تفسير : {قال} اى هود عليه السلام سالكا طريق حسن المجادلة مع ما سمع منهم من الكلمة الشنعاء الموجبة لتغليظ القول والمشافهة بالسوء وهكذا ينبغى لكل ناصح {يا قوم ليس بى سفاهة} اى شئ منها ولا شائبة من شوائبها والباء للملابسة او للظرفية {ولكنى رسول من رب العالمين} اى لكنى فى غاية الرشد والصدق لانى رسول رب العالمين فالاستدراك باعتبار ما يلزمه وهو كونه فى الغاية القصوى من الرشد والصدق. والرشد هو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا وهو انما يكون بالعقل التام.
الطوسي
تفسير : هذه الآية فيها إِخبار عما قال هود (ع) لقومه مجيبا لهم حين قالوا له:
{إِنا لنراك في سفاهة} وأنه قال {ليس بي سفاهة} وموضع {قوم} نصب، لانه نداء مضاف فلو وصفته لما جاز في صفته الا النصب، وانما حذفت بالاضافة، لان النداء أحق بالحذف الذي يكون في غيره لقوة اليقين فيه.
وقوله {ولكني رسول من رب العالمين} استدراك بـ (لكن) لان فيه معنى ما دعاني الى امركم السفه، ولكن دعاني اليه أني رسول من رب العالمين.
وقد بينا أن (من) ها هنا بمعنى ابتداء الغاية، والتقدى المبتدىء بالرسالة رب العالمين والمنتهى اليه الرسالة لامته، لانه ارسل اليهم.
الهواري
تفسير : {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ
رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ} أي ادعوكم إلى الله وإلى ما ينفعكم في الدنيا والآخرة
{أَمِينٌ} على ما جئتكم به من عند الله.
قوله: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بيان من ربكم {عَلَى رَجُلٍ
مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} عذاب الله في الدنيا والآخرة، ولم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر أمته
عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة إن لم يؤمنوا.
{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أي استخلفكم في الأرض
بعدهم. {وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَسْطَةً} يعني الأجسام والقوة التي أعطاكم. قال الله:
(أية :
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلاَدِ) تفسير : [الفجر:8].
قوله: {فَاذْكُرُوا ءَالاَءَ اللَّهِ} أي نعماء الله. وقال بعضهم: نعمة الله
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا.
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ} دعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة
الأصنام. {وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا} يعنون أصنامهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ
الصَّادِقِينَ}.
{قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ} أي قد وجب عليكم من ربكم رجس،
والرجس العذاب {وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم} يعني
أصنامهم {مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي من حجة تأمركم بعبادتها {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ} أي فارتقبوا إني معكم من المرتقبين، فإن عذاب الله نازل
بكم.
{فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ} يعني من ءامن معه {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي: بمنّ منا
{وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي أصلهم {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ}.
اطفيش
تفسير : {قالَ يا قَومِ لَيسَ بى} أى فىَّ {سفاهةٌ ولكنِّى رسُولٌ مِنْ ربِّ العالَمينَ أبلِّغكُم رسالاتِ ربِّى وأنَا لكم ناصِحٌ} فى ذلك كله ما مر فى قصة نوح كله، والمعنى والنكتة، وقراءة أبى عمرو، غير أن السفاهة بالتاء فى كلامه وكلامهم بخلاف الضلالة هنالك، ولكن عبَّر هود بناصح، ونوح بأنصح، لأن نوحا كان أكثر دعوة لقومه إلى الإسلام، فعبر بالمضارع الدال على التجدد، وقدم لكم هنا للحصر لأنه أرسل إلى قومه خاصة وهم عاد، وأما غيرهم فلم يرسل إليهم فضلا عن أن يتصف بالنصح لهم، ولو عاملهم أو قاولهم لنصحهم، فإن كان ناصح من نصحته فاللام للتقوية للضعف الحاصل بالتقدم وبتلو خفية، وإن كان من نصحت له فهى كالتى بعد الفعل وهو أنسب لقصة نوح إذ قال: {أية :
وأنصح لكم} تفسير : وكلتاهما تفيد التأكيد، لكنها فى الوجه الثانى أشد توكيدا وعليه قصة نوح.
{أمينٌ} على الوحى لا أزيد ولا أنقص، أو أمين من الكذب والغش مطلقا أو أراد أمين فى ذلك كله، فإن كانوا قد اعتبروا فيه ذلك المذكور من النصح والأمن فإنما ذكر ذلك لهم تنبيها على ما عرفوه منه واعتقدوه ليعملوا لمقتضاه فيؤمنوا به، وإلا فإنما أخبرهم بذلك ليعرفوا حاله فيصدقوه، لجواز مدح الإنسان نفسه بما فيه لمن لا يعلمه لمصلحه، بل هو هنا واجب، لأنه تقرير للرسالة والنبوة، وانظر كيف تجيب الرسل قومهم بحلم وإغضاء، وبما هو أجاب لهم، وترك مقابلتهم بمثل ما قالوا من التسفيه والإضلال، وفى ذلك تأديب وتعليم لنا، كيف تخاطب السفهاء، ولا سيما غيرهم وإلا كنا منفرين لهم عن الإسلام والحق، ومبعدين لهم ومميتين للدين، اللهم أصلحنا واعف عنا، قد يكون التغليظ أليق فى موضع.
الالوسي
تفسير :
{قَالَ } عليه السلام مستعطفاً لهم أو مستميلاً لقلوبهم: {يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ} أي شيء منها فضلاً عن تمكني فيها كما زعمتم / {وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} والرسالة من قبله تعالى تقتضي الاتصاف بغاية الرشد والصدق، ولم يصرح عليه السلام بنفي الكذب اكتفاءً بما في حيز الاستدراك. وقيل: الكذب نوع من السفاهة فيلزم من نفيها نفيه، و {مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية.
ابن عاشور
تفسير :
فُصلت جملة: {قال} لأنّها على طريقة المحاورة، وقد تقدّم القول فيها آنفاً وفيما مضى.
وتفسير الآية تقدّم في نظيرها آنفاً في قصّة نوح، إلاّ أنّه قال في قصّة نوح {أية :
وأنْصح لكم}تفسير : [الأعراف: 62] وقال في هذه {وأنا لكم ناصح أمين} فنوحٌ قال ما يدلّ على أنّه غير مُقلع عن النّصح للوجه الذي تقدّم، وهود قال ما يدلّ على أنّ نصحه لهم وصف ثابت فيه متمكّن منه، وأن ما زعموه سفاهةً هو نصح.
وأُتبع {ناصح} بــــ {آمين} وهو الموصوف بالأمانة لردّ قولهم له: {أية :
لنظنّك من الكاذبين}تفسير : [الأعراف: 66] لأنّ الأمين هو الموصوف بالأمانة، والأمانة حالة في الإنسان تبعثه على حفظ ما يجب عليه من حقّ لغيره، وتمنعه من إضاعته، أو جعله لنفع نفسه، وضدّها الخيانة.
والأمانةُ من أعزّ أوصاف البشر، وهي من أخلاق المسلمين، وفي الحديث: «حديث :
لاَ إيمَانَ لِمَنْ لاَ أمان له» تفسير : وفي الحديث: «حديث :
إنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال ثم عَلِمُوا من القرآن ثمّ عَلِمُوا من السُّنَّة ــــ ثمّ قال ــــ يَنام الرجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه ــــ إلى أن قال ــــ فيقال: إنّ في بني فلان رَجُلاً أميناً ويقال للرّجل ما أعْقَله وما أظرفه وما أجْلَده وما في قلبه مثقالُ حبّة من خَرْدَلٍ من إيمان» تفسير : فذَكَر الإيمان في موضع الأمانة. والكذبُ من الخيانة، والصّدق من الأمانة، لأنّ الكذب الخبر بأمر غير واقع في صورة توهم السّامع واقع، فذلك خيانة للسّامع، والصّدق إبلاغ الأمر الواقع كما هو فهو أداء لأمانةِ ما علِمَه المخبرُ، فقوله في الآية {أمين} وصف يجمع الصّفات التي تجعله بمحلّ الثّقة من قومه، ومن ذلك إبطال كونه من الكاذبين.
وتقديم {لكم} على عامله للإيذان باهتمامه بما ينفعهم.
تفسير : وفي هذا القول نفي للاتهام بالسفاهة، وإبلاغ لهم بأنه مبلّغ عن الله بمنهج تؤديه الآية التالية وهي قوله الحق: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ...}