Verse. 1028 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاذْكُرُوْۗا اِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاۗءَ مِنْۢ بَعْدِ عَادٍ وَّبَوَّاَكُمْ فِي الْاَرْضِ تَتَّخِذُوْنَ مِنْ سُہُوْلِہَا قُصُوْرًا وَّتَنْحِتُوْنَ الْجِبَالَ بُيُوْتًا۝۰ۚ فَاذْكُرُوْۗا اٰلَاۗءَ اللہِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْاَرْضِ مُفْسِدِيْنَ۝۷۴
Waothkuroo ith jaAAalakum khulafaa min baAAdi AAadin wabawwaakum fee alardi tattakhithoona min suhooliha qusooran watanhitoona aljibala buyootan faothkuroo alaa Allahi wala taAAthaw fee alardi mufsideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واذكروا إذ جعلكم خلفاء» في الأرض «من بعد عاد وبوَّأكم» أسكنكم «في الأرض تتَّخذون من سهولها قصورا» تسكنونها في الصيف «وتنحتون الجبال بيوتا» تسكنونها في الشتاء ونصبه على الحال المقدرة «فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين».

74

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} فيه محذوف، أي وبوأكم في الأرض منازل. {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً} أي تبنون القصور بكل موضع. {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} ٱتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم؛ فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وقرأ الحسن بفتح الحاء، وهي لغة. وفيه حرف من حروف الحلق؛ فلذلك جاء على فعل يفعل. الثانية: استدل بهذه الآية من أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} تفسير : [الأعراف: 32]. ذُكر أن ٱبناً لمحمد بن سِيرين بَنَى داراً وأنفق فيها مالاً كثيراً؛ فذُكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأساً أن يبني الرجل بناء ينفعه. وروي أنه عليه السلام قال: «حديث : إذا أنعم الله على عبد أحبّ أن يُرى أثر النعمة عليه»تفسير : . ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى أنه لو اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك؛ فكذلك البناء. وكره ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله عليه السلام: «حديث : إذا أراد الله بعبد شراً أهلك ماله في الطين واللَّبِن»تفسير : . وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال: «حديث : من بَنَى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه».تفسير : قلت: بهذا أقول؛ لقوله عليه السلام: «حديث : وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية»تفسير : . رواه جابر بن عبد الله وخرّجه الدَّارَقُطْنِيّ. وقوله عليه السلام: «حديث : ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارِي عورته وجِلْف الخبز والماء» تفسير : أخرجه الترمِذيّ. الثالثة: قوله تعالى: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} أي نِعمه. وهذا يدلّ على أن الكفار منعم عليهم. وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} تقدّم في «البقرة». والعِثيّ والعُثَوُّ لغتان. وقرأ الأعمش «تعثوا» بكسر التاء أخذه من عَثِي يَعْثَى لا من عثا يعثو.

البيضاوي

تفسير : {وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ في الأَرْضِ} أرض الحجر. {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصوراً} أي تبنون في سهولها، أو من سهولة الأرض بما تعملون منها كاللبن والآجر. {وَتَنْحِتْونَ الجِبَالَ بُيُوتاً} وقرىء {تنحتون} بالفتح وتنحاتون بالإِشباع، وانتصاب {بيوتاً} على الحال المقدرة أو المفعول على أن التقدير بيوتاً من الجبال، أو تنحتون بمعنى تتخذون {فَاذْكُرُوا آلاءَ الله وَلاَ تَعثَوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفآءَ } في الأرض {مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ } أسكنكم {فِى ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } تسكنونها في الصيف {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا } تسكنونها في الشتاء، ونصبه على الحال المقدّرة {فَٱذْكُرُواْ ءَالآءَ * ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ }.

ابن عطية

تفسير : {بوأكم} معناه مكنكم، وهي مستعملة في المكان وظروفه، تقول تبوأ فلان منزلاً حسناً، ومنه قوله تعالى {أية : تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال} تفسير : [آل عمران:121] وقال الأعشى: [الطويل] شعر : فما بَّوأ الرحمان بيتك منزلاً بشرقيّ أجيادِ الصَّفا والمحرمِ تفسير : و "القصور": جمع قصر وهي الدور التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصة بخلاف بيوت العمود وقصرت عن الناس قصراً تاماً، و "النحت" النجر والقشر في الشيء الصلب كالحجر والعود ونحوه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "تنحَتون" بفتح الحاء، وقرأ جمهور الناس: بكسرها وبالتاء من فوق، وقرأ ابن مصرف: بالياء من أسفل وكسر الحاء، وقرأ أبو مالك بالياء من أسفل وفتح الحاء، وكانوا "ينحِتون" الجبال لطول أعمارهم، و {تعثوا} معناه تفسدوا يقال: عثا يعثي وعثا يعثو وعثى يعثى كنسى ينسى وعليها لفظ الآية، وقرأ الأعمش "تِعثوا" بكسر التاء و {مفسدين} : حال. وتقدم القول في {الملأ} ، وقرأ ابن عامر وحده في هذا الموضع "وقال الملأ" بواو عطف وهي محذوفة عند الجميع، و {الذين استكبروا} هم الأشراف والعظماء الكفرة، و {استكبروا} يحتمل أن يكون معناه طلبوا هيئة لنفوسهم من الكبر، أو يكون بمعنى كبروا كبرهم المال والجاه وأعظمهم فيكون على هذا كبر و "استكبر" بمعنى كعجب واستعجب، والأول هو باب استفعل كاستوقد واسترفد، والذين استضعفوا هم العامة والأغفال في الدنيا وهم أتباع الرسل، وقولهم {أتعلمون} استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصرامة في دين الله فحملت الأنفة الإشراف على مناقضة المؤمنين في مقالتهم واستمروا على كفرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَبَوَّأَكُمْ} أنزلكم، أو مكَّنكم فيها من منازل تأوون إليها. {الأَرْضِ} أرض الحجر بين الشام والمدينة. {قُصُورًا} تصيِّفون فيه، وتشتُّون في بيوت الجبال لأنها أحصن وأبقى وأدفأ، وكانوا طوال الأعمار والآمال، والقصر: ما شُيِّد وعلا من المنازل. {ءَالآءَ اللَّهِ} تعالى نعمه، أو عهوده. {تَعْثُوْاْ} العيث: السعي في الباطل، أو الفعل المؤذي لغير فاعله. {مُفْسِدِينَ} بالمعاصي، أو بالدعاء أو عبادة غير الله ـ تعالى ـ.

الخازن

تفسير : {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} يعني أن الله أهلك عاداً وجعلكم تخلفونهم في الأرض وتعمرونها {وبوأكم} يعني وأسكنكم وأنزلكم {في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً} يعني تبنون القصور من سهولة الأرض لأن القصور إنما تبنى من اللِّبن والآجر المتخذ من الطين السهل اللين {وتنحتون الجبال بيوتاً} يعني وتشقون بيوتاً من الجبال وقيل كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء وهذا يدل على أنهم كانوا متمتعين مترهفين {فاذكروا آلاء الله} أي فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} قال قتادة: معناه ولا تسيروا في الأرض مفسدين فيها والعثو أشد الفساد وقيل أراد به عقر الناقة وقيل هو على ظاهره فيدخل فيه النهي عن جميع أنواع الفساد {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} يعني قال الأشراف الذين تعظموا عن الإيمان بصالح {للذين استضعفوا} يعني المساكين {لمن آمن منهم} يعني قال الأشراف المتعظمون في أنفسهم لأتباعهم الذين آمنوا بصالح وهم الضعفاء من قومه {أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه} يعني أن الله أرسله إلينا وإليكم {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} يعني قال الضعفاء إنا بما أرسل الله به صالحاً من الدين والهدى مصدقون {قال الذين استكبروا} يعني عن أمر الله والإيمان به وبرسوله صالح {إنا بالذي آمنتم به كافرون} أي جاحدون منكرون {فعقروا الناقة} يعني فعقرت ثمود الناقة والعقر قطع عرقوب البعير ثم جعل النحر عقراً لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره {وعتوا عن أمر ربهم} أي تكبروا عن أمر ربهم وعصوه والعتو والغلوّ في الباطل والتكبر عن الحق والمعنى أنهم عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذبوا نبيهم صالحاً عليه الصلاة والسلام {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} يعني من العذاب {إن كنت من المرسلين} يعني: إن كنت كما تزعم أنك رسول الله فإن الله تعالى ينصر رسله على أعدائه وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب فعجل الله لهم ذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ...} {بَوَّأَكُمْ}: معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و«القُصُور»: جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت علَىٰ بقاع من الأرض مخصوصةٍ؛ بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصراً تامًّا، و«النحْتُ»: النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب؛ كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، وَ(تَعْثَوْا) معناه تُفْسِدُوا. قال أبو حيان: و{مُفْسِدِينَ}: حالٌ موكِّدة. انتهى. و{الَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و{الَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ}: هم العامة والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم: {أَتَعْلَمُونَ}: ٱستفهامٌ؛ علىٰ معنى ٱلاستهزاءِ وٱلاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، وٱستمرُّوا على كُفْرِهم. وقوله سبحانه: {فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ} يقتضي بتَشْريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَاراً لم يعقْرها حتَّىٰ كان يستشيرُ، و{عَتَوْاْ}: معناه: خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، وٱستعجلوا النِّقْمة بقولهم: {ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}، فحلَّ بهم العذابُ، و{الرَّجْفَةُ}: ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب، ويرتَعِدَ؛ ومنه: « فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ» وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقَّتْ قلوبَهُمْ، فجثموا علىٰ صدورهم، والجِاثم اللاَّطىء بالأرض على صَدْره، فـــ{جَاثِمِينَ}: معناه: باركين قَدْ صُعِقَ بهم، وهو تشبيه بجُثُوم الطير، وجُثُوم الرماد، وقال بعض المفسرين: معناه: حميماً محترقين؛ كالرماد الجاثم، وذهب صاحبُ هذا القول إلى أن الصيحة ٱقترَنَ بها صواعقُ مُحْرِقَةٌ، وروي أن الصيحةَ أصابَتْ كلَّ مَنْ كان منهم في شَرْق الأرض وغَرْبِهَا إِلاَّ رَجُلاً كان في الحَرَم، فمنعه الحرمُ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ خروجه من الحَرَم؛ ففي «مُصَنَّف أبي داود»، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: أبُو رُغَالٍ، وذكر الطبريُّ أيضاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يردُّ ما في السير من أَنَّ أَبا رُغَالٍ هو دليلُ الفِيل، وقوله: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ}، أي: تولَّى عنهم وقت عَقْر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب؛ وكذلك رُوِيَ أنه عليه السلام خَرَجَ مِنْ بين أظهرهم قبل نزول العذاب، وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابُهُ لهم وهُمْ موتَىٰ؛ علىٰ جهة التفجُّع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك؛ كما خاطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهْل قليب بَدْر. قال الطبريُّ؛ وقيل: إنه لم تَهْلِكْ أُمَّة، ونبيُّها معها، ورُوِيَ أنه ارتحلَ بمَنْ معه حتَّى جاء مكَّة، فأقام بها حتى مات، ولفظ التولِّي يقتضي اليأْس مِنْ خَيْرهم، واليقينَ في إِهلاكهم، وقوله: {وَلَٰكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ}: عبارةٌ عن تغليبهم الشهوات عَلَى الرأْي السديد؛ إذ كلامُ الناصح صَعْبٌ مُضادٌّ لشهوة الذي يُنصحُ، ولذلك تقول العرب: أمْرُ مُبْكِيَاتِكَ لاَ أَمْرُ مُضْحِكَاتِكَ.

ابن عادل

تفسير : قيل: لمَّا أهلك الله - تعالى - عاد عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض، وعمّروا أعماراً طوالاً. قوله: {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} بوَّأه: أنزله منزلاً، والمباءَةُ المنزل، وتقدَّمت هذه المادة في "آل عمران"، وهو يتعدى لاثنين، فالثَّاني محذوف أي: بوَّأكم منازل. و "فِي الأرْضِ" متعلّق بالفِعْلِ، وذكرت ليبنى عليها ما يأتي بعدها من قوله: "تَتَّخِذُونَ". قوله: "تَتَّخِذُونَ" يجوز أن تكون المُتَعدية لواحد فيكون من سهولها متعلقاً بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من قصوراً إذ هو في الأصل صِفَةٌ لها لو تَأخَّر، بمعنى أنَّ مادة القُصُور من سهل الأرض كالطّين واللّبن والآجر كقوله: {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ}تفسير : [الأعراف: 148] [أي مادته من الحلي]. وقيل: "مِنْ" بمعنى "في". وفي التَّفسير أنَّهُم كانوا يسكنون في القُصُورِ صَيْفاً، وفي الجبال شِتَاء، وأن تكون المتعدية لاثنين ثانيهما "مِنْ سُهُولِهَا" والسهلُ من الأرض ما لان وسهل الانتفاع به ضد الحزن، والسهولة: التّيسير. قوله: "قُصُوراً" [والقصور هو جمع قصر] وهو البيت المُنِيفُ، سُمِّي بذلك لقصور النَّاس عن الارتقاء إليه، أو لأن عامة النَّاس يقصرون عن بناء مثله بخلاف خواصهم، أو لأنَّهُ يقتصر به على بقعة من الأرض، بخلاف بيوت الشّعر والعُمُد، فإنَّهَا لا يقتصر بها على بقعة مخصوصة لارتحال أهلها؛ أو لأنَّه يقصر من فيه أي: يحبسه، ومنه: {أية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ}تفسير : [الرحمن: 72]. قوله: {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} يجُوزُ أن يكون نصب "الجِبَالَ" على إسْقَاطِ الخافض أي: من الجبال، كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ}تفسير : [الأعراف: 155]، فتكون "بُيُوتاً" مفعوله. ويجوز أن يُضَمَّن "تَنْحِتُونَ" معنى ما يتعدَّى لاثنين أي وتتخذون الجبال بُيُوتاً بالنحت أو تصيرونَها. [بيوتاً بالنَّحت. ويجوز أن تكون "الجبَالَ" هو المفعول به و"بُيُوتاً" حال مقدرة كقولك: خِطْ هذا الثَّوب جبة [وابْرِ هذه القصبة قلماً؛ وذلك لأن الجبال لا تكون بيتاً في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصاً وقلماً في حالة الخياطة والبري]، أي: مُقَدّراً له كذلك] و "بُيُوتاً" وإن لم تكن مشتقة فإنَّهَا في معناه أي: مسكونة. وقرأ الحسنُ: "تَنْحَتُون" بفتح الحاء. وزاد الزَّمَخْشَرِيُّ أنه قرأ "تنحاتُونَ" بإشباع الفتحة [ألفاً]، وأنشد: [الكامل] شعر : 2503 - يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ............................. تفسير : وقرأ يحيى بن مصرف وأبو مالكٍ بالياء من أسفل على الالتفات إلا أن أبا مالك فتح الحاء كقراءة الحسنِ. والنَّحتُ: النَّجر في شيء صُلب كالحجر والخشبِ. قال: [البسيط] شعر : 2504 - أمَّا النَّهَارُ فَفِي قَيْدٍ وسِلْسلَةٍ واللَّيْلُ فِي بَطْنِ مَنْحُوتٍ مِن السَّاجِ تفسير : فصل في جواز البناء الرفيع قال القُرْطُبِي: استدلَّ بهذه الآية من أجاز جواز البناء الرفيع كالقُصُور ونحوها، وبقوله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}تفسير : [الأعراف: 32]، وبقوله عليه الصَّلاة والسلام: "حديث : إنَّ الله إذَا أنْعَمَ على عَبْدٍ نِعْمَةً يُحِبُّ أنْ يُرَى أثَرُ النِّعْمَةِ عليْهِ ". تفسير : ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة، ألا ترى أنه لو اشترى جارية جميلة بمال عظيم، فإنَّهُ يجوز، وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء، وكرهه الحسن وغيره لقوله عليه الصَّلاة والسلام: "حديث : إذا أرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ سُوءاً أهْلَكَ مَالَهُ فِي الطِّيْنِ واللَّبِنِ ". تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَن بَنَى فوق مَا يَكْفِيْهِ جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ على عُنْقِهِ " تفسير : قوله: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} أي نعم الله عليكم. {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ} قرأ الأعمش بكسر حرف المضارعة وقد تقدم أن ذلك لغة. و "مُفْسِديْنَ" حال مؤكدة إذ معناها مفهوم من عَامِلِهَا. و "فِي الأرْضِ" متعلق بالفعل قبله أو بـ "مفسدين".

ابو السعود

تفسير : {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} أي خلفاءَ في الأرض أو خلَفاً لهم كما مر {وبوأكم في الأرض} أي جعل لكم مَباءةً ومنزلاً في أرض الحِجْر بـين الحجازِ والشام {تتخذون من سهولها قصوراً} استئنافٌ مبـينٌ لكيفية التبوِئةِ أي تبنون في سهولها قصوراً رفيعةً أو تبنون من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرِهْص واللِبن والآجُرّ {وتنحِتون الجبال} أي الصخورَ وقرىء تنحَتون بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة كما في قوله: [الكامل] شعر : ينباعُ من ذِفْرَى أسيلٍ حرّةٍ [مشدودةٍ مثل الفنيق المُقْرمِ] تفسير : والنحتُ نجْرُ الشيءِ الصُّلب، فانتصابُ الجبالِ على المفعولية وانتصابُ قوله تعالى: {بـيوتاً} على أنها حالٌ مقدرةٌ منها كما تقول: خِطْتُ هذا الثوبَ قميصاً، وقيل: انتصابُ الجبالِ على إسقاط الجار أي من الجبال وانتصابُ بـيوتاً على المفعولية، وقد جوّز أن يُضمَّن النحتُ معنى الاتخاذِ فانتصابُهما على المفعولية، وقيل: كانوا يسكُنون السهولَ في الصيف والجبالَ في الشتاء {فاذكروا آلاء الله} التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميعَ آلائِه التي هذه من جملتها {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} فإن حقَّ آلائِه تعالى أن تُشكَرَ ولا تُهملَ ولا يُغْفلَ عنها فكيف بالكفر والعِثيِّ في الأرض بالفساد.

القشيري

تفسير : أزاح علتهم في بسط الدلالة، ووسع عليهم حالتهم بتمكينهم من العطايا على ما دعت إليه حالتُهم.. فلا الدليلَ تأمَّلُوه، والسبيل لازموه، ولا النعمة عرفوا قدرها، ولا المِنَّة قدَّموا شكرها، فصادفهم من البلاء ما أدرك أشكالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} اى اذكروا وقت جعله تعالى اياكم خلفاء فى ارض الحجر او خلفاء لقوم عاد من بعد اهلاكهم فنصب اذا على المفعولية كما سبق فى القصة المتقدمة {وبوأكم فى الارض} اى انزلكم فى ارض الحجر بالفارسى [جاى داد شمارا]. قال ابو السعود اى جعل لكم مباءة ومنزلا فى ارض الحجر بين الحجاز والشام {تتخذون من سهولها قصورا} استئناف مبين لكيفية التبوئة اى تبنون فى سهولها قصورا رفيعة على ان من بمعنى فى كما فى قوله تعالى {أية : اذا نودى للصلاة من يوم الجمعة} تفسير : [الجمعة: 9]. او سهولة الارض بما تعملون منها من اللبن والآجر {وتنحتون الجبال} اى الصخور والنحت نجر الشئ الصلب وانتصاب الجبال على المفعولية {بيوتا} حال مقدرة من الجبال كما تقول خط هذا الثوب قميصا قيل كانوا يسكنون السهول فى الصيف والجبال فى الشتاء وقيل انهم لطول اعمارهم كانوا يحتاجون الى ان ينحتوا من البجال بيوتا لان السقوف والابنية كانت تبلى قبل فناء اعمارهم {فاذكروا آلاء الله} اى احفظوا نعم الله عليكم فان حق آلائه تعالى ان تشكر ولا يغفل عنها {ولا تعثوا فى الارض مفسدين} العثى اشد الفساد فقيل هم لا تتمادوا فى الفساد حال كونكم مفسدين فالمراد بهذه الحال تعريفهم بانهم على الفساد لا تقييد العامل والا لكان مفهومه مفيدا معنى تمادوا فى الفساد حال كونكم مصلحين وهذا غير جائز وقيل انما قيد به لما ان العثى فى الاصل مطلق التعدى وان غلب فى الفساد فقد يكون فى غير الفساد كما فى مقابلة غير الظالم الظالم المتعدى بفعله وقد يكون فيه صلاح راجح كقتل الخضر عليه السلام للغلام وخرقه السفينة فيكون التقييد بالحال تقييدا للعام بالخاص.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية لقول صالح (ع) لقومه بعد أن أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه إِياهم أن يمسوا الناقة بسوء، وحذرهم من المخالفة التي يستحق بها العذاب المؤلم فقال - عاطفاً على ذلك - و {اذكروا إِذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} أي تفكروا فيما أنعم الله عليكم حيث جعلكم بدل قوم عاد بعد أن أهلكهم وأورثكم ديارهم {وبوأكم في الأرض} أي مكنكم من منازل تأوون اليها، يقال بوأته منزلاً اذا مكنته منه ليأوى اليه. وأصله من الرجوع من قوله {أية : فباءوا بغضب على غضب}تفسير : وقوله {أية : وباءوا بغضب من الله}تفسير : أي رجعوا، قال الشاعر: شعر : وبوَّأت في صميم معشرها فتم في قومها مبوَّأها تفسير : أي انزلت ومكنت من الكرم في صميم النسب. وقوله {تتخذون من سهولها} فالسهل ما ليس فيه مشقة على النفس من عمل أو أرض، يقال: السهل والجبل، وأرض سهلة. وقوله {قصوراً} جمع قصر، وهو الدار الكبيرة بسور تكون به مقصورة. وأصله القصر الذي هو الجعل على منزلة دون منزلة، فمنه القصير، لأنه قصر به على مقدار دون ما هو أطول منه، والقصر الغاية، يقال: قصره الموت لأنه قصر عليه، واقصر عن الأمر أي كف عنه. والقصر العشي، ومنه القصَّار لأنه يقصر الثوب على النقاء دون ما هو عليه. والقصرة أصل العنق. وقوله {وتنحتون الجبال بيوتا} فالجبل جسم عظيم بعيد الاقطار عال في السماء، ويقال: جبل الانسان على كذا أي طبع عليه، لأنه يثبت عليه لصوق الجبل، والمعنى انهم كانوا ينحتون في الجبال سقوفاً كالأبنية، فلا ينهدم، ولا يخرب، {فاذكروا آلاء الله} معناه تفكروا في نعمه المختلفة كيف مكنكم من الانتفاع بالسهل والجبل {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} معناه لا تضطربوا في الارض مفسدين يقال: عاث يعيث عيثاً، وعثى يعثي بمعنى واحد. ومفسدين نصب على الحال. ومعنى الآية التذكير بنعم الله من التمكين في الأرض والتسخير حتى تبوأوا القصور وشيدوا المنازل والدور مع طول الآمال وتبليغ الآجال.

اطفيش

تفسير : {واذْكُروا إذْ جَعَلكم خُلفاءَ مِن بَعْد عَادٍ} فيه ما مرّ والخلفاء فيهما جمع أو خليف {وبَوَّأكم} أسكنكم ومكنكم {فى الأرْض} أرض الحجر بين الشام والحجاز {تتَّخذونَ مِنْ سُهولها} جمع سهل {قُصوراً} أى تبنون قصورا من المواضع السهلة بعمل اللبن والآجر منها، أو من بمعنى فى، أى تتخذون فى سهولها قصورا، والقصور الدور، سميت قصورا لأنها مقصورة فى مواضعها لا كبيوت العمود تنتقل، ولأنها قصرت عن الناس قصرا تاما. {وتنْحِتونَ} وقرأ الحسن بفتح الحاء، وقرأ ابن مصرف بالمثناة التحتية وكسر الحاء، وقرأ أبو مالك بالتحتية وفتح الحاء، وعن الحسن أيضا تنحاتون بالفوقية والفتح وألف الإشباع، والنحت النجر والقشر فى الشىء الصلب كالحجر والعود {الجِبالَ} مفعول به {بيُوتاً} حال قدرة، أى تقشرون الجبال منوية أن تكون بيوتا، أو مفعول ثان على أن تنحتون مضمن معنى تتخذون، أو الجبال على تقدير من، أى تنحتون بيوتا من الجبال أى تكسرها من الجبال بعملها فى الجبال أو بقلع الحجر وإصلاحه والبناء به فى السهل، لما رأوا الأجر واللبن تتفتت وتنهدم لطول أعمارهم، وقيل: يسكنون السهل فى الصيف والجبال فى الشتاء، فهم متنعمون مترفهون. {فاذْكُروا آلاءَ الله} نعمة بالشكر عليها {ولا تعْثَوا} مضارع عثى بكسر الثاء كرضى، وقرأ الأعمش بكسر الثاء الأولى، ومعنى عثى من باب رضى وعلم، وعثى باب رضى وضرب، وعثا من باب دعا ونصر أفسد، وقيل: أفسد أشد الفساد، والمراد النهى عن كل إفساد فى الناقة أو غيرها وهو الصحيح، وقيل: المراد قتلها {فى الأرْض مُفْسدينَ} حال مؤكدة لعاملها، وقول الحسن: لا تكونوا فى الأرض مفسدين، وقول قتادة: لا تسيروا فى الأرض مفسدين غير منظور فيهما إلى لفظ لا تعثوا، بل تفسير بما تقبله الشريعة من غير نظر إلى اللغة، فإن عثى بلغاته لا يكون بمعنى صار ولا بمعنى كان.

اطفيش

تفسير : {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمُ خُلَفَاءَ} فى الأَرض {مِنْ بَعْدِ عَادٍ} أَهلكهم الله وأَسكنهم فيها كما قال {وَبَوَّأَكُمُ فِى الأَرضِ} أَرض الحجر بين الحجاز والشام، "أية : ولقد كذب أَصحاب الحجر المرسلين" تفسير : [الحجر: 80] ويجوز جعل الخلافة بمعنى جعلهم سلاطين ولم يعرف أَن أَحدا من ثمود ملك الأَرض كلها كشداد بن عاد {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورا} والسهول جمع سهل، وهى الأَرضون، والقصور الأَبنية العظام التى تقصر الفقراء عن تحصيلها وتحبس عنها، والسهل اللين ومقابلة الجبل كما قال {وَتَنْحِتُونَ} تنجرون وتبرون {الْجِبَالَ بُيُوتًا} يسكنون فى القصر صيفاً وفى بيوت الجبال شتاءً، ضمن تنحت معنى تجعل أَو تتخذ بالنحت بعض الجبل بيتاً وهكذا فى جبل وجبال، أَو تصيرون أَبعاض الجبال بيوتاً أَو تنحتون من الجبال كقوله تعالى "أية : واختار موسى قومه"تفسير : [الأعراف: 155] أَى من قومه، أَو تبرون أَبعاض الجبال مقدرة أَن تكون بيوتاً أَى مسكونة فبيوتاً حال مقدرة فى هذا الوجه مؤولة بالمشتق، تطول أَعمار ثمود ثلاثمائة سنة وخمسمائة وغير ذلك، فكانت الأَبنية لا تقوم بهم لطول أَعمارهم فكانوا يتخذونها أَيضاً فى الجبال، ولكثرتهم أَيضاً نحتوا الجبال وكانوا فى سعة من الرزق {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ} كقوة أَجسادكم وكثرة أَموالكم، وعسل الناقة ولبنها، وكانت تكفيهم ويدخرون أَيضاً {وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} بضر الناقة وغيره، والإِفساد أَعم من العتى.

الالوسي

تفسير : {وَٱذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ } أي خلفاء في الأرض أو خلفاء لهم قيل: ولم يقل: خلفاء عاد مع أنه أخصر إشارة إلى أن بينهما زماناً طويلاً {وَبَوَّأَكُمْ } أي أنزلكم وجعل لكم مباءة {فِى ٱلاْرْضِ } أي أرض الحجر بين الحجاز والشام {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } أي تبنون في سُهُولِها مساكن رفيعة. فمن بمعنى في كما في قوله تعالى: { أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } تفسير : [الجمعة: 9] ويجوز أن تكون ابتدائية أو تبعيضية أي تعملون القصور من مادة مأخوذة من السهل كاللبن والآجر المتخذين من الطين. والجار والمجرور ـ على ما قال أبو البقاء ـ يجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعده. وأن يكون مفعولاً ثانياً لتتخذون. وأن يكون متعلقاً به وهو متعد لواحد. والسهل خلاف الحزن وهو موضع الحجارة والجبال. والجملة استئناف مبين لكيفية التبوئة فإن هذا / الاتخاذ باقداره سبحانه. {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ } أي تنجرونها، والنحت معروف في كل صلب ومضارعه مكسور الحاء. وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق، وفي «القاموس» عنه أنه «قرأ {تنحاتون}» بالإشباع كينباع، وانتصاب {ٱلْجِبَالَ} على المفعولية، وقوله سبحانه: {بُيُوتًا} نصب على أنه حال مقدرة منها لأنها لم تكن حال النحت بيوتاً كخطت الثوب جبة، والحالية ـ كما قال الشهاب ـ باعتبار أنها بمعنى مسكونة إن قيل بالاشتقاق فيها، وقيل: انتصاب {ٱلْجِبَالُ } بنزع الخافض أي من الجبال، ويرجحه أنه وقع في آية أخرى كذلك، ونصب {بُيُوتًا } على المفعولية، وجوز أن يضمن النحت معنى الاتخاذ فانتصابهما على المفعولية. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم اتخذوا القصور في السهول ليصيفوا فيها ونحتوا من الجبال بيوتاً ليشتوا فيها، وقيل: إنهم نحتوا الجبال بيوتاً لطول أعمارهم وكانت الأبنية تبلى قبل أن تبلى أعمارهم. {فَٱذْكُرُواْ ءالآء ٱللَّهِ } أي نعمه التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميع نعمه ويدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً، وليس المراد مجرد الذكر باللسان كما علمت. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ } فإن حق آلائه تعالى أن تشكر ولا يغفل عنها فكيف بالكفر، والعثي الإفساد فمفسدين حال مؤكدة كما في { أية : وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } تفسير : [الروم: 25].

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على قوله: {أية : اعبدوا الله}تفسير : [الأعراف: 73] وأن يكون عطفاً على قوله: {أية : فذروها تأكل في أرض الله}تفسير : [الأعراف: 73] إلخ. والقول فيه كالقول في قوله: {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69]. {وبوأكم} معناه أنزلكم، مشتق من البَوْء وهو الرّجوع، لأنّ المرء يرجع إلى منزله ومسكنه، وتقدّم في سورة آل عمران (121)، {أية : تُبَوّىءُ المؤمنين مَقاعد للقتال}.تفسير : وقوله: {في الأرض} يجوز أن يكون تعريفُ الأرض للعهد، أي في أرضكم هذه، وهي أرض الحِجر، ويجوز أن يكون للجنس لأنّه لما بوأهم في أرض معيّنة فقد بَوّأهم في جانب من جوانب الأرض. و«السّهول» جمع سهل، وهو المستوي من الأرض، وضدّه الجبل. والقصور: جمع قصر وهو المسكن، وهذا يدلّ على أنّهم كانوا يشيّدون القصور، وآثارُهم تنطق بذلك. و(مِنْ) في قوله: {من سهولها} للظرفيّة، أي: تتّخذون في سهولها قصوراً. والنّحت: بَرْي الحَجَر والخَشَب بآلة على تقدير مخصوص. والجبال: جمع جبل وهو الأرض النّاتئة على غيرها مرتفعة، والجبال: ضدّ السّهول. والبيوت: جمع بيت وهو المكان المحدّد المتّخذ للسكنى، سواء كان مبنياً من حجر أم كان من أثواب شعرٍ أو صوفٍ. وفعل النّحت يتعلّق بالجبال لأنّ النّحت يتعلّق بحجارة الجبال، وانتصب {بيوتاً} على الحال من الجبال، أي صائرة بعد النّحت بيوتاً، كما يقال: خِطْ هذا الثّوب قميصاً، وابْرِ هذه القصبة قَلماً، لأنّ الجبل لا يكون حاله حال البيوت وقت النّحت، ولكن يصير بيوتاً بعد النّحت. ومحلّ الامتنان هو أن جعل منازلهم قسمين: قسم صالح للبناء فيه، وقسم صالح لنحت البيوت، قيل: كانوا يسكنون في الصّيف القصور، وفي الشّتاء البيوتَ المنحوتة في الجبال. وتفريع الأمر بذِكْر آلاءِ الله على قوله: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} تفريع الأعم على الأخصّ، لأنّه أمَرهم بذكر نعمتين، ثمّ أمرهم بذكر جميع النّعم التي لا يحصونها، فكان هذا بمنزلة التّذييل. وفعل: {اذكروا} مشتقّ من المصدر، الذي هو بضمّ الذّال، وهو التذَكَّر بالعقل والنّظر النّفساني، وتذكّر الآلاء يبعث على الشّكر والطّاعة وترك الفساد، فلذلك عطف نهيهم عن الفساد في الأرض على الأمر بذكر آلاء الله. {ولا تعثوا} معناه ولا تفسدوا، يقال: عَثِيَ كَرضِي، وهذا الأفصح، ولذلك جاء في الآية ــــ بفتح الثّاء ــــ حين أسند إلى واو الجماعة، ويقال عَثا يعثو ــــ من باب سَما ــــ عثواً وهي لغة دون الأولى، وقال كراع، كأنّه مقلوب عاث. والعَثْيُ والعَثْو كلّه بمعنى أفسد أشدّ الإفساد. و"مفسدين" حال مؤكّدة لمعنى {تعثوا} وهو وإن كان أعمّ من المؤكَّد فإنّ التّأكيد يحصل ببعض معنى المؤكَّد.

الواحدي

تفسير : {وبوَّأكم في الأرض} أَيْ: أسكنكم وجعل لكم فيها مساكن {تتخذون من سهولها قصوراً} تبنون القصور بكلِّ موضعٍ {وتنحتون الجبال بيوتاً} يريد: بيوتاً في الجبال تُشققونها، وكانوا يسكنونها شتاءً، ويسكنون القصور بالصَّيف. {قال الملأ} وهم الأشراف {الذين استكبروا من قومه} عن عبادة الله {للذين استضعفوا} يريد المساكين {لمن آمن منهم} بدلٌ من قوله: {للذين استضعفوا} لأنَّهم المؤمنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلآءَ} (74) - وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ اسْتَخْلَفَكُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ عَادٍ، وَمَكَّنَكُمْ فِي الأَرْضِ، تَبْنُونَ القُصُورَ فِي سُهُولِهَا، وَتَنْحِتُونَ البُيُوتَ فِي جِبَالِها، فَاشْكُرُوا اللهَ عَلَى أَنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ وَذلِكَ بِتَوْحِيدِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالعِبَادَةِ، وَلا تَتَصَرَّفُوا فِي الأَرْضِ تَصَرُّفَ كُفْرانٍ وَجُحُودٍ بِفِعْلٍ لاَ يُرْضِي اللهَ. العَيْثُ وَالعُثِيُّ - هُوَ الفَسَادُ. بَوَّأَكُمْ - أَنْزَلَكُمْ وَأَسْكَنَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومن قبل قال الحق لقبيلة عاد: {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ...} تفسير : [الأعراف: 69] وهنا قال الحق: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ}. لأن عاداً هم الخلفاء الأقرباء منهم، وقصتهم مازالت معروفة ومعالمها واضحة، أما قصة نوح فهي بالتأكيد أقدم قليلاً من قصة عاد. ويذكرهم الحق أيضاً أنه جعل في الأرض منازل يسكنونها، فاتخذوا من سهولها قصوراً، والسهل هو المكان المنبسط الذي لا توجد به تلال أو صخور أو جبال، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، وكان عمر الإِنسان منهم يطول لدرجة أن البيت ينهدم مرتين في العمر الواحد للإِنسان. ولذلك قرروا أن يتخذوا من الجبال بيوتاً لتظل آمنة، وحين يرى الإِنسان مدائن صالح منحوتة في الجبل فهي فرصة لأن يتأمل عظمة الحق في تنبيه الخلق إلى ما يفيدهم وهي بالفعل من نعم الله، ويقول سبحانه: {...فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] وآلاء الله - كما عرفنا - هي نعمه التي لا تحصى، وينبههم إلى عدم نشر الفساد في الأرض. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ...}