لمن وضع له، وأصله التذليل من قول الشاعر: شعر : بجمع تظل البلق في حجراته ترى الاكم فيها سجداً للحوافر تفسير : واصل السجود هو الميل والتطأطؤ يقال: سجد البعير وأسجده صاحبه إذا طأطأه ليركبه شبه السجود في الصلاة بذلك وعلى هذا يحمل سجود الظلال وسجود الكفار، ويراد بذلك حركاتهم وتصاريفهم، فان ذلك أجمع يدل على أن الله الخالق لهم والمدبر لمعايشهم، والطوع الانقياد للأمر الذي يدعا اليه من قبل النفس وهو نقيض الكره، والكره الجر الى الأمر على إباء النفس، واصله الكراهة ضد الارادة، إلا انه جعل نقيض الطوع. والظلال جمع ظل وهو ستر الشخص ما بازائه. والظلّ الظَّليل هو ستر الشمس اللازم. واما الفيء فهو الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، ومنه الظلَّة، لانها ساترة. والظلّ والظّلال مثل زق وزقاق. والآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل، وهو العشيّ، فكأنه قيل أصل الليل الذي ينشأ منه، لانه مأخوذ من الأصيل، وهو ما بين العصر الى مغرب الشمس، قال ابو ذؤيب: شعر : لعمري لانت البيت اكرم أهله واقعد في افنائه بالاصائل
الجنابذي
تفسير : {وَللَّهِ} لا لغيره {يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من فى {وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} السّجود لغة الخضوع ولمّا كان غاية الخضوع السّقوط على التّراب لمن يخضع له سمّى سجدة الصّلاة بالمواضعة الشّرعيّة بالسّجود واذا كان الخضوع عبارة عن كسر الانانيّة عند من يخضع له فكلّما كان هذا المعنى اتمّ كان الخضوع اكمل. ولمّا كان جميع الموجودات بالنّسبة اليه تعالى لا انانيّة لها بل كلّها لها حكم الاسميّة وعدم النّفسيّة بالنّسبة اليه تعالى ونفسيّة الكلّ هى انّيّة الحقّ الاوّل تعالى كان الكلّ سماواتها وسماويّاتها وارضوها وارضيّاتها ذو وعلمها وغير ذوى علمها ساجدة لله لعدم انانيّة لها بالنّسبة اليه تعالى، لكنّ الشّاعرين منها اكثرهم يسجدون طوعاً كالاملاك بانواعها وبعض الاناسىّ والجنّ وبعضهم لا يسجدون الاّ كرها كبعض الاناسىّ وبعض الجنّ فانّ الكفّار منهما لا يسجدون لله طوعاً اختياراً ومن لا يسجد طوعاً لله بلا واسطةٍ يسجد له طوعاً بواسطة مظاهره، فانّ نفوسهم فطريّة التّعلّق فاذا لم تتعلّق بالله تعلّق بغيره من مظاهره من كوكبٍ وصنمٍ وغيره واقلّه الدّراهم والدّنانير والمواليد الثّلاثة تسجد بصورها ونفوسها تكويناً طوعاً وبعناصرها تسجد لله كرهاً، لانّ العناصر مقسورة فى المواليد على الامتزاج، وعلى هذا فالاتيان بمن الّتى هى لذوى العقول امّا من باب التّغليب او باعتبار نسبة السّجدة اليها لانّ السّجود لا يكون الاّ من ذوى الشّعور ويسرى حكم السّجدة الى نفس السّماوات والارض لما مرّ مراراً انّ نسبة الحكم الى المظروف تسرى الى الظّرف خصوصاً اذا كان المظروف اشرف من الظّرف {وَظِلالُهُم} جمع الظّلّ وهو الفيء الحاصل من الشّاخص الّذى ينتقل بانتقاله ويسكن بسكونه وبالجملة لا انانيّة له الاّ انانيّة الشّاخص وكلّ موجود علوىّ او سفلىّ له فى مقامه الخاصّ به حقيقة وله اظلال فى العالم الاعلى والاسفل منه والموجودات الطّبيعية الارضيّة من المواليد لها اظلال صوريّة حاصلة من محاذاة الشّمس والكلّ سجّدٌ لله وآخرون طوعاً {بِٱلْغُدُوِّ} جمع الغدوة {وَٱلآصَالِ} جمع الاصيل وما ورد فى الاخبار فى تفسير الظّلال يرتفع اختلافه ممّا ذكرنا، والسّجود وكذا الغدوّ والآصال فى كلٍّ بحسبه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُم بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ}. أي: العشي. قال الحسن: ولله يسجد من في السماوات، ثم انقطع الكلام. ثم قال: والأرض، أي: ومن في الأرض، طوعاً وكرهاً [أي: طائعاً وكارهاً]. ثم قال: لا يجعل الله من دخل في الإِسلام طوعاً كمن دخله كرهاً. وفي تفسير الكلبي: يسجد أهل السماوات طوعاً، ومن ولد في الإِسلام، والذي يسجد كرهاً من جبر على الإِسلام. وقال مجاهد: سجود المؤمن طائعاً، وسجود ظل الكافر كارهاً. يقول: يسجد ظله والكافر كاره. وقال الحسن: {وَظِلاَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ} يعني سجود ظل الكافر. يعني أنه يسجد له بالغدو والأصال. أما ظله فيسجد له. وأما هو فلا يسجد. وتفسير الكلبي: إذا سجد الرجل سجد ظله معه.
اطفيش
تفسير : {وللّهِ} لا لغيره {يسْجدُ} حقيقة سجود {مَنْ فى السَّماوات} من الملائكة {والأرضِ} منهم ومن الإنس والجن {طوعا} حال الشدة والرخاء من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن ومنافقيهما، بغير إسرار الشرك {وكَرْهاً} حال الشدة من مشركيها ومنافقيها بإسرار الشرك أو بغيره، كالموحد الذى لا يصلى إلا خوفا، ولا يقع من الملائكة عصيان، وزعم بعض أن عامتهم قد تعصى دون الخاصة وهو خطأ. فإن قلت: سجود المنافق المسر للشرك ظاهر، فإنه يسجد خوفا، فما سجود المشرك كرها؟ قلت: هو أن يشتد به أمر فيلتجئ إلى الله، ويكشف عنه. وإن قلت: فما سجود المشرك المنكر لله؟ قلت: لا سجود له، وليس مراداً فى الآية، وإن شئت فقل: المراد فى السجود الانقياد فلا يخرج عن الآية شىء، لأن أجسام المؤمن والمنافق والمشرك بالمساواة أو بالجحود، أو بخصله كلها لا تمتنع مما أراد الله فيها من تصرف كإمراض وإنحال، وإسمان وترقيق وتغليظ، وتبييض وتسويد، وغير ذلك، ولأن الجسم مقربا لله وطائع له، ولو كفر القلب وعصاه، واستعمل الجسم فى المعصية، ولا يقال: لو كان كذلك لكان تعذيب الجسم جورا، تعالى الله عنه. لأنا نقول: إنما يتألم القلب ويتوجع دونه، ألا ترى أن المسكر لا يتوجع بما تفعله به حال السكر، كذا ظهر لى، وإن شئت فقل: المراد بالسجود مطلق الخضوع والانقياد، فيتصور من بعض بالسجود على الأرض ونحوها، وبغيره، ومن بعض بغيره، من عدم الامتناع مما يتصرف فيه الله. ويجوز أن يراد بمن العاقل وغيره، على أن السجود مطلق الخضوع والانقياد كما مر آنفا، وطوعا حال على التأويل بالوصف، أى طائعين وكارهين، أو بتقدير مضاف أى ذوى طوع وذوى كره، أو مفعول مطلق بحال محذوفة، أو يطوعون طوعا، وكارهين أو يكرهون كرها، ويجوز التقدير بالإفراد فى ذلك كله نظرا إلى لفظ من، أو مفعول مطلق على حذف مضاف، أى سجود طوع وسجود كره، أو مفعول لأجله أى للطوع والكره. {وظِلالُهم} معطوف على مَنْ وهو جمع ظل، ومعنى سجود الظل انقياده بتصريف الله جل جلاله فيه بالمد والقصر، بحسب ارتفاع الشمس وانخفاضها بإذن الله، أو معنى سجوده تبعه لسجود الذات، أو مطلق الخضوع الشامل لذلك كله. وقال ابن الأنبارى: لا يبعد أن يكون قد خلق الله للظل عقلا يسجد به، ولو كان الظل عرضا، وإن قلت هل يسجد ظل الكافر طوعا أو كرها. قلت: طوعا كظل المؤمن كما ذكره الزجاج قائلا إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله، وعن مجاهد أنه يسجد كرها وهو مشكل، لأنه يقتضى كفر ذلك الظل وهو غير مكلف. {بالغُدوِّ} أى فى الغدو وهو جمع غداة كفتى وفتاة، إلا أن نون فتى مكسورة بعد قلب واو فعول ياء، لئلا تقلب الياء المشددة واوا، ودال الغدو مضمومة باقية على الضم لمناسبة الواو، وأصله غدو، وأدغمت الواو فى الواو، والغدات أول النهار من طلوع الشمس، وقيل: إلى نصف النهار، وقيل: الغدو مفرد بمعنى الغداة، وقيل: مصدر أى فى وقت الغدو. {والآصالِ} جمع أصيل وهو من العصر إلى المغرب، وقيل: من الزوال إلى المغرب، وقرئ: والإيصال مصدر آصل بمد الهمزة فى أوله، أى دخل فى الأصيل، كأصبح دخل فى الصباح، وأمسى دخل فى المساء، والمراد وقت الإيصال، وهذه القراءة تؤيد من قال: إن الغدو مصدر، والياء متعلقة بيسجد، فالغدو والآصال عائدان إلى مَنْ والظلال، وهما كنايتان عن الدوام وإن شئت فقل: عائدان إلى الظلال فقط، فتعلق الباء حينئذ بمحذوف حال من الغدو والآصال، وبيسجد مقدارا رافعا للظلال، أى ويسجد الظلال حال كونها بالغدو والآصال، وعلى الوجهين الأخيرين فإنما خصص الوقتين لظهور مد الظل وقصره فيهما أكثر من مده وقصره فى غيرهما، أو لأنهما ظرفان فيدخل الوسط بوجه من الاختصار، كما يدخل وسط الثوب إذا أجذت بطرفيه. وإن قلنا: الغدو من طلوع الشمس إلى نصف النهار وهو الزوال، والآصال من الزوال إلى غروبها، فقد استغرق أوقات الظل، ولا يصح أن يراد بالغدو ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، إذ لا ظل فى ذلك الوقت لأحد، والهاء فى الظل وظلالهم لمن يكون له الظل، وهو الإنس للقرية، أو الهاء للمجموع والمراد الإنس.
اطفيش
تفسير : {وَلِلَّهِ} لا لغيره {يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} بالجباه على الأَرض والسماوات من الملائكة فيهما ومؤْمنى الإِنس والجن ومنافقيهم {طَوْعاً وَكَرْهاً} ذوى طوع وذوى كره كمشرك يسجد خوفاً من القتل، وكمنافق يسجد لئَلا يظهر نفاقه، أَو طائِعين وكارهين، أَو للطوع ولا مانع من أَن يقال من حق الله أَن يسجد له طوعاً أَو كرها، أَو بمعنى الطلب، أَى اسجدوا له طوعا وكرها، ومعنى السجود كرها أَن يقبل السجود من قلبه لكن يكرهه بالطبع، ومقابلة الطوع فيه بالرغبة، أَو المراد حال النشاط وغيرها، أَو السجود عدم قدرتهم على الخروج عما أَراد فيهم من التصرف، فبعض يذعن لشدة بلا كراهة، وبعض بها، أَو السجود التعظيم فإِن أَجساد الكافرين مقرة، والكفر يحدث فى القلب، ويدل على أَن السجود غير سجود الجبهة، بل بعض ما تقدم أَنه قال: {وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} فإِنه لا جبهة للظلال إِلا أَن تستعمل الكلمة فى معنييها وهما سجود الجبهة مع السجود بمعنى الخضوع، أَو الانقياد أَو بقدر، وتنقاد ظلالهم كقوله: علفتها تبناً وماء بارداً، أَو يخلق الله لها عقلا تسجد به، وقيل سجودها ميلها، وبالغدو متعلق بيسجد كناية عن دوام سجود من فى السماوات والأَرض، أَو حال من الظلال فيكون خص الغدو والآصال؛ لأَن الشىءَ إِذا أَخذ بطرفيه فقد أَخذ كله، وإِلا فالظلال موجود فى غيرهما أَيضاً ساجد، ولأَن الامتداد فى الاصال أَظهر لأَنه يزيد الظل فى زمان قصير كثير، أَو التقليص فى الغدو أَظهر لأَن نقصانه كثير فى زمان قليل، والغدو جمع غداة، والآصال جمع أَصيل، وهو ما بين المغرب والعصر، وقيل: أَصل الغدو مصدر استعمل للزمان وهو ما بعد طلوع الفجر.
الالوسي
تفسير : . {وَللَّهِ } وحده {يَسْجُدُ } يخضع وينقاد لا لشيء غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً، فالقصر ينتظم القلب والإفراد {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من الملائكة والثقلين كما يقتضيه ظاهر التعبير بمن، وتخصيص انقياد العقلاء مع كون غيرهم أيضاً كذلك لأنهم العمدة وانقيادهم دليل انقياد غيرهم على أن فيما سيأتي إن شاء الله تعالى بياناً لذلك، وقيل: المراد ما يشمل أولئك وغيرهم، والتعبير بمن للتغليب {طَوْعًا وَكَرْهًا } نصب على الحال، فإن قلنا بوقوع المصدر حالاً من غير تأويل فهو ظاهر وإلا فهو بتأويل طائعين وكارهين أي أنهم خاضعون لعظمته تعالى منقادون لإحداث ما أراد سبحانه فيهم من أحكام التكوين والإعدام شاؤوا أو أبوا من غير مداخلة حكم غيره جل وعلا بل غير حكمه تعالى في شيء من ذلك. وجوز أن يكون النصب على العلة فالكره بمعنى الإكراه وهو مصدر المبني للمفعول ليتحد الفاعل بناءً على اشتراط ذلك في نصب المفعول لأجله وهو عند من لم يشترط على ظاهره، وما قيل عليه من أن اعتبار العلية في الكره غير ظاهر لأنه الذي يقابل الطوع وهو الإباء ولا يعقل كونه علة للسجود فمدفوع بأن العلة ما يحمل على الفعل أو ما يترتب عليه لا ما يكون غرضاً له وقد مر عن قرب فتذكره، وقيل: النصب على المفعولية المطلقة أي سجود طوع وكره. {وَظِلَـٰلُهُم } أي وتنقاد له تعالى ظلال من له ذلك منهم وهم الإنس فقط أو ما يعمهم وكل كثيف. وفي «الحواشي الشهابية» ينبغي أن يرجع الضمير لمن في الأرض لأن من في السماء لا ظل له إلا أن يحمل على التغليب أو التجوز، ومعنى انقياد الظلال له تعالى أنها تابعة لتصرفه سبحانه ومشيئته في الامتداد والتقلص والفىء والزوال، وأصل الظل ـ كما قال الفراء ـ مصدر ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم، وهو إما معكوس أو مستو ويبنى على كل منهما أحكام ذكروها في محلها. {بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } ظرف للسجود المقدر والباء بمعنى في وهو كثير، والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأبيد، قيل: فلا يقال لم خص بالذكر؟ وكذا يقال: إذا كانا في موضع الحال من الظلال، وبعضهم يعلل ذلك بأن امتدادها وتقلصها في ذينك الوقتين أظهر. والغدو جمع غداة كقُنِيّ وقناة، والآصال جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب، وقيل: هو جمع أصل جمع أصيل، وأصله أأصال بهمزتين فقلبت الثانية ألفاً، وقيل: الغدو مصدر وأيد بقراءة ابن مجلز {الإيصال} بكسر الهمزة على أنه مصدر آصلنا بالمد أي دخلنا في الأصيل كما قاله ابن جني هذا، وقيل: إن المراد حقيقة السجود فإن الكفرة حالة الاضطرار وهو المعنى بقوله تعالى: {وَكَرْهًا} يخصون السجود به سبحانه قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [العنكبوت: 65] ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال أفهاماً وعقولاً بها تسجد لله تعالى شأنه كما خلق جل جلاله ذلك للجبال حتى اشتغلت بالتسبيح وظهرت فيها آثار التجلي كما قاله ابن الأنباري، وجوز أن يراد بسجودها ما يشاهد فيها من هيئة السجود تبعاً لأصحابها، وهذا على ما قيل: مبني على ارتكاب عموم المجاز في السجود المذكور في الآية بأن يراد به الوقوع على الأرض فيشمل سجود الظلال بهذا المعنى أو تقدير فعل مؤد ذلك رافع للظلال أو خبر له كذلك أو التزام أن/ إرادة ما ذكر لا يضر في الحقيقة لكونه بالتبعية والعرض أو أن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز ولا يخفى ما في بعض الشقوق من النظر. وعن قتادة أن السجود عبارة عن الهيئة المخصوصة وقد عبر بالطوع عن سجود الملائكة عليهم السلام والمؤمنين وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام فيسجد كرهاً إما نفاقاً أو يكون الكره أول حالة فيستمر عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد، وقيل: الساجد طوعاً من لا يثقل عليه السجود والساجد كرهاً من يثقل عليه ذلك. وعن ابن الأنباري الأول من طالت مدة إسلامه فألف السجود والثاني من بدأ بالإسلام إلى أن يألف، وأياً ما كان ـ فمن ـ عام أريد به مخصوص إذ يخرج من ذلك من لا يسجد، وقيل: هو عام لسائر أنواع العقلاء والمراد ـ بيسجد ـ يجب أن يسجد لكن عبر عن الوجوب بالوقوع مبالغة. واختار غير واحد في تفسير الآية ما ذكرناه أولاً، ففي «البحر» والذي يظهر أن مساق الآية إنما هو أن العالم كله مقهور لله تعالى خاضع لما أراد سبحانه منه مقصور على مشيئته لا يكون منه إلا ما قدر جل وعلا فالذين تعبدونهم كائناً ما كانوا داخلون تحت القهر لا يستطيعون نفعاً ولا ضراً، ويدل على هذا المعنى تشريك الظلال في السجود وهي ليست أشخاصاً يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة ولكنها داخلة تحت مشيئته تعالى يصرفها سبحانه حسبما أراد إذ هي من العالم والعالم جواهره وأعراضه داخلة تحت قهر إرادته تعالى كما قال سبحانه: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } تفسير : [النحل: 48] وكون المراد بالظلال الأشخاص كما قال بعضهم ضعيف وأضعف منه ما قاله ابن الأنباري، وقياسها على الجبال ليس بشيء لأن الجبل يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة وأما الظل فعرض لا يتصور قيام الحياة به وإنما معنى سجودها ميلها من جانب إلى جانب واختلاف أحوالها كما أراد سبحانه وتعالى. وفي "إرشاد العقل السليم" بعد نقل ما قيل أولاً وأنت خبير بأن اختصاص سجود الكافر حالة الاضطرار والشدة لله تعالى لا يجدي فإن سجوده للصنم حالة الاختيار والرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور، فالوجه حمل السجود على الانقياد ولأن تحقيق انقياد الكل في الإبداع والإعدام له تعالى ادخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه سبحانه وتعالى من تحقيق سجودهم له تعالى اهـ؛ وفي تلك الأقوال بعد ما لا يخفى على الناقد البصير.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : له دعوة الحق } تفسير : [سورة الرعد: 14] أي له دعوة الحق وله يسجد من في السماوات والأرض وذلك شعار الإلهية، فأما الدعوة فقد اختص بالحقة منها دون الباطلة، وأما السجود وهو الهويّ إلى الأرض بقصد الخضوع فقد اختص الله به على الإطلاق، لأن الموجودات العليا والمؤمنين بالله يسجدون له، والمشركين لا يسجدون للأصنام ولا لله تعالى، ولعلهم يسجدون لله في بعض الأحوال. وعدل عن ضمير الجلالة إلى اسمه تعالى العَلَم تبعاً للأسلوب السابق في افتتاح الأغراض الأصلية. والعموم المستفاد من {مَن} الموصولة عموم عرفي يراد به الكثرة الكاثرة. والمقصود من {طوعاً وكرهاً} تقسيم أحوال الساجدين. والمراد بالطوع الانسياق من النفس تقرّباً وزُلفى لمحض التعظيم ومحبة الله. وبالكَره الاضطرار عند الشدة والحاجة كما في قوله تعالى: { أية : ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } تفسير : [سورة النحل: 53]. ومنه قولهم: مُكره أخُوك لا بَطل، أي مضطر إلى المقاتلة وليس المراد من الكَره الضغط والإلجاء كما فسر به بعضهم فهو بعيد عن الغرض كما سيأتي. والظلال: جمع ظل، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور. والضمير راجع إلى {من في السماوات والأرض} مخصوصٌ بالصالح له من الأجسام الكثيفة ذات الظل تخصيصاً بالعقل والعادة، وهو عطف على {من}، أي يسجد مَن في السماوات وتسجد ظِلالهم. والغدُوّ: الزمان الذي يغدو فيه الناس، أي يخرجون إلى حوائجهم: إما مصدراً على تقدير مضاف، أي وقت الغدو؛ وإما جمع غُدوة، فقد حكي جمعها على غُدوّ، وتقدم في آخر سورة الأعراف. والآصال: جمع أصيل، وهو وقت اصفرار الشمس في آخر المساء، والمقصود من ذكرهما استيعاب أجزاء أزمنة الظل. ومعنى سجود الظلال أن الله خلقها من أعراض الأجسام الأرضية، فهي مرتبطة بنظام انعكاس أشعة الشمس عليها وانتهاء الأشعة إلى صلابة وجه الأرض حتى تكون الظلال واقعة على الأرض وُقوعَ الساجد، فإذا كان من الناس من يأبى السجود لله أو يتركه اشتغالاً عنه بالسجود للأصنام فقد جعل الله مثاله شاهداً على استحقاق الله السجود إليه شهادة رمزية. ولو جعل الله الشمس شمسين متقابلتين على السواء لانعدمت الظلال، ولو جعل وجه الأرض شفافاً أو لامعاً كالماء لم يظهر الظل عليه بيّنا. فهذا من رموز الصنعة التي أوجدها الله وأدقّها دقة بديعة. وجعل نظام الموجودات الأرضية مهيئة لها في الخلقة لحكم مجتمعة، منها: أن تكون رموزاً دالّة على انفراده تعالى بالإلهية، وعلى حاجة المخلوقات إليه، وجعل أكثرها في نوع الإنسان لأن نوعه مختص بالكفران دون الحيوان. والغرض من هذا الاستدلال الرمزي التنبيه لدقائق الصنع الإلهي كيف جاء على نظام مطّرد دال بعضه على بعض، كما قيل: شعر : وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه الواحد تفسير : والاستدلال مع ذلك على أن الأشياء تسجد لله لأن ظلالها واقعة على الأرض في كل مكان وما هي مساجد للأصنام وأن الأصنام لها أمكنة معينة هي حماها وحريمها وأكثر الأصنام، في البيوت مثل: العزى وذي الخلصة وذي الكعبات حيث تنعدم الظلال في البيوت. وهذه الآية موضع سجود من سجود القرآن، وهي السجدة الثانية في ترتيب المصحف باتفاق الفقهاء. ومن حكمة السجود عند قراءتها أن يضع المسلم نفسه في عداد ما يسجد لله طوعاً بإيقاعه السجود. وهذا اعتراف فعلي بالعبودية لله تعالى.
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يسجد له أهل السموات والأرض طوعاً وكرهاً وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال. وذكر أيضاً سجود الظلال، وسجود أهل السموات والأرض في قوله {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [النحل: 48 -49] إلى قوله {أية : يُؤْمَرُونَ} تفسير : [النحل: 50] واختلف العلماء في المراد بسجود الظل وسجود غير المؤمنين فقال بعض العلماء سجود من في السموات والأرض من العام المخصوص فالمؤمنون والملائكة يسجدون لله سجوداً حقيقياً وهو وضع الجبهة على الأرض يفعلون ذلك طوعاً والكفار يسجدون كرهاً أعني المنافقين لأنهم كفار في الباطن ولا يسجدون لله إلا كرهاً كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [النساء: 142] الآية وقال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}تفسير : [التوبة: 54] والدليل على أن سجود أهل السموات والأرض من العام المخصوص، قوله تعالى في سورة الحج: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحج: 18]. فقوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ} دليل على أن بعض الناس غير داخل في السجود المذكور وهذا قول الحسن وقتادة وغيرهما وذكره الفراء وقيل الآية عامة والمراد بسجود المسلمين طوعاً انقيادهم لما يريد الله منهم طوعاً والمراد بسجود الكافرين كرهاً انقيادهم لما يريد الله منهم كرهاً لأن إرادته نافذة فيهم وهم منقادون خاضعون لصنعه فيهم ونفوذ مشيئته فيهم وأصل السجود في لغة العرب الذل والخضوع ومنه قول زيد الخيل: شعر : يجمع فضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : ومنه قول العرب أسجد إذا طأطأ رأسه وانحنى قال حميد بن ثور: شعر : فلما لوين على معصم وكف خضيب وأسوارها فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأحبارها تفسير : وعلى هذا القول فالسجود لغوي لا شرعي، وهذا الخلاف المذكور جار أيضاً في سجود الضلال فقيل سجودها حقيقي والله تعالى قادر على أن يخلق لها إدراكاً تدرك به وتسجد لله سجوداً حقيقياً وقيل سجودها ميلها بقدرة الله أول النهار إلى جهة المغرب وآخره إلى جهة المشرق وادعى من قال هذا أن الظل لا حقيقة له لأنه خيال فلا يمكن منه الإدراك. ونحن نقول: إن الله جل وعلا قادر على كل شيء فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكاً يسجد به لله تعالى سجوداً حقيقياً والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا بدليل من كتاب أو سنة ولا يخفى أن حاصل القولين: - أن أحدهما: أن السجود شرعي وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص: والثاني: أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل والخضوع وعليه فهو باق على عمومه والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية وهو التحقيق خلافاً لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملاً لاحتمال هذا وذاك وعقد هذه المسألة صاحب مراقي السعود بقوله: - شعر : واللفظ محمول على الشرعي إن يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجب بحث عن المجاز في الذي انتخب تفسير : وقيل المراد بسجود الكفار كرها سجود ظلالهم كرهاً وقيل الآية في المؤمنين فبعضهم يسجد طوعاً لخفة امتثال أوامر الشرع عليه وبعضهم يسجد كرهاً لثقل مشقة التكليف عليه مع أن إيمانه يحمله على تكلف ذلك والعلم عند الله تعالى: وقوله تعالى: {بِٱلْغُدُوِّ} يحتمل أن يكون مصدراً أو يحتمل أن يكون جمع غداة والآصال جمع أصل بضمتين وهو جمع أصيل وهو ما بين العصر والغروب ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ظِلالُهُم} (15) - يُخْبِرُ اللهُ عَنْ عَظَمَةِ سُلْطَانِهِ الذِي خَضَعَ لَهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَيَسْجُدُ لَهُ المُؤْمِنُونَ طَوْعاً فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَيَسْجُدُ لَهُ الكُفَّارُ كَرْهاً فِي حَالِ الشِّدَّةِ، وَتَسْجُدُ لَهُ ظِلاَلُ كُلِّ شَيءٍ لَهُ ظِلٌّ مِنَ المَخْلُوقَاتِ فِي أَوَائِلِ النَّهَارِ (الغُدُوِّ) وَفِي أَوَاخِرِهِ (الآصَالِ). للهِ يَسْجُدُ - لأَِمْرِهِ تَعَالَى يَنْقَادُ وَيَخْضَعُ. ظِلاَلُهُمْ - تَنْقَادُ لأَِمْرِهِ تَعَالَى وَتَخْضَعُ. الغَدَاةُ - أَوَّلُ النَّهَارِ (وَجَمْعُ الغَدَاةِ الغُدُوِّ). الآصَالِ - جَمْعُ أَصِيلٍ - آخِرِ النَّهَارِ.
الثعلبي
تفسير : {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني الملائكة والمؤمنين {طَوْعاً وَكَرْهاً} يعني المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسبعة. وروى ابن المبارك عن سفيان قال: كان ربيع بن هشيم إذا قرأ هذه الآية قال: بل طوعاً يا رباه. {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} يعني ضلال الساجدين طوعاً أو كرهاً يسجد لله حين يقي ضلل أحدهم عن يمينه أو شماله. قال ابن عباس: نظيرها في النحل. قال الكلبي: إذا سجد بالغدو أو العشي سجد معه ظله. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره، والأصال جمع أُصل، والأُصل جمع الأصيل وهو العشاء من العصر إلى غروب الشمس. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومدبرهما فسيقولون الله ولابد لهم من ذلك فإذا أجابوك {قُلِ} أنت أيضاً {ٱللَّهُ} ثم قيل لهم إلزاماً للحّجة {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} يعني الأصنام يعبدونها من دون الله وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ثم نصرف لهم الأفعال {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} وكذلك لا يستوي الضال والمؤمن المهتدي. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} بالياء. الباقون: بالتاء واختاره أبو عبيد قال: لأنه يحصل من اسم المؤنت ومن الفعل مقابل والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} فأصبحوا لا يدرون أمن خلق الله هو أو من خلق آلهتهم {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [.........] للحق والباطل مثلين. فقال عزمن قائل {أَنَزَلَ} هو {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} يعني المطر {مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الكبير بقدره والصغير بقدره {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ} الذي حدث على ذلك الماء {زَبَداً رَّابِياً} حال تعريفها يود الماء فالماء الباقي الصافي النافع هو الحق. والذاهب الزائل الباطل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية والأنهار وهو الباطل ويقال: إن هذا سيل القرآن ينزل من السماء فيحتمل منه القلوب حظها على قدر اليقين والشك والعقل والجهل فهذا مثل الحق والباطل. والمثل الآخر قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ}. قرأ حميد أبو محجن أبووهب وحمزة والكسائي يوقدون بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لقوله تعالى: {يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} ولا مخاطبة هاهنا {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} أي زينة يتخذونها {أَوْ مَتَاعٍ} وهو ما ينتفع به وكلُّ ما تمتعت به فهو متاع. قال المشعث: شعر : تمتع يا مشعث أن شيئاً سبقت به الممات هو المتاع تفسير : أراد به جواهر الأرض من الذهب والفضة. والحديد والصفر والنحاس والرصاص، ومنه يستخلص الأشياء مما ينتفع به من الحلي والأواني وغيرهما. {زَبَدٌ مِّثْلُهُ} يقول: له زبد إذا أُنث مثل زبد السيل، والباقي الصافي من هذه الجواهر فيذهب خبثه والزبد الذي لا يبقى ولا ينتفع به مثل الباطل. قال الله تعالى: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} الذي علا السيل. {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} سريعاً متفرقاً. قال أبو عمرو: هو من قول العرب: أجفأت القدر النذر وجنات وذلك إذا غلت فأنصب زبدها أو سكنت لم يبقَ منه شيء. وقال القبتي: الجفاء ما رمى به الوادي إلى جنانه. فقال: جفأته إذا صرعه. وقال ابن الأنباري: جفاء يعني بالياً متفرقاً. يقال: جفأت الريح بالغيم إذا فرقته وذهبت به. قال بعضهم: يعني تباعد الأرض. يقال جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف. قال الفراء: إنما أراد بقوله جفاء الجفاء لأنه مصدر، قولك جفأ الوادي غثاه جفاء فخرج مخرج الاسم وهو مصدر. وكذلك يفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض كالقماش والرقاق والحطام والغنام يخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك في قولهم أعطيته عطاء بمعنى الاعطاء، ولو أُريد من القماش المصدر على الصحة لقيل قمشته قمشاً. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من العوالق {فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تم الكلام على هذا. ثم قال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} أطاعوه {ٱلْحُسْنَىٰ} بالجنة {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} يوم القيامة، قال الله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} مجازياً بالعقوبة، قال إبراهيم النخعي والزبد. أتدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا. قال هو أن يحاسب الرجل على معصية فعلها ويكفر عنه خطيئته، {وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} الفراش والمصير {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} [.........]ٍ فهو كافيه {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عنه لا يعلمه ولا تعمل {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} الخطاب للأصحاب وذوي العقول {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} في أمرهم يعني فرضه عليهم فلاهم يخالفونه إلى ما هم فيه، {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ * وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قيل أراد الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يعترفون بها. وقال أكثر المفسرين: يعني الرحم ويقطعونها. الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: اشتكى أبو الدرداء فعاده عبد الرحمن بن عوف. فقال: خيرّهم أو صلهم ما علمت يا محمد. فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشقتت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته . تفسير : عن شيبة قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب الأنصاري: "حديث : أنّ رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ماله وماله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرب ماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها" تفسير : قال: كأنه كان على راحلته. عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل إنّ في التوراة لمكتوباً يابن آدم اتق ربك وأبرّ والديك وصل رحمك أمدُّ لك في عمرك وأُيسّر لك يسرك، وأصرف عنك عسرك. وعن أبي إسحاق عن مغراء العبدي عن عبد الله بن عمرو قال: من اتقى ربه ووصل رحمه نسئ له في عمره وثرا ماله وأحبه أهله. صالح عن جرير عن برد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعمل الخير [ليس شيء اطيع الله فيه أعجل ثواباً من صلة] الرحم وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع ". تفسير : {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} على طاعة الله وتصبروا عن معصية الله. قاله ابن زيد، وقال ابن عباس: وصبروا على أمر الله. قال عطاء: على الرزايا والمصائب والحوادث والنوائب. أبو عمران الجوني: صبروا على دينهم. {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} طالب يعتصم بالله ويستغفر ربه أن يعصيه ويخالفه في أمره {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعني الزكاة {وَيَدْرَءُونَ} ويدفعون {بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} يقال: درأ الله عني بشرّك. قال ابن زيد: يعني لا يكافؤون الشر بالشر ولكن يدفعونه بالخير. وقال القتيبي: معناه إذا سفه عليهم حلموا فالسفه السيئة والحلم الحسنة. قتادة: ردوا عليهم معروفاً نظيره{أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. قال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا أخلصوا عفوا، وإذا قُطعوا وصلوا. ابن كيسان: إذا أذنبوا أيسوا وإذا حرفوا أثابوا ليدفعوا بالتوبة عن أنفسهم فغفر الذنب. فهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك عنه قال: يدفعون بالصالح من العمل الشر من العمل، ويؤيد هذا الخبر المأثور: "حديث : إن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني. قال: إذا عملت سيئة فاعمل لجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية بالعلانية ". تفسير : قال عبد الله بن المبارك: هذه ثماني خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة. أبو بكر الوراق: هذه ثمانية جسور فمن أراد القربة من الله عبرها. { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} ثم بين فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}. قرأه العامة: بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: بضم الياء وفتح الخاء. قال عبد الله بن عمير: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلاّ نبي أو صديق أو شهيد. {وَمَنْ صَلَحَ} لهن {مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أهلهم وولدهم أيضاً يدخلونها {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} فيه آمناً تقديره ويقولون سلام عليكم {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. قال مقاتل: يدخلون في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف يقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}. صالح عن يزيد عن أنس بن مالك: أنّه تلا هذه الآية جنات عدن إلى قوله: {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. ثم قال: إنه جنة من در وفضة طولها في الهواء ستون ميلا ليس فيها صدع ولا وصل منه كل زاوية منها أهل فقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب يقوم على كل باب سبعون ألف من الملائكة مع كل ملك منهم هدية من الرحمن ليس في مثلها، لا يَعْلُونَ [....] ليس بينهم وبينه حجاب. وروى ابن المبارك عن عقبة بن الوليد قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت رجلا من ملجف بالجند يقال له أبو الحجاج يقول: حدثني خالي أبي أُمامة فقال: إنّ المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين سور فيقبل الملك، يستأذن فيقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه: ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا فيقول الذي يليه للذي يليه كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "الفقراء والمهاجرون الذين تسدّ بهم الثغور ويتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء" . تفسير : قال: فيأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}. وروى سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدار. أبو بكر وعمر وعثمان عليهم السلام كانوا يفعلون كذلك. {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} يعني النار. وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية. {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ} يوسع عليه {وَيَقَدِرُ} ويقتر ويضيق {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني فرطوا وجهلوا ما عند الله ويطمعون {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} قليل ذاهب قاله مجاهد، وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي يزود، أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو الشيء يشرب عليه اللبن. الكلبي: كمثل السكرجة والقصعة أو القدح والقدر ونحوها ينتفع بها ثم يذهب {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل مكة {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} ويرشد الأُمّة إلى طاعته من رجع إليه بقلبه ثم وصفهم فقال {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في محل النصب والأمن قبله من {وَتَطْمَئِنُّ} وتسكن فستأنس {قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}. مقاتل: بالقرآن {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}. قال ابن عباس: هذا في الحلف ويقولها إذا حلف الرجل المسلم بالله على شيء يم سكن قلوب المؤمنين إليه. وقال مجاهد: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ابتداء {طُوبَىٰ لَهُمْ} خبره، وقيل: معناه لهم طوبى فطوبى خبر الابتداء الأول. واختلف العلماء في تفسير «طُوبَىٰ لَهُمْ». الوالبي عن ابن عباس: طوبى لهم: فرح وقرة عين لهم، عكرمة: نِعم مالهم، الضحاك: غبطة لهم. قتادة: حسنى لهم معمر عنه: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل طوبى لكم أي أصبت خيراً. إبراهيم: خير وكرامة لهم. شميط بن عجلان: طوبى يعني دوام الخير. الفراء: أصله من الطيب وإنما جاءت الواو لضم ماقبلها وإتيان بقول العرب: طوباك، طوابى لك. سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية. سعيد بن مسجوح: اسم الجنة بالهندية ربيع البستان بلغة الهند. وروى ابن سعيد الهندي "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ رجلا قال له: يا رسول الله ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة يخرج من أكمامها ". تفسير : وروى معاوية بن مرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنة ". تفسير : وقال أبو هريرة: طوبى شجرة من الجنة [غرسها] الله لها [ثمر] تقتفي لعبدي عياشاً صنعه له من الحلي بسرجها ولحمها وعن الإبل بأنّ تحتها قماشاً من الكسوة. وقال مغيث بن سمي: طوبى شجرة من الجنة، لو أنّ رجلاً ركب قلوصاً جذعاًثم دار بها لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرماً وما في أهل منزل إلاّ فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدلّ يصلهم الماء بالدلاء وإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فأكلوا منه ما شاؤوا ويجئ عليها الطير أمثال البخت، يعني الطير ويأكلون منه قديداً وشواءً ثم تطير. قال عندر بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرة إلاّ وفيها منها إلاّ السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلاّ وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل مقابل كل ورقة منها تظل أُمة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح. وقال أبو سلام: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول: "حديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله في الجنة فاكهة؟ قال: فيها شجرة تدعى طوبى هي تطابق الفردوس". قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: "ليس تشبه شيئاً من شجر أرضك ولكن أتيت الشام"، فقال: أتيت الشام يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإنها تشبه شجرة تدعى الجوز ينبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها. فقال: ما أعظم أصلها. قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً . تفسير : قال وهب بن منبه: إنّ في الجنة شجرة. قال: الطوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها زهوها رياط وورقها برود وقضبانها عنبر وبطحاؤها ياقوت وترابها كافور وحملها مسك يخرج من أصلها أنها الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة فبينما هم في مجلسهم إذا أتتهم الملائكة من ربهم يقودون لجامها مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسناً ووبرها كخز المرعزي من لينة، عليها رحال ألواحها من ياقوت ودفوفها من ذهب وثيابها من سندس واستبرق فيفتحونها ويقولون: إنّ ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر وأوطأ من الفراش نجباً من غير مهنة يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أُذن راحلة منها إذن صاحبتها حتى إنّ الشجرة لتنتحي عن طرقهم فهم لا يفرقون بين الرجل وبين أخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه فإذا رأوه، قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وأنت الجلال والإكرام، ويقول تبارك وتعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي مرحباً بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون ربنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدّرك حق قدرك فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله عزّ وجلّ: إنها ليست بدار نصب وعبادة ولكنها دار ملك ونعيم وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم فإنّ لكل رجل منكم أُمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أُمنيةً يقول: رب يتنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها فأتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت فيقول الله عزّ وجلّ: لقد قصرت بك أُمنيتك ولقد سألت دون منزلتك هذا لك منّي وسأُلحقك بمن أتى، لأنه ليس في عطائي تكديرٌ ولا تصدير. قال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أما نبيهم التي في أنفسهم فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منهم سرير من ياقوتة واحدة على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة. في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين وعلى كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلاّ وهو فيهما ولا ريح طيب إلاّ وقد عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظنّ من يراهما أنهما دون القبة يرى مخهما من فوق سقفهما، كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء. يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ويرى هو لهما مثل ذلك ثم يدخل إليهما فيطيبانه ويقبلانه ويعانقانه ويقولان له: والله ما ظننا أنّ الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أُعدت له. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: فطوبى لهم شجرة أصلها في دار علي في الجنة، وفي دار كل مؤمن منها غصن يقال له طوبى. {وَحُسْنُ مَآبٍ} حسن المرجع. وروى داود بن عبد الجبار عن جابر عن أبي جعفر قال: حديث : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {طوبى لهم وحسن مآب}. فقال: "شجرة أصلها في داري وفرعها في الجنة". ثم سُئل عنها مرة أُخرى. فقال: "شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة". فقيل له: يا رسول الله نسألك عنها مرة فقلت: "شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة" فقال: ذلك في داري ودار علي أيضاً واحدة في مكان واحد" .
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والسجود كما نعرفه حركة من حركات الصلاة، والصلاة هي وَقْفة العبد بين يدي ربه بعد ندائه له، والصلاة أقوال وأفعال مُبْتدأة بالتكبير ومُخْتتمة بالسلام؛ بفرائض وسنن ومستحبات مخصوصة. والسجود هو الحركة التي تُبرِز كاملَ الخضوع لله؛ فالسجود وَضْع لأعلى ما في الإنسان في مُسْتوى الأدنى وهو قَدَم الإنسان؛ ونجد العامة وهُمْ يقولون: "لا ترفع رأسك عليَّ" أي: لا تتعالى عليّ، لأن رَفْع الرأس معناه التعالي، وتخفيضها بالركوع أو السجود هو إظهارٌ للخضوع، فإذا قال الله: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الرعد: 15]. عليك أن تفهم أن هذا ما يحدث فعلاً؛ وإنْ لم يتسع ذِهْنك إلى فَهْم السجود كما يحدث منك؛ فليتسع ظنُّك على أنه مُنْتهى الخضوع والذِّلة لله الآمر. وأنت تعلم أن الكون كله مُسخَّر بأمر الله ولأمر الله، والكون خاضع له سبحانه؛ فإن استجاب الإنسان لأمر الله بالإيمان به فهذا خير. وإنْ لم يستجب الإنسان - مثلما يفعل الكافر - فعليه سُوء عمله. ولو استقصيتَ المسألة بدقَّة الفَهْم؛ لوجدتَ أن الكافر إنما يتمرد بإرادته المُسَيطرة على جوارحه؛ لكن بقية أبعاضه مُسخّرة؛ وكلها تؤدي عملها بتسخير الله لها، وكلها تُنفِّذ الأوامر الصادرة من الله لها؛ وهكذا يكون الكافر مُتمرداً ببعضه ومُسخَّراً ببعضه الآخر، فحين يُمرِضه الله؛ أيستطيع أنْ يعصي؟ طبعاً لا. وحين يشاء الله أن يُوقِف قلبه أيقدر أن يجعل قلبه يخالف مشيئة الله؟ طبعاً لا. إذن: فالذي يتعوّد على التمرد على الله في العبادة؛ وله دُرْبة على هذا التمرد؛ عليه أن يُجرِّب التمرد على مرادات الله فيما لا اختيار له فيه؛ وسيقابل العجز عن ذلك. وعليه أنْ يعرف أنه لم يتمرد بالكفر إلا بما أوسع الله له من اختيار؛ بدليل أن تسعة وتسعين بالمائة من قُدراته محكوم بالقهر؛ وواحد بالمائة من قدراته متروك للاختيار، وهكذا يتأكد التسخير. وخضوع الكافر في أغلب الأحيان؛ وتمرّده في البعض الآخر؛ هو مُنْتهى العظمة لله؛ فهو لا يجرؤ على التمرد بما أراده الله مُسخَّراً منه. ولقائل أن يقول: ولماذا قال الله هنا: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الرعد: 15]. ولم يقُلْ: "ما في السماوات وما في الأرض"؟ وأقول: ما دام في الأمر هنا سجود؛ فهو دليل على قِمّة العقل؛ وسبحانه قد جعل السجود هنا دليلاً على أنّ كافة الكائنات تعقل حقيقة الألوهية؛ وتعبد الحق سبحانه. وهو هنا يقول: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ..} [الرعد: 15]. وهنا يُعلمنا الحق سبحانه أن كل الكائنات ترضخ لله سجوداً؛ سواء المُسَخَّر؛ أو حتى أبعاض الكافر التي يستخدمها بإرادته في الكفر بالله؛ هذه الأبعاض تسجد لله. ويتابع الحق سبحانه: {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} [الرعد: 15]. ونحن في حياتنا اليومية نسمع مَنْ يقول: "فلان يَتْبع فلاناً كَظِله"؛ أي: لا يتأبّى عليه أبداً مطلقاً، ويلازمه كأنه الظل؛ ونعلم أن ظِلَّ الإنسان تابعٌ لحركته. وهكذا نعلم أن الظِّلال نفسها خاضعة لله؛ لأن أصحابها خاضعون لله؛ فالظل يتبع حركتك؛ وإياك أنْ تظنَّ أنه خاضع لك؛ بل هو خاضع لله سبحانه. وسبحانه هنا يُحدِّد تلك المسألة بالغُدوِّ والآصال؛ و"الغدو" جمع "غداة" وهو أول النهار، والآصال هو المسافة الزمنية بين العصر والمغرب. وأنت حين تقيس ظِلَّك في الصباح ستجد الظِّل طويلاً، وكلما اقتربت من الشمس طال الظل، وكلما اقترب الزوال يقصرُ الظلُّ إلى أنْ يتلاشى؛ وأبزر ما يتمايل الظل بتمايل صاحبه هو في الصبح وبعد العصر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} معناه بالعَشّياتِ. واحدُها أَصيلٌ والجَمعُ أُصُلٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض كلها خاضعة لربها، تسجد له { طَوْعًا وَكَرْهًا } فالطوع لمن يأتي بالسجود والخضوع اختيارا كالمؤمنين، والكره لمن يستكبر عن عبادة ربه، وحاله وفطرته تكذبه في ذلك، { وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } أي: ويسجد له ظلال المخلوقات أول النهار وآخره وسجود كل شيء بحسب حاله كما قال تعالى: {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم }. تفسير : فإذا كانت المخلوقات كلها تسجد لربها طوعا وكرها كان هو الإله حقا المعبود المحمود حقا وإلهية غيره باطلة، ولهذا ذكر بطلانها وبرهن عليه بقوله: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 449 : 17 : 28 - سفين قال، كان الربيع بن خثيم إذا قرأ السجدة التي في الرعد، (قال): "طوعاً، ربنا، بلى طوعاً". [الآية 15].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):