Verse. 1024 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالُوْۗا اَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللہَ وَحْدَہٗ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ اٰبَاۗؤُنَا۝۰ۚ فَاْتِنَا بِمَا تَعِدُنَاۗ اِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰدِقِيْنَ۝۷۰
Qaloo ajitana linaAAbuda Allaha wahdahu wanathara ma kana yaAAbudu abaona fatina bima taAAiduna in kunta mina alssadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر» نترك «ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا» به من العذاب «إن كنت من الصادقين» في قولك.

70

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هوداً عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع، وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة، وصريح العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات، والجماد لا قدرة له على شيء أصلاً، وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم. ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله، وأن لا يعبدوا شيئاً من الأصنام، ومقصود الله تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد، هذه الحجة التي ذكرها ثم إن هوداً عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد. فقالوا: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} ثم قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } وذلك لأنه عليه السلام قال: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } تفسير : [الأعراف: 65] فقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد فلهذا المعنى قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعتقدون كونه كاذباً بدليل أنهم قالوا له: {أية : وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [الأعراف: 66] فلما اعتقدوا كونه كاذباً قالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } والغرض أنه إذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذباً، وإنما قالوا ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد. ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال عند هذا الكلام: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الذي أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو العذاب، لأن العذاب ما كان حاصلاً في ذلك الوقت وقد اختلفوا فيه قال القاضي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر، إلا أنا نقول: معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت، لأن بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة. واعلم أن هذا القول عندنا باطل، بل عندنا في الآية وجوه من التأويلات: أحدها: أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم، فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هود في ذلك الوقت: {وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } وثانيها: أنه جعل التوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع. ونظيره قولك لمن طلب منك شيئاً، قد كان ذلك بمعنى أنه سيكون، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 1] بمعنى: سيأتي أمر الله. وثالثها: أنا نحمل قوله: {وَقَعَ } على معنى وجد وحصل، والمعنى: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل إلى الأبد، لأن قولنا: حصل لا إشعار له بالحدوث بعد ما لم يكن. المسألة الثانية: الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب لأن المراد من الغضب العذاب، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير، وأيضاً الرجس ضد التزكية والتطهير. قال تعالى: {أية : تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا }تفسير : [التوبة: 103] وقال في صفة أهل البيت: {أية : وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] والمراد التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الرجس عبارة عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة. إذا ثبت هذا فقوله: {قد وقع عليكم من ربكم رجس} يدل على أنه تعالى خصهم بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة، وذلك يدل على أن الخير والشر من الله تعالى، قال القفال: يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كقوله تعالى: {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم} تفسير : [التوبة: 125] أي قد وقع عليكم من الله رين على قلوبكم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي. واعلم أنا قد دللنا على أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله، فهذا الذي قاله القفال أن كان المراد منه ذلك. فقد جاء بالوفاق. إلا أنه شديد النفرة عن هذا المذهب وأكثر تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على أنه لا يقول بهذا القول وإن كان المراد منه الجواب عما شرحناه، فهو ضعيف لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذي ذكرناه، والله أعلم. وحاصل الكلام في الآية: أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفراً، وهو المراد من قوله: {قد وقع عليكم من ربكم رجس} ثم خصهم بمزيد الغضب، وهو قوله: {وغضب}. ثم قال: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان} والمراد منه: الاستفهام على سبيل الإنكار، وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم، وسموا واحداً منها بالعزى مشتقاً من العز، والله ما أعطاه عزاً أصلاً، وسموا آخر منها باللات، وليس له من الإلهية شيء. وقوله: {ما نزل الله بها من سلطان} عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيداً مجددا فقال: {فانتظروا} ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام {إني معكم من المنتظرين}. ثم إنه تعالى أخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال: {فأنجيناه والذين معه برحمة منا} إذ كانوا مستحقين للرحمة بسبب إيمانهم، وقطعنا دابر الذين كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود، والمراد أنه تعالى أنزل عليهم عذاب الاستئصال الذي هو الريح، وقد بين الله كيفيته في غير هذا الموضع، وقطع الدابر: هو الاستئصال، فدل بهذا اللفظ أنه تعالى ما أبقى منهم أحداً، ودابر الشيء آخره. فإن قيل: لما أخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين بآيات الله لزم القطع بأنهم ما كانوا مؤمنين، فما الفائدة في قوله بعد ذلك: {وما كانوا مؤمنين}. قلنا: معناه أنهم مكذبون، وعلم الله منهم أنهم لو بقوا لم يؤمنوا أيضاً، ولو علم تعالى أنهم سيؤمنون لأبقاهم.

القرطبي

تفسير : طلبوا العذاب الذي خوّفهم به وحذرهم منه فقال لهم: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ}. ومعنى وقع أي وجب. يقال: وقع القول والحُكْم أي وجب، ومثله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ}. أي نزل بهم. {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ}. والرِّجْسُ العذابُ وقيل: عُني بالرجس الرَّيْن على القلب بزيادة الكفر. {أَتُجَادِلُونِي فِيۤ أَسْمَآءٍ} يعني الأصنام التي عبدوها، وكان لها أسماء مختلفة. {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي من حُجّة لكم في عبادتها. فالاسم هنا بمعنى المسمّى. نظيره {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ} تفسير : [يوسف: 40]. وهذه الأسماء مثل العُزّى من العِزّ والأعز والّلات، وليس لها من العزّ والإلٰهيّة شيء. {دَابِرَ} آخِر. وقد تقدّم. أي لم يبق لهم بقية.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ} الآية؛ كقول الكفار من قريش: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصناماً، فصنم يقال له صُدَاء، وآخر يقال له صمود، وآخر يقال له الهباء، ولهذا قال هود عليه السلام: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} أي: قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس، قيل: هو مقلوب من رجز. وعن ابن عباس: معناه سخط وغضب. {أَتُجَـٰدِلُونَنِي فِىۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤكُمُ} أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلاً؟ ولهذا قال: {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ فَٱنتَظِرُوۤاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه، ولهذا عقبه بقوله: { فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}. وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6-8] لما تمردوا وعتوا، أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم، فترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتثلغ رأسه حتى تبينه من جثته، ولهذا قال: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} وقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، فبعث الله إليهم هوداً عليه السلام، وهو من أوسطهم نسباً، وأفضلهم موضعاً، فأمرهم أن يوحدوا الله، ولا يجعلوا معه إلهاً غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه، وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟ واتبعه منهم ناس، وهم يسير، يكتمون إيمانهم، فلما عتت عاد على الله، وكذبوا نبيه، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثاً بغير نفع، كلمهم هود فقال: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } تفسير : [الشعراء: 128-131] {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءٍ } تفسير : [هود: 53-54] أي: بجنون {أية : قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [هود: 54-56]. قال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به، أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين، فيما يزعمون، حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، وطلبوا من الله الفرج فيه، إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته، وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلاً يقال له معاوية بن بكر، وكانت له أم من قوم عاد، واسمها كلهدة ابنة الخيبري. قال: فبعثت عاد وفداً قريباً من سبعين رجلاً إلى الحرم؛ ليستسقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان: قينتان لمعاوية، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلما طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمل شعراً يعرض لهم بالانصراف، وأمر القينتين أن تغنياهم به، فقال:شعر : ألا يا قَيْلُ ويحكَ قُمْ فَهَيْنَم لعلَّ اللّهَ يُصْبِحنا غَماما فيسقي أرضَ عادٍ إِنَّ عاداً قَد امسوا لا يُبينونَ الكلاما من العَطَشِ الشديدِ وليسَ نرجو به الشَّيْخَ الكبيرَ ولا الغُلاما وقد كانَتْ نساؤُهُمُ بخيرٍ فَقَدْ أمستْ نساؤهمُ غَيامى وإنَّ الوحشَ تأتيهم جِهاراً ولا تَخْشى لعاديَ سِهاما وأنتم ههنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فَقُبِّحَ وفدُكمْ من وفدِ قومٍ ولا لُقُّوا التحيةَ والسلاما تفسير : قال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاؤوا له، فنهضوا على الحرم، ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو قيل بن عنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناداه مناد من السماء: اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب، فقال: اخترت هذه السحابة السوداء؛ فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، لا والداً تترك ولا ولداً، إلا جعلته همداً، إلا بني اللوذية المهندا، قال: وبنو اللوذية بطن من عاد يقيمون بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ } تفسير : [الأحقاف: 24-25] أي: تهلك كل شيء مرت به، فكان أول من أبصر ما فيها، وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مَهْدَد، فلما تبينت ما فيها، صاحت، ثم صعقت، فلما أفاقت، قالوا: ما رأيت يا مَهْدَد؟ قالت: ريحاً فيها شبه النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً؛ كما قال الله تعالى. والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك، واعتزل هود عليه السلام فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالظعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وذكر تمام القصة بطولها، وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة. وقد قال الله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [هود: 58]. وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله، وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا بعجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، هل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد سيفاً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً، قال: فجلست، فدخل منزله، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت وسلمت، فقال: هل بينكم وبين تميم شيء، قلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم. ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها، فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً، فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت: إن مثلي مثل ما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، قال لي: «حديث : وما وافد عاد؟» تفسير : وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عاداً قحطوا، فبعثوا وافداً لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر، خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، قال: فما بلغني أنه بُعِثَ عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل وصدق قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم، قالوا: لا تكن كوافد عاد. هكذا رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي من حديث سلام بن أبي المنذر عن عاصم، وهو ابن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجه أيضاً عن أبي وائل عن الحارث بن حسان البكري به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن حباب، به، ووقع عنده: عن الحارث بن يزيد البكري، فذكره. ورواه أيضاً عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث بن حسان البكري، فذكره، ولم أر في النسخة أبا وائل، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ } نترك {مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَآبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ } به من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ } في قولك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} في الرجس ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العذاب، قاله زيد بن أسلم. والثاني: السخط، قاله ابن عباس. والثالث: أن الرجس والرجز بمعنى واحد إلا أن الزاي قلبت سيناً كما قلبت السين تاء في قول الشاعر: شعر : أَلاَ لَحَى اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَةِ عَمْرِو بنِ يَرْبُوعَ لِئَامَ النَّاتِ لَيْسَوا بِأَعْفَافٍ وَلاَ أَكْيَاتِ تفسير : يريد الناس، وأكياس. قوله عز وجل: {... فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} يعني الأصنام، وفي مراده بتسميتهم وجهان: أحدهما: في تسميتها آلهة يعبدونها. والثاني: أنه تسميتهم لبعضها أنه يسقيهم المطر، والآخرة أنه يأتيهم بالرزق، والآخر أنه يشفي المريض، والآخر يصحبهم في السفر. وقيل: إنه ما أمرهم هود إلا بتوحيد الله والكف عن ظلم الناس فأبوا وقالوا: من أشد منا قوة، فأهلكوا.

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ} مجيبـين عن تلك النصائحِ العظيمة {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ} أي لنخُصّه بالعبادة {وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا} أنكروا عليه عليه السلام مجيئَه لتخصيصه تعالى بالعبادة والإعراضِ عن عبادة الأوثان انهماكاً في التقليد وحباً لما ألِفوه وألِفوا أسلافَهم عليه. ومعنى المجيء إما مجيئُه عليه السلام مِنْ مُتَعَبَّده ومنزلِه وإما من السماء على التهكم وإما القصدُ والتصدّي مجازاً كما يقال في مقابلِه: ذهب يشتمني من غير إرادةِ معنى الذهاب {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب المدلولِ عليه بقوله تعالى: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي في الإخبار بنزول العذابِ، وجوابُ (إن) محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه أي فائتِ به. {قال قد وقع عليكم} أي وجب وحق أو نزل بإصراركم هذا بناءً على تنزيل المتوقَّع منزلةَ الواقعِ كما في قوله تعالى: {أية : أتى أمرُ الله} تفسير : [النحل، الآية 1] {من ربكم} أي من جهته تعالى. وتقديمُ الظرف الأولِ على الثاني مع أن مبدأ الشيءِ متقدمٌ على منتهاه للمسارعة إلى بـيان إصابةِ المكروهِ لهم، وكذا تقديمُه على الفاعل الذي هو قوله تعالى: {رجس} مع ما فيه من التشويق إلى المؤخّر، ولأن فيه نوعَ طولٍ بما عُطف عليه من قوله تعالى: {وغضبٌ} فربما يُخِل تقديمُها بتجاوب النظمِ الكريم، والرجسُ العذابُ من الارتجاس الذي هو الاضطرابُ، والغضب إرادةُ الانتقامِ، وتنوينُهما للتفخيم والتهويل {أتجادلونني في أسماء} عاريةٍ عن المسمّىٰ {سميتموها} أي سميتم بها {أنتم وآباؤكم} إنكارٌ واستقباح لإنكارهم مجيئَه عليه السلام داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وتركِ عبادةِ الأصنام أي أتجادلونني في أشياءَ سمَّيتموها آلهةً ليست هي إلا محضُ الأسماءِ من غير أن يكون فيها من مصداق الإلٰهيةِ شيءٌ ما لأن المستحِقَّ للمعبوديَّة بالذات ليس إلا من أوجد الكلَّ وأنها لو استحقت لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آيةٍ أو نصبِ حُجةٍ وكلاهما مستحيلٌ، وذلك قوله تعالى: {ما نزل الله بها من سلطان} وإذ ليس ذلك في حيز الإمكانِ تحققَ بُطلانُ ما هم عليه {فانتظروا} مترتبٌ على قوله تعالى: {قد وقع عليكم} أي فانتظروا ما تطلُبونه بقولكم: فائتنا بما تعدنا، الخ {إني معكم من المنتظرين} لما يَحِلُّ بكم. والفاء في قوله تعالى:

القشيري

تفسير : طاحوا في أودية التفرقة فلم يجدوا قراراً في ساحات التوحيد، فَشَقَّ عليهم الإعراضُ عن الأغيار، وفي معناه قال قائلهم: شعر : أراكَ بقيةً من قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام تفسير : ويقال شخص لا يُخْرِجُه من غش التفرقة، وشخص لا يحيد لحظةً عن سَنَنِ التوحيد فهو لا يعبد إلا واحداً، وكما لا يعبد إلا واحد لا يشهد إلا واحداً، قال قائلهم: شعر : لا يهتدي قلبي إلى غيركم لأنه سُدَّ عليه الطريق

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} مجيبين عن تلك النصائح الجليلة {أجئتنا} يا هود {لنعبد الله وحده} اى لنخصه بالعبادة {ونذر ما كان يعبد آباؤنا} اى نترك الآلهة التى كان آباؤنا يعبدونها ومعنى المجئ فى اجئتنا اما المجئ من مكان اعتزل عن قومه يعبد فيه ربه كما كان يعبد رسول الله صلى الله لعيه وسلم بحراء فلما اوحى اليه جاء قومه يدعوهم واما من السماء كمجئ الملك منها استهزاء به عليه السلام لانهم كانوا يعتقدون ان الله تعالى لا يرسل الا الملك واما القصد على المجاز وهو ان يكون مرادهم بالمجئ مجرد قصد الفعل ومباشرته كأنهم قالوا أتريد منا ان نعبد الله وحده وتقصد ان تكلفنا بذلك كما يقال ذهب يشتمنى من غير ارادة معنى الذهاب {فأتنا بما تعدنا} من العذاب المدلول عليه بقوله تعالى {أية : أفلا تتقون} تفسير : [الأعراف: 65]. {ان كنت من الصادقين} اى فى الاخبار بنزول العذاب.

الطوسي

تفسير : قيل في الفرق بين {قالوا} وتكلموا، أن القول مضمن بالحكاية من حيث هو على صفة القول، وليس كذلك من حيث هو على صفة الكلام. وفى الآية حكاية ما قال قوم هود، وهم قبيلة عاد لهود (ع) {أجئتنا} ومعناه أتيتنا {لنعبد الله وحده} وتريد منا أن نوجه عبادتنا الى الله وحده. والمجيء والاتيان والاقبال واحد، وقال قوم المجيء إِتيان من أي جهة كان، والاتيان إِقبال من قبل الوجه. وقوله {ونذر} ومعناه ونترك، ولم تستعمل فيه (وذرنا) استغناء بتركنا، ولا يلزم أن يستغنى بنترك عن نذر، لان نذر خفيفة، لان الواو حذفت منه. {ما كان يعبد آباؤنا} تمام الحكاية عن الكفار أنهم قالوا: كيف نترك ما كان يعبد آباؤنا؟! وأنهم قالوا {فأتنا بما تعدنا} من العذاب {إن كنت صادقا} {من} جملة {الصادقين} وانما لم يجب اتباع الآباء، وان كانوا عقلاء ووجب اتباع العقلاء، لانه انما يجب اتباع العقلاء فيما علموه بعقولهم ضرورة، فأما ما طريقه الدليل فانه يجوز أن يغلطوا فيه فلا يجوز حينئذ اتباعهم وان كانوا أباءا.

الجنابذي

تفسير : {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ..} جعلوا لغاية سفههم مقلّدات آبائهم علوماً قطعيّةً ولذلك تحدّوا بما ذكر.

اطفيش

تفسير : {قالُوا أجئتَنا لنعْبُد الله وحْدهُ ونَذَر} نترك {ما كانَ يعبُد آباؤنا} من الأصنام صداءً وصموداً، والمراد بالمجىء القصد على المجاز لا حقيقة المجىء، يقال: جاءهم الرسول ولو كان فيهم هذا ما ظهر لى، ويحتمل أنه كان يعبد الله فى موضع معتزلا عنهم، ولما أوحى إليه جاءهم ليبلغ، وأرادوا أجئتنا من الله على التهكم، وكانوا يعتقدون أن الله لا يرسل إلا الملائكة، كأنه قيل: أجئتنا من السماء كما يجىء الملك؟ والاستفهام توبيخ أو تهكم، استبعدوا أن بعدوا الله وحده، ويترك ما ألفوه من عبادة الأصنام، ووجدوا عليه الآباء، وكانوا يثبتون الله، ولكن أنكروا أن يعبدوه وحده، وقيل جحدوه وإنما ذكروه اتباعا لكلام هود، والأول ظهر فى الآية، ولأن عبدة الأصنام فى الغالب يثبتونه، وجحده بعض عبدتها كما جحده من يدعى الربوبية لنفسه كفرعون ونمرود. {فأتِنا بما تعِدُنا} من العذاب الذى يدل عليه قوله: {أية : أفلا تتقون} تفسير : فإن الاتقاء يكون مما هو عذاب فى مثل ذلك المقام {إن كُنتَ منَ الصَّادِقينَ} فيه، أو فى الرسالة، وذلك منهم استبعاد كما يقول المولى لعبده: اضربنى اضربنى.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا أَجِئْتَنَا} من مسكنك أَو موضع عبادتك كما أَوحى الله إِلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى حراءَ فجاءَ قومه يدعوهم، أَو جئتنا من السماء كالملك، واعتقدوا أَن الله لا يرسل إِلا ملكاً وهذا تهكم، أَو من الله، أَو أَقصدتنا وتعرضت لنا. ولم يريدوا المجئ من موضع {لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الأَصنام {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} أَى تعدناه من العذاب بالتعدية لاثنين أَو تعدنا به وحذف الضمير ولو لم يتعلق بمثل ما تعلق به الموصول. وقد قال بعض بقياس ذلك إِذا ظهر المراد {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فى إِخبارك بزوال العذاب المشار إِليه بأَفلا تتقون على ترك الإِيمان بك.

الالوسي

تفسير : {قَالُوا} مجيبين عن تلك النصائح العظيمة المتضمنة للإنذار على ما أشير إليه. {أَجئْتَنَا لنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ} أي لنخصه بالعبادة {وَنَذَرَ} أي نترك {مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا} من الأوثان، وهذا إنكار واستبعاد لمجيئه عليه السلام بذلك ومنشؤه انهماكهم في التقليد والحب لما ألفوه وألفوا عليه أسلافهم، ومعنى المجىء إما مجيئه عليه السلام من مكان كان يتحنث فيه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بحراء قبل المبعث أو مجيئه من السماء أي أنزلت علينا من السماء ومرادهم التهكم والاستهزاء، وجاء ذلك من زعمهم أن المرسل من الله تعالى لا يكون إلا ملكاً من السماء أو هو مجاز عن القصد إلى الشيء والشروع فيه فإن جاء وقام وقعد وذهب ـ كما قال جماعة ـ تستعملها العرب لذلك تصويراً للحال فتقول قعد يفعل كذا وقام يشتمني وقعد يقرأ وذهب يسبني، ونصب {وحده} على الحالية، وهو عند جمهور النحويين ومنهم الخليل وسيبويه اسم موضوع موضع المصدر أعني إيحاد الموضوع موضع الحال أعني موحداً. واختلف هؤلاء فيما إذا قلت: رأيت زيداً وحده مثلاً فالأكثرون يقدرون في حال إيحاد له بالرؤية فيجعلونه حالاً من الفاعل، والمبرد يقدره في حال أنه مفرد بالرؤية فيجعله حالاً من المفعول. ومنع أبو بكر بن طلحة جعله حالاً من الفاعل وأوجب كونه حالاً من المفعول لا غير لأنهم إذا أرادوا الحال من الفاعل قالوا رأيته وحدي ومررت به وحدي كما قال الشاعر: شعر : والذئب أخشاه أن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا تفسير : وهذا الذي قاله في البيت صحيح ولا يمتنع من أجله أن يأتي الوجهان المتقدمان في رأيت زيداً وحده / فإن المعنى يصح معهما، ومنهم من يقول: إنه مصدر موضوع موضع الحال ولم يوضع له فعل عند بعضهم. وحكى الأصمعي وحديحد، وذهب يونس وهشام في أحد قوليه إلى أنه منتصب انتصاب الظروف فجاء زيد وحده في تقدير جاء على وحده ثم حذف الجار وانتصب على الظرف، وقد صرح بعلى في كلام بعض العرب، وإذا قيل زيد وحده فالتقدير زيد موضع التفرد، ولعل القائل بما ذكر يقول: إنه مصدر وضع موضع الظرف. وعن البعض أنه في هذا منصوب بفعل مضمر كما يقال: زيد إقبالاً وإدباراً هذا خلاصة كلامهم في هذا المقام، وإذا أحطت به خبراً فاعلم أن (نعبد الله وحده) في تقدير موحدين إياه بالعبادة عند سيبويه على أنه حال من الفاعل، والحاء في موحدين مكسورة وعلى رأي ابن طلحة موحداً هو والحاء مفتوحة وهو من أوحد الرباعي والتقدير على رأي هشام نعبد الله تعالى على انفراد وهو من وحد الثلاثي، والمعنى في التقادير الثلاثة لا يختلف إلا يسيراً، والكلام الذي هو فيه متضمن للإيجاب والسلب وله احتمالات نفياً وإثباتاً وتفصيل ذلك في رسالة مولانا تقي الدين السبكي المسماة بــ «بالرفدة في معنى وحده» وفيها يقول الصفدي: شعر : خل عنك الرقدة وانتبه للرفدة تجن منها علماً فاق طعم الشهدة تفسير : وأراد ـ بما في قوله تعالى: {فَأْتنَا بمَا تَعدُنَا} العذاب المدلول عليه بقوله تعالى: { أية : أفلا تتقون } تفسير : [الأعراف: 65] {إنْ كُنْتَ منَ ٱلصَّادقينَ} بالإخبار بنزوله، وقيل: بالإخبار بأنك رسول الله تعالى إلينا، وجواب {إن} محذوف لدلالة المذكور عليه أي فأت به.

ابن عاشور

تفسير : جاوبوا هوداً بما أنبأ عن ضياع حجّته في جنب ضلالة عقولهم ومكابرة نفوسهم، ولذلك أعادوا تكذيبه بطريق الاستفهام الإنكاري على دعوته للتّوحيد، وهذا الجواب أقلّ جفوة وغلِظة من جوابهم الأوّل، إذ قالوا: {أية : إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنّك من الكاذبين}تفسير : [الأعراف: 66] كأنّهم راموا استنزل نفس هود ومحاولة إرجاعه عمّا دعاهم إليه، فلذلك اقتصروا على الإنكار وذكروه بأنّ الأمر الذي أنكرهُ هوَ دينُ آباء الجميع تعريضاً بأنّه سفّه آباءه، وهذا المقصد هو الذي اقتضى التّعبير عن دينهم بطريق الموصولية في قولهم: {ما كان يعبد آباؤنا} إيماء إلى وجه الإنكار عليه وإلى أنه حقيق بمتابعة دين آبائه، كما قال الملأُ من قريش لأبي طالب حين دعاه النّبيء صلى الله عليه وسلم أنْ يقول: «حديث : لا إلٰه إلا الله»تفسير : عند احتضاره فقالوا لأبي طالب: «أترغَبُ عن ملّة عبد المطّلب». واجتلاب (كانَ) لتدلّ على أن عبادتهم أمر قديم مَضت عليه العصور. والتّعبير بالفعل وكونه مضارعاً في قوله: {يَعبد} ليدلّ على أنّ ذلك متكرّر من آبائهم ومتجدّد وأنّهم لا يَفتُرون عنه. ومعنى {أجئتنا} أقصدتَ واهتممت بنا لنعبد الله وحده فاستعير فعل المجيء لمعنى الاهتمام والتّحفّز والتّصلّب، كقول العرب: ذَهب يفعل، وفي القرآن: {أية : يأيها المدّثّر قُمْ فأنْذِر}تفسير : [المدثر: 1، 2] وقال حكاية عن فرعون: {أية : ثمّ أدْبَر يَسْعَى فحشر فنادى}تفسير : [النازعات: 22، 23] وفرعون لم يفارق مجلس ملكه وإنّما أريد أنّه أعرض واهتمّ ومثله قولهم ذهب يفعل كذا قال النّبهاني:شعر : فإن كنتَ سيّدَنّا سُدْتَنا وإن كُنْتَ لِلْخَال فاذْهب فَخلْ تفسير : فقصدوا ممّا دلّ عليه فعل المجيء زيادة الإنكار عليه وتسفيهَه على اهتمامه بأمر مثل ما دعاهم إليه. و{وحده} حال من اسم الجلالة وهو اسم مصدر أوْحَده: إذا اعتقده واحداً، فقياس المصدر الإيجاد، وانتصب هذا المصدر على الحال: إمّا من اسم الجلالة بتأويل المصدر باسم المفعول عند الجمهور أي مُوحَّداً أي محكوماً له بالوحدانيه، وقال يونس: هو بمعنى اسم الفاعل أي موحِّدين له فهو حال من الضّمير في {لنعبد}. وتقدّم معنى: {ونذر} عند قوله تعالى: {أية : وذر الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً} تفسير : في سورة الأنعام (70). والفاء في قوله: فأننا بما تعدنا} لتفريع طلب تحقيق ما توعدهم به، وتحدّياً لهود، وإشعاراً له بأنّهم موقنون بأنْ لا صِدْق للوعيد الذي يتوعّدهم فلا يخشون ما وعدهم به من العذاب. فالأمر في قولهم: {فأتنا} للتّعجيز. والإتيان بالشّيء حقيقته أن يجيء مصاحباً إيَّاه، ويستعمل مجازاً في الإحضار والإثبات كما هنا. والمعنى فعجل لنا ما تعدنا به من العذاب، أو فحقّق لنا ما زعمتَ من وعيدنا. ونظيرُه الفعلُ المشتقّ من المجيء مثل {أية : ما جئتنَا ببيّنة}تفسير : [هود: 53] {أية : الآن جئتَ بالحقّ}تفسير : [البقرة: 71]. وأسندوا الفعل إلى ضميره تعريضاً بأن ما توعدهم به هو شيء من مختلقاته وليس من قِبَل الله تعالى، لأنّهم يزعمون أنّ الله لا يحبّ منهم الإقلاع عن عبادة آلهتهم، لأنّه لا تتعلّق إرادته بطلب الضّلال في زعمهم. والوعد الذي أرادوه وعْد بالشرّ، وهو الوعيد، ولم يتقدّم ما يفيد أنّه توعّدهم بسوء، فيحتمل أن يكون وعيداً ضمنياً تضمّنه قوله: {أية : أفلا تتّقون}تفسير : [الأعراف: 65] لأنّ إنكاره عليهم انتفاء الاتّقاء دليل على أنّ ثمّة ما يُحذر منه، ولأجل ذلك لم يُعَيِّنوا وعيداً في كلامهم بل أبهموه بقولهم {بما تعدنا}، ويحتمل أن يكون الوعيد تعريضاً من قوله: {أية : إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69] المؤذن بأنّ الله استأصل قوم نوح وأخلفهم بعاد، فيوشك أن يستأصل عادا ويخلفهم بغيرهم. وعقّبوا كلامهم بالشّرط فقالوا: {إن كنتَ من الصّادقين} استقصاء لمقدرته قصداً منهم لإظهار عجزه عن الإتيان بالعذاب فلا يسعه إلاّ الاعتراف بأنّه كاذب، وجواب الشّرط محذوف دلّ عليه ما قبله تقديره: أتيتَ به وإلاّ فلست بصادق. فأجابهم بأن أخبرهم بأنّ الله قد غضب عليهم، وأنّهم وقع عليهم رجس من الله. والأظهر أنّ: {وقع} معناه حَق وثبت، من قولهم للأمر المحقّق: هذا وَاقع، وقولهم للأمر المكذوب: هذا غير واقع، فالمعنى حَقّ وقُدر عليكم رجس وغضب. فالرّجس هو الشّيء الخبيث، أطلق هنا مجازاً على خبث الباطن، أي فساد النّفس كما في قوله تعالى: {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 125] ــــ وقوله ــــ {أية : كذلك يجعل الله الرّجس على الذين لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 125]. والمعنى أصاب الله نفوسهم بالفساد لكفرهم فلا يقبلون الخير ولا يصيرون إليه، وعن ابن عبّاس أنّه فَسَّر الرّجس هنا باللّعنة، والجمهور فسّروا الرّجس هنا بالعذاب، فيكون فعل: {وقَعَ} من استعمال صيغة المضي في معنى الاستقبال، إشعاراً بتحقيق وقوعه؟ ومنهم من فسّر الرّجس بالسّخط، وفسّر الغضب بالعذاب، على أنّه مجاز مرسَل لأنّ العذاب أثر الغضب، وقد أخبَر هود بذلك عن علم بوحي في ذلك الوقت أو من حين أرسله الله، إذْ أعلمه بأنّهم إن لم يرجعوا عن الشّرك بعد أن يُبَلِّغهم الحجّة فإنّ عدم رجوعهم علامة على أنّ خبث قلوبهم متمكّن لا يزول، ولا يرجى منهم إيمان، كما قال الله لنوح: {أية : لن يُؤمن من قومك إلاّ مَن قد آمن}تفسير : [هود: 136]. وغضب الله تقديره: الإبعاد والعقوبة والتّحقير، وهي آثار الغضب في الحوادث، لأنّ حقيقة الغضب: انفعال تنشأ عنه كراهيّة المغضوب عليه وإبعادُه وإضراره. وتأخير الغضب عن الرّجس لأنّ الرّجس، وهو خبث نفوسهم، قد دلّ على أنّ الله فطرهم على خبث بحيث كان استمرارهم على الضّلال أمراً جِبلّياً، فدلّ ذلك على أنّ الله غضب عليهم. فوقوع الرجس والغضب عليهم حاصل في الزّمن الماضي بالنّسبة لوقت قول هود. واقترانُه بــــ {قد} للدّلالة على تقريب زمن الماضي من الحال: مثل قَد قامت الصّلاة. وتقديم: {عليكم من ربّكم} على فاعل الفعل للاهتمام بتعجيل ذكر المغضوب والغاضب، إيقاظاً لبصائرهم لعلّهم يبادرون بالتّوبة، ولأنّ المجرورين متعلّقان بالفعل فناسب إيلاؤهما إياه، ولو ذُكرا بعد الفاعل لتُوهِّم أنّهما صفتان له، وقدم المجرور الذي هو ضميرهم، على الذي هو وصف ربّهم لأنّهم المقصود الأوّل بالفعل. ولمّا قَدّم إنذارهم بغضب الله عاد إلى الاحتجاج عليهم بفساد معتقدهم فأنكر عليهم أن يجادلوا في شأن أصنامهم. والمجادلة: المحاجة. وعبّر عن الأصنام بأنّها أسماء، أي هي مجرّد أسماء ليست لها الحقائق التي اعتقدوها ووضعوا لها الأسماء لأجل استحضارها، فبذلك كانت تلك الأسماء الموضوعة مجرّد ألفاظ، لانتفاء الحقائق التي وضعوا الأسماء لأجلها. فإنّ الأسماء توضع للمسمّيات المقصودة من التّسمية، وهم إنّما وضعوا لها الأسماء واهتمّوا بها باعتبار كون الإلهيّة جزءاً من المسمَّى الموضوع له الاسم، وهو الدّاعي إلى التّسميّة، فمعاني الإلٰهية وما يتبعها ملاحظةٌ لمن وَضَع تلك الأسماء، فلمّا كانت المعاني المقصودة من تلك الأسماء منتفية كانت الأسماء لا مسمّياتتٍ لها بذلك الاعتبار، سواء في ذلك ما كان منها له ذوات وأجسام كالتّماثيل والأنصاب، وما لم تكن له ذات، فلعلّ بعص آلهة عاد كان مجرّد اسم يذكرونه بالإلهيّة ولا يجعلون له تمثالاً ولا نُصباً، مثل ما كانت العزى عند العرب، فقد قيل: إنهم جعلوا لها بيتاً ولم يجعلوا لها نصباً وقد قال الله تعالى في ذلك: {أية : إن هي إلاّ أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}تفسير : [النجم: 23]. وذكر أهل الأخبار أنّ عادا اتّخذوا أصناماً ثلاثة وهي (صَمُود) ــــ بفتح الصّاد المهملة بوزن زَبُور. و{صُداء} ــــ بضمّ الصّاد المهملة مضبوطاً بخط الهَمَذاني محشي «الكشاف» في نسخة من حاشيته المسمّاة «توضيح المشكلات» ومنسوخة بخطّه، وبدال مهملة بعدها ألف ولم أقف على ضبط الدّال بالتّشديد أو بالتّخفيف: وقد رأيت في نسخة من «الكشاف» مخطوطة موضوعاً على الدّال علامة شدّ، ولستُ على تمام الثّقة بصحّة النّسخة، وبعد الألف همزة كما هو في نسخ «الكشاف» و«تفسير البغوي»، وكذلك هو في أبيات موضوعة في قصّة قوم عاد في كتب القَصص. ووقع في نسخة «تفسير ابن عطيّة» وفي «مروج الذّهب» للمسعودي، وفي نسخه من شرح ابن بدرون على قصيدة ابن عبدون الأندلسِي بدون همزة بعد الألف). و(الهباء) ــــ بالمدّ في آخره مضبوطاً بخطّ الهمذاني في نسخة حاشيته على «الكشاف»، وفي نسخة «الكشاف» المطبوعة، وفي «تفسيري» البغوي والخازن، وفي الأبيات المذكورة آنفاً. ووقع في نسخة قلمية من «الكشاف» بألف دون مدّ. ولم أقف على ضبط الهاء، ولم أر ذكر صداء والهباء فيما رأيت من كتب اللّغة. وعطف على ضمير المخاطبين: {وآبَاؤكم} لأنّ من آبائهم من وضع لهم تلك الأسماء، فالواضعون وضعوا وسَمَّوْا، والمقلّدون سمَّوْا ولم يضَعوا، واشترك الفريقان في أنّهم يذكرون أسماء لا مسمّيات لها. و{سمّيتموها} معناه: ذكرتموها بألسنتكم، كما يقال: سمّ الله، أي ذاكر اسمه، فيكون سمّى بمعنى ذكر لفظ الاسم، والألفاظ كلّها أسماء لمدلولاتها، وأصل اللّغة أسماء قال تعالى: {أية : وعلم آدم الأسماء كلّها}تفسير : [البقرة: 31]، وقال لبيد:شعر : إلى الحول ثمّ اسمُ السّلامُ عليكُما تفسير : أي لفظه. وليس المراد من التّسمية في الآية وضع الاسم للمسمّى، كما يقال: سمّيت ولدي كذا، لأنّ المخاطبين وكثيراً من آبائهم لاحظّ لهم في تسميّة الأصنام، وإنّما ذلك من فعل بعض الآباء وهم الذين انتحلوا الشّرك واتّخذوه ديناً وعلَّموه أبناءهم وقومهم، ولأجل هذا المعنى المقصود من التّسمية لم يُذكر لفعل «سمّيتم» مفعول ثان ولا متعلِّق، بل اقتصر على مفعول واحد. والسلطانُ: الحجّة التي يصدّق بها المخالفُ، سمّيت سلطاناً لأنّها تتسلّط على نفس المعارض وتقنعه، ونَفَى أن تكون الحجّة منزلة من الله لأنّ شأن الحجّة في مثل هذا أن يكون مخبَراً بها من جانب الله تعالى، لأنّ أمور الغيب ممّا استأثر الله بعلمه. وأعظم المغيَّبات ثبوت الإلهيّة لأنّها قد يَقصر العمل عن إدراكها فمن شأنها أن تُتلقى من قبل الوحي الإلهي. والفاء في قوله: {فانتظروا} لتفريع هذا الإنذار والتّهديد السّابق، لأنّ وقوع الغضب والرّجس عليهم، ومكابرتهم واحتجاجهم لما لا حجّة له، ينشأ عن ذلك التّهديد بانتظار العذاب. وصيغة الأمر للتّهديد مثل: {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : [فصلت: 40]. والانتظار افتعال من النّظر بمعنى التّرقّب، كأنّ المخاطب أمِر بالتّرقّب فارْتقبَ. ومفعول: {انتظروا} محذوف دلّ عليه قوله: {رجس وغضب} أي فانتظروا عقاباً. وقوله: {إني معكم من المنتظرين} استيناف بياني لأنّ تهديده إياهم يثير سؤالاً في نفوسهم أن يقولوا: إذا كنّا ننتظر العذاب فماذا يكون حالُك، فبيّن أنّه ينتظر معهم، وهذا مقام أدب مع الله تعالى كقوله تعالى تَلْقِيناً لرسوله محمّد صلى الله عليه وسلم «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» فهودٌ يخاف أن يشمله العذاب النّازل بقومه وذلك جائز كما في الحديث: أنّ أمّ سلمة قالت: «أنهلك وفينا الصّالحون» قال: «حديث : نعم إذا كثر الخبث»تفسير : . وفي الحديث الآخر: «حديث : ثمّ يحشرون على نيّاتهم» تفسير : ويجوز أن ينزّل بهم العذاب ويراه هود ولكنّه لا يصيبه، وقد روي ذلك في قصّته ويجوز أن يبعده الله وقد روي أيضاً في قصته بأن يأمره بمبارحة ديار قومه قبل نزول العذاب:

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ونذر: أي نترك. بما تعدنا: أي من العذاب. رجسٌ: سخطٌ موجبٌ للعذاب. أتجادلونني: أي أتخاصمونني. من سلطان: أي من حجَّة ولا برهان يثبت أنها تستحق العبادة. دابر: دابر القوم آخرهم لأنه إذا هلك آخر القوم هلك أولهم بلا ريب. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص هود عليه السلام، فهاهم أولاء يردُّون على دعوة هود بقول الملأ منهم {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} وتهددنا إن نحن لم نترك عبادة آلهتنا، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} به من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في دعواك فرد هود عليه السلام على قولهم هذا قائلاً قد وقع عليكم رجس أي سخط وغضب من الله تعالى وأن عذابكم لذلك أصبح متوقعاً في كل يوم فانتظروا ما سَيَحِلُّ بكم {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} قال تعالى {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي بعد إنزال العذاب، ومن معه من المؤمنين برحمة منا خاصة لا تتم إلا لمثلهم، {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} أهلكناهم بخارقة ريح تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وكذلك جزاء الظالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- احتجاج المشركين على صحَّة باطلهم بفعل آبائهم وأجدادهم يكاد يكون سنّةً مطَّردةً في الأمم والشعوب، وهو التقليد المذموم. 2- من حمق الكافرين استعجالهم بالعذاب، ومطالبتهم به. 3- آلهة الوثنيين مجرّد أسماء لا حقائق لها إذ إطلاق المرء اسم إله على حجر لا يجعله إلهاً ينفع ويضر، ويحيي ويميت. 4- قدرة الله تعالى ولطفه تتجلَّى في إهلاك عاد وإنجاء هود والمؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَاؤُنَا} {ٱلصَّادِقِينَ} (70) - فَتَكَبَّرُوا وَطَغَوا، وَزَادُوا فِي عِنَادِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَقَالُوا لِهُودٍ: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَنَتَخَلَّى عَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ التِي كَانَ يَعْبُدُها آبَاؤُنا، فَهَذا لَنْ يَكُونَ أَبَداً. وَإِذا كُنْتَ صَادِقاً بِأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَأْتِنا بِمَا حَذَّرْتَنا مِنْهُ مِنَ العَذَابِ عَلَى تَرْكِ الإِيمَانِ بِرَبِّكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كان المنطق أن يعبدوا الله وحده لا أن يعبدوا الشركاء الذين لا ينفعوهم ولا يضرونهم، ولا يسمعونهم. بل إن الواحد منهم كان يرى الهواء يهب على الصنم، فيميل الصنم ويقع على الأرض وتنكسر رقبته، فيذهب إلى الحداد ليعيد تركيب رأس جديد للصنم، فكيف يعبد مثل هذا الصنم؟ لكنهم قالوا لهود: نحن نقلد آباءنا ولا يمكن أن نترك ما كان يعبد آباؤنا لأننا على آثارهم نسير. وإن كان إلهك ينذرنا بعذاب فأتنا به إن كنت من الصادقين. وهكذا وضح أنه لا أمل في اقتناعهم بالدعوة إلى الإِيمان. فماذا يقول الحق بعد ذلك؟ يجيء القول الفصل على لسان سيدنا هود: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ...}