Verse. 1025 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّنْ رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَّغَضَبٌ۝۰ۭ اَتُجَادِلُوْنَنِيْ فِيْۗ اَسْمَاۗءٍ سَمَّيْتُمُوْہَاۗ اَنْتُمْ وَاٰبَاۗؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللہُ بِہَا مِنْ سُـلْطٰنٍ۝۰ۭ فَانْتَظِرُوْۗا اِنِّىْ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِيْنَ۝۷۱
Qala qad waqaAAa AAalaykum min rabbikum rijsun waghadabun atujadiloonanee fee asmain sammaytumooha antum waabaokum ma nazzala Allahu biha min sultanin faintathiroo innee maAAakum mina almuntathireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال قد وقع» وجب «عليكم من ربَّكم رجس» عذاب «وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها» أي سميتم بها «أنتم وآباؤكم» أصناما تعبدونها «ما نزَّل الله بها» أي بعبادتها «من سلطان» حجة وبرهان «فانتظروا» العذاب «إني معكم من المنتظرين» ذلكم بتكذيبكم لي فأرسلت عليهم الريح العقيم.

71

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ قَدْ وَقَعَ } وجب {عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ } عذاب {وَغَضَبٌ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِى أَسْمآءٍ سَمَّيْتُمُوهآ } أي سميتم بها {أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ } أصناماً تعبدونها {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا } أي بعبادتها {مِّن سُلْطَٰنٍ } حجة وبرهان {فَٱنتَظِرُواْ } العذاب {إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ } ذلكم بتكذيبكم لي فأُرسلت عليهم الريح العقيم.

ابن عطية

تفسير : أعلمهم بأن القضاء قد نفذ وحل عليهم الرجس وهو السخط والعذاب يقال "رجس ورجز" بمعنى واحد، قاله أبو عمرو بن العلاء، وقال الشاعر: [الطويل] شعر : إذا سنة كانت بنجد محيطة فكان عليهم رجسها وعذابها تفسير : وقد يأتي الرجس أيضاً بمعنى النتن والقذر، ويقال في الرجيع رجس وركس، وهذا الرجس هو المستعار للمحرمات، أي ينبغي أن يجتنب كما يجتنب النتن، ونحوه في المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر جهجاه الغفاري وسنان بن وبرة الأنصاري حين دعوا بدعوى الجاهلية: "حديث : دعوها فإنها منتنة" تفسير : . وقوله: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} إنما يريد أنهم يخاصمونه في أن تسمى آلهة، فالجدل إنما وقع في التسميات لا في المسميات، لكنه ورد في القرآن {أية : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم} تفسير : [يوسف:40] فهنا لا يريد إلا ذوات الأصنام، فالاسم إنما يراد به المسمى نفسه. قال القاضي أبو محمد: ومن رأى أن الجدل في هذه الآية إنما وقع في أنفس الأصنام وعبادتها تأول هذا التأويل، والاسم يرد في كلام العرب بمعنى التسمية وهذا بابه الذي استعمله به النحويون، وقد يراد به المسمى ويدل عليه ما قاربه من القول، من ذلك قوله تعالى: {أية : سبح اسم ربك الأعلى} تفسير : [الأعلى:1] وقوله {أية : تبارك اسم ربك} تفسير : [الرحمن:78] على أن هذا يتأول، ومنه قول لبيد: [الطويل] شعر : إلى الحوِل ثمَّ اسمُ السلام عليكما تفسير : على تأويلات في البيت، وقد مضت المسألة في صدر الكتاب والسلطان: البرهان وقوله {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} الآية وعيد وتهديد. والضمير في قوله "أنجيناه" عائد على "هود" أي أخرجه الله سالماً ناجياً مع من اتبعه من المؤمنين برحمة الله وفضله، وخرج هود ومن آمن معه حتى نزلوا مكة فأقاموا بها حتى ماتوا {وقطعنا دابر} استعارة تستعمل فيمن يستأصل بالهلاك، و "الدابر" الذي يدبر القوم ويأتي خلفهم: فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك فلم يبق أحد وقوله {كذبوا بآياتنا} دال على المعجزة وإن لم تتعين لها. وقوله تعالى: {وإلى ثمود} الآية، هو "ثمود" بن غاثن بن أرم بن سام بن نوح أخو جديس بن غاثن، وقرأ يحيى بن وثاب "وإلى ثمودٍ" بكسر الدال وتنوينه في جميع القرآن، وصرفه على اسم الحي وترك صرفه على اسم القبيلة، قاله الزجاج، وقال الله تعالى: {ألا إن ثموداً كفروا ربهم} فالمعنى: وأرسلنا "إلى ثمود أخاهم" فهو عطف على نوح والأخوة هنا أخوة القرابة، وقال الزجاج يحتمل أن تكون أخوة الآدمية، وسمى {أخاهم} لما بعث إليهم وهم قوم عرب و "هود وصالح" عربيان، وكذلك إسماعيل وشعيب، كذا قال النقاش، وفي أمر إسماعيل عليه السلام نظر، وصالح عليه السلام هو صالح بن عبيد بن عارم بن أرم بن سام بن وح كذا ذكر مكي، وقال وهب بعثه الله حين راهق الحلم، ولما هلك قومه ارتحل بمن معه إلى مكة، فأقاموا بها، حتى ماتوا فقبورهم بين دار الندوة والحجر، وقوله {بينة} صفة حذف الموصوف وأقيمت مقامه، قال سيبويه وذلك قبيح في النكرة أن تحذف وتقام صفتها مقامها، لكن إذا كانت الصفة كثيرة الاستعمال مشتهرة وهي المقصود في الأخبار والأمم زال القبح، كما تقول جاءني عبد لبني فلان وأنت تريد جاءني رجل عبد لأن عبداً صفة فكذلك قوله هنا {بينة}، المعنى آية أو حجة أو موعظة "بينة"، وقال بعض الناس إن "صالحاً" جاء بالناقة من تلقاء نفسه، وقالت فرقة وهي الجمهور: بل كانت مقترحة. قال القاضي أبو محمد: وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم، وروي أن بعضهم قال "يا صالح" إن كنت صادقاً فادع ربك يخرج لنا من هذه الهضبة وفي بعض الروايات من هذه الصخرة لصخرة بالحجر يقال لها الكاثبة ناقة عشراء قال فدعا الله فتمخضت تلك الهضبة وتنفضت وانشقت عن ناقة عظيمة، وروي: أنها كانت حاملاً فولدت سقبها المشهور، وروي أنه خرج معها فصيلها من الصخرة، وروي: أن جملاً من جمال {ثمود} ضربها فولدت فصيلها المشهور، وقيل {ناقة الله} تشريفاً لها وتخصيصاً، وهي إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج: وقيل إنها ناقة من سائر النوق وجعل الله لها شرباً يوماً ولهم شرب يوم، وكانت الآية في شربها وحلبها. قال القاضي أبو محمد: وحكى النقاش عن الحسن أنه قال: هي ناقة اعترضها من إبلهم ولم تكن تحلب والذي عليه الناس أقوى وأصح من هذا، قال المفسرون: وكانت حلفاً عظيماً تأتي إلى الماء بين جبلين فيزحمانها من العظم وقاسمت {ثمود} في الماء يوماً بيوم فكانت ترد يومها فتستوفي ماء بئر همشريا ويحلبونها وما شاؤوا من لبن ثم تمكث يوماً وترد بعد ذلك غياً، فاستمر ذلك ما شاء الله حتى أماتها {ثمود} وقالوا ما نصنع باللبن، الماء أحب إلينا منه، وكان سبب الملل فيما روي أنها كانت تصيف في بطن الوادي وادي الحجر وتستوفي ظاهره فكانت مواشيهم تفر منها فتصيف في ظهر الوادي للقيظ، وتستوفي باطنه للزمهرير وفسدت لذلك، فتمالؤوا على قتل الناقة فقال لهم "صالح" مرة إن هذا الشهر يولد فيه مولود يكون هلاككم على يديه، فولد لعشرة نفر أولاد فذبح التسعة أولادهم، وبقي العاشر وهو سالف أبو قدار، فنشأ قدار أحمر أزرق فكان التسعة إذا رأوه قالوا لو عاش بنونا كانوا مثل هذا، فاحفظهم إن قتلوا أولادهم بكلام صالح. فأجمعوا على قتله، فخرجوا وكمنوا في غار ليبيتوه منه وتقاسموا لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله، فسقط الغار عليهم فماتوا فهم الرهط التسعة الذين ذكر الله تعالى في كتابه هم قدار بن سالف، ومصرع بن مهرج ضما إلى أنفسهما سبعة نفر وعزموا على عقر الناقة، وروي أن السبب في ذلك أن امرأتين من {ثمود} من أعداء "صالح" جعلتا لقدار ومصرع أنفسهما وأموالهما على أن يعقرا الناقة وكانتا من أهل الجمال، وقيل إن قداراً شرب الخمر مع قوم فطلبوا ماء يمزجون به الخمر فلم يجدوه لشرب الناقة، فعزموا على عقرها حينئذ فخرجوا وجلسوا على طريقها وكمن لها قدار خلف صخرة، فلما دنت منه رماها بالحربة ثم سقطت فنحرها، ثم اتبعوا الفصيل فهرب منهم حتى علا ربوة ورغا ثلاث مرات واستغاث فلحقوه وعقروه، وفي بعض الروايات أنهم وجدوا الفصيل على رابية من الأرض فأرادوه فارتفعت به حتى لحقت به في السماء فلم يقدروا عليه فرغا الفصيل مستغيثاً بالله تعالى فأوحى الله إلى "صالح" أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، وحكى النقاش عن الحسن أنه قال إن الله تعالى أنطق الفصيل فنادى أين أمي؟ فقال لهم "صالح" إن العذاب واقع بكم في الرابع من عقر الناقة، وروي: أنه عقرت يوم الأربعاء وقال لهم "صالح" تحمر وجوهم غداً وتصفر في الثاني وتسود في الثالث وينزل العذاب في الرابع يوم الأحد، فلما ظهرت العلامة التي قال لهم أيقنوا واستعدوا ولطخوا أبدانهم بالمن، وحفروا القبور وتحنطوا فأخذتهم الصيحة وخرج صالح ومن معه حتى نزل رملة فلسطين. قال القاضي أبو محمد: وهذا القصص اقتضبته من كثير أورده الطبري رحمه الله رغبة الإيجاز، وقال أبو موسى الأشعري: أتيت بلاد {ثمود} فذرعت صدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً. قال القاضي أبو محمد: وبلاد {ثمود} هي بين الشام والمدينة، وهي التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غزوة تبوك فقال لا تدخلوا مساكين الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم اعتجر بعمامته وأسرع السير صلى الله عليه وسلم وروي أن المسافة التي أهلكت الصيحة أهلها هي ثمانية عشر ميلاً، وهي بلاد الحجر ومراتعها الجناب وحسمي إلى وادي القرى وما حوله، وقيل في قدار إنه ولد زنا من رجل يقال له ظيبان وولد على فراش سالف فنسب إليه ذكره قتادة وغيره، وذكر الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال أتعرفون ما هذا قالوا: لا، قال هذا قبر أبي رغال الذي هو أبو ثقيف كان من {ثمود} فأصاب قومه البلاء وهو بالحرم فسلم فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم فدفن هنا وجعل معه غصن من ذهب قال فابتدر القوم بأسيافهم فحفروا حتى أخرجوا الغصن. قال القاضي أبو محمد: وهذا الخبر يريد ما في السير من أن أبا رغال هو دليل الفيل وحبيسه إلى مكة والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {رِجْسٌ} عذاب، أو سخط، أو هو الرجز أًبدلت زايه سيناً. {سَمَّيْتُمُوهَآ} آلهة، أو سموا بعضاً بأن يسقيهم المطر والآخر أن يأتيهم بالرزق والآخر أن يشفي المرضى والآخر أن يصحبهم في السفر، قيل ما أمرهم هود إلا بالتوحيد والكف عن ظلم الناس فأبوا { أية : وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}تفسير : [فصلت: 15].

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المُنتَظِرِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا...} الآية: أعلمهم بأن القَضَاءَ قد نَفذ، وحَلَّ عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب. وقوله: {أَتُجَادِلُونَنِي في أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} أي: في مسمَّيات سميتموها آلهة، و{قَطَعْنَا دَابِرَ} ٱستعارةٌ تُسْتَعْمَلُ فيمن يُسْتأصَل بالهلاك، والدابر: الذي يَدْبُرُ القوم، ويأتي خَلْفَهُمُ، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد. وقوله: {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} دالّ على المعجزة، وإن لم تتعين. * ت *: ومن مُعْجِزَاتِهِ قوله: { أية : فَكِيدُونيِ جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنظِرونِ } تفسير : [هود:55] على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه.

القشيري

تفسير : إذا أراد اللهُ هوانَ عبدٍ طَرَحَه في مفازات التفرقة؛ وإنَّ من علامات غضبه وإعراضه ردَّ العبد إلى شهود الأغيار، وتغريقَه إياه في بحار الظنون، إذ لا تحصيل للأغيار في معنى الإثبات.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} هود عليه السلام {قد وقع عليكم} اى قد وجب فيكون مجازا من باب اطلاق المسبب على السبب فان نزول العذاب عليهم مسبب عن وجوب نزوله فى علمه تعالى {من ربكم} اى من جهته تعالى {رجس} عقاب من الارتجاس الذى هو الاضطراب {وغضب} ارادة انتقام {أتجادلوننى فى اسماء} عارية عن السمى جعل المجادل فيه اسماء مجردة عن المسميات لانهم كانوا يسمون الاصنام آلهة ويزعمون كونهم مستحقين للعبادة والحال انهم بمعزل عن الالوهية واستحقاق العبادة {سميتموها} اى سميتم بها {انتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان} اى حجة وبرهان فى عبادتها قوله سميتموها صفة للاسماء وكذا قوله ما انزل الله وقوله من سلطان مفعول انزل ومن مزيدة والمعنى أتجادلوننى فى مسميات لها اسم بدون ما يليق بها وتوجه الذم للتسمية الصرفة الخالية عن المعنى فلا يلزم ان يكون الاسم هو المسمى. قال فى التفسير الفارسى [فى اسماء دركار اين نامها يعنى اين بتان كه هريك را نامى نهاده آيد بعضى را سائقه مى كفتند وكمان ايشان آن بودكه باران از ايشان مى بارد وبعضى را حافظه مى خواندند بمظنه آنكه نكهبان درسفر ايشانند وهمجنين رازقه وسالمه واين الفاظ اسما بودند بى مسما جه اصنام راكه جمادات بودند قدرت برينها نبوده بس هود عليه السلام فرموده كه شما جدال ميكنيد بدين جيزها كه ازورى جهالت شما نام نهاده آيد ايشانرا] {فانتظروا} مترتب على قوله تعالى قد وقع عليكم اى فانتظروا ما تطلبونه بقولكم فائتينا بما تعدنا {انى معكم من المنتظرين} لما يحل بكم من العذاب.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية عما قال هود لقومه جوابا عما قالوه في الآية الاولى: أنه {قد وقع عليكم رجس وغضب} فالوقوع والسقوط والنزول نظائر. والوقوع وجود الشيء نازلا بالحدوث، فقد يكون بحدوثه، وقد يكون بحدوث غيره، كوقوع الحائط ونحوه. والرجس العذاب. وقيل: الرجس والرجز واحد فقلبت الزاي سيناً، كما قلبت السين تاء في قول الشاعر: شعر : ألا لحى الله بني السعلات عمرو بن يربوع لئام النات ليسوا باعفاف ولا أكيات تفسير : يريد الناس، ويريد أكياس. وقال رؤبة: شعر : كم قد رأينا من عديد ميزي حتى أقمنا كيده بالرجز تفسير : حكي ذلك عن أبي عمرو بن العلا. وقال ابن عباس: الرجس السخط، والغضب معنى يدعو الى الانتقام دعاء الانتقاص الطباع لشدة الانكار، ونقيضه الرضا، وهو معنى يدعو الى الانعام دعاء ميل الطباع. ومثل الغضب السخط، هذا قول الرماني. وقال غيره: الغضب هو ارادة العقاب بمستحقيه، ومثله السخط. والرضا هو الارادة إِلا أنها لا توصف بذلك إِلا اذا وقع مرادها ولم يتعقبها كراهة، ولهذا جاز إِطلاق ذلك على الله، ولو كان الأمر على ما قاله الرماني لما جاز أن يقال: إِن الله غضب على الكفار، ولا أنه سخط عليهم. وقوله {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} يعني ما أنزل الله بها من برهان، ولا نصب عليها حجة. والمعنى أتنازعونني في أسماء سميتموها يعني تسميتهم ما يعبدون من دون الله آلهة، ما أنزل الله عليكم بذلك حجة بما عبدتم، فالبينة عليكم بما ادعيتم وسميتم، وليس علي ان آتيكم بالبينة على ما تعبدون من دون الله بل ذلك عليكم، وعليَّ أن آتيكم بسلطان مبين أن الله تعالى هو المعبود وحده دون من سواه وأني رسوله. وقوله {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} قال الحسن: معناه انتظروا عذاب الله فانه نازل بكم، فاني معكم من المنتظرين لنزوله بكم، وهو قول الجبائي وغيره من المفسرين.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ} اى عذاب اتى بقد والماضى تحقيقاً لتحقّقه، او للاشارة الى انّ ما هم عليه من السّفاهة والضّلالة والمجادلة مع رسول الله (ص) عذابٌ اليمٌ، لكنّهم لا يدركون ألمه لكون مداركهم خدرةً {وَغَضَبٌ} اخّر الغضب مع انّه بالتّقديم اولى لتقدّمه ذاتاً وشرفاً، لانّه لا يظهر الاّ بالرّجس المسبّب عنه فالرّجس اسبق ظهوراً منه {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ} اعلم، انّ الاسم ما يدلّ على شيءٍ آخر بحيث لا يكون حين الدّلالة على المسمّى منظوراً اليه ومقصوداً ومحكوماً عليه بشيءٍ، سواء كان ذلك الدّالّ لفظاً او نقشاً او مفهوماً ذهنيّاً او ذاتاً خارجيّاً مثل لفظ زيد، فانّه اسم للّذات المعيّنة المخصوصة واذا اريد دلالته على تلك الّذات فى قولنا: جاء زيدٌ، لم يكن ذلك اللّفظ منظوراً اليه ولا محكوماً عليه هذا الاعتبار، بل النّظر والقصد الى تلك الّذات بحيث يكون اللّفظ مغفولاً عنه، وبهذا الاعتبار هو اسم للذّات ولا يحكم عليه بشيءٍ من الاحكام، واذا اعتبر هذا اللّفظ من حيث اعتباره فى نفسه مع قطع النّظر عن اعتبار دلالته على المسمّى بل من حيث انّه مركّب عن حروف ثلاثةٍ متحرّك الاوّل ساكن الاوسط يصير حينئذٍ محكوماً عليه ومنظوراً اليه ومسمّىً باسم اللّفظ والموضوع والاسم المقابل للفعل، وهذان الاعتباران كما هما ثابتان للالفاظ الدّالّة والاسماء اللّفظيّة كذلك ثابتان لكلّ ما يدلّ على غيره من الذّوات، ثمّ اعلم، انّ جميع الاشياء من الذّاوات النّوريّة الملكيّة والظّلمانيّة الطّبيعيّة والشّيطانيّة آثار صنعه تعالى ودوالّ وحدته وعلمه وقدرته ومظاهر جوده ولطفه وقهره، وهى بهذا الاعتبار اسماؤه ولا حكم لها ولا اسم ولا رسم وليست مسمّياتٍ وهى بهذا الاعتبار قضاؤه؛ والرّضا بها واجب وعبادتها عبادة الله ومحبّتها محبّة الله لانّها غير منظوراتٍ ولا مقصوداتٍ بهذا الاعتبار، واذا جعلت منظوراً اليها ومحكوماً عليها ومسمّيات باسمائها الخاصّة كانت بهذا الاعتبار مقابلاتٍ له تعالى وثوانى ولم تكن دوالّ ذاته وعلمه وقدرته بل كانت حينئذٍ مدلولات ومسميّات ومقتضيّاتٍ، والنّظر اليها وعبادتها والرّضا بها كفر وشرك والنّاظر ملوم ومذموم، وبهذا الاعتبار ورد: الرّضا بالكفر كفر. ثمّ اعلم، انّ الانسان ما لم يخرج من بيت نفسه ولم يهاجر الى رسول صدره ولم يتوجّه الى نبىّ قلبه باعانة ولىّ امره لا يمكن له النّظر الى الاشياء من حيث انّها دوالّ ذاته تعالى بل لا يرى فى الوجود الاّ الاشياء المتكثّرة المقابلة للوحدة مستقّلاتٍ مدولاتٍ مسمّياتٍ وان كانت بحسب الواقع ونفس الامر متعلّقاتٍ صرفةٍ غير مستقّلاتٍ لا حكم لها اصلاً، لكنّها فى نظر المتوطّن فى بيت نفسه وبلد طبعه لا شأن لها الاّ المباينة والاستقلال وعدم التّعلّق والدّلالة على شيءٍ، لكنّه لمّا كان مأموراً بالخروج من هذا البيت وحجّ بيت الله القلب والطّوف به بل الاقامة عنده ثمّ الوصول الى ربّه والحضور لديه، ولا يمكنه الخروج الاّ باعانة معاون خارجىّ ورفاقة رفيقٍ بشرىٍّ وكلّما فرض معاوناً له ليس فى نظره الاّ محكوماً عليه ومتسقلاًّ ومسمّى غير دالٍّ على الله وغير اسمٍ له، جعل الله تعالى له معاوناً يعينه على خروجه وامره باتّباعه ونصب له حجّة على جواز النّظر اليه والاخذ منه والتّضرّع لديه وان كان فى نظره مسمّى ومحكوماً عليه ومستقلاًّ، فكونه مطاعاً ومتبوعاً ومعبوداً عبادة الطّاعة مع كونه ثانياً لله ومقابلاً ومسمّى ومحكوماً عليه فى نظره ممّا انزل الله به حجّة وسلطاناً وليس النّاظر اليه مذموماً وملوماً ولا كافراً ومشركاً، اذا علمت ذلك فمعنى الآية لا ينبغى لكم المجادلة مع الرّسول فى تصحيح اسماء لا حكم لها وليست مسمّياتٍ ومستقّلاتٍ بل متعلّقات صرفة وروابط محضة جعلتموها انتم وآباؤكم مسمّياتٍ بمقتضى وقوفكم فى رساتيق انفسكم، والحال انّها {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا} اى معها او فيها او بسببها {مِن سُلْطَانٍ} اى سلطنة او حجّة وبرهان من هذه الحيثيّة اى كونها مسمّيات ومنظوراً حتّى يرفع اللّوم عنكم ويتبدّل شرككم بالنّظر الى الحجّة بالتّوحيد بوجهٍ ما {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} امر الله فى حقّكم وحقّى {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ} آمنوا {مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} التّقييد به تنبيه على انّه لا يجوز لاحدٍ النّظر الى عمله والاتّكال عليه، فانّ العمل ليس له الاّ اعداد القابل للقبول وامّا فعل الفاعل فغير مسبّبٍ عنه كما مرّ مراراً {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} تكليفاً {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} تكويناً او كلاهما عامّان او خاصّان بمعنىً واحدٍ، والثّانى تأكيد للاوّل ومعنى قطع الدّابر الاستيصال وعدم بقاء عقبٍ لهم، وورد انّ هوداً (ع) وصالحاً (ع) وشعيباً (ع) واسمعيل (ع) ونبيّنا (ص) كانوا يتكلّمون بالعربيّة.

اطفيش

تفسير : {قالَ قَد وقَع عليْكُم من ربِّكم رجْسٌ} ما يسوءكم {وغَضبٌ} سخط، أى قد سبقت لكم الشقاوة عند الله فالماضى على أصله، ويحتمل أن يريد بالرجس العذاب، وبوقوعه نزوله، ولو كان يقع حينئذ، لكنه لما كان واجب الوقوع صار كأنه واقع، ولا يخفى أن كونه واجبا وحقا لازما مسبب وملزوم لوقوعه، فذلك من المجاز المرسل، ويجوز أن يكون تعلق الرجس والغضب بهم مشبها بوقوع جسم من علو، فاستعير للتعلق لفظ الوقوع، واشتق منه وقع، فالمجاز استعارى، أو أراد قد وجب أن يقع عليكم الوجهان الأولان ظهرا لى، ثم رأيتها مع الثالث فى بعض الكتب، والحمد لله. وعلى كل حال، فالمعنى كأنكم بما وعدتكم، تقول لمن طلب منك شيئا: قد كان ذلك، ولسع زنبور عبد الرحمن بن حسان وهو طفل فجاء يبكى، فقال له أبوه حسان: مالك تبكى؟ قال: لسعنى طوير كان ملتفا فى بردى حيدرة، فضمه إلى صدره فقال: يا بنى لقد قلت الشعر، يريد تسليته عن اللسعة، أى كأنك يا بنى كبرت وصرت رجلا عظيما تقول الشعر، وعن بعضهم: الرجس العذاب من الارتجاس، وهو الاضطراب، والسخط إرادة الانتقام. {أتُجادِلونَنى} الاستفهام توبيخ أو تعجب أو إنكار لاستقامة جدالهم {فى أسْماءٍ سمَّيتمُوها أنتُم وآباؤكُم} وضعتموها لأصنامكم إذ سموا كلا منها إلهاً، وسموها بأسماء حسان غير ما مرَّ لها من الأسماء {ما نَزَّل اللهُ بِها} أى بتلك الأسماء {مِنْ سُلطانٍ} دليل قوى، أو برهان منصوب يدل على أنها مستحقة لتلك الأسماء الدالة على الألوهية والعظمة، والمستحق للعبادة والألوهية والعظمة هو الخالق الرازق النافع الضار بالعدل، لا من لا يملك لنفسه فضلا عن غيره دفع ضر ولا جلب نفع. فإذا جادلتم فى تلك الأصنام وذكرتموها بأسمائها فما تحصلتم إلا على أسماء، إذ لا توجد معانيها فى تلك الأصنام، وإنما قال سميتموها لتضمنه معنى وضعتموه كما رأيت، أو الأصل سميتم بها أصنامكم، فحذف الجار والمفعول به والمضاف إليه، وفى ذلك إظهار لجهلهم وحمقهم، كأنه قيل: أشد بجهلهم وحمقهم إذا اشتدوا فى الألوهية التى هى أمر عظيم على تسميتهم المجردة عن الدليل مثل: أعمى التقى فى طريقه بحجر فقال: ما أعظم شأنه، وما هو إلا إلهى. وزعم بعضهم أن فى الآية دلالة على أن الاسم قد يكون هو المسمى، وليس ذلك بشىء، فإنه ليس المراد بأسماء سميتموها مسميات وضعتم لها أسماء كما توهم، بل المراد ما تحصلتم فى أمر الأصنام إلا على أسماء مجردة عن معانيها، فإن معنى الألوهية مفقود فى الأصنام، وزعم أن فيها دالة على أن اللغات توقيفية وضعها الله بالوحى، أو بخلق أصوات تدل على ذلك، أو بخلق علم ضرورى بها، وبيان ذلك أنه علق العتاب والبطلان بأنها مخترعة لم ينزل بها سلطان، وليس بشىء من حيث إن العتاب والإبطال إنما وقع باتخاذهم أشياء آلهة ليس فيها معنى الألوهية، لا بالتسمية فقط، وقيل: وضعها إنسان أو جماعة، وتعلمها غيرهم بالتكرر وقرينة الإشارة كأطفال. وقيل القدر المحتاج توقيفى والباقى محتمل، وقيل: ابتداءها اصطلاح والباقى توقيف، واختار بعض الوقف، وأنا أختار التوقيف، لقوله تعالى: {أية : وعلم آدم الأسماء كلها}. تفسير : {فانتظِرُوا} نزول العذاب لإصراركم مع وضوح الحق {إنِّى مَعَكم مِنَ المنتظِرِينَ} نزوله.

اطفيش

تفسير : {قَالَ قَدْ وَقَعَ} مجاز عن حق أَو عن واجب لأَن الوقوع لازم للوجوب، وكون الشئ حقاً لا بد منه أَو مسبب عن ذلك، أَو شبه ما سيقع بما وقع لجامع تحقق الوقوع أَو الزمان الآتى بالماضى كأَنه قيل سيقع {عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ} عذاب بريح عقيم مأْخوذ من معنى الارتجاس، وهو الاضطراب لأَن المعذب فى أَشد الاضطراب {وَغَضَبٌ} إِرادة الانتقام، وهى توجه متعلق الإِرادة الأَزلية ولحمله، وكذا سائر الأَنبياء لم يجبهم بخشونة، فيجب تعلم ذلك، بل بنفى ما ادعوه عليه من السفاهة وبالوعظ والاحتجاج بما ذكر وبقوله {أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} الأَسماء الأَصنام المذكورة تعبدونها أَى اخترعتموها ووصفتموها فما له مفعولان كما قيل إِن الثانى محذوف، وإِن الاسم بمعنى المسمى، أَى فى أَشياء سميتموها آلهة أَو خالقة رازقة ومنزلة المطر ونحو ذلك، وقدر بعض ذوى أَسماء أَو ذوات أَسماء، ورد بعض الضمير إِلى السماء ومعنى كل واحد غير معنى الآخر، وهى أَن يكون الضمير بمعنى الأَلفاظ والأَسماء بمعنى الذوات أَو العكس على الاستخدام {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} شامل للأَجداد {ما نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانِ} حجة. واستدل بالآية على أَن الاسم هو المسمى لأَنهم يجادلون فى الأَصنام لا فى الأَلفاظ التى سميت بها، وكذا هو يجادلهم فى المسميات لا فى أَسمائها، وإِن جادلهم فى لفظ إِله فلانتفاء الأُلوهية عنها، واستدل بها أَيضاً على أَن اللغة توقيفية إِذ لو كانت اصطلاحية لم يذموا بتسميتهم الأَصنام آلهة من غير توقيف الله على تلك الأَسماء، والاستدلالان ضعيفان لأَنا نقول الأَسماء هى الأَلفاظ والمسميات مدلولاتها والذم على المجادلة فى الأَسماء لا يستلزم اتحاد الاسم بالمسمى، وشهر قولهم اسم بلا مسمى بمعنى أَنه مجرد عن معناه لعدم وجود معناه له فأَنكر عليهم تسميتها بما ليس معناه لها، فإِن الأُلوهية معدومة فيها وليس فى الآية أَنكم أَطلقتم هذا الاسم على المسمى من غير توقيف من الله جل وعز، بل باصطلاحكم فضلا عن أَن تكون الآية رداً عليهم، والذم لأَجل تسمية ما لا يليق بالألوهية إِلهاً لا لوقوع اللغة من عند أَنفسهم، {فَانْتَظِرُوا} نزول العذاب الذى تطلبونه بقولكم فأتنا بما تعدنا. والجملة مرتبة على قوله قد وقع عليكم إِلخ، أَو يقدر إِذا أَبيتم إِلا العناد فانتظروا، والأَمر تهديد أَو تحقير {إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ} لعذابكم لتكذيبكم، فأَرسلنا عليهم الريح.

الالوسي

تفسير : {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ} أي وجب وثبت. وأصل استعمال الوقوع في نزول الأجسام، واستعماله هنا فيما ذكر مجاز من إطلاق السبب على المسبب. ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تبعية والمعنى قد نزل عليكم، واختار بعضهم أن {وَقَعَ} بمعنى قضى وقدر لأن المقدرات تضاف إلى السماء وحرف الاستعلاء على ذلك ظاهر، وفي «الكشف» أن الوقوع بمعنى الثبوت وحرف الاستعلاء إما لأنه ثبوت قوي أكد ما يكون وآجبه أو لأنه ثبوت حسي لأمر نازل من علو وعذاب الله تعالى موصوف بالنزول من السماء فتدبر. والتعبير بالماضي لتنزيل المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى: { أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 1]. {مِّنْ رَّبِّكُمْ} أي من قبل مالك أمركم سبحانه وتعالى. والجار والمجرور قيل: متعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعد، والظاهر أنه متعلق بالفعل قبله، وتقديم الظرف الأول عليه مع أن المبدأ متقدم على المنتهي ـ كما قال شيخ الإسلام ـ للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم، وكذا تقديمهما على الفاعل وهو قوله تعالى: {رجْسٌ} مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما عطف عليه من قوله تعالى: {وَغَضَبٌ} فربما يخل تقديمهما بتجاوب النظم الكريم. والرجس العذاب وهو بهذا المعنى في كل القرآن عند ابن زيد من الارتجاس وهو والارتجاز بمعنى حتى قيل: إن أصله ذلك فأبدلت الزاي سيناً كما أبدلت السين تاء في قوله: شعر : ألا لحى الله بني السعلات عمرو بن يربوع شرار النات ليسوا بأعفاف ولا أكيات تفسير : فإنه أراد الناس وأكياس. وأصل معناه الاضطراب ثم شاع فيما ذكر لاضطراب من حل به، وعليه فالعطف في قوله: شعر : / إذا سنة كانت بنجد محيطة وكان عليهم رجسها وعذابها تفسير : للتفسير. والغضب عند كثير بمعنى إرادة الانتقام. وعن ابن عباس أنه فسر الرجس باللعنة والغضب بالعذاب وأنشد له البيت السابق وفيه خفاء. والذاهبون إلى ما تقدم إنما لم يفسروه بالعذاب لئلا يتكرر مع ما قبله، ولا يبعد أن يفسر الرجس بالعذاب والغضب باللعن والطرد على عكس ما نسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكون في الكلام حينئذٍ إشارة إلى حالهم في الأولى والأخرى. ويمكن إرجاع ما ذكره الكثير من المفسرين إلى هذا وإلا فالظاهر أنه لا لطافة في قولك: وقع عليهم عذاب وإرادة انتقام على ظاهر كلامهم. وأياً ما كان فالتنوين للتفخيم والتهويل. {أَتُجَادلُونَني في أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ} إنكار واستقباح لإنكارهم مجيئه عليه السلام داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك ما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأسماء عبارة عن تلك الأصنام الباطلة، وهذا كما يقال لما لا يليق ما هو إلا مجرد اسم، والمعنى أتخاصمونني في مسميات وضعتم لها أسماء لا تليق بها فسميتموها آلهة من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما لأن المستحق للمعبودية ليس إلا من أوجد الكل وهي بمعزل عن إيجاد ذرة وأنها لو استحق لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل وذلك قوله تعالى: {مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ بهَا منْ سُلْطَان} أي حجة ودليل وحيث لم يكن ذلك في حيز الإمكان تحقق بطلان ما هم عليه. والذم الذي يفهمه الكلام متوجه إلى التسمية الخالية عن المعنى المشحونة بمزيد الضلالة والغواية والافتراء العظيم، وقيل: إنهم سموها خالقة ورازقة ومنزلة المطر ونحو ذلك. والضمير المنصوب في {سميتموها} راجع لأسماء وهو ـ على ما قيل ـ المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف حسبما أشير إليه. وقيل: المفعول الأول محذوف والضمير هو المفعول الثاني والمراد سميتم أصنامكم بها. وقيل: المراد من سميتموها وصفتموها فلا حاجة له إلى مفعولين، وحمل الآية على ما ذكر أولاً في تفسيرها هو الذي اختاره جمع وجوز بعضهم أن يكون الكلام على حذف مضاف أي أتجادلونني في ذوي أسماء. وادعى آخرون جواز أن يكون فيه صنعة الاستخدام. واستدل بالآية من قال: إن الاسم عين المسمى ومن قال: إن اللغات توقيفية إذ لو لم تكن كذلك لم يتوجه الإنكار والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله تعالى بها سلطاناً، ولا يخفى عليك ما في ذلك من الضعف. {فَٱنْتَظرُوا} نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم: { أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ } تفسير : [الأعراف: 70] لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد والجهالة {إنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرينَ} لنزوله بكم. والفاء في {فانتظروا} للترتيب على ما تقدم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَتُجَادِلُونِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ} الآية. لم يبين هنا شيئاً من هذا الجدال الواقع بين هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين عاد. ولكنه أشار إليه في مواضع أخر كقوله: {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [هود: 53-56].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 71- إنكم لعنادكم قد حق عليكم عذاب الله ينزل بكم، وغضبه يحل عليكم، أتجادلون فى أصنام سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة؟، وما هى من الحقائق إلا أسماء لا مؤدى لها، وما جعل الله من حُجة تدل على ألوهيتها، فما كان لها من قوة خالقة منشئة تسوغ عبادتكم لها، وإذ لججتم هذه اللجاجة فانتظروا عقاب الله، وأنا معكم، ننتظر ما ينزل بكم. 72- فأنجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا، وأنزلنا بالكافرين ما أبادهم ولم يُبْق لهم من بقية وأثر، وما كانوا داخلين فى زمرة المؤمنين. 73- وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا الذى يشاركهم فى النسب والوطن، وكانت دعوته كدعوة الرسل قبله وبعده. قال لهم: أخلصوا العبادة لله - وحده - ما لكم أى إله غيره، وقد جاءتكم حُجة على رسالتى من ربكم، هى ناقة ذات خَلق اختصت به، فيها الحُجة، وهى ناقة الله، فاتركوها تأكل فى أرض الله من عشبها، ولا تنالوها بسوء فينالكم عذاب شديد الإيلام. 74- وتذكَّروا أن الله جعلكم وارثين لأرض عاد، وأنزلكم فى الأرض منازل طيبة تتخذون من السهول قصوراً فخمة، وتنحتون الجبال فتجعلون منها بيوتاً، فاذكروا نعم الله تعالى إذ مكنكم من الأرض ذلك التمكين، ولا تَعْثوا فى الأرض فتكونوا مفسدين بعد هذا التمكين.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَتُجَٰدِلُونَنِي} {وَآبَآؤكُمُ} {سُلْطَانٍ} (71) - قَالَ لَهُمْ هُودٌ: لَقَدْ حَقَّ عَلَيكُمْ، بِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ، سَخَطٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَغَضَبٌ (رِجْسٌ)، أَتُجَادِلُونَنِي فِي هذِهِ الأَصْنَامِ التِي اتَّخَذْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ آلِهَةً، وَجَعَلْتُمْ لَهَا أَسْمَاءً، وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَيْسَ لَكُمْ حُجَّةٌ مِنَ اللهِ، وَلاَ دَلِيلٌ يُبَرِّرُ عِبَادَتَكُمْ لَهَا، أَوْ يُصَدِّقُ زَعْمَكُمْ بِأنَّهُ رَضِيَ بِأَنْ تَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمْ. وَمَا دُمْتُمْ قَدْ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ مِنْ كَلِمَةِ الكُفْرِ، فَانْتَظِرُوا عِقَابَ اللهِ وَقَضَاءَهُ. وَأَنا مُنْتَظِرٌ مَعَكُمْ نُزُولَهُ بِكُمْ. رِجْسٌ - عَذَابٌ، أَوْ رَيْنٌ عَلَى القُلُوبِ. غَضَبٌ - لَعْنٌ وَطَرْدٌ أَوْ سَخَطٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد كان يكلمهم ويكلمونه، قالوا له: ائتنا بالعذاب، فقال لهم: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ}، فكيف يقول وقع؟ لقد قال ذلك لأنه يخبر عن الله. و"وقع" فعل ماض، لكنا نعلم أن كلام الله مجرد عن الزمان ماضياً كان أو حاضرا، أو مستقبلا، لقد قال سيدنا هود:"وقع" والعذاب لم يقع بعد، لكن لما كان قوله بلاغاً عن الله فإنّه يؤكد وقوع العذاب حتماً؛ لأن الذي أخبر به قادر لما كان قوله بلاغاً عن الله فإنّه يؤكد وقوع العذاب حتماً؛ لأن الذي أخبر به قادر على إنقاذه في أي وقت، ولا إله آخر ولا قوة أخرى قادرة على أن تمنع ذلك. والذي وقع عليهم هو الرجس، والرجس أي التقذير، ضد التزكية والتطهير. وغضب الله الواقع لم تحدده هذه الآية. لكن لا بد أن له شكلاً سيقع به. ويسائلهم هو ساخراً: {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ}، وكل اسم يكون له مسمى، وهذه الأسماء أنتم أطلقتموها على هذه الآلهة، هل لها مسميات حقيقة لِتُعبد؟. لا، بل أنتم خلعتم على ما ليس بإله أنه إله، وهذه أسماء بلا مسميات، وأنتم في حقيقة الأمر مقلدون لآبائكم. وما تعبدونه أسماء بلا سلطان من الإِله الحق. {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71] أي ليس لهذه الأسماء من حجة على ما تقولون، بدليل أنهم كانوا يسمون في الجاهلية إلهاً باسم "العزّى" وعندما يكسرونه لا يجدون عزاً ولا شيئاً؛ لأن هذا الإِله المزعوم لم يدفع عن نفسه، فكيف يكون إلهاً وقيّوما على غيره؟ وكذلك سموا "اللات" أي الله ومضاف له التاء، وعندما يكسرونه لا يجدون له قوة أو جبروتاً أو طغياناً. ويقول هود لقومه ما يؤكد وقوع العذاب: {...فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 71] وقوله: {فَٱنْتَظِرُوۤاْ}، جعلنا نفهم قوله السابق: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} بأن الرجس والغضب قادمان لا محالة. صحيح أنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي، ولكن لنقرأ قوله الحق: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ...} تفسير : [النحل: 1] و"أتي" فعل ماضٍ، وفي الظاهر أنه يناقض قوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} لأن الاستعجال يدل على أنّ الحدث لم يأت زمنه بعد. ولكن لنا أن نعلم أن الذي أخبر هو الله، ولا توجد قوة ثانية تغير مرادات الله أن تكون أو لا تكون. يقول الحق بعد ذلك: {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {رِجْسٌ} معناهُ عَذابٌ وغَضبٌ.

الجيلاني

تفسير : ثم لما أيس هو من هدايتهم وصلاحهم {قَالَ قَدْ وَقَعَ} وجب وحق {عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ} عذاب شديد تضطرون به {وَغَضَبٌ} نازل من عنده بحيث يستأصلكم بالمرة {أَتُجَٰدِلُونَنِي} أيها المغضوبون بغضب الله {فِيۤ أَسْمَآءٍ} أشياءٍ {سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ} من تلقاء أنفسكم آلهة تعبدونها كعبادة الله مع أنه {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} حجةٍ وبرهانٍ تستدلون بها على عبادة هؤلاء التماثيل العاطلة والمفتريات الباطلة وبعدما ظهر الحق فلم تقبلوا أيها المسرفون {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} نزول العذاب {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 71]. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام: فلما بُعث إليهم هود كذبوه وأصروا على ما هم عليه عتواً وعناداً التماثيل العاطلة، فأمسك الله القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان من عادتهم إذا نزل عليهم البلاء توجهوا نحو البيت الحرام، وتقربوا عندها وطبوا من الله الفرج: فجهزوا إليها قيل بن عنز، ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم، فلبثوا عنده شهراً، ثم قصدوا البيت ليدعوا. قال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله لأسقيتم، فقالوا لمعاوية: احبس منا مرثداً لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا، فحبسه ثم دخلوا مكة. فقال قيل: الله اسق ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاث: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى منادٍ من جانب السماء: اختر يا قيل لنفسك ولقومك منها، قال: اخترت السوداء؛ لأنها أكثرهن ماء، فخرجت على عادٍ من وادي المغيث، فاستبشروا بها واستعجلوا لنزولها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، بل ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، فجاءتهم ريح عقيم فأهلكتهم. {فَأَنجَيْنَاهُ} أي: هوداً {وَٱلَّذِينَ} آمنوا {مَعَهُ بِرَحْمَةٍ} نازلة {مِّنَّا} لإيمانهم وانقيادهم {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} بأن استأصلناهم {وَ} هم {مَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72] بنبينا وكتابنا، ولا من شأنهم التصديق.