٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
73
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الثالثة، وهو قصة صالح. أما قوله: {وإلى ثمود} فالمعنى {أية : ولقد أرسلنا نوحاً} تفسير : [الأعراف: 59] {أية : إلى عاد أخاهم هوداً}تفسير : [الأعراف: 65] {أية : وإلى ثمود أخاهم صالحاً} تفسير : [هود: 61] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثموداً لقلة مائها من الثمد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام وإلى وادي القرى، وقيل سميت ثمود لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. المسألة الثانية: قرىء {وإلى ثمود} يمنع التصرف بتأويل القبيلة {وإلى ثمود} بالصرف بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر، وقد ورد القرآن بهما صريحاً. قال تعالى: {أية : ألا إن ثموداً كفروا ربهم ألا بعداً لثمود}تفسير : [هود: 68]. واعلم أنه تعالى حكى عنه أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله كما ذكره من قبله من الأنبياء. ثم قال: {قد جاءتكم بينة من ربكم} وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة، وهي تدل على أن كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة التوحيد والنبوة، لأن التقليد وحده لو كان كافياً لكانت تلك البينة ههنا لغواً، ثم بين أن تلك البينة هي الناقة فقال: {هذه ناقة الله لكم آية} وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا أنه تعالى لما أهلك عاداً قام ثمود مقامهم، وطال عمرهم وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحاً وكان منهم، فطالبوه بالمعجزة. فقال: ما تريدون. فقالوا: تخرج معنا في عيدنا، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك ونسأل أصنامنا، فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا، فخرج معهم فسألوه أن يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة، فأخذ مواثيقهم أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفرجت وخرجت الناقة من وسطها، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها في يوم، وفي اليوم الثاني شرباً لكل القوم قال السدي: وكانت الناقة في اليوم التي تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل، وكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها. فقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فذبح تسعة نفر منهم أبناءهم، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه، فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجونه به، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء، واشتد ذلك عليهم، فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة؟ فشد عليها، فلما بصرت به شدت عليه، فهرب منها إلى خلف صخرة فأحاشوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت. فذلك قوله: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} وأظهروا حينئذ كفرهم وعتوا من أمر ربهم، فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حمراً، واليوم الثاني صفراً، واليوم الثالث سوداً، فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستعدوا. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف العلماء في وجه كون الناقة آية فقال بعضهم: إنها كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة. قال القاضي: هذا إن صح فهو معجز من جهات: أحدها: خروجها من الجبل، والثانية: كونها لا من ذكر وأنثى، والثالثة: كمال خلقها من غير تدريج. والقول الثاني: أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب، وكانت مع ذلك تأتي بما يليق بذلك الماء من الكلأ والحشيش. والقول الثاني: أن وجه الإعجاز فيها أنهم كانوا في يوم شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم لهم مقام الماء في يوم شربهم. وقال الحسن: بالعكس من ذلك، فقال إنها لم تحلب قطرة لبن قط، وهذا الكلام مناف لما تقدم. والقول الرابع: أن وجه الإعجاز فيها أن يوم مجيئها إلى الماء كان جميع الحيوانات تمتنع من الورود على الماء، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات تأتي. واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية، فأما ذكر أنها كانت آية من أي الوجوه فهو غير مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {هذه ناقة الله لكم آية} فقوله: {آية} نصب على الحال أي أشير إليها في حال كونها آية، ولفظة (هذه) تتضمن معنى الإشارة، و {آية} في معنى دالة. فلهذا جاز أن تكون حالاً. فإن قيل: تلك الناقة كانت آية لكل أحد، فلماذا خص أولئك الأقواك بها؟ فقال: {هذه ناقة الله لكم آية}. قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا عنها، وليس الخبر كالمعاينة. وثانيها: لعله يثبت سائر المعجزات، إلا أن القوم التمسوا منه هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقتراح، فأظهرها الله تعالى لهم، فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص. فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص تلك الناقة بأنها ناقة الله؟ قلنا: فيه وجوه: قيل أضافها إلى الله تشريفاً وتخصيصاً كقوله: بيت الله، وقيل: لأنه خلقها بلا واسطة، وقيل: لأنها لا مالك لها غير الله. وقيل: لأنها حجة الله على القوم. ثم قال: {فذروها تأكل في أرض الله} أي الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، ولا تمسوها بسوء ولا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوا منها شيئاً من أنواع الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك»تفسير : . ثم قال تعالى: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} قيل إنه تعالى لما أهلك عاداً عمر ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعماراً طوالاً. ثم قال: {وبوأكم في الأرض} أنزلكم، والمبوأ: المنزل من الأرض، أي في أرض الحجر بين الحجاز والشام. ثم قال: {تتخذون من سهولها قصوراً} أي تبوؤن القصور من سهولة الأرض، فإن القصور إنما تبنى من الطين واللبن والآجر، وهذه الأشياء إنما تتخذ من سهولة الأرض {وتنحِتون من الجبال بيوتاً} يريد تنحِتون بيوتاً من الجبال تسقفونها. فإن قالوا: علام انتصب بيوتاً؟ قلنا: على الحال كما يقال: خط هذا الثوب قميصاً وأبر هذه القصبة قلما، وهي من الحال المقدرة، لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت، ولا الثوب والقصبة قميصاً، وقلما في حال الخياطة والبري. وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين. ثم قال: {فاذكروا آلاء الله} يعني قد ذكرت لكم بعض أقسام ما آتاكم الله من النعم، وذكر الكل طويل فاذكروا أنتم بعقولكم ما فيها { ولا تعثوا في الأرض مفسدين} قيل المراد منه: النهي عن عقر الناقة، والأولى أن يحمل على ظاهره وهو المنع عن كل أنواع الفساد.
القرطبي
تفسير : وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وهو أخو جدِيس، وكانوا في سعة من معايشهم؛ فخالفوا أمر الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض. فبعث الله إليهم صالحاً نبيًّا، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وكانوا قوماً عُرْباً. وكان صالح من أوسطهم نَسَباً وأفضلهم حَسَباً فدعاهم إلى الله تعالى حتى شَمِطَ ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعَفون. ولم ينصرف «ثمود» لأنه جُعل ٱسماً للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه ٱسم أعجميّ. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه مشتق من الثَّمد وهو الماء القليل. وقد قرأ الفراء {أية : أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ}تفسير : [هود: 68]على أنه ٱسم للحيّ. وكانت مساكن ثمود الحِجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وهم من ولد سام بن نوح. وسميت ثمود لقلة مائها. وسيأتي بيانه في «الحجر» إن شاء الله تعالى. {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صَلْد؛ فكان لها يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه. وكان بقدر حاجتهم على كثرتهم؛ قال الله تعالى: {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155]. وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى الخالق. وفيه معنى التشريف والتخصيص. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} أي ليس عليكم رزقها ومؤونتها.
ابن كثير
تفسير : قال علماء التفسير والنسب: ثمود ابن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع. قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال: «حديث : إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: «حديث : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم» تفسير : وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك، تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس: «حديث : الصلاة جامعة» تفسير : قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة، وهو يقول: «حديث : ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» تفسير : فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله قال: «حديث : أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا؛ فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً» تفسير : لم يخرجه أحد من أصحاب السنن. وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد، ويقال: عامر بن سعد، والله أعلم، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال: «حديث : لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت يعني: الناقة ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله» تفسير : فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «حديث : أبو رغال، فلما خرج من الحرم، أصابه ما أصاب قومه» تفسير : وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم. قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ} أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحاً {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقال: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] وقوله: {قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً} أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا صالحاً أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها: الكاتبة، فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم، وأجابهم إلى طلبتهم، ليؤمنن به، وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلهس، وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضاً، فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له: مهوش بن عنمة بن الدميل رحمه الله:شعر : وكانَتْ عُصْبَةٌ منْ آلِ عَمْروٍ إلى دينِ النبيِّ دَعَوْا شِهابا عزيزَ ثمودَ كلِّهم جميعاً فَهَمّ بأن يجيبَ فَلَوْ أجابا لأصبح صالِحٌ فينا عزيزاً وما عَدَلوا بصاحبهم ذُؤابا ولكنَّ الغُواةَ مِنْ آلِ حِجْرٍ تَوَلَّوا بعدَ رُشْدِهِم ذُئابا تفسير : وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوماً، وتدعه لهم يوماً، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} تفسير : [القمر: 28] وقال تعالى: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية، ترد من فج، وتصدر من غيره؛ ليسعها؛ لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت على ما ذكر خلقاً هائلاً ومنظراً رائعاً، إذا مرت بأنعامهم، نفرت منها، فلما طال عليهم ذلك، واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام، عزموا على قتلها؛ ليستأثروا بالماء كل يوم. فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها، قال قتادة: بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان. قلت: وهذا هو الظاهر؛ لقوله تعالى: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا} تفسير : [الشمس: 14] وقال: {أية : وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} تفسير : [الإسراء: 59] وقال: {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} فأسند ذلك على مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك، والله أعلم. وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها: أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز، وتكنى أم غنم، كانت عجوزاً كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود، ففارقته، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت صدوف رجلاً يقال له: الحباب، فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا، فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع، وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً، يزعمون أنه كان ولد زنية، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه، وهو سالف، وإنما هو من رجل يقال له: صهياد، ولكن ولد على فراش سالف. وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج، فاستغويا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله تعالى: {أية : وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } تفسير : [النمل: 48] وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء، وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع، فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غنم عنيزة، وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجهاً، فسفرت عن وجهها لقدار، وذمَّرته، وشد على الناقة بالسيف، فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها، وهو فصيلها، حتى أتى جبلاً منيعاً، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا، فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يا رب أين أمي؟ ويقال إنه رغا ثلاث مرات، وإنه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال: بل اتبعوه فعقروه مع أمه، فالله أعلم، فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، وبلغ الخبر صالحاً عليه السلام، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى، وقال: {أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} تفسير : [هود: 65] الآية. وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا: إن كان صادقاً، عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً، ألحقناه بناقته {أية : قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ } تفسير : [النمل:49-51] الآية، فلما عزموا على ذلك، وتواطؤوا عليه، وجاؤوا من الليل ليفتكوا بنبي الله، فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة، فرضختهم سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد، وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه، عياذاً بالله من ذلك، لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس في ساعة واحدة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة، واسمها كلبة ابنة السلق، ويقال لها: الزريقة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت ما رأت من العذاب، أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حياً من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها، ثم استسقتهم من الماء، فلما شربت، ماتت. قال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح عليه السلام ومن تبعه رضي الله عنهم، إلا أن رجلاً يقال له: أبو رغال، كان لما وقعت النقمة بقومه مقيماً إذ ذاك في الحرم، فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل، جاءه حجر من السماء فقتله، وقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك، وذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف، قال عبد الرزاق عن معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال، فقال: «حديث : أتدرون من هذا؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : هذا قبر أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج، أصابه ما أصاب قومه، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه، فاستخرجوا الغصن» تفسير : وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف. هذا مرسل من هذا الوجه. وقد روي متصلاً من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: «حديث : هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم، فدفع عنه، فلما خرج، أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه، فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن» تفسير : وهكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق به، قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز (قلت): تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحداً روى عنه غير إسماعيل بن أمية، (قلت): وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث. وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين، قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} أرسلنا {أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ } بترك الصرف مراداً به القبيلة {أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيّنَةٌ } معجزة {مِّن رَّبِّكُمْ } على صدقي {هَٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً } حال عاملها معنى الإِشارة، وكانوا سألوه أن يخرجها لهم من صخرة عيّنوها {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } بعقر أو ضرب {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا } معطوف على ما تقدّم، أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم، وثمود قبيلة سموا باسم أبيهم، وهو ثمود بن عاد بن إرم بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وصالح عطف بيان، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود، وامتناع ثمود من الصرف لأنه جعل اسماً للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه أعجميّ. قال النحاس: وهو غلط لأنه من الثمد، وهو الماء القليل، وقد قرأ القراء {أية : أَلا إِنَ ثموداً كفروا ربهم} تفسير : [هود: 68] على أنه اسم للحيّ، وكانت مساكن ثمود الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. قوله: {قَالَ يَـاقَوْم ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قد تقدّم تفسيره في قصة نوح. {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي معجزة ظاهرة، وهي إخراج الناقة من الحجر الصلد. وجملة {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً } مشتملة على بيان البينة المذكورة، وانتصاب {آية} على الحال. والعامل فيها معنى الإشارة، وفي إضافة الناقة إلى الله تشريف لها وتكريم. قوله: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ } أي دعوها تأكل في أرض الله، فهي ناقة الله، والأرض أرضه فلا تمنعوها مما ليس لكم، ولا تملكونه، {وَلاَ تَمَسُّوهَا } بشيء من السوء، أي لا تتعرّضوا لها بوجه من الوجوه التي تسوءها. قوله: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } هو جواب النهي، أي إذا لم تتركوا مسها بشيء من السوء أخذكم عذاب أليم: أي شديد الألم. قوله: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ } أي استخلفكم في الأرض أو جعلكم ملوكاً فيها، كما تقدّم في قصة هود. {وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } أي جعل لكم فيها مباءة، وهي المنزل الذي تسكنونه {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } أي: تتخذون من سهولة الأرض قصوراً، أو هذه الجملة مبينة لجملة: {وبوّأكم في الأرض}، وسهول الأرض ترابها، يتخذون منه اللبن والآجر، ونحو ذلك، فيبنون به القصور. {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا } أي تتخذون في الجبال التي هي صخور بيوتاً تسكنون فيها، وقد كانوا لقوّتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الجبال فيتخذون فيها، كهوفاً يسكنون فيها، لأن الأبنية والسقوف كانت تفنى قبل فناء أعمارهم. وانتصاب {بيوتاً} على أنها حال مقدّرة، أو على أنها مفعول ثان لـ {تنحتون} على تضمينه معنى {تتخذون}. قوله: {فَٱذْكُرُواْ ءالآء ٱللَّهِ } تقدّم تفسيره في القصة التي قبل هذه. قوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأرْضِ مُفْسِدِينَ } العثي والعثو لغتان، وقد تقدم تحقيقه في البقرة بما يغني عن الإعادة. {قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ } أي قال الرؤساء المستكبرون من قوم صالح للمستضعفين، الذين استضعفهم المستكبرون، و {لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } بدل من الذين {استضعفوا}، بإعادة حرف الجر، بدل البعض من الكل، لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، هذا على عود ضمير {منهم} إلى الذين استضعفوا، فإن عاد إلى قومه كان بدل كل من المستضعفين، ومقول القول: {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ } قالوا هذا على طريق الاستهزاء والسخرية. قوله: {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } أجابوهم بأنهم مؤمنون برسالته، مع كون سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم منهم هل تعلمون برسالته أم لا؟ مسارعة إلى إظهار ما لهم من الإيمان، وتنبيهاً على أن كونه مرسلاً أمر واضح مكشوف، لا يحتاج إلى السؤال عنه، فأجابوا تمرداً وعناداً بقولهم: {إِنَّا بِٱلَّذِى آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} وهذه الجمل المعنوية، يقال مستأنفة لأنها جوابات عن سؤالات مقدّرة كما سبق بيانه. قوله: {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ } العقر: الجرح. وقيل: قطع عضو يؤثر في تلف النفس. يقال عقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف. وقيل أصل العقر: كسر عرقوب البعير، ثم قيل للنحر عقر، لأن العقر سبب النحر في الغالب، وأسند العقر إلى الجميع، مع كون العاقر واحداً منهم، لأنهم راضون بذلك موافقون عليه. وقد اختلف في عاقر الناقة ما كان اسمه؟ فقيل قدار بن سالف، وقيل غير ذلك {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } أي استكبروا، يقال عتا يعتو عتوّاً: استكبر، وتعتي فلان: إذا لم يطع، والليل العاتي: الشديد الظلمة {وَقَالُواْ ياصَـالِح ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } هذا استعجال منهم للنقمة، وطلب منهم لنزول العذاب، وحلول البلية بهم. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } أي الزلزلة. يقال رجف الشيء يرجف رجفاناً، وأصله حركة مع صوت، ومنه: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ }تفسير : [النازعات: 6]. وقيل: كانت صيحة شديدة، خلعت قلوبهم {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } أي: بلدهم {جَـٰثِمِينَ } لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم، كما يجثم الطائر. وأصل الجثوم للأرنب وشبهها. وقيل للناس والطير، والمراد أنهم أصبحوا في دورهم ميتين لا حراك بهم {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } صالح عند اليأس من إجابتهم {وَقَالَ } لهم هذه المقالة {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } ويحتمل أنه قال لهم هذه المقالة بعد موتهم على طريق الحكاية لحالهم الماضية. كما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من التكليم لأهل قليب بدر بعد موتهم، أو قالها لهم عند نزول العذاب بهم، وكأنه كان مشاهداً لذلك، فنحسر على ما فاتهم من الإيمان والسلامة من العذاب، ثم أبان عن نفسه أنه لم يأل جهداً في إبلاغهم الرسالة ومحض النصح، لكن أبوا ذلك فلم يقبلوا منه، فحق عليهم العذاب، ونزل بهم ما كذبوا به واستعجلوه. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي الطفيل قال: قالت ثمود لصالح {أية : ائتنا بآية إن كنت من الصادقين} تفسير : [الشعراء: 154]، قال: اخرجوا، فخرجوا إلى هضبة من الأرض، فإذا هي تمخض كما تمخض الحامل، ثم إنها انفرجت، فخرجت الناقة من وسطها، فقال لهم صالح: {أية : هذه ناقة الله لكم آية} تفسير : [هود: 64]، فلما ملوها عقروها: {أية : فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } تفسير : [هود: 65]. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة: أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام، ثم قال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم غداً مصفرّة، وتصبح اليوم الثاني محمرّة، ثم تصبح اليوم الثالث مسودّة. فأصبحت كذلك. فلما كان اليوم الثالث أيقنوا بالهلاك، فتكفنوا وتحنطوا. ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم. وقال عاقر الناقة: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين، فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون أترضين؟ فتقول نعم، والصبيّ حتى رضوا أجمعون، فعقرها. وأخرج أحمد، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر قام فخطب فقال: «حديث : يا أيها الناس، لا تسألوا نبيكم عن الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفجّ، فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم غبها، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها. فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعد من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلاً كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله"تفسير : ، فقيل يا رسول الله من هو؟ فقال: "حديث : أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه»تفسير : قال ابن كثير: هذا الحديث على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث أبي الطفيل مرفوعاً مثله. وأخرج أحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: «حديث : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم»تفسير : ، وأصل الحديث في الصحيحين من غير وجه. وفي لفظ لأحمد من هذا الحديث قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود. وأخرج أحمد، وابن المنذر، نحوه مرفوعاً من حديث أبي كبشة الأنماري. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } قال: لا تعقروها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً } قال: كانوا ينقبون في الجبال البيوت. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } قال: غلوا في الباطل {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } قال: الصيحة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } قال: ميتين. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة مثله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً} في الآية هنا وجهان: أحدهما: أن الآية الفرض كما قال تعالى: {أية : وَأَنَزَلْنَا فِيهَا ءَايَاتٍ} تفسير : [النور: 1] أي فرضاً، ويكون معنى الكلام هذه ناقة الله عليكم فيها فرض أن تذروها {تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي لا تعقروها. والثاني: أنها العلامة الدالة على قدرته. والآية فيها آيتان: إحداهما: أنها خرجت من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها. والثانية: أنه كان لها شرب يوم، ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم، حكي ذلك عن أبي الطفيل والسدي وابن إسحاق. قوله عز وجل: {... وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني أنزلكم في الأرض وهي أرض الحجر بين الشام والمدينة. والثاني: فيها من منازل تأوون إليها، ومنه قولهم: بوأته منزلاً، إذا أمكنته منه ليأوي إليه، قال الشاعر: شعر : وَبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِهَا فَتَمَّ فِي قَوْمِهَا مَبْوَؤُهَا تفسير : أي مكنت من الكرم في صميم النسب. {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً} والقصور ما شيد وعلا من المنازل اتخذوها في سهول الأرض ليصيِّفوا فيها. {وَتَنْحِتَونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً} لتكون مساكنهم في الشتاء لأنها أحصن وأبقى وأدفأ فكانوا طوال الآمال طوال الأعمار. {فَاْذْكُرُوا ءَالآءَ اللَّهِ} فيه ما قدمنا، أي نعمه أو عهوده. {ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفسِدِينَ} فيه وجهان: أحدهما: لا تعملوا فيها بالمعاصي. والثاني: لا تدعوا إلى عبادة غير الله. وفي العبث وجهان: أحدهما: أنه السعي في الباطل. والثاني: أنه الفعل المؤدي لضير فاعله. قوله عز وجل: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها حركة الأرض تضطرب من تحتهم. والثاني: أنها الصيحة، قاله مجاهد، والسدي. والثالث: أنها زلزلة أهلكوا بها، قاله ابن عباس. {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِم جَاثِمِينَ} قال محمد بن مروان السدي: كل ما في القرآن من {دَارِهِمْ} فالمراد به مدينتهم، وكل ما فيه من {دِيَارِهِم} فالمراد به مساكنهم، وفي الجاثم قولان: أحدهما: أنه البارك على ركبتيه لأنهم أصبحوا موتى على هذه الحال. والثاني: معناه أنهم أصبحوا كالرماد الجاثم لأن الصاعقة أحرقتهم. وقيل: إنه كان بعد العصر. {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} أي خرج من بين أظهرهم، وقيل إن صالحاً خرج عنهم إلى رملة فلسطين بمن آمن معه من قومه وهم مائة وعشرة، وقيل إنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرها.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَةً} فريضة، {أية : وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [النور: 1] فروضاً، فرض عليهم أن لا يعقروها ولا يمسوها بسوء، أو علامة على قدرته، لأنها تمخَّضت بها صخرة ملساء كما تتمخَّض المرأة فانفلقت عنها على الصفة التي طلبوها، وكانت تشرب في يومها ماء الوادي كله وتسقيهم اللبن بدله، ولهم يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} يعني أرسلنا إلى ثمود وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام ابن نوح وهو أخو جديس بن عابر وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله ومعنى الكلام وإلى بني ثمود أخاهم صالحاً لأن ثمود قبيلة. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها والثمد الماء القليل وقيل سموا ثمود باسم أبيهم الذي ينسبون إليه أخاهم صالحاً يعني في النسب لا في الدين وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} يعني قال لهم صالح حين أرسله الله تعالى إليهم يا قوم وحدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئاً فما لكم من إله يستحق أن يُعبد سواه {قد جاءتكم بينة من ربكم} يعني جاءتكم حجة من ربكم وبرهان على صدق ما أقول وأدعو إليه من عبادة الله تعالى ولا تشركوا به شيئاً وعلى تصديق بأني رسول الله إليكم ثم فسر تلك البينة فقال {هذه ناقة الله لكم آية} يعني علامة على صدقي قال العلماء رحمهم الله تعالى: ووجه كون هذه الناقة آية على صدق صالح ومعجزة له خارقة للعادة أنها خرجت من صخرة في الجبل وكونها لا من ذكر ولا من أنثى وكمال خلقها من غير حمل ولا تدريج لأنها خلقت في ساعة وخرجت من الصخرة وقيل لأنه كان لها شرب يوم ولجميع قبيلة ثمود شرب يوم وهذا من المعجزة أيضاً لأن ناقة تشرب ما تشربه قبيلة معجزة وكانوا يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم جميعهم ويقوم لهم مقام الماء وهذا أيضاً معجزة وقيل إن سائر الوحوش والحيوانات كانت تمتنع من شرب الماء في يوم شرب الناقة وتشرب الحيوانات الماء في غير يوم الناقة وهذا أيضاً معجزة وإنما أضافها إلى الله تعالى في قوله هذه ناقة الله على سبيل التفضيل والتشريف كما يقال بيت الله وقيل لأن الله تعالى خلقها بغير واسطة ذكر وأنثى وقيل لأنه لم يملكها أحد إلا الله تعالى وقيل لأنها كانت حجة الله على قوم صالح {فذروها تأكل في أرض الله} يعني فذروا الناقة تأكل العشب من أرض الله فإن الأرض لله والناقة أيضاً لله وليس لكم في أرض الله شيء لأنه هو الذي أنبت العشب فيها {ولا تمسوها بسوء} يعني ولا تطردوها ولا تقربوها بشيء من أنواع الأذى ولا تعقروها {فيأخذكم عذاب أليم} يعني بسبب عقرها وأذاها.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وقال الملأ} بالواو: ابن عامر {إنكم} بحذف همزة الاسفهام: أبو جعفر ونافع وحفص وسهل. {أئنكم} بهمزتين: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير جفص، وهشام يدخل بينهما مدة، {آينكم} بالمد وبالياء: أبو عمرو وزيد. {أينكم} بالهمزة والياء: ابن كثير ويعقوب غير زيد. الوقوف: {صالحاً} ج لئلا يظن أن {صالحاً} صفة لا علم فالجملة بعده نعت له وهذا بخلاف اسم شعيب وغيره من الأعلام العربية {غيره} ط {من ربكم} ط {أليم} ه {بيوتاً} ط لما مر في قصة هود {مفسدين} ه {من ربه} ج {مؤمنون} ه {كافرون} ه {المرسلين} ه {جاثمين} ه {ناصحين} ه {من العالمين} ه {من دون النساء} ط لمكان الإضراب. {مسرفون} ه {من قريتكم} ج لاحتمال التعليل استهزاء {إلا امرأته} ز لاحتمال الاستئناف والأشبه أنها حال المرأة {من الغابرين} ه {مطراً} ط {المجرمين} ه. التفسير: القصة الرابعة قصة صالح مع قومه ثمود. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل. وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وإنه لا ينصرف تارة بتأويل القبيلة وينصرف أخرى بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: إن ثمود أخو جديس وطسم. وقد ورد القرآن بالصرف وبمنعه جميعاً قال تعالى{أية : ألا إن ثموداً كفروا ربهم ألا بعداً لثمود}تفسير : [هود: 68] {قد جاءتكم بينة} آية ظاهرة دالة على صدقي وكأنه قيل: ما تلك البينة فقال {هذه ناقة الله لكم آية} وانتصابها على الحال والعامل فيها ما في اسم الإشارة أو حرف التنبيه من معنى الفعل أي أشير إليها أو أنبه عليها آية. و{لكم} بيان لمن هي له آية موجبة للإيمان وهم ثمود. وسبب تخصيص أولئك الأقوام بها مع أنها آية لكل أحد أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا بها وليس الخبر كالمعاينة. أو لعله يثبت سائر المعجزات إلا أن القوم التمسوا هذه المعجزة بعينها على سبيل الاقتراح فأظهرها الله تعالى لهم فلهذا حسن التخصيص. وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها حيث جاءت مكونة من عنده من غير فحل وطروقة آية من آياته كما تقول: آية الله وبيت الله، وبالحقيقة هي آية تشتمل على آيات. فخروجها من الجبل آية، وكونها لا من ذكر وأنثى آية، وكمال خلقها من غير تدريج ومهل آية، وأن لها شرب يوم ولجميع ثمود شرب يوم آية، وكذا الكلام في قوتها المناسب للماء وفي غزارة لبنها، وأنكر الحسن فقال: إنها لم تحلب قطرة لبن قط. ويروى أن جميع الحيوانات كانت تمتنع عن الورود في يوم شربها. وقيل: سميت ناقة الله لأنه لا مالك لها سوى الله تعالى. وقيل: لأنها حجة الله على القوم {فذروها تأكل في أرض الله} أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فدعوها تأكل في أرض ربها ومما أنبت منها {ولا تمسوها بسوء} من الضرب والطرد وسائر أنواع الأذى إكراماً لآية الله. {فيأخذكم عذاب أليم} يعني أخذ الاستفزاز والاستئصال {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} تفسيره كما في قصة هود {وبوأكم في الأرض} أنزلكم فيها والمباءة المنزل والأرض أرض الحجر {تتخذون من سهولها} أي تبنون من سهول الأرض قصوراً بما تعملون من الأراضي السهلة لبناً وآجراً ورهصاً. واتصاب {بيوتاً} على الحال المقدرة كما تقول خط هذا الثوب قميصاً لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة. ويجوز أن تكون من مقدرة اكتفاء بقوله: {من سهولها} كما جاءت في موضع آخر{أية : تنحتون من الجبال بيوتاً فارهين}تفسير : [الشعراء: 149] فيكون منصوباً على أنه مفعول به. وقيل: المراد أنهم كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء {فاذكروا آلاء الله} يعني إني قد ذكرت لكم بعض نعم ربكم فاذكروا أنتم تمامها {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} قيل: نهى عن عقر الناقة والأولى حمله على العموم. وإعرابه قد مر في أوائل سورة البقرة. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا} أي المساكين الذين استحقرهم رؤساء الكفار. وقوله {لمن آمن منهم} بدل من قوله {للذين استضعفوا} بتكرار الجار لشدة الاتصال. والضمير في {منهم} إما ان يرجع إلى الذين استضعفوا فيكون البدل بدل البعض ودل على أن المستضعفين فريقان مؤمنون وكافرون، وإما أن يرجع إلى قومه فيكون البدل بدل الكل ودل على أن الاستضعاف من شأن أهل الإيمان يستحقرهم المستكبرون، ولا يكون صفة ذم في حقهم وإنما الذم يعود إلى المستحقرين. وفي الآية دلالة على أن الفقر خير من الغنى لأن الإستكبار يتولد من كثرة المال والجاه والتصديق والانقياد ينشأ من قلتهما {أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه} قالوه على سبيل التهكم والسخرية لا للاستعلام والاسترشاد. {قالو إنا بما أرسل به مؤمنون} جعلوا إرساله أمراً بيناً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب وإنما الكلام في وجود الإيمان فنخبركم أنا به مؤمنون ولذلك {قال الذي استكبروا} في جوابهم {إنا بالذي أمنتم به كافرون فعقروا الناقة} قال الأزهري: العقر عند العرب كشف عرقوب البعير ثم أطلق على النحر إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وأسند العقر إلى جميعهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم لأنه كان برضاهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة أنتم فعلتم كذا ولعله لم يفعله إلا واحد منهم كقوله {أية : وإذ قتلتم}تفسير : [البقرة: 72] {وعتوا عن أمر ربهم} استكبروا عن امتثاله. قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل وأمر ربهم شأنه أي دينه، أو المراد أمر به صالح من قوله {فذروها} {ولا تمسوها} والمعنى أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم فإن الإنسان حريص على ما منع. {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} أطلقوا الوعد وأرادوا ما وعدهم من العذاب واستعجالهم العذاب إنما كان لأجل تكذيبهم بكل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد، ولذلك علقوه بما كانوا ينكرونه وهو كونه من المرسلين {فأخذتهم الرجفة} قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة قال تعالى{أية : يوم ترجف الأرض والجبال} تفسير : [المزمل: 14] قال الليث: هي كرجفان البعير تحت الرحل وكما ترجف الشجرة إذا أرجفتها الريح وهذا لا يناقض ما ورد في موضع آخر أنهم أهلكوا بالطاغية وفي آخر أنهم أهلكوا بالصيحة لأن الطغيان مجاوزة الحد. قال تعالى{أية : إنا لما طغا الماء حملناكم}تفسير : [الحاقة: 11] فالزلزلة هي الحركة الخارجة عن الحد المعتاد، والغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة الهائلة. {فأصحبوا في دارهم} أي في بلدهم كقولك: دار الحرب ودار الإسلام. وقد جمع في آية أخرى فقال:{أية : في ديارهم}تفسير : [هود: 67] لأنه أراد بالدار ما لكل واحد من منزله الخاص إلا أنه حيث ذكر الرجفة وحد وحيث ذكر الصيحة جمع لأن الصحية كأنها من السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة. ومعنى {جاثمين} موتى لا حراك بهم. قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها وهي البهيمة التي تربط وتجمع قوائمها لترمى {فتولى عنهم} الفاء للتعقيب. فالظاهر أن صالحاً عليه السلام أدبر عنهم بعدما أبصرهم جاثمين وكأنه تولى وهو مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم {وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي} وحد الرسالة بخلاف ما مر في قصتي نوح وهود لأن المراد هناك أشياء كانا يأمران بها قومهما بعد الإيمان بالله، وههنا وقع في آخر القصة فأراد بها مجموع ما أدى من الرسالة، أو أراد بذلك أداء حديث الناقة فقط. {ونصحت لكم} لم آل جهداً في النصيحة {ولكن لا تحبون الناصحين} حكاية لحال ماضية. واعترض على هذا التفسير بأنه كيف يصح خطاب الموتى؟ وأجيب بأنه قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه في حياته فلم يصغ إليه يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني حتى ألقيت بنفسك إلى التهلكة. والفائدة في مثل هذا الكلام أن يسمعه بعض الإحياء فيعتبر به. ولعل القائل أيضاً يتسلى بذلك وتزول بعض الغصة عن قلبه ويخف عليه ما نزل به، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب قتلى بدر وقال: يا فلان ويا فلان قد وجدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقيل له: كيف تتكلم مع هؤلاء الجيف؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب. وتفسير آخر وهو أن يكون تولى عنهم تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب. وجملة قصتهم ما روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض فكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا عن أمر الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً. وصالح من أوسطهم نسباً. فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال: أية آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة فندعو آلهتنا وتدعوا إلهك، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال صالح: نعم. فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم. ثم قال سيدهم جندع بن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، والمخترجة التي شاكلت البخت فإن فعلت صدّقناك وأجبناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدّقن. قالوا: نعم. فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا، وكانت في غاية العظم حتى قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة يعني - موضع بروكها - فوجدته ستين ذراعاً. ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع بقاياهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا فمكثت الناقة وولدها ترعي الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غباً كما قال عز من قائل{أية : لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}تفسير : [الشعراء: 155] وذلك أن الماء كان عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها يوماً وشرباً للقوم يوماً. قال السدي: وكانت الناقة في اليوم الذي يشرب فيه الماء تحلب فيكفي الكل فكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء لا تأتيهم وكانت إذا وقع الحر تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطن الوادي، وإذا وقع البرد كان الأمر بالعكس فشق ذلك عليهم وقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فذبحوا تسعة نفر من أبنائهم ثم ولد العاشر فأبى أن يذبح ابنه فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يشربون الشراب فأرادوا ماء يمزجونه به وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء فاشتد ذلك عليهم. فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة فشدّ عليها لما بصرت به شدّت عليه فهرب منها إلى جانب صخرة فردّوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت فذلك قوله تعالى{أية : فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر}تفسير : [القمر: 29] وأظهروا حينئذ كفرهم وقيل: زينت لهم عقرها امرأتان - عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار - لما أضرت الناقة بمواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق فصيلها حتى رقي جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. واستبعد بعضهم أن العاقل مع مشاهدة هذه المعجزات والعلامات كيف يبقى مصراً على كفره؟ وأجيب بأنهم عند مشاهدة العلامات خرجوا عن حدّ التكليف وأن تكون توبتهم مقبولة. حديث : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذ بهم الصيحة فلم يبق منهم إلا رجل واحد كان في حرم الله. قالوا: من هو قال صلى الله عليه وسلم: ذاك أبو رغالتفسير : . فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، وروي أن صالحاً كان بعثه إلى قوم فخالف أمره. وروي أن نبينا صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فذكر قصة أبي رغال وأنه دفن ههنا وأنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن. وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت. وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، وقال صلى الله عليه وسلم يا علي، أتدري من أشقى الأوّلين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: عاقر ناقة صالح أتدري من أشقى الآخرين: قال: الله ورسوله أعلم. قال قاتلك. القصة الخامسة قوله سبحانه {ولوطاً إذ قال لقومه} تقديره أرسلنا لوطاً وقت قال لقومه، ويجوز أن يكون معناه واذكر لوطاً إذ قال لقومه على أن "إذ" بدل من المفعول به لا ظرف. وإنما صرف نوح ولوط مع أن فيه سببين: العجمة والعلمية، لأن سكون وسطه قاوم أحد السببين {أتأتون الفاحشة} أتفعلون الخصلة المتمادية في القبح {ما سبقكم بها} قال في الكشاف: الباء للتعدية من قولك: سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله أي ما عملت قبلكم. قلت: ومن المحتمل أن تكون الباء فيه مثله في قولك: كتبت بالقلم. وفي قوله{أية : تنبت بالدهن}تفسير : [المؤمنون: 20] أي ما سبقكم ملتبساً بها من أحاد من العالمين "من" الأولى زائدة لتأكيد النفي وإفادة الاستغراق. والثانية للتبعيض. وموقع هذه الجملة استئناف لأنه أنكر عليهم أوّلاً بقوله {أتأتون الفاحشة} ثم وبخهم عليها فقال: وأنتم أوّل من عملها. أو هو جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا نأتيها؟ فقال: {ما سبقكم بها من أحد} فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به. ويجوز أن تكون صفة للفاحشة كقوله: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : وههنا سؤال وهو أنه كيف يجوز دعوى عدم السبق في هذه الخصلة ولم تزل الشهة داعية إليها؟ والجواب لعل متقدميهم كانوا يستقذرونها وينفرون عنها طبعاً كسائر الحيوانات، أو المراد أن الإقبال بالكية على ذلك العمل لم يوجد في الأعصار المتقدمة. قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء. وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض {أئنكم لتأتون الرجال} بيان لما أجمله في قوله {أتأتون الفاحشة} وكلا الاستفهامين للإنكار. وفي الثاني أكثر ولهذا زيد فيه "إن" ومثله في النمل {أتأتون} وبعده{أية : أئنكم لتؤتون}تفسير : [النمل: 55] وفي العنكبوت {أية : إنكم لتأتون الفاحشة}تفسير : [الآية: 28]{أية : أئنكم لتؤتون الرجال}تفسير : [النمل: 55] فجمع بين "إن" "وأئن" القصة {إنا منجوك} إنا منزلون. وانتصب {شهوة} على أنها مفعول له أي لا حامل لكم على غشيان الرجال من دون النساء إلا مجرد الشهوة، أو مصدر وقع حالاً يقال: شهى يشهى شهوة {بل أنتم قوم مسرفون} إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحالة الموجبة لارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء. وختم هذه الآية بلفظ الاسم موافقة لرؤوس الآيات التي تقدمت {العالمين} {الناصحين} {جاثمين} {المرسلين} وفي النمل{أية : قال بل أنتم قوم تجهلون}تفسير : [الآية: 55] أما العدول من الإسراف إلى الجهل فلتغير العبارة، وكل إسراف جهل وكل جهل إسراف. وأما العدول من الاسم إلى الفعل فلتوافق ما قبلها من الآيات وكلها أفعال {ينصرون} {تتقون} {يعلمون} واعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ووجوه القبح فيه كثيرة منها: أن أكثر الناس يحترزون فيه عن الولد لأن الولد يحمل المرء على طلب المال وإتعاب النفس في وجوه المكاسب إلا أنه تعالى جعل الوقاع سبباً لحصول اللذة العظيمة حتى إن الإنسان يطلب تلك اللذة ويقدم على الوقاع وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ والغرض إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع. فكل لذة لا تؤدي إلى هذا الغرض وجب الحكم بتحريمها لما فيه من ضياع البذر ولزوم خلاف الحكمة. ومنها أن الذكورة مظنة الفعل والأنوثة مظنة الانفعال، فانعكاس القضية يكون خروجاً عن مقتضى الطبيعة والحكمة، ومنها أن الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهائم وخروج عن الغريزة الإنسانية. وهب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل إلا أنه سعى في إلحاق العار العظيم بالمفعول ما دام حياً، والعاقل لا يرضى لأجل لذة زائلة إلحاق منقصة دائمة بغيره. ومنها أنه يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول إلى حيث يقدم المفعول على قتل الفاعل، أو على إلحاق الضرر به بكل طريق يقدر عليه وذلك لنفور طبعه عن رؤيته. وأما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة فإنه يوجب زيادة الألفة والمحبة كما قال تعالى{أية : خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}تفسير : [الروم: 21] ومنها أنه تعالى أودع في الرحم قوّة جاذبة للمني بحيث لا يبقى شيء منه في مجاريه وأوعيته، أما إذا واقع الذكر فإنه يبقى شيء من أواخر المني في المجاري فيعفن ويفسد ويتولد من العلل والأورام في الأسافل كما يشهد به القوانين الطبية قال بعضهم:{أية : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}تفسير : [المؤمنون: 5، 6] يقتضي حل وطء المملوك مطلقاً ذكراً كان أو أنثى. ولا يمكن تخصيص هذا العموم بقوله{أية : أتأتون الذكران من العالمين} تفسير : [الشعراء: 165] لأن كلاً من الآيتين أعم من الأخرى من وجه لأن المملوك قد يكون ذكراً وقد لا يكون، والذكر قد يكون مملوكاً وقد لا يكون، فتخصيص إحداهما بالأخرى ترجيح من غير مرجح بل الترجيح لجانب الحل لمقتضى الأصل وذلك لأن المالك مطلق التصرف، ولأن شرع محمد أولى من شرع لوط. وأجيب بأن الاعتماد على التواتر الظاهر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا العمل حرام قال تعالى {وما كان جواب قومه} بالواو كيلا يكون التعقيب بالفاء بعد الاسم. وفي النمل{أية : تجهلون فما كان}تفسير : [النمل: 55] وفي العنكبوت {أية : وتأتون في ناديكم المنكر فما كان} تفسير : [الآية: 29] لصحة تعقيب الفعل الفعل {إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم} وفي النمل{أية : أخرجوا آل لوط}تفسير : [الآية: 56] ليكون ما في النمل تفسيراً لهذه الكناية وقيل: إن سورة النمل نزلت قبل الأعراف فيكون قد صرح في الأولى وكنى في الثانية. قال في الكشاف: يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة. ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله ولكنهم جاؤا بكلام آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم، وقولهم {إنهم أناس يتطهرون} سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش وافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد. وقيل: المراد أن ذلك العمل في موضع النجاسة فمن تركه فقد تطهر. وقيل: ان البعد عن الإثم يسمى طهارة، فالمراد أنهم يتباعدون عن المعاصي والآثم {فأنجيناه وأهله} أي أنصاره وأتباعه والذين قبلوا دينه، وعن ابن عباس: أراد المتصلين به في النسب بدليل قوله {إلا امرأته} يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته ولا يقال مرء المرأة يعني زوجها لأن المالكية حق الزوج {كانت من الغابرين} وفي النمل{أية : قدرناها من الغابرين}تفسير : [النمل: 57] أي كانت في علم الله من الغابرين. {فقدرناها من الغابرين} وإن قلنا بتأخر نزول الأعراف فالمعنى قدرناها من الغابرين فصارت من الغابرين، والغبور المكث والبقاء أي من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، أو التذكير لتغليب الذكور وكانت كافرة موالية لأهل سدوم. روي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت. ثم وصف العذاب فقال {وأمطرنا عليهم مطراً} أي أرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً. قيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن. وقيل كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة. فأمطر الله عليهم الكبريت والنار. وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم. وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم. وروي أن تاجراً منهم كان في الحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه {فانظر} يا محمد أو كل من له أهلية النظر والاعتبار {كيف كان عاقبة المجرمين} وهذه الأمة وإن أمنت من عذاب الاستئصال إلا أن الخوف والاعتبار من شعار المؤمن لا ينبغي أن ينفك عنه على أن عذاب الآخرة أشدّ وأبقى ولم يأمنوه بعده. مسائل: الأولى مذهب الشافعي أن اللواط يوجب الحدّ لأنه ثبت في شريعة لوط فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ولم يظهر نسخ في شرعنا، ولأن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على علية الوصف للحكم، فالآية دلت على أن هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص. وقال أبو حنيفة: إن الواجب فيه التعزير لأنه فرج لا يجب المهر بالإيلاج فيه فلا يجب الحدّ كإتيان البهيمة، وعلى الأول ففي عقوبة الفاعل قولان: أحدهما أن عقوبته القتل محصناً كان أو لم يكن لما روي انه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول" تفسير : وأصحهما أن حده حد الزنا فيرجم إن كان محصناً ويجلد ويغرب إن لم يكن محصناً لأنه حد يجب بالوطء، ويختلف فيه البكر والثيب كالإتيان في القبل. وعلى قول القتل فيه وجوه أحدها: يقتل بالسيف كالمرتد، والثاني وبه قال مالك وأحمد يرجم تغليظاً، ويرى عن علي عليه السلام أيضاً. والثالث يهدم عليه جدار أو يرمى من شاهق جبل ليموت أخذاً من عذاب قوم لوط. وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم، وإن كان مكلفاً طائعاً فيقتل بما يقتل به الفاعل إن قلنا إن الفاعل يقتل، وإن قلنا يحد حد الزنا فيجلد ويغرب محصناً كان أو لم يكن، وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط لأنه إتيان في غير المأتي ويجيء في الفاعل والمفعول ما ذكرنا. وقيل: إنه زنا لأنه وطء أنثى فأشبه الوطء في القبل فعلى هذا حده حد الزنا بلا خلاف. وترجم المرأة إن كانت محصنة. وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه بالجملة. التأويل: {هذه ناقة الله} معجزة الخواص أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر عشراء بسقب سر السر وهو الخفي. وناقة الله هي التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ساكني بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية، {فذروها} ترتع في رياض القدس وحياض الإنس {ولا تمسوها بسوء} مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة {فيأخذكم عذاب أليم} بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة. {إذ جعلكم خلفاء} مستعدين للخلافة {وبوأكم} في أرض القلوب {تتخذون من سهولها} وهي المعاملات بالصدق والإخلاص {قصوراً} في الجنان {وتنحتون} من جبال أطوار القلب {بيوتاً} هي مقامات السائرين إلى الله {فاذكروا آلاء الله} النعماء والإخلاص. فالأول يتضمن ترويح الظاهر، والثاني يوجب تلويح السر. فالترويح بوجود المسار والتلويح بشهود الأسرار {ولا تعثوا في الأرض} القلب بالفساد للاستعداد الفطري {الذين استكبروا} هم الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة {الذين استضعفوا} من أوصاف القلب والروح. {أتعلمون} أن صالح الروح {مرسل} بنفخة الحق إلى بلد القلب وساكنيه ليدعوهم من الأوصاف السفلية الظلمانية إلى الأخلاق العلوية النورانية {فعقروا} أي النفس وصفاتها ناقة سر القلب بسكاكين مخالفات الحق {فأخذتهم} رجفة الموت {فأصبحوا} في دار قالبهم {جاثمين} والله العزيز. تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع أوله: {وإلى مدين أخاها شعيباً ....}
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحَاً قَالَ يَٰقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إلَٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأَكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأَخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قرأ الجمهور: و«إلى ثَمُودَ» بغير صَرْفٍ؛ على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمشُ: «وإلى ثَمُودٍ» بالصرف؛ على إرادة الحيِّ والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى: { أية : أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } تفسير : [هود:68]، و{أَخاهُمْ} عطْفٌ على «نوح»، والمعنى: وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب؛ كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ. * ت *: النظرُ الذي أشار إليه لا يخفىٰ عليك؛ وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم عليه السلام أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة؛ حَسَب ما ذكره أهْل السيرة فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ: هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ » تفسير : انتهى، ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله * ع *: وصالحٌ عليه السلام هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ؛ كذا ذكر مكِّيٌّ. قال وهْبٌ: بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ٱرتحلَ بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي: كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: {قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس: إِن صالحاً جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه. وقال الجمهور: بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا: يا صالح، إن كنْتَ صادقاً، فٱدْعُ لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ - لِصَخَّرةٍ بالحِجْر - نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وٱنشقَّتْ عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملاً، فولدَتْ سَقَبَها المشهور. ورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة. وقيل لها: {نَاقَةُ اللَّهِ}؛ تشريفاً لها، وتخصيصاً، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْباً يوماً، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها. قال المفسِّرون: كانت خلقاً عظيماً تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يوماً بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْباً، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يوماً، وترد بعد ذلك غِبًّا، فٱستمرَّ ذلك ما شاء اللَّه حتَّىٰ ملَّتها ثمود، وقالوا: مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ؛ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي: أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا عَلىٰ مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحاً أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا: عِيَاذاً بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال: إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها: أَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل: بالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك؛ حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثاً، فقال: يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عَسَىٰ أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فٱرْتفع الجبلُ في السماء؛ حتى ما تناله الطيرُ؛ وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحاً عليه السلام قال لهم، حين رغا الفَصيلُ: سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، وٱستَعدُّوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه؛ حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر كافٍ، وَمِنْ أراد ٱستيفاءَ هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ. قال * ع *: وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك فقال: « حديث : لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ ٱعْتَجر بِعمامَةٍ » تفسير : ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّىٰ جَازَ الوَادِي صلى الله عليه وسلم. * ت *: ولفظُ البخاريِّ: ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ... الحديث.
ابن عادل
تفسير : ثمود: اسم رجل: وهو ثَمُودُ بْنُ عاد بْن إرم بْنِ سَام بْنِ نُوحٍ، وهو أخو جديس، فثمود وجديس أخوان، ثم سُمِّيت به هذه القبيلة. قال أبُو عَمرو بْن العلاء: سميت ثمود لقلَّة مائها، والثَّمَدُ: الماء القليلُ: [قال النابغة: [البسيط] شعر : 2502 - أحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلَى حَمَامٍ شِرَاعٍ وارِدِ الثَّمَدِ] تفسير : وكانت مساكنهم "الحجر" بين "الحِجاز" و "الشَّام" إلى "واد القرى"، والأكثر منعه الصرف اعتباراً بما ذكرناه أوَّلاً، ومن جعله اسماً للحيّ صرفه، وهي قراءة الأعمش، ويحيى بن وثَّابٍ في جميع القرآن، وقد ورد القرآن بهم صَرِيحاً. قال تعالى: {أية : أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ}تفسير : [هود: 68]. وسيأتي الخلاف من القُرَّاء السَّبْعةِ في سورة "هُودٍ" وغيرها. وصالح: اسم عربيٌّ، وهو صالح بن آسف. وقيل: ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ آسف بن كَاشِح بْنِ أروم بْنِ ثَمُودَ [ابن جاثر]. {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أمرهم بعبادة الله، ونهاهم عن عبادة غير الله، كما ذكره عمن قبله من الأنبياء. قوله: {قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}. قد كثر إيلاءُ هذه اللَّفظة العوامل، فهي جارية مَجْرَى "الأبْطح" و "الأبْرَقِ" في عدم ذكر موصوفها. وقوله: "مِن ربِّكُمْ" يحتمل أن يتعلق بـ "جَاءَتْكُم" و "مِنْ" لابتداء الغايةِ مجازاً، وأنْ تتعلق بمحذوف؛ لأنَّها صفةٌ بيِّنة، ولا بدَّ من حذف مُضاف، أي: من بينات ربكم ليتصادق الموصوف وصفته. وهذا يدلُّ على أنَّ كُلَّ شيءٍ كان يذكر الدلائل على صحَّةِ التَّوْحيدِ، ولم يكتف بالتَّقْلِيدِ، وإلاَّ كان ذكر البينة - وهي الحجة - هاهنا لغواً. قوله: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} أضاف النَّاقة إليه على سبيل التفضيلِ، كقولك: بيت الله، وروح الله؛ لأنَّهَا لم تتوالد بين جمل وناقة، بل خَرَجَتْ من حَجَرٍ. و "آيَةً" نصبَ على الحال؛ لأنَّها بمعنى العلامة، والعاملُ فيها إمَّا معنى التنبيه، وإما معنى الإشارةِ، كأنَّهُ قال: أنبهكم عليها، وأشير إليها في هذه الحال. ويجوزُ أن يكون العامل مُضْمَراً تقديرُهُ: انظروا إليها في هذه الحال، والجملة لا محلَّ لها؛ لأنَّها كالجواب لسُؤالٍ مقدَّر، كأنهم قالوا: أين آيتك؟ فقال: هذه ناقةُ الله. وقوله: "لَكُم" أي: أعني لكم به، وخصّوا بذلك، لأنَّهُم هم السَّائِلُوهَا، أو المنتفعون بها من بين سَائِرِ النَّاسِ لو أطاعوا. ويحتمل أن تكون "هَذِه نَاقَةُ الله" مفسرة لقوله: "بَيِّنَةٌ"؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تستدعي شيئاً يتبين به المدعى، فتكون الجملة في محل رفع على البدل، وجاز إبدالُ جملة من مفرد؛ لأنَّهَا في قوته. فصل في إعجاز الناقة اختلفوا في وجه كون النَّاقة آيةً: فقال بعضهم: "كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة". قال القاضي: إن صحَّ هذا فهو معجزٌ من جهاتٍ: أحدها: خروجها من الجَبَلِ. والثانية: كونها لا من ذَكَرٍ وأنثى. والثالثة: كَمالُ خَلْقِها من غير تَدْرِيجٍ. وقيل: إنَّما كانت آية؛ لأجل أنَّ لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، واستيفاء ناقةِ شرب أمَّة من الأمَمِ عجيب. وقيل: إنَّما كانت آيَة؛ لأنَّهُم كانوا في شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم مقام الماء في يوم شربهم. وقال الحسَنُ بالعكس من ذلك فقال: إنَّها لم تحلب قطرة لبن قط. وقيل: وجه كونها آية أن يوم مجيئها إلى الماء، كانت جميع الحيوانات تمتنع من الوُرُودِ على المَاءِ، وفي يوم امتناعها تَرِدُ جميع الحيوانات. واعلم أنَّ القرآن قد دلَّ على أنَّها آية، ولكن من أي الوُجُوه؟ فليس في القرآن ذكره. فصل في تخصيص الناقة بهؤلاء القوم فإن قيل: تلك النَّاقَةُ كانت آية لكلِّ أحد، فلم خصّ أولئك القوم بها بقوله: "لَكُمْ آيَة". فالجوابُ: من وجهين: الأول: أنَّهم عاينوها، وغيرهم أُخبروا عنها، ولَيْسَ الخبر كالمُعاينة. الثاني: لَعلَّه يثبت سائر المعجزات، إلاَّ أنَّ القَوْمَ التمسوا من صَالح هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقْتِرَاحِ، فأظهرها الله تعالى لهم، فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص. قوله: "فَذَرُوهَا تَأْكُلْ" أي: العشب في أرض اللَّهِ، أي: ناقة الله، [فذروها تأكل في أرض ربَّها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم. قوله "في أرض الله"] الظاهر تعلقه بـ "تأكل". وقيل: يجوز تعلقه بقوله: "فَذَرُوهَا"، وعلى هذا فتكون المسألة من التَّنازع وإعمال الثَّاني، ولو أعمل الأوَّل لأضمر في الثَّاني فقال: "تأكل فيها في أرْضِ اللهِ " وانجزم "تأكلْ" جواباً للأمر وقد تقدَّم الخلاف في جازمه: هل هو نفس الجملة الطَّلَبِيَّةِ أو أداة مقدّرة؟. وقرأ أبو جعفر: "تَأكُلُ" برفع الفِعْلِ على أنَّهُ حال، وهو نظير: {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي}تفسير : [مريم: 6،5] رفعاً وجزماً. قوله: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي لا يمسوها بسوء الظاهر أن "الباء" للتعدية، أي: لا توقعوا عليها سوءاً ولا تلصقوه بها. ويجوز أن تكون للمصاحبة، أي: لا تمسُّوها حال مصاحبتكم للسُّوء. قوله: "فَيَأخُذَكُمْ" نصب على جواب النَّهْي، أي: لا تجمعوا بين المسّ بالسّوء وبين أخذ العذابِ إيَّاكم، وهم وإنْ لم يكن أخذ العذاب لهم من صنعهم إلا أنَّهم تعاطوا أسبابه. قال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب: "حديث : أشْقَى الأوَّلِيْنَ عَاقِرُ نَاقَةِ صالحٍ، وأشْقَى الآخَرِيْنَ قَاتِلُكََ ".
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن مطلب بن زياد قال: سألت عبد الله بن أبي ليلى عن اليهودي والنصراني يقال له أخ؟ قال: الأخ في الدار، الا ترى قول الله {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} . وأخرج سنيد وابن جرير والحاكم من طريق حجاج عن أبي بكر عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : كانت ثمود قوم صالح، اعمرهم الله في الدنيا فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً فنحتوها وجابوها وخرقوها، وكانوا في سعة من معايشهم فقالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله. فدعا صالح ربه فأخرج لهم الناقة، فكان شربها يوماً وشربهم يوماً معلوماً، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن السماء وحلبوها لبناً ملأوا كل اناء ووعاء وسقاء، حتى إذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء فلم تشرب منه شيئاً فملأوا كلَّ اناء ووعاء وسقاء . فأوحى الله إلى صالح : إن قومك سيعقرون ناقتك. فقال لهم: فقالوا: ما كنا لنفعل...! فقال لهم: أن لا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها. قالوا: فما علامة ذلك المولود، فوالله لا نجده إلا قتلناه؟ قال: فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لاحدهما ابن يرغب به عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا، فجمع بينهما مجلس فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوج ابنك؟ قال: لا أجد له كفؤا، قال: فإن ابنتي كفء له فانا أزوجك. فزوجه، فولد بينهما مولود. وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولود فيكم. اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شرطاً كانوا يطوفون في القرية فإذا نظروا المرأة تمخض نظروا ما ولدها؟ إن كان غلاماً قلبنه فنظرن ما هو؟ وإن كانت جارية أعرضن عنها . فلما وجدوا ذلك المولود صرخت النسوة: هذا الذي يريد صالح رسول الله، فأراد الشرط أن يأخذوه فحال جداه بينهم وقالوا: لو أن صالحاً أراد هذا قتلناه، فكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه فكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية، كان يبيت في مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، وإذا أمسى إلى مسجده فبات فيه . قال حجاج، وقال ابن جريج: لما قال لهم صالح: إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم: فقتلوهم إلا واحداً قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل رجل منا مثل هذا، هذا عمل صالح، فأتمروا بينهم بقتله وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن، فاقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضختهم فاصبحوا رضخاً، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله أما رضي صالح إن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم؟! فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة أجمعين، وأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر . ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأرادوا أن يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على شرب طريق صالح فاختبأ فيه ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم، فأمر الله الأرض فاستوت عليهم، فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة وهي على حوضها قائمة، فقال الشقي لأحدهم، ائتها فاعقرها. فاتاها فتعاظمه ذلك فاضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظمه ذلك، فجعل لا يبعث رجلاً إلا تعاظمه أمرها حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها فوقعت تركض، فرأى رجل منهم صالحاً فقال: ادرك الناقة فقد عقرت. فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبي الله إنما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا . قال: فانظروا هل تدركون فصليها؟ فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلاً يقال له القارة قصير، فصعد وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، ودخل صالح القرية فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحاً فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى فقال صالح لقومه: لكل رغوة أجل فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، الا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنها قد طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنها خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنها طليت بالقار، فصاحوا جميعاً ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا . وكان حنوطهم الصبر والمغر وكانت أكفانهم الانطاع، ثم ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلبون أبصارهم فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة فلا يدرون من أين يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء أم من تحت أرجلهم من الأرض خسفاً أو قذفاً، فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فاصبحوا في ديارهم جاثمين " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل قال: قال ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين. قال: اخرجوا، فخرجوا إلى هضبة من الأرض فإذا هي تمخض كما تمخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت الناقة من وسطها، فقال لهم صالح {هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} فلما ملوها عقروها { أية : فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب}تفسير : [هود: 65] . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة. أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام ثم قال لهم: آية عذابكم أن تصبح وجوهكم غداً مصفرة، وتصبح اليوم الثاني محمرة، ثم تصبح الثالث مسودة. فأصبحت كذلك...! فما كان اليوم الثالث أيقنوا بالهلاك، فتكفنوا وتحنطوا، ثم أخذتهم الصيحة فاهمدتهم. وقال عاقر الناقة: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين. فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين...؟ فتقول: نعم والصبي، حتى رضوا أجمعين فعقروها. وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر قام فخطب الناس فقال: يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم غبها وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعداً من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله. فقيل: يا رسول الله من هو؟ قال: أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " . تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث ابن الطفيل مرفوعاً. مثله. وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي كبشة الأنماري قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع قوم إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فنودي في الناس، إن الصلاة جامعة؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول " حديث : علام يدخلون على قوم غضب الله عليهم؟ فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا انبئكم بأعجب من ذلك، رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم، استقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة. أن ثمود لما عقروا الناقة تغامزوا وقالوا: عليكم الفصيل. فصعد الفصيل القارة جبلاً حتى إذا كان يوماً استقبل القبلة وقال: يا رب أمي، يا رب أمي، يا رب أمي، فأرسلت عليهم الصيحة عند ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما عقرت الناقة صعد بكرها فوق جبل فرغا، فما سمعه شيء إلا همد . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: لما قتل قوم صالح الناقة قال لهم صالح: ان العذاب آتيكم. قالوا له: وما علامة ذلك؟ قال: إن تصبح وجوهكم أول يوم محمرة، وفي اليوم الثاني مصفرة، وفي اليوم الثالث مسودة. فلما أصبحوا أول يوم احمرت وجوههم، فلما كان اليوم الثاني اصفرت وجوههم، فلما كان اليوم الثالث أصبحت وجوههم مسودة، فأيقنوا بالعذاب فتحنطوا وتكفنوا وأقاموا في بيوتهم، فصاح بهم جبريل صيحة فذهبت أرواحهم . وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: إن الله بعث صالحاً إلى ثمود فدعاهم فكذبوه، فسألوا أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فاقروا بها جميعاً فكانت الناقة لها شرب فيوم تشرب فيه الماء نهر بين جبلين فيزحمانه ففيها أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحتلبوا اللبن فترويهم ويوم يشربون الماء لا تأتيهم، وكان معها فصيل لها فقال لهم صالح: إنه يولد في شهركم هذا مولود يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر ابن فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبله شيء، وكان أبو العاشر أحمر أزرق، فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان ابناؤنا احياء كانوا مثل هذا: فغضب التسعة على صالح. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ولا تمسوها بسوء} قال: لا تعقروها . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وتنحتون الجبال بيوتاً} قال: كانوا ينقبون في الجبال البيوت . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وعتوا عن أمر ربهم} قال: غلوا في الباطل. وفي قوله {فأخذتهم الرجفة} قال: الصيحة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {فأصبحوا في دارهم} يعني العسكر كله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {فأصبحوا في دارهم جاثمين} قال: ميتين . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فأصبحوا في دارهم جاثمين} قال: ميتين . وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد تلاً فقال: يا رب أين أمي رغا رغوة فنزلت الصيحة فأهدتهم . وأخرج أحمد في الزهد عن عمار قال: إن قوم صالح سألوا الناقة فأتوها فعقروها، وان بني إسرائيل سألوا المائدة فنزلت فكفروا بها، وإن فتنتكم في الدينار والدرهم . وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن صالحاً لما نجا هو والذين معه قال: يا قوم إن هذه دار قد سخط الله عليها وعلى أهلها فأظعنوا وألحقوا بحرم الله وأمنه، فاهلوا من ساعتهم بالحج، وانطلقوا حتى وردوا مكة، فلم يزالوا حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة .
ابو السعود
تفسير : {وإلى ثمودَ أخاهم صالحاً} عطف على ما سبق من قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هوداً} موافقٌ له في تقديم المجرورِ على المنصوب، وثمودُ قبـيلةٌ من العرب سُمُّوا باسم أبـيهم الأكبرِ ثمودَ بنِ عابرِ بن إرَمَ بنِ سام بنِ نوحٍ عليه السلام وقيل: إنما سُمُّوا بذلك لقلة مائِهم من الثمْدُ وهو الماء القليل، وقرىء بالصرف بتأويل الحيّ وكانت مساكنُهم الحِجْرَ بـين الحجاز والشام إلى وادي القُرى وإخوةُ صالح عليه السلام لهم من حيث النسبُ كهودٍ عليه السلام فإنه صالحُ بنُ عبـيد بنِ أسف بنِ ماسحِ بن عبـيد بن حاذر بن ثمود، ولما كان الإخبارُ بإرساله عليه السلام إليهم مَظِنةً لأن يُسأل ويقال: فماذا قال لهم؟ قيل جواباً عنه بطريق الاستئناف {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلٰه غيره} وقد مر الكلامُ في نظائره {قد جاءتكم بـينة} أي آيةٌ ومعجزةٌ ظاهرة شاهدةٌ بنبوّتي، وهي من الألفاظِ الجاريةِ مَجرىٰ الأبطحِ والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتِها حالةَ الإفراد، والجمع كالصالح إفراداً وجمعاً وكذلك الحسنةُ والسيئة سواءٌ كانتا صفتين للأعمال أو المثوبة أو الحالة من الرخاء والشدة، ولذلك أوُلِيَت العوامل وقوله تعالى: {من ربكم} متعلّقٌ بجاءتكم أو بمحذوف هو صفةٌ لبـينةٌ كما مر مراراً، والمرادُ بها الناقةُ وليس هذا الكلام منه عليه السلام أولَ ما خاطبهم إثرَ دعوتِهم إلى التوحيد، بل إنما قاله بعد ما نصحهم وذكّرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامَه وكذبوه، ألا يُرى إلى ما في سورة هود من قوله تعالى:{هو أنشأكم من الأرض واستعْمَركم فيها} إلى آخر الآيات. روي أنه لما أُهلكت عادٌ عَمَرت ثمودُ بلادَها وخلفوهم في الأرض وكثُروا وعُمِّروا أعماراً طِوالاً حتى إن الرجلَ كان يبني المسكن المُحْكَم فينهدمُ في حياته فنحتوا البـيوتَ من الجبال وكانوا في سعة ورخاءٍ من العيش فعتَوْا على الله تعالى وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثانَ فبعث الله تعالى إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وصالحٌ من أوسطهم نسباً، فدعاهم إلى الله عز وجل فلم يتبعْه إلا قليلٌ منهم مستضعَفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال: أيةَ آيةٍ تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلومٍ لهم من السنة فتدعو إلٰهَك وندعو آلهتنا فإن استُجيب لنا اتبعتَنا فقال صالح عليه السلام: نعم، فخرج معهم ودعَوْا أوثانَهم وسألوا الإجابة فلم تُجبْهم ثم قال سيدهم جندعُ بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة: أخرِجْ لنا من هذه الصخرةِ ناقةً مخترِجةً جوفاءَ وبراءً، والمخترِجةُ التي شاكلت البُخْت، فإن فعلت صدقناك وأجبناك فأخذ صالح عليه السلام عليهم المواثيق: لئن فعلتُ ذلك لتؤمِنُن ولتُصدِّقُنّ قالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخّضت الصخرةُ تمخّض النَتوجِ بولدها فانصدعت عن ناقة عُشَراءَ جوفاء وبراءٍ كما وصفوا لا يعلم ما بـين جنبـيها إلا الله تعالى، وعظماؤهم ينظرون ثم نُتِجت ولداً مثلَها في العِظَم، فآمن به جُندع ورهطٌ من قومه ومنع أعقابَهم ناسٌ من رؤوسهم أن يؤمنوا فمَكثت الناقةُ مع ولدها ترعى الشجرَ وتشرب الماءَ وكانت ترِدُ غِباً، فإذا كان يومُها وضَعتْ رأسَها في البئر فما ترفعها حتى تشربَ كلَّ ما فيها ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون وكانت إذا وقع الحرُّ تصيّفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامُها فتهبِط إلى بطنه، وإذا وقع البردُ تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزيَّنَت عَقرَها لهم امرأتانِ عنيزةُ أمُّ غنم وصدفةُ بنتُ المختار لِما أضرَّت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق سَقْبُها حتى رقيَ جبلاً اسمُه قارةُ فرَغا ثلاثاً وكان صالح عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيلَ عسى أن يرفع عنكم العذابَ فلم يقدروا عليه فانفجت الصخور بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تُصبحون غداً ووجوهُكم مصفّرة، وبعد غد ووجوهُكم محمرةٌ واليوم الثالث ووجوهكم مُسودة ثم يصبّحكم العذاب فلما رأوا العلاماتِ طلبوا أن يقتُلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلَسطينَ، ولما كان اليومُ الرابع وارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر وتكفنوا بالأنْطاع فأتتهم صيحةٌ من السماء ورجفةٌ من الأرض فتقطّعت قلوبُهم فهلكوا وقوله تعالى: {هذه ناقة الله لكم آية} استئنافٌ مسوقٌ لبـيان البـينة وإضافةُ الناقةِ إلى الاسم الجليلِ لتعظيمها ولمجيئها من جهته تعالى بلا أسباب معهودةٍ ووسائطَ معتادة ولذلك كانت آيةً وأيَّ آية، ولكم بـيانٌ لمن هي آيةٌ له، وانتصابُ آيةً على الحالية والعاملُ فيها معنى الإشارة، ويجوز أن يكون (ناقةُ الله) بدلاً من هذه أو عطفَ بـيانٍ له أو مبتدأ ثانياً، ولكم خبراً عاملاً في آية {فذروها} تفريعٌ على كونها آيةً من آيات الله تعالى فإن ذلك مما يوجب عدم التعرّضِ لها {تأكل في أرض الله} جوابُ الأمر أي الناقةُ ناقةُ الله والأرضُ أرضُ الله تعالى فاتركوها تأكلْ ما تأكلُ في أرض ربِّها فليس لكم أن تحولوا بـينها وبـينها. وقرىء تأكلُ بالرفع على أنه في موضع الحالِ أي آكلةً فيها، وعدمُ التعرض للشرب إما للاكتفاء عنه بذكر الأكلِ أو لتعميمه له أيضاً كما في قوله: [الرجز] شعر : علفتُها تِبْناً وماءً بارداً [حتى غَدَتْ همَّالةً عيناها] تفسير : وقد ذكرتُ ذلك في قوله تعالى: {أية : لها شِرْبٌ ولكم شربُ يومٍ معلوم} تفسير : [الشعراء، الآية 155] {ولا تمسوها بسوء} نُهي عن المس الذي هو مقدمةُ الإصابةِ بالشرّ الشامل لأنواع الأذيةِ ونُكِّر السوءُ مبالغةً في النهي، أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلاً ولا تطرُدوها ولا تُريبوها إكراماً لآية الله {فيأخذكم عذاب أليم} جوابٌ للنهي. ويُروى «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحِجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: "لا يدخُلنّ أحدٌ منكم القريةَ ولا تشربوا من مائها ولا تدخُلوا على هؤلاء المعذبـين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبَكم مثلُ الذي" وقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: "يا علي أتدري من أشقى الأولين؟" قال: الله ورسولُه أعلم، قال: "عاقرُ ناقةِ صالح، أتدري من أشقى الآخِرين؟" قال: الله ورسولُه أعلم، قال: "قاتلُك".
القشيري
تفسير : غاير الحقُّ - سبحانه - بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم في التوحيد؛ فالشرائع التي هي العبادات مختلفة، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على وجه واحد. ثم أخبر عن إمضاءِ سُنَّتِه تعالى بإرسال الرسل عليهم السلام، وإمهال أُمَمِهم ريثما ينظرون في معجزات الرسل. ثم أخبر عما دَرَجُوا عليه في مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسليةً للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله - فيما كان يقاسي من بلاء قومه.
اسماعيل حقي
تفسير : {والى ثمود} اى ارسلنا الى ثمود وهى قبيلة من العرب سموا باسم ابيهم الاكبر ثمود بن عاد بن ارم ابن سام بن نوح وكانت مساكنهم الحجر بني الحجاز والشام الى وادى القرى وثمود فى كتاب الله مصروف وغير مصروف قال الله تعالى {أية : ألا ان ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود} تفسير : [هود: 68]. فمن صرفه جعله اسما للحى ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة {اخاهم} من حيث النسب كهود عليه السلام كما تقدم {صالحا} عطف بيان لاخاهم وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر ابن ثمود {قال} استئناف {يا قوم} بحذف ياء المتكلم {اعبدوا الله} وحده {ما لكم من اله غيره} فيه اشارة الى ان الله تعالى وان غاير بين الرسل من حيث الشرائع الا انه جمع بينهم فى التوحيد حيث سلك كل واحد منهم فى الدعوة مسلك الآخر فقال نوح وهود وصالح يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره ـ روى ـ انه لما هلكت عاد عمرت ثمود بلادها وخلفوهم فى الارض وكثروا فى خصب وسعة فعتوا على الله وافسدوا فى الارض وعبدوا الاصنام فبعث الله اليهم صالحا وكانوا قوما عربا وصالح من اوسطهم نسبا فدعاهم الى الله تعالى حتى شمط وكبر فلم يتبعه الا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وانذرهم فسألوه آية تكون مصداقا لقوله فقال أية آية تريدون قالوا تخرج معنا الى عيدنا فى يوم معلوم لهم من السنة فتدعو الهك وتدعو الهتنا فان استجيب لك اتبعناك وان استجيب لنا اتبعتنا فقال صالح نعم فخرج معهم ودعوا اوثانهم وسألوا الاستجابة فلم تجبهم الى سؤلهم ولم يظهر اثم الانجاح فافتضحوا ثم قال سيدهم جندع ابن عمرو واشار الى صخرة منفردة فى ناحية الجبل يقال لها الكاتبة اخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخدجة على خلقة الجمل فى الجسامة وغلظة العظام والقوائم شبيهة بالبختى جوفاء وبراء عشراء فان فعلت صدقناك واجبناك فاخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن قالوا نعم فصلى ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها الا الله وهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها فى العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع الباقين من الايمان ذواب بن عمرو والجباب صاحب اوثانهم ورباب كاهنهم شعر : بكى بنور عنايت ره هدايت يافت يكى بوادى خذلان بماند سر كردان بكى بوسوسه ديورفت سوى سقر يكى زبيروى حق كرفت مالك جنان تفسير : فمكثت الناقة مع ولدها فى ارض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء فبعد ظهور هذه المعجزة قال لهم صالح {قد جاءتكم بينة} اى آية ومعجزة ظاهرة وشاهدة بنبوتى {من ربكم} متعلق بجاءتكم او بمحذوف هو صفة لبينة. قال المولى ابو السعود وليس هذا الكلام منه عليه السلام اول ما خاطبهم اثر دعوتهم الى التوحيد بل انما قاله بعد ما نصحهم وذكرهم بنعم الله فلم يقبلوا كلامه وكذبوه ألا يرى الى ما فى سورة هود من قوله تعالى {أية : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} تفسير : [هود: 61]. الى آخر الآيات {هذه ناقة الله لكم آية} استئناف كأنه قيل ما هذه البينة فقال هذه ناقة الله انبهكم عليها او اشير اليها فى حال كونها آية وعلامة دالة على صحة نبوتى واضافة الناقة الى الاسم الجليل لتعظيمها كما يقال بيت الله او لمجيئها من جهته تعالى بلا اسباب معهودة ووسائط معتادة يعنى كانت بالتكوين من غير اجتماع ذكر وانثى ولم تكن فى صلب ولا رحم ولم يكن للخلق فيها سعى ولكم بيان لمن هى آية له وخصوا بذلك لانهم هم الذين طلبوها وينتفعون بها لو تركوا العناد وطلبوا الاهتداء بالدليل والبرهان {فذروها} تفريع على كونها آية من آيات الله تعالى فان ذلك مما يوجب عدم التعرض لها اى دعوها {تأكل فى ارض الله} جواب الامر اى الناقة ناقة الله والارض ارض الله فاتركوهها ترتع ما ترتع فى ارض الحجر من العشب فليس لكم ان تحولوا بينها وبينها وعدم التعرض للشرب للاكتفاء عنه بذكر الاكل {ولا تمسوها بسوء} الباء للملابسة اى لا تمسوها ملتبسين بسوء ولا تتعرضوا لها بشئ مما يسوءها اصلا من قتل او ضرب او مكروه اكراما لآية الله تعالى والسوء اسم جامع لانواع الاذى ويجوز ان تكون الباء للتعدية والمعنى بالفارسية [ومرسانيد بوى هيج بدى] وفيه بمالغة حيث نهى عن المس الذى هو مقدمة الاصابة {فيأخذكم عذاب اليم} جواب للنهى. قال فى التفسير الفارسى [استحقاق عذاب نه بواسطة ضرر ناقه است بكله باقامت ايشان بركفر بعد ا زشهود معجزه وعقر ناقه دليل عتو ايشانست در كفر]. والاشرة ان المعجزة للعوام ان يخرج لهم من حجارة الصخرة ناقة عشراء والمعجزة للخواص ان يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر بسقب سر السر وهو الخفى وناقة الله التى تحمل امانة معرفته وتعطى ساكنى بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الالهية فذروها تأكل فى ارض الله اى ترتع فى رياض القدس وتشرب فى حياض الانس ولا تمسوها بسوء مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة فيأخذكم عذاب اليم بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {آية}: حال، والعامل فيها: الإشارة، و {بيوتًا}: حال من الجبال. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} أرسلنا {إلى ثمود}؛ قبيلة أخرى من العرب، سُموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سُموا به؛ لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجرَ، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ تدخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أن تَكُونُوا بَاكِينَ؛ مخافة أن يُصيبَكم مِثلُ مَا أصَابَهُم ". تفسير : أرسلنا إليهم {أخاهم صالحًا}، وهو صالح بن عُبَيد بن أسف بن ماسَح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحًا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. هـ. {قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم}؛ معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: {هذه ناقة الله لكم آية}؛ لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، {فذروها} أي: اتركوها، {تأكل في أرض الله} العشب، {ولا تمسوها بسوء}، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى؛ مبالغةً في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. {فيأخذكم} إن مستموها بسوء {عذاب أليم}، وهو الهلاك بالصيحة. {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوّأكم} أي: هيأ لكم القرار {في الأرض} أي: أرض الحجاز، {تتخذون من سهولها قصورًا} أي: تبنون مما انبسط منها قصورًا، فالسهل ضد الجبل، {وتنحتون الجبال بيوتًا} أي: تنجُرون بيوتًا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. {فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} بالمعاصي والكفر. {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} عن الإيمان، {للذين استضعفوا} أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم ـ أعني لمن آمن منهم ـ: {أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه}؟، قالوه على وجه الاستهزاء، {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون}، لم يقولوا في الجواب: نعم؛ تنبيهًا على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر؛ فلذلك قال: {قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون}؛ على المقابلة، ووضعوا {آمنتم به} موضع {أُرسل به}؛ ردًا لما جعلوه معلومًا مسلمًا. {فعقروا الناقة}؛ نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي؛ لأنه كان برضاهم، {وعتوا عن أمر ربهم} أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: {فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء}، {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة} أي: صيحة جبريل، {فأصبحوا في دارهم جاثمين}؛ باركين على ركبهم، ميتين. رُوِي: أنهم بعد عادٍ عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعُمروا أعمارًا طِوالاً لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خِصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم "جندع بن عمرو" إلى صخرة منفردة يقال لها: "الكاثبة"، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقةً مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلتُ ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تَمَخَّضَ النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عُشَرَاءَ، جوفاء وبراء كما وَصَفُوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدًا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذُؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غِبًّا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره؛ فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم "عنيزة أم غنم" وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار "استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلاً اسمه: قارة، فرغى ثلاثًا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدًا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. {فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحتُ لكم ولكن لا تُحبون الناصحين}، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين؛ ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: "حديث : قد وَجَدنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًا، فَهَل وَجَدتُم مَا وَعَدَ رَبُّكُم حَقًا؟" تفسير : أو ذَكَرَ ذلك على سبيل التحسّر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قصّ علينا الحقّ ـ جلّ جلاله ـ من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده؛ يقصد بذلك رضا الله ورسوله. {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إلىَ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ}.
الطوسي
تفسير : هذه الآية عطف على ما تقدم، والتقدير وأرسلنا الى ثمود أخاهم صالحاً. وثمود اسم قبيلة، وقد جاء مصروفاً وغير مصروف، فمن صرفه، فعلى أنه اسم لحي مذكر، ومن ترك صرفه، فعلى أنه اسم القبيلة، كما قال تعالى {أية : ألا إِن ثمود كفروا ربهم ألا بُعداً لثمود}تفسير : صرف الأول ولم يصرف الثاني. واختير ترك الصرف في موضع الجر، لأنه أخف. ويجوز في قوله {ما لكم من إِله غيره} ثلاثة أوجه من العربية: الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، وقد قرىء بهما، وقد بيناه فيما مضى، والنصب على الاستثناء والحال، ولم يقرأ به. ويجوز عند الفراء الفتح على البناء، لانه أجاز ما جاءني غيرَك، ومنع منه الزجاج. وقال: إِنما يجوز ذلك اذا أضيف الى غير متمكن إِضافة غير حقيقية، كما قال الشاعر: شعر : لم يمنع الشرب منها غيرَ أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال تفسير : وقوله {أن اعبدوا الله ما لكم من إِله غيره} قد بيناه فيما مضى. وقوله {قد جاءتكم بينة من ربكم} فالبينة العلامة التي تفصل الحق من الباطل من جهة شهادتها به. والبيان هو إِظهار المعنى للنفس الذي يفصله من غيره حتى يدركه على ما يقويه كما يظهر نقيضه، فهذا فرق بين البينة والبيان. وقوله {هذه ناقة الله لكم آية} فالناقة الانثى من الجمال والاصل فيها التوطئة والتذليل من قولهم بعير منوق أي موطَّأ مذلل، وتنوق في العمل أي جوَّده كالموطأ المذلل. والناق الحزُّ بين ألية الابهام وطرفها، لأنه وطأ به لقبض الكف وبسطها. وانما قال {ناقة الله} لأنه لم يكن لها مالك سواه تعالى. ونصب {آية} على الحال. والآية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة ولطف المنزلة. والآية والعبرة والدلالة والعلامة نظائر. والآية التي كانت في الناقة خروجها من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله وتسقيهم اللبن بدله، ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم، في قول أبي الطفيل، والسدي وابن اسحاق. وقوله {فذروها} أي اتركوها {تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء} يعني بعقر أو نحر {فيأخذكم عذاب أليم} أي ينالكم عذاب مؤلم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} ثمود اسم قبيلة مسمّاة باسم ابيهم ثمود من اولاد سام بن نوح (ع) وصالح (ع) كان من اولاده، او ثمود اسم قرية صغيرة على ساحل البحر لا تكمل اربعين بيتاً كما فى الخبر {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} هذه ناقة الله مبتدء وخبر مستأنف لبيان البيّنة ولكم حال عن ناقة الله، او عن آية، او خبر بعد خبر، وآية حال مترادفة، او متداخلة، او منفردة، او ناقة الله بدل من هذه، او عطف بيان ولكم خبر وآية حال من المستتر فيه {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَٱذْكُرُوۤاْ} تذكير للنّعم بعد التّهديد من النّقم {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ} الّتى هى خزنتها {بُيُوتاً فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} تعميم بعد تخصيص {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} ديناً او مالاً او حالاً او جسماً {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدل من قوله للّذين بدل الكلّ ان كان المراد الاستضعاف فى الدّين والطّريقة، او بدل البعض ان كان المراد مطلق الاستضعاف {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} استهزؤوا بهم {قَالُوۤاْ} فى جوابهم من غير مبالاة باستهزائهم زائداً على الجواب الّذى هو الاقرار برسالته بالانقياد لما ارسل به والطّاعة له {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} بتحريك بعضهم ورضا بعضٍ وعقر بعضٍ {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} على لسان صالحٍ وهو قوله فذروها تأكل فى ارض الله او عن مطلق امره على لسان نبيّه ولم يطيعوه فى شيءٍ منه، او عن امر ربّهم الّذى هو العقل وحكمه فانّه امر تكوينىّ {وَقَالُواْ} تجرّياً على الرّبّ ورسوله {يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} الزّلزلة ولا ينافيها قوله تعالى فاخذتهم الصّيحة كما فى سورتى هودٍ والحجر لانّ الزّلزلة كانت مسبّبة عن الصّيحة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} ملزقين بالارض والجثوم اللّزوم بالمكان.
فرات الكوفي
تفسير : {وإلى ثَمودَ أخاهُمْ صالحاً73} [سيأتى في حديث الإمام السجاد في سورة هود الاستشهاد بها].
الأعقم
تفسير : {وإلى ثمود} أي وأرسلنا إلى ثمود، قال في الثعلبي: هو ثمود بن عامر بن أرم بن سام بن نوح {أخاهم صالحاً} وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بيِّنة من ربكم} حجة ودلالة من ربكم على صدقي، قال جار الله: إنما سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام، وروي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادهم وخلفوهم في الأرض، فكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى إن الرجل منهم كان يبني المنزل المحكم فينهدم في حياته، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعة ورخاء من العيش فعتوا على الله تعالى وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحاً (عليه السلام) وكانوا قوماً عرباً، وصالح من أوسطهم نسباً فدعاهم الى الله تعالى فلم يتبعوه إلاَّ قليلاً منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، ولما ألحّ عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التخويف سألوا آية فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: أتخرج معنا إلى يوم عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال صالح: نعم، فخرج معهم ودعوا آلهتهم وسألوها الإجابة فلم تجبهم، ثم قال سيدهم جندع بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاتبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة فإن فعلت صدقناك، فأخذ صالح المواثيق: لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن؟ قالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة وانصدعت عن ناقة كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى من عظمها وهم ينظرون، ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فمكثت الناقة مع ولدها ترتعي الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غباً فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فتشرب كل ما فيها فما ترفع حتى تشرب كل ما فيها فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم ويشربون ويدخرون، وروي أن صدرها كان ستين ذراعاً، ورورى الثعلبي: أن جندع بن عمرو آمن به، ورهط من قومه، وروي أن المواشي كانت تفرّ منها إذا رأتها وتهرب منها ابلهم وأغنامهم وبقرهم، وعن السدي: أوحى الله تعالى إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك فقالوا: ما كنا لنفعل، فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، وروي أن الذي زين لهم عقرها امرأة يقال لها عنيزة، والذي عقرها قذار بن سالف، فعقرها واقتسموا لحمها وطبخوه، وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه ورقى جبلاً فرغَا ثلاثاً، وقال في الأول: يا رباه، وفي الثاني: يا أماه، وفي الثالث: يا صالحاه، فانفتحت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام تصبحوا غداً ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ووجوهكم محمرة، والثالث ووجوهكم مسودة، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا وتكفنوا فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا، وروي أنه لم يبق منهم إلا إمرأة مقعدة أطلقها الله تعالى لتخبر بما عاينت من العذاب، وقيل: توفي صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت، وروي أنه خرج في مائة وعشرين من المسلمين فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، تبعاً للكلام الأول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} هو أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين. {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني النبوة التي جاءهم بها {هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي لا تعقروها {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع. {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} أي استخلفكم في الأرض من بعد عاد {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} أي واسكنكم في الأرض {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا ءَالاَءَ اللهِ} أي: نعم الله {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. قال بعضهم: لا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الحسن: ولا تكونوا في الأرض مفسدين. {قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ} أي عن عبادة الله {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم المؤمنون {لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي مصدقون. {قَاْلَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي ءَامَنتُم بِهِ} أي صدقتم به {كَافِرُونَ}. {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} والعتوّ الاستكبار {وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ المُرْسَلِينَ}. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} قال الحسن: تحركت بهم الأرض فكان موتهم في ذلك. وقال في ءاية أخرى: (أية : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) تفسير : [الحجر:73]. والصيحة اسم موت إلا أنه على وجوه. {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي موتى.
اطفيش
تفسير : {وإلَى ثمودَ} قبيلة سميت بذلك لقلة مائها، والثمد الماء القليل، وقيل: سميت باسم أبيها ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عائد، قيل: ولد شالح عابر المذكور بعد أن مضى من عمره ثلاثون سنة، وهم عاد الأخيرة، وقرأ يحيى بن وثاب: ثمود بالصرف إما نظرا إلى الأصل فإنه اسم لأبيهم، أو للماء القليل فى الأصل، أو لتقدير مضاف أى إلى أولاد ثمود، أو لتأويله بالحى، وكذا قرأ فى جميع القرآن، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادى القرى وما حوله، وكل من عاد وثمود عرب. {أخَاهُم} فى النسب، قال الزجاج يحتمل إخوة الآدمية: فسمى أخا لأنه بعث إليهم {صَالحاً} وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماشح ابن عبيد بن حاذر بن ثمود، قال بعضهم: هود وصالح وإسماعيل عربيون، لكن العربية فصحى لإسماعيل ومن بعده. {قالَ يا قَوم اعْبدُوا اللهَ} وحدوا الله، ويلزم من توحيده أن يعبدوه، أو المعنى تقربوا إليه بأداء الفرض وبالنفل، وذلك يتولد عن توحيده {ما لكُم من إلهٍ غَيرهُ} فيه ما مر وكأنه قيل: ما الدليل على حجة ذلك فقال: {قَد جاءتْكُم بينةٌ من ربِّكُم} دليل قاطع على صدقى فيما دعوتكم إليه ونبئونى، وليس هذا من أول ما قال لهم، فإن هذه البينة هى الناقة، قال ذلك بعد خروجها أو قبله بقليل تحقيقا لخروجها واستحضارا له، كأنه مشاهد والبينة الدليل أو البرهان، وأصله وصف تغلبت عليه الاسمية هنا، أو باق على الوصفية لاشتهار موصوفها، أى آية أو حجة أو موعظة بينة، وكأنه سئل ما هذه الآية فقال: {هذِه ناقةُ اللهِ لكُم آيةً} وذلك على أنه اقترحها لهم، أعنى الناقة أو سألوه إياها فقال: قد جاءتكم بينة فلا يدرون ما هذه البينة، لعلها غير ما سألوه، وإنا على ما اشتهر من أنه سألوه إياها فقال لهم: نعم، فصلى فخرجت فلا يتأتى أن يسألوه ما هذه الآية، لأنهم قد علموها بسؤالهم إياها، وقوله: نعم، إلا أن ظنوا أو شكوا هل هى ما طلبوه من الناقة أو غيرها؟ وناقة خبر، ولكم حال من آية وآية حال من ناقة، عمل فيها معنى الإشارة أو لكم خبر ثان، وآية حال من ضمير الاستقرار فيه، أو من ناقة، أو ناقة بدل أو بيان، ولكم خبر، وآية حال من الضمير فيه، وهى ولو كانت آية لهم ولغيرهم، لكنهم هم الراءون لها، وليس الخبر كالعيان، ولأنها فى شأنهم، أو لأنهم سألوها فقيل لكم مقدما للحصر على آية، لأن غيرهم لا يقطع عذرهم بها، بل بغيرها. وإنما أضيفت لله تعظيما لها، ولأنها جاءت من عنده بلا فحل وبلا ناقة طروقة، خلقت فى ساعة وخرجت من صخرة، ولأنها حجة الله عليهم ولأنها لم يجر عليها ملك أحد، ووجه كونها آية خلقها فى صخرة فى ساعة، وخروجها وعظمها أو حلبهم منا ما شاءوا، وقيل: شربها ماء البئر كله وحدها، وهذا يغنى عنه عظم وإنما يكون معجزة لو كانت فى قدر الناقة، وكانت تشربه كله، وقد صح أنها عظيمة كما يأتى إلا إن كان صاحب هذا القول يقول إنها فى قدرة الناقة. وقيل: إن صالحا عليه السلام أخذ ناقة من سائر النوق وجعل لها شرب يوم، ولهم شرب يوم، فالآية فى شربها الماء كله وحليها، وقال النقاش، عن الحسن: ناقة من إبلهم لم تكن تحلب، فالآية فى الشرب وحلبها وهى لا تحلب، وحلب ما شاءوا منها والأصح ما اشتهر أنها خرجت من الصخرة ومن الآية على كل قول ما قيل أن الدواب والوحش تمتنع الشرب فى يوم شربها بدون صاد لها عن الماء. {فَذَرُوها تأكُلْ فى أرضِ اللهِ} العشب فإنها ناقة الله، والأرض أرض الله، والعشب عشب الله، أخرجه بلا زجر منكم، مع أنه لو خرج بما زجرتموه، فأنتم وما بأيديكم ملك لله، وقرأ أبو جعفر برفع تأكل فى رواية، فالجملة حال {ولا تمسُّوها بسُوءٍ} كمنع من ماء أو حشيش وكضرب وقتل وطرد ونقص من ماء يومها، هذا هو الصحيح، وقيل: المراد القتل {فيأخُذكُم عذابٌ أليمٌ} موجع، والنصب فى جواب النهى، نهاهم عن المس بالسوء مبالغة إذ لم يقل لا تسوءها، وسوء عام نكرة فى سياق السلب، وفى ذلك إزالة للعذر إذا مسوها بالسوء.
الالوسي
تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا } عطف على ما سبق من قوله تعالى: { أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ } تفسير : [الأعراف: 65] موافق له في تقديم المجرور على المنصوب، وثمود قبيلة من العرب كانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وسميت باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: ابن عاد بن عوص بن إرم الخ وهو المنقول عن الثعلبـي. وقال عمرو بن العلاء: إنما سموا بذلك لقلة مائهم فهو من ثمد الماء إذا قل، والثمد الماء القليل وورد فيه الصرف وعدمه، أما الأول: فباعتبار الحي أو لأنه لما كان في الأصل اسماً للجد أو للقليل من الماء كان مصروفاً لأنه علم مذكر أو اسم جنس فبعد النقل حكى أصله، وأما الثاني: فباعتبار أنه اسم القبيلة ففيه العلمية والتأنيث. وصالح عليه السلام من ثمود فالأخوة نسبية، وهو ـ على ما قال محيـي السنة البغوي ـ ابن عبيد بن آسف بن ماشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود وهو أخو طسم وجديس فيما قيل، وقال وهب: هو ابن عبيد بن جابر بن ثمود بن جابر بن سام بن نوح بعث إلى قومه حين راهق الحلم وكان رجلاً أحمر إلى البياض سبط الشعر فلبث فيهم أربعين عاماً. وقال الشامي: إنه بعث شاباً فدعا قومه حتى شمط وكبر، ونقل النووي أنه أقام فيهم عشرين سنة ومات بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة. {يا قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قد مر الكلام في نظائره {قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ} أي آية ومعجزة ظاهرة الدلالة شاهدة بنبوتي وهي من الألفاظ الجارية مجرى الأبطح والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتها حالة الإفراد والجمع، والتنوين للتفخيم أي بينة عظيمة {مّن رَّبِّكُمْ} متعلق بمحذوف وقع صفة لبينة على ما مر غير مرة أو بجاءتكم، و {من } لابتداء الغاية مجازاً أو للتبعيض إن قدر من بينات ربكم، والمراد بهذه البينة الناقة وليس هذا الكلام منه عليه السلام أول ما خاطبهم به إثر الدعوة إلى التوحيد بل إنما قاله بعدما نصحهم وذكرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامه وكذبوه كما ينبـىء عن ذلك ما في سورة هود [16]. وقوله تعالى: { أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً } تفسير : استئناف نحوي مسوق لبيان البينة والمعجزة. وجوز أن يكون استئنافاً بيانياً / جواباً لسؤال مقدر تقديره أين هي؟ وعلى التقديرين لا محل للجملة من الإعراب. وجوز أن يكون بدلاً من {بَيِِّنَةً} بدل جملة من مفرد للتفسير ولا يخفى بعده، وإضافة الناقة إلى الاسم الجليل لتعظيمها كما يقال: بيت الله للمسجد بيد أن الإضافة فيه لأدنى ملابسة ولا كذلك ما نحن فيه أو لأنها ليست بواسطة نتاج معتاد وأسباب معهودة كما سيتضح إن شاء الله تعالى لك ولذلك كانت آية وأي آية. وقيل: لأنها لم يملكها أحد سواه سبحانه. وقيل: لأنها كانت حجة الله على قوم صالح. وانتصاب {ءَايَةً} على الحالية من {نَاقَةُ} والعامل فيها معنى الإشارة وسماه النحاة العامل المعنوي و {لَكُمْ} بيان لمن هي آية له كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر. وجوز أن يكون {نَاقَةُ} بدل من {هَـٰذِهِ} أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانياً و {لَكُمْ} خبراً فآية حينئذٍ حال من الضمير المستتر فيه والعامل هو أو متعلقه. {فَذَرُوهَا} تفريع على كونها آية من آيات الله تعالى. وقيل: على كونها ناقة له سبحانه فإن ذلك مما يوجب عدم التعرض لها أي فاتركوها {تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ} العشب وحذف للعلم به. والفعل مجزوم لأنه جواب الأمر. وقرأ أبو جعفر في رواية عنه {تَأْكُلُ} بالرفع فالجملة حالية أي آكلة. والجار والمجرور متعلق بما عنده أو بالأمر السابق فهما متنازعان. وأضيفت الأرض إلى الله سبحانه قطعاً لعذرهم في التعرض كأنه قيل: الأرض أرض الله تعالى والناقة ناقة الله تعالى فذروا ناقة الله تأكل في أرضه فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم فأي عذر لكم في منعها. وعدم التعرض للشرب للاكتفاء عنه بذكر الأكل. وقيل: لتعميمه له أيضاً كما في قوله: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : وقد ذكر ذلك بقوله سبحانه: { أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الشعراء: 155]. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالشر الشامل لأنواع الأذى مبالغة في الزجر فهو كقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } تفسير : [الأنعام: 152، والإسراء: 34]. والجار والمجرور متعلق بالفعل. والتنكير للتعميم أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلاً كالطرد والعقر وغير ذلك. وقيل: الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل الفعل. والمعنى لا تمسوها مع قصد السوء بها فضلاً عن الإصابة فهو كقوله تعالى: { أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43]. {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } منصوب في جواب النهي. والمعنى لا تجمعوا بين المس وأخذ العذاب إياكم. والأخير وإن لم يكن من صنيعهم حقيقة لكن لتعاطيهم أسبابه كأنه من صنيعهم.
ابن عاشور
تفسير : الواو في قوله: {وإلى ثمود} مثلها في قوله: {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : [الأعراف: 65]، وكذلك القول في تفسيرها إلى قوله تعالى: {من إله غيره}. وثمود أمّة عظيمة من العرب البائدة وهم أبناء ثمود بن جَاثَر ــــ بجيم ومثلّثة كما في «القاموس» ــــ ابن إرَم بن سام بن نوح فيلتقون مع عاد في (إرَم) وكانت مساكنهم بالحِجْر ــــ بكسر الحاء وسكون الجيم ــــ بَين الحجاز والشّام، وهو المكان المسمّى الآن مَدائِن صالح وسُمّي في حديث غزوة تبوك: حِجْرَ ثَمُودَ. وصالحٌ هو ابن عَبِيل ــــ بلام في آخره وبفتح العينْ ــــ ابن آسف بن ماشج أو شالخ بن عَبيل بن جاثر ــــ ويقال كاثرَ ــــ ابن ثمود. وفي بعض هذه الأسماء اختلاف في حروفها في كتب التاريخ وغيرها أحسبه من التّحريف وهي غير مضبوطة سوى عبيل فإنّه مضبوط في سَميه الذي هو جَد قبيلةٍ، كما في «القاموس». وثمودَ هنا ممنوع من الصّرف لأنّ المراد به القبيلة لا جدّها. وأسماء القبائل ممنوعة من الصّرف على اعتبار التّأنيث مع العلميّة وهو الغالب في القرآن، وقد ورد في بعض آيات القرآن مصروفاً كما في قوله تعالى: {أية : ألاَ إنّ ثموداً كفروا ربّهم}تفسير : [هود: 68] على اعتبار الحيّ فينتفي موجب منع الصّرف لأنّ الاسم عربي. وقوله: {ما لكم من إله غيره} يدلّ على أنّ ثمود كانوا مشركين، وقد صُرح بذلك في آيات سورة هود وغيرها. والظّاهر أنّهم عبدوا الأصنام التي عبدتها عاد لأنّ ثمود وعادا أبناء نسب واحد، فيشبه أن تكون عقائدهم متماثلة. وقد قال المفسّرون: أنّ ثمود قامت بعد عاد فنمَتْ وعظمت واتسعت حضارتها، وكانوا مُوحدين، ولعلّهم اتّعظوا بما حلّ بعاد، ثمّ طالت مدّتهم ونعم عيشهم فَعَتوا ونسُوا نعمة الله وعَبَدوا الأصنام فأرسل الله إليهم صالحاً رسولاً يدعوهم إلى التّوحيد فلم يتَّبعه إلاّ قليل منهم مُستضعفون، وعصاه سادتهم وكبراؤهم، وذكر في آية سورة هود أنّ قومه لم يغلظوا له القول كما أغلظت قوم نوح وقوم هود لرسولهم، فقد: {أية : قالوا يا صالح قد كنتَ فينا مرجُوّا قبل هذا أتَنْهَانا أن نعبد ما يَعْبُد آباؤُنا وإننا لفي شكّ ممَّا تدعُونا إليه مُريب}تفسير : [هود: 62]. وتدلّ آيات القرآن وما فُسّرت به من القصص على أنّ صالحاً أجَّلهم مدّة للتّأمّل وجعل النّاقة لهم آية، وأنّهم تَارَكُوها ولم يُهيجوها زمناً طويلاً. فقد أشعرت مجادلتهم صالحاً في أمر الدّين على أنّ التّعقّل في المجادلة أخذ يدبّ في نفوس البشر، وأنّ غُلواءهم في المكابرة أخذت تقصر، وأنّ قناة بأسهم ابتدأت تلين، للفرق الواضح بين جواب قوم نوح وقوممِ هود، وبين جواب قوم صالح. ومن أجل ذلك أمهلهم الله ومادّهم لينظروا ويفكّروا فيما يدعوهم إليه نبئهم ولِيَزِنوا أمرهم، وجعل لهم الانكفاف عن مسّ النّاقة بسوء علامة على امتداد الإمهال؛ لأنّ انكفافهم ذلك علامة على أنّ نفوسهم لم تحْنق على رسولهم، فرجاؤه إيمانهم مستمرّ، والإمهال لهم أقطعُ لعذرهم، وأنهض بالحجّه عليهم، فلذلك أخّر الله العذاب عنهم إكراماً لنبيّهم الحريص على إيمانهم بقدر الطّاقة، كما قال تعالى لنوح: {أية : أنّه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون}تفسير : [هود: 36]. وجملة: {قد جاءتكم بينة من ربكم} إلخ، هي من مقولِ صالحٍ في وقت غير الوقت الذي ابتدأ فيه بالدّعوة، لأنّه قد طوي هنا جواب قومه وسُؤَالُهم إياه آية كما دلّت عليه آيات سورة هود وسورة الشّعراء، ففي سورة هود (61، 62): {أية : قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثمّ تُوبوا إليه إنّ ربّي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنتَ فِينا مرجُوّا قبل هذا}تفسير : الآية. وفي سورة الشّعراء (153 - 155): {أية : قالوا إنّما أنت من المسحرين ما أنت إلاّ بشر مثلنا فأتِ بآية إن كنت من الصّادقين قال هذه ناقة لها شرب} تفسير : الآية. فجملة: {قد جاءتكم بينة من ربكم} تعليل لجملة: {اعبدوا الله}، أي اعبدوهُ وحده لأنّه جعل لكم آية على تصديقي فيما بلغتُ لكم، وعلى انفراده بالتّصرف في المخلوقات. وقوله: {هذه ناقة الله} يقتضي أن النّاقة كانت حاضرة عند قوله: {قد جاءتكم بينة من ربكم} لأنّها نفس الآية. والبيّنة: الحجّة على صدق الدّعوى، فهي ترادف الآية، وقد عُبّر بها عن الآية في قوله تعالى:{أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مُنفكِّينَ حتى تأتيهم البيّنة}تفسير : [البينة: 1]. و{هذه} إشارة إلى النّاقة التي جعلها الله آية لصدق صالح ولما كانت النّاقة هي البيّنة كانت جملة: {هذه ناقة الله لكم آية} منزّلة من التي قبلها منزلة عطف البيان. وقوله: {آية} حال من اسم الإشارة في قوله: {هذه ناقة الله} لأنّ اسم الإشارة فيه معنى الفعل، واقترانَه بحرف التّنبيه يقوي شبهه بالفعل، فلذلك يكون عاملاً في الحال بالاتّفاق، وتقدّم عند قوله: {أية : ذلك نتلوه عليك من الآيات} تفسير : في سورة آل عمران (58)، وسنذكر قصّة في هذا عند تفسير قوله تعالى: {أية : وهذا بعلي شيخاً} تفسير : في سورة هود (72). وأكّدت جملة: {قد جاءتكم بينة}، وزادت على التّأكيد إفادةُ ما اقتضاه قوله {لكم} من التّخصيص وتثبيت أنّها آية، وذلك معنى اللاّم، أي هي آية مقنِعة لكم ومجعولة لأجلكم. فقوله: {لكم} ظرف مستقرّ في موضع الحال من {آية}، وأصله صفة فلمّا قُدم على موصوفه صار حالاً، وتقديمه للاهتمام بأنّها كافية لهم على ما فيهم من عناد. وإضافة ناقة إلى اسم الله تعالى تشريف لها لأنّ الله أمر بالإحسان إليها وعدم التّعرّض لها بسوء، وعظَّم حرمتها، كما يقال: الكعبة بيت الله، أو لأنّها وُجدت بكيفية خارقة للعادة، فلانتفاء ما الشانُ أن تضاف إليه من أسباب وجود أمثالها أضيفت إلى اسم الجلالة كما قيل: عيسى ــــ عليه السّلام ــــ كلمةُ الله. وأمّا إضافة {أرض} إلى اسم الجلالة فالمقصود منه أنّ للنّاقة حقّاً في الأكل من نبات الأرض لأنّ الأرض لله وتلك النّاقة من مخلوقاته فلها الحقّ في الانتفاع بما يصلح لانتفاعها. وقوله: {هذَا} مقدمةٌ لقوله: {ولا تمسوها بسوء} أي بسوء يعوّقها عن الرّعي إمّا بموت أو بجرح، وإمّا لأنّهم لما كذّبوه وكذّبوا معجزته راموا منع النّاقة من الرّعي لتموت جوعا على معنى الإلجاء النّاشىء عن الجهالة. والأرض هنا مراد بها جنس الأرض كما تقتضيه الإضافة. وقد جعل الله سلامة تلك النّاقة علامة على سلامتهم من عذاب الاستيصال للحكمة التي قدّمتُها آنفاً، وأن ما أوصى الله به في شأنها شبيه بالحَرَم، وشبيه بحمى الملوك لما فيه من الدّلالة على تعظيم نفوس القوم لمن تُنسب إليه تلك الحُرمة، ولذلك قال لهم صالح: {فَذروها تأكلْ في أرض الله ولا تمسّوها بسوء} لأنّهم إذا مسّها أحد بسوء، عن رضى من البَقيّة، فقد دلُّوا على أنّهم خلعوا حرمة الله تعالى وحنقوا على رسوله عليه السّلام. وجُزم {تأكل} على أنّ أصله جواب الأمر بتقدير: إنْ تذروها تأكُل، فالمعنى على الرّفع والاستعمالُ على الجزم، كما في قوله تعالى: {أية : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصّلاة}تفسير : [إبراهيم: 31] أي يقيمون وهو كثير في الكلام، ويُشبه أن أصل جزم أمثاله في الكلام العربي على التّوهم لوجود فِعل الطّلب قبل فعلٍ صالح للجزم، ولعلّ منه قوله تعالى: {أية : وأذّنْ في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا}تفسير : [الحج: 27] وانتصب قوله: {فيأخُذكم} في جواب النّهي لِيُعتبر الجواب للمنهي عنه لأنّ حرف النّهي لا أثر له: أي إن تمسُّوها بسوءٍ يأخذْكم عذاب. وأنيط النّهي بالمس بالسّوء لأنّ المس يصدق على أقل اتّصال شيء بالجسم، فكلّ ما ينالُها ممّا يراد منه السّوء فهو منهي عنه، وذلك لأنّ الحيوان لا يسوؤه إلاّ ما فيه ألم لذاته، لأنّه لا يفقه المعاني النّفسانيّه. والباء في قوله: {بسوء} للملابسة، وهي في موضع الحال من فاعل تَمسوها أي بقصد سوء.
الواحدي
تفسير : {فذروها تأكل في أرض الله} أَيْ: سهَّل الله عليكم أمرها، فليس عليكم رزقها ولا مؤونتها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإلى ثمود: أي أرسلنا إلى ثمود، وثمود قبيلة سميت باسم جدها وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. أخاهم صالحاً: أي في النسب وصالح هو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. آية: علامة على صدقي في أني رسول الله إليكم. وبوأكم في الأرض: أنزلكم في منازل تحبون فيها. وتنحتون: تنجرون الحجارة في الجبال لتتخذوا منازل لكم لتسكنوها. آلاء الله: نعم الله تعالى وهي كثيرة. ولا تعثوا: أي لا تفسدوا في الأرض مفسدين. استكبروا: عتوا وطغوا وتكبروا فلم يقبلوا الحق ولم يعترفوا به. معنى الآيات: هذا القصص الثالث قصص نبي الله صالح عليه السلام قال تعالى {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحاً نبياً أرسلناه بما أرسلنا به رسلنا من قبله ومن بعده بكلمة التوحيد {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} وهذا مدلول كلمة الإِخلاص التي جاء بها خاتم الأنبياء "لا إله إلا الله" {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تشهد بأنه لا إله إلا هو، وأني رسوله إليكم، هذه البينة ناقة تخرج من صخرة في جبل، {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} علامة وأية علامة على صدقي في إرسال الله تعالى لي رسولاً إليكم لتعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً، فذروا هذه الناقة تأكل في أرض الله {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فكانت الناقة ترعى في المرج، وتأتي إلى ماء القوم فتشربه كله، ويتحول في بطنها إلى لبن خالص فيَحْلِبون ما شاءوا وقال لهم يوماً هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم، ووعظهم عليه السلام بقوله: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} أي بعد هلاكهم، وكانت ديار عاد بحضرموت جنوب الجزيرة العربية وديار ثمود بالحجر شمال الجزيرة بين الحجاز والشام. وقوله {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أرض الحِجْر تتخذون من سهولها قصوراً تسكنونها في الصيف، وتنحتون من الجبال بيوتاً تسكنونها في الشتاء، {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} أي نعمه العظيمة لتشكروها بعبادته وحده دون ما اتخذتم من أصنام، وحذَّرهم من عاقبة الفساد فقال {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تنشروا الفساد في الأرض بالشرك وارتكاب المعاصي وإزاء هذه الدعوة الصادقة الهادفة إلى هداية القوم وإصلاحهم لينجوا من عاقبة الشرك والشر والفساد {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي قوم صالح، قالوا {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} أي لمن آمن من ضعفاء القوم: {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّه}، وهو استفهام سخرية واستهزاء دال على صلف القوم وكبريائهم، فأجاب المؤمنون من ضعفة القوم قائلين {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} قالوها واضحةً صريحةً مُعْلنةً عن إيمانهم بما جاء به رسول الله صالح غير خائفين، وهنا ردّ المستكبرون قائلين: {إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} وإمعاناً منهم في الجحود والتكبّر، لم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون حتى لا يعترفوا بالرسالة ولو في جواب رد الكلام فقالوا {إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- اتحاد دعوة الرسل في الإِيمان بالله والكفر بالطاغوت أي في عبادة الله وحده. 2- تقرير إرسال الرسل بالآيات وهي المعجزات وآية صالح أعجب آية وهي الناقة. 3- وجوب التذكير بنعم الله إذ هو الباعث على الشكر، والشكر هو الطاعة. 4- النهي عن الفساد في الأرض والشرك وارتكاب المعاصي. 5- الضعفة هم غالباً أتباع الأنبياء: وذلك لخلوهم من الموانع كالمحافظة على المنصب أو الجاه أو المال، وعدم إنغماسهم في الملاذ والشهوات.
القطان
تفسير : ثمود: قبيلة من العرب مساكنهم الحِجر في شمال الحجاز جهةَ الشام، وهي "مداينُ صالح" وأُخوة صالح لقومه: أُخوتُه في النسب البينة: المعجزة الظاهرة الدلالة. اذكروا: تذكّروا بوأكم في الارض: انزلكم فيها. الارض: هي الحِجر: النحت: نجر الشيء الصلب والحفر فيه، وكانت بيوتهم منحوتةً في الجبل قطعةً واحدة، ولا يزال بقية منها الى الآن. لا تعثوا في الأرض: لا تفسدوا. استكبروا: تكبروا. عقروا الناقة: نحروها، وعادةُ العرب في نحر الابل ان يقطعوا قوائمها فتقع على الأرض فينحروها عتَوا: تمردوا. الرجفة: الهزة تقع في الارض، والزلزلة. في دارهم: في بلدهم جاثمين: قاعدين بلا حرااك. وهذه قصة اخرى من قصص الأنبياء مع أقوامهم، هي قصة صالح عليه السلام ومفادها: لقد أرسلنا الى ثمود اخاهم صالحاً الذي يشاركهم في النسَب والوطن، وكانت دعوته كدعوة الرسُل قبله. قال لهم: أخلِصوا العبادة لله وحده، مالكم إله غيره، قد جاءتكم حجةٌ وبرهان على صدق ما أقول، وحقيقةِ ما أدعو اليه. هذه ناقةٌ ذات خَلق خاص، فيها الحُجة وهي ناقةُ الله، فاتركوها تأكل مما تُنبته أرض الله من العشب لا تتعرّضوا لها ولا تنالوها بسوء، فإذا فعلتم أخذكم عذاب شديد. وفي سورة الشعراء تفسير أوضحُ حيث قَسَم الماءَ الموجود في البلدةِ بين قومه وبين الناقة {هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}. ثم ذكّرهم بنعم الله عليهم، وبوجوب شكرها بعبادته تعالى وحده فقال: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ....}. تذكّروا أن الله جعلكم وارثين لأرض عادٍ، وأنزلكم منازل طيبةً في أرضهم، فصرتُم تتّخذون من السهول قصوراً فخمة، وتنحتون في الجبال بيوتاً حصينة. اذكروا نعم الله تعالى اذ مكّنكم في الأرض ذلك التمكين، ولا تعيثوا فيها مفسدين. وعلى ذلك أجاب أهلُ الصدارة، والزعامة، مخاطبين الذين آمنوا من المستضَعفِين متهكّمين عليهم: أتعتقدون أن صالحاً مرسَلٌ من ربّه؟ فأجابهم اهل الحق: نحن مصدّقون بما أُرسِل به صالح. قراءات: قرأ ابن عامر: "وقال الملأ" بالواو. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. فردّ عليهم المستكبرون: إنا جاحِدون ومنكِرون لِلّذي آمنتم وصدّقتم به من نبوّة صالح هذه. ثم لجّ العناد بأولئك المستكبرين، فتحدَّوا الله ورسوله، وذبحوا الناقة وتمرّدوا وتجاوزوا الحدّ في استكبارهم، وقالوا متحدِّين: يا صالح، ائتِنا بالعذاب الذي وعدْتَنا {إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} عندئذٍ {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي دمّرتهم الزلازل الشديدة، ومن ثمَ {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} باتوا مصعوقِين جُثثاً هامدة لا حَراك بها، واصبحت ديارهم خاوِية على عروشِها الى الآن. روى الامام احمد والحاكم عن جابر قال: حديث : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحِجر في غزوة تبوك - قال لا تسألوا الآياتِ، فقد سألها قومُ صالح، فكانت الناقةُ تَرِدُ من هذا الفَجّ، وتصدُرُ من هذا الفَجّ، فَعَتَوا عن أمر ربهم، فعقَروها وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لَبَنَها يوما، فعقروها، فأخذتهم صحيةٌ أخمدَ اللهُ مَن تحت أديمِ السماءِ منهم. وكان قومُ صالحٍ عربا، وصالح من أوسطِهم نسبا . تفسير : وفي البخاري حديث : أن رسول الله لمّا نزل الحِجْر في غزوة تبوك أمرهم ان لا يشربوا من آبارها ولا يسقوا منها، فقالوا: قد عَجَنّا منها واستقينا. فأمرهم النبي الكريم ان يطرحوا ذلك العجين، ويُهْرِيقوا ذلك الماء. ثم ارتحلَ بهم حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة . تفسير : {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ}. قال لهم صالحٌ بعد ان جرى لهم ما جرى، فرآهم صرعى بيوتُهم خاوية، قال: يا قوم قد ابلغتُكم أوامر ربي ونواهيَه، ومحضتُ لكم النصح، لكنّكم بإصراركم على الكفر صِرتُم لا تحبّون من ينصحكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالِحاً} {يَاقَوْمِ} {آيَةً} (73) - كَانَتْ دِيَارُ قَبِيلَةِ ثَمُودَ فِي أَرْضِ الحِجَازِ، فِي مَدَائِنِ صَالِحٍ، بَيْنَ تَبُوكَ وَالمَدِينَةِ. وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمْ صَالِحاً، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَهُوَ مِنْهُمْ (أَخَاهُمْ)، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ لأَِقْوَامِهِمْ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَقَدْ جِئْتُكُمْ بِبُرْهَانٍ مِنَ اللهِ عَلَى صِدْقِ قَوْلي لَكُمْ إِنَّنِي رَسُولُ اللهِ، وَعَلَى صِحَّةِ دَعْوتي، فَقَدْ طَلَبْتُمْ مِنِّي بُرْهَاناً عَلَى صِدْقِ نُبُوّتي، أنْ يُخْرِجَ اللهُ لَكُمْ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ عَيَّنْتُمُوهَا لِي بِذَاتِهَا، نَاقَةً عُشَرَاءَ فَدَعَوْتُ اللهَ فَاسْتَجَابَ لِي، وَأَخْرَجَ لَكُمُ النَّاقَةَ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ كَيْفَ تَخْرُجُ، وَقَدْ أَخَذْتُ عَلَيكُمُ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِاللهِ إِنْ حَقَّقَ اللهُ عَلَى يَدَيَّ مَا سَأَلْتُمْ، فَآمِنُوا بِاللهِ كَمَا وَعَدْتُمُونِي، وَذَرُوا النَّاقَةَ تَسْرَحْ فِي أَرْضِ اللهِ، وَتَأْكُلْ مِنْ رِزْقِهِ، وَلاَ تَتَعَرَّضُوا لَهَا بِسُوءٍ فِي نَفْسِهَا وَلاَ فِي أَكْلِها، وَأَنَا أُحَذِّرُكُمْ بِأَنَّكُمْ إِذا اعْتَدَيْتُمْ عَلَيْهَا، وَمَسَسْتُمُوهَا بِسُوءٍ، فَإِنَّ اللهَ سَيُصِيبُكُمْ بِعَذَابٍ شَديدِ الإِيلاَمِ (وَكَانَتِ النَّاقَةُ تَسْرَحُ فِي الأَرْضِ، وَتَشْرَبُ مَاءَ البِئْرِ يَوْماً وَتَتْركُهُ لقومِ ثَمودَ يَوْماً). آيَةً - مُعْجِزَةً دَالَّةً عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ} قرأ يحيى بن وثاب: إلى هود بالصرف والتنوين. والباقون بغير الصرف وإنّما يعني: وإلى بني ثمود، وهو ثمود بن [عاد] بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو [جديس] وأراد ههنا القبيلة. قال أبو عمرو بن العلا: سُمّيت ثمود لقلّة مائها والثمد الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى {أَخَاهُمْ صَالِحاً} وهو صالح بن [عبيد] بن أسف ابن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} حجّة ودلالة من ربّكم على صدقي {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ} أضافها إليه على التفضيل والتخصيص كما يقال: بيت الله. وقيل: أُضيفت إلى الله لأنّها كانت بالتكوين من غير اجتماع ذكر وأُنثى ولم يكن في صلب ولا رحم ولم يكن للخلق فيها سعي {آيَةً} نصب على الحال أي انظروا إلى هذه الناقة {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ} العشب {فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} ولا تصيبوها [بعقر] {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ} أسكنكم وأنزلكم {فِي ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ} قرأ الحسن (وتنحتون) بفتح الحاء وهي لغة من {ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} وكانوا ينقبون في الجبال البيوت {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} يعني الأشراف والقادة الذين تعظّموا عن الإيمان بصالح عليه السلام {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} يعني الأتباع {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } جاحدون {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} نحروها {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} يعني العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي من الصادقين {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} يعني الصيحة والزلزلة وأصلها الحركة مع الصوت. قال الله: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} تفسير : [النازعات: 6]. قال الشاعر: شعر : وظلّت جمال القوم بالقوم ترجفُ ولمّا رأيت الحج قد آن وقته تفسير : وقال الأخطل: شعر : كبر كالنسر أرجف الإنسان مهدود فيه أما تريني [حناتي] الشيب من تفسير : {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } أي في أرضهم وبلدتهم ولذلك وحد الدار. وقيل: أراد به الديار فوحد كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 2] ومعنى {جَاثِمِينَ} جامدين [مبتلين] صرعى هلكوا، وأصل الجاثمّ البارك على الركبة. قال جرير: شعر : مطايا القدر كالحدأ الجثوم عرفت المنتأى وعرفت منها تفسير : {فَتَوَلَّىٰ} أعرض صالح عنهم وقال: {عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} وكانت قصّة صالح وثمود وعقرهم الناقة سبب هلاكهم على ما ذكره ابن إسحاق والسدي ووهب وكعب وغيرهم من أهل الكتب قالوا: إن عاداً لمّا هلكت وانتهى أمرها عمّرت أعمارهم واستخلفوا في الأرض فربوا فيها وعمّروا، حتّى جعل أحدهم يبني المسكن من [المدر] فينهدم والرجل منهم حي. فلما رأوا ذلك اتخذوا الجبال بيوتاً فنحتوهاوجابوها وخرقوها وكانوا في سعة من معائشهم فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا فيها عرباً كان صالح من أوسطهم نسباً وأفضلهم موضعاً. فبعثه الله تعالى إليهم شابّاً فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ حتّى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلاّ قليل مستضعفون فلمّا ألحّ عليهم صالحٌ بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقاً لقوله، قال: أي آية تريدون؟ قالوا: نُريد أن تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان اسم عيد يخرجون إليه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو وإن أستجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك وخرج صالح معهم ودعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به. ثمّ قال جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذ سيّد ثمود: يا صالح اخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة ناقة مخترجة جوفاء وبراء فالمخترجة ما شاكلت البخت من الإبل، فإن فعلت صدّقناك وآمنّا بك، فأخذ صالح عليهم مواثيقهم إن فعلت لتصدقنني ولتومنن به، قالوا: نعم. فصلّى صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ثمّ تحرّكت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشرا وجوفاء وبراء كما سألوا لا يعلم ما بين جنبيها إلاّ الله عزّ وجلّ عظماً وهم ينظرون ثمّ [نتجت] ثقباً مثلها في العظم.فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويُصدّقوه فنهاهم ذوءاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر وكانوا من أشراف ثمود. وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد فأراد أن يسلم فنهاه أُولئك الرهط فأطاعهم فقال رجل من آل ثمود: شعر : إلى دين النبيّ دعوا شهاباً وكانت عصبة من آل عمرو فهمَّ بأن يجيب ولو [أجابا] عزيز ثمود كلّهم جميعاً وما عدلوا بصاحبهم ذوءاباً لأصبح صالح فينا عزيزاً تولّوا بعد رشدهم ذئاباً ولكن الغواة من آل حجر تفسير : فلما خرجت الناقة قال صالح (عليه السلام): {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155]، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء سبتاً فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر من الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفعها حتّى تشرب كلّ ما فيها لا تدع قطرةً ماء فيها ثم ترفع رأسها [فتفسح] يعني تفجج لهم فيحتلبون ما شاؤوا من لبن فيشربون ويدخرون حتّى يملأوا أوانيهم كلهم ثمّ تصدر من [غير] الفج الذي وردت لا تقدر على أن تصدر من حيث وردت لضيقه عنها فلا يرجع منه ثمّ ترفع رأسها. قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً، حتّى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاؤوا من الماء ويدخرون ماشاؤوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة [وكانت] الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها أغنامهم وأبقارهم وإبلهم فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه. والمواشي تنفر منها إذا رأتها [تشتو] في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب. فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار وكانت مراتعها في ما يزعمون [الجناب] وحسمى، كل ذلك ترعى مع واد الحجر. فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربّهم وحملهم ذلك على عقر الناقة فأجمعوا على عقرها. وكانت امرأة من ثمود يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنّى أُم غنم وهي من بني عبيد ابن المهل، وكانت امرأة ذوءاب بن عمر، وكانت عجوزاً مسنّة وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أُخرى يقال لها: صدوف بنت المحيا بن زهير ابن المحيا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يقال له: وادي المحيا الأكبر جد المحيا الأصغر أبي صدوف، وكانت صدوف من أحسن الناس وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح (عليه السلام) وأعظمهم به كفراً، وكانتا تحبان أن يعقرا الناقة مع كفرهما به لما أضرت به من مواشيهما وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له: صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف من بني هليل فأسلم وحسن إسلامه، وكانت صدوف قد فوّضت إليه مالها فأنفقه على مَنْ أسلم له من أصحاب صالح حتّى رق المال فاطلعت على ذلك [من] إسلام صدوف وحاسبته على ذلك. فأظهر لها دينه فدعاها إلى الله وإلى الإسلام فأبت عليه وأخذت بنيها وبناتها منه فغيبتهم في عبيد بطنها الذي [هي] منه وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها فقال لها: ردي عليَّ ولدي، فقالت: حتّى أُنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني [جندع] بن عبيد، فقال لها صنيم: بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد. وذلك أن بني مرداس كانوا مسلمين. فقالت: لا أُنافرك إلاّ إلى مَنْ دعوتك إليه. فقالت بنو مرداس: والله لتعطينه ولده كارهة أو طائعة فلما رأت ذلك أعطته إياهم. ثم إنّ صدوف وعنيزة تحيّلا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل بهم فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له [الحبّاب] لعقر الناقة وعرضت نفسها إن هو فعل ذلك [فأبى] عليها فدعت ابن عم لها يقال له: مصدح بن مهرج بن المحيا وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس وجهاً وأكثرهم مالاً فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم قدار ابن سالف بن جندع رجلا من أهل قرح وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعه" تفسير : واسم أُمّه قدير. وكان رجلا أحمراً أزرقاً قصيراً يزعمون أنّه كان لزنية من رجل يقال له: صبيان ولم يكن لسالف الذي يدعى السر، ولكنه قد ولد على فراش سالف فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزاً منيعاً في قومه فانطلق قدار بن سالف هو ومصدع بن مهرج فاستنفرا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر، وكانوا تسعة رهط أحدهم هويل بن مسطح خال عزير من أهل حجر [ودعيت] بن غنم بن ذاغر ذؤاب بن مهرج بن مصدع وخمسة لم يذكر لنا أسماءهم فاجمعوا على عقر الناقة. وقال السدي وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح (عليه السلام) أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك. فقالوا: ماكنّا لنفعل ذلك. فقال صالح: إنّه يولد في قومكم غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد لنا ابن في هذا الشهر إلاّ قتلناه. قال: فولد لهم تسعة في ذلك الشهر. فدعوا أبناءهم ثمّ ولد العاشر فأبى أن يذبح أبنه وكان لم يولد له قبل ذلك ابن وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتاً سريعاً، وكان إذا مرّ بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح، لأنّه كان سبب قتلهم أبنائهم فتقاسموا بالله لنبيتنّه وأهله قالوا: نخرج فنري الناس أنا قد خرجنا إلى [سفرنا] فنأتي الغار فنكون فيه حتّى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه ثمّ رجعنا إلى الغار فكنّا فيه ثمّ رجعنا فقلنا مهلك أهله وإنّا لصادقون يصدّقوننا يعلمون إنّا قد خرجنا إلى سفرنا، وكان صالح صلى الله عليه وسلم لا ينام معهم في القرية. وكان في مسجد يقال له مسجد صالح فيه يبيت الليل. فإذا أصبح أتاهم فوعظهم ويذكرهم، وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه فانطلقوا فلمّا دخلوا الغار وأرادوا أن يخرجوا من [الجبل] سقط عليهم الغار فقتلهم فانطلق رجل ممّن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رطخ فرجعوا وجعلوا يصيحون في القرية أي عباد الله أما رضي صالح [بأن] أمرهم بقتل أولادهم حتّى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة. وقال ابن إسحاق: إنّما كان تقاسم التسعة على قتل صالح صلى الله عليه وسلم بعد عقرهم الناقة وإنذار صالح إياهم بالعذاب. ذلك أن التسعة الذين عقروا الناقة قالوا: هلّم فلنقتل صالحاً وإن كان صادقاً عجّلنا قتله، وإن كان كاذباً قد ألحقناه بناقته فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدفعتهم الملائكة بالحجارة فلمّا أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم مشتدخين قد رُضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثمّ همّوا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح. وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً وقد وعدكم أنّ العذاب نازل بكم في ثلاث فإن كان صادقاً لم تزيدوا ربّكم إلاّ غضباً وإن كان كاذباً فأنتم من وراء ما تريدون فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. قال السدي وغيره: فكان شر مولود يعني قدار وكان يشبَّ في اليوم شباب غيره في الجمعة. ويشبّ في الشهر شباب غيره في السنة فلمّا كبر جلس مع أُناس يصيبون من الشراب فأرادوا ما يمزجون به شرابهم وكان ذلك اليوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة. فاشتد ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة وشدّتها عليهم ونحن ما نصنع باللبن لو كنّا نأخذ من هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة نسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيراً لنا، فقال ابن العاشر هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم. وقال كعب: كان سبب عقرهم الناقة أنّ امرأة يقال لها ملكا كانت قد ملكت ثمود فلمّا أقبل الناس على صالح وصارت الرئاسة إليه حسدته فقالت لامرأة يقال لها قطام وكانت معشوقة قدّار بن سالف ولامرأة أُخرى يقال لها قبال كانت معشوقة مصدح بن وعد ويقال ابن مهرج، وكان قدار ومصدع يجتمعان كل ليلة معهما ويشربون الخمر فقالت لهما ملكا: إن أتاكم الليلة قدار ومصدع فلا تطيعاهما وقولا لهما: إن الملكة حزينة لأجل الناقة و لأجل صالح فنحن لا نطيعكما حتّى تعقرا الناقة فإن عقرتماها أطعناكما، فلمّا أتياهما قالتا لهما هذه المقالة فقالا: يكون من وراء عقرهما. وقال ابن إسحاق وغيره: فانطلق قدار ومصدع وأصحابهما السبعة فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل حفرة على طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرّت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم وعنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس فاستقرّت لقدار ثمّ دمرته فشد على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة فحدر سقبها ثمّ طعن في لبّتها فنحرها. وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه فلمّا رأى سقبها ذلك انطلق حتّى أتى جبلا منيعاً يقال له صور، وقيل: اسمه قارة، وأتى صالح فقال له: أدرك الناقة قد عُقرت فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يانبي الله إنّما عقرها فلان وفلان ولا ذنب لنا. فقال صالح (عليه السلام): أنظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يُرفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه فلمّا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه فأوحى الله عزّ وجلّ إلى الجبل فتطاول في السماء حتّى لا تناله الطير. وجاءَ صالح (عليه السلام) فلمّا رآه الفصيل بكى حتّى سالت دموعه ثمّ استقبل صالحاً فرغا رغوة ثم رغا أُخرى ثم رغا أُخرى. فقال صالح (عليه السلام): لكل رغاة أجل يومكم تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب. وقال ابن إسحاق: أتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع ابن مهرج وأخوه داب بن مهرج فرمى مصدع بسهم فانتظم قلبه ثمّ جر برجله وأنزله وألقوا لحمه مع لحم أُمّه. فقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله تعالى فأبشروا بعذاب الله ونقمته، فقالوا له وهم يهزأون به: ومتى ذلك يا صالح وما آية ذلك؟ وكان يسمّون الأيام فيهم الأحد الأوّل والأثنين أُميون والثلاثاء دبار والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة غروبة والسبت شيار. وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح (عليه السلام) حين قالوا ذلك: تصبحون غداء يوم مؤنس ووجوهكم مصفرّة، ثمّ تصبحون يوم غروبة ووجوهكم محمرّة ثمّ تصبحون يوم شيّار ووجوهكم مسودّة، ثمّ يصبحكم العذاب يوم الأوّل، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرّة كأنّما طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وإناثهم، فأيقنوا العذاب وعرفوا أن صالحاً قد صدقهم فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هارباً حتّى لجأ إلى بطن من ثمود، يقال له: بنو غنم، فنزل على سيّدهم رجل منهم يقال له: نفيل ويكنّى أبا هدب وهو مشرك فغيّبه فلم يقدروا عليه، وقعدوا على أصحاب صالح يعذّبونهم ليدلّوهم عليه. فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم: يا نبي الله إنّهم ليعذبونا لندلهم عليك أفندلهم؟ قال: نعم، فدلّهم عليه ميدع فأتوا أبا هدب وكلّموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح وليس لكم إليه سبيل فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله عزّ وجلّ فيهم من عذابه فجعل بعضهم يخبّر بعضاً بما يرون في وجوههم فلما أصبحوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل، فلمّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرّة كأنّما خُضّبت بالدماء فصاحوا وضجّوا وبكوا وعرفوا آية العذاب، فلمّا أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب. فلما كان اليوم الثالث إذا وجوههم مسودّة كأنّما طُليت بالنار فصاحوا جميعاً ألا قد حضركم العذاب. فلمّا كان ليلة الأحد خرج صالح (عليه السلام) من بين أظهرهم ومَنْ أسلم معه إلى الشام فنزلوا رملة فلسطين فلمّا أصبح القوم تكفّنوا وتحنّطوا وكان حنوطهم الصبر والمقر وكانت أكفانهم [الإنطاع] ثمّ ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلّبون به أبصارهم فينظرون إلى السماء مرّة وإلى الأرض مّرة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب. فلمّا اشتد الضحى يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كلّ صاعقة وصوت كل [شيء] له صوت في الأرض فتقطّعت قلوبهم في صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلاّ هلك كما قال الله تعالى: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} إلاّ جارية منهم مقعدة يقال لها: ذريعة بنت سلق وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح (عليه السلام) فأطلق الله عزّ وجلّ لها رجلها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط حتّى أتت قزح وهي وادي القرى فأخبرتهم بما [عاينت] من العذاب وما أصاب ثمود ثمّ أستسقت من الماء فسُقيت فلمّا شربت ماتت. وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: حديث : لمّا أُمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: "لا يدخلن أحدّكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلاّ أن تكونوا باكين خائفين فإن لم تكونوا فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم". ثمّ قال: "أمّا بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله عزّ وجلّ لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوماً فيردها وراءهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في الغار فعتوا عن أمر ربّهم وعقروها فأهلك الله مَنْ [تحت] أديم السماء منهم إلاّ رجلاً واحداً كان في حرم الله". قيل: من هو؟ قال: "أبو رغال". فلمّا خرج أصابه ما أصاب قومه [فدفن ههنا] ودُفن معه غصن من ذهب وأراهم قبر أبي رغال فول القوم فابتدروه بأسيافهم وبحثوا عليه فاستخرجوا ذلك الغصن، ثمّ قبع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وأسرع السير حتّى جاز الوادي . تفسير : قال أهل العلم: توفي صالح (عليه السلام) بمكّة وهو ابن ثمان وخمسين [سنة فلبث] في قومه عشرين سنة. عن الضحاك بن مزاحم قال: حديث : قال رسول الله (عليه السلام): "يا عليّ أتدري مَنْ أشقى الأوّلين؟" قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "عاقر الناقة". قال: "أتدري مَنْ أشقى الآخرين؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: "قاتلك ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد قال سيدنا صالح لثمود مثلما قال سيدنا هود لعاد، وحمل لهم الإِنذار ليتقوا فيرحموا، قال سيدنا صالح: {يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}. إذن فالإِنذار للتقوى وللوصول إلى الرحمة والفلاح، ولذلك أقول دائماً: إن القرآن حينما يتعرض لأمر قد لا يأتي به مفصلا ولكن سياقه يوحي بالمراد منه، ولا يكرر وذلك ليربي فينا ملكة الاستيقاظ إلى استقبال المعاني. والمثال على ذلك في قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، يقول القرآن على لسان سيدنا سليمان: {أية : وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} تفسير : [النمل: 20] ويهدد سيدنا سليمان الهدهد قائلاً: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ...} تفسير : [النمل: 21] ثم جاء الهدهد ليقول: {أية : ...وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} تفسير : [النمل: 22] ثم أرسل سيدنا سليمان الهدهد إلى قوم سبأ قائلاً: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} تفسير : [النمل: 28] وبعد هذه الآية مباشرة قال القرآن: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29] وكأن الهدهد قد ذهب بالكتاب، ورماه إلى ملكة سبأ، وقالت هي الرد مباشرة. إذن لم يكرر القرآن ما حدث، بل جعل بعضاً من الأحداث متروكاً للفهم من السياق. وكذلك هنا في قوله الحق: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ...} [الأعراف: 73] وكلمة "أخاهم" هنا تؤكد أن سيدنا صالحاً كان مأنوساً به عند ثمود، ومعروف التاريخ لديهم، سوابقه في القيم والأخلاق معروفة لهم تماماً وأضيفت ثمود له لأنه أخوهم. وقد جاءت دعوته مطابقة لدعوة نوح وهود. {...قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] والبنية هي الدليل على الصدق في البلاغ عن الله، وهي الناقة. فما قصة الناقة؟ هل خرج لهم بناقة ونسب ملكيتها لله؟ بطبيعة الحال، لا، بل لا بد أن تكون لها قصة بحيث يعلمون أن هذه الناقة ليست لأحد من البشر. وحين قام سيدنا صالح بدعوته، تحداه السادة من قومه، وقالوا: نقف نحن وأنت، نستنجد نحن بآلهتنا، وأنت تستنجد بإلهك، وإن غلبت آلهتنا تتبعنا، وإن غلب إلهك نتبعك، وجلسوا يدعون آلهتهم، فلم يحدث شيء من تلك الآلهة، وهنا قالوا لسيدنا صالح: إن كنت صادقاً في دعوتك، هذه الصخرة منفردة أمامك في الجبل اسمها "الكاثبة" فليخرج ربك لنا من هذه الصخرة ناقة هي عشراء كالبخت - أحسن أنواع الإِبل - فدعا الله سبحانه وتعالى، وانشقت الصخرة عن الناقة، وخروج الناقة من الصخرة لا يدع مجالاً للشك في أنها آية من الله ظهرت أمامهم. إنها البينة الواضحة. لقد انشقت الصخرة عن الناقة ووجدوها ناقة عشراء، وَبْرَاء - أي كثيرة الوَبَر - يتحرك جنينها بين جنبيها ثم أخذها المخاض فولدت فصيلاً، وهكذا تتأكد الإِلهية دون أن يجرؤ أحد على التشكيك فيها، وهي ناقة من الله وهو القائل: {أية : ...نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا} تفسير : [الشمس: 13] وأوضح لهم سيدنا صالح أنها ناقة الله، وترونها رؤية مشهدية وهذه الناقة لها يوم في الماء لتشرب منه، ويوم تشربون أنتم فيه. وكان الماء قليلاً عندهم في الآبار. {أية : ...لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 155] أي لابد من تخصيص يوم لتشرب فيه هذه الناقة، ولكم أنتم وإبلكم وحيواناتكم يوم آخر، وكان من عجائب هذه الناقة أن تقف على العين وتشرب فلا تدع فيها ماءً، وهي كمية من المياه كانت تكفي كل الإِبل. وبعد ذلك تتحول كل المياه التي شربتها في ضرعها لبناً، فيأخذون هذا اللبن. صحيح أن الناقة منعتهم المياه لكنهم أخذوا منها اللبن الذي يطعمونه، ولأنها ناقة الله كان لابد أن تأخذ هيكلاً وحجماً يناسبها وكمية من الطعام والشراب مناسبة لتقيم بها حياتها، وكمية إدرار اللبن مناسبة لشربها وطعامها وحجمها، فمادامت منسوبة لله فلابد أن فيها مواصفات إعجازية، وكان الفصيل الذي ولدته معها، وكان إذا ما جاء الحر في الصيف تسكن الناقة في المشارف العالية، وبقية النوق تنزل في الأرض الوطيئة، وحين يأتي الشتاء تنزل إلى المناطق المنخفضة. والمعروف أن مدائن صالح كانت منطقة شديدة الحرارة، ويمكن لمن يزور المدينة أو "تبوك" أن يمر عليها. كانت الناقة حرة في اختيار المكان الذي تعيش فيه صيفاً أو شتاءً فلا أحد بقادر أن يمسها بسوء. وكانت هناك امرأتان لهما نياق. وناقة الله تغلب نياق المرأتين في المراعي والماء. فأحضرت المرأتان رجلاً يطلق عليه: "أُحَيْمر ثمود: واسمه قُدار بن سالف" ليقتلها، فقتل الناقة، فلما قتلت الناقة، طلع ابنها الفصيل على جبل يسمى "قارة" وخار ثلاثة أصوات، فنادى سيدنا صالح: يا قوم أدركوا هذا الفصيل، لعل الله بسبب إدراككم له يرفع عنكم العذاب، فراحوا يتلمسونه فلم يجدوه وأعلم الله صالحاً النبي أن العذاب قادم، ففي اليوم الأول تكون وجوههم مصفرة، وفي اليوم الثاني تكون محمرة، وفي اليوم الثالث تكون مسودّة، فقد كانت الناقة هي ناقة الله المنسوبة له سبحانه، وقد تأكدوا بالأمر المشهدي من ذلك، وكان من الواجب عليهم ساعة أن وجدوا الآية الكونية المشهودة أن يأخذوا منها العبرة، وأنها مقدمة للشيء الموعود به. لكنَّ الغباء أنساهم أنها ناقة الله. {...هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] وبالفعل حدث العذاب بعد أن قتل أحميرثمود الناقة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسََبَة: لما ذكر تعالى في أول السورة قصة آدم، وما اتصل بها من آثار قدرته، وغرائب صنعته، الدالة على توحيده وربوبيته، وأقام الحجة الدامغة على صحة البعث بعد الموت، أتبع ذلك بقصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، فذكر نوحاً وهوداً وأعقبه هنا بذكر قصة صالح وشعيب، وموقف المعاندين للرسل الكرام. اللغَة: {نَاقَةُ} الناقة: الأنثى من الجمال، وعقر الناقة ضرب قوائمها بالسيف {عَتَوْاْ} استكبروا عتا عتواً أي استكبر والليلُ العاتي: الشديد الظلمة {جَاثِمِينَ} لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم الطائر {ٱلرَّجْفَةُ} الطامة التي يرجف لها الإِنسان أي يتزعزع ويضطرب وأصل الرجف الاضطراب رجفت الأرض اضطربت {ٱلْغَابِرِينَ} الباقين في عذاب الله، والغابر بمعنى الباقي ويجيء بمعنى الماضي والذاهب ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر فهو من الأضداد كما في الصحاح {يَغْنَوْاْ} يقيموا يقال غَنَى بالمكان إذا أقام به دهراً طويلاً {عَفَوْاْ} كثروا ونموا من عفا النبات إذا كثر. التفسِير: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي وحّدوا الله ولا تشركوا به {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي معجزة ظاهرة جلية تدل على صحة نبوتي {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} هذا بيانٌ للمعجزة أي هذه الناقة معجزتي إليكم وإضافتها إلى الله للتشريف والتعظيم لأنها خلقت بغير واسطة قال القرطبي: أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} أي اتركوها تأكل من رزق ربها {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي لا تتعرضوا لها بشيءٍ من السوء أصلاً إكراماً لها لأنها آية الله، والعذاب الأليم هو ما حلَّ بهم حين عقروها {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} أي خلفاء في الأرض قال الشهاب: لم يقل خلفاء عاد إشارة إلى أن بينهما زماناً طويلاً {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً} أي أسكنكم في أرض الحِجْر تبنون في سهولها قصوراً رفيعة {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} أي تنحتون الجبال لسكناكم قال القرطبي: اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم فإن الأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي اذكروا نعم الله عليكم واشكروه على ما تفضل به ولا تعيثوا في الأرض فساداً {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} أي قال الأشراف المستكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين من أتباع صالح عليه السلام {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} أي أن الله أرسله إلينا وإِليكم، وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء {قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي أجابوهم بالأسلوب الحكيم بالإِيمان برسالته قال أبو حيان: وعدولهم عن قولهم هو مرسل إلى قولهم {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} في غاية الحسن إذْ أمر رسالته معلوم واضح مسلَّم لا يدخله ريب لما أتى به من هذا المعجز الخارق العظيم فلا يحتاج أن يسأل عن رسالته {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي قال المستكبرون نحن كافرون بما صدَّقتم به من نبوة صالح وإنما لم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون إظهاراً لمخالفتهم إياهم ورداً لمقالتهم {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} أي نحروا الناقة واستكبروا عن امتثال أمر الله {وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي جئنا يا صالح بما تعدنا من العذاب الذي تخوفنا به إن كنت يا صالح حقاً رسولاً، قالوا ذلك استهزاء به وتعجيزاً {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أخذتهم الزلزلة الشديدة فصاروا في منازلهم هامدين موتى لا حِراك بهم قال في البحر: أخذتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوتُ كل شيء له صوتٌ في الأرض فقطعت قلوبهم وهلكوا {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِين} أي أدبر عنهم صالح بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى عليهم وقال على سبيل التفجع والتحسر عليهم: لقد بلّغتكم الرسالة وحذرتكم عذاب الله وبذلت وسعي في نصيحتكم ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم قال الزمخشري {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِين} حكاية حال ماضية قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت - وكان قد نصحه حياً فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة -: يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني؟ {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} أي واذكر وقت أن قال لوط لقومه أهل سدوم على سبيل الإِنكار والتوبيخ: أتفعلون تلك الفعلة الشنيعة المتناهية في القبح التي ما عملها أحد قبلكم في زمنٍ من الأزمان! والفاحشة هي إتيان الذكور في الأدبار، أنكر عليهم أولاً فعلها ثم وبخهم بأنهم أول من فعلها قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهوداً قبحه، ومركوزاً في العقول فحشه أتى به معرفاً بالألف واللام {ٱلْفَاحِشَةَ} بخلاف الزنى فإنه قال فيه {أية : إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} تفسير : [النساء: 22] فأتى به منكراً، والجملة المنفية {مَا سَبَقَكُمْ} تدل على أنهم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة وأنهم مبتكروها، والمبالغة في {مِنْ أَحَدٍ} حيث زيدت مِنْ لتأكيد نفي الجنس، وفي الإِتيان بعموم {ٱلْعَالَمِينَ} جمعاً قال عمرو بن دينار: ما رؤي ذكرٌ على ذكر قبل قوم لوط {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ} هذا بيانٌ للفاحشة وهو توبيخٌ آخر أشنع مما سبق لتأكيده بإنَّ وباللام أي إنكم أيها القوم لتأتون الرجال في أدبارهم شهوة منكم لذلك الفعل الخبيث المكروه دون ما أحله الله لكم من النساء ثم أضرب عن الإِنكار إلى الإِخبار عنهم بالجال التي توجب ارتكاب القبائح واتباع الشهوات فقال {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي لا عذر لكم بل أنتم عادتكم الإِسراف وتجاوز الحدود في كل شيء قال أبو السعود: وفي التقييد بقوله {شَهْوَةً} وصفٌ لهم بالبهيمية الصِّرفة وتنبيهٌ على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النسل لاقضاء الشهوة {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي ما كان جوابهم للوطٍ إذ وبخهم على فعلهم القبيح إلا أن قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وأتباعه المؤمنين من بلدتكم لأنهم أناس يتنزهون عما نفعله نحن من إتيان الرجال في الأدبار، قال ابن عباس ومجاهد: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي يتقذرون عن إتيان أدبار الرجال والنساء، قالوا ذلك سخرية واستهزاءً بلوط وقومه وعابوهم بما يمدح به الإِنسان {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي أنجيناه من العذاب الذي حلّ بقومه وأهله المؤمنين إلا امرأته فلم تنج وكانت من الباقين في ديارهم الهالكين قال الطبري: أي أنجينا لوطاً وأهله المؤمنين به إلا امرأته فإنها كانت للوطٍ خائنة وبالله كافرة فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم العذاب {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً} أي أرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً هو حجارة من سجيل كما في الآية الأخرى {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 74] وشبه العذاب بالمطر المدرار لكثرته حيث أرسل إرسال المطر {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي انظر أيها السامع إلى عاقبة هؤلاء المجرمين كيف كانت؟ وإلى أي شيءٍ صارت؟ هل كانت إلا البوار والهلاك؟! {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي وأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً داعياً لهم إلى توحيد الله وعبادته قال ابن كثير: ومدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب "معان" من طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي معجزة تدل على صدقي {فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} أي أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به والوزن الذي تزنون به {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تُنْقصوهم إياها {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} أي لا تعملوا بالمعاصي بعد إصلاحها ببعثة الرسل {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي ما أمرتكم به من إخلاص العبادة لله وإيفاء الناس حقوقهم وترك الفساد في الأرض خير لكم إن كنتم مصدقين لي في قولي {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} أي لا تجلسوا بكل طريق تخوّفون من آمن بالقتل قال ابن عباس: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت تفعله قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تريدون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة بمعنى تصويرهم أن دين الله غير مستقيم كما يقول الضالون في هذا الزمان: "هذا الدين لا ينطبق مع العقل" لأنه لا يتمشى مع أهوائهم الفاجرة {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} أي كنتم قلة مستضعفين فأصبحتم كثرة أعزة فاشكروا الله على نعمته {وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} هذا تهديد لهم أي انظروا ما حلّ بالأمم السابقة حين عصوا الرسل كيف انتقم الله منهم واعتبروا بهم {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} أي إذا كان فريق صدقوني فيما جئتهم به وفريق لم يصدقوني فاصبروا حتى يفصل الله بحكمه العادل بيننا وهو خير الفاصلين قال أبو حيان: هذا الكلام من أحسن ما تلطّف به في المحاورة إذ برز المتحقق في صورة المشكوك وهو من بارع التقسيم فيكون وعداً للمؤمنين بالنصر ووعيداً للكافرين بالعقوبة والخسار {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي قال أشراف قومه المستكبرين عن الإِيمان بالله ورسله {لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أقسموا على أحد الأمرين: إما إخراج شعيب وأتباعه وإما العودة إلى ملتهم أي إلى الكفر والمعنى لنخرجنك يا شعيب ومن آمن بك من بين أظهرنا أو لترجعن أنت وهم إلى ديننا قال شعيب مجيباً لهم {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي أتجبروننا على الخروج من الوطن أو العودة في ملتكم ولو كنّا كارهين لذلك؟ والاستفهام للإِنكار {قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} أي إن عدنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه بالإِيمان وبصّرنا بالهدى نكون مختلقين على الله أعظم أنواع الكذب، وهذا تيئيسٌ للكفار من العودة إلى دينهم {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} أي لا ينبغي ولا يصح لنا أن نعود إلى ملتكم ودينكم إلا إذا شاء الله لنا الانتكاس والخذلان فيمضي فينا قضاؤه {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي وسع علمه كل الأشياء {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي اعتمادنا على الله وهو الكافي لمن توكل عليه {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} أي احكم بيننا وبينهم بحكمك الحق الذي لا جور فيه ولا ظلم وأنت خير الحاكمين {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي قال الأشراف من قومه الفجرة الكفرة: إذا اتبعتم شعيباً وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه إنكم إذاً لخاسرون لاستبدالكم الضلالة بالهدى قال تعالى {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي فأخذتهم الزلزلة العظيمة فأصبحوا ميّتين جاثمين على الركب {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} أي أهلك الله المكذبين كأنهم لم يقيموا في ديارهم منعَّمين {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} إخبارٌ عنهم بالخسار بعد الهلاك والدمار {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} قاله تأسفاً لشدة حزنه عليهم لأنهم لم يتبعوا نصحه {فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ} أي كيف أحزن على من لا يستحق أن يُحزن عليه قال الطبري: أي كيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم؟ البَلاَغَة: 1- {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ} الإِضافة للتشريف والتكريم. 2- {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} التنكير للتقليل والتحقير أي لا تمسوها بأدنى سوء. 3- {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والتشنيع. 4- {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} يسمى هذا النوع في علم البديع التعريض بما يوهم الذم ولذلك قال ابن عباس: عابوهم بما يُمدح به. 5- {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} إظهار الاسم الجليل للمبالغة في التضرع وتقديم الجار والمجرور لإِفادة الحصر. 6- بين لفظ {مُؤْمِنُونَ} و {كَافِرُونَ} طباقٌ. فَائِدَة: الذي عقر الناقة هو "قُدار بن سالف" وإنما نسب الفعل إليهم جميعاً في قوله تعالى {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} لأنه كان برضاهم وأمرهم، والراضي بالعمل القبيح شريك في الجريمة.
الأندلسي
تفسير : {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} إسم القبيلة ثمود، سميت باسم أبيهم الأكبر وهو ثمود أخو جديس وهما أبناء جاثر بن أرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام وإلى وادي القرى، وصالح عليه السلام هو صالح بن سالف بن كاشح بن ارم بن ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح. {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي آية ظاهرة جليلة وشاهد على صحة نبوتي. فقوله: قد جاءتكم بينة من ربكم، كأنه جواب لقولهم: أئتنا ببينة تدل على صدقك وأنك مرسل إلينا. ومن ربكم متعلق بجاءتكم أو في موضع الصفة لبينة. {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} لما أبهم في قوله: قد جاءتكم بينة من ربكم بيّن ما الآية فكأنه قيل: ما البينة! قال: هذه ناقة الله. وأضافها إلى الله تشريفاً وتخصيصاً نحو: بيت الله، وروح الله، ولكونه خلقها بلا واسطة ذكر وأنثى، ولأنه لا مالك لها غيره، ولأنها حجة على القوم. ولما أودع فيها من الآيات الآتي ذكرها في قصة قوم صالح ولكم بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإِيمان وهم ثمود لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها كأنه قال لكم خصوصاً. وانتصب آية على الحال والعامل فيها على ما نختاره فعل محذوف تقديره انظروا إليها في حال كونه آية. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} لما أضاف الناقة إلى الله تعالى أضاف محل رعيها إليه تعالى إذ الأرض وما أنبت فيها ملكه تعالى. {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} الآية نهاهم عن مسها بشىء من الأذى وهذا تنبيه بالأدنى على الأعلى، إذ كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكراماً لآية الله تعالى فنهيه عن نحرها وعقرها ومنعها من الماء والكلأ أولى وأحرى، والمس والأخذ هنا استعارة وهذا وعيد شديد لمن يمسها بسوء. والعذاب الأليم هو ما حل بهم إذ عقروها وما أعد لهم في الآخرة. وقوله تعالى: {فَيَأْخُذَكُمْ} جواب للنهي والناصب للفعل انْ مضمرة بعد الفاء. {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} ذكر صالح قومه نعماً خاصة وهي جعلهم خلفاء بعد الأمة التي سبقتهم. {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي أنزلكم بها وأسكنكم إياها. والمباءة: المنزل في الأرض وهو من باء أي رجع. {تَتَّخِذُونَ} جملة حالية العامل فيها بوأكم ومعناه تعملون كقوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً}تفسير : [العنكبوت: 41]. فتعدى اتخذ لمفعول واحد. {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} النحت النجر والنشر في الشىء الصلب كالحجر والخشب وغير ذلك. وقال الشاعر: شعر : أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في بطن منحوت من الساج تفسير : وانتصب بيوتاً على أنه حال مقدرة لأنها وقت النحت لم تكن بيوتاً بل صارت بيوتاً بعد ذلك كقولك: خط لي هذا قباء. قال ابن عباس: القصور لمصائفهم والبيوت في الجبال لمشتاهم. {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} تقدم الكلام على هذه الجملة في البقرة في قصة استسقاء موسى لقومه. {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} قرأ ابن عامر وقال الملأ بواو العطف. والجمهور قال بغير واو. والذين استكبروا وصف للملأ. أما للتخصيص لأن من اشرافهم من آمن وهو جندع بن عمرو. واستكبروا: طلبوا الهيبة لأنفسهم وهو الكبر، فيكون استفعل للطلب وهو بابها أو يكون استفعل بمعنى فعل أي كبروا بكثرة المال والجاه فيكون مثل عجب واستعجب. {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} أي استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم وهم العامة وهم اتباع الرسل. و{لِمَنْ آمَنَ} بدل من الذين استضعفوا. والضمير في: {مِنْهُمْ} إن عاد على المستضعفين كان بدل بعض من كل ويكون الذين استضعفوا قسمين مؤمنين وكافرين، وإن عاد على قومه كان بدل كل من كل أعيد معه حرف الجر وهو اللام، وكان الاستضعاف مقصوراً على المؤمنين، وكان الذين استضعفوا قسماً واحداً. ومن آمن مفسر للمستضعفين من قومه، واللام في للذين للتبليغ، والجملة المقولة استفهام على جهة الاستهزاء والاستخفاف. وفي قولهم: من ربه، اختصاص بصالح. ولم يقولوا من ربنا ولا من ربكم. {قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} وجواب المستضعفين وعدولهم عن قولهم: هو مرسل إلى قولهم: انا بما أرسل به مؤمنون، في غاية الحسن إذ أمْر رسالته معلوم واضح مسلم لا يدخله ريب لما أتى به من هذا المعجز الخارق العظيم فلا يحتاج إلى أن يسأل عن رسالته ولا أن يستفهم عن العلم بإِرساله فأخبروا أنهم مؤمنون بما أرسل به لأنه لا يلزم بعد وضوح رسالته إلا التصديق بما جاء به وتضمن كلامهم العلم بأنه مرسل من الله تعالى. ومؤمنون خبر انا. وبما أرسل متعلق به. وبه متعلق بأرسل. {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} نسب العقر إلى الجميع وإن كان صادراً من واحد لما كان عقرها عن تمالؤ واتفاق وقصة عاد وثمود مشهورة عند العرب. قال الأفوه الأودي: شعر : فينا معاشركم بينوا لقومهم وإن بني قومهم ما أفسدوا عادوا أضحوا كقيل بن عثر في عشيرته إذا أُهلكت بالذي سدى لها عادوا أو بعده كقدار حين بايعه على الغواية أقوام فقد بادوا تفسير : وقيل: ابن عثر هو رئيس عاد وقوم هود. {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} أي استكبروا عن امتثال أمره. يقال: عتا يعتو عتواً. {ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} أي من العذاب لأنه كان سبق منه ولا تمسوها بسوء فيأخذكم فاستعجلوه ما وعدهم به من ذلك إذ كانوا مكذبين له في الاخبار بذلك الوعيد وبغيره، ولذلك علّقوه بما هم به كافرون، وهو كونه من المرسلين. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} روي أن السقب هو ولد الناقة لما عقروها، رغا ثلاثاً فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. فقالوا هازئين به: متى ذلك، وما آية ذلك؟ فقال: تصبحون غداة مؤنس مصفرة وجوهكم وغداة العروبة محمرتها ويوم سيار مسودتها ثم يصبحكم العذاب يوم أول وهو يوم الأحد. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي أخذتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شىء له صوت في الأرض فقطعت قلوبهم وهلكوا. وقد ذكره علقمة السقب في شعره فقال: شعر : رغا فوقهم سَقْبُ السماء فداحض بشكته لم يستلب وسليب تفسير : وإنما نسبه للسماء لأنه آية من آيات الله تعالى. {جَاثِمِينَ} الجثوم اللصوق بالأرض على الصدر مع قبض الساقين كما يرقد الأرنب والطير. {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} الآية ظاهر العطف بالفاء يدل على أن هذا التولي كان بعد هلاكهم ومشاهد ما جرى عليهم، فيكون الخطاب على سبيل التفجع عليهم والتحسر لكونهم لم يؤمنوا فهلكوا والاغتمام لهم وليسمع ذلك من كان معه من المسلمين فيزداد إيماناً وانتفاءً عن معصية الله تعالى واقتفاء لما جاء به نبيه عليه السلام عنه تعالى. وبكون معنى قوله: ولكن لا تحبون الناصحين، ولكن كنتم لا تحبون الناصحين، فيكون حكاية حال ماضية. وقد خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} الآية هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم عليه السلام وناحور وهم بنو تادح بن ناحور. وانتصب لوطاً بإِضمار وأرسلنا عطفاً على الأنبياء قبله. وإذ معمولة لأرسلنا. وجوز الزمخشري وابن عطية نصبه بِوَاذكر مضمرة. زاد الزمخشري أن إذ بدل من لوط أي واذكر وقت إذ قال لقومه وتقدم الكلام على كون إذْ مفعولاً بها صريحاً لأذكر وان ذلك تصرف فيها. {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} الاستفهام هنا على جهة الإِنكار والتوبيخ والتشنيع والتوقيف على هنا الفعل القبيح والفاحشة هنا إتيان ذكر ان الآدميين في الإِدبار، ولما كان هذا الفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه أتى معرّفاً بالألف واللام. أو تكون ألْ فيه للجنس على سبيل المبالغة كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش. ولبعد العرب عن ذلك البعد التام وذلك بخلاف الزنا فإِنه قال فيه: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة، فأتى به منكراً أي فاحشة من الفواحش. وكان كثير من العرب يفعله ولا يستنكرون فعله، ولا ذكره في أشعارهم، والجملة المنفية تدل على أنهم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة وانهم مبتكروها. والمبالغة في من أحد حيث زيدت من لتأكيد نفي الجنس وفي الإِتيان بعموم العالمين جميعاً. قال عمرو بن دينار: ما رُؤيَ ذكر على ذكر قبل قوم لوط. و{مَا سَبَقَكُمْ} جملة حالية من الفاعل أو من الفاحشة لأن في سبقكم بها ضميرهم وضميرها. وقال الزمخشري: هي جملة مستأنفة أنكر عليهم أولاً بقوله: أتأتون الفاحشة، ثم وبخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها، أو على أنه جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: لم لا نأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به. وقال الزمخشري: والباء للتعدية من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : سبقك بها عكاشة تفسير : . "انتهى". ومعنى التعدية هنا قلق جداً لأن الباء المعدية في الفعل المتعدي إلى واحد هي تجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة. وبيان ذلك أنك إذا قلت: صككت الحجر بالحجر، فمعناه أصككت الحجر الحجر، أي جعلت الحجر يصك الحجر. وكذلك: دفعت زيداً بعمرو وعن خالد، معناه أدفعت زيداً عمراً عن خالد، أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد. فللمفعول الأول تأثير في الثاني ولا يتأتى هذا المعنى هنا إذ لا يصح أن تقدر أسبقت زيداً الكرة، أي جعلت زيداً يسبق الكرة إلا بمجاز متكلف، وهو أن تجعل ضربك الكرة أول جعل ضربه وقد سبقها أي تقدمها في الزمان فلم يجتمعا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} أرسلنا أيضاً {إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} معجزة ظاهرة الدلالة على صدقي في دعواي نازلة {مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ} أظهرها {لَكُمْ آيَةً} دالة على صدقي في قولي {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} حيث شاءت {وَ} عليكم أن {لاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} وإن آذيتموها بسوء {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] مؤلم مفظع مستأصل، فعليكم أن تحفظوها حتى لا ينزل عليكم العذاب. {وَٱذْكُرُوۤاْ} أيها المتنعمون نعم الله عليكم، سيما {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} مكنكم ووطنكم وكثركم في الأرض التي هم فيها حال {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا} لبناً وآجراً، وتبنون {قُصُوراً} عاليات تسكنون فيها مترفهين {وَتَنْحِتُونَ} تشقون بالمعاول {ٱلْجِبَالَ} المتحجرة {بُيُوتاً} لحفظ أمتعتكم {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} المترادفة المتوالية عليكم، وقوموا بشكرها؛ ليزيد عليكم سبحانه ويديم لكم {وَلاَ تَعْثَوْا} أي: لا تظهروا {فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] بغرور الأموال والأولاد والأمتعة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ثمود أنهم كانوا مثل قوم هود بقوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} [الأعراف: 73]، الإشارة فيها: أن الله تعالى غاير بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم في التوحيد، فقال: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}، {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73] أمرهم بالعبودية، وأخبرهم عن الوحدانية في الألوهية والشرائع التي هي عبادات مختلفة، والكل مأمورون بالتوحيد على نسق واحد من أجزاء سنة الله تعالى إرسال الرسل وإنزال الكتب وإظهار المعجزات كما قال: {قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: 73] على نسق، فالمعجزة للعوام: أن يخرج لهم من حجارة الصخرة ناقة عثراء، والمعجزة للخواص: أن يخرج من حجارة القلب ناقة السر عثراء بشعب سر السر وهي الخفي، وناقة الله تعالى التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ساكني بلد القلب من القوى الحواس لبن الواردات الإلهية. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} [الأعراف: 73]؛ أي: ترتع في رياض القدس، وتشرب من حياض الأنس، {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ} [الأعراف: 73] مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة، {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] بالانقطاع من مواصلات الحقيقة، {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف: 74]؛ يعني: من بعد هلاك عاد جعلكم خلفاء؛ لتستعيدوا حقيقة الخلافة ما لم يستعد به عاد وقوم نوح، {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 74] أرض القلوب، {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً} [الأعراف: 74] سهولها الصدور والقصور هي المعاملات بالصدق والإخلاص وهي تبني القصور في الجنان، {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} [الأعراف: 74]؛ هي جبال اطوار القلب، والبيوت مقام السائرين إلى الله فيها. {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} [الأعراف: 74] النعماء عامها وخاصها، فهذا يتضمن ترويح الظاهر، والثاني يتضمن التلويح في السرائر، والترويح بوجود المسار، والتلويح بشهود الأسرار، {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] بإفساد الاستعداد الفطري، {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ} [الأعراف: 75] وهو الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة، {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 75] من أوصاف القلب والروح، {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} [الأعراف: 75] أي: صالح الروح مرسل بنفخة الحق تعالى إلى بلد القلب وساكنيه؛ ليدعوهم من الأوصاف الرذية السفلية الظلمانية الحيوانية إلى الأخلاق الحميدة فالعلوية النورانية الروحانية، {قَالُوۤاْ} [الأعراف: 75]؛ يعني: الأوصاف القلبية. {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75]؛ أي: متبعون مشفقون، {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} [الأعراف: 76] من النفس وأوصافها، {إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ} [الأعراف: 76] أيتها الأوصاف القلبية، {كَافِرُونَ} [الأعراف: 76] جاحدون منكرون، {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} [الأعراف: 77]؛ يعني: النفس وصفاتها، عقروا سر القلب بسكاكين مخالفات الحق والاستكبار، {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} [الأعراف: 77] من التوحيد والمعرفة، {وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 77] وهذا من صفات النفس الأمارة بالسوء وهواها إن لم تؤثر فيها النصح، وتجترئ على الله؛ لا الدليل تأملته، ولا السبيل لازمته، ولا النعمة عرفت قدرها، ولا المنة قدَّمت بشكرها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } .إلى آخر قصتهم. أي { و } أرسلنا { إِلَى ثَمُودَ } القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله، من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل اللّه إليهم { أَخَاهُمْ صَالِحًا } نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، فـ { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة اللّه، وبيان أنه ليس للعباد إله غير اللّه، { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله: { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } أي: هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها إلى اللّه تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ذكر وجه الآية في قوله: { لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } . وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم. وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ } فلا عليكم من مئونتها شيء، { وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } أي: بعقر أو غيره، { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } . { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ } في الأرض تتمتعون بها وتدركون مطالبكم { مِنْ بَعْدِ عَادٍ } الذين أهلكهم اللّه، وجعلكم خلفاء من بعدهم، { وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ } أي: مكن لكم فيها، وسهل لكم الأسباب الموصلة إلى ما تريدون وتبتغون { تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا } أي: من الأراضي السهلة التي ليست بجبال، تتخذون فيها القصور العالية والأبنية الحصينة، { وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا } كما هو مشاهد إلى الآن من أعمالهم التي في الجبال، من المساكن والحجر ونحوها، وهي باقية ما بقيت الجبال، { فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ } أي: نعمه، وما خولكم من الفضل والرزق والقوة، { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ } أي: لا تخربوا الأرض بالفساد والمعاصي، فإن المعاصي تدع الديار العامرة بلاقع، وقد أخلت ديارهم منهم، وأبقت مساكنهم موحشة بعدهم. { قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } أي: الرؤساء والأشراف الذين تكبروا عن الحق، { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } ولما كان المستضعفون ليسوا كلهم مؤمنين، قالوا { لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ } أي: أهو صادق أم كاذب؟. فقال المستضعفون: { إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } من توحيد اللّه والخبر عنه وأمره ونهيه. { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } حملهم الكبر أن لا ينقادوا للحق الذي انقاد له الضعفاء. { فَعَقَرُوا النَّاقَةَ } التي توعدهم إن مسوها بسوء أن يصيبهم عذاب أليم، { وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } أي: قسوا عنه، واستكبروا عن أمره الذي من عتا عنه أذاقه العذاب الشديد. لا جرم أحل اللّه بهم من النكال ما لم يحل بغيرهم { وَقَالُوا } مع هذه الأفعال متجرئين على اللّه، معجزين له، غير مبالين بما فعلوا، بل مفتخرين بها: { يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } إن كنت من الصادقين من العذاب فقال: { تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } . { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } على ركبهم، قد أبادهم اللّه، وقطع دابرهم. { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ } صالح عليه السلام حين أحل اللّه بهم العذاب، { وَقَالَ } مخاطبا لهم توبيخا وعتابا بعدما أهلكهم اللّه: { يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ } أي: جميع ما أرسلني اللّه به إليكم، قد أبلغتكم به وحرصت على هدايتكم، واجتهدت في سلوككم الصراط المستقيم والدين القويم. { وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } بل رددتم قول النصحاء، وأطعتم كل شيطان رجيم. واعلم أن كثيرا من المفسرين يذكرون في هذه القصة أن الناقة قد خرجت من صخرة صماء ملساء اقترحوها على صالح وأنها تمخضت تمخض الحامل فخرجت الناقة وهم ينظرون وأن لها فصيلا حين عقروها رغى ثلاث رغيات وانفلق له الجبل ودخل فيه وأن صالحا عليه السلام قال لهم: آية نزول العذاب بكم، أن تصبحوا في اليوم الأول من الأيام الثلاثة ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني: محمرة، والثالث: مسودة، فكان كما قال. وكل هذا من الإسرائيليات التي لا ينبغي نقلها في تفسير كتاب اللّه، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها بوجه من الوجوه، بل لو كانت صحيحة لذكرها اللّه تعالى، لأن فيها من العجائب والعبر والآيات ما لا يهمله تعالى ويدع ذكره، حتى يأتي من طريق من لا يوثق بنقله، بل القرآن يكذب بعض هذه المذكورات، فإن صالحا قال لهم: { تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ } أي: تنعموا وتلذذوا بهذا الوقت القصير جدا، فإنه ليس لكم من المتاع واللذة سوى هذا، وأي لذة وتمتع لمن وعدهم نبيهم وقوع العذاب، وذكر لهم وقوع مقدماته، فوقعت يوما فيوما، على وجه يعمهم ويشملهم [احمرار وجوههم، واصفرارها واسودادها من العذاب]. هل هذا إلا مناقض للقرآن، ومضاد له؟". فالقرآن فيه الكفاية والهداية عن ما سواه. نعم لو صح شيء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما لا يناقض كتاب اللّه، فعلى الرأس والعين، وهو مما أمر القرآن باتباعه { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وقد تقدم أنه لا يجوز تفسير كتاب اللّه بالأخبار الإسرائيلية، ولو على تجويز الرواية عنهم بالأمور التي لا يجزم بكذبها، فإن معاني كتاب اللّه يقينية، وتلك أمور لا تصدق ولا تكذب، فلا يمكن اتفاقهما.
همام الصنعاني
تفسير : 911- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عبْد العَزِيزِ بنِ رَفيعٍ، عن أبي الطفيل قال قالت ثمودُ: يا صَالِحُ، ائْتِنَا بآيةٍ إن كنت من الصادقين، فقال لهم صَالحٌ: أخرجوا إلى هَضْبَةٍ من الأرضِ، فخرجوا، فإذا هي تَمَخَّضُ كما تَمَخَّضُ الحاملُ، ثم إنَّها انْفَرَجَتْ، فخرج من وسطها الناقةُ. فقال لهم صالِحٌ: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الآية: 73]، {أية : لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : : [الشعراء: 155]، فلمَّا ملُّوها عَقَرُوهَا. فقال لَهُمْ {أية : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}تفسير : [هود: 65]. قال عبد العزيز: وحدَّثني رجلٌ آخر أنَّ صالحاً قال لهم: إنَّ آية [أن يأتيكم] العذاب: أن تصبحوا غداً حمراً، واليوم الثاني صفراً، واليوم الثالث سُوداً. قال: فَصَبَّحهُم العذابُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ تَحَنَّطُوا واسْتَعَدُّوا. 912- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، قال: أخبرني مَنْ سَمِعَ الحسنَ يقول: لمَّا عَقَرَتْ ثَمُودُ الناقةَ، ذَهَبَ فَصِيلُهَا حَتَّى صَعِدَ تَلاً، فقال: يا رب: أين أمِّي؟ ثم رَغَا رَغْوةً، فَنَزَلَتِ الصَّيْحَةُ فَأهْمَدَتْهُمْ. 913- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أنَّ صَالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام بقية آجالكم، ثُمَّ قال لهم: إنَّ آية هلاككم أنت صبح وجوهكم غداً مصفرة، ثم تصبح اليوم الثاني محمرة ثم تصبح اليوم الثالث مسودة. فأصبحت كذلك فلمَّا كان اليوم الثالث، أيقنوا بالهلاك. فتكفنوا وتحنطوا ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم. 914- حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، وقال قتادة: قال عاقر النّاقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعون، فجعلوا يدخُلُون عَلَى المرأةِ في خدرها. فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم. والصبي: حتى رضوا أجمعون فعقروها. 915- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الله بن عثمان بن خَيْثَم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: حديث : لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صَالِح، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر مِنْ هذا الفج، فَعَتَوْا عن أمر ربِّهِم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً فعقروها فأخذتهم صيحة، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رَجُلاً واحداً كَانَ في حرم الله، قيل يا رسول الله، من هو؟ قال: أبو رغال: فلما خرج من الحرم، أصابه ما أصَابَ قومه . تفسير : 916- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، قال: وأخبرني إسماعيل بن أمية: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبر أبي رُغَال، فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا قبر أبي رغال، قالوا: ومن هو أبو رغال؟ قال: رجل من ثمود كان فيحرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه من الهلكة فدفن هَا هُنَا، ودفن معه غصن من ذهب، قال: فنزل القوم فَابتدروه بأسيافهم فحثوا عنه فاستخرجوا الغصْن . تفسير : 917- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الزهري: أبو رغال: أبو ثقيف. 918- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: حديث : لمَّا مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أَنْ يُصِيبَكُمْ مثل ما أصَابَهُم ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى جاز الوادي . تفسير : 919- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ}تفسير : [الشعراء: 171]، قال: في الباقين في عذاب الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):