Sajda. 11 - recommended (السجدة 11 - موصى به) (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ اِلٰى نِعَاجِہٖ۝۰ۭ وَاِنَّ كَثِيْرًا مِّنَ الْخُلَطَاۗءِ لَيَبْغِيْ بَعْضُہُمْ عَلٰي بَعْضٍ اِلَّا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ وَقَلِيْلٌ مَّا ہُمْ۝۰ۭ وَظَنَّ دَاوٗدُ اَنَّمَا فَتَنّٰہُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّہٗ وَخَرَّ رَاكِعًا وَّاَنَابَ۝۲۴۞
Qala laqad thalamaka bisuali naAAjatika ila niAAajihi wainna katheeran mina alkhulatai layabghee baAAduhum AAala baAAdin illa allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati waqaleelun ma hum wathanna dawoodu annama fatannahu faistaghfara rabbahu wakharra rakiAAan waanaba

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك» ليضمها «إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء» الشركاء «ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم» ما لتأكيد القلة فقال الملكان صاعدين في صورتيهما إلى السماء: قضى الرجل على نفسه فتنبه داود قال تعالى: «وظن» أي أيقن «داود أنما فتناه» أوقعناه في فتنة أي بلية بمحبته تلك المرأة «فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعا» أي ساجدا «وأناب».

24

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ } ليضمَّها {إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ } الشركاء { لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إلاَّ ٱلَّذيِنَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} «ما» لتأكيد القلة، فقال الملكان صاعدين في صورتيهما إلى السماء: قضى الرجل على نفسه، فتنبه داود. قال تعالى؟ {وَظَنَّ } أي أيقن {دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ } أوقعناه في فتنة: أي بلية بمحبته تلك المرأة {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً } أي ساجداً {وَأَنَابَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَقَدْ ظَلَمَكَ} حكم عليك بالظلم بعد إقراره. وحذف ذكر الإقرار اكتفاء بفهم السامعين، أو تقديره إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} وقليل منهم من يبغي بضعهم على بعض "ع"، أو قليل من لا يبغي بعضهم على بعض "وما" صلة مؤكدة أو بمعنى الذي تقديره: قليل الذين هم كذلك {وَظَّنَّ دَاوُدُ} علم {فَتَنَّاهُ} اختبرناه "ع"، أو ابتليناه، أو شددنا عليه في التعبد قال قتادة: قضى نبي الله على نفسه ولم يفطن لذلك فلما تبين له الذنب استغفر {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} من ذنبه وهو سماعه من أحد الخصمين وقضاؤه له قبل أن يسمع من الآخر، أو أشبع نظره من امرأة أو ريا وهي تغتسل حتى علقت بقلبه، أو نيته أنه إن قُتل بعلها تزوجها وأحسن الخلافة عليها "ح"، أو "إغراؤه زوجها ليستشهد" قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه ـ: " لو سمعت رجلاً يذكر أن داود عليه الصلاة والسلام قارف من تلك المرأة محرماً لجلدته ستين ومائة لأن حد الناس ثمانون وحدود الأنبياء صلوات الله ـ تعالى ـ وسلامه عليهم ستون ومائة ". {رَاكِعاً} عَبَّر بالركوع عن السجود مكث ساجداً أربعين يوماً حتى نبت المرعى من دموعه فغطى رأسه، ثم رفع رأسه وقد تقرح جبينه ومكث حيناً لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه وكان يدعو على الخطائين فلما أصاب الخطيئة كان لا يمر بوادٍ إلا قال: "اللهم اغفر للخطائين لعلك تغفر لي و لهم".

الخازن

تفسير : {قال} داود {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} أي بضمها إلى نعاجه. فإن قلت كيف قال داود لقد ظلمك ولم يكن سمع قول الآخر قلت معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك وقيل إنما قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول {وإن كثيراً من الخلطاء} أي الشركاء {ليبغي بعضهم على بعض} أي يظلم بعضهم بعضاً {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم لا يظلمون أحداً {وقليل ما هم} أي هم قليل وما صلة. والمعنى أن الصالحين الذين لا يظلمون قليل فلما قضى داود بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك وصعد إلى السماء فعلم داود أن الله تعالى ابتلاه فذلك قوله تعالى: {وظن داود} أي أيقن وعلم {أنما فتناه} أي ابتليناه وامتحناه وقال ابن عباس: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان قضى الرجل على نفسه فعلم داود أنه إنما عنى به. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن داود النبي صلى الله عليه وسلم حين نظر إلى المرأة فهم ففظع على بني إسرائيل أوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلاناً بين يدي التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به ومن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو يهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان يقصان عليه قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجداً حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبهته وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثاً في الخلق من بعده. فجاء جبريل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن الله تعالى قد غفر لك الهم الذي هممت به فقال داود: إن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال رب دمي الذي عند داود, فقال جبريل ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن قال نعم فعرج جبريل وسجد داود ما شاء الله تعالى ثم نزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال قل لداود إن الله تعالى يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك الذي عند داود فيقول: هو لك يا رب فيقول الله تعالى فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضاً عن دمك فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة امتحان داود. (فصل في تنزيه داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق به وما ينسب إليه) اعلم أن من خصه الله تعالى بنبوته وأكرمه برسالته وشرفه على كثير من خلقه وائتمنه على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خلقه لا يليق أن ينسب إليه ما لو نسب إلى آحاد الناس لاستنكف أن يحدث به عنه فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض أعلام الأنبياء والصفوة الأمناء ذلك. روى سعيد بن المسيب والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حد الفرية على الأنبياء. وقال القاضي عياض: لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك ولا ورد في حديث صحيح والذي نص عليه الله في قصة داود وظن داود أن ما فتناه وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه من أمر داود. قال الإمام فخر الدين حاصل القصة يرجع إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته وكلاهما منكر عظيم فلا يليق بعاقل أن يظن بداود عليه الصلاة والسلام. هذا وقال غيره إن الله تعالى أثنى على داود قبل هذه القصة وبعدها وذلك يدل على استحالة ما نقوله من القصة فكيف يتوهم عاقل أن يقع بين مدحين ذم ولو جرى ذلك من بعض الناس في كلامه لاستهجنه العقلاء وقالوا أنت في مدح شخص كيف تجري ذمه أثناء مدحك والله تعالى منزه عن مثل هذا في كلامه القديم. فإن قلت في الآية ما يدل على صدور الذنب منه وهو قوله تعالى وظن داود إنما فتناه وقوله فاستغفر ربه وقوله وأناب وقوله فغفرنا له ذلك. قلت ليس في هذه الألفاظ شيء مما يدل على ذلك وذلك لأن مقام النبوة أشرف المقامات وأعلاها فيطالبون بأكمل الأخلاق والأوصاف وأسناها فإذا نزلوا من ذلك إلى طبع البشرية عاتبهم الله تعالى على ذلك وغفره لهم كما قيل "حسنات الأبرار سيئآت المقربين". فإن قلت فعلى هذا القول والاحتمال فما معنى الامتحان في الآية؟ قلت ذهب المحققون من علماء التفسير وغيرهم في هذه القصة إلى أن داود عليه الصلاة والسلام ما زاد على أن قال للرجل. انزل لي عن امرأتك واكفلنيها, فعاتبه الله تعالى على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا وقيل إن داود تمنى أن تكون امراة أو رياله فاتفق أن أوريا هلك في الحرب فلما بلغ داود قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ثم تزوج امرأته, فعاتبه الله تعالى على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله تعالى. وقيل إن أوريا كان قد خطب تلك المراة ووطَّن نفسه عليها فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت نفسها منه لجلالته فاغتمَّ لذلك أوريا فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسعة وتسعون امرأة ويدل على صحة هذا الوجه قوله وعزني في الخطاب فدل هذا على أن الكلام كان بينهما في الخطبة ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها, فعوتب داود بسببين أحدهما: خطبته على خطبة أخيه والثاني: إظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه. وقيل إن ذنب داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا والمرأة وإنما هو بسبب الخصمين وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر وقيل هو قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه فحكم على خصمه بكونه ظالماً بمجرد الدعوى فلما كان هذا الحكم مخالفاً للصواب اشتغل داود بالاستغفار والتوبة فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود عليه الصلاة والسلام مما نسب إليه والله أعلم. وقوله عز وجل: {فاستغفر ربه} أي سأل ربه الغفران {وخر راكعاً} أي ساجداً, عبَّر بالركوع عن السجود لأن كل واحد منهما فيه انحناء. وقيل معناه وخرَّ ساجداً بعد ما كان راكعاً والله تعالى أعلم بمراده. (فصل) اختلف العلماء في سجدة ص هل هي من عزائم السجود، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنها ليست من عزائم سجود التلاوة قال: لأنها توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة. وقال أبو حنيفة: هي من عزائم سجود التلاوة واستدل بهذه الآية على أن الركوع يقوم مقام السجود في سجود التلاوة، وعن أحمد: في سجدة ص روايتان وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها (خ). عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سجدة ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها قال مجاهد قلت لابن عباس أسجد في ص فقرأ ومن ذريته داود وسليمان حتى أتى فبهداهم اقتده فقال نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وللنسائي "حديث : عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال سجدها داود توبة فنسجدها شكراً" تفسير : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال "حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ص وهو على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشوف الناس لسجوده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشوفتم فنزل وسجد وسجدوا" تفسير : أخرجه أبو داود قوله تشوف الناس يعني تهيؤا وتأهبوا واستعدوا للسجود وعن ابن عباس قال "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول اللهم اكتب لي بها أجراً وحطّ عني بها وزراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه الصلاة والسلام". "حديث : قال ابن عباس: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة ثم سجد فقال مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة" تفسير : أخرجه الترمذي قال المفسرون سجد داود أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجداً تمام أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة وكان من دعائه في سجوده سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور سبحان الحائل بين القلوب سبحان خالق النور إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي سبحان خالق النور إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر سبحان خالق النور إلهي الويل لداود يوم يكشف عنه الغطاء، فيقال هذا داود الخاطئ سبحان خالق النور إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، سبحان خالق النور إلهي بأي قدم أقوم أمامك يوم القيامة يوم تزل أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده سبحان خالق النور، إلهي أنا لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك سبحان خالق النور إلهي أنا لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم سبحان خالق النور إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابه سبحان خالق النور إلهي كيف تستر الخطاؤون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا، سبحان خالق النور إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي سبحان خالق النور إلهي اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني سبحان خالق النور إلهي أعوذ بوجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني سبحان خالق النور إلهي فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم الدين سبحان خالق النور وقيل مكث داود أربعين يوماً لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه فنودي يا داود أجائع انت فتطعم أظمآن أنت فتسقى أمظلوم أنت فتنصر فأجيب في غير ما طلب ولم يجب في ذكر خطيئته بشيء فحزن حتى هاج ما حوله من العشب فاحترق من حرجوفه ثم أنزل الله تعالى له التوبة والمغفرة. قال وهب: إن داود أتاه نداء أني قد غفرت لك قال يا رب كيف وأنت لا تظلم أحداً قال اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، قال فانطلق داود وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره ثم نادى يا أوريا فقال من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني قال أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله قال أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك قال وما كان منك إليّ قال عرضتك للقتل قال بل عرضتني للجنة فأنت في حل فأوحى الله تعالى إليه يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالغيب ألا أعلمته إنك قد تزوجت امرأته، قال فرجع فناداه فأجابه فقال من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني قال أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله أليس قد عفوت عنك قال نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها قال فسكت ولم يجبه ودعاه مرة فلم يجبه وعاوده فلم يجبه فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم نادى الويل لداود ثم الويل الطويل لداود إذا وضعت الموازين بالقسط سبحان خالق النور الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار سبحان خالق النور فأتاه نداء من السماء يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك قال يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني قال يا داود أعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه فأقول له رضيت عبدي فيقول يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي، فأقول هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي قال يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي فذلك قوله فاستغفر ربه وخرَّ راكعاً {وأناب} أي رجع {فغفرنا له ذلك} أي الذنب {وإن له عندنا} أي يوم القيامة بعد المغفرة {لزلفى} أي لقربة ومكانة {وحسن مآب} أي حسن مرجع ومنقلب. قال وهب بن منبه إن داود عليه الصلاة والسلام لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه ليلاً ولا نهاراً وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه ويوم يسيح في الجبال والفيافي والساحل ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي ويرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار ثم يجيء إلى الجبال ويرفع صوته ويبكي فتبكي معه الجبال والحجارة والطير والدواب حتى تسيل من بكائهم الأودية ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته ويبكي فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطين الماء فإذا أمسى رجع فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه إن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضره من يساعده ويدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط فيها ثلاث فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود عليه الصلاة والسلام صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم فلا يزال يبكي حتى يغرق الفرش من دموعه ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول يا رب اغفر ما ترى فلو عادل بكاء داود بكاء أهل الدنيا لعدله. وعن الأوزاعي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مثل عيني داود عليه الصلاة والسلام كالقربتين ينقطان ماء ولقد خدت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض ". تفسير : وقال وهب: لما تاب الله تعالى على داود قال: يا رب أغفرت لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة، قال فوسم الله تعالى خطيئته في يده اليمنى فما رفع فيها طعاماً ولا شراباً إلا بكى إذا رآها وما قام خطيباً في الناس إلا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته وكان يبدأ إذا دعا واستغفر بالخاطئين قبل نفسه. وعن الحسن قال: كان داود عليه الصلاة والسلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين يقول تعالوا إلى داود الخاطئ ولا يشرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين قال وكان داود عليه الصلاة والسلام قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر فلما كان من خطيئته ما كان صام الدهر كله وقام الليل كله. وقال ثابت كان داود إذا ذكر عقاب الله انخلعت أوصاله فلا يشهدها إلا الأسر وإذا ذكر رحمة الله تراجعت وقيل إن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي إلى قراءته. وقيل إنها قالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك.

التستري

تفسير : قوله: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}[24] قال: الإِنابة هي الرجوع من الغفلة إلى الذكر، مع انكسار القلب وانتظار المقت.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [الآية: 24]. قال عثمان: أيقن داود بأوائل البلاء فالتجأ إلى التضرع. قال أبو سعيد الخراز: زلاّت الأنبياء فى الظاهر زلاّت وفى الحقيقة كرامات وزلف ألا ترى إلى قصة داود صلى الله عليه وسلم حين أحس بأوائل أمره كيف استغفر وتضرع فأخبر الله عنه بما ناله فى حال خطيئته من الزلفى فقال: وظن داود أنما فتناه فتضرع ورجع وكان له بذلك عندنا زلفى وحسن مآب. قوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}. قال سهل: {وَأَنَابَ} الإنابة هى الرجوع من الغفلة إلى الذكر مع انكسار القلب وانتظار المقت. قال أبو عثمان: الإنابة أجلّ من التوبة لأن التائب يرجع نفسه فيسمى تائبًا ولا يسمى منيبًا إلاَّ من رجع على ربه بالكلية وفارق المخالفات أجمع. قال القاسم: إنابة العبد أن يرجع إلى ربه من نفسه وقلبه وروحه فإنابة النفس أن يشغلها بخدمته وطاعته وإنابة القلب أن يخليه مما سواه وإنابة الروح دوام الذكر حتى لا يذكر غيره ولا يتفكر إلا فيه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} هذه القصة تسلية لقلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أوقع الله فى قلبه محبة زينب فضاق صدره فقال سبحانه سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ففرح بذلك وزاد له محبة الله والشوق الى لقائه فاهم ايها الممتحن بالمحبة ان الله سبحانه خلق قلوب عشاق الانبياء والاولياء من أثار تجلى جماله وجلاله ومحبته وشوقه وعشقه وبهائه ولطفه واوقعها فى بحر انوار نوره وغسلها بمياه التنزيه والتقديس ثم كاشف لها عين الالوهية حتى غرقت فيها وانهزمت من سطوات انوار كبرياء قدمه الى اكناف انوار فعله الحق ضعفها عن حمل وارد شهود جلال كبريائه فتلطف عليها واراها فى انوار افعاله وايانه جمال ذاته وصفاته حتى سكنت بها وبقيت بعد نفائها فيه فمنها واقعة أدم بحوا والحنطة وابراهيم بالشمس والكواكب وحسن سارة وموسى بالجبل والشجرة ويوسف بزليخا ويعقوب بيوسف وداود بامراة اوريا وسليمان ببلقيس ومحمد صلى الله عليه وسلم بزينب والمراد من ذلك ان جذبهم بنور حسن فعله الى مشاهدة جمال قدمه فرباهم بمقام التباس فى العشق فى اول المعرفة حتى وصلوا اليه بوسايط حسن فعله بعد ان تجلى بنفسه منه لهم فيا محب انظر الى مقام الاتحاد فان الكل هو لا غير فى البين الا ترى كيف خاطب موسى من الشجرة وتجلى له منها مرة ثم تجلى له من الجبل مرة ثم تجلى له من العصا مرة بنعت العظمة حيث صارت حية وتلك بروز انوار قهر عظمته راى داود ذلك بصورة الطير فى الخلوة ومن فى البين ابليس كان تلبيسا من حيث الالتباس ثم ارى ذلك فى صورة امراة حسناء واين الصور فى الخلوة ومن فى البين ابليس كان تلبيسا من حيث الالباس ثم ارى ذلك فى صورة امراة حسناء واين الصور والعلل بل هناك حيل ومكر وقع نظره على جمال الازل فظن ان ذلك حاصل له فلما وصل اليها غاب ذلك عنه فعلم انه ممتحن فرجع من الفعل الى الفاعل بنعت الخجل والحياء من مقام التفرقة الى مقام الجمع ومن مقام الالباس الى مقام التوحيد قال سبحانه فى وصف حاله فى قصة دخول ملكين اليه بقوله وظن داود انما فتناه فاستغفر استغفر من مقام الالتباس كما استغفر موسى حيث قال ثبت اليك وكما استغفر أدم بقوله ربنا ظلمنا وكقول ابراهيم انى برئ مما تشركون وكما من علم صفى المملكة وعندليب ورد بساتين المشاهدة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تاخر ثم تضرع بنعت الفناء فى البكاء فى مقام الانابة وفرمته اليه بد ان احتجب منه به قال ابو عثمان ايقن داود باوايل البلاء فالتجا الى التضرع قال ابو سعيد الخراز زلات الانبياء فى الظاهر زلات وفى الحقيقة كرامات وزلفى الا ترى الى قصة داود حين احس باوائل امر فكيف استغفر وتضرع فاخبر الله عنه بما ناله فى حال ظنه من الزلفى وقال ظن داود انما فتناه فتضرع ورجع فكان له بذلك عندنا لزلفى وحسن ماب أصدق الشيخ ابو سعيد الخراز فيما قال ان بلاء الانبياء الاولياء لا ينقص اصطفائيتهم بل يزيد شرفهم على شرفهم لقوله سبحانه {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} زلته كان التفاته من الذات الى الصفة ومن الصفة الى الفعل اذا ارجع الى اوائل الحقائق فى التوحيد وافراد القدم عن الحدوث ستر مقام البلاء عنه بعد ذلك حتى لم يطق الرجوع من النهاية الى البداية ومعنى قوله وان له عندنا لزلفى زاد زلفته حيث اوقعه فى بحار الديمومية والازلية الابدية وفى كل لمحة كان له استغراق وحسن المأب له بان أواه الحق اليه منه ووفاه من قهره حتى كان لا يجرى عليه بعد ذلك احكام الامتحان.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} داود بعد اعتراف المدعى عليه او على تقدير صدق المدعى والا فالمسارعة الى تصديق احد الخصمين قبل سماع كلام الآخر لا وجه له وفى الحديث "حديث : اذا جلس اليك الخصمان فلا تقض لاحدهما حتى تسمع من الآخر" تفسير : {لقد ظلمك} جواب قسم محذوف قصد به عليه السلام المبالغة فى انكار فعل صاحبه وتهجن طمعه فى نعجة من ليس له غيرها مع ان له قطيعا منها {بسؤال نعجتك الى نعاجه} السؤال مصدر مضاف الى مفعوله وتعديته الى مفعول آخر بالى لتضمنه معنى الاضافة والضم كأنه قيل بضم نعجتك الى نعاجه على وجه السؤال والطلب. وفى هذا اشارة الى ان الظلم فى الحقيقة من شيم النفوس فان وجدت ذا عفة فالعلة كما قال يوسف {أية : وما ابرىء نفسى} تفسير : الآية فالنفوس جبلت على الظلم والبغى وسائر الصفات الذميمة ولو كانت نفوس الانبياء عليهم السلام كذا فى التأويلات النجمية. يقول الفقير هذا بالنسبة الى اصل النفوس وحقيقتها والا فنفوس الانبياء مطمئنة لا امارة اذ لم يظهر فيهم الا آثار المطمئنة وهى اول مراتب سلوكهم وقد اشار الشيخ الى الجواب بقوله فان وجدت الخ فاعرف ذلك فانه من مزالق الاقدام وقد سبق التحقيق فيه فى سورة يوسف. ثم قال داود عليه السلام حملا للنعجة على حقيقتها لا على كونها مستعارة للمرأة {وان كثيرا من الخلطاء} اى الشركاء الذين خلطوا اموالهم جمع خليط كظريف والخلطة الشركة وقد غلبت فى الماشية {ليبغى بعضهم على بعض} اى ليتعدى غير مراعى لحق الصحبة والشركة: يعنى [از حق خودزياده مى طلبند] {الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} منهم فانهم يجتنبون عن البغى والعدوان {وقليل ما هم} وهم قليل فهم مبتدأ وقليل خبره قدم عليه للاهتمال به وانما افرد تشبيها بفعيل بمعنى مفعول وما مزيد لتأكيد القلة او للابهام او التعجب من قلة الموصوفين بالايمان وصالح العمل {وظن داود انما فتناه} الظن مستعار للعلم الاستدلالى لما بينهما من المشابهة. يعنى ان الظن الغالب لما كان يقارب العلم استعير له فالظن يقين لكنه ليس بيقين عيان فلا يقال فيه الا العلم. وما فى انما كافة والمعنى وعلم داود بما جرى فى مجلس الحكومة انما فعلنا به الفتنة والامتحان لا غير بتوجيه الحصر الى نفس الفعل بالقياس الى ما يغايره من الافعال {فاستغفر ربه} اثر ما علم ان ما صدر عنه ذنب كما استغفر آدم عليه السلام بقوله ربنا ظلمنا انفسنا الخ وموسى عليه السلام بقوله تبت اليك وغيرهما من الانبياء الكرام على ما بين فى موضعه {وخر} سقط حال كونه {راكعا} اى ساجدا على تسمية السجود ركوعا لانه مبدأه لانه لا يكون ساجدا حتى يركع وفى كل من الركوع والسجود التحنى والخضوع وبه استشهد ابو حنيفة واصحابه فى سجدة التلاوة على ان الركوع يقوم مقام السجود او خرّ للسجود راكعا اى مصليا اطلاقا للجزء وارادة لكل كأنه احرم بركعتى الاستغفار والدليل على الاول اى على ان الركوع ههنا بمعنى السجود ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما ان النبى عليه السلام كان يقول فى سجدة ص وسجدة الشكر "حديث : اللهم اكتب لى عندك بها اجرا واجعلها لى عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا واقبلها منى كما قبلت من عبدك داود سجدته" تفسير : {واناب} اى رجوع الى الله تعالى بالتوبة من جميع المخالفات التى هى الزلات وما كان من قبيل ترك الاولى والافضل لان حسنات الابرار سيآت المقربين. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان النبى عليه السلام سجد فى ص "حديث : وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا " تفسير : وهذه السجدة من عزائم السجود عند ابى حنيفة ومالك رحهما الله وكل منهما على اصله فابو حنيفة يقول هى واجبة ومالك هى فضيلة وعند الشافعى واحمد سجدة شكر تستحب فى غير الصلاة فلو سجد بها فى الصلاة بطلت عندهما كما فى فتح الرحمن. وقال الكاشفى [اين سجده نزدامام اعظم سجده عزيمت است وميكويد بتلاوت وى سجده بايد كرد در نماز وغير نماز ونزد امام شافعى از عزائم نيست واز امام احمد درين سجده دو روايتست واين سجده دهم است بقول امام اعظم. ودر فتوحات مكيه اين را سجده انابت كفته وفرموده كه] يقال لها سجدة الشكر فى حضرة الانوار لان داود سجدها شكرا

الجنابذي

تفسير : {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} ما زائدة او وصفيّة لتأكيد التّقليل {وَظَنَّ دَاوُودُ} بعدما تبادر فى الحكم بالظّلم {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} امتحنّاه بذلك {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} من تبادره فى الحكم {وَخَرَّ رَاكِعاً} خاضعاً {وَأَنَابَ} رجع الى الله بالاعتذار.

الهواري

تفسير : {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي ابْتَلَيْنَاهُ {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً} والركوع ها هنا هو السجود {وَأَنَابَ} أي: وأقبل إلى الله بالتوبة والدعاء. وتفسير الحسن أن داوود جمع عُبّاد بني إسرائيل فقال: ايكم كان يمتنع من الشيطان يوماً لو وكله الله إلى نفسه؟ فقالوا: لا أحد إلا أنبياء الله. قال: فكأنه خطر في الوهم شيء. قال: فبينما هو في المحراب في يوم صلاته، والحرس حوله والجنود، فبينما هو يصلي، إذا هو بطير حسن قد وقع في شرفة من شرفات المحراب. قال بعضهم: حمامة من ذهب، وبعضهم يقول: طير جؤجؤه من ذهب، وجناحاه ديباج، ورأسه ياقوتة حمراء، فأعجبه. وكان له بُنيٌّ يحبه. فلما أعجبه حسنه وقع في نفسه أن يأخذه فيعطيه ابنه. قال الحسن: فانصرف إليه فجعل يطير من شرفة إلى شرفة ولا يؤيسه من نفسه حتى ظهر فوق المحراب. وخلف المحراب حائط تغتسل فيه النساء الحُيَّض إذا طهرن، لا يشرف على ذلك الحائط إلا من صعد على المحراب، والمحراب لا يصعده أحد من الناس. فصعد داوود خلف ذلك الطير ففاجأته امرأة جاره، لم يعرفها، تغتسل. فرآها فجأة، ثم غضّ بصره عنها، فأعجبته. فأتى بابها فسأل عنها وعن زوجها؛ فقالوا: إن زوجها في أجناد داوود. فلم يلبث إلا قليلاً حتى بعثه عامله بريداً إلى داوود. وأتى داوودَ بكتبه. ثم انطلق إلى أهله، فأُخبِر أن نبي الله داوود أتى إلى بابه فسأل عنه وعن أهله. فلم يصل الرجل إلى أهله حتى رجع إِلى داوود، مخافة أن يكون حدث في أهله من الله أمر. فأتى داوودَ وقد فرغ من كتبه. وكتب إلى عامل ذلك الجند أن يجعله على مقدمة القوم. فأراد أن يقتل الرجل شهيداً ويتزوج امرأته حلالاً. إلا أن النية كانت مدخولة. فجعله على مقدمة القوم فقُتِل الرجل شهيداً. قال فبينما داوود في محرابه والحرس حوله إذ تسوّر عليه المحراب ملكان في صورة آدميين ففزع، فقالا: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا} أي وأرشدنا {إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} أي: إلى قصد الطريق. قال: قُصَّا قضيتكما. فقال أحدهما. {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: أَكْفِلْنِيهَا} أي: ضُمَّها إِلي {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أي: وقهرني في الخصومة. {قَالَ لَقَد ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}... إلى قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي وعلم داوود أنما ابتليناه {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً} أي ساجداً أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة يقيمها، أو لحاجة لا بد منها، أو لطعام يَتَبَلَّغ به. فأتاه ملك من عند الله فقال: يا داوود، ارفع رأسك فقد غفر الله لك. فعلم أن الله قد غفر له. ثم اراد أن يعرف كيف غفر الله مثل ذلك الذنب، فقال: يا ربّ، كيف تغفر لي وقد قتلتُه، يعني بالنية. فقال له ربه: استوهبُه نَفْسَه فيهبها لي فاغفرها لك. فقال: أي ربّ، قد علمت أنك قد غفرت لي.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} داود والله* {لَقَدْ ظَلَمَكَ} أخوك* {بِسُؤَالِ} أي باستجلاب {نَعْجَتِكَ} الواحدة* {إِلَى نِعَاجِهِ} التسع والتسعين واضافتها اليهن ولتضمين السؤال معنى الاستجلاب والاضافة تعدى بأل ونعجتك مفعولة أضيف اليه وانما أكد الظلم بالقسم واللام وقد مبالغة فى انكار فعل أخيه المخالط له وانما قال ذلك بعد اعتراف الخصم الاخر أو التقدير لقد ظلمك ان كان له الأمر كما يقول* {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَآءِ} أي الشركاء المتخالطين في الاموال* {لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي يظلم بعضهم بعضاً فيما تخالطوه أخبر بوقوع ذلك ليحذر وقريء بفتح الياء بعد الغين على تقدير نون التوكيد للحقيقة مدلولاً عليها بالفتح فان كان أوقف فالوقت هنا لا يحسن والا فحذفها لغير وقف ولا ساكن نادر ومنه كالضرورة قوله (أن اضرب عنك الهموم طارفها) وقوله: كما قيل اليوم خالف تعرف بفتح باء اضرب وفاء خالف وقريء بحذف الياء مدلولاً عليها بالكسرة* {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فانهم لا يظلمون أحداً* {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} (ما) زائدة لتأكيد القلة أو اسم نعت لقليل أي قليل عظيم فى الشأن أو في القلة وقليل خبر وهم مبتدأ وقيل (ما) زائدة للابهام والتعجب من قلتهم والتعجب من داود وهي أشد الاعمال ذكر الله على كل حال والانصاف من نفسك ومواساة الأخ في المال* {وَظَنَّ} أي رجح وقيل علم* {دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} بتشديد النون ادغاماً لنون الفعل في نون الضمير. وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر بالتخفيف فالضمير الألف راجعاً للخصمين والجمهور على الأول أي اختبرناه أو أوقعناه في فتنة وبلية أو ابتليناه بالذنب وامتحناه بتلك الحكومة هل ينتبه. قال المفسرون: تمنى داود يوماً منزلة آبائه ابراهيم واسحق ويعقوب فقال: يا رب أرى الخير ذهب به آبائى. فقال: لصبرهم على البلاء ابتليت ابراهيم بنمرود وذبح ابنه اسماعيل أو اسحاق، واسحاق أيضاً بذهاب بصره ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره فقال: لو بليتنى لصبرت على مثل ذلك فقال: أبلوك في شهر كذا في يوم كذا فلما كان اليوم دخل محرابه وأغلق الباب وجعل يصلي ويقرأ الزبور فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب فيها كل لون حسن جناحاها من الدر والياقوت والزبرجد فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها فمد يده ليريها بني اسرائيل فينظروا قدرة الله فطارت ووقعت حيث يطمع فيها فمد يده فطارت الى كوة، فذهب ليأخذها فطارت فاتبعها بصره ليرى أين تقع فيبعث من يصيدها فأبصر امرأة في بستان على شط بركة تغتسل وقيل رآها على سطح لها ولم ير مثلها فأبصرت ظله فنفضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك عجباً فسأل فقيل تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنان وزوجها في غزوة بالفلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود فكتب الى ابن أخته أن يبعث أوريا الى موضع كذا ويقدمه أمام التابوت وكان من قدم أمامه لا يحل له أن يرجع الى ورائه حتى يفتح أو يموت فبعثه ففتح له فكتب الى داود بذلك فكتب اليه أن ابعثه الى عدو كذا وكذا وكان أشد فبعثه فمات في المرة الثالثة فلما انقضت عدتها تزوجها وولدت سليمان. وهذا الابتلاء بالخصمين كان بقليل بعد دخوله على المرأة وهذه القصة زعمها بعض مروية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة. وقال بعضهم ان الطائر من الجنة وعن بعض أنه أرسل أوريا الى الجهاد مراراً لذلك حتى مات وأول بعضهم ذلك بأنها حينئذ لم تكن زوجة أوريا بل خطبها فقط فسموها زوجته واستنزله عنها وهي زوجته وكان ذلك حلالاً عندهم فيما قيل وقيل: استنزله ولم يحل له وذلك كله افتراء يجب تنزيه داود عنه وانما أثبته الاحباريون من أهل الكتاب ونقله بعض المفسرين ولا يلتفت اليه. وروي عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان من حدث بحديث ما يرويه القصاص جلدته ماية وستين جلدة" تفسير : وهكذا. روى عن علي وذلك حد الفرية على بنى ضعف حد الافتراء على الغير ولو نسب ذلك الى واحد من الناس لاستنكف منه فكيف بأمين صفي لله نبي ولا دليل عليه فى الكتاب ولا فى السنة وقد أثنى الله على داود قبل هذه القصة وبعدها فكيف يذمه بين مدحه ولو جرى هذا فى كلام أحد لاستهجنه العقلاء فكيف يقع فى كلام الله؟ وقيل: ان داود أحب أن يقتل أورياء فيتزوج امرأته واعترض هذا وما تقدم بأنه منزه عن السعي في أن يقتل مسلماً بغير حق وعن الطمع في زوجته حتى يتوصل بذلك وعن محبة قتل مسلم. وروي عن ابن مسعود أنه التمس من الرجل أن ينزل عن امرأته أي يطلقها قيل: وكان ذلك حلالاً في ذلك الزمان ولكن عاتبه الله وأنكر شغله بالدنيا ورغبته فيها حتى كان منه ذلك وقد أغناه الله بتسع وتسعين. وحكى هذا القول عن علماء محققين من أهل التفسير وقيل: انه جزأ الدهر يوماً لنسائه ويوماً للعبادة ويوماً لبني اسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويتباكون ويوماً للقضاء فجاء يومهم وقالوا هل يأتي على الانسان يوم لا يصيب ذنباً فأضمر في نفسه أنه يطيق ذلك فهذا ذنبه وقيل ذكروا فتنة النساء فأضمر انه ان ابتلي صبر وامتنع ولما كان يوم عبادته جاءته الحمامة وفعل ما مر أولاً وقيل: تمنى أن تكون امرأة أورياء له فلما بلغه موته لم يجزع كما جزع على غيره من جنده فتزوجها فذنبه عدم جزعه وذنوب الأنبياء وان صغرت عظيمة عند الله وقيل أن أورياء خطبها ووطن عليها فلما غاب خطبها داود فتزوجته لجلاله فاغتم أورياء لذلك فعاتبه الله لكونه لم يترك هذه التي هي واحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون ولخطبته على خطبة أخيه وللرغبة ولعل الخطبة على خطبة المسلم حلال عندهم ويدل على هذا القول قوله {أية : وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ} تفسير : وقيل: إنه لما قال: لو بلوتني لصبرت بعث الله الملكين فتسوروا عليه فتحاكما وقضى للأول قبل سماع قول الآخر بقوله: {لقد ظلمك بسؤال}... الخ، ولا حمامة ولا امرأة وانما مثل مثالاً وقيل: بثبوتهما والذنب الحكم قبل السماع وقيل: حكمه رجلان فحكم قبل السماع وقيل: انه ما زال يجتهد فى العبادة حتى برز له حافظاه من الملائكة فكانا يصليان معه فاستأنس بهما فقال: بم وكلتهما؟ فقالا: نكتب صالح عملك ونوفقك ونصرف عنك السوء فقال في نفسه ليت شعري لو خليت ونفسي وتمنى ذلك ليعلم كيف يكون فأمرهم باعتزاله ليعلم بأنه لا غنى به عن الله ففقدهما فجد واجتهد الى أن ظن أنه غلب نفسه فأراه الله ضعفه بارسال الطائر المذكور والقصة المذكورة وقيل: قال لبني اسرائيل: أعدلن بينكم ولم يستثن فابتلي وقيل: أعجبه عمله فأرسل اليه ملكين في صورة رجلين قيل جبرائيل وميكائيل فطلبا الدخول فمنعهما الحرس فتسوروا عليه وهو يصلي وقيل: تسور قوم لقتله فوجدوا عنده ناساً فادعيا التخاصم فعلم غرضهم فأراد الانتقام فظن أن ذلك ابتلاء من الله* {فاستغفر ربه} أي سأله الغفران ولذا تعدى ومن قدر اللام فعلى معنى الخضوع أو معنى أنه قال لربه اغفر لي والفتن والاستغفار والانابة والغفران ولو دل على الذنب لكن لا ذنب غير أن مقام النبوة أشرف المقامات فيطالبون بأكمل الاوصاف فاذا نزلوا عنها الى طبع البشر عاتبهم الله وغفر لهم كما قيل (حسنات الأبرار سيئات المقربين) بل قد قيل: (أنه ما فعل ولكنه هم). قال ابن عباس: لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا عن صورتهما وعرجا وهما يقولان يقضي الرجل على نفسه وهو يرى خروجهما وقيل: لما قضى تبسما وذهبا ولم يرهما فعلم أنه معنى {فاستغفر ربه}* {وَخَرَّ رَاكِعاً} أي ساجداً وعبر بالركوع عن السجود لان فيه انحناء كالسجود وقيل خر راكعاً ثم سجد ومكث فى سجوده أربعين ليلة باكياً حتى نبت الزرع من دموعه وعلى رأسه وأكلت الأرض من جبهته وقال فى سجوده: رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب، رب ان لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنوبه حديثاً فى الخلق من بعده سبحان الملك الاعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور الهي بأي عين أنظر اليك أي الى رحمتك أو أنتظرها كما ينظر الظالمون من طرف خفي سبحان خالق النور الهي بأي قدم أقوم أمامك يوم القيامة يوم تزل أقدام الخاطئين سبحان خالق النور الهي من أين يطلب العبد المغفرة الا من عند سيده سبحان خالق النور الهي اني لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك سبحان خالق النور الهي اني لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم سبحان خالق النور الهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب سبحان خالق النور الهي كيف تستر الخاطئون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا سبحان خالق النور الهي قد علمت سري وعلانيتي فأقبل عذري سبحان خالق النور الهى اغفر ذنبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني سبحان خالق النور الهى أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التى أوبتني سبحان خالق النور الهى فررت اليك بذنوبى واعترفت بخطيئتي اللهم رب اغفر للخاطئين ولا تخزني يوم الدين سبحان خالق النور؛ وجاءه جبريل على تمام الأربعين يوماً التي سجدها ولم يأكل ولم يشرب فقال: ان الله قد غفر لك ما هممت به فدام على بكائه على هيئة من يصدق بالغفران فقال له ما أشبه أولك بآخرك! فقال داود علمت أن الله قادر ولكنه عدل لا يميل فكيف بأورياء اذا جاء يوم القيامة فقال ربي دمي الذي عند داود فقال جبرائيل ما سألت ربي عن ذلك وان شئت فعلت؟ فقال: نعم فعرج جبريل وسجد داود ما شاء الله ثم نزل جبريل فقال: سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني اليه فقال: قل لداود أن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك الذي عند داود فيقول هو لك يا رب فيقول فان لك في الجنة ما شئت عوضاً وقيل: نودي يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن فتسق أم مظلوم فتنصر فاشتد عليه الأمر لأنه أجيب في غير مطلب فنحب نحبة احترق لحرها العشب ثم أنزل توبته وقيل: قال الله (قد غفرت لك) فقال كيف وأنت لا تظلم أحداً؟ فقال: اذهب الى قبر أورياء فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس على قبره ونادى يا أورياء فقال من ذا الذي قطع عليّ لذاتي وأيقظني؟ قال: أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله؟ قال أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني اليك قال وما كان منك اليّ قال: عرضتك للقتل قال: عرضتني للجنة فأنت في حل فأوحى الله يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالتعنت الا ما أعلمته انك قد تزوجت امرأته فرجع فناداه فأجابه من ذا الذي قطع عليّ لذتى قال أنا داود قال يا نبي الله أليس قد عفوت عنك؟ قال نعم ولكني فعلت بك لمكان امرأتك أي لمكانها في قلبي وقد تزوجتها فسكت ولم يجبه فدعاه مرة أخرى فلم يجبه فدعاه فلم يجبه فقام عند قبره يحثو التراب على رأسه قائلاً الويل لداود اذا نصبت الموازين بالقسط؛ سبحان خالق النور! الويل لداود حين يسحب على وجهه مع الخاطئين الى النار سبحان خالق النور. فأتاه نداء من السماء يا داود قد غفرت ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك قال يارب كيف وصاحبي لم يعف عني؟ قال يا داود أعطيه من الثواب يوم القيامة مالم تر عيناه ولم تسمع أذناه فأقول له ارض عن عبدي وقيل: يقول ارض يا عبدي فيقول يا رب من أين لى هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول هذا عوض عن عبدي داود فاستوهبك منه فيهبك لي فقال الآن قد عرفت أنك غفرت لي فذلك قوله: {فاستغفر ربه وخر راكعاً}.. الخ. أي ساجداً كما مر أو راكعاً ثم ساجداً كما مر أو خر مصلياً والوجه الأول أن في الركوع انحناء كما في السجود أو لانه متصل بالسجود ومبدى له ووجه تفسيره بالمصلى أن الركوع بعض الصلاة وكأنه أحرم بركعتي الاستغفار* {وَأَنَابَ} أى رجع الى الله بالتوبة وهذا تمام آية السجدة وهذه السجدة من عزائم السجود عندنا معشر الاباضية وعند أبي حنيفة وأحمد وفي رواية عنه وثبت سجود النبي صلى الله عليه وسلم فيها وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكراً. وعن مجاهد: سألت ابن عباس عنها فقال: وما نقرأ {أية : ومن ذريته داود وسليمان} تفسير : الى {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به فسجدها داود وسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له أبو سعيد الخدري: رأيت أنى في النوم أكتب سورة (ص) فلما بلغت (وأناب) سجد القلم ورأيت في منام آخر شجرة تقرأ سورة (ص) فلما بلغت (وأناب) سجدت وقال اللهم أكتب لي بها أجراً وحط عني بها وزراً وارزقني بها شكراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : وسجدتها أنت يا أبا سعيد قال: لا، قال: أنت أحق بها من الشجرة" تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية فسجد، فقال: كما قالت الشجرة. وروي عن ابن عباس: جاء رجل اليه صلى الله عليه وسلم وقال رأيت في المنام أني أصلي خلف شجرة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي وسمعتها تقول: (اللهم أكتب لي بها أجراً وحط بها عني وزراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها منى كما تقبلتها من عبدك داود) وليس في هذه الرواية تعيين سجدة الرجل وهل هي سجدة الصلاة أم بعد التلاوة. قال ابن عباس: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ (السجدة) فسجد فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة. وقال الشافعي: ليست سجدة (ص) من عزائم سجود التلاوة لانها توبة نبي فلا يجب سجودها، وكذا روي عن أحمد وابن عباس ويؤيده رواية أبى سعيد الخدري حديث : بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر سورة (ص) ولما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه ولما كان في يوم آخر قرأها وبلغ السجدة فتشوف الناس للسجود أي تهيأوا فقال صلى الله عليه وسلم "انما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشوفتم" تفسير : فنزل فسجد فسجدوا وقرأ انابة داود وغفران الله له المشار اليه بقوله {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ}

اطفيش

تفسير : {قالَ} داود {لَقَد ظَلَمك} والله لقد ظلمك فى صورة كلامك أن أن تحققت وصدقت فيها، وهذا حكم قبل كلام المدعى عليه وهو ضعيف، وخلاف الأصل ولو شرط له التحقق والصدق، كما رأيته مقدرا واذا صرنا الى التقدير، ولا بد فلنقدر هكذا، وأقر المدعى عليه أو نقدر، قال: ما تقول أنت؟ فقال: صدق خصمى، فقال داود: لقد ظلمك {بسؤال نعْجتك إلى نِعَاجه} لئن لم ترجع أيها المدعى عليه المقر، لأكسرن الذى فيه عيناك، فتبسما ولم يرهما، أو رآهما صاعدين الى السماء، وقيل: ضحك، وقيل: قال خصم الرجل أى غلب أى داود، فعلم أنهما ملكان، وتمام ظنه أنه ابتلى بهما بعد تمام قوله: {وقليل ما هم} والسؤال الطلب، وعدى بإلى لأنه جلب لنعجة الى نعاجه. {وإنَّ كثيراً مَنَ الخُلَطاءِ} المختلطين بالشركة فى المال أو الملاحقة والجوار فيه {ليَبغى} يتعدى {بعْضُهم على بعْضٍ} يأخذ ما ليس له من مال خليطة كما ظلمك خصمك ظلما، عظيما بينا، لكل من علم به، اذا أخذ نعجتك الواحدة وخلاك بلا نعجة، وضمها إلى نعاجه الكثيرة اعراضا عن حق الله وحق الخلطة، وزاد داود التأكيد بالبيان اذ قال: وإن كثيرا الخ {إلا الَّذينَ آمنُوا وعَملوا الصالحات} استثناء متصل من الخلطاء، وان كان من كثيرا فمنقطع، لأن ما استثنى من الكثير هو القليل، والقليل هو مفهوم الكثرة، فلا يستثنى منه الذين آمنوا وقد حدوا على وجه لا ينقص. {وقليلٌ} خبر مقدم للحصر فى القلة {مَّا} حرف مزيد لتأكيد القلة، أو مفعول مطلق للتأكيد، أى قلة عظيمة، وتفيد ما فى مثل ذلك التعجيب أو التعجب فيما قال بعض المحققين {هُم} مبتدأ {وظنَّ داوُد أنَّما فتنَّاه} ما أردنا بذلك الا فتنة، ولو كان الحصر فى الهاء لقيل: انما فتنا اياه، والفتن الابتلاء، هل يعلم أنه المراد بذلك أو الابتلاء بما فعل حتى كانت قصة الخصامي؟ والمراد بالظن العام بدليل ما بعد، واعلم أن انما بالكسر فى افادة الحصر، والمعنى أردنا فتنته لا غيرها ولا تهم، {فاسْتَغَفَر ربَّه} مما صدر منه شبيها بقصة الخصمين {وخَرَّ راكعاً} أسرع كأنه سقط ولم يملك امساك نفسه كالجماد الملقى، والركوع الانحناء الموصل الى السجود، فهو راكع، أو لا ساجد ثانيا باتصال وانما يتم هذا لو كان قضاؤه بينهما حال قيامه، أو قام بعد قضائه فظن أنه فتن، والأولى أنه قضى قاعد وظن قاعد أنه فتن، وأنه سمى السجود ركوعا لجامع الانحناء، أو لأن الركوع سبب السجود من القائم الذى لا يتمالك الامساك، ولأن مريدا لسجود من قيام لا بد له من الانحناء كالراكع، والعرب تقول: نخلة راكعة، ونخلة ساجدة، ولو بمعنى مصليا، وليس فى الآية ما يدل على أن داود فى الصلاة، ولو جاء فى شرعنا صلاة ركعتين عند التوبة من الذنب، ولا يغنى الركوع عن السجود فى الصلاة، ولا فى سجود التلاوة لما رأيت من تأويل الآية، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة فسجد، فقال: " حديث : سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا" تفسير : {وأناب} الى الله بالتوبة.

الالوسي

تفسير : {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ } جواب قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل ذي النعجات الكثيرة وتهجين طمعه. وليس هذا ابتداء من داود عليه السلام إثر فراغ المدعى من كلامه ولا فتيا بظاهر كلامه قبل ظهور الحال لديه فقيل: ذلك على تقدير: لقد ظلمك إن كان ما تقول حقا؛ وقيل ثم كلام محذوف أي فاقر المدعى عليه فقال لقد ظلمك الخ ولم يحك في القرآن اعتراف المدعى عليه لأنه معلوم من الشرائع كلها أنه لا يحكم الحاكم إلا بعد إجابة المدعى عليه، وجاء في رواية أنه عليه السلام لما سمع كلام الشاكي قال للآخر ما تقول فأقر فقال له: لترجعن إلى الحق أو لأكسرن الذي فيه عيناك، وقال للثاني: {لَقَدْ ظَلَمَكَ } الخ فتبسما عند ذلك وذهبا ولم يرهما لحينه، وقيل: ذهبا نحو السماء بمرأى منه، وقال الحليمي: إنه عليه السلام رأى في المدعي مخايل الضعف والهضيمة فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول فدعاه ذلك إلى أن لا يسأل المدعى عليه فاستعجل بقوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ } ولا يخفى أنه قول ضعيف لا يعول عليه لأن مخايل الصدق كثيراً ما تظهر على الكاذب والحيلة أكثر من أن تحصى قديماً وحديثاً؛ وفيما وقع من إخوة يوسف عليه السلام ولم يكونوا أنبياء على الأصح ما يزيل الاعتماد في هذا الباب، وبعض الجهلة ذهب إلى نحو هذا، وزعم أن ذنب داود عليه السلام ما كان إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته. والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة كأنه قيل: لقد ظلمك بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب أو لقد ظلمك بسؤال نعجتك مضافة إلى نعاجه. {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء } أي الشركاء الذين خلطوا أموالهم الواحد خليط وهي الخلطة وقد غلبت في الماشية وفي حكمها عند الفقهاء كلام ذكر بعضاً منه الزمخشري {لَيَبْغِى } ليتعدى {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } غير مراع حق الشركة والصحبة. / {إلاَّ الَّذينَ ءَامَنُوا وَعَملُوا الصَّـٰلحَـٰت} منهم فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } أي وهم قليل جداً فقليل خبر مقدم و {هُمْ } مبتدأ و (ما) زائدة، وقد جاءت المبالغة في القلة من التنكير وزيادة (ما) الإبهامية ويتضمن ذلك التعجب فإن الشيء إذا بولغ فيه كان مظنة للتعجب منه فكأنه قيل: ما أقلهم. والجملة اعتراض تذييلي، وقرىء {ليبغي} بفتح الياء على تقدير حذف النون الخفيفة وأصله ليبغين كما قال طرفة بن العبد: شعر : اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس تفسير : يريد اضربن، ويكون على تقدير قسم محذوف وذلك القسم وجوابه خبر لإن، وعلى قراءة الجمهور اللام هي الواقعة في خبر إن وجملة {يبغي} الخ هو الخبر، وقرىء {ليبغ} بحذف الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ }تفسير : [الفجر: 4] وقوله: شعر : محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر تبالا تفسير : والظاهر أن قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء } الخ من كلام داود عليه السلام تتمة لما ذكره أولاً وقد نظر فيه ما كان عليه التداعي كما هو ظاهر التعبير بالخلطاء فإنه غالب في الشركاء الذين خلطوا أموالهم في الماشية وجعل على وجه استعارة النعجة ابتداء تمثيل لم ينظر فيه إلى ما كان عليه التداعي كأنه قيل: وإن البغي أمر يوجد فيما بين المتلابسين وخص الخلطاء لكثرته فيما بينهم فلا عجب مما شجر بينكم ويترتب عليه قصد الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الذين حكم لهم بالقلة وأن يكره إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم مع التأسف على حالهم وأن يسلى المظلوم عما جرى عليه من خليطه وأن له في أكثر الخلطاء أسوة أو كأنه قيل: إن هذا الأمر الذي جرى بينكما أيها الخليطان كثيراً ما يجري بين الخلطاء فينظر فيه إلى خصوص حالهما، قال في "الكشف": والمحمل الأظهر هذا. وعلى التقديرين هو تذييل يترتب عليه ما ذكر. ثم قال: ولعل الأظهر حمل الخلطاء على المتعارفين والمتضادين وأضرابهم ممن بينهم ملابسة شديدة وامتزاج على نحو: شعر : إن الخليط أجدوا البين فانجردوا تفسير : والغلبة في الشركاء الذين خلطوا أموالهم في عرف الفقهاء فذكر الخلطاء لا ينافي ذكر الحلائل إذ لم ترد الخلطة اهـ. وأنت خبير بأن ذلك وإن لم يناف ذكر الحلائل لكن أولوية عدم إرادة الحلائل وإبقاء النعجة على معناها الحقيقي مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان. {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة الظاهرة. وفي "البحر" لما كان الظن الغالب يقارب العلم استعير له، فالمعنى وعلم داود وأيقن بما جرى في مجلس الحكومة أن الله تعالى ابتلاه، وقيل لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم بذلك أنه تعالى ابتلاه، وجوز إبقاء الظن على حقيقته. وأنكر ابن عطية مجيء الظن بمعنى العلم اليقيني وقال: لسنا نجده في كلام العرب وإنما هو توقيف بين معتقدين غلب أحدهما على الآخر وتوقعه العرب على العلم الذي ليس بواسطة الحواس فإنه اليقين التام ولكن يخلط الناس في هذا ويقولون: ظن بمعنى أيقن إلى آخر ما أطال، ويفهم منه أن إطلاق الظن على العلم الاستدلالي حقيقة والمشهور أنه مجاز، وظاهر ما بعد أنه هنا بمعنى العلم. و {إِنَّمَا } المفتوحة على ما حقق بعض الأجلة لا تدل على الحصر كالمكسورة، ومن قال بإفادتها إياه/ حملاً على المكسورة كالزمخشري لم يدع الاطرد فليس المقصود هٰهنا قصر الفتنة عليه عليه السلام لأنه يقتضي انفصال الضمير، ولا قصر ما فعل به على الفعل لأن كل فعل ينحل إلى عام وخاص فمعنى ضربته فعلت ضربه على أن المعنى ما فعلنا به إلا الفتنة كما قال أبو السعود لأنه على ما قيل تعسف وإلغاز، ومن يدعي الاطراد يلتزم الثاني من القصرين المنفيين ويمنع كون ما ذكر تعسفاً وإلغازاً. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن بخلاف عنه {فتناه} بتشديد التاء والنون مبالغة، والضحاك {افتناه} كقوله على ما نقله الجوهري عن أبـي عبيدة: شعر : لئن فتنتني لهي بالأمس افتنتْ سعيداً فأمسى قد غوى كل مسلم تفسير : وقتادة وأبو عمرو في رواية {أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } بضمير التثنية وهو راجع إلى الخصمين. {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } إثر ما علم أن ما صدر عنه ذنب {وَخَرَّ رَاكِعاً } أي ساجداً على أن الركوع مجاز عن الجسود لأنه لإفضائه إليه جعل كالسبب ثم تجوز به عنه أو هو استعارة لمشابهته له في الانحناء والخضوع والعرب تقول نخلة راكعة ونخلة ساجدة، وقال الشاعر: شعر : فخر على وجهه راكعاً وتاب إلى الله من كل ذنب تفسير : وقيل أي خر للسجود راكعاً أي مصلياً على أن الركوع بمعنى الصلاة لاشتهار التجوز به عنها، وتقدير متعلق لخر يدل عليه غلبة فحواه لأنه بمعنى سقط على الأرض كما في قوله تعالى: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ }تفسير : [النحل: 26]. وقال الحسين بن الفضل: أي خر من ركوعه أي سجد بعد أن كان راكعاً، وظاهره إبقاء الركوع على حقيقته وجعل خر بمعنى سجد. والجمهور على ما قدمنا. واستشهد به أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه على أن الركوع يقوم مقام السجود في سجدة التلاوة وهو قول الخطابـي من الشافعية ولا فرق في ذلك بين الصلاة وخارجها كما في "البزازية" وغيرها. وفي "الكشف" قالوا أي الحنفية: إن القياس يقتضي أن يقوم الركوع مقام السجود لأن الشارع جعله ركوعاً وتجوز بأحدهما عن الآخر لقيامه مقامه وإغنائه غناءه. وأيدوه بأن السجود لم يؤمر به لعينه ولهذا لم يشرع قربة مقصودة بل للخضوع وهو حاصل بالركوع. فإن قلت: إن سجدة داود عليه السلام كانت سجدة شكر والكلام في سجدة التلاوة قلت: لا علي في ذلك لأني لم أستدل بفعل داود عليه السلام بل بجعل الشارع إياه مغنياً غناء السجود، ولأصحابنا يعني الشافعية أن يمنعوا أن علاقة المجاز ما ذكروه بل مطلق الميل عن الخصوع المشترك بينهما أو لأنه مقدمته كما قال الحسن: لا يكون ساجداً حتى يركع أو خر مصلياً والمعتبر غاية الخضوع وليست في الركوع اهـ. ولا يخفى أن المعروف من النبـي صلى الله عليه وسلم السجود ولم نقف في خبر على أنه عليه الصلاة والسلام ركع للتلاوة بدله ولو مرة وكذا أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وليس أمر القياس المذكور بالقوى فالأحوط فعل الوارد لا غير بل قال بعض الشافعية: إن قول الأصحاب لا يقوم الركوع مقام السجدة ظاهر في جواز الركوع وهو بعيد والقياس حرمته، وعنى صاحب "الكشف" بما ذكر في السؤال من أن سجدة داود عليه السلام كانت سجدة شكر أنها كانت كذلك من نبينا صلى الله عليه وسلم فقد أخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس أن النبـي/ صلى الله عليه وسلم سجد في {ص} وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً أي على قبول توبة داود عليه السلام من خلاف الأولى بعلي شأنه وقد لقي عليه السلام على ذلك من القلق المزعج ما لم يلقه غيره كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، وآدم عليه السلام وإن لقي أمراً عظيماً أيضاً لكنه كان مشوباً بالحزن على فراق الجنة فجوزى لذلك بأمر هذه الأمة بمعرفة قدره وأنه أنعم عليه نعمة تستوجب دوام الشكر إلى قيام الساعة، ولقصته على ما في بعض الروايات شبه لما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم في قصة زينب المقتضي للعتب عليه بقوله تعالى: {أية : وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ }تفسير : [الأحزاب: 37] الآية فيكون ذكرها مذكراً له عليه الصلاة والسلام ما وقع وما آل الأمر إليه مما هو أرفع وأجل فكأن ذلك اقتضى دوام الشكر بإظهار السجود له، ولعل ذلك وجه تخصيص داود بذلك مع وقوع نظيره لغيره من الأنبياء عليهم السلام فتأمله، ولا تغفل عن كون السورة مكية على الصحيح وقصة زينب رضي الله تعالى عنها مدنية، وينحل الإشكال بالتزام كون السجود بعد القصة فلينقر. وهي عند الحنفية إحدى سجدات التلاوة الواجبة كما ذكر في الكتب الفقهية، ومن فسر {خَرَّ رَاكِعاً } بخر للسجود مصلياً ذهب إلى أن ما وقع من داود عليه السلام صلاة مشتملة على السجود وكانت للاستغفار وقد جاء في شريعتنا مشروعية صلاة ركعتين عند التوبة لكن لم نقف في خبر على ما يشعر بحمل ما هنا على صلاة دواد عليه السلام لذلك وإنما وقفنا على أنه سجد {وَأَنَابَ } أي رجع إلى الله تعالى بالتوبة.

ابن عاشور

تفسير : أي علم داود بعد انتهاء الخصومة أن الله جعلها له فتنة ليشعره بحال فعلته مع (أُوريا) وقد أشعره بذلك ما دلّه عليه انصراف الخصمين بصورة غير معتادة، فعلم أنهما ملَكان وأن الخصومة صورية فعلم أن الله بعثهما إليه عَتْباً له على متابعة نفسه زوجةَ (أوريا) وطلبه التنازل عنها. وعبر عن علمه ذلك بالظن لأنه علم نظري اكتسبه بالتوسم في حال الحادثة وكثيراً ما يعبر عن العلم النظري بالظن لمشابهته الظن من حيث إنه لا يخلو من تردد في أول النظر. و {أنما} مفتوحة الهمزة أخت (إنما) تفيد الحصر، أي ظنّ أن الخصومة ليست إلاّ فتنة له، أو ظن أن ما صدر منه في تزوج امرأة أوريا ليس إلا فتنة. ومعنى {فتنَّاهُ} قدّرنا له فتنة، فيجوز أن تكون الفتنة بالمعنى المشهور في تدبير الحيلة لقتل (أوريا) فعبر عنها بالفتنة لأنها أورثت داود مخالفةً للأليق به من صرف نفسه عن شيء غيره، وعدم متابعته ميله النفساني وإن كان في دائرة المباح في دينهم، فيكون المعنى: وعلم أن ما صدر منه فتنة من النفس. وإنما علم ذلك بعد أن أحسّ من نفسه كراهية مثلها مما صوره له الخصمان. ويجوز أن يكون الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار، كقوله تعالى لموسى: {أية : وفتناك فتوناً}تفسير : [طه: 40]، أي ظن أنا اختبرنا زكانته بإرسال الملكين، يصور أن له صورةً شبيهةً بفعله ففطن أن ما فعله أمر غير لائق به. وتفريع {فاستغفر ربَّهُ} على ذلك الظنّ ظاهر على كلا الاحتمالين، أي لما علم ذلك طلب الغفران من ربه لِما صنع. وخرّ خروراً: سقط، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فخر عليهم السقف من فوقهم }تفسير : في سورة [النحل: 26]. والركوع: الانحناء بقصد التعظيم دون وصول إلى الأرض قال تعالى: {أية : تراهم ركعاً سجداً}تفسير : [الفتح: 29]، فذكر شيئين. قالوا: لم يكن لبني إسرائيل سجود على الأرض وكان لهم الركوع، وعليه فتقييد فعل {خرّ} بحال {رَاكِعاً} تمَجَّز في فعل {خرّ} بعلاقة المشابهة تنبيهاً على شدة الانحناء حتى قارب الخرور. ومن قال: كان لهم السجود جعل إطلاق الرجوع عليه مجازاً بعلاقة الإِطلاق. وقال ابن العربي: لا خلاف في أن الركوع هاهنا السجود، قلت: الخلافُ موجود. والمعروف أنه ليس لبني إسرائيل سجود بالجبهة على الأرض، ويحتمل أن يكون السجود عبادة الأنبياء كشأن كثير من شرائع الإِسلام كانت خاصة بالأنبياء من قبل كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132]، وتقدم قوله تعالى: {أية : وخروا له سجداً}تفسير : في سورة [يوسف: 100]. وكان ركوع داود عليه السلام تضرعاً لله تعالى ليقبل استغفاره. والإِنابة: التوبة: يقال: أناب، ويقال: نَاب. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب}تفسير : في سورة [هود: 75]. وعند قوله: {أية : منيبين إليه}تفسير : في سورة [الروم: 31]. وهنا موضع سجدة من سجود القرآن من العزائم عند مالك لثبوت سجود النبي صلى الله عليه وسلم عندها. ففي «صحيح البخاري» عن مجاهد «سألتُ ابن عباس عن السجدة في ص فقال: أوَ ما تقرأ {أية : ومن ذريته داوود وسليمان}تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90] فكان داود ممن أُمر نبيئكم أن يقتدِيَ به فسجدها داود فسجدها رسول الله». وفي «سنن أبي داود» عن ابن عباس «ليس ص من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها». وفيه عن أبي سعيد الخُدْري قال: «حديث : قرأ رسول الله وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود (أي تهيّأَوا وتحركوا لأجله) فقال رسول الله: إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزَّنْتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا»تفسير : ، وقول أبي حنيفة فيها مثل قول مالك ولم يرَ الشافعي سجوداً في هذه الآية إمَّا لأجل قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما هي توبة نبي»تفسير : فرجع أمرُها إلى أنها شرْعُ من قبلنا، والشافعي لا يرى شرع من قبلنا دليلاً. ووجه السجود فيها عند من رآه أن ركوع داود هو سجود شريعتهم فلما اقتدى به النبي صلى الله عليه وسلم أتى في اقتدائه بما يساوي الركوع في شريعة الإِسلام وهو السجود. وقال أبو حنيفة: الركوع يقوم مقام سجود التلاوة أخذاً من هذه الآية. واسم الإِشارة في قوله: {فغفرنا له ذٰلك} إلى ما دلت عليه خصومة الخصمين من تمثيل ما فعله داود بصورة قضية الخصمين، وهذا من لطائف القرآن إذ طوى القصة التي تمثَّل له فيها الخصمان ثم أشار إلى المطوي باسم الإِشارة، وأتبع الله الخبر عن الغفران له بما هو أرفع درجة وهو أنه من المقرّبين عند الله المرضيّ عنهم وأنه لم يوقف به عند حد الغفران لا غير. والزلفى: القربى، وهو مصدر أو اسم مصدر. وتأكيد الخبر لإِزالة توهم أن الله غضب عليه إذ فتنه تنزيلاً لمقام الاستغراب منزلة مقام الإِنكار. والمئاب: مصدر ميمي بمعنى الأوْب. وهو الرجوع. والمراد به: الرجوع إلى الآخرة. وسمي رجوعاً لأنه رجوع إلى الله، أي إلى حكمة البحْت ظاهراً وباطناً قال تعالى: {أية : إليه أدعو وإليه مئاب}تفسير : [الرعد: 36]. وحسن المئاب: حسن المرجع، وهو أن يرجع رجوعاً حسناً عند نفسه وفي مرأى الناس، أي له حسن رجوع عندنا وهو كرامة عند الله يوم الجزاء، أي الجنة يؤوب إليها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} الآية. قد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية، من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض الشيء، من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121]. واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {دَاوُودُ} {فَتَنَّاهُ} (24) فَقَالَ دَاوُدُ لِلْمُتَكَلِّمِ مِنَ الخَصْمَين: إِنَّ صَاحِبَكَ قَدْ ظَلَمَكَ وَجَارَ عَلَيْكَ إِذْ طَلَبَ مِنْكَ نَعْجَتَكَ الوَحِيدَةَ لِيَضُمَّهَا إِلَى نِعَاجِهِ. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ الذِينَ يَتَعَامَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَجورُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَثْنَاءَ التَعَامُلِ، إِلاَّ المُتَقَّينَ الصَّالِحِينَ، فَهَؤُلاَءِ يُرَاقِبُونَ اللهَ وَيَخْشَوْنَهُ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الظُّلْمِ والجَورِ وَلكِنَّ هَؤُلاَءِ قَلِيلُونَ. وَيَبْدُو أَنَّ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلامَ، أَصْدَرَ حُكْمَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ حُجَّةَ الخَصْمِ الآخَرِ، إِذْ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَهَا فَقَدْ يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ فِي النِّزَاعِ، مَعَ أَنَّ الحَكَمَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُسْتَثَارَ، وَأَنْ لاَ يُؤْخَذَ بِظَاهِرِ القَوْلِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَحَ الخَصْمَ الآخَرَ فُرْصَةً لِلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُمَحِّصَ وَيُدَقِّقَ فِيمَا يَعْرِضُه الخُصُومُ عَلَيْهِ لِكَيْلاَ يَصْدُرَ حُكْمُهُ عَنْ هَوىً وَانْفِعَالٍ. وَلَمَّا تَوَارَى الخَصْمَانِ - وَيَبْدُوا أَنَّهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ مُرْسَلَينِ إِلَيْهِ مِن اللهِ تَعَالَى - أَدْرَكَ دَاوُدُ أَنَّ اللهَ أَرَادَ اخْتِبَارَهُ وَفِتْنَتَهُ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ سَاجِداً تَائِباً. (وَقَدْ وَرَدَتْ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ لَهَا سَنَدٌ صَحِيحٌ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ فَيَحْسُنُ إِهْمَالُهَا). الخُلَطَاءِ - الشُّرَكَاءِ. فَتَنَّاهُ - امْتَحَنَّاهُ وَاخْتَبَرْنَاهُ. أَنَابَ - رَجَعَ إِلَى اللهِ بالتَّوْبَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} [ص: 24] نسب واحداً إلى الظلم {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} [ص: 24] أدخل شيئاً في حيثية الحكم وليس من حيثية الحكم، فهل لو لم يكُنْ له تسع وتسعون نعجة، أكان يحِلُّ له أنْ يقول لأخيه: اعطني نعجتك؟ إذن: هذه المسألة لا دخلَ لها في القضية لأنه ظالم، وإنْ لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولاً حكم قبل أنْ يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دَخْل فيه، وهو قوله: {إِلَىٰ نِعَاجِهِ} [ص: 24] فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده تسع وتسعون. وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} [ص: 24] أي: الشركاء {لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [ص: 24] المعنى: أن هذه القضية ليستْ قضية فذَّة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، فكثيراً ما يبغي شريكٌ على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أنْ يظلم، وما أشبه هؤلاء بالمقامِرين تراهم في الظاهر أحبَّة وأصدقاء، في حين أن كلاً منهم حريص على أخْذ ما في جيب الآخر. ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن هذه المسألة ليستْ على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، فمَنْ هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [ص: 24] لكنهم قليلون {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24] أي: أقلّ من القليل أو قليل جداً. والنبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه عز وجل في الحديث القدسي: "حديث : أنَا ثالث الشريكين ما لم يخُنْ أحدهما صاحبه، فإنْ خان خرجتُ من بينهما ". تفسير : يعني: إنْ تسَرَّب الظلم والخيانة إلى الشركة خرج الله تعالى منها، فمُحِقَتْ بركتها، وحَلَّ بها الخراب والخسران. ثم يقول تعالى مبيناً حال سيدنا داود بعد أنْ مَرَّ بهذه القضية: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} [ص: 24] يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم وأيقن، وكأن الحق سبحانه يُعلِّم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه المسألة، فكانت بالنسبة له (مطب) في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو في حضرة ربه من خَلْق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه حكم للأول قبل أنْ يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا دخلَ لها في المسألة. وكلمة {فَتَنَّاهُ} [ص: 24] أي: اختبرناه من قولهم: فتن الذهب على النار ليُخلِّصه من العناصر الخبيثة فيه. فلما علم سيدنا داود بذلك لم يتأَبَّ، إنما استغفر ربه من كل ذلك {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ ..} [ص: 24] أي: سقط على الأرض سقوطاً لا إرادياً، والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع؛ لذلك قال تعالى: {أية : يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} تفسير : [الإسراء: 107] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خرَّ ساجداً حالة كونه راكعاً قبل أنْ يسجد ومعنى {وَأَنَابَ} [ص: 24] رجع إلى الله بالتوبة. ثم تأتي النتيجة: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} [ص: 25] أي: ما كان منه {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} [ص: 25] قُرْبَى ومنزلة، ويكفي أنْ تُسبِّح معه الجبال، ويُردِّد معه الطير {وَحُسْنَ مَـآبٍ} [ص: 25] حُسْن مرجع ومردّ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} معناه من الشُّركاءِ. وقوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ} معناه أَيقنَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [ص: 24]، يشير إلى أن النفوس جبلت على الظلم والبغي وسائر الصفات الذميمة ولو كانت نفوس الأنبياء عليهم السلام، ثم استثني منهم أهل الإيمان والعمل الصالح بقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [ص: 24]؛ يعني: الذين آمنوا وعملوا أعمالاً صالحة لتزكية النفس عن صفاتها الذميمة، ثم قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24]؛ يعني: وقليل من أهل الإيمان أن يكون أعمالهم صالحة لتزكية النفس، وهم الأنبياء والأولياء، وفيه إشارة أخرى وهي: إن من شأن النبي والولي أن يحكم كل واحد منهم بين الخصوم بالحق، كما ورد الشرع به بتوفيق الله، وإن الواجب عليهم أن يحكموا على أنفسهم بالحق كما يحكمون على غيرهم، كما قال تعالى: {أية : كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} تفسير : [النساء: 135]، فلما انتبه داود عليه السلام أنه ما حكم على نفسه بالحق كما حكم على غيره كما أخبر الله تعالى بقوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص: 24]؛ أي: أناب واستغفر ورجع إلى ربه متضرعاً خاشعاً، باكياً بقية العمر، معتذراً عما جرى عليه، فتقبل الله منه ورحم عليه وعفا عنه. وقال: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} [ص: 25]؛ أي: لقربة بكل تفرع وخضوع وخشوع، وبكاء وأنين وحنين، وتأوه صدر منه {وَ} [ص: 25] له بهذه المراجعات، {حُسْنَ مَـآبٍ} [ص: 25] عندنا، وفيه إشارة أخرى وهي أن نعلم أن المعصوم عن عصمة الله عز وجل، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلله {أية : فَلاَ هَادِيَ لَهُ} تفسير : [الأعراف: 186]. ثم أخبر عن الهدى أنه مخالفة الهوى بقوله: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} [ص: 26]، يشير إلى معان مختلفة: منها: إن الخلافة الحقيقة ليست بمكتسبة للإنسان؛ إنما هي عطاء وفضل من الله {أية : فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الحديد: 21]، كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} [ص: 26]؛ أي: أعطيناك الخلافة. ومنها: إن استعداد الخلافة مخصوص بالإنسان، كما قال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 165]. ومنها: إن الإنسان وإن خلق مستعداً للخلافة، ولكن بالقوة فلا يبلغ درجتها بالكمال إلا الشذاذ منهم. ومنها: إن [خلافته] تتعلق بعالم المعنى، كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة، ولهذا إنما أخبر الله تعالى عن صورة آدم عليه السلام قال: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}تفسير : [ص: 71]، ولما أخبر عن معناه قال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30]، وقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1]، قال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [فاطر: 1]. ومنها: إن الروح الإنساني من الفيض الأول، وهو أول شيء تعلق بأمر "كن"، ولهذا نسبه إلى أمره، فقال تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء: 85]، ولما كان هو الفيض الأول إفاضة إلى ذاته تعالى، فقال: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [ص: 72]، فلما كان الروح هو الفيض الأول كان خليفة الله بذاته وصفاته، إما بذاته؛ فلأنه كان له وجود من وجوده بلا واسطة، فوجوده كان وجود خليفة وجود الله تعالى، وإما بصفاته؛ فلأنه كان له صفات أيضاً من وجود صفات الله بلا واسطة، فكل وجود وصفات يكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة الله بالذات والصفات،... هلم جرّاً إلى أن يكون القالب الإنساني وهو أسفل سافلين الموجودات، وآخر شيء لقبول الفيض الإلهي، وأقل حظ من الخلافة، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض خلق لخليفة روحه منزلاً صالحاً لنزول الخليفة فيه وهو قالبه، وأعد له عرشاً فيه ليكون محل استوائه عليه وهو القلب، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله التي فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضاً من الله تعالى، فائضاً بخلافة القلب على القالب، والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا وهي أرض الله، فتكون الروح بهذه الأسباب والآلات خليفة الله في أرضه بحكمه وأمره بتواقيع الشرائع. ومنها: إن من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق، والإعراض عن الهوى، وترك متابعته، كما أن من خصوصية أكل الحلال العمل الصالح، قال تعالى: {أية : كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} تفسير : [المؤمنون: 51]. ومنها: إن الله تعالى جعل داود الروح خليفة في أرض الإنسانية، وجعل القلب والسر، والنفس والقالب، والحواس والقوى، والأخلاق والجوارح والأعضاء كلها رعية له، ثم على قضية "حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"تفسير : ، أمر بأن يحكم بين رعيته بالحق؛ أي: بأمر الحق تعالى، وقال: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ} [ص: 26] ؛ أي: لا بأمر الهوى، ثم اعلم أن الله تعالى خلق الهوى في الباطل على صفة الضلالة مخالفاً للحق تعالى، فإن من صفة الهداية والحكمة في خليفته ليكون هادياً إلى الحضرة بضدية طبعه ومخالفة أمره، كما أن الحق تعالى كان هادياً إلى حضرته بنور ذاته وموافقة أمره؛ ليسير السائر إلى الله على قدمي موافقة أمر الله ومخالفة هواه؛ ولهذا قالت المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله. ومنها: إن أعظم جنايات العبد وأقبح خطاياه متابعة الهوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عبد إله في الأرض أبغض على الله من الهوى ". تفسير : ومنها: إن للهوى كمالية في الإضلال لا توجد في غيره؛ وذلك لأنه يحتمل أن يتصرف في الأنبياء بإضلالهم عن سبيل الله، كما قال لداود عليه السلام في هؤلاء: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} [ص: 26]، يشير إلى أن الضلال الكبير؛ هو الانقطاع عن طلب الحق، ومن ضل عن طريق الطلب مأخوذ بعذاب شديد القطيعة والحرمان من القرب وجوار الحق، وذلك {بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} [ص: 26]؛ وهو يوم يجازي فيه كل محق بقدر هدايته، وكل مبطل بحسب ضلالته.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 829 : 12 : 7 - سفين عن ليث عن مجاهد، فلما خرج داود، صلى الله عليه وسلم ساجداً، نبت العشب من دموعه. فنودي: "يا داود، أجائع أنت، فنطعمك؟ أعطشان أنت، فنسقيك؟ أعارٍ أنت، فنكسوك"؟ فلما سمع ان ذنبه لا يذكر، جعل ينتفض النفضة، حتى يزول كل عضو منه من مكانه. فحينئذ غفر له. [الآية 24].