٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا ذكرنا أن الملأ عبارة عن القوم الذين تمتلىء القلوب من هيبتهم، ومعنى الآية قال الملأ وهم الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا، يريد المساكين الذين آمنوا به، وقوله: {لمن آمن منهم} بدل من قوله: {للذين استضعفوا} لأنهم المؤمنون. واعلم أنه وصف أولئك الكفار بكونهم مستكبرين، ووصف أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين، وكونهم مستكبرين فعل استوجبوا به الذم، وكون المؤمنين مستضعفين معناه: أن غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم، وهذا ليس فعلاً صادراً عنهم بل عن غيرهم، فهو لا يكون صفة ذم في حقهم، بل الذم عائد إلى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم. ثم حكى تعالى أن هؤلاء المستكبرين سألوا المستضعفين عن حال صالح فقال المتضعفون نحن موقنون مصدقون بما جاء به صالح. وقال المستكبرون: بل نحن كافرون بما جاء به صالح، وهذه الآية من أعظم ما يحتج به في بيان أن الفقر خير من الغنى، وذلك لأن الاستكبار إنما يتولد من كثرة المال والجاه، والاستضعاف إنما يحصل من قلتهما، فبين تعالى أن كثرة المال والجاه حملهم على التمرد، والإباء، والإنكار، والكفر وقلة المال والجاه حملهم على الإيمان، والتصديق والانقياد، وذلك يدل على أن الفقر خير من الغنى. ثم قال تعالى: {فعقروا الناقة} قال الأزهري: العقر عند العرب، كشف عرقوب البعير، ولما كان العقر سبباً للنحر أطلق العقر على النحر إطلاقاً لاسم السبب على المسبب. واعلم أنه أسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة: أنتم فعلتم كذا مع أنه ما فعله إلا واحد منهم. ثم قال: {وعتوا عن أمر ربهم} يقال: عتا يعتو عتواً، إذا استكبر. ومنه يقال: جبار عات قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل وفي قوله: {عن أمر ربهم} وجهان: الأول: معناه استكبروا عن امتثال أمر ربهم وذلك الأمر هو الذي أوصله الله إليهم على لسان صالح عليه السلام وهو قوله: {أية : فذروها تأكل في أرض الله} تفسير : [الأعراف: 73] الثاني: أن يكون المعنى وصدر عتوهم عن أمر ربهم، فكان أمر ربهم بتركها صار سبباً في إقدامهم على ذلك العتو، كما يقال: الممنوع متبوع {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} وإنما قالوا ذلك، لأنهم كانوا مكذبين له في كل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد. ثم قال تعالى: {فأخذتهم الرجفة} قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة. قال تعالى: {أية : يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً} تفسير : [المزمل: 14] قال الليث: يقال رجف الشيء يرجف رجفاً ورجفانا، كرجفان البعير تحت الرحل، وكما يرجف الشجر إذا أرجفته الريح. ثم قال: {فأصبحوا في دارهم جاثمين} يعني في بلدهم ولذلك وحد الدار، كما يقال: دار الحرب ومررت بدار البزازين، وجمع في آية أخرى فقال: {أية : في ديارهم} تفسير : [هود: 94] لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به. وقوله: {جاثمين} قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير، بمنزلة البروك للإبل، فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل، والمعنى: أنهم أصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى، يقال: الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يحسون بشيء، ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها، وهي البهيمة التي تربط لترمى، فثبت أن الجثوم عبارة عن السكون والخمود، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: لما سمعوا الصيحة العظيمة تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب، وقيل بل سقطوا على وجوههم، وقيل وصلت الصاعقة إليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد. وقيل: بل عند نزول العذاب عليهم سقط بعضهم على بعض، والكل متقارب. وههنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: {يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} قال تعالى: {فأخذتهم الرجفة} والفاء للتعقيب وهذا يدل على أن الرجفة أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك، لأنه تعالى قال في آية أخرى: {أية : فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} تفسير : [هود: 65]. والجواب: أن الذي يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه إنه حصل عقيبه فزال السؤال. السؤال الثاني: طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بأن ألفاظ القرآن قد اختلفت في حكاية هذه الواقعة، وهي الرجفة والطاغية والصيحة، وزعموا أن ذلك يوجب التناقض. والجواب: قال أبو مسلم: الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان حيواناً أو غير حيوان وألحق الهاء به للمبالغة، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت. وقال تعالى: {أية : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 6، 7] ويقال: طغى طغياناً وهو طاغ وطاغية. وقال تعالى: {أية : كذبت ثمود بطغواها} تفسير : [الشمس: 11] وقال في غير الحيوان: {أية : إنا لما طغا الماء}تفسير : [الحاقة: 11] أي غلب وتجاوز عن الحد، وأما الرجفة، فهي الزلزلة في الأرض، وهي حركة خارجة عن المعتاد، فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها، وأما الصيحة، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة وأما الصاعقة، فالغالب أنها الزلزلة وكذلك الزجرة قال تعالى: {أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} تفسير : [النازعات: 13، 14] فبطل ما قاله الطاعن. السؤال الثالث: أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة قاهرة تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الإلجاء، وأيضاً شاهدوا أن الماء الذي كان شرباً لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين، كان شرباً لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني، وذلك أيضاً معجزة قاهرة، ثم إن القوم لما نحروها، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد إن نحروها، فلما شاهدوا بعد إقدامهم على نحرها آثار العذاب، وهو ما يروى أنهم احمروا في اليوم الأول، ثم اصفروا في اليوم الثاني، ثم اسودوا في اليوم الثالث، فمع مشاهدة تلك المعجزات القاهرة في أول الأمر، ثم شاهدوا نزول العذاب الشديد في آخر الأمر، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصراً على كفره غير تائب منه؟ والجواب الأول أن يقال: إنهم قبل أن شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون صالحاً في نزول العذاب، فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف، وخرجوا عن أن تكون توبتهم مقبولة. ثم قال تعالى: {فتولى عنهم} وفيه قولان: الأول: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا، والدليل عليه أنه تعالى قال: {فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم} والفاء تدل على التعقيب، فدل على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم والثاني: أنه عليه السلام تولى عنهم قبل موتهم، بدليل: أنه خاطب القوم. وقال: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} وذلك يدل على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال لهم: {يا قوم} والأموات لا يوصفون بالقوم، لأن اشتقاق لفظ القوم من الاستقلال بالقيام، وذلك في حق الميت مفقود. والثاني: أن هذه الكلمات خطاب مع أولئك وخطاب الميت لا يجوز. والثالث: أنه قال: {ولكن لا تحبون الناصحين} فيجب أن يكونوا بحيث يصح حصول المحبة فيهم، ويمكن أن يجاب عنه فنقول: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه، فلم يقبل تلك النصيحة حتى ألقى نفسه في الهلاك، يا أخي منذ كم نصحتك، فلم تقبل وكم منعتك فلم تمتنع، فكذا ههنا، والفائدة في ذكر هذا الكلام إما لأن يسمعه بعض الأحياء فيعتبر به وينزجر عن مثل تلك الطريقة. وإما لأجل أنه احترق قلبه بسبب تلك الواقعة. فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت تلك القضية عن قلبه. وقيل: يخف عليه أثر تلك المصيبة، وذكروا جواباً آخر، وهو: أن صالحاً عليه السلام خاطبهم بعد كونهم جاثمين، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام خاطب قتلى بدر. فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف فقال: «حديث : ما أنتم بأسمعَ منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب».
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} الثاني بدل من الأوّل، لأن المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدل البعض من الكل.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ المَلأَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمهِ} أي عن الإِيمان. {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أي للذين استضعفوهم واستذلوهم. {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدل من الذين استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين. وقرأ ابن عامر وقال الملأ بالواو. {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} قالوه على الاستهزاء. {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤمِنُونَ} عدلوا به عن الجواب السوي الذي هو نعم تنبيهاً على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل ويخفى على ذوي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن به ومن كفر فلذلك قال:
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ } تكبّروا عن الإِيمان به {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ } أي من قومه بدل مما قبله بإعادة الجار {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبّهِ } إليكم؟ {قَالُواْ } نعم {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: "قَالَ المَلأُ" قرأ ابنُ عامرٍ وحدَهُ "وَقَالَ" بواو عطف نسقاً لهذه الجملة على ما قبلها، وموافقة لمصاحفِ الشَّام، فإنها مرسومة فيها، والباقون بحذفها: إما اكتفاء بالربط المعنوي، وإمّا لأنَّهُ جواب لسؤال مقدَّر كما تقدَّم، وهذا موافقة لمصاحفهم، وهذا كما تقدَّم في قوله: {أية : وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ}تفسير : [الأعراف: 43] إلا أنَّهُ هو الذي حذف الواو هناك. قوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ}. السين في "اسْتَكْبَرُوا" و "اسْتُضْعِفُوا" يجوز أن تكون على بابها من الطلب، أي: طلبوا - أولئك - الكِبْرَ من أنفسهم ومن المؤمنين الضعف. ويجوزُ أن يكون "اسْتَفْعَلَ" بمعنى: فعل [كَعَجِبَ] واسْتَعْجَبَ. واللاَّم في "الذِينَ اسْتُضْعِفُوا" للتبليغ، ويضعف أن تكون للعلّة، والمراد بالذين استكبروا الرّؤساء، وبالذين استضعفوا المساكين. قوله: {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدلٌ من "الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا" بإعادة العامل، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ بدل كلٍّ من كُلٍّ، إن عاد الضَّمير في "مِنْهُم" على قومه، ويكون المستضعفون مؤمنين فقط، كأنَّهُ قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من قوم صالح. والثاني: بدلُ بعض من كلٍّ، إنْ عاد الضَّميرُ على المستضعفين، ويكون المستضعفون ضربين: مؤمنين وكافرين، كأنَّهُ قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من الضُّعَفَاءِ دون الكَافِرينَ من الضُّعفاء. وقوله: "أتَعْلَمُونَ" في محل نصب بالقول. و "مِن رَّبِّهِ" متعلق بـ "مُرْسَلٌ"، و "من" لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون صفةً فتتعلق بمحذوف. واعلم أنَّ المستكبرين لمَّا سألوا المُسْتَضْعفين عن حال صالح وما جاء به، فأجاب المُسْتَضْعَفُون بقولهم: إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ صالح مؤمنون، أي: مُصَدّقون، فقال المستكبرون: بل نحن كافرون بما آمنتم به، أي: بالذي جاء به صالح. قوله: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ} متعلق بـ "مُؤمِنُونَ" قُدِّم للاختصاص والاهتمام وللفاصلة. قوله: "قَالَ الذي" "ما" موصولة، ولا يجوزُ هنا حذف العائد وإن اتحد الجار للموصول وعائده؛ لاختلاف العامل في الجارين وكذلك قوله: {بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. قوله: "فَعَقَرُوا النَّاقَةَ" أصل العَقْرِ: كَشْفُ العَراقِيبِ في الإبل، وهو أن يضرب قَوَائمَ البَعِيرِ أو النَّاقَةِ فتقع، وكانت هذه سنتهم في الذَّبْحِ. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 2505 - وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَباً مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ تفسير : ثم أطلق على كل نَحْرٍ "عَقْرٌ"، وإن لم يكن فيه كشف عراقيب تسمية للشَّيء بما يلازمه غالباً، إطلاقاً للمسبّب على مسبّبه هذا قول الأزهري. وقال ابن قتيبة: "العَقْرُ: القتل كيف كان، عَقَرْتُها فهي معقورة". وقيل: العقر: الجرح. وعليه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2506 - تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا معاً عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ تفسير : يريد: جَرَحْتَهُ بثقلك وتمايلك، والعَقْر والعُقر بالفتح، والضمّ [الأصل]، ومنه عَقَرْتُه أي: أصبتُ عقره يعني أصله كقولهم: كَبَدْتُه ورَأسْتُه أي: أصبت كَبِدَهُ ورأسه، وعَقَرْتُ النخل: قطعته من أصله، والكَلْبُ العقور منه، والمرأة عَاقِرٌ، وقد عُقِرَت. والعقر بالضَّمِّ آخر الولد وآخر بيضة يقال: عُقر البيض. والعَقار بالفتح: الملك من الأبنية، ومنهُ "ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارِهمِ إلاَّ ذُلُّوا"، وبعضهم يخصه بالنَّخل. والعُقارُ بالضمِّ: الخمر؛ لأنَّها كالعَاقِرَة للعقل، ورفع عَقِيْرَتَهُ أي: صَوْتَهُ، وأصله أن رجلاً عَقَر رجْلَه فرفع صوته فاستعير لكلِّ صائحٍ، والعُقر بالضمِّ: المَهْرُ. وأضاف العقر إليهم مع أنَّه ما كان باشره إلا بعضهم؛ لأنَّهُ كان برضاهم. قوله: "وَعَتَوْا" العُتُوُّ، والعُتِيُّ: النُّبُوُّ أي: الارتفاع عن الطَّاعة يقال منه: عَتَا يَعْتُو عُتُوّاً وعُتِيّاً بقلب الواوين ياءين، والأحسن فيه إذا كان مصدراً تصحيح الواوين كقوله: {أية : وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 21] وإذا كان جمعاً الإعلالُ نحو: قوم عُتِيٌّ، لأنَّ الجمع أثقلُ، قياسُه الإعلال تخفيفاً. وقوله: {أية : أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 66] محتمل للوجهين قوله: {أية : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 8] أي: حالة تتعذر مداواتي فيها كقوله: [الكامل] شعر : 2507 -.................... وَمِنَ العَنَاءِ رِيَاضَةُ الهَرِمِ تفسير : وقيل: العاتي: الجاسي أي اليَابِسُ. ويقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوّاً بالثاء المثلثة من مادة أخرى؛ لأنَّهُ يقال: عَثِي يَعْثَى عِثِيّاً وعثا يَعْثُوا عُثُواً، [فهو في إحْدَى لغتيه يشاركه "عَتَا" بالمثناة وزناً ومعنى، ويقاربه في حروفه. والعيث أيضاً - بتقديم الياء من أسْفَل] على الثاء المثلثة - هو الفساد، فيحتمل أن يكون أصلاً، وأن يكون مقلوباً فيه. وبعضهم يجعل العَيْث الفساد المدرك حِسّاً، والعِثِيَّ في المدرك حكماً، وقد تقدَّم طرفٌ من هذا. ومعنى الآية: استكبروا عن امتثال أمر ربّهم وكذّبوا بنبيهم. قوله: {وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا} يجوزُ لك على رواية من يسهِّل الهمزة وهو وَرْشٌ والسوسي أن تقلب الهمزة واواً، فتلفظ بصورة "يَا صالح وُتِنا" في الوصل خاصة تُبْدل الهمزة بحركة ما قبلها، وإن كانت منفصلة من كلمة أخْرَى. وقرأ عاصمْ وعيسى بْنُ عُمَرَ "أُوْتِنَا" بهمزة وإشباع ضم ولعله عاصم الجحدريّ لا عاصم بن أبي النجود، وهذه القراءة لا تبعد عن الغلطِ؛ لأن همزة الوصل في هذا النحو مكسورة فمن أين جاءت ضمة الهمزة إلاَّ على التوهُّم؟ قوله: "بِمَا تَعِدُنَا" العائِدُ محذوف أي: "تَعِدُناه" ولا يجوز أن تقدر "تَعِدُنا" متعدياً إليه بالباء، وإنْ كان الأصْلُ تعديته إليه بها، لئلا يلزم حذف العائد المجرور بحرف من غير اتّحاد متعلقهما لأن "بِمَا" متعلِّقٌ بـ "الإتيان"، و "به" متعلق بـ "الوعد" ثم قالوا {إِن كُنتَ مِنَ ٱلمُرْسَلِينَ} وإنما قالوا ذلك؛ لأنَّهم كانوا مكذبين في كل ما أخبر عنه من الوَعْدِ والوَعيدِ. قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} قال الفراء والزجاج هي الزلزلة الشديدة يُقالُ رَجَفَتِ الأرْضُ تَرْجُفُ رَجْفاً وَرَجيفاً ورجفاناً قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ}تفسير : [المزمل: 14]. وقال اللَّيثُ: الرَّجْفَةُ: الطَّامة التي يتزعزع لها الإنسان ويضطرب. ومنه قيل للبحر رجَّافٌ لاضطرابه. وقيل: أصله مِنْ رَجفَ به البعيرُ إذا حركه في سيره، كما يرجف الشجر إذا رجفه الريح. قال ابن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : 2508 - ولمَّا رَأيْتُ الحَجَّ قَدْ حَانَ وَقْتُهُ وَظَلَّتْ جِمَالُ الحَيِّ بالقَوْمِ تَرْجُفُ تفسير : والإرْجَافُ إيقاعُ الرَّجْفَةِ، وجمعه الأرَاجِيفُ، ومنه "الأراجِيفُ ملاقيحُ الفتنِ". وقوله: {أية : تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ}تفسير : [النازعات: 6]. كقوله: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1]. ومنه [الطويل] شعر : 2509 - تُحْيِي العِظَامَ الرَّاجِفَاتِ مِنَ البِلَى فَلَيْسَ لِدَاءِ الرُّكْبَتَيْنِ طبِيبُ تفسير : قوله: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [يعني في بلدهم، كما يقال: دار الحرب، ودار البزّازين]. الجثوم: اللُّصوق بالأرْضِ من جثوم الطَّائر والأرْنَبِ، فإنَّهُ يلصق بطنه بالأرْضِ، ومنه رجل جُثَمَةٌ وجثَّامَةٌ كناية عن النَّؤوم والكَسْلان، وجثمانُ الإنسان شَخْصُه قاعداً وقال أبو عبيد: "الجُثُوم للنَّاس والطير كالبرول للإبل" وأنشد لجرير: [الوافر] شعر : 2510 - عَرَفْتُ المُنْتَأى وعَرَفْتُ مِنْهَا مَطَايَا القِدْرِ كالْحِدَأ الجُثُومِ تفسير : قال الكَرْمَانِيّ: حيث ذُكِرَت الرجفة وُحدت الدَّار، وحيث ذكرت الصيحة جُمِعَت الدار، لأنَّ الصيحة كانت من السماء فبلوغها أكبر وأبلغ من الزلزلة، فذكر كل واحد بالأليق [به] وقيل: في دارهم أي في بلدهم كما تقدَّم، وقيل: المراد بها الجنس. فصل في بيان فائدة موضع الفاء في الآية الفاء في "فأخذتهم" للتَّعقيب، وقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} يقتضي أنَّ الرَّجفة أخذتهم عقيب قولهم: {ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} وليس الأمر كذلك لقوله تعالى في آية أخرى: {أية : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}تفسير : [هود: 65] فالجوابُ: أنَّ أسباب الهلاك وجدت عقيب قولهم: {ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}، وهو أنَّهم اصفرت وجوههم في اليوم الأوَّل، واحمرّت في اليوم الثاني: واسودَّت في اليوم الثالث، فكان ابتداء العذاب متعقباً قولهم. ويمكن أن تكون عاطفة على الجملة من قوله: "فَائْتِنَا" أيضاً وذلك على تَقْديرِ قرب زمان الهلاك من زمان طلبِ الإتيان. ويجوز أن يقدر ما يصحُّ العطف عليه بالفاءِ، والتقديرُ: فوعدهم العذاب بعد ثلاث فانقضت فأخذتهم. فصل في دحض شبهة للملاحدة. لا يلتفت إلى ما ذكره بعض الملاحدةِ في قوله: {فأخَذَتْهُم الرَّجْفَةُ}، وفي موضع آخر {أية : ٱلصَّيْحَةُ}تفسير : [هود: 67]، وفي موضع آخر {أية : بِٱلطَّاغِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 5] واعتقد ما لا يجوز من وجوب التناقض إذ لا منافاة بين ذلك فإن الرجفة مترتبة على الصَّيحة؛ لأنَّهُ لمَّا صيح بهم؛ رجفت قلوبهم فماتوا، فَجَازَ أن يسند الإهلاكُ إلى كل منهما. وأمّا "بالطَّاغية" فالباء للسببية، والطَّاغية: الطغيان مصدر كالعاقبة، ويقال للملك الجبَّار: طاغية، والتّاء فيه كعلاَّمةٍ ونسَّابةٍ، ففي أهلكوا بالطاغية، أي: بطغيانهم كقوله: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ}تفسير : [الشمس: 11]. قال أبو مسلمٍ: الطَّاغية: اسم لكلِّ ما تجاوز عن حدِّه سواء كان حيواناً أو غير حيوان، قال تعالى: في الحيوان: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}تفسير : [العلق: 6]، وقال: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ}تفسير : [الشمس: 11]. وقال في غير الحيوان: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ}تفسير : [الحاقة: 11] أي: غلب وتجاوز عن الحدِّ. فصل في شهود الناقة قيل إنَّ القوم قد شاهدوا خُرُوج النَّاقةِ من الصخرة، وذلك معجزة قاهرة تلجىء المكلف، وأيضاً شاهدوا الماء الذي كان شرباً لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين، كان شَرباً لتلك النَّاقة الواحدة في اليَوْمِ الثَّانِي، وذلك معجزة قَاهِرَةٌ تقرب الملكف من الإلجاء. وأيضاً إنَّ القوم لما نحروها توعدهم صالح بالعذابِ، وشاهدوا صدقه على ما روي أنَّهم احمروا في اليوم الأوَّل، واصفرُّوا في اليوم الثَّاني، واسودُّوا في اليوم الثالث، مع مشاهدة تلك المعجزة العظيمة، ثم شاهدوا علامات نُزول العذاب الشديد في آخر الأمر، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مُصرّاً على كفره؟ فالجوابُ: أن يقال: إنَّهَم قبل مشاهدتهم تلك العلامات من نزول العذاب كانُوا يكذبون، فلما نزلت بهم أول علامات العذاب وشاهدوها خرجوا عند ذلك عن حد التكليف فلم تكن توبتهم مَقْبُولَةً. قوله: "فَأصْبَحُوا" يجوز أن تكون النَّاقصة و "جَاثِمينَ" خبرها و "في دَارِهِم" متعلّق به، ولا يجوز أن يكُونَ الجارُّ خبراً و "جَاثِمِين" حال، لعدم الفائدة بقولك: {فَأصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ}، وإن جاز الوجهان في قولك: أصبح زيد في الدَّار جالساً. ويجوز أن تكون التامة، أي: دخلوا في الصباح، و "جَاثِمِين" حال، والأول أظهر. قوله: "فَتَوَلَّى عَنْهُمْ". قيل: إنه تولى عنهم بعد موتهم لقوله تعالى: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ فَتَوَلَّىٰ} و "الفاءُ" تقتضي التعقيب. وقيل: تولّى عنهم قبل موتهم لقوله: {يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} فدلَّ ذلك على كونهم أحياء من ثلاثة أوْجُهٍ: [الأول]: قوله لهم "يَا قَوْم"، والأموات لا يوصفون بالقوم، لاشتقاق لفظ القوم من القيام، وهو مفقود في حقِّ الميت. والثاني: أنَّ هذه الكلمات خِطَاب معهم، وخطاب الميت لا يجوز. والثالث: قوله: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} يقتضي كونهم بحيث تصحُّ حصول المحبّة فيهم. ويمكن الجوابُ: بأنَّه قد يقولُ الرَّجلُ لصاحبه الميت، وقد كان نصحه فلم يقبل النَّصيحة، حتى ألقى نفسه في الهلاك: يا أخي منذ كم نصحتك فلم تقبل، وكم منعتك فلم تمتنع، فكذا هاهنا. وفائدتُهُ: إمّا لأن يسمعه الحيُّ فيعتبر به، وينزجِر عن مثل تلك الطريقة، وإما لإحراق قلبه بسبب تلك الواقعة، فإذا ذكر ذلك الكلام فرَّجت تلك القضية من قلبه. وذكروا جواباً آخر، وهو أن صالحاً - عليه السلامُ - خاطبهم بعد كونهم "جَاثِمينَ"، كما خاطب نبينا - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - قتلى "بدر". فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف؟ فقال: "مَا أنْتُم بأسْمَعَ مِنْهُم، ولكنْ لا يَقْدِرُونَ على الجوابِ". وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخير، تقديره: فتولَّى عنهم وقال: يا قَوْم لَقَدْ أبْلَغْتُكُم رسالةَ ربِّي، فأخذتهم الرجفة.
البقاعي
تفسير : ولما حصل الالتفات إلى جوابهم، قيل: {قال الملأ} أي الأشراف، وبينه بقول: {الذين استكبروا} أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقاً فلم يؤمنوا؛ ونبه على التأسية بقوله: {من قومه} ولما قال: {للذين استضعفوا} كان ربما فهم أنهم آمنوا كلهم، فنفى ذلك بقوله مبدلاً منه: {لمن آمن منهم} أي المستضعفين، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم، ففيه إيماء إلى أن الضعف أجلّ النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإذعان للحق، وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد {أتعلمون} أي بدؤوهم بالإنكار صداً لهم عن الإيمان {أن صالحاً} سموه باسمه جفاء وغلطة وإرهاباً للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم {مرسل من ربه} وكأنهم قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه، لأن المستكبيرين لا يتم لهم كبرهم إلا بطاعة المستضعفين. ولما عملوا ذلك منهم، أعملوهم بالمنابذة اعتماداً على الكبير المتعال الذي يضمحل كل كبر عنده ولا يعد لأحد أمر مع أمره بأن {قالوا} منبهين لهم على غلظتهم وغلطهم في توسمهم في حالهم معبرين بما دل على العلم بذلك والإذعان له {إنا بما أرسل به} وبني للمفعول إشارة إلى تعميم التصديق وإلى أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين {مؤمنون*} أي غريقون في الإيمان به، ولذلك {قال الذين استكبروا} أي في جوابهم معبرين بما يدل على المخالفة لهم والمعاندة {إنا بالذي} ووضعوا موضع "أرسل به" - رداً لما جعلوه معلوماً وأخذوه مسلماً {آمنتم به} أي كائناً ما كان {كافرون*} ثم سبب عن قولهم قوله {فعقروا الناقة} أي التي جعلها الله لهم آية، وعبر بالعقر دون النحر لشموله كل سبب لقتلها لأن ابن إسحاق ذكر أنه اجتمع لها ناس منهم فرماها أحدهم بسهم وضرب آخر قوائمها بالسيف ونحرها آخر فأطلق اسم السبب على المسبب، ولكن قوله تعالى: {أية : فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} تفسير : [القمر: 29] وقوله{أية : إذا انبعث أشقاها} تفسير : [الشمس: 91] وقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه " تفسير : قالوا: هو قدار بن سالف، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقرها، ففعل فكان أشقى الأولين،وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، جعلت له قطام امرأة من بني عجل جميلة نفسها إن قتله، فالمناسبة بينهما أن كلاًّ منهما ألقى نفسه في المعصية العظمى لأجل شهوة فرجه في زواج امرأة، وقوله صلى الله عليه وسلم" حديث : أشقى الأولين عاقر الناقة "تفسير : يدل على أن عاقرها رجل واحد، وحينئذ يكون المراد به قطع القوائم، فحيث جمع أراد الحقيقة والمجاز معاً، وحيث أفراد أراد الحقيقة فقط، فالتعبير به لأنه الأصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل؛ قال البغوي: قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقراً لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره - انتهى. وكأن هذا إشارة إلى أن المراد بالعقر في كلامه النحر، ولا ريب في أن أصل العقر في اللغة القطع، ومادته تدور على ذلك، عقر النخلة. إذا قطع رأسها فيبست، والفرس: ضرب قوائمها بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر في الفساد، وأما النحر فيستعمل غالباً في الانتفاع بالمنحور لحماً وجلداً وغيرهما، فلعل التعبير به دون النحر إشارة إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا إهلاكها عتواً على الله وعناداً وفعلاً للسوء مخالفة لنهي صالح عليه السلام،ولا يشكل ذلك بما ورد من أنهم اقتسموا لحمها، لأنه لم يدع أن العقر يلزمه عدم الانتفاع بالمنحور، وعلى التنزل فهم لم يريدوا بذلك الانتفاع باللحم، وإنما قصدوا- حيث لم يمكنهم المشاركة جميعاً في العقر - ان يشتركوا فيما نشأ عنه تعريضاً برضاهم به ومشاركتهم فيه بما يمكنهم {وعتوا} أي تجاوزوا الحد في الغلطة والتكبر {عن أمر} أي امتثال أمر {ربهم} أي المحسن إليهم الذي أتاهم على لسان رسوله من تركها {وقالوا} زيادة في العتو {يا صالح ائتنا }. ولما نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة، قالوا: {بما تعدنا} استخفافاً منهم ومبالغة في التكذيب، كأنهم يقولون: نحن على القطع بأنك لا تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك، وإن كنت صادقاً فافعل ولا تؤخره رفقاً بنا وشفقة علينا، فإنا لا نتأذى بذلك، بل نتلذذ من يلقى الوعد الحسن، وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته؛ وأكدوا ذلك بقولهم بأداة الشك: {إن كنت من المرسلين*} أي الذين سمعنا أخبارهم فيما مضى؛ ثم سبب عن عتوهم قوله: {فأخذتهم الرجفة} أي التي كانت عنها أو منها الصيحة، أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة، ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهما السلام في قوله تعالى: {فأصبحوا في دارهم} أي مساكنهم، وجمعها في القصتين مع الصيحة، في سورة هود عليه السلام للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين، وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن، فتكون في المقصود من النكال أعظم، والصيحة من شأنها الانتشار، فإذا عمت الأماكن المتنائية والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ومزقت جماعتها وفرقت شملها، كانت من القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب، وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت، ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منها، ولعل إحداهما كانت سبباً للأخرى، ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطراباً قطعهاً، أو أن الدار رجفت فرجفت القلوب وهو أقرب، وخصت الأعراف بما ذكر فيها، لأن مقصودها إنذار المعرضين، والرجفة أعظم قرعاً لعدم الإلف لها - والله اعلم {جاثمين*} أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم، ولم يبق منهم في تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم، فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه وهو أبو رغال، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة عشرة أيام، ومن الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح عليه السلام والمستضعفين معه شيئاً، وذلك مثل الريح التي زلزلت الأحزاب، وأنالتهم أشد العذاب، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها كبير أذى، وكفها الله عن حذيفة، وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليتعرف له أخبارهم. ولما أصابهم ذلك، سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة فقال تعالى إعلاماً لنا بذلك: {فتولى} أي كلف نفسه الإعراض {عنهم وقال} أي لما أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم أصله وعشيرته {يا قوم} أي الذين يعز عليّ ما يؤذيهم {لقد أبلغتكم} ولعله وحد قوله: {رسالة ربي} لكون آيته واحدة {ونصحت} وقصر الفعل وعداه باللام فقال: {لكم} دلالة على أنه خاص بهم، روي أنه خرج عنهم في مائة وعشرة من المسلمين وهويبكي، وكان قومه ألفاً وخمسمائه دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. ولما كان التقدير: ففعلت معكم ما هو مقتض لأن تحبوني لأجله، عطف عليه قوله: {ولكن} لم تحبوني، هكذا كان الأصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا كان دأبهم وخلقاً لهم مع كل ناصح فقال: {لا تحبون} أي حاكياً لحالهم الماضية {الناصحين} أي كل من فعل فعلي من النصح التام.
ابو السعود
تفسير : {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} أي عتَوْا وتكبروا، استئنافٌ كما سلف وقرىء بالواو عطفاً على ما قبله من قوله تعالى: {يا قوم} الخ، واللامُ في قوله تعالى: {للذين استضعفوا} للتبليغ وقوله تعالى: {لمن آمن منهم} بدلٌ من الموصول بإعادة العاملِ بدلَ الكلِّ إن كان ضميرُ منهم لقومه، وبدلَ البعضِ إن كان للذين استُضعفوا على أن مِن المستضعفين مَنْ لم يؤمن، والأولُ هو الوجهُ، إذ لا داعيَ إلى توجيه الخطابِ أولاً إلى جميع المستضعفين مع أن المجاوبةَ مع المؤمنين منهم على أن الاستضعافَ مختصٌّ بالمؤمنين، أي قالوا للمؤمنين الذين استَضْعفوهم واسترذلوهم: {أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه} وإنما قالوه بطريق الاستهزاءِ بهم {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} عدَلوا عن الجواب الموافِقِ لسؤالهم بأن يقولوا: نعم أو نعلم أنه مرسلٌ منه تعالى مسارعةً إلى تحقيق الحقِّ وإظهارِ ما لهم من الإيمان الثابتِ المستمرِّ الذي تنبىء عنه الجملةُ الاسميةُ وتنبـيهاً على أن أمرَ إرسالِه من الظهور بحيث لا ينبغي أن يُسألَ عنه، وإنما الحقيقُ بالسؤال عنه هو الإيمانُ به {قال الذين استكبروا} أعيد الموصولُ مع صلته مع كفاية الضميرِ إيذاناً بأنهم قد قالوا ما قالوه بطريق العتُوِّ والاستكبار {إنا بالذي آمنتم به كافرون} وإنما لم يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون إظهاراً لمخالفتهم إياهم ورداً لمقالتهم {فعقروا الناقة} أي نحروها، أُسند العقرُ إلى الكل مع أن المباشِرَ بعضُهم للملابسة أو لأن ذلك لما كان برضاهم فكأنه فَعلَه كلُّهم، وفيه من تهويل الأمرِ وتفظيعِه بحيث أصابت غائلتُه الكلَّ ما لا يخفى {وعتوا عن أمر ربهم} أي استكبروا عن امتثاله وهو ما بلّغهم صالح عليه السلام من الأمر والنهي. {وقالوا} مخاطِبـين له عليه السلام بطريق التعجيزِ والإفحامِ على زعمهم {يا صالح ائتنا بما تعدنا} أي من العذاب، والإطلاقُ للعلم به قطعاً {إن كنت من المرسلين} فإن كونَك من جملتهم يستدعي صدقَ ما تقول من الوعد والوعيد.
القشيري
تفسير : أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها، قال قائلهم: شعر : وما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه ". تفسير : قوله تعالى: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ} الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون، قال قائلهم: شعر : وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصح
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف {الملأ} اى الاشراف والرؤساء {الذين استكبروا من قومه} اى تعظموا عن الايمان به {للذين استضعفوا} اللام للتبليغ اى للذين استضعفوهم واستذلوهم {لمن آمن منهم} بدل من الذين استضعفوا بدل الكل والضمير للقوم {أتعلمون} [اياشما ميدانيد] {ان صالحا مرسل من ربه} قالوه بطريق الاستهزاء بهم {قالوا} اى المؤمنون المستضعفون {انا بما ارسل به} من التوحيد والعبادة {مؤمنون} عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بان يقولوا نعم او نعلم انه مرسل منه تعالى تنبيها على ان ارساله امر معلوم مقرر عندهم حيث اوردوه صلة للموصول ومن المعلوم ان الصلة لا بد ان تكون جملة معلومة الانتساب الى ذات الموصول فكأنهم قالوا لا كلام فى ارساله لانه اظهر من ان يشك فيه عاقل ويخفى على ذى رأى لما اتى به من هذا المعجز العظيم الخارق وانما الكلام فى الايمان به فنحن مؤمنون به فهذا الجواب من اسلوب الحكيم وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {وقال الملأ} بزيادة واو، وكذلك في مصاحف أهل الشام الباقون بلا واو. في هذه الآية حكاية عما قال الملأ من قوم صالح، وهم جماعة من أشراف قومه ورؤساء أمَّته {الذين استكبروا} أي طلبوا الكبر فوق القدر، لان الاستكبار هو طلب الكبر فوق القدر، حتى يؤدي صاحبه الى إِنكار ما دعي اليه من الحق، أنفة من اتباع الداعي الى الحق {للذين استضعفوا} فالاستضعاف طلب الضعف بالأحوال التي تقعد صاحبها عما كان يمكن غيره من القيام بالأمر، والأصل في باب (استفعل) الطلب منه. وقوله {لمن آمن منهم} موضعه من الاعراب نصب على البدل من اللام الاولى وهو بدل البعض من الكل إِلا أنه أعيد فيه حرف الجر، كقولك مررت بأخوتك بعضهم. وانما فعل ذلك لئلا يظن انهم كانوا مستضعفين غير مؤمنين، لأنه قد يكون المستضعف مستضعفاً في دينه، فلا يكون مؤمناً. فأزال هذه الشبهة. وقوله {أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه} حقيقة ويقيناً ام لا تعلمون ذلك؟ وغرضهم بذلك الاستبعاد، لأن يكون صالح نبياً مرسلا من قبل الله. وقوله {إِنا بما أرسل به مؤمنون} جواب من هؤلاء المستضعفين لهم انهم مؤمنون بالذي أرسل به صالح مصدقون. وقد بينا أن حدَّ العلم هو ما اقتضى سكون النفس. وحد الرماني - ها هنا - العلم بأنه اعتقاد للشىء على ما هو به عن ثقة من جهة ضرورة أو حجة، قال: والعالم هو المبين للشىء بعلم أو ذات تنبىء عن العلم.
اطفيش
تفسير : {قالَ} وقرأ أبو عمرو: وقال بالواو {الملأ الَّذينَ اسْتكبرُوا مِن قَوْمه} عن الإيمان بمعنى تكبروا، ويجوز كونه بمعنى كبروا بالمال والجاه وعظموا كعجب واستعجب. {للَّذينَ اسْتُضْعِفوا} استضعفوهم واستذلوهم لفقر أو نسب، وهم قد آمنوا بصالح، وكذلك تكون أتباع الرسل هم الضعفاء ثم ينمو الإيمان. {لمنْ آمنَ منْهُمْ} اللام وما بعدها من قوله: {للذين استضعفوا} بدل مطابق، والهاء لثمود، فالمراد بالمستضعفين المستضعفون المؤمنون، أو بدل بعض والهاء للذين استضعفوا، فالمراد بالمستضعفين المستضعفون المؤمنون والكافرون {أتعْلمون أنَّ صالحاً مُرسلٌ مِن ربِّه} إلينا وإليكم، أى أتعتقدون ذلك جازمين به، وهذا منهم سخرية واستهزاء. {قالُوا} أى الذين استضعفوا {إنَّا بما أرْسِلَ بهِ مُؤمنُون} الأصل أن يقولوا فى الجواب: نعلم أنه مرسل من ربه، أو نعم، لكن لوّحوا لهم أن إرساله وما يتضمنه من الحق والهدى أمر معلوم مكشوف لا ريب فيه، حتى إنه لا ينبغى لكم السؤال عنه، وإنما ينبغى الكلام فى الإيمان به، فنحن مؤمنون به.
اطفيش
تفسير : {قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} عن الإِيمان وعلى غيرهم {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أَذلوهم أَو عدوهم ضعفاءَ، وكأَنه قيل فبماذا أَجابوا فقال: قال الملأ إِلخ، وعلى تقدير عدم السؤال يكتفى بالربط المعنوى فكأَنه عطف، والسين فى استكبروا واستضعفوا للمبالغة أَولى منها للزيادة {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} لمن بدل كل من قوله للذين والمستضعفون هم من آمن، والهاء للقوم وإِن فسرنا الذين استضعفوا بالكافرين المستضعفين والمؤمنين المستضعفين فهو بدل بعض والهاء للذين استضعفوا والأَول أَولى لأَن الأَنسب ذكر أنهم احتقروا المؤمنين {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ} إِلى قومه أَو إِلينا، والمعنى واحد لأَن المتكلمين هم من قومه وهذا استهزاء {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} مقتضى الظاهر أَن يقولوا: نعم أَو علمنا أَنه منه، وعدلوا عنه لزيادة التصريح بأَنهم أَهل إِيمان به راسخ، وللتنبيه على أَنه لا يشك فى إِرساله عاقل فنحن مؤمنون به ولسنا ممن تعاصى من ذوى الرأى عن الإِيمان به، فذلك من الأسلوب الحكيم بالنعت أَو أسلوب الحكيم بالإضافة، وهو الجواب بما الأوْلى أَن يكون السؤال عنه كقوله تعالى "أية : قل هى مواقيت للناس"تفسير : [البقرة: 189] كأَنه قيل لا ينبغى السؤال عن رسالته لظهورها وإِنما يسأَل عن الإيمان به، قيل آمن به مائة وعشرون وهلك قومه وهم أَلف وخمسمائة دار، وقيل آمن به أَربعة آلاف إِنسان وبنوا مدينة اسمها حاضر، وقيل ذهب إِلى حضرموت ولما وصلها مات فسميت حضرموت، وقيل مات بمكة ابن ثمانية وخمسين.
الالوسي
تفسير : {قَالَ ٱلْمَلأَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ } أي الأشراف الذين عتوا وتكبروا، والجملة استئناف كما مر غير مرة. وقرأ ابن عامر {وَقَالَ } بالواو عطفاً على ما قبله من قوله تعالى: { أية : قَالَ يَا قَوْمِ } تفسير : [الأعراف: 73] الخ، واللام في قوله سبحانه: {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } أي عدوا ضعفاء أذلاء للتبليغ كما في { أية : أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ } تفسير : [القلم: 28]، وقوله تعالى: {لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ } بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل من الكل كقولك مررت بزيد بأخيك، والضمير المجرور راجع إلى قومه. وجوز أن يكون بدل بعض من كل على أن الضمير للذين استضعفوا فيكون المستضعفون قسمين مؤمنين وكافرين، ولا يخفى بعده، والاستفهام في قوله جل شأنه {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ } للاستهزاء لأنهم يعلمون أنهم عالمون بذلك ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر كما حكى سبحانه عنهم بقوله: {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإن الجواب الموافق لسؤالهم نعم أو نعلم أنه مرسل منه تعالى. ومن هنا قال غير واحد: إنه من الأسلوب الحكيم فكأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون. واختار في «الانتصاف» أن ذلك «ليس إخباراً عن وجوب الإيمان به بل عن امتثال الواجب ـ فإنه أبلغ من ذلك فكأنهم قالوا: العلم بإرساله وبوجوب الإيمان به لا نسأل عنه وإنما الشأن في امتثال الواجب ـ والعمل به ونحن قد امتثلنا.
ابن عاشور
تفسير : عَدَل الملأُ الّذين استكبروا عن مجادلة صالح عليه السّلام إلى اختبار تصلّب الذين آمنوا به في إيمانهم، ومحاولة إلقاء الشكّ في نفوسهم، ولما كان خطابهم للمؤمنين مقصوداً به إفساد دعوة صالح عليه السلام كان خطابهم بمنزلة المحاورة مع صالح عليه السّلام، فلذلك فصلت جملة حكاية قولهم على طريقة فصْل جُمل حكاية المحاورات، كما قدّمناه غير مرّة آنفاً وفيما مضى. وتقدّم تفسير الملأ قريباً. ووَصْفُهم بالذين استكبروا هنا لتفظيع كبرهم وتعاظمهم على عامة قومهم واستذلالهم إياهم. وللتّنبيه على أنّ الذين آمنوا بما جاءهم به صالح عليه السلام هم ضعفاء قومه. واختيار طريق الموصولية في وصفهم ووصفِ الآخرين بالذين استضعفوا لما تُومىء إليه الصّلة من وجه صدور هذا الكلام منهم، أي أن اسكبارهم هو صارفهم عن طاعة نبيئهم، وأنّ احتقارهم المؤمنين هو الذي لم يُسغ عندهم سبقَهم إياهم إلى الخير والهدى، كما حكى عن قوم نوح قولهم: {أية : وما نراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا باديَ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل}تفسير : [هود: 27] وكما حكى عن كفّار قريش بقوله: {أية : وقال الذين كفروا للّذين آمنوا لو كان خيراً مَا سبقونا إليه وإذْ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} تفسير : [الأحقاف: 11]، ولهذا لم يوصفوا بالكفر كما وصف به قوم هود. والذين استُضعفوا هم عامّة النّاس الذين أذلّهم عظماؤهم واستعبدوهم لأنّ زعامة الذين استكبروا كانت قائمة على السّيادة الدّنيوية الخلية عن خلال الفضيلة، من العَدل والرأفة وحبّ الإصلاح، فلذلك وصف الملأُ بالّذين استكبروا، وأطلق على العامة وصف الذين استُضعفوا. واللاّم في قوله: {للذين استضعفوا} لتعدية فعل القول. وقوله: {لمن آمن منهم} بدل من {للذين استضعفوا} بإعادة حرف الجرّ الذي جرّ بمثله المبدل منه. والاستفهام في {أتعلمون} للتشكيك والإنكار، أي: ما نظنّكم آمنتم بصالححٍ عليه السّلام عن علم بصدقه، ولكنّكم اتَّبعتموه عن عمى وضلال غير موقنين، كما قال قوم نوح عليه السّلام: {أية : وما نَراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي}تفسير : [هود: 27] وفي ذلك شَوب من الاستهزاء. وقد جيء في جواب {الذين استضعفوا} بالجملة الاسميّة للدّلالة على أنّ الإيمان متمكّن منهم بمَزيد الثّبات، فلم يتركوا للذين استكبروا مطمعاً في تشكيكهم، بلْه صرفهم عن الإيمان برسولهم. وأكّد الخبر بحرف (إنّ) لإزالة ما توهّموه من شكّ الذين استكبروا في صحّة إيمانهم، والعدول في حكاية جواب الذين استضعفوا عن أن يكون بنعم إلى أن يكون بالموصول صلته لأن الصلة تتضمن إدماجاً بتصديقهم بما جاء به صالح من نحو التوحيد وإثبات البعث، والدلالة على تمكنهم من الإيمان بذلك كله بما تفيده الجملة الاسمية من الثبات والدوام وهذا من بليغ الايجاز المناسب لكون نسج هذه الجملة من حكاية القرآن لا من المحكي من كلامهم إذ لا يظن أن كلامهم بلغ من البلاغة هذا المبلغ، وليس هو من الأسلوب الحكيم كما فهمه بعض المتأخرين. ومراجعة الذين استكبروا بقولهم: {إنا بالذي آمنتم به كافرون} تدلّ على تصلّبهم في كفرهم وثباتهم فيه، إذ صيغ كلامهم بالجملة الاسميّة المؤكَّدة. والموصول في قولهم: {بالذي آمنتم به} هو ما أرسل به صالح عليه السّلام. وهذا كلام جامع لرد ما جَمعه كلام المستضعفين حين {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} فهو من بلاغة القرآن في حكاية كلامهم وليس من بلاغة كلامهم. ثمّ إنّ تقديم المجرورين في قوله: {بما أرسل به} و{بالذي آمنتم به} على عامليهما يجوز أن يكون من نظم حكاية كلامهم وليس له معادل في كلامهم المحكي، وإنّما هو لتتقوّم الفاصلتان، ويجوز أن يكون من المحكي: بأن يكون في كلامهم ما دلّ على الاهتمام بمدلول الموصولين، فجاء في نظم الآية مدلولاً عليه بتقديم المعمولين. وقرأ الجمهور: {قال الملأ} بدون عطف جرياً على طريقة أمثاله في حكاية المحاورات. وقرأه ابن عامر: {وقال} ــــ بحرف العطف ــــ وثبتت الواو في المصحف المبعوث إلى الشام خلافاً لطريقة نظائرها، وهو عطف على كلام مقدّر دلّ عليه قوله: {قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} والتّقدير: فآمن به بعض قومه، وقال الملأ من قومه إلخ، أو هو عطف على: {أية : قال يا قوم اعبدوا الله}تفسير : [الأعراف: 73] الآية، ومخالفةُ نظائره تفنّن.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 75- قال المتكبرون من أهل الصدارة والزعامة، مخاطبين الذين آمنوا من المستضعفين لائمين لهم ومستعلين عليهم: أتعتقدون أن صالحاً مُرسل من ربه؟ فأجابهم أهل الحق: إنا بما أرسل معتقدون، مذعنون له. 76- قال أولئك المستكبرون: إنا جاحدون منكرون للذى آمنتم به: وهو ما يدعو إليه صالح من الوحدانية. 77- وَلجَّ العناد بأولئك المستكبرين، فتحدوا الله ورسوله، وذبحوا الناقة، وتجاوزوا الحد فى استكبارهم، وأعرضوا عن أمر ربهم، وقالوا - متحدين -: يا صالح، ائتنا بالعذاب الذى وعدتنا إن كنت ممن أرسلهم الله حقاً. 78- فأخذتهم الزلازل الشديدة، فأصبحوا فى دارهم ميتين خامدين. 79- وقبل أن تنزل بهم النازلة أعرض عنهم أخوهم صالح، وقال: يا قوم قد أبلغتكم أوامر ربى ونواهيه، ومحضت لكم النصح، ولكنكم بلجاجتكم وإصراركم صرتم لا تحبون من ينصحكم. 80- ولقد أرسلنا لوطاً - نبى الله - إلى قومه، يدعوهم إلى التوحيد، وينبههم إلى وجوب التخلى عن أقبح جريمة يفعلونها. أتأتون الأمر الذى يتجاوز الحد فى القبح والخروج على الفطرة وقد ابتدعتم تلك الفاحشة بشذوذكم، فلم يسبقكم بها أحد من الناس؟ 81- وهى أنكم تأتون الرجال مشتهين ذلك، وتتركون النساء، أنتم شأنكم الإسراف، ولهذا خرجتم على الفطرة وفعلتم ما لم يفعله الحيوان.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} {صَالِحاً} (75) - وَقَالَ رُؤُوسُ الكُفْرِ، مُتَهَكِّمِينَ سَاخِرِينَ، لِلضُّعَفَاءِ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَهُمُ الذِينَ آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى صَالِحٍ: أَتَظُنُّونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ حَقِيقَةً؟ فَرَدَّ المُؤْمِنُونَ المُسْتَضْعَفُونَ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ صَالِحٌ مِنْ رَبِّهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن هناك سادة، وهناك أتباعاً. ومن قبل قال الحق: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ...} تفسير : [البقرة: 166] وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حوار بين السادة وبين المستضعفين الذين لا جاه لهم لا جبروت يُحافظ عليه، ورأوا دعوة الإِيمان ووجدوا فيها النفع لهم فأقبلوا عليها، أما الملأ وهم السادة الأشراف الأعيان الذين يملأون العين هيبة، والقلوب مهابة فقد قالوا لمن آمن من المستضعفين - لأن هناك مستضعفين ظلوا على ولائهم للكفر - قال هؤلاء الملأ من المستكبرين لمن آمن من المستضعفين: {...أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75] وعندما سمع المستكبرون قول المؤمنين من المستضعفين. فماذا قال الملأ المستكبرون؟ يقول الحق: {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ...}
الجيلاني
تفسير : ثم لما سمعوا منه ما سمعوا {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} عن الإيمان والاتباع له {مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} غياهم واستذلهم {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} على سبيل التهكم والاستهزاء {أَتَعْلَمُونَ} يقيناً أيها الحمقى المصدقون له المؤمنون {أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} الذي ادعى وحدته واستقلاله في الألوهية والربوبية {قَالُوۤاْ} أي: المؤمنون المخلصون من صفاء عقائدهم ونجاة طينتهم على سبيل التأكيد والمبالغة: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ} أي: بجميع ما أرسل {بِهِ} من عند ربه {مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75] مصدقون موقنون. {قَالَ} الملأ {ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} عناداً ومكابرة: {إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ} بمتابعة صالح {كَافِرُونَ} [الأعراف: 76] منكرون مكذبون. ثم لما كفروا وكذبوا مصرين {فَعَقَرُواْ} أي: نحروا {ٱلنَّاقَةَ} التي هي آية الله عليهم ووديعة الله عندهم، قد أوصاهم سبحانه ألاَّ تمسوها بسوء، وهم قد هلكوها عناداً {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} استكباراً {وَقَالُواْ} لنبيه؛ بطراً واستهزاء: {يَاصَالِحُ} الكذاب المدعي {ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب {إِن كُنتَ} صدقت أنك {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 77] فلما فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا استحقوا ما وعدوا وأوعدوا. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} الصيحة الهائلة {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78] أي: صار كل منهم جائماً جامداً إلى حيث لا يتحرك منهم أحد. روي أنهم كانوا في منازل عاد يعيشون فيها متنعمين مترفهين إلى أن كثرهم الله وعمرهم أعماراً طوالاً، واقتضى طول أملهم أن نحتوا من الجبال بيوتاً يخزنون فيها أمتعتهم ويبنون قصوراً عاليات في السهول؛ إذ كانوا في خصب وسعة، فقروا على ما هم عليه وأفسدوا في الأرض بأنواع الفسادات، وبالغوا في عبادة الأصنام، فبعث الله إليهم صالحاً وهو من أشرافهم فدعاهم إلى الإيمان والتوحيد، فسألوا منه آية فقال: آية آية تريدون؟ قالوا: أخرج معنا إلى عيدنا، فادع إلهك ندعو إلهنا فمن استجيب اتبع، فخرج معهم فدعوا أصنامهم فلم يجابوا، ثم اشار سيدهم جندع بن عمرو إلى صخرة منفردة يقال لها: الكائبة، وقال لصالح: أخرج من هذه الصخرة ناقة جوفاء وبراء، فإن خرجت صدقناك وآمنا بك. فأخذ صالح عليه السلام عنهم المواثيق إن أخرجت لتؤمنوا له، فعهدوا، فصلى ودعا ربه فمتخضمت الصخرة تمخص النتوج بولدها، فانصدعت عنه ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا وهم ينظرون، ثم أنتجت ولداً مثلها في الكبر، فآمن له جندع في جماعة ومنع الباقين دوار بن عمرو، والخباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمغر كاهنهم، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غباً، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تتفجج فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم ويدخرون، وكانت تصيف في ظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم، وتشتو في بطنه فتهرب أنعامهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم فهموا بقتلها، وزينت لهم قتلها أم غنم وصدقتها بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلاً اسمه قارة، فرغا ثلاثاً، فقال صال عليه السلام: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنك العذاب، فلم يقدروا عليه، وانفتحت الصخرة بعد رغائه فدخلها. فقال صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غداً مصفرة وبعد غد محمرةً، واليوم الثالث مسودة، ثم يصحبكم العذاب، فلما رأوا العلامات هموا أن يقتلوه، فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقعطت قلوبهم، فهلكوا {فَتَوَلَّىٰ} وأعرض صالح عليه السلام {عَنْهُمْ} بعدما ظهر عليهم أمارات عذاب الله وعلامات الانتقام {وَقَالَ} متحسراً متأسفاً حين تجانب عنهم: {يَٰقَوْمِ} المبالغين في الإعراض عن الحق { لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} وبذلت جهدي في إهدائكم {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} إشفاقاً عليكم حتى لا يلحقكم العذاب الموعود {وَلَكِن} أنتم قوم مستكبرون في أنفسكم، مصرون معاندون {لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ} [الأعراف: 79] فلحقكم ما أخاف عليكم بالإعراض عما أُمرتم به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):