Verse. 1023 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاۗءَكُمْ ذِكْرٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ عَلٰي رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ۝۰ۭ وَاذْكُرُوْۗا اِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاۗءَ مِنْۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوْحٍ وَّزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْۜطَۃً۝۰ۚ فَاذْكُرُوْۗا اٰلَاۗءَ اللہِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ۝۶۹
AwaAAajibtum an jaakum thikrun min rabbikum AAala rajulin minkum liyunthirakum waothkuroo ith jaAAalakum khulafaa min baAAdi qawmi noohin wazadakum fee alkhalqi bastatan faothkuroo alaa Allahi laAAallakum tuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو عجبتم أن جاءكم ذِكْرٌ من ربكم على» لسان «رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء» في الأرض «من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة» قوة وَطَوْلا وكان طويلهم مائة ذراع وقصيرهم ستين «فاذكروا آلاء الله» نعمه «لعلكم تفلحون» تفوزون.

69

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ } لسان {رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ } في الأرض {مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً } قوّة وطولاً، وكان طويلهم مائة ذراع وقصيرهم ستين {فَٱذْكُرُواْ ءَالآءَ ٱللَّهِ } نِعَمَه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون.

ابن عطية

تفسير : قد تقدم القول في مثل {أو عجبتم} و "الذكر" لفظ عام للمواعظ والأوامر والنواهي، وقوله تعالى: {اذكروا} الآية، تعديد للنعم عليهم، و {خلفاء} جمع خليف كظريف وظرفاء، وخليفة جمع خلائف، والعرب تقول خليفة وخليف، وأنشد أبو علي: شعر : فإن يزل زائل يوجد خليفته وما خليف أبي وهب بموجود تفسير : قال السدي وابن إسحاق: والمعنى جعلكم سكان الأرض بعد قوم نوح، وقوله: {وزادكم في الخلق بصطة} أي في الخلقة، والبصطة الكمال في الطول والعرض، وقيل زادكم على أهل عصركم، قال الطبري: المعنى زادكم على قوم نوح وقاله قتادة. قال القاضي أبو محمد: واللفظ يقتضي أن الزيادة هي على جميع العالم، وهو الذي يقتضي ما يذكر عنهم، وروي أن طول الرجل منهم كان مائة ذراع وطول أقصرهم ستون ونحو هذا. و "الآلاء": جمع "إلا" على مثال معى، وأنشد الزجّاج: [للأعشى] شعر : أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحماً ولا يخون إلا تفسير : وقيل واحد الآلاء "ألا" على مثال قفى, وقيل واحدها "إلى" على مثال حسى وهي النعمة والمنة، و {تفلحون}: معناه تدركون البغية والآمال، قاله الطبري وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إسحاق من ولد عاد ابن إرم ابن عوص بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم الشحر من أرض اليمن وما وإلى حضرموت إلى عمان، وقال السدي وكانوا بالأحقاف وهي الرمال، وكانت بلادهم أخصب بلاد فردها الله صحارى، وقال علي بن أبي طالب: إن قبر هود عليه السلام هنالك في كثيب أحمر يخالطه مدرة ذات أراك وسدر، وكانوا قد فشوا في جميع الأرض وملكوا كثيراً بقوتهم وعددهم وظلموا الناس، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، وكانوا أصحاب أوثان منها ما يسمى صداء ومنها صمودا ومنها الهنا فبعث الله إليهم هوداً من أفضلهم وأوسطهم نسباً فدعاهم إلى توحيد الله وإلى ترك الظلم. قال ابن إسحاق: لم يأمرهم فيما يذكر بغير ذلك فكذبوه وعتوا واستمر ذلك منهم إلى أن أراد الله إنفاذ أمره أمسك عنهم المطر ثلاث سنين، فشقوا بذلك وكان الناس في ذلك الزمان إذا أهمهم أمر فزعوا إلى المسجد الحرام بمكة فدعوا الله فيه تعظيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل مكة يومئذ العماليق وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بكر، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وفداً إلى مكة يستسقون الله لهم، فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال وعثيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه وجلهمة بن الخبيري في سبعين رجلاً من قومهم، فلما قدموا مكة نزلواعلى معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم فأنزلهم وأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم وقد بعثهم عاد للغوث أشفق على عاد وكان ابن أختهم كلهدة بن الخبير أخت جلهمة، وقال هلك أخوالي وشق عليه أن يأمر أضيافه بالانصراف عند فشكا ذلك إلى قينة فقالت له اصنع شعراً نغني به عسى أن ننبههم فقال: [الوافر] شعر : ألا يا قيل ويحك قم فهينمْ لعل الله يصحبنا غماما فيسقي أرض عاد إن عاداً قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم عياما وإن الوحش تأتيهم جهاراً ولا تخشى لعاديَّ سهاما وأنتمْ ها هنا فيما اشتهيتم نهارَكمُ وليلكمُ التماما فَقُبِّحَ وفدُكمْ من وفدِ قَوْمٍ ولا لُقُّوا التحيَّةَ والسَّلاما تفسير : فغنت به الجرادتان فلما سمعه القوم قال بعضهم يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حل بهم فادخلوا هذا الحرم وادعوا لعل الله يغيثهم فخرجوا لذلك فقال لهم مرثد بن سعد إنكم والله ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم به سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذ فخالفه الوفد، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر احبسا عنا مرثداً ولا يدخل معنا الحرم، فإنه قد اتبع هوداً ومضوا إلى مكة فاستسقى قيل بن عنز، وقال يا إلهنا إن كان هود صالحاً فاسقنا فإنّا قد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثاً بيضاء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب يا رماداً رمدداً لا تبقي من عاد أحداً، لا والداً ولا ولداً، إلا جعلتهم همداً، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث، فلما رأوها قالوا هذا عارض ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة من عاد يقال لها مهد، فصاحت وصعقت فلما أفاقت قيل لها ما رأيت؟ قالت رأيت ريحاً كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم ثمانية أيام حسوماً وسبع ليال، والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك، فاعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه من الريح إلا ما يلتذ به. قال القاضي أبو محمد: وهذا قصص وقع في تفسير مطولاً، وفيه اختلاف فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز وفي خبرهم أن الريح كانت تدمغهم بالحجارة وترفع الظعينة عليها المرأة، حتى تلقيها في البحر، وفي خبرهم أن أقوياءهم كان أحدهم يسد بنفسه مهب الريح حتى تغلبه فتلقيه في البحر، فيقوم آخر مكانه حتى هلك الجميع، وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعاً ربت أولادها في حجاج عين رجل منهم وفي خبرهم، أن الله بعث لما هلكت عاد طيراً وقيل أسداً فنقلت جيفهم حتى طرحتها في البحر، فذلك قوله {أية : فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} تفسير : [الأحقاف:25] في بعض ما روي من شأنهم: أن الريح لم تبعث قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها تمت على الخزنة فغلبتهم فذلك قوله: {أية : أهلكوا بريح صرصر عاتية} تفسير : [الحاقة: 6] وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمن معه إلى مكة فكانوا بها حتى ماتوا، فالله علم أي ذلك كان. وقوله تعالى: {قالوا أجئتنا} الآية، ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم ويفردوا العبادة لله مع إقرارهم بالإله الخالق المبدع، ويحتمل أن يكونوا منكرين لله ويكون قولهم لنعبد الله وحده أي على قولك يا هود، والتأويل الأول أظهر فيهم وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية الله تعالى من الكفرة إلا من أفرطت غباوته كإربد بن ربيعة، وإلا من ادعاها لنفسه كفرعون ونمرود، وقوله: {فاتنا} تصميم على التكذيب واحتقار لأمر النبوءة واستعجال للعقوبة، وتمكن قولهم: {تعدنا} لما كان هذا الوعد مصرحاً به في الشر ولو كان ذكر الوعد مطلقاً لم يجىء إلا في خبر.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَسطَةً} قوة، أو بسط اليدين وطول الجسد، كان أقصرهم طوله اثنا عشر ذراعاً. {ءَالآءَ اللَّهِ} نعمه، أو عهوده. شعر : أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحماً ولا يخون إلاَّ

البقاعي

تفسير : ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله، وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه، أنكر عليهم ذلك ذاكراً لما ظنه حاملاً لهم ملوحاً بالعطف إلى التكذيب فقال: {أو عجبتم} أي أكذبتم وعجبتم {أن جاءكم ذكر} أي شرف وتذكير {من ربكم} أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط، منزلاً {على رجل منكم} أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما فاتكم شيء {لينذركم} أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة. ولما كان التقدير: فاحذروا، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيراً به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله: {واذكروا إذ} أي حين {جعلكم خلفاء} أي فيما أنتم فيه من الأرض، ولما كان زمنهم متراخياً بعدهم، أتى بالجار فقال: {من بعد قوم نوح} أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله {أو عجبتم} من طلب الجواب، أي أجيبوا واذكروا، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما أنعم به عليكم، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في {أفلا تتقون}، {أو عجبتم} أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا، أو يكون العطف - وهو أحسن على {اعبدوا الله} وقوله {خلفاء} قيل: إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الأرض، وأن عاداً إنما كانوا في قطعة منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمن، فقيل: إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض، فكأنه قيل: جعل جدكم خليفة في جميع الأرض، فلو حصل الشكر لتمت النعمة، فأطيعوا يزدكم من فضله، وقيل: إن قصة ثمود مثل ذلك، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد، فأجيب بما طرد، وهو أن عاداً لما كانوا أقوى أهل الأرض أبداناً وأعظمهم أجساداً وأشدهم خلقاً أشهرهم قبيلة وذكراً، كان سائر الناس لهم تبعاً، وكذا ثمود فيما فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتاً، وعندي أن السؤال من أصله لا يريد فإن بين قولنا: فلان خليفة فلان، وفلان خليفة من بعد فلان - من الفرق ما لا يخفي، فالمخلوف في الثاني لم يذكر، فكأنه قيل: جعلكم خلفاء لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيراً بما حل بهم من العذاب، ولهذا بعينه خص الله هذه الأمم التي وردت في القرآن بالذكر، وإلا فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار، ومعلوم أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : [الإسراء: 15] وفي قصة هود في سورة الأحقاف{أية : وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه}تفسير : [الأحقاف: 21]؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم، وطوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا إلا إجمالاً لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام عليهم. ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام، أتبعه التذكير بالزيادة فقال: {وزادكم} أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم {في الخلق} أي الخاص بكم {بسطة} أي في الحس بطول الأبدان والمعنى بقوة الأركان، قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً، وقيل: أكثر. ولما عظمت النعمة، كرر عليهم التذكير فقال مسبباً عن ذلك {فاذكروا آلاء الله} أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف والقوة وغيرهما، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلاً، فصار مستحقاً لأن تخصوه بالعبادة {لعلكم تفلحون*} أي ليكون حالكم حال من يرجي فلاحه وهو ظفره بجميع مراده، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة. ولما كان هذا منه موجباً ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى الإذعان لهذه الحجة القطعية، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام، ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم، فأجيب بقوله: {قالوا} منكرين عليه معتمدين على محض التقليد {أجئتنا} أي من عند من ادعيت أنك رسوله {لنعبد الله} أي الملك الأعظم {وحده} ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار، أتبعوه ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا: {ونذر} أي نترك على غير صفة حسنة {ما كان يعبد آباؤنا} أي مواظبين على عبادته بما دلوا عليه بـ "كان" وصيغة المضارع - مع الإشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم. ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك، وكان قد لوح لهم بالتذكر بقوم نوح وقوله {أفلا تتقون} إلى الأخذ إن أصروا، سببوا عن ذلك قولهم: {فأتنا} أي عاجلاً {بما تعدنا} أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب بقولهم: {إن كنت من الصادقين*} وتسميتهم للانذار بالعذاب وعداً من باب الاستهزاء. ولما كانوا قد بالغوا في السفه في هذا القول، وكان قد علم من محاورته صلى الله عليه وسلم لهم الحلم عنهم، اشتد التطلع إلى ما يكون من جوابه لهذا والتوقع له، فشفى غليل هذا التشوف بقوله: {قال قد وقع} أي حق ووجب وقرب أن يقع {عليكم من ربكم } أي الذي غربكم به تواتر إحسانه عليكم وطول إملائه لكم {رجس} أي عذاب شديد الاضطراب في تتبع أقصاكم وأدناكم موجب لشدة اضطرابكم {وغضب} أي شدة في ذلك العذاب لا تفلتون منها. ولما أخبرهم بذلك، بين لهم أن سببه كلامهم هذا في سياق الإنكار فقال: {أتجادلونني} ولما كانت آلهتهم تلك التي يجادلون فيها لا تزيد على السماء لكونها خالية من كل معنى، قال: {في أسماء} ثم بين أنه لم يسمها آلهة من يعبد به فقال: {سميتموها انتم وآباؤكم} ولما كان لله تعالى أن يفعل ما يشاء وأن يأمر بالخضوع لمن يشاء، قال نافياً التنزيل فإنه يلزم من نفي الإنزال: {ما نزل الله} أي الذي ليس الأمر إلا له {بها} أي بتعبدكم لها أو بتسميتكم إياها،وأغرق في النفي فقال: {من سلطان} ولعله أتى بصيغة التنزيل لأن التفعيل يأتي بمعنى الفعل المجدد وبمعنى الفعل بالتدريج فقصد - لأنه في سياق المجادلة وفي سورة مقصودها إنذار من أعرض عما دعا إليه هذا الكتاب النازل بالتدريج - النفي بكل اعتبار، سواء كان تجديداً أو تدريجاً وإشارة إلى أنه لو نزل عليهم في الأمر بعبادتها شيء واحد لتوقفوا فيه لعدم فهمهم لمعناه حتى يكرر عليهم الأمر فيه مرة بعد أخرى، فيعلموا أن ذلك أمر حتم لا بد منه كما فعله بنو إسرائيل في الأمر بذبح البقرة لأجل القتيل لأجل أنهم لم يعقلوا معناه، دل ذلك قطعاً على أن الأمر لهم بعبادتها إنما هو ظلام الهوى لأنه عمى محض من شأن الإنسان ركوبه بلا دليل أصلاً. ولما أخبرهم بوقوع العذاب وسببه، بين لهم أن الوقوع ليس على ظاهرة في الإنجاز، وإنما معناه الوجوب الذي لا بد من فقال: {فانتظروا} ثم استأنف الإخبار عن حاله بقوله: {إني} وأشار بقوله: {معكم} إلى أنه لا يفارقهم لخشيته منهم ولا غيرها {من المنتظرين*}.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الآية: 69]. والأكابر تحبه على الإثبات والربوبية ولكلٍّ علامة، فعلامة الأولى: دوام الذكر له والفرح به، والثانية: الاستئناس به لرؤية ما أنفذه منه، والثالثة: الاشتغال به عن كل ما يقطع عنه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} اى فاذكروا نعم الله فى اصطناعه فى حسن تصويركم ولباسكم جمال فعله حتى تكونوا فى احسن خلق واظرف نعت وظهور لكم باوضح الأيات وانوار علاماته الدالة الى وجوده لعلكم تفوزون نمن بعده وتظرفون بقربه وافهم ان رؤية النعمة يوجب الشكر ورؤية الالاء توجب الذكر ورؤية المذكور والمعنم توجب المحبة قال الواسطى العامة تحية على النعماء وذلك فى قوله اذكروا نعمة الله عليكم الخاصة تحبه على الالاء وذلك فى قوله فاذكروا الاء الله لعلكم تفلحون والا كابر تحبه على الايثاء والربوبية ولكل علامة فعلامة الاولى دوام الذكر له والفرج به والثانية الاستيناس به لرؤية ما ابعده منه والثالثة الاشتغال به ان كل قاطع يقطع عنه وقال ابن عطا اذا ذكرت الاءه نعماء احببته واذا احببته قصدته واذا قصدته وجدته واذا وجدته انقطعت اليه وتقول عند المشايخ لو ان القوم من اهل خالصة مبحته ما احالهم الى رؤية الالاء ل خاطبهم برؤية الذات والصفات الا ترى كيف خص راس المحبين بخطاب رؤيته واصرافه الى مشاهدته بقوله الم تر الى ربك لان محبة الالائية والنعمائية محبة معلوله كونية اذكونها بسب حدثى وخالص المحبة ما تصدر من مشاهدة جلاله وجماله وكيف يصل اليه من كان سبب حاله ومعرفته ومحبته رؤية الالاء والنعماء اوقعهم فى بدايته الذكر قال فاذكروا وجعل لقائهم نتهى وهو درجة النجاة من العذاب ولو كانوا محققين ما خاطبهم بذكر غيره وصفه افعاله.

اسماعيل حقي

تفسير : {أوعجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم} اى استبعدتم وعجبتم من ان جاءكم وحى من مالك اموركم ومربيكم {على رجل منكم} اى على لسان رجل من جنسكم {لينذركم} ويحذركم عاقبة ما انتم عليه من الكفر والمعاصى فمن فرط الجهالة وغاية الغباوة عجبوا من كون رجل رسولا ولم يتعجبوا من كون الصنم شريكا {واذكروا اذ جعلكم خلفاء} شروع فى بيان ترتيب احكام النصح والامانة والانذار وتفصيلها واذ منصوب باذكروا على المفعولية دون الظرفية اى اذكروا وقت استخلافكم. قال صاحب الفوائد يشكل هذا بقولهم اذ وانا وقوعهما ظرفين لازم. واجيب بان باب الاتساع واسع. قال المولى ابو السعود ولعله معطوف على مقدر كأن قيل لاتعجبوا من ذلك وتدبروا فى اموركم واذكروا وقت جعله تعالى اياكم خلفاء {من بعد قوم نوح} اى فى مساكنهم او فى الارض بان جعلكم ملوكان فان شداد بن عاد ممن ملك معمورة الارض من رمل عالج الى شحر عمان. قال فى التأويلات النجمية جعل الله الخلق بعضهم خلفاء عن بعض وجعل الكل خلفاء فى الارض ولا يفنى جنسا منهم الا اقام قوما خلفاء عنهم من ذلك الجنس فاهل الغفلة اذا انقرضوا اخلف عنهم قوما واهل الوصلة اذا انقرضوا ودرجوا اخلف عنهم قوما {وزادكم فى الخلق} اى فى الابداع والتصوير بالفارسى [وبيفزود شما] او فى الناس {بصطة} قامة وقوة فان لم يكن فى زمانهم مثلهم فى عظم الاجرام كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة الصغير ستين ذراعا. قال وهب كان رأس احدهم كالقبة العظيمة وكان عين احدهم يفرخ فيها السباع وكذلك مناخرهم. والاشارة كما ان الله تعالى زاد قوما على من تقدمهم فى بسطة الخلق زاد قوما على من تقدمهم فى بسطة الخلق فكما اوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود الى المبانى اوقع التباين بني قوم وقوم فيما يرجع الى المعانى قال الفرزدق شعر : وقد تلتقى الاسماء فى الناس والكنى كثيرا ولكن فرقوا فى الخلائق تفسير : جمع الخليقة وهى الطبيعة وفى هذا المعنى قال الخاقانى شعر : نى همه يك رنك دارد درنيسانها وليك ازيكى نى قند خيزد وزدكرنى بوريا تفسير : {فاذكروا آلاء الله} جمع الى بمعنى النعمة وهو تعميم بعد تخصيص {لعلكم تفلحون} لكى يؤديكم ذلك اى ذكر النعم الى الشكر المؤدى الى النجاة من الكروب والفوز بالمطلوب ولما لم يبق للقوم جواب الا التمسك بالتقليد.

الطوسي

تفسير : قد بينا معنى قوله {أوَ عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} فلا معنى لاعادته. وانما أنكر العجب مع أنه خفي بسببه، وخرج عن العادة لظهور الدلائل فيه وقيام البراهين عليه من الارسال اليهم من تنبيههم على ما اغفلوه وتعريفهم ما جهلوه. والفرق بين العَجب والعُجب، أن العجب - بضم العين - عقد النفس على فضيلة لا ينبغي ان يعجب منها السبب لها، وليس كذلك العجب - بفتح العين والجيم - لانه قد يكون حسنا. وقد قيل في المثل (لا خير فيمن لا يتعجب من العجب وأرذل منه المتعجب من غير عجب). وقوله {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} فخلفاء جمع خليفة، وهو الكائن بدل غيره ليقوم بالامر مقامه في تدبيره. وخلفاء جمعه على التذكير مثل ظريف وظرفاء، ولو جمعه على اللفظ لقال: خلائف نحو كريمة وكرائم، وورد ذلك في القرآن، قال الله تعالى {أية : هو الذي جعلكم خلائف}. تفسير : وقوله {من بعد قوم نوح} امتنان عليهم بما مكنهم في الارض وجعلهم بدل قوم نوح حين أهلكهم الله. وقوله {وزادكم في الخلق بسطة} قريء بالسين والصاد وقيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن زيد: زادهم قوة. وقال غيره: أراد به المرة من بسط اليدين اذا فتحت على أبعد أقطارها. وقال الزجاج والرماني: كان أقصرهم طوله سبعين ذراعا وأطولهم مئة ذراع. وقال قوم: كان أقصرهم اثني عشر ذراعا. وقال ابو جعفر (ع): كانوا كأنهم النخل الطوال، وكان الرجل منهم ينحت الجبل بيده فيهدم منه قطعة. وقوله {فاذكروا الآء الله} قال الحسن وغيره: الآلاء النعم في واحدها لغات: (ألاً) مثل (معاً) و (ألا) مثل "قفا" و "اليَّ" مثل "حسي" و "إِلى" مثل "دمى" قال الشاعر: شعر : أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحما ولايخون إِلا تفسير : إِلا وألا رويا جميعا. وقوله {لعلكم تفلحون} معناه اذكروا نعم الله واشكروه عليها لكي تفوزوا بثواب الجنة والنعيم الدائم الابدي.

الجنابذي

تفسير : {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} ذكّرهم بنعم الله عليهم بعد تذكيرهم ضمناً بنقم الله على قوم نوحٍ تخويفاً لهم من زوالها بأحسن وجه {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} تعميم بعد تخصيص تأكيداً {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} عن الصّادق (ع) انّه قال: اتدرى ما آلاء الله؟ - قيل: لا، قال: هى اعظم نعم الله على خلقه وهى ولايتنا.

اطفيش

تفسير : {أوَعَجبْتُم أن جاءكم ذِكرٌ مِنْ ربِّكم على رجلٍ مِنكُم لِينْذِركم} فيه ما مر فى قصة نوح. {واذْكُروا إذْ} مفعول به {جَعَلكُم خُلفاءَ مِنْ بعد قومِ نوحٍ} فى مساكنهم وفى الأرض، بأن جعلكم ملوكاً. {وزَادكُم فى الخَلْق} فى خلق أبدانكم، أو فى جملة المخلوقين متميزين عنهم أو فى بمعنى على، أى زادكم على أهل عصركم، وقال الطبرى وقتادة: على قوم نوح فهم المراد بالخلق. {بسْطةً} طولا وقوة، وقرأ قنبل وحفص وهشام وأبو عمرو وحمزة، بخلاف عن خلاد بالسين كان أقصرهم ستين ذراعا، وأطولهم مائة فيما قال الكلبى والسدى، ولم يذكره فى عرائس القرآن إلا عن الكلبى، وقال أبو حمزة التمالى: أطولهم سبعون ذراعا، وقال ابن عباس: ثمانون، وعنه أن الثمانين لأقصرهم، وقيل: لأقصرهم سبعون، وقال مقاتل: اثنا عشر، قال وهب: ورأس أحدهم مثل القبة العظيمة، وكانت الضباع تبيت فى عين ميتهم وتلد فيها وكذا منخره، وكان مُلْكهم ما بين عمان وحضرموت، وقهروا أهل الأرض، ومنهم شداد الذى ملك الأرض المعمورة كلها، وكانت بلادهم أخصب بلاد الله، وردها الله صحارى. {فاذْكُروا آلاء اللهِ} نعمه بوزن أفعال بفتح الهمزة، والمنفرد إلى بكسر الهمزة كرضى، وقيل ألى بفتحها كفتى، وقيل: إلى بكسرها وإسكان اللام بعدها ياء، والمراد بذكرها الإحضار فى القلب أنها من الله، فيلزم على ذلك أن يفيدوه شكراً {لعلَّكُم تفْلحُون} راجين الفلاح، ليفلحوا بذلك.

الالوسي

تفسير : {أَوَ عَجبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذكْرٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُل مِّنْكُم ليُنْذرَكُمْ} الكلام فيه كالكلام في سابقه. وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من يشافههم من الكفرة بالكلمات الحمقاء بما حكى عنهم والإعراض عن مقابلتهم بمثل كلامهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة، وفي حكاية ذلك تعليم للعباد كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم، وفي الآية دلالة على جواز مدح الإنسان نفسه للحاجة إليه. {وَٱذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} شروع في بيان ترتيب أحكام النصح والأمانة والإنذار وتفصيلها، و {إذ} ـ على ما يفهم من كلام البعض وصرح به آخرون ـ ظرف منصوب بآلاء المحذوف هنا بقرينة ما بعده لتضمنه معنى الفعل، واختار غير واحد تبعاً للزمخشري أنه مفعول لأذكروا أي اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسام، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ذكره ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضراً بتفاصيله، وهذا مبني على الاتساع في الظرف أو أنه غير لازم للظرفية على خلاف المشهور عند النحويين، والواو للعطف وما بعده قيل: معطوف على قوله تعالى: { أية : ٱعْبُدُواْ } تفسير : [الأعراف: 65] ولا يخفى بعده. وقال شيخ الإسلام: لعله معطوف على مقدر كأنه قيل: لا تعجبوا من ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء {منْ بَعْد قَوْم نُوح} أي في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكاً فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض فالإسناد على هذا مجاز، وفي ذكر نوح على ما قيل إشارة إلى رفع التعجب يعني هذا الذي جئت به ليس ببدع فاذكروا نوحاً وإرساله إلى قومه وإلى الوعيد والتهديد أي اذكروا إهلاك قومه لتكذيبهم رسول ربهم. {وَزَادَكُمْ في ٱلْخَلْق} أي الإبداع والتصوير أو في المخلوقين أي زادكم في الناس على أمثالكم {بَسْطَةً} قوة وزيادة جسم، قال الكلبـي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعاً. وأخرج ابن عساكر عن وهب أنه قال: كانت هامة الرجل منهم مثل القبة العظيمة وعينه يفرخ فيها السباع، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وعن الباقر رضي الله تعالى عنه كانوا كأنهم النخل الطوال وكان الرجل منهم يأتي الجبل فيهدم منه بيده القطعة العظيمة. / وأخرج عبد الله بن أحمد وابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة إن كان الرجل منهم ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن ينقلوه وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. وعن بعضهم أن أحدهم كان أطول من سائر الخلق بمقدار ما يمد الإنسان يده فوق رأسه باسطاً لها فطول كل منهم قامة وبسطة وهذا أقرب عند ذوي العقول القصيرة عن إدراك طول يد القدرة. وأخرج إسحاق بن بشر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هوداً عليه السلام كان أصبحهم وجهاً وكان في مثل أجسامهم أبيض جعداً بادي العنفقة طويل اللحية صلى الله عليه وسلم، ونصب {بسطة} على أنه مفعول به للفعل قبله، وقيل: تمييز و {في الخلق} متعلق بالفعل، وجوز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالاً من {بسطة}. {فَٱذْكُرُوا ءَالاَءَ ٱلله} أي نعمه سبحانه وتعالى وهي جمع ـ إلْي ـ بكسر فسكون كحمل وأحمال أو ـ أُلْي ـ بضم فسكون كقفل وأقفال أو ـ إلى ـ بكسر ففتح مقصوراً كمعى وأمعاء أو بفتحتين مقصوراً كقفا وأقفاء وبهما ينشد قول الأعشى: شعر : أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحماً ولا يخون إلا تفسير : وقيل: إن ما في البيت إلا المشددة لكنها خففت ومعناها العهد وفيه بعد، وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير وتعميم إثر تخصيص أي اذكروا الآلاء التي من جملتها ما تقدم {لَعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ} أي لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها الذي من جملته العمل بالأركان والطاعة المؤدي إلى النجاة من الكروب والفوز بالمطلوب وهذا لأن الفلاح لا يترتب على مجرد الذكر. ومن الناس من فسر ذكر الآلاء بشكرها وأمر الترتب عليه ظاهر.

ابن عاشور

تفسير : {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ}. هذا مماثل قولَ نوح لقومه وقد تقدّم آنفاً سبب المماثلة. وتقدّم من قبل تفسير نظيره. {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يجوز أن يكون قوله: {واذكروا} عطفاً على قوله: {أية : اعبدوا}تفسير : [الأعراف: 65] ويكونَ ما بينهما اعتراضاً حكي به ما جرى بينه وبين قومه من المحاورة التي قاطعوه بها عقب قوله لهم {أية : اعبدوا الله} تفسير : [الأعراف: 65]، فلمّا أتمّ جوابهم عمّا قاطعوا به كلامه عاد إلى دعوته، فيكون رجوعاً إلى الدّعوى، ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم} أي: لا تنكروا أن جاءكم ذكر من ربّكم واذكروا نعمته عليكم، فيكون تكملة للاستدلال، وإيّاً مّا كان فالمآل واحد، وانتقل من أمرهم بالتّوحيد إلى تذكيرهم بنعمة الله عليهم التي لا ينكرون أنّها من نعم الله دون غيره، لأنّ الخلق والأمر لله لا لغيره. تذكيراً من شأنه إيصالهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة. وإنّما أمرهم بالذّكر (بضمّ الذّال) لأنّ النّفس تنسى النّعم فتكفر المنعم، فإذا تذكّرت النّعمة رأتْ حقاً عليها أن تشكر المُنعم، ولذلك كانت مسألة شكر المنعم من أهمّ مسائل التّكليف، والاكتفاء بحسنه عقلاً عند المتّكلمين سواء منهم من اكتفى بالحس العقلي ومن لم يكتف به واعتَبر التوقّفَ على الخطاب الشّرعي. و{إذْ} اسم زمان منصوب على المفعول به، وليس ظرفاً لعدم استقامة المعنى على الظرفية، والتّحقيق أن (إذْ) لا تلازم الظرفية بل هي ظرف متصرّف، وهو مختار صاحب «الكشاف»، والمعنى: اذكروا الوقت الذي ظهرت فيه خلافتكم عن قوم نوح في تعمير الأرض والهيمنة على الأمم، فإنّ عادا كانوا ذوي قوّة ونعمة عظيمة {أية : وقالوا من أشَدّ منّا قوّة}تفسير : [فصلت: 15]. فالخلفاء جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شيء، أي يتولى عمل ما كان يعمله الآخَر، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إنّي جاعل في الأرض خليفة} تفسير : في سورة البقرة (30)، فالمراد: جعلكم خلفاء في تعمير الأرض، ولما قال: من بعد قوم نوح} عُلم أنّ المقصود أنّهم خلفاء قوم نوح، فعادٌ أوّل أمّة اضطلعت بالحضارة بعد الطّوفان، وكان بنو نوح قد تكاثروا وانتشروا في الأرض، في أرمينية والموصل والعراق وبلاد العرب، وكانوا أمماً كثيرة، أو كانت عاد عظم تلك الأمم وأصحاب السّيادة على سائر الأمم، وليس المراد أنّهم خلفوا قوم نوح في ديارهم لأنّ منازل عاد غيرُ منازل قوم نوح عند المُؤرّخين، وهذا التّذكير تصريح بالنّعمة، وتعريض بالنّذارة والوعيدِ بأنّ قوم نوح إنّما استأصلهم وأبَادَهم عذابٌ من الله على شركهم، فمن اتبعهم في صنعهم يوشك أن يحلّ به عذاب أيضاً. و{الخلق} يحتمل أن يكون مصدراً خالصاً، ويحتمل أن يكون بمعنى اسم المفعول، وهو يستعمل في المعنيين. وقوله: {بصطة} ثبت في المصاحف بصاد قبل الطاء وهو مرادف بسطة الذي هو ــــ بسين ــــ قبل الطاء. ووقع في آيات أخرى. وأهمل الراغب (بصطة) الذي بالصاد. وظاهر عبارة القرطبي أنه في هذه الآية ــــ بسين ــــ وليس كذلك. والبصطة: الوفرة والسعة في أمر من الآمور. فإن كان (الخلق) بمعنى المصدر فالبصطة الزّيادة في القُوى الجِبلية أي زادهم قوّة في عقولهم وأجسامهم فخلقهم عقلاء أصحاء، وقد اشتهر عند العرب نسبة العقول الرّاجحة إلى عاد، ونسبة كمال قوى الأجسام إليهم قال النّابغة:شعر : أحلامُ عاد وأجسام مطهَّرة من المعقة والآفات والإثِم تفسير : وقال وَدّاك بنُ ثُمَيْل المازتي في «الحماسة»:شعر : وأحلام عادٍ لا يخاف جليسهم ولو نَطَقَ العُوّار غَرْبَ لِسان تفسير : وقال قيس بن عُبادة:شعر : وأنْ لا يَقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادّي نمته ثَمُود تفسير : وعلى هذه الوجه يكون قوله: {في الخلق} متعلّقاً بــــ {بصطة}، وإن كان الخلق بمعنى النّاس فالمعنى: وزادكم بصطة في النّاس بأن جعلكم أفضل منهم فيما تتفاضل به الأمم من الأمور كلّها، فيشمل رجحان العقول وقوّة الأجسام وسلامتها من العاهات والآفات وقوّة البأس، وقَد نُسبت الدّروع إلى عاد فيقال لها: العاديّة، وكذلك السّيوف العاديّة، وقد قال الله تعالى حكاية عنهم: {أية : وقالوا مَن أشد منّا قوّة}تفسير : [فصلت: 15] وحكَى عن هود أنّه قال لهم: {أية : وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبّارين فاتّقوا الله وأطيعون واتّقوا الذي أمدّكم بما تعلمون أمَدّكم بأنعام وبنين وجنّاتٍ وعيون}تفسير : [الشعراء: 129 ـــ 134] وعلى هذا الوجه يكون قوله: {في الخلق} ظرفاً مستقراً في موضع الحال من ضمير المخاطبين. والفاء في قوله: {فاذكروا آلاء الله} فصيحة، أي: إن ذكرتم وقت جَعَلَكَم اللَّهُ خلفاء في الأرض ووقتَ زادكم بصطة فاذكروا نعمه الكثيرة تفصيلاً، فالكلام جاء على طريقه القيَاس من الاستدلال بالجزئي على إثبات حكم كلي، فإنّه ذكرهم بنعمة واضحة وهي كونهم خلفاءَ ونِعَممٍ مُجملة وهي زيادة بصطتهم، ثمّ ذكَّرهم بقية النّعم بلفظ العموم وهو الجمع المضاف. والآلاء جمع (إلى)، والإلَى: النّعمة، وهذا مثل جمع عِنَب على أعْنَاب، ونظيره جمع إنى بالنّون، وهو الوقت، على آناء قال تعالى: {أية : غير ناظرين إناهُ}تفسير : [الأحزاب: 53] أي وقته، وقال {أية : ومن آناء اللّيل فسبِّح}تفسير : [طه: 130]. ورتب على ذكر نعم الله رجاء أن يفلحوا لأنّ ذكر النّعم يؤدّي إلى تكرير شكر المنعم، فيحمِل المنعم عليه على مقابلة النّعم بالطّاعة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلآءَ} {بَصْطَةً} (69) - أَعَجِبْتُمْ وَكَذَّبْتُمْ أَنْ بَعَثْ اللهُ إِلَيْكُمْ رَسُولاً مِنَ البَشَرِ (مِنْكُمْ) يُوحِي إِلَيْهِ لِيَدْعُوَكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُنْذِرَكُمْ وَيُخَوِّفَكُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، إِنْ أَصْرَرْتُمْ عَلَى الكُفْرِ وَالجُحُودِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ؟ كَلاّ لاَ تَعْجَبُوا مِنْ ذَلِكَ، وَاحْمَدُوا اللهَ عَلَيهِ، فَذَلِكَ لُطْفٌ مِنْهُ بِكُمْ، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ، الذِي أَهْلَكَ اللهُ النَّاسَ بِدَعْوَتِهِ لَمَّا خَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ. وَقَدْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ فَزَادَ فِي أَجْسَامِكُمْ بَسْطَةً طُولاً وَقُوَّةً، فَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ هذِهِ، وَاشْكُرُوهُ عَلَيهَا بِالإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَحُسْنِ العِبَادَةِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي النَّجَاةِ مِنْ نَقْمَتِهِ تَعَالَى، وَتَفُوزُونَ فِي اكْتِسَابِ مَرْضَاتِهِ. بَسْطَة - قُوَّةً وَعِظَمَ أَجْسَامٍ. آلاَءَ اللهِ - نِعَمَهُ وَأَفْضَالَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جاء الحق هنا بالذكر للإِنذار فقال: {لِيُنذِرَكُمْ} فقط، وليس كما قال في قوم نوح: {وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لأن الإِنذار لم يأت لمجرد الإِنذار، بل لنرتدع ونتقي، لِكي نُرحم، إذن فحين يأتي بأول الحلقة وأول الخيط وهو الإِنذار فنحن نستنتج الباقي وهو التقوى لنصل إلى الرحمة: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}. وهذا كلام جديد؛ لأن قوم نوح هم أول قوم عُذّبوا حين لم يؤمنوا، وجاء سيدنا هود إلى عاد بعد ذلك، يبلّغهم وينذرهم ليأخذوا العبرة من نوح وقومه: {...وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69] ويذكرهم سيدنا هود أن الحق قد أعطى لهم أجساماً فارعة فيها بسطة وطول، ويقال: إن الطويل منهم كان يبلغ طوله مائة ذراع، والقصير منهم كان يبلغ طوله ستين ذراعاً، ويأمرهم سيدنا هود أن يذكروا آلاء الله، أي نعمه عليهم، وأول النعم أن أرسل إليهم رسولاً يأخذ بأيديهم إلى مناطق الخير. فماذا كان ردهم؟ يقول الحق: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {آلآءَ ٱللَّهِ} معناهُ نِعمُ الله واحدُها إِلَى وأَلَى.

الجيلاني

تفسير : {أَ} أنكرتم وكذبتم أمري وأهدائي {وَ عَجِبْتُمْ} من انهماككم في الغي والضلال من {أَن جَآءَكُمْ} لإصلاح حالكم {ذِكْرٌ} عظمة وتذكير {مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} عما يضلكم ويغويكم تفضلاً وامتناناً عليكم؟ {وَ} لا تستبعدوا من الله أمثال هذا ولا تنكروها، بل {ٱذكُرُوۤاْ} نعمه عليكم {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم {وَزَادَكُمْ} بسببها {فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً} تفوقاً واستعلاء {فَٱذْكُرُوۤاْ} أيها المترفهون بنعم الله {ءَالآءَ ٱللَّهِ} الفائضة عليكم واشكروا لها {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69] تفوزون من عنده بشرف الرضا والتسليم. ثم لما بالغ في نصحهم وإرشادهم وبذل جهده في أداء الرسالة والتبليغ {قَالُوۤاْ} في جوابه من غاية قسوتهم ونهاية حميتهم مستفهماً مقرعاً: {أَجِئْتَنَا} أيها الكذاب السفيه {لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ} الذي ادعيت أنت أنه {وَحْدَهُ} لا شريك له ولا إله سواه {وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهة، فاذهب أنت وإلهك إذ لا نؤمن بك وبه أصلاً، وإن شئت {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب والنكال {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] في دعواك.