٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فأَنْجَيْنٰهُ } أي هوداً {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } من المؤمنين {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ } القوم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا } أي استأصلناهم {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } عطف على (كذبوا).
النسفي
تفسير : {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } أي من آمن به {بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } الدابر الأصل أو الكائن خلف الشيء، وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } فائدة نفي الإيمان عنهم مع إثبات التكذيب بآيات الله الإشعار بأن الهلاك خص المكذبين. وقصتهم أن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت، وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء، فبعث الله إليهم هوداً فكذبوه فأمسك القطر عنهم ثلاث سنين. وكانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند بيته الحرام فأوفدوا إليه ـ قيل ابن عنز ونعيم بن هزال ومرثد بن سعد ـ وكان يكتم إيمانه بهود عليه السلام وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوز بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فنزلوا عليه بظاهر مكة فقال لهم مرثد: لن تسقوا حتى تؤمنوا بهود فخلفوا مرثداً وخرجوا فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك، فاختار السوداء على ظن أنها أكثر ماء فخرجت على عاد من وادٍ لهم فاستبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. {وَإِلَىٰ ثَمُودَ } وأرسلنا إلى ثمود. وقريء {وإلى ثمودٍ} بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر، ومنع الصرف بتأويل القبيلة، وقيل: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام {أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي فكأنه قيل: ما هذه البينة؟ فقال: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ } وهذه إضافة تخصيص وتعظيم لأنها بتكوينه تعالى بلا صلب ولا رحم {لَكُمْ ءايَةً } حال من الناقة والعامل معنى الإشارة في {هَـٰذِهِ } كأنه قيل: أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية وهي ثمود لأنهم عاينوها {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ } أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فذروها تأكل في أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مؤنتها {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } ولا تضربوها ولا تعقروها ولا تطردوها إكراماً لآية الله {فَيَأْخُذَكُمْ } جواب النهي {عَذَابٌ أَلِيمٌ وَٱذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ } ونزلكم، والمباءة المنزل {فِى ٱلأَرْضِ } في أرض الحجر بين الحجاز والشام {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } غرفاً للصيف {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا } للشتاء، و {بُيُوتًا } حال مقدرة نحو «خط هذا الثوب قميصاً» إذ الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة {فَٱذْكُرُواْ ءالآء ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوها في الأرض وعمروا أعماراً طوالاً، فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات، وكانوا في سعة من العيش فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وصالح من أوسطهم نسباً، فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فأنذرهم، فسألوه أن يخرج من صخرة بعينها ناقة عشراء فصلى ودعا ربه فتمخضت تمخض النتوج بولدها فخرجت منها ناقة كما شاؤوا فآمن به جندع ورهط من قومه. {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ } {وَقَالَ } شامي {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } للذين استضعفهم رؤساء الكفار {لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } بدل من {ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } بإعادة الجار، وفيه دليل على أن البدل حيث جاء كان في تقدير إعادة العامل، والضمير في {مِنْهُمْ } راجع إلى قومه وهو يدل على أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين، أو إلى {ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } وهو يدل على أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ } قالوه على سبيل السخرية {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } وإنما صار هذا جواباً لهم لأنهم سألوهم عن العلم بإرساله أمراً معلوماً مسلماً كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنابه مؤمنون {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِٱلَّذِى ءامَنتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } فوضعوا {آمنتم به} موضع أرسل به رداً لما جعله المؤمنون معلوماً مسلماً {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ } أسند العقر إلى جميعهم وإن كان العاقر قدار بن سالف لأنه كان برضاهم. وكان قدار أحمر أزرق قصيراً كما كان فرعون كذلك. وقال عليه السلام: «حديث : يا علي، أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك»تفسير : {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } وتولوا عنه واستكبروا وأمر ربهم ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ } أو شأن ربهم وهو دينه {أية : وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا}تفسير : من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } في بلادهم أو مساكنهم {جَـٰثِمِينَ } ميتين قعوداً. يقال: الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } لما عقروا الناقة {وَقَالَ يا قَوْمِ } عند فراقه إياهم {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } الآمرين بالهدى لاستحلاء الهوى والنصيحة منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة. روي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء فقال صالح: تعيشون بعده ثلاثة أيام، تصفر وجوهكم أول يوم، وتحمر في الثاني، وتسود في الثالث، ويصيبكم العذاب في الرابع وكان كذلك. روي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فلما علم أنهم هلكوا رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } أي واذكر لوطاً «وإذ» بدل منه {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } أتفعلون السيئة المتمادية في القبح {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } ما عملها قبلكم والباء للتعدية ومنه قوله عليه السلام «حديث : سبقك بها عكاشة»تفسير : {مّنْ أَحَدٍ } «من» زائدة لتأكيد المنفي وإفادة معنى الاستغراق {مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } «من» للتبعيض وهذه جملة مستأنفة أنكر عليهم أولاً بقوله {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } ثم وبخهم عليها فقال أنتم أول من عملها. وقوله تعالى {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ } -أئنكم لتأتون الرجال - بيان لقوله {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } والهمزة مثلها في {أَتَأْتُونَ } للإنكار. {إِنَّكُمْ } على الإخبار: مدني وحفص. يقال: أتى المرأة إذا غشيها {شَهْوَةً } مفعول له أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة، ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمية {مّن دُونِ ٱلنّسَاء } أي لا من النساء {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء فمن ثمّ أسرفوا في باب قضاء الشهوة حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد. {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ } أي لوطاً ومن آمن معه يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة، ووصفهم بصفة الإسراف الذي هو أصل الشر، ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } يدّعون الطهارة ويدعون فعلنا الخبيث عن ابن عباس رضي الله عنهما: عابوهم بما يتمدح به {فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } من الباقين في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث وكانت كافرة موالية لأهل سدوم، وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } وأرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً قالوا: أمطر الله عليهم الكبريت والنار. وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت حجارة على مسافريهم. وقال أبو عبيدة: أمطر في العذاب ومطر في الرحمة {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } الكافرين. {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ } وأرسلنا إلى مدين وهو اسم قبيلة {أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً } يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين {قَالَ يَـا قَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي معجزة وإن لم تذكر في القرآن {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ } أتموهما والمراد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو يكون الميزان كالميعاد بمعنى المصدر {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } ولا تنقصوا حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن، وكانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعتهم. «وبخس» يتعدى إلى مفعولين وهما الناس وأشياءهم تقول: بخست زيداً حقه أي نقصته إياه {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا } بعد الإصلاح فيها أي لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء والأولياء. وإضافته كإضافة {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33] أي بل مكركم في الليل والنهار {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض {خَيْرٌ لَّكُمْ } في الإنسانية وحسن الأحدوثة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } مصدقين لي في قولي {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ } بكل طريق {تُوعَدُونَ } من آمن بشعيب بالعذاب {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } عن العبادة {مَنْ ءامَنَ بِهِ } بالله وقيل: كانوا يقطعون الطرق. وقيل: كانوا عشارين {وَتَبْغُونَهَا } وتطلبون لسبيل الله {عِوَجَا } أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتمنعوهم عن سلوكها. ومحل {تُوعَدُونَ } وما عطف عليه النصب على الحال أي لا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله وباغين عوجاً {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } «إذ» مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم {فَكَثَّرَكُمْ } الله ووفر عددكم. وقيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود ولوط عليهم السلام {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ } فانتظروا {حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا } أي بين الفريقين بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم، وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله تعالى منهم، أو هو حث للمؤمنين على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم، أو هو خطاب للفريقين أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، والكافرون على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } لأن حكمه حق وعدل لا يخاف فيه الجور.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} لأنهم استحقوا الرحمة بسبب إيمانهم و{وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي: استأصلناهم، وأهْلكناهُم عن آخرهم وما كانوا مؤمنين، فإن قيل: لما أخبر عنهم بأنَّهُم كانوا مكذبين لَزِمَ القطع بأنَّهم كانوا غير مؤمنين فما الفائدة في قوله بعد ذلك {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}. فالجوابُ: أن معناه أنَّهُم مكذبون في علم الله منهم أنَّهم لو بقوا لم يؤمنوا أيضاً، فلو علم أنَّهم سيؤمنون لأبقاهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا ينبغي أن يكون سبباً للتصديق الذي هو سبب الرحمة، بين أنه إنما سبب لهم العذاب، وله ولمن تبعه النجاة، فبدأ بالمؤمنين اهتماماً بشأنهم بقوله: {فأنجيناه} أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيّاً سريعاً سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين {والذين معه} أي في الطاعة، وأشار إلى أنه لا يجب على الله شيء بقوله: {برحمة} أي بإكرام وحياطة {منا} أي لا بعمل ولا غيره. ولما قدم الإنجاء اهتماماً به، أتبعه حالهم فقال معلماً بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب، فتفوتهم أواخر العساكر وشذاب الجنود والأتباع {وقطعنا} دابرهم أي آخرهم، هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تصريحاً بالمقصود وبياناً لعلة أخذهم فقال: {دابر} أي آخر، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السلام {الذين كذبوا بآياتنا} أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة إلينا وقوله: {وما كانوا} أي خلقاً وجبلة {مؤمنين*} عطف على صلة {الذين} وهي {كذبوا بآياتنا} وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول{أية : إنهم كانوا قوماً عمين}تفسير : [الأعراف: 64] تعليلاً لإغراقهم، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك، لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد، فالمعنى: وما كان الإيمان من صفتهم،أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن، ويزيده حسناً أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا بمثل ذلك صدقاً بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل، وأيضاً فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب، ويحتمل أن تكون الجملة حالاً، والمعنى على كل تقدير: قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم. ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد، أتبعهم ثمود فقال {وإلى ثمود} أي خاصة، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة، وهو مشتق من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، أرسلنا {أخاهم صالحاً} ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود عليه السلام فقال: {قال يا قوم} مستعطفاً لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة {اعبدوا الله} أي الذي لا كمال إلا له {ما لكم} وأكد النفي بقوله: {من إله غيره}. ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم، ودعا هو صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة، علل صحة ما دعا إليه بقوله: {قد جاءتكم بينة} أي آية ظاهرة جداً على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم به، وزادهم رغبة بقوله: {من ربكم} أي الذي لم يزل محسناً إليكم؛ ثم استأنف بيانها بقوله: {هذه} مشيراً إليها بعد تكوينها تحقيقاً لها وتعظيماً لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله. ولما أشار إليها، سماها فقال: {ناقة الله} شرفها بالإضافة إلى الاسم الأعظم، ودل على تخصيصها بهم بقوله: {لكم} حال كونها {آية} أي لمن شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فذروها} أي اتركوها ولو على أدنى وجوه الترك {تأكل} أي من النبات و {في أرض الله} أي مما أنبت الله الذي له كل شيء وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقاً أرضه والنبات رزقه، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بأرض دون أخرى. ولما أمرهم بتركها لذلك، أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال: {ولا تمسوها بسوء} فضلاً عما بعد المس {فيأخذكم} أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه {عذاب أليم*} أي مؤلم. ولما أمرهم ونهاهم، ذكر لهم ترغيباً مشيراً إلى ترهيب فقال: {واذكروا} أي نعمة الله عليكم {إذ جعلكم خلفاء} أي فيما أنتم فيه {من بعد عاد} أي إهلاكهم {وبوأكم في الأرض} أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ترجعون إليها وقت راحتكم، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم يسهله على غيركم، ولهذا فسر المراد بقوله: {تتخذون} أي بما لكم من الصنائع {من سهولها قصوراً} أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن {وتنحتون الجبال} أي أيّ جبل أرتم تقدرونها {بيوتاً}. ولما ذكرهم بهذه النعم مرغباً مرهباً، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسبباً عما ذكرهم به: {فاذكروا} أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة {آلاء} أي نعم {الله} أي الذي له صفات الكمال فلا حاجة به إلى أحد، فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة {ولا تعثوا في الأرض} من العثي وهو الفساد، وهو مقلوب عن العيث - قاله ابن القطاع، وحينئذ يكون قوله: {مفسدين*} بمعنى معتمدين للفساد.
السيوطي
تفسير : أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما أوحى الله إلى العقيم أن تخرج على قوم عاد فتنتقم له منهم، فخرجت بغير كيل على قدر منخر ثور حتى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب، فقال الخزان: رب لن نطيقها ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها، فأوحى الله إليها: أن ارجعي. فرجعت فخرجت على قدر خرق الخاتم وهي الحلقة، فأوحى الله إلى هود: أن يعتزل بمن معه من المؤمنين في حظيرة، فاعتزلوا وخطَّ عليهم خطاً، وأقبلت الريح فكانت لا تدخل حظيرة هود ولا تجاوز الخط، وإنما يدخل عليهم منها بقدر ما تلذ به أنفسهم وتلين عليه الجلود، وإنها لَتَمَرُّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة، وأوحى الله إلى الحيات والعقارب: أن تأخذ عليهم الطرق فلم تدع عادياً يجاوزهم . وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: لما أرسل الله الريح على عاد اعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذه الأنفس، وإنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض وتدمغه بالحجارة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وقطعنا دابر الذين كذبوا} قال: استأصلناهم . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن هزين بن حمزة قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يريه رجلاً من قوم عاد، فكشف الله له عن الغطاء، فإذا رأسه بالمدينة ورجلاه بذي الحليفة، أربعة أميال طوله . وأخرج ابن عساكر من طريق سالم بن أبي الجعد عن عبد الله قال: ذكر الأنبياء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر هود قال " حديث : ذاك خليل الله " . تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بوادي عسفان فقال " حديث : لقد مر به هوداً وصالح على بكرات حمر خطمهن الليف، ازرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون ويحجون البيت العتيق ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن سابط قال: بين المقام والركن وزمزم قُبِرَ تسعة وسبعون نبياً، وان قبر نوح وهود وشعيب وصالح وإسمعيل في تلك البقعة . وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن إسحق بن عبد الله بن أبي فروة قال: ما يعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة : قبر اسمعيل فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت، وقبر هود فإنه في حقف تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة وموضعه أشد الأرض حراً، وقبر رسول الله صلى عليه وسلم فإن هذه قبورهم حق . وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر، عند رأسه سدرة . وأخرج ابن عساكر عن عثمان بن أبي العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود عليه السلام . وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: كان عمر هود أربعمائة واثنتين وسبعين سنة . وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: عجائب الدنيا أربعة: مرآة كانت معلقة بمنارة الاسكندرية، فكان يجلس الجالس تحتها فيبصر من بالقسطنطينية وبينهما عرض البحر، وفرس كان من نحاس بأرض الأندلس قائلاً بكفه كذا باسطاً يده أي ليس خلفي مسلك فلا يطأ تلك البلاد أحد إلا أكلته النمل، ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، فإذا كانت الأشهر الحرم هطل منه الماء فشرب الناس وسقوا وصبوا في الحياض، فإذا انقطعت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء، وشجرة من نحاس عليها سودانية من نحاس بأرض رومية، إذا كان أوان الزيتون صفرت السودانية التي من نحاس فتجيء كل سودانية من الطيارات بثلاث زيتونات، زيتونتين برجليها، وزيتونة بمنقارها، حتى تلقيه على تلك السودانية النحاس، فيعصر أهل رومية ما يكفيهم لأدامهم وسرجهم شتويتهم إلى قابل .
ابو السعود
تفسير : {فأنجيناه} فصيحةٌ كما في قوله تعالى: {أية : فانفجرت}تفسير : [البقرة، الآية 60] أي فوقع ما وقع فأنجيناه {والذين معه} أي في الدين {برحمة} أي عظيمةٍ لا يقادَر قدرُها، وقوله تعالى: {منا} أي من جهتنا متعلقٌ بمحذوف هو نعتٌ لرحمةٍ مؤكِّدٌ لفخامتها الذاتية ـ المنفهمةِ من تنكيرها ـ بالفخامة الإضافية {وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي استأصلْنا بالكلية ودمرناهم عن آخرهم {وما كانوا مؤمنين} عطفٌ على كذبوا داخلٌ معه في حكم الصلةِ، أي أصرّوا على الكفر والتكذيبِ ولم يرعووا عن ذلك أبداً، وتقديمُ حكايةِ الإنجاءِ على حكاية الإهلاكِ قد مر سرُّه، وفيه تنبـيهٌ على أن مناطَ النجاةِ هو الإيمانُ بالله تعالى وتصديقُ آياتِه كما أن مدارَ البوارِ هو الكفرُ والتكذيب. وقصتُهم أن عاداً قومٌ كانوا باليمن بالأحقاف، وكانوا قد تبسّطوا في البلاد ما بـين عُمان إلى حضْرَمَوتَ، وكانت لهم أصنامٌ يعبُدونها صداً وصمود والهبا فبعث الله تعالى إليهم هوداً نبـياً وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عُتوّاً وتجبّراً فأمسك الله عنهم القطرَ ثلاثَ سنينَ حتى جهَدوا وكان الناس إذا نزل بهم بلاءٌ طلبوا إلى الله الفرجَ منه عند بـيتِه الحرامِ مسلِمُهم ومشركُهم، وأهلُ مكةَ [كانوا] إذ ذاك العماليقَ أولادَ عمليقَ بنِ لاوذَ بنِ سامِ بنِ نوح وسيدُهم معاويةُ بنُ بكرٍ فجهزّت عادٌ إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيلُ بنُ عنز ومَرثدُ بن سعد الذي كان يكتُم إسلامَه فلما قدِموا نزلوا على معاويةَ بنِ بكر وهو بظاهر مكة خارجاً عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخوالَه وأصهارَه فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمرَ وتغنّيهم قينتا معاوية فلما رأى طولَ مقامِهم وذهولَهم باللهو عما قدموا له أهمّه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحيـي أن يكلمهم خشيةَ أن يظنوا به ثِقَلَ مُقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعراً نغنيهم به لا يدرون مَنْ قاله، فقال معاوية: [الوافر] شعر : ألا يا قِيلُ ويحكَ قم فهينِم لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرضَ عادٍ إن عاداً قَدَ أمسَوْا لا يُبِـينون الكلاما تفسير : فلما غنتا به قال: إن قومَكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخُلوا الحرَم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثدُ بن سعد: والله لا تُسقَون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبـيكم إلى الله تعالى سُقِيتم وأظهر إسلامَه فقالوا لمعاوية: احبِس عنا مرثداً لا يقدَمَن معنا فإنه قد اتبع دينَ هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيلُ: اللهم اسقِ عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحاباتٍ ثلاثاً: بـيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ ثم ناداه منادٍ من السماء: يا قيلُ اختر لنفسك ولقومك فقال: اخترت السوداءَ فإنها أكثرُهن ماءً فخرجت على عاد من واد يقال له: المغيث فاستبشَروا بها وقالوا: هذا عارضٌ مُمطرُنا فجاءتهم منها ريحٌ عقيمٌ فأهلكتهم ونجا هودٌ والمؤمنون معه فأتَوا مكةَ فعبدوا الله تعالى فيها إلى أن ماتوا.
القشيري
تفسير : لا رتبةَ فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة. وأخبر - سبحانه - أنه نجَّى هوداً برحمته، وكذلك نجَّى الذين آمنوا معه برحمته، ليُعْلَمَ أنَّ النجاةَ لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون بابتداء فضلٍ من الله ورحمته؛ فما نَجَا مَنْ نجا إلا بفضل الحق سبحانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فأنجيناه} الفاء فصيحة كما فى قوله تعالى {أية : فانفجرت} تفسير : [البقرة: 60]. اى فوقع فأنجينا هودا {والذين معه} اى فى الدين {برحمة منا} اى برحمة عظيمة كائنة من جهتنا عليهم وفيه اشارة ان هودا مع رتبة فى النبوة ودرجته فى الرسالة انما نجا برحمة من الله هو والذين آمنوا معه ليعلم ان النجاة لا تكون باستحقاق العمل وانما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة فما نجا الا بفضل الحق سبحانه {وقطعنا دابر} القوم {الذين كذبوا بآياتنا} اى استأصلناهم اى اهلكناهم جميعا بان قطعنا عرقهم واصلهم لان دابر الشئ آخره فقطع دابر القوم اهلاكهم من اولهم الى آخرهم {وما كانوا مؤمنين} عطف على كذبوا داخل معه فى حكم الصلة اى اصروا على الكفر والتكذيب ولم يراعوا عن ذلك أبدا وفيه تنبيه على ان مناط النجاة هو الايمان بالله تعالى وتصديق آياته كما ان مدار البوار هو الكفر والتكذيب. وقصتهم ان عادا كانوا يسكنون اليمن بالاحقاف وهى رمال يقال رمل عالج ودهمان ومرين ما بين عمان الى حضرموت وكانوا قد فشوا فى الارض وقهروا اهلها بقوتهم التى اعطاها الله اياهم وكانت لهم اصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء فبعث الله اليهم هودا نبيا من اوسطهم فى النسب وافضلهم فى الحسب فامرهم ان يوحدوا الله ولا يعبدوا غيره وان يكفروا عن ظلم الناس فابوا عليه وكذبوا وقالوا من اشد منا قوة ازدادوا عتوا وتجبرا فامسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس اذا نزل بهم بلاء وجهد مضوا الى البيت الحرام بمكة مسلمهم وكافرهم وسألوا الله الفرج وكان اهل مكة يومئذ العماليق اولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان رئيس العماليق يومئذ بمكة رجلا يقال له معاوية بن بكر وكانت امه من عاد فلما قحط المطر من عاد وجهدوا قالوا جهزوا منكم وفدا الى مكة يسْتسقوا فجهزوا قيل بن عتر ومرثد بن سعد فى سبعين رجلا فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن كبر وهو فى خارج مكة فانزلهم واكرمهم وكانوا اخواله واصهاره فاقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية اسم احداهما وردة واسم الاخرى جرادة فغلبت جرادة على وردة فسميتا جرادتين فلما رأى معاوية طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون من البلاء الذى اصابهم شق ذلك عليه وقال قد هلك اخوالى واصهارى جهدا وعطشا وهؤلاء مقيمون عندى والله ما ادرى كيف اصنع بهم استحيى ان آمرهم بالخروج الى حاجتهم فيظنون ان ذلك لثقل مقامهم علىّ فشكا ذلك الى قينتيه الجرادتين فقالتا قل شعر تغنيهم به لا يدرون من قاله لعل ذلك يخرجهم فقال معاوية شعر : الا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما فيسقى ارض عاد ان عادا قدامسو ما يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس ترجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهمو بخير فقد امست نساؤهمو ايامى وان الوحش تأتيهم جهارا فلا تخشى لعادى سهاما وانت ههنا فيما اشتهيتم نهارمكو وليلكمو التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما تفسير : فلما غنتهم الجرادتان بهذا قال بعضهم لبعض يا قوم لقد ابطأتم على اصحابكم فقوموا وادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد والله لا تسقون بدعائكم ولكن ان اطعتم نبيكم هودا وتبتم الى الله سقيتم واظهر اسلامه فقالوا لمعاوية احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فانه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقام قيل يستسقى فى المسجد وقال اللهم انى لم اجئ لمريض فاداوية ولا لاسير فافاديه اللهم اسقنا فانا قد هلكنا اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم وقال القوم اللهم اعط قيلا ما يسألك واجعل سؤلنا مع سؤله فانشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب ما شئت فقال اخترت السوداء فانها اكثر السحاب ماء فنودى اخترت دمارا رمدا لا يبقى من آل عاد ولدا ولا شيوخا الا فصاروا همدا ثم ساق الله السحابة السوداء التى اختارها قيل بما فيها من النقمة والبلاء الى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها فرحوا وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله تعالى بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شئ بامر ربها اى كل شئ مرت به فجاءتهم من تلك السحابة ريح عقيم سخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية ايام حسوما اى دائما فكانت الريح تحمل الظعن ما بين السماء والارض وتدمغهم بالحجارة وكانوا قد حفروا لارجلهم فى الارض وغيبوها الى ركبهم فجعلت الريح تدخل اقدامهم وترفع كل اثنين وتضرب باحدهما الآخر فى الهواء ثم تلقيهما فى الوادى والباقون ينظرون حتى رفعتهم كلهم ثم رمت بالتراب عليهم فكان يمسع انينهم من تحت التراب فاعتزل هود ومن معه من المؤمنين فى حظيرة فما كان يصيبهم من الريح الا ما يلين جلودهم وتلذ به انفسهم قالوا ولما اراد الله ارسال الريح العقيم الى عاد اوحى الى الريح ان تخرج الى عاد فتنتقم منهم فخرجت على قدر منخر ثور حتى رجفت الارض ما بين المشرق والمغرب فقالت الخزان يا رب لن نطيقها ولو خرجت على حالها لاهلكت ما بين مشارق الارض ومغاربها فاوحى الله تعالى اخرجى على قدر خرق الخاتم فخرجت على قدر ذلك. قال السدى فلما بعث الريح اليهم ودنت منهم نظروا الى الابل والرحال تطير بهم الريح بين السماء والارض فتبادروا الى البيوت فاخرجتهم الريح من البيوت حتى اهلكتهم على ما ذكر وسبب هلاك الابل وغيرها من الحيوانات اتصالها بملك اهل الغضب والبلية اذا نزلت فانما تنزل عامة ولله تعالى حكم ومصالح جليلة فى كل ما يحكم ويريد ولما نجا هود ومن معه من المؤمنين اتوا مكة فعبدوا الله فيها الى ان ماتوا وهكذا فعل كل نبى هلك قومه ونجا هو مع المؤمنين قال بعضهم بين الركن والمقام وزمزم تسعة وتسعون نبيا وان قبر هود وشعيب وصالح واسماعيل فى تلك البقعة وسبب الهجرة ان ارض اهل الكفر والمعاصى قد حل فيها غضب الله وذهب خيرها فاقتضى كمال الخشية من جلال الله تعالى الرحلة الى دار الامان كما قال تعالى {أية : ومن دخله كان آمنا} تفسير : [آل عمران: 97]. مع ان امكنة العبادات على طبقات مختلفة متفاوتة فى مراتب الثواب فعمل واحد بمكة خير من الف عمل فى غيرها اذ هى محل انفاس الانبياء ونفوسهم ومحط رحال الاولياء ورؤسهم كما ان حال الازمنة كذلك فطوبى لعبد هاجر من ارض اهل البدعة والهوى ونزل بارض اهل السنة والهدى لان نظر الله تعالى على اهل الخير والصلاح واما من اخلد الى ارضه مع جمود اهلها وخمود نار محبتها لمجرد غرض دُنيوى من المعاش وغيره فهو ممن اهبطهُ الله الى ارض طبيعته وزحزحه عن جنته واراد خسرانه فى تجارته والا فالمهتدى الى سبيل السلام لا يقيم مع الضالين مع وضوح البرهان التام شعر : سعد يا حب وطن كرجه حديث است صحيح نتوان مرد بسختى كه من اينجا زادم تفسير : يقول الفقير اللهم انى هاجرت من ارض اهل البغى والفساد واخترت سلوك طريق اهل الرشاد فانتقلت من ديار الروم الى ما يلحق بارضك المقدسة اعنى بروسة المحروسة اللهم ثبت قدمى فى طريقك الحق فانا الحقى ارشدنى الى ما فى الهجرة من السر المطلق آمين يا معين.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية إِخبار من الله تعالى أنه أنجى هوداً والذين آمنوا معه برحمة منه، والانجاء التخليص من الهلاك، وأصله من النجوة وهي الارتفاع من الارض والنجاء السرعة في السير، لأنه ارتفاع فيه بالاسراع وإِنما جاز أن يقول: برحمة منا مع أن النجاة هي الرحمة، لأنه عقد معنى النجاة بالرحمة، فصار كأنه يعمل بالقدرة. وقوله {وقطعنا} فالقطع هو افراد الشىء عن غيره مما كان على تقدير الاتصال به، فلما أفردوا بالهلاك عما كان على تقدير التبع لهم من نسلهم وآثارهم من بعدهم كان قد قطع دابرهم. وقال الحسن: معناه قطعنا أصل الذين كذبوا بديننا وما كانوا مؤمنين. وقال ابن زيد: قطعنا دابرهم معناه: استأصلناهم عن آخرهم. والدابر الكائن خلف الشىء. ونقيضه القابل، ويكون القابل الآخذ للشىء من قبل وجهه. وقوله {وما كانوا مؤمنين} انما أخبر بذلك عن حالهم مع أنه معلوم منهم ذلك لبيان أن هذه الصفة لا تجوز أن تلحق المكذب بآيات الله الجاحد لها وإِن في نفيها عن المكلف ذماً له.
اطفيش
تفسير : {فأنْجيناه والَّذينَ مَعه} فى الدين {برحمة منَّا} عليهم لكونهم أهلاً لها {وقَطَعْنا دَابر الَّذين كذَّبُوا بآياتنا} أى استأصلناهم ولم يبق خلفهم بعض منهم لتكذيبهم بالمعجزات الدالة على صدق هود {وما كانُوا مؤمِنينَ} عطف على الصلة، وفيه تعريض بأن ما أصابهم إنما هو لعدم إيمانهم، فمن آمن نجا وهم قليل، ومن لم يؤمن هلك وهم الكثير، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، قيل: كان مساكنهم الشحر بفتح الشين وكسرها إلى حضرموت إلى عمان، والشحر ساحل البحر بين عمان وعدن، وكانوا مشركين ظالمين لغيرهم، بفضل قوتهم، فبعث الله سبحانه إليهم هوداً من أوسطهم نسباً، وأمرهم بالتوحيد والكف عن الظلم. قال ابن إسحاق: ولم يأمرهم بغير ذلك فيما يذكر، فأبوا وزادوا عتواً وقالوا: من أشد منا قوة وبنوا بكل ريع، واتخذوا المصانع، وبطشوا بطشة جبار، وآمن به مرثد بن سعد بن عفير وغيره، وكتم إيمانه وهو وغيره ممن آمن وهم قليل، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، وأجهدهم ذلك، وكان الناس فى ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء طلبوا الفرج من الله عند البيت الحرام، مؤمنهم وكافرهم من أى ملة، معظمين لمكة عارفين بمكانها من الله، وأهل مكة يومئذ العماليق، سموا بذلك لأن أباهم عمليق بن لاود بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية ابن بكر، وكانت أمه كهولة بنت الحميرى، وقيل: كلهدة بنت الخبيرى رجل من عاد. قال فى عرائس القرآن: فلما جهدوا قالوا: جهزوا منكم وفداً إلى مكة يستسقون فبعثوا قيل: ابن عنز، ولقيم بن هزال، وعسيل بن صد ابن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وجلهمة بن الخبيرى وغيرهم، وكانوا سبعين، كل واحد ممن ذكرت برهط من قومه حتى تم سبعون ونزلوا على معاوية بن بكر المذكور، وهو بظاهر مكة خارج الحرم، فأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، وأن أمه من عاد لا من ثمود كما مر، فأقاموا عنده شهرين يشربون الخمر، وتغنى لهم الجرادتان، وهما أمتان، لمعاوية المذكور، وكانت إحداهما اسمها جرادة، والأخرى وردة فالجرادتان تغليب، وكان مسيرهم شهراً، ومقامهم عنده شهراً فلما رأى معاوية طول مقامهم، وقد بعث بهم قومهم يستسقون لما بهم من البلاء، شق عليه ذلك وقال: هلك أخوالى وأصهارى، وهؤلاء مقيمون عندى وهم أضيافى، وأستحى إن أمرتهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه ظنوا أنى ضقت منهم، وقد هلك قومهم عطشا، فشكا ذلك إلى الجرادتين فقالتا: قل شعراً ما يدرون من قاله نغنيهم به، لعل ذلك يحركهم فقال: شعر : ألا ياقيل ويحك من هوينم لعل الله يجعلنا غماما تفسير : ويروى يصحبنا ويروى يسقينا شعر : فيسقى أرض عاد إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم أياما تفسير : وروى هيامى: شعر : وإن الوحش يأتيهم جهاراً ولا يخشى لعادى سهاما تفسير : وروى تأتيهم ولا يخشى بالمثناة الفوقية. شعر : وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما تفسير : وروى برغد عيش. شعر : فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما تفسير : والهينمة الكلام الخفى الذى يسمع ولا يتبين، والمراد هنا الدعاء الذى هو كذلك فغنتا بذلك، فقال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ليستغيثوا بكم من بلائهم، وقد أبطأتم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال مرثد: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه حينئذ، وقال: شعر : عصت عادٌ رسولهم فأمسوا عطاشاً ما تبلُّهم السماء لهم صنم يقال له صمودٌ يقابله صداء والبهاء فبصَّرنا الرسول سبيل رشد فأبصرنا الهدى وجلا العماء وإن إله هود هو ربى على الله التوكُّل والرجاء لقد حكم الإله وليس جور بحكم الله إذ غلب الهواء على عادٍ، وعاد شر قوم وقد هلكوا وليس لهم بقاء وإنِّى لن أفارق دين هود طوال الدهر أو يأتى الغناء تفسير : فأجابه جلهمة مسميا له باسم أبيه، أو مقدرا مضافا أى يا ولد سعد أو يا ابن سعد: شعر : ألا يا سعد إنك من قبيل ذوى كرمٍ وأمك من ثمود فإنَّا لا نطيعك ما بقينا ولسنا فاعلين لما تريد تفسير : بكسر الدال للقافية وهو قبيح أو بضمها فلزم الإقواء وهو عيب. شعر : أتأمرنا لنترك دين وفدٍ ورمل آل صد والعتود ونترك دين آباء كرام ذوى رأى ونتبع دين هود تفسير : ثم قال جلهمة لمعاوية وأبيه بكر وكان شيخا كبيرا، احبس عنا مرثدا فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما وصلوا مكة خرج مرثد فلحقهم قبل أن يستسقوا فقال: اللهم أعطنى سؤلى وحدى، ولا تدخلنى فيما يدعونك به، وقال قيل بن عنز رأس وفد عاد: اللهم أعطى قيلا ما سألك، اللهم اسقنا فقد هلكنا، وقال من معه: واجعل سؤالنا مع سؤاله، وكان لقمان بن عاد قد جاء بعدهم متخلفا عنهم وقيل: أرسلوه فتخلف عنهم، وجاء وحده، وكان سيد عاد، وقال بعد فراغ دعائهم: اللهم إنى جئتك فى حاجتى وحدى وإنى لم أجىء لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه. وقد قال قيل المذكور: اللهم اسقى عاداً ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ونادى ملك من السحاب: يا قيل اختر لنفسك وقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثر ماء فناداه الملك: اخترت دمارا رقدا، لا تبقى من آل عاد أحدا لا والدا ولا ولدا إلا جعلتهم همدا إلا بنى اللودية الهمدا، وهم رهط لقيم ابن هزالى سكنوا مع أخوالهم بمكة، لم يكونوا مع عاد بأرضهم وهم عاد الآخرة، فسيقت إليهم فخرجت عليهم من واد يقال له المنيث، فاستبشروا هذا عارض ممطرنا، وأول من عرفها وأبصر ما فيها من الهلاك امرأة من عاد يقال لها مهدد، رأتها وصاحت وصعقت ثم أفاقت، قالوا: ما رأيت؟ قالت: ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها. وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أوحى الله إلى الريح العقيم أن تخرج إلى عاد فتنتقم منهم، فخرجت بغير كل على قدر منخر ثور، حتى رجفت الأرض مشرقا ومغربا فقال الخزان: يا رب لن أطيقها ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين المشرق والمغرب، فأوحى الله تعالى أن ارجعى فاخرجى على قدر خرز الخاتم، فرجعت وخرجت على قدر خرز الخاتم فسخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فأهلكتهم إلا هوداً ومن آمن، قد اعتزلوا فى حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين جلودهم ويلتذون به، وإنها لتمر بالطعن من عاد فتحملهم بين السماء والأرض وترضخهم بالحجارة حتى هلكوا وقيل: تحمل الظعن وتلقيها فى البحر. قال محمد بن إسحاق، والسدى: بعث الله على عاد الريح العقيم، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال نظيرهم بين السماء والأرض، فتبادروا للبيوت، فجاءت وفتحت الأبواب وأخرجتهم وأهلكتهم، فأرسل الله عليهم طيرا سودا فنقلتهم إلى البحر. قال عطاء بن يسار: لما خرجت الريح على عاد من الوادى، قال سبعة أحدهم الجلجال وهو كبيرهم ورئيسهم: تعالوا نقم على شفير الوادى فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد فتحمله وترمى به وتدق عنقه، وكانت الريح تحمل الشجرة العظيمة من عروقها وتهدم عليهم بيوتهم ولم يبق إلا الجلجال، فمال إلى الجبل فأخذ بجانب منه فهزه فاهتز فى يده، فقال: شعر : لم يبق إلا جلجل بنفسه يا لك من يوم دهى كأمسه تفسير : فقال له هود عليه السلام: يا جلجال أسلم تسلم، فقال له: مالى عند ربك إذا أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم فى السحاب كأنهم البخت؟ قال هود: تلك الملائكة، قال: إن أسلمت أفيقيدنى ربى منهم لقومى؟ قال: ويحك، هل رأيت ملكا يقيد من جنده؟ قال: لو فعل ما رضيت، فألجأته الريح بأصحابه فأهلكته. وعن أبى أمامة الباهلى، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب فيصبحون قردة وخنازير وليصيبنهم خسف وقذف، فيقال: لقد خسف اليوم ببنى فلان، ولنرسلن عليهم الريح العقيم التى أهلكت عادا بشربهم الخمر وأكلهم الربا واتخاذهم الإماء للتغنى، ولبسهم الحرير، وقطعهم الأرحام ". تفسير : وخرج وفد عادٍ من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا عنده فبينما هم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له فى ليلةٍ مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم بهلاك عاد، قالوا له: فأين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر فكأنهم شكوا فى حديثه، فقالت هذيلة بنت بكر: صدق ورب الكعبة وذكروا أنه قيل للقمان ومرثد وقيل ابن عنز من السحائب بعد دعاء قيل: اختاروا لأنفسكم غير أنه لا سبيل إلى الخلود، فقال مرثد: اللهم أعطنى برا وصدقا فأعطى ذلك، وقال قيل: أختار أن يصيبنى ما أصاب قومى، فقيل له: إنه الهلاك، فقال: لا أبالى لا حاجة لى فى البقاء بعدهم، فأصابه ما أصابهم، فهلك هو ومن معه من الوفد بالريح بعد ما خرجوا من الحرم. وقال لقمان: يا رب أعطنى عمرا، فقال: اختر لنفسك بقاء أبعار فى جبل وعر، لا يلقاه مطر أو عمر سبعة أنسر، فاستحقر أمر الأبعار فاختار عمر الأنسر، فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته ويأخذ الذكر لقوته ويربيه حتى إذا مات أخذ غيره حتى أتى على السابع وكل منها يعيش ثمانين عاما ولم يبق غير السابع، قال ابن أخيه: يا عم لم يبق من عمرك إلا هذا النسر، فقال لقمان: يا ابن أخى هذا لبد، وهو بألسنتهم الدهر، وقيل: اسم لذلك النسر. ولما انقضى عمر لبد طارت النسور من رأس الجبل إلا لبد، وكانت أنسرة لا تغيب عنه غيبة طويلة فطلع إلى الجبل، فلم ير النسور وراء لبد، فناداه لينهض، فذهب لينهض فلم يستطع فسقط فمات، وقد وجد لقمان عند طلوع الجبال، وهنا فى نفسه ولم يكن يجده قبل ذلك، فمات معه، رضى الله عنه، وكان يقال: أتى الأبد على لبد، قال النابغة: شعر : أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذى أخى على لبد تفسير : وسار مرثد بعد خبر الراكب حتى لحق بهود ومن معه، وارتحلوا لناحية من اليمن، وبقى هود ما شاء الله، ثم مات وعمره مائة وخمسون سنة فى حضرموت. قال على لرجل من أهل حضرموت: هل رأيت كثيبا أحمر، تخالطه مدرة حمراء يسمى مدركا بناحية كذا من حضرموت؟ قال: نعم والله إنك لتنعت نعت رجل قد رآه، قال: لا ولكنى حدثت عنه، فقال الحضرمى: وما شأنه؟ قال: فيه قبر هود عليه السلام. وعن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن ساباط: بين الركن والمقام وزمزم قبور تسعة وتسعين نبيا، وإن قبر هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام فى تلك البقعة، وروى: ما هلكت أمة إلا جاء نبيها ومن آمن به مكة يعبدون فيها حتى يموتوا. انتهى كلام عرائس القرآن بزيادة يسيرة، وفيه أن مرثدا قال حين سمع قول الراكب: شعر : ألا نزع المهيمن خلد عاد فإن قلوبهم قفر هواء من الخير المبين وعنه مالوا وما تغنى النصيحة فى الشقاء تفسير : بكسر الهمزة ففيه إقواء. شعر : فنفسى ثم أبنائى وأمى لنفس نبينا هود فداء أتانا والقلوب مغمدات على كفر وقد ذهب الضياء لنا صنم يقال له صمود يقابله صداه والهباء ففاز مَنْ إلى الإيمان تاب وأدرك مَنْ يكذبه الشقاء وإننى سألحق آل هود وإخوته إذا جن المساء تفسير : وقيل: إن الريح دفنتهم، وكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، يسمع لهم أنين ثم كشفت الريح عنهم فألقتهم فى البحر، ولم تبعث ريح بغير مكيال إلا هذه فإنه قيل: عتت على الخزنة كما يأتى إن شاء الله فى الحاقة.
اطفيش
تفسير : {فَأَنْجَيْنَاهُ} من الريح أَى أَنجينا هودا {وَالَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين {بِرَحْمَةٍ مِنَّا} ولو شاءَ لم ينجهم من الموت بتلك الريح لكن يبعثهم على السعادة، أَو الرحمة منظور فيها إِلى أَنها السبب فى الإِنجاء أَى رحمناهم بالتوفيق إِلى الإِيمان المرتب عليه الإِنجاء، ويجوز تعليق الباء بمعه أَو بمتعلقه أَى ثبتوا معه أَو آمنوا معه برحمة منا بأَن وفقناهم {وَقَطَعْنَا دَابِر الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا} استأصلناهم كما يعم الشئ شيئاً آخر حتى يقع على آخره، فذلك استعارة تمثيلية {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} عطف على كذبوا بآياتنا تأكيدا فى ذمهم، فإِن المكذب غير مؤمن أَو كذبوا فى الماضى ولا يؤمنون بعد فى باقى أَعمارهم قبل الإِهلاك ولا يؤمنون أَيضاً لو أَبقاهم، ومن فوائد ذكر الإِيمان التلويح بأَن الفارق بين ما نجا ومن هلك هو الإِيمان، أَمسك الله المطر ثلاث سنين فبعثوا إِلى مكة للاستسقاء قيل بن عنز وجلهمة ابن الخبيرى ومرثد بن سعد ومع كلٍّ رهط من قومه والكل سبعون وعادة أَهل ذلك الزمان مسلمهم وكافرهم إِذا نزل بلاء قصدوا بيت الله لكشفه فنزلوا على معاوية بن بكر خارج الحرم سيد مكة وأمه كلهدة بنت الخبيرى، رجل من عاد، وأَهلها العماليق أَبوهم عمليق ابن لاود بن سام فأَكرمهم وهم أَخواله وأَصهاره وأَمه كلهدة من عاد، شهراً يشربون الخمر ويغنيهم جاريتان وردة وجرادة، فقيل الجرادتان تغليبا، ومسيرهم أَيضاً شهر، وشفق على عاد إِذ هم فى قحط، وقومهم ووفدهم مشتغلون باللذات عن الاستسقاء، وخاف أَن يظنوا أَنه ثقل عليه مقامهم فقالتا قل شعراً نغنيهم به ولا يدرون لمن هو فقال: شعر : أَلا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما فيسقى أَرض عاد إِن عادا قد أمسوا ما يبيون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد أَمست نساؤهم عياما وإِن الوحش تأتيهم جهارا ولا تخشى لعادىٍّ سهاما وأَنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما تفسير : فغنتاهم فانتبهوا ودخلو االحرم وطلبوا بكرا وأَباه، وكان شيخاً كبيرا أَن يمسكا مرثدا لأَنه آمن بهود، وقال لهم: والله لا تسقون إِلا أَن آمنتم بهود وحينئذ أَظهر إِسلامه فقال: شعر : عصت عاد رسولهم فأَمست عطاشا ما تبلهم السماء لهم صنم يقال له صمود يقابله صداء والهباء فبصرنا الرسول سبيل رشد فأَبصرنا الهدى وجلا العماء وإِن الله ليس سواه ربى على الله التوكل والرجاء تفسير : وقال رئيسهم قيل عند الكعبة: يا إِلهنا إِن كان هود على الحق فاسقنا قد هلكنا. وقد قالوا: اللهم أَعط قيلا سولا واقض سؤالنا مع سوله. فأَنشأَ الله ثلاث سحابات بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، وناداه من السحاب ملك: يا قيل اختر إِحدى السحابات لك ولقومك، فقال: اخترت السوداءَ لأَنها أَكثر ماء فنودى: اخترت لقومك رماداً ومددا لا يبقى من عاد أَحداً. فطلعت عليه السوداء من واد يقال له المغيث، فقالوا: مستبشرين هذا عارض ممطرنا، فقال الله عز وجل: بل هو ما استعجلتم إِلخ: فأهلكوا بالريح فى سبع ليال وثمانية أَيام وأَموالهم، وأَولادهم ترفع الحيوان وتدقه والمتاع فتمزقه ورأَوها ترفع الإِبل وما عليها والرجال فتدقهم على الأَرض وبالحجارة، فنادوا البيوت وأَغلقوها عليهم فغلقت الأَبواب وقتلتهم فيها وأَخرجتهم، وكانوا تحت الرمال فى تلك الأَيام والليالى يسمع لهم أَنين، وأَلقتهم بعد ذلك الريح أَو طير سود فى البحر، وهود وأَصحابه عند البحر فى حظيرة يصيبهم من الريح ما يلين أَجسادهم، وإِذا أَهلك الله قوم نبى مضى هو ومن آمن معه إَلى مكة وعبدوا الله عز وجل وماتوا فيها، وعن على أَن قبر هود بحضرموت فى كثيب أَحمر فيه أَراك وسدر كثير، وقيل بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبياً، وإِن قبر هود وشعيب وصالح مع إِسماعيل فى تلك البقعة، وخرج الوفد من مكة فنزلوا على معاوية بن بكر فأَقبل رجل على ناقة فى ليلة مقمرة من أَمصار عاد فأَخبرهم بهلاك عاد، فقالوا له: أَين فارقت هودا وأَصحابه. قال: فارقتهم بساحل البحر، فشكوا فقالت هرملة بنت بكر أُخت معاوية المذكور: صدق ورب الكعبة، وقيل لقيل: اختر لك فاختار ما أَصاب قومه فقيل له إِنه هلاك فقال: لا أُبالى لا حاجة لى فى البقاء بعد قومى، فهلك بالريح، وقيل لمرثد: اختر فقال اللهم أَعطنى برا وصدقاً فأعطيهما.. وقيل للقمان اختر بقاءَ سبع بقرات سمن من أَظب عفر لا يمسها قط، أَو عمر سبعة أَنسر، واستحقر الأَبعار واختار النسور فكان يأخذ الفرخ الذكر منها لقوته فيربيه حتى إِذا مات أَخذ غيره، وكل يعيش ثمانين سنة فلما بقى السابع قال ابن أَخ للقمان: يا عم لم يبق من عمرك إِلا هذا النسر، فقال: يا ابن أَخى هذا لبد، ولبد بلسانهم الدهر، ولما انقضى عمر لبد طارت النسور غداة من رأس الجبل ولم ينهض لبد، وكانت نسور لقمان لا تغيب عنه، وطلع لقمان الجبل فقال: انهض لبد فأَراد النهوض فسقط، وقد وجد لقمان فى نفسه وهو لم يجده فمات مع لبد، ولم يبق من عاد أَحد إِلا قوم سكنوا مكة لم يحضروا سخطهم، وهم عاد الثانية وهم ثمود أَرسل الله إِليهم سيدنا صالحاً عليه السلام كما قال الله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ} هو الأَكبر ثمود من عامر بن إِرم ابن سام بن نوح وقيل ثمود بن عاد بن عوض بن إِرم بن سام {أَخَاهُمْ} بينه وبين هود مائة سنة {صَالِحًا} صالح بن عبيد بن أَسفا بن ماشج بن عبيد بن خادر بن ثمود بن غامر بن سام بن عبيد بن جابر بن سام ابن نوح، وصالح أَخوهم فى النسب وكانوا بين الحجاز والشام إِلى وادى القرى، وفى هذا النسب قال جلهمة بن الخبيرى من قوم هود خال معاوية المذكور حين أَظهر مرثد إِيمانه بهود: شعر : أَبا سعد رأَيتك من قبيل ذوى كرم وأُمك من ثمود فإِنا لا نطيعك ما بقينا ولسنا فاعلين لما تريد أَتأْمرنا لنترك دين رفد ورمل والصمود أَو العبود ونترك دين آباءٍ كرام ذوى رأى ونتبع دين هود تفسير : وتريد بالضم وسائر القوافى بالكسر وذلك يسمى إِجازة، قيل بعث الله صالحا إِليهم حين راهق الحلم وهو مخالف لما شهر من البعث على الأربعين، وأقام فيهم أربعين عاماً، وعبارة بعض بعث شاباً ودعا قومه حتى شمط وكبر، وقيل أَقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة وهو ابن ثمانية وخمسين، وثمود مأخوذ من الثمد وهو الماء القليل، وكأَنه قيل فماذا قال لهم فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِهِ} قالوا: أَلَك حجة فقال بعد خروج الناقة {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} على صدقى {مِنْ رَبِّكُمْ} قالوا أَين بينتك فقال {هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ} نسبها إِلى الله لأَنها أَرسلت حجة الله عليهم، ولأَنها لم تكن من اَم وأَب بل من صخرة وتعظيماً لها كبيت الله وروح الله، ولأَنها لم يملكها أَحد، وذلك كله بعد نصح وكلام طويل فى مدة طويلة {لَكُمْ} خبر ثان أَو حال من ناقة أَو يقدر هى لكم أَو حال من قوله {آيَةٌ} حال من ناقة لأَن المبتدأَ اسم إِشارة يتضمن معنى أشير ومعه ها - تتضمن معنى أنبه فقيل العامل أنبه أَو أشير، قيل أَو يقدر: انظروا إِليها آية أَو ناقة بدل والخبر لكم عمل هو أَو متعلقه فى الحال بعده، سألوا صالح آية يوم عيد لهم فخرج معهم وقد قالوا ندعو آلهتنا وتدعو آلهتك فدعوها ولم تستجب لهم، فدعا الله صالح فأجاب له بالناقة من الصخر على ما وصفوا له، عينوا له صخرة تسمى الكاتبة فى ناحية الجبل، فقالوا له: أَخرج لنا من هذه الصخرة ناقة على شكل البخت عشراءَ وبراءَ جوفاءَ ومعنى عشراءَ مضى عليها عشرة أَشهر حين حملت وجوفاءَ عظيمة الجوف ووبراءَ كثيرة الوبر، فدعا الله عز وجل فتمخضت بحفرتهم الصخرة كالمرأَة فخرجت منها كما وصفوا، ولما خرجت ولدت مثلها فى العظم وخصوا بها فى قوله لكم مع أَن الإِيمان بها نافع لكل من آمن بها إِلى يوم القيامة، لأَنهم الطالبون لها والمنتفعون بلبنها ونسلها، وبالإِيمان بها لو آمنوا {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ} وتشرب كما ذكر الشرب فى آية أُخرى أَو تأكل تنتفع فتعم الأَكل والشرب {فِى أَرْضِ اللهِ} هى ناقة لله لم يجر عليها ملك أَحد تأْكل فى الأَرض التى هى ملك لله تعالى نفسها ونباتها لا وجه لكم فى منعها، وفى ذلك تأْكيد لعدم التعرض لها، ويجوز تنازع ذر وتأْكل فى قوله فى أَرض الله ومأْكولها العشب {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} ما من الأَسواء، والنهى عن المس مبالغة إِذ لم يقل لا تسيئوا إِليها أَو لا تسوءوها وأَشد مبالغة أَن يقول لا تقربوها بسوء، ولم يقل ذلك والله أَعلم لأَن قربها بسوء بلا فعل له لا يوجب به الله الرجفة والإِيذاء بلا مس أَو غيره ممكن كالمنع من الرعى والغالب بالمس، فجاءَت الآية به والمس بلا سوء لم يحرم عليهم، وحاصل الآية لا تنالوها بسوء {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} رجفة وصيحة.
الالوسي
تفسير : {فَأَنْجَيْنَاهُ} فصيحة أي فوقع ما وقع فأنجيناه {وَٱلَّذينَ مَعَهُ} أي متابعيه في الدين {برَحْمَةٍ} عظيمة لا يقادر قدرها {منَّا} أي من جهتنا. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع نعتاً لرحمة مؤكداً لفخامتها على ما تقدم غير مرة {وَقَطَعْنَا دَابرَ ٱلَّذينَ كَذَّبُوا بآيَاتنَا} كناية عن الاستئصال. والدابر الآخر أي أهلكناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم. واستدل به بعضهم على أنه لا عقب لهم. {وَمَا كَانُوا مُؤْمنينَ} عطف على {كذبوا} داخل معه في حكم الصلة أي أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أصلاً. وفائدة هذا النفي عند الزمخشري التعريض بمن آمن منهم. وبيانه ـ على ما قال الطيبـي ـ / أنه إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين وعلم أن سبب النجاة هو الإيمان تزيد رغبته فيه ويعظم قدره عنده، ونظيره في اعتبار شرف الإيمان { أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } تفسير : [غافر: 7] الآية، وقال بعضهم: فائدة ذلك بيان أنه كان المعلوم من حالهم أنه سبحانه لو لم يهلكهم ما كانوا ليؤمنوا كما قال جل شأنه في آية أخرى: { أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } تفسير : [يونس: 13] فهو كالعذر عن عدم إمهالهم والصبر عليهم. وسر تقديم حكاية الإنجاء على حكاية الإهلاك يعلم مما تقدم. وقصتهم ـ على ما ذكره السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما ـ أن عاداً قوم كانوا بالأحقاف وهي رمال بين عمان وحضرموت وكانوا قد فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها وكانت لهم أصنام يعبدونها وهي صداء وصمود والهباء فبعث الله تعالى إليهم هوداً عليه السلام نبياً وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً فأمرهم بالتوحيد والكف عن الظلم فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً { أية : وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } تفسير : [فصلت: 15] فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس إذ ذاك إذا نزل بهم بلاء طلبوا رفعه من الله تعالى عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة يومئذٍ العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر وكانت أمه كهلدة من عاد فجهزت عاد إلى الحرم من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ولقيم بن هزال ولقمان بن عاد الأصغر ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه وجلهمة خال معاوية بن بكر فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية وكان خارجاً من الحرم فأنزلهم وأكرمهم إذ كانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم قينتان لمعاوية اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة ويقال لهما الجرادتان على التغليب فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له شق ذلك عليه وقال: هلك أصهاري وأخوالي وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحي أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ثقل مقامهم عنده فشكا ذلك لقينتيه فقالتا: قل شعراً نغنيهم به ولا يدرون من قاله لعل ذلك أن يحركهم فقال: شعر : ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما فتسقى أرض عاد إن عاداً قد أمسوا ما يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم عياما وإن الوحش تأتيهم جهاراً ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم هٰهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما تفسير : فلما غنتا بذلك قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم فقال: مرثد بن سعد والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إلى ربكم سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك وقال: شعر : عصت عاد رسولهم فأمسوا عطاشاً ما تبلهم السماء لهم صنم يقال له صمود يقابله صداء والهباء فبصرنا الرسول سبيل رشد فأبصرنا الهدى وخلا العماء / وإن إله هود هو إلٰهي على الله التوكل والرجاء تفسير : فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً فلا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة يستسقون فخرج مرثد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل أن يدعوا بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعو الله تعالى ويقول: اللهم سؤلي وحدي فلا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل رأس الوفد فدعا وقال: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم وقال القوم: اللهم أعط قيلاً ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم نادى مناد من السماء يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شئت قيل وكذلك يفعل الله تعالى بمن دعاه إذ ذاك فقال قيل: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فناداه مناد اخترت رماداً رمداً لا تبقى من آل عاد أحداً وساق الله تعالى تلك السحابة بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم، وأول من رأى ذلك امرأة منهم يقال لها مهدر ولما رأته صفقت فلما أفاقت قالوا: ما رأيت قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله تعالى عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فلم تدع منهم أحداً إلا أهلكته واعتزل هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين به الجلود وتلتذ الأنفس، ثم إنه عليه السلام أتى هو ومن معه مكة فعبدوا الله تعالى فيها إلى أن ماتوا وقبره عليه السلام قيل هناك في البقعة التي بين الركن والمقام وزمزم، وفيهاـ كما أخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن سابط ـ قبور تسعة وسبعين نبياً منهم أيضاً نوح وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم السلام، وأخرج البخاري في «تاريخه». وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أن قبره عليه السلام بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه سدرة، وأخرج ابن عساكر عن ابن أبـي العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود عليه السلام، وعمر كما أخرج أبو الشيخ عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أربعمائة واثنتين وسبعين سنة والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: على ما قاله القوم رضي الله تعالى عنهم {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ} أي سماوات الأرواح {وَٱلأَرْضَ} أي أرض الأبدان {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وهي ستة آلاف سنة وإن يوماً عند ربكم كألف سنة مما تعدون وهي من لدن خلق آدم عليه السلام إلى زمان النبـي صلى الله عليه وسلم وهي في الحقيقة من ابتداء دور الخفاء إلى ابتداء الظهور الذي هو زمان ختم النبوة وظهور الولاية {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} وهو القلب المحمدي بالتجلي التام وهو التجلي باسمه تعالى الجامع لجميع الصفات. وللصوفية عدة عروش نبهنا عليها في كتابنا ـ «الطراز المذهب في شرح قصيدة الباز الأشهب» ـ. وتمام الكلام عليها في «شمس المعارف» للإمام البوني قدس سره {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ} أي ليل البدن {ٱلنَّهَارَ} أي نهار الروح {يَطْلُبُهُ} بالتهيء والاستعداد لقبوله باعتدال مزاجه {حَثِيثاًً} أي سريعاً {وَٱلشَّمْسَ} أي شمس الروح {وَٱلْقَمَرَ} أي قمر القلب {وَٱلنُّجُومَ} أي نجوم الحواس { أية : مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } تفسير : [الأعراف: 54] الذي هو الشأن المذكور في قوله تعالى: { أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } تفسير : [الرحمٰن: 29] {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} أي اعبدوه {تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} إشارة إلى طريق الجلوة والخلوة أو ادعوه بالجوارح والقلب أو بأداء حق العبودية ومطالب حق الربوبية { أية : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } تفسير : [الأعراف: 55] المتجاوزين عما أمروا به بترك الامتثال أو الذين يطلبون منه سواه {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} / أي أرض البدن {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بالاستعداد { أية : وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً } تفسير : [الأعراف: 56] لئلا يلزم إهمال إحدى صفتي الجلال والجمال {وهو الذي يرسل الرياح} أي رياح العناية {بين يدي رحمته} أي تجلياته {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} بأمطار المحبة {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ} قلب {مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ} ماء المحبة { فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} من المشاهدات والمكاشفات {كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} القلوب الميتة من قبور الصدور { أية : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 57] أيام حياتكم في عالم الأرواح حيث كنتم في رياض القدس وحياض الأنس {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ} وهو ما طاب استعداده {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} حسناً غزيراً نفعه {وَٱلَّذِي خَبُثَ} وهو ما ساء استعداده { أية : لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } تفسير : [الأعراف: 58] لا خير فيه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} أي نوح الروح { أية : إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [الأعراف: 59] من القلب وأعوانه والنفس وأعوانها {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} كالقلب وأعوانه {في الفلك} وهو سفينة الأتباع {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} في بحار الدنيا ومياه الشهوات { أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ } تفسير : [الأعراف: 64] عن طريق الوصول ورؤية الله تعالى، وعلى هذا المنوال ينسح الكلام في باقي الآيات. ولمولانا الشيخ الأكبر قدس سره في هؤلاء القوم ونحوهم كلام تقف الأفكار دونه حسرى فمن أراده فليرجع إلى «الفصوص» يرى العجب العجاب والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتّعقيب: أي فعجّل الله استيصال عاد ونجَّى هوداً والذين معه أي المؤمنين من قومه، فالمعقّب به هو قطع دابر عاد، وكان مقتضى الظّاهر أن يكون النّظم هكذا: فقطعْنا دابر الذين كذّبوا ــــ إلخ ــــ ونجينا هوداً إلخ، ولكن جرى النّظم على خلاف مقتضى الظّاهر للاهتمام بتعجيل الإخبار بنجاة هود ومن آمَن معه، على نحو ما قرّرتُه في قوله تعالى: {أية : فكذّبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 64] في قصّة نوح المتقدّمة، وكذلك القول في تعريف الموصوليّة في قوله: {والذين معه}. والّذين معه هم من آمن به من قومه، فالمعيّة هي المصاحبة في الدّين، وهي معيّة مجازيّة، قيل إنّ الله تعالى أمر هوداً ومن معه بالهجرة إلى مكّة قبل أن يحلّ العذاب بعادٍ، وإنّه توفي هنالك ودفن في الحِجْر ولا أحسب هذا ثابتاً لأنّ مكّة إنّما بناها إبراهيم وظاهر القرآن في سورة هود أنّ بين عاد وإبراهيم زمناً طويلاً لأنّه حكى عن شعيب قولَه لقومه: {أية : أنْ يصيبكم مثلُ ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قومُ لوط منكم ببعيد}تفسير : [هود: 89] فهو ظاهر في أنّ عاداً وثموداً كانوا بعيدين من زمن شعيب وأنّ قوم لوط غير بعيدين، والبعد مراد به بعد الزّمان، لأنّ أمكنة الجميع متقاربة، وكان لوط في زمن إبراهيم فالأولى أن لا نعين كيفية إنجاء هود ومن معه. والأظهر أنّها بالأمر بالهجرة إلى مكان بعيد عن العذاب، وروي عن عليّ أنّ قَبْر هود بحضر موت وهذا أقرب. وقوله: {برحمة منا} الباء فيه للسّببيّة، وتنكير {رحمة} للتّعظيم، وكذلك وصفها بأنّها من الله للدّلالة على كمالها، و(من) للابتداء، ويجوز أن تكون الباءُ للمصاحبة، أي: فأنجيناه ورحمناه، فكانت الرّحمَة مصاحبة لهم إذ كانوا بمحلّ اللّطف والرّفق حيثما حَلّوا إلى انقضاء آجالهم، وموقع (مِنَّا) ــــ على هذا الوجه ــــ موقع رشيق جدّا يؤذن بأن الرّحمة غير منقطعة عنهم كقوله {أية : فإنّك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. وتفسير قوله: {وقطعنا دابر الذين كذبوا} نظير قوله تعالى: {أية : فقُطع دابر القوم الذين ظلموا} تفسير : في سورة الأنعام (45)، وقد أرسل عليهم الرّيح الدّبُور فأفناهم جميعاً ولم يبق منهم أحد. والظّاهر أنّ الذين أنجاهم الله منهم لم يكن لهم نسل. وأمّا الآية فلا تقتضي إلاّ انقراض نسل الذين كذّبوا ونزل بهم العذاب والتّعريف بطريق الموصوليه تقدّم في قوله: {أية : وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 64] في قصّة نوح آنفاً، فهو للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو قطع دابرهم. {وما كانوا مؤمنين} عطف على {كذّبوا} فهو من الصّلة، وفائدة عطفه الإشارة إلى أن كلتا الصّلتين موجب لقطع دابرهم: وهما التّكذيب والإشراك، تعريضاً بمشركي قريش، ولِموعظتهم ذكرت هذه القصص. وقد كان ما حَلّ بعاد من الاستيصال تطهيراً أوّل لبلاد العرب من الشّرك، وقطعاً لدابر الضّلال منها في أوّل عصور عمرانها، أعداداً لما أراد الله تعالى من انبثاق نور الدّعوة المحمّديّة فيها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الآية. لم يبين هنا كيفية قطعه دابر عاد، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6] الآية، وقوله: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] الآية، ونحو ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَنجَيْنَاهُ} {بِآيَاتِنَا} (72) - فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ اللهِ سَاقَ اللهُ إِلَى عَادٍ السَّحَابَ الذِي يَحْمِلُ إِلَيْهِم العَذَابَ، وَأَنْجَى رَسُولَهُ هُوداً وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَلُطْفٍ، وَدَمَّرَ الكَافِرِينَ جَمِيعاً، مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلى آخِرِهِمْ، لَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً، لأَِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ بِرَبِّهِمْ الوَاحِدِ الأَحَدِ. قَطَعْنَا دَابِرِ القَوْمِ - أَهْلَكْنَا آخَِرَهُمْ، وَمَتَى هَلَكَ الآخِرُ فَقَدْ هَلَكَ الأَوَّلُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أن الحق قد بين وسيلة نجاة سيدنا نوح: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ}. أما هنا في مسألة عاد فلم يوضح لنا وسيلة النجاة، بل قال سبحانه: {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72] وقوله: {فَأَنجَيْنَاهُ} تدل على أن عذاباً عاماً وقع، إلا أن ربنا أوحى لسيدنا هود أن يذهب بعيداً عن المكان هو والذين معه قبل أن يقع هذا العذاب. وكان العرب قديماً إذا حزبهم أمر، أو دعتهم ضرورة إلى شيء خرج عن أسبابهم يذهبون إلى بيت الله؛ ليضرعوا إلى الله أن يخلصهم منه، حتى الكفرة منهم كانوا يفعلون ذلك. كما حدث من عاد حين أرسل الله إليهم سيدنا هودا نبيًّا فكذبوه وازدادوا عتوًّا وتجبراً فأصابهم جدب وظل ثلاث سنوات فما كان منهم ألا أن فزعوا إلى الكعبة لكي يدعوا ربهم أن يخفف عنهم العذاب، وذهب واحد منهم اسمه "قيل بن عنز"، وآخر اسمه "مرثد بن سعد" الذي كان يكتم إسلامه على رأس جماعة منهم إلى مكة، وكان لهم بها أخوال من المعاليق؛ من أولاد عمليق بن لاوث بن سام بن نوح، وكانوا هم الذين يحكمون مكة في هذا الوقت، وعلى رأسهم واحد اسمه "معاوية بن بكر"، فنزلوا عنده، وأكرم وفادتهم على طريقة العرب، واستضافهم ضيافة ملوك وأمراء، وجاء لهم بالقيان والأكل والشراب، فاستمرأوا الأمر، وظلوا شهراً، فقال معاوية بن بكر: لقد جاءوا لينقذوا قومهم من الجدب وما فكروا أن يذهبوا إلى الكعبة، ولا فكروا في أن يدعوا ربنا وأخاف أن أقول لهم ذلك فيقولوا إنه ضاق بنا. وتكون سبّة فيّ. وأخذ يفكر في الأمر. وكان عنده مغنيتان اسمهما "الجرادتان". فقالت المغنيتان: قل في ذلك شعراً، ونحن نغنيه لهم، فقال معاوية: شعر : ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يمطرنا غماماً فيسقى أرض عاد إن عادا قد أمسوا لا يبينون الكلاما تفسير : فلما غنتا، والغناء فيه ترديد وخصوصاً إذا كان غناءً موجهاً "ألا يا قيل ويحك قم فهينم" وهينم: أي ادعوا الله، ألم تحضر من أجل الدعاء لعل الله يمطرنا الغمام على أرض عاد، وينتهي الجدب، وقد بلغ منهم الجهد أنهم لا يبينون الكلام، فتنبه القيل، وتنبه مرثد بن سعد، وكان قد نمى إلى علم "القيل" أن مرثد بن سعد مؤمن بهود عليه السلام، فرفض أن يصحبه معه، وبالفعل ذهب قيل وأخذ يدعو الله، فسمع هاتفاً يقول له:"اختر قومك" وقد رأى سحابة سوداء وسحابة حمراء وسحابة بيضاء، ونبهه الهاتف أن يختار سحابة تذهب لقومه من بين الثلاثة، فاختار السحابة السوداء، لأنها أكثر السحاب ماء، وهو على قدر اجتهاده اختار السحابة السوداء، وعادوا لبلادهم ليجدوا السحابة السوداء فقال لهم: أنا اخترت السحابة لأنها توحى بماء كثير منهمر، وقال الحق في هذا الأمر: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا...} تفسير : [الأحقاف: 24] أي أن هذه هي السحابة التي قال عليها: "قيل" سوف تعطينا المطر. فيرد الحق عليهم ويقول لهم: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ...} تفسير : [الأحقاف: 24-25] إذن فقولهم السابق لسيدنا هود الذي أورده الحق هنا في سورة الأعراف: {أية : ...فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [ الأعراف: 70] أي أن عذابهم يتأكد بالمطر والريح الذي جاء به قول سيدنا هود هنا في سورة الأعراف: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ}. ولم يفلت من العذاب إلا من آمن مصداقاً لقوله الحق: {فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72] لقد يسّر الحق الانقاذ لسيدنا هود ومن آمن معه ليهجروا المكان لحظة ظهور السحاب، فقد سمع هود هاتفاً يؤكد له أن في هذا السحاب العذاب الشديد، فأخذ الجماعة الذين آمنوا معه وهرب إلى مكة، وتم إهلاك الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسولهم ورفضهم الإِيمان بربهم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):