٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
104
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه كان يقال لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس: الأكاسرة، فكأنه قال: يا ملك مصر، وكان اسمه قايوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان. المسألة الثانية: قوله: {إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فيه إشارة إلى ما يدل على وجود الإله تعالى. فإن قوله: {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } يدل على أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه، وإله يوجده ويخلقه. ثم قال: {حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } والمعنى أن الرسول لا يقول إلا الحق، فصار نظم الكلام. كأنه قال: أنا رسول الله، ورسول الله لا يقول إلا الحق، ينتج أني لا أقول إلا الحق، ولما كانت المقدمة الأولى خفية، وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة، ذكر ما يدل على صحة المقدمة الأولى، وهو قوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وهي المعجزة الظاهرة القاهرة. ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم، وهو قوله: {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } ولما سمع فرعون هذا الكلام قال: { إِن كُنتَ جِئْتَ بِـئَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ } واعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنياً على مقدمات: إحداها: أن لهذا العالم إلهاً قادراً عالماً حكيماً. والثانية: أنه أرسله إليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أن يكون رسولاً حقاً. والثالثة: أنه متى كان الأمر كذلك كان كل ما يبلغه من الله إليهم، فهو حق وصدق. ثم إن فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة، وهذا يوهم أنه كان مساعداً على صحة سائر المقدمات، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون هل كان عارفاً بربه أم لا؟ ولمجيب أن يجيب، فيقول: إن ظهور المعجزة يدل أولاً على وجود الإله القادر المختار، وثانياً: على أن الإله جعله قائماً مقام تصديق ذلك الرسول، فلعل فرعون كان جاهلاً بوجود الإله القادر المختار، وطلب منه إظهار تلك البينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلاً على وجود الإله أولاً، وعلى صحة نبوته ثانياً، وعلى هذا التقدير: لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة، كونه مقراً بوجود الإله الفاعل المختار. المسألة الثالثة: قرأ نافع { حقيق عَلَىَّ } مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف. أما قراءة نافع {فحقيق} يجوز أن يكون بمعنى فاعل. قال الليث: حق الشيء معناه وجب، ويحق عليك أن تفعل كذا، وحقيق علي أن أفعله، بمعنى فاعل. والمعنى: واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، وضع فعيل في موضع مفعول. تقول العرب: حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيراً، أي حق علي ذلك بمعنى استحق. إذا عرفت هذا فنقول: حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي. قال تعالى: {أية : فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا } تفسير : [الصافات: 31] وقال: {أية : فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } تفسير : [الإسراء: 16] فحقيق يجوز أن يكون موصولاً بحرف على من هذا الوجه، وأيضاً فإن قوله: {حَقِيقٌ } بمعنى واجب، فكما أن وجب يتعدى بعلي، كذلك حقيق إن أريد به وجب، يتعدى بعلي. وأما قراءة العامة {حَقِيقٌ عَلَىَّ } بسكون الياء. ففيه وجوه: الأول: أن العرب تجعل الباء في موضع «علي» تقول: رميت على القوس وبالقوس، وجئت على حال حسنة، وبحال حسنة. قال الأخفش: وهذا كما قال: {أية : وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } تفسير : [الأعراف: 86] فكما وقعت الباء في قوله: {بِكُلّ صِرٰطٍ } موضع «علي» كذلك وقعت كلمة «علي» موقع الباء في قوله: {حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لا أَقُولَ } يؤكد هذا الوجه قراءة عبدالله {حَقِيقٌ بِأَنَّ لا أَقُولَ } وعلى هذه القراءة فالتقدير: أنا حقيق بأن لا أقول، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء، وخبره {أَن لا أَقُولَ } الثاني: أن الحق هو الثابت الدائم، والحقيق مبالغة فيه، وكان المعنى: أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق. الثالث: الحقيق ههنا بمعنى المحقوق، وهو من قولك: حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين، ولفظة {عَلَىَّ } ههنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية، كقوله تعالى: {أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا }تفسير : [الروم: 30] وتقول: جاءت فلان على هيئته وعادته، وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات، فمعنى الآية: أني لم أعرف ولم أتحقق إلا على قول الحق. والله أعلم. أما قوله: {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } أي أطلق عنهم وخلهم، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة، مثل ضرب اللبن ونقل التراب، فعند هذا الكلام قال فرعون: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـئَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ } وفيه بحثان: البحث الأول: أن لقائل أن يقول: كيف قال له {فَأْتِ بِهَا } بعد قوله: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ }. وجوابه: إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فٱتني بها وأحضرها عندي، ليصح دعواك ويثبت صدقك. والبحث الثاني: أن قوله: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـئَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ } جزاء وقع بين شرطين، فكيف حكمه؟ وجوابه أن نظيره قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً. وههنا المؤخر في اللفظ يكون متقدماً في المعنى، وقد سبق تقرير هذا المعنى فيما تقدم.
القرطبي
تفسير : {حَقِيقٌ عَلَى} أي واجب. ومن قرأ «عَلَىٰ ألاَّ» فالمعنىٰ حريص على ألا أقول. وفي قراءة عبد الله «حقِيق ألا أقول» بإسقاط «على». وقيل: «علىٰ» بمعنىٰ الباء، أي حقيق بألا أقول. وكذا في قراءة أُبيّ والأعمش «بألا أقول». كما تقول: رميت بالقوس وعلى القوس. فـ «ـحقِيقٌ» على هذا بمعنىٰ محقوق ومعنىٰ «فَأَرْسِلْ معي بَنِي إسْرِائِيلَ» أي خلّهم. وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة. {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ} يستعمل في الأجسام والمعاني. وقد تقدّم. والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. {مُّبِينٌ} أي حية لا لبس فيها. {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي أخرجها وأظهرها. قيل: من جيبه أو من جناحه؛ كما في التنزيل {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}تفسير : [النمل: 12] أي من غير بَرَص. وكان موسىٰ أسمر شديد السّمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأوّل. قال ابن عباس: كان لِيَدِهِ نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض. وقيل: كانت تخرج يده بيضاء كالثلج تَلُوح. فإذا ردّها عادت إلى مثل سائر بدنه. ومعنى {عَلِيمٌ} أي بالسحر. {مِّنْ أَرْضِكُمْ} أي من مُلْكِكم معاشِرَ القبط، بتقديمه بني إسرائيل عليكم. {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي قال فرعون: فماذا تأمرون. وقيل: هو من قول الملأ؛ أي قالوا لفرعون وحده: فماذا تأمرون. كما يخاطب الجبّارون والرؤساء: ما تَرَوْن في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ولأصحابه. و «ما» في موضع رفع، على أن «ذا» بمعنىٰ الذي. وفي موضع نصب، على أن «ما» و «ذا» شيء واحد. {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ} قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائيّ بغير همز؛ إلاّ أنّ وَرْشاً والكسائيّ أَشْبعا كسرة الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. وهما لغتان؛ يقال: أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن كَثير وابن مُحَيْصِن وهشام؛ إلا أنهم أشبعوا ضَمّة الهاء. وقرأ سائر أهلِ الكوفة «أرجِهْ» بإسكان الهاء. قال الفرّاء: هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكنّى عنها في الوصل إذا تحرّك ما قبلها، وكذا هذه طلحةُ قد أقبلت. وأنكر البصريون هذا. قال قتادة: معنىٰ «أرْجِهِ» ٱحبسه. وقال ٱبن عباس: أخرّه. وقيل: «أرجِه» مأخوذ من رجا يرجو؛ أي أطْمِعه ودَعْه يرجو؛ حكاه النحاس عن محمد بن يزيد. وكسرُ الهاء على الاتباع. ويجوز ضَمّها على الأصل. وإسكانها لَحْنٌ لا يجوز إلا في شذوذ من الشعر. {وَأَخَاهُ} عطف على الهاء. {حَاشِرِينَ} نصب على الحال. {يَأْتُوكَ} جزم؛ لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «بِكُلِّ سَحَّارِ» وقرأ سائر الناس «ساحِرٍ» وهما متقاربان؛ إلا أنّ فَعّالاً أشدّ مبالغة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون، وإلجامه إياه بالحجة، وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: { وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنَّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه، {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، أي: جدير بذلك وحري به، قالوا: والباء وعلى يتعاقبان، يقال: رميت بالقوس، وعلى القوس، وجاء على حال حسنة، وبحال حسنة، وقال بعض المفسرين: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، وقرأ آخرون من أهل المدينة: حقيق عليّ، بمعنى واجب وحق علي ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق؛ لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلاً على صدقي فيما جئتكم به {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم؛ فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمطيعك فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقاً فيما ادعيت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ } إليك فكذبه.
ابن عادل
تفسير : كان يُقَالُ لمُلُوكِ مصر الفراعِنَة، كما يقال لملوك فارس الأكَاسِرَة، فكأنه قال: يا مَلِكَ [مصر] وكان اسمه قابوس وقيل: الوليدُ بْنُ مُصْعبِ بْنِ الرَّيَّان. وقوله: {رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} يدلُّ على وجود الإله تعالى، فإنَّهُ يدلُّ على أنَّ للعالم ربٌّ يربيه، وإله يوجده ويخلقه. قوله: "حَقِيقٌ" أي واجب {عَلَىٰ أَن لاَّ أَقُولَ}. قرأ العامة "على أنْ" بـ "عَلَى" التي هي حرف جر داخلة على أن وما في حيِّزها. ونافع قرأ "عليَّ" بـ "عَلَى" التي هي حرف جرّ داخلة على ياء المتكلِّم. فأما قراءة العامة ففيها سِتَّةٌ أوْجُهٍ، ذكر الزَّمخشريُّ منها أربعة أوجه: قال رحمه الله: وفي المشهورةِ [إشكال]، ولا يخلو من وجوده: أحدها: أن تكون مما قلب من الكلامِ كقوله: [الطويل] شعر : 2535 -...................... وتَشْقَى الرِّمَاحُ بالضَّيَاطِرَةِ الحُمْرِ تفسير : معناه: وتشقى الضياطرة بالرِّمَاحِ. قال أبُو حيَّان: "وأصحابنا يخصُّون القلب بالضَّرُورةِ، فينبغي أن يُنزَّه القرآن عنه". وللنَّاس فيه ثلاثةُ مذاهب: الجواز مطلقاً، [المنع مطلقاً]، التَّفصيل: بين أن يفيد معنًى بديعاً فيجوزُ، أو لا فيمتنع، وقد تقدَّم إيضاحه، وسيأتي منه أمثلة أخر في القرآن العظيم. وعلى هذا الوجه تصيرُ هذه القراءة كَقِرَاءةِ نافع في المعنى، إذ الأصلُ: قول الحق حقيق عليَّ، فقلب اللفظ فصار: "أنَّا حقيق على قول الحقِّ". قال: "والثاني: أن ما لزمك فقد لزمته، فلمَّا كان قول الحقِّ حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قول الحقِّ أي لازماً له". والثالث: أن يضمَّنَ حقيق معنى حريص كما ضمت "هيجّني" معنى ذكْرني في البيتِ المذكور في كتاب سيبويه وهو قوله: [البسيط] شعر : 2536 - إذَا تَغَنَّى الحَمَامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي وَلَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْهَا أمَّ عَمَّارِ تفسير : الرابع: أن تكون "عَلَى" بمعنى "الباء"، وبهذا الوجه قال أبو الحسن والفراء والفارسيُّ، قالوا: إنَّ "على" بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى "على" في قوله: {أية : وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ}تفسير : [الأعراف: 86] أي: على كلٍّ. وقال الفرَّاءُ: العرب تقول: رَمَيْتُ على القوس وبالقوس وجئتُ على حالٍ حسنة وبحال حسنة، وتؤيده قراءة أبيّ والأعمش "حقيق بأن لا أقول" إلاَّ أنَّ الأخفش قال: "وليس ذلك بالمطَّرد لو قلت: "ذهبتُ على زيْدٍ" تريد: "بزيدٍ" لم يجز"، وأيضاً فلأن مذهب البصريِّين عدم التجوُّزِ في الحُرُوفِ. الخامس: - وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن - أن يغرق موسى - عليه الصلاة والسلام - [في وصف نفسه] بالصِّدْق في ذلك المقام لا سيما وقد رُوِيَ أنَّ فرعون - لعنه الله - لمَّا قال موسى: إنِّي رسول من رب العالمين قال له: كذبت فيقول: أنا حقيقٌ على قول الحقِّ أي: واجب عليَّ قول الحقِّ أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يَرْضى إلاَّ بمثلي ناطقاً به. قال أبُو حيَّان: ولا يصحُّ هذا الوجه إلاَّ إن عنى أنه يكون "أن لا أقُول" صفة له كما تقول: أنَا على قول الحقِّ أي: طريقتي وعادتي قول الحقّ. السادس: أن تكون "على" متعلقة بـ "رَسُول". قال ابن مقسم: حقيقٌ من نعت "رَسُول" أي رسول حقيق من ربِّ العالمين أرْسِلْتُ على ألاَّ أقولَ على الله إلا الحقَّ، وهذا معنى صحيح واضحٌ، وقد غفل أكثرُ المفسرين من أرباب اللُّغَة عن تعليق "على" بـ "رسول"، ولم يخطر لهم تعليقه إلاَّ بـ "حقيق". قال أبُو حيَّان: وكلامه فيه تَنَاقضٌ في الظَّاهِرِ؛ لأنَّهُ قدَّر أولاً العامل في "عَلَى" "أرسلت" وقال أخيراً: لأنهم غفلوا عن تَعْليق "على" بـ "رسول"، فأمَّا هذا الأخير فلا يجوزُ عند البصريين؛ لأنَّ رسولاً قد وُصِف قبل أن يأخذ معموله، وذلك لا يَجُوزُ، وأمَّا تعليقه بـ "أرسلت" مقدَّراً لدلالةِ لفظ "رَسُوله" عليه فهو تقديرٌ سائغ. ويتأوَّل كلامه أنَّه أراد بقوله تُعَلَّقُ "على" بـ "رسول" أنه لمَّا كان دالاًّ عليه صحَّ نسبة التَّعلق له. قال شهابُ الدِّين: "وقال أبُو شامَةَ بعد ما ذكر هذا الوجه عن ابن مقسم: والأوْجهُ الأربعةُ التي للزمخشريِّ ولكن هذه وجوهٌ متعسِّفةٌ، وليس المعنى إلاَّ على ما ذكرته أوَّلاً، يعني وجه ابن مقسم، وهذا فيه الإشكال الذي ذكره الشيخ يعني أبا حيَّان يعني من إعمال اسم الفاعل أو الجاري مجراه وهو موصوفٌ". وأمَّا قراءة نافع فواضحةٌ وفيها ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أن يكون الكلامُ قد تم عند قوله: "حقيق"، و "عليَّ" خبر مقدَّمٌ، "ألاَّ أقُولَ" مبتدأ مؤخر، كأنَّهُ قيل: عليَّ عدم قول غير الحقِّ أي: فلا أقُولُ إلا الحقَّ. الثاني: أن يكون "حَقِيقٌ" خبراً مقدماً، و "ألاَّ أقولَ" مبتدأ على ما تقدَّم بيانه. الثالث: "أن لا أقول" فاعلٌ بـ "حقيقٌ" كأنَّهُ قيل: يحقُّ ويجبُ أن لا أقول، وهذا أغربُ الوُجُوهِ لوضُوحِهِ لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق "عليَّ" بـ "حقيقٌ" لأنَّك تقول: "حقَّ عليهِ كذا" قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ}تفسير : [الأحقاف: 18]. وعلى الوجْهِ الأوَّلِ يتعلَّق بمحذوف على ما تقرر. وأمّا رفع "حقيقٌ" فقد تقدَّم أنَّهُ يجوز أن يكون خَبَراً مقدَّماً، ويجوز أن يكون صفةً لـ "رَسُول"، وعلى هذا فيضعف أن يكون "مِنْ رب" صفةً لئلا يلزم تقديم الصفة غير الصّريحَة [على الصَّريحة]، فينبغي أن يكون متعلّقاً بنفس "رَسُول"، وتكون "مِنْ" لابتداء الغاية مجازاً. ويجوز أن يكون خبراً ثانياً. ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده الخبر على قراءة من شددَّ الياء، وسوَّغَ الابتداء بالنكِرَةِ حينئذٍ تعلُّق الجارِّ بها. فقد تحصَّل في رفعه أربعة أوجُهٍ، وهل هو بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول؟ الظَّاهِرُ أنَّهُ يحتمل الأمرين مُطْلَقاً، أعني على قراءة نَافِعٍ وقراءة غيره. وقال الوَاحِدِيُّ نَاقِلاً عن غيره: إنَّهُ مع قراءةِ نافعٍ محتمل للأمرين، ومع قراءة العامَّةِ بمعنى مفعول فإنَّهُ قال: "وحقيقق على هذا القراءةِ - يعني قراءة نَافِعٍ - يجوز أن يكون بمعنى فاعل". قال شمرٌ: "تقولُ العربُ: حقَّ عليَّ أن أفعل كذا". وقال الليثُ: "حقَّ الشَّيء معناه وجب، ويحقُّ عليك أن تفعله، وحقيق عليَّ أنْ أفعله، فهذا بمعنى فاعلٍ" ثم قال: وقال اللَّيْثُ: وحقيقٌ بمعنى مفعول، وعلى هذا تَقُولُ: فلان محقوقٌ عليه أن يفعل. قال الأعشى: [الطويل] شعر : 2537 - لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وَأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعَانَ مُوَفَّقْ تفسير : وقال جريرٌ: [البسيط] شعر : 2538 -........................... قَصِّرْ فَإنَّكَ بالتَّقْصيرِ مَحْقُوقُ تفسير : ثم قال: "وحقيقٌ على هذه القراءة - يعني قراءة العامَّة - بمعنى محقوق" انتهى. [وقرأ أبَيٌّ "بأن لا أقُولَ" وهذه تقوي أنَّ "على" بمعنى الباء]. وقرأ عبدُ الله والأعمشُ "ألاّ أقُولَ" دون حرف جرّ، فاحتمل أن يكون ذلك الجارّ "على" كما هو قراءة العامَّةِ، وأن يكون الجارُّ الباء كقراءة أبيّ المتقدمة. والحقُّ هو الثابت الدَّائِمُ، والحقيق مبالغة فيه. قوله: "إلاَّ الحَقَّ" هذا استثناء مفرَّغٌ، و "الحقُّ" يجوزُ أن يكون مفعولاً به، لأنَّهُ يتضمن معنى جملة، وأن يكون منصوباً على المصدر أي: القول الحقّ. قوله: {قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني العَصَا واليد {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي أطلق عنهم وخلِّهم يرجعون إلى الأرْضِ المقدَّسةِ، وكان فرعونُ قد استخدمهم في الأعمال الشَّاقَّة، فقال فرعونُ مجيباً له: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} والمعنى: إنْ كنت جئت من عند من أرْسَلَكَ بآيةٍ؛ فأحضرها عندي لتصحَّ دعواك. فإن قيل قوله: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} جزاء واقع بين شرطين فكيف حمله؟ والجوابُ: أنَّ هذا نظير قولك: إنْ دخلت الدَّارَ فأنت طالق إن كلمت زيداً، وهاهنا المؤخر في اللَّفظ يكون مقدماً في المعنى؛ كما سبق تقريره.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير عطفاً على {فظلموا بها}: ووضعها موسى مواضعها، عبر عنه بقوله: {وقال موسى يا فرعون} خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر. ولما أتاهم عليه السلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره، كان هذا حالاً مقتضياً لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد، لكن لما كان الإرسال من الله أمراً عظيماً جداً، وكان المقصود به تخلية سبيل بني إسرائيل، وكان فرعون ضنيناً بذلك، أكده بعض التأكيد فقال: {إني رسول} ثم بين مرسله بقوله: {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم أجمعين - وأنتم منهم - بإيجادهم وتربيتهم، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور. ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالاً على تسويته ببقية العالمين: ناطقهم وصامتهم، وكان لذلك بعيداً من الإذعان لهذا الكلام، أتبعه قوله على وجه التأكيد مستأنفاً بيان ما يلزم للرسول: {حقيق} أي بالغ في الحقية، وهي الثبات الذي لا يمكن زواله {على أن لا أقول على الله} أي الذي له جميع الكمال، ولا عظمة لسواه ولا جلال {إلا الحق} أي الثابت الذي لا تمكن المماراة فيه اصلاً لما يصدقه من المعجزات، وحاصل العبارة ومآلها: حق على قولي الذي أطلقه على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير الحق، ولذلك عبر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في {على} بمعنى هذا سواء، لأن من حق عليه شيء حق على كلامه. ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على صحة رسالته كان كأنه قيل: ما دليل صدقك؟ فقال مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق: {قد جئتكم} أي كلكم، لا أخص أحداً منكم {ببينة} دليلاً على رسالتي وقولي الحق {من ربكم} أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم، وتلك البينة هي المعجزة، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدّعي لأنه مربوب، لا فرق بينة وبين بقية العالمين في ذلك. ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدّعي في تلك المجامع إلا حقاً مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما تفرد بالإحسان، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم. فأتبع ذلك طلب النتيجة إعلاماً بغاية ما يريد منهم بقوله مسبباً عن مجرد هذا الإخبار الذي كان قد أوقع مضمونه: {فأرسل} أي يا فرعون {معي بني إسرائيل*} أي فسبب إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمُر بما جئت له - وهو إرسالهم معي - أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت المقدس موطن آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم، وفي جعل ذلك نتيجة الإرسال إليه تنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه، فكأنه قيل: فماذا قال فرعون في جواب هذا الأمر الواضح؟ فقيل: {قال} معرضاً عنه معمياً له خوفاً من غائلته عند من يعرف موسى عليه السلام حق المعرفة معبراً بأداة الشك إيقافاً لهم: {إن كنت جئت بآية} أي علامة على صحة رسالتك {فأت بها} فأوهم أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير أن يكون في كلامه السابق دلالة على صدقه، وأكد الإبهام والشك بقوله: {إن كنت} أي جبلة وطبعاً {من الصادقين*} أي في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. ولما ساق هذا الطلب مساقاً دالاً على أنه شاك في أمره، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالاًّ على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى عليه السلام: {فألقى عصاه} وعن فعله هو سبحانه {فإذا هي} أي العصا {ثعبان مبين*} أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه ينادي الناس فيظهر لهم أمره، وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعباناً أشعر فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هارباً وأحدث، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وصاح فرعون: يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصاً. ثم قال: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم {ونزع يده} أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقة أدماً كما كانت وهو عنده {فإذا هي بيضاء} ونبه على ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله: {للناظرين*} قال أبو حيان: أي للنظارة، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجاً عن العادة، وقال ابن عباس: صارت نوراً ساطعاً يضيء ما بين السماء والأرض، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين: أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء، والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده، وجمع بذينك تبديل الذوات من الخشبية إلى الحيوانية، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع، فكانا دالين على جواز الأمرين - انتهى. ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال: {قال الملأ} أي الأكابر {من قوم فرعون} ما تلقفوه من فرعون واحداً بعد واحد، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم {إن هذا لساحر} أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له، فلا تبادروا إلى متابعته. ولما كان ذلك خارجاً عما ألفوه السحرة قالوا: {عليم*} أي بما هم فيه، بالغ في علمه إلى حد عظيم، فذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة، فكأن فرعون قال ذلك أبتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله، يقوله بعضكم لبعض إعلاماً بأنهم على غاية الطواعية له خوفاً على رئاستهم تحقيقاً لقوله تعالى {أية : فاستخف قومه فأطاعوه } تفسير : [الزخرف: 54] واختير هنا إسناده إليهم، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليه السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده - على ما يزعم - بما يقتضي أن يكون لهم عليه أمر، فلذا كان إسناد القول إليه أحسن، لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر، وخضوع عنقه أضخم وأكبر.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن مجاهد. انه كان يقرأ {حقيق عليّ أن لا أقول} . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {فألقى عصاه} قال: ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم، اعطاه اياها ملك حين توجه إلى مدين، فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار، فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه، قال الله عز وجل {فإذا هي ثعبان مبين} قال: حية تكاد تساوره . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المنهال قال: ارتفعت الحية في السماء ميلاً، فأقبلت إلى فرعون فجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت. وجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: وأخذه بطنه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لقد دخل موسى على فرعون وعليه زرمانقة من صوف ما تجاوز مرفقه، فاستؤذن على فرعون فقال: ادخلوه. فدخل فقال: إن ألهي أرسلني إليك. فقال للقوم حوله: ما علمت لكم من إله غيري خذوه. قال إني قد جئتك بآية {قال فائت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه} فصارت ثعباناً ما بين لحييه ما بين السقف إلى الأرض، وأدخل يده في جيبه فأخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار فخروا على وجوههم، وأخذ موسى عصاه ثم خرج ليس أحد من الناس إلا يفر منه، فلما أفاق وذهب عن فرعون الروع قال للملأ حوله: ماذا تأمرون؟ قالوا: أرجئه وأخاه لا تأتنا به ولا يقربنا، وأرسل في المدائن حاشرين، وكانت السحرة يخشون من فرعون، فلما أسرع إليهم قالوا: قد احتاج إليكم إلهكم قال: إن هذا فعل كذا وكذا. قالوا: إن هذا ساحر يسحر، أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: ساحر يسحر الناس ولا يسحر الساحر الساحر؟ قال: نعم وإنكم إذاً لمن المقربين . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم قال: كانت عصا موسى من عوسج، ولم يسخر العوسج لأحد بعده . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: عصا موسى اسمها ماشا . وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم قال: عصا موسى هي الدابة يعني دابة الأرض . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله {فإذا هي ثعبان مبين} قال: الحية الذكر . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق معمر عن قتادة في قوله {فإذا هي ثعبان مبين} قال: تحوّلت حية عظيمة. قال معمر، قال غيره: مثل المدينة . وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي قال: حية صفراء ذكر . وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب ابن منبه قال: كان بين لحيي الثعبان الذي من عصا موسى إثنا عشر ذراعاً . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن فرقد السبخي قال: كان فرعون إذا كانت له حاجة ذهبت به السحرة مسيرة خمسين فرسخاً، فإذا قضى حاجته جاءوا به، حتى كان يوم عصا موسى فإنها فتحت فاها فكان ما بين لحييها أربعين ذراعاً، فأحدث يومئذ أربعين مرة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {فإذا هي ثعبان مبين} قال: الذكر من الحيات فاتحة فمها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها موسى فصارت عصا . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {ونزع يده} قال: الكف . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يريد أن يخرجكم} قال: يستخرجكم من أرضكم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ارجئه} قال: أخِّره . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قالوا {ارجئه وأخاه} قالف احبسه وأخاه . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله {وأرسل في المدائن حاشرين} قال: الشرط .
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتفصيل ما أُجمل فيما قبله من كيفية إظهار الآياتِ وكيفيةِ عاقبة المفسدين {يٰفِرعَونُ إِنِّي رَسُولٌ} أي إليك {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} على الوجه الذي مر بـيانه {حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} جوابٌ عما ينساق إليه الذهنُ من حكاية ظلمِهم بالآيات من تكذيبه إياه عليه الصلاة والسلام في دعوى الرسالةِ وكان أصلُه حقيقٌ على أن لا أقول الخ، كما هو قراءة نافع فقلب للأمن من الإلباس كما في قول من قال: شعر : [ونركبُ خيلاً لا هوادَةَ بينها] وتشقى الرماحُ بالضياطرة الحُمُر تفسير : أو لأن ما لزِمك فقد لزِمتَه، أو للإغراق في الوصف بالصدق، والمعنى واجبٌ عليّ القولُ الحقُّ أن أكون أنا قائلُه لا يَرضَى إلا بمثلي ناطقاً به، أو ضُمّن حقيقٌ معنى حريص، أو وُضِعَ على موضعَ الباءِ لإفادة التمكنِ كقولهم: رميتُ على القوس وجئتُ على حال حسنةٍ، ويؤيده قراءة أبـي بالباء وقرىء حقيق أن لا أقول وقوله تعالى: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ} استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله من كونه رسولاً من رب العالمين وكونِه حقيقاً بقول الحقِّ ولم يكن هذا القول منه عليه الصلاة والسلام وما بعده من جواب فرعون إثرَ ما ذكر هٰهنا بل بعد ما جرى بـينهما من المحاورة المحكيةِ بقوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا }تفسير : [طه: 49] الآيات، وقوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 23] الآيات، وقد طُوي هٰهنا ذكرُه للإيجاز، ومِنْ متعلقة إما بجئتُكم على أنها لابتداء الغايةِ مجازاً وإما بمحذوف وقع صفةً لبـينة مفيدةً لفخامتها الإضافية المؤكدةِ لفخامتها الذاتية المستفادةِ من التنوين التفخيمي، وإضافةُ اسمِ الرب إلى المخاطبـين بعد إضافتِه فيما قبله إلى العالمين لتأكيد وجوبِ الإيمان بها {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} أي فخلّهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسةِ التي هي وطنُ آبائِهم وكان قد استعبدهم بعد انقراضِ الأسباطِ يستعملهم ويكلفهم الأفاعيلَ الشاقة فأنقذهم الله تعالى بموسى عليه الصلاة والسلام وكان بـين اليوم الذي دخل يوسفُ مصرَ واليومِ الذي دخله موسى عليهما السلام أربعُمائة عام، والفاءُ لترتيب الإرسالِ أو الأمرِ به على ما قبله من رسالته عليه السلام ومجيئِه بالبـينة.
القشيري
تفسير : الرجوعُ إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعبٌ شديد، ولكنه لمَّا وَرَدَ الأمرُ قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق - سبحانه - بنور التأييد حتى شَاهَدَ فرعونَ محواً في التقدير فقال: {حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} فإِذا لم يصح له أن يقول على الخلق؛ فالخلق محوٌ فيما هو الوجود الأزلي فأيُّ سلطانٍ لآثار التفرقة في حقائق الجمع؟ قوله: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}: من المعلوم أن مجرَّد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهانٌ لم يبق غيرُ الانقياد لِمَا هو الحق، فَمَنْ استسلم (....)، ومَنْ جَحَدَ الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطاً لا ينتعش.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال موسى} اى لما دخل على فرعون ومن معه اخوه هارون بعثهما الله اليه بالرسالة قال {يا فرعون انى رسول} اى اليك {من رب العالمين} ادعوك الى عبادة رب العالمين وانهاك عن دعوى الربوبية فقال له فرعون كذبت ما انت برسول فقال موسى {حقيق على ان لا اقول على الله الا الحق} اى جدير بان لا اقول على الله الا الحق فوضع على موضع الباء لافادة التمكن كقولك رميت علىالقوس وجئت على حالة حسنة اى رميت بالقوس وجئت بحالة حسنة او ضمن حقيق معنى حريص. وفى المدارك ويجوز تعلق على بمعنى الفعل فى الرسول اى انى رسول حقيق جدير بالرسالة ارسلت على أن لا اقول على الله الا الحق انتهى. وقرأ نافع على بتشديد الياء. ثم ان موسى لما ادعى انه رسول من رب العالمين ذكر ما يدل على صحة دعواه فقال {قد جئتكم ببينة} اى بمعجزة ظاهرة كائنة {من ربكم} يعنى العصا واليد {فارسل معى بنى اسرائيل} فى فخلهم حتى يذهبوا معى الى الارض المقدسة التى هى وطن آبائهم وكان قد استعبدهم [وسبب آن بودكه جون يعقوب عليه السلام بااولاد واحفاد خود بمصر آمدند همانجا قرار كرفتند ونسل ايشان بسيار شد ويعقوب ويوسف بابرادران دركذشتند وملك ريان كه فرعون زمان يوسف بود وبمرد بسرش مصعب بنى اسرائيل را حرمت ميداشت ومتعرض ايشان نمى شد جون او بمرد وليدكه فرعون زمان موسى بود برتخت سلطنت نشست وزبان بلاف انا ربكم الاعلى بكشاد بنى اسرائيل دعوى او قبول نكردند كفت بدر شما در مخريده كشان ما بود وشما بنده زادكان ماييد بس ايشانرا ببندكى كرفت] وكان يستعملهم فى الاعمال الشاقة مثل ضرب اللبن ونقل التراب وبناء المنازل واشباه ذلك فلما جاء موسى اراد ان يرجع بهم الى موطن آبائهم الذى هو الارض المقدسة وكان بين اليوم الذى دخل فيه يوسف مصر واليوم الذى دخل فيه موسى اربعمائة عام.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: (عليّ)؛ بشد الياء، فحقيق: مبتدأ، و (عليّ): متعلق به، و (ألاَّ أقول): خبره، أي: حقيق عَلَيَّ قولُ الحق. ومن قرأ: {عَلَى}؛ بالتخفيف، فحقيق: صفة لرسول، و (على): حرف جر، و (ألاَّ أقول): مجرور، أي: إني رسول حقيق على قول الحق، وعدَّاه بعلى؛ لتضمنه معنى حريص، أو تكون (على) بمعنى الباء أي: حقيق بقول الحق، وقد يبقى على أصله لأمن الالتباس؛ والمعنى: حقيق على قول الحق أنا أكون أنا قائله، لا يرضى إلا مثله ناطقًا به. انظر البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال موسى يا فرعونُ إني رسولٌ من ربِّ العالمين حقَيقٌ} واجب {على أن لا أقول على الله إلا الحقَّ}؛ لأنني معصوم من النطق بغيره، فإن كذَّبتني فقد {جئتكم ببيّنة من ربكم} أي: بمعجزة واضحة، تدل على صدقي، وهي العصا: {فأرْسِلْ معي بني إسرائيل} أي: فخل سبيلهم، حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة: التي هي وطنُ آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة؛ وذلك أنه لما تُوفِّي يوسف عليه السلام غلب عليهم فرعونُ واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى رسولاً إلى فرعون: أربعمائة عام. ثم طلب منه إظهار المعجزة، فقال: {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ}.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية لما قال موسى (ع) لفرعون ونداؤه له: اني رسول من قبل رب العالمين مبعوث اليك والى قومك و (من) في قوله {من رب العالمين} لابتداء الغاية، لان المرسل المبتدىء بالرسالة وانتهاؤها المرسل اليه. و (موسى) على وزن (مفعل) والميم في موسى زائدة لكثرة زيادتها أولا كالهمزة التي صارت أغلب من زيادة الالف أخيرا. و (أفعى) على وزن (أفعل) لهذه العلة. و (موسى) اسم لا ينصرف، لانه أعجمي ومعرفة، وموسى الحديد عربي ان سميت به رجلا لم تصرفه، لانه مؤنث ومعرفة على أكثر من ثلاثة احرف، كما لو سميته بـ (عناق) لم تصرفه. ولو سميته (فقد) صرفته. و (فرعون) على وزن "فعلون" ومثله برذون، فالواو زائدة، لانها جاءت مع سلامة الاصول الثلاثة، والنون زائدة للزومها. و (فرعون) لا ينصرف لانه أعجمي معرفة، وعرف في حال تعريفه لانه نقل من الاسم العلم، ولو عرب في حال تنكيره لا ينصرف كما ينصرف (بأقرب) اسم رجل.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} اليكم {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} كان القياس ان يجعل ان لا اقول على الله الاّ الحقّ مرفوعاً بحقيق ويجعل مدخول على هو المتكلّم كما قرئ به، لكنّه قلب مجازاً للمبالغة فى الصّدق كأنّه امر متجوهر والمتكلّم من اوصافه، او للاشارة الى ما هو حقيقة الامر من اصالة الوجود واعتباريّة المهيّات فانّ الانسان على المذهب الحقّ نحو من الوجود متحدّد بالحدود المتعيّنة وصفات الوجود متّحدة معه والتّغاير فى مفهومها فقط، والحدود امور اعتباريّة عدميّة لا حقيقة لها والوجودات الامكانيّة لا استقلال لها ولا انانيّة بل هى متعلّقات محضة وفقراء الى الله والله هو الغنىّ، والانانيّة الّتى هى عبارة عن الاستقلال انّما هى باعتبار الحدود العدميّة فهى من اعتبارات الانسان وتابعة لحقيقته لا انّها حقيقته فهى تابعة لصدقه الّذى هو حقيقته، فصحّ ان يقال انا حقيق على الصّدق بهذا الاعتبار كما يصحّ ان يقال حقيق ان لا اقول على الله الاّ الحقّ علىّ بتشديد الياء باعتبار ملاحظة مفهومى الانانيّة والصّدق وبهذا الاعتبار قيل: حقّ القضايا الّتى تنعقد بين الممكنات ان يجعل الموضوع نحواً من الوجود والمحمول مهيّة من المهيّات فيقال: الوجود انسان مثلاً، لانّ الانسانيّة الّتى هى عبارة عن حدّ الوجود عرض تابع للوجود والوجود متبوع، وقيل فيه بتضمين حقيق معنى حريص وكون على بمعنى الباء وغير ذلك من الوجوه، وقرئ بوجوه أُخر غير ما ذكر ايضاً، ولمّا كانت الدّعاوى العظيمة من شأنها ان لا يسامح فيها ولا تسع الا ببيّنة وشاهد بادر اليها قبل مطالبتها فقال {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} فاقلبوا قولى ولا تخالفوا {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} ولمّا كان صحّة الدّعوى وسقمها منوطة بالبيّنة طالبها منه ولم يتعرّض لغيرها.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَالَمِينَ} إِليك وإِلى قومك {حَقِيقٌ} نعت لرسول، وقوله {عَلَى} خبر لقوله {أَن لاَّ أَقُولَ} عَلَى اللهِ إِلا الحَقَّ والجملة خبر ثان، َو على متعلق بحقيق وأَن لا أَقول إِلخ فى التأويل فاعل حقيق، أَو حقيق خبر لقوله أَن لا أَقول إِلخ.. ويجوز أَن يكون حقيق بمعنى محقوق كذلك نعت أَو خبر، ومرفوعه نائب الفاعل ضمير مستتر، أَو أَن لا أَقول إِلخ فى التأويل، وعلى للاستعلاء، أَو بمعنى الباء وعليه فإن لا أَقول إِلخ فاعل على أَن حقيق بمعنى فاعل أَو نائب فاعل على أَنه بمعنى مفعول {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِن رَّبِّكُمْ} تدل على أَنِّى رسول من الله عز وجل {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَائِيلَ} من مصر إِلى الشام وطن آبائهم، وفرعون قد استبعدهم واستعملهم فيما شاءَ من الأَعمال والبناء وحرق الآجر وسائر الصنايع، وعلى شيوخهم جزية، وكانوا فى مصر من عهد يوسف إِذ ملك مصر وجاءَ موسى عليه السلام من الشام إِلى مصر لينقذهم من ذلك، ويقال بين دخول يوسف عليه السلام مصر ودخول موسى عليه السلام أَربعمائة عام.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} كلام مبتدأ مسوق لتفصيل ما أجمل فيما قبله. {يَـٰفرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ} أي إليكم كما يشعر به {أية : قَدْ جِئْتُكُمْ} تفسير : [الأعراف: 105] أو إليك كما يشعر به {أية : فأرسل} تفسير : [الأعراف: 105] {مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي سيدهم ومالك أمرهم.
ابن عاشور
تفسير : عُطف قول موسى بالواو، ولم يفصل عمّا قبله، مع أن جملة هذا القول بمنزلة البيان لجملة {أية : بعثنا من بعدهم موسى}تفسير : [الأعراف: 103]، لأنه لما كان قوله: {أية : بآياتنا} تفسير : [الأعراف: 103] حالاً من موسى فقد فهم أن المقصود تنظير حال الذين أرسل إليهم موسى بحال الأمم التي مضى الإخبار عنها في المكابرة على التكذيب، مع ظهور آيات الصدق، ليتم بذلك تشابه حال الماضين مع حال الحاضرين المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم فجُعلت حكايةُ محاورة موسى مع فرعون وملئه خَبَراً مستقلاً لأنه لم يُحك فيه قوله المقارن لإظهار الآية بل ذكرت الآية من قبلُ، بخلاف ما حكي في القصص التي قبلَها فإن حكاية أقوال الرسل كانت قبل ذكر الآية، ولأن القصة هنا قد حكي جميعها باختصار بجُمَل {أية : بَعَثْنَا}تفسير : [الأعراف: 103]، {أية : فظلموا}تفسير : [الأعراف: 103]،{أية : فانظر}تفسير : [الأعراف: 103]، فصارت جملة: {قال}تفصيلاً لبعض ما تقدم، فلا تكون مفصولة لأن الفصل إنما يكون بين جملتين، لا بين جملة وبين عدة جمل أخرى. والظاهر أن خطاب موسى فرعونَ بقوله: {يا فرعون} خطاب إكرام لأنه ناداه بالاسم الدال على الملك والسلطان بحسب متعارف أمته فليس هو بترفع عليه لأن الله تعالى قال له ولهارون {أية : فقولا له قولاً لينّاً} تفسير : [طه: 44]، والظاهر أيضاً أن قول موسى هذا هو أول ما خاطب به فرعون كما دلت عليه سورة طه. وصوغ حكاية كلام موسى بصيغة التأكيد بحرف (إن) لأن المخاطب مظنة الإنكار أو التردد القوي في صحة الخبر. واختيار صفة {رب العالمين} في الإعلام بالمرسِل إبطال لاعتقاد فرعون أنه رب مصر وأهلها فإنه قال لهم: {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات: 24] فلما وصف موسى مُرْسلَه بأنه رب العالمين شمل فرعون وأهل مملكته فتبطل دعوى فرعون أنه إلاه مصر بطريق اللزوم، ودخل في ذلك جميع البلاد والعباد الذين لم يكن فرعون يدعي أنه إلههم مثل الفرس والأشوريين. وقوله: {حقيق عَليّ} قرأه نافع بالياء في آخر (علي) فهي ياء المتكلم دخل عليها حرف (على) وتعدية حقيق بحرف (على) معروفة. قال تعالى: {أية : فحق علينا قول ربنا} تفسير : [الصافات: 31]، ولأن حقيق بمعنى واجب فتعديته بحرف على واضحة، و{حقيقٌ} خبر ثان عن {إني}، فليس في ضمير المتكلم من قوله: (علي) على قراءة نافع التفات، بخلاف ما لو جعل قوله: {حقيق} صفة لــــ{رسول} فحينئذٍ يكون مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الغائب، فيقول: حقيق عليه، فيكون العدول إلى التكلم التفاتاً، وفاعل {حقيق} هو المصدر المأخوذ من قوله: {أنْ لا أقولَ} أي: حقيق علي عدم قولي على الله غيرَ الحق. وحقيق فعيل بمعنى فاعل، وهو مشتق من (حَق) بمعنى وجب وثبت أي: متعين وواجب علي قول الحق على الله، و(على) الأولى للاستعلاء المجازي و(على) الثانية بمعنى عن، وقرأ الجمهور (علىَ) بألف بعد اللام، وهي (على) الجارة. ففي تعلق (على) ومجرورها الظاهر بــــ{حقيق} تأويلٌ بوجوه أحسنها قول الفراء، وأبي علي الفارسي: أن (على) هنا بمعنى الباء وأن {حقيق} فعيل بمعنى مفعول: أي محقوق بأن لا أقول على الله إلاّ الحق، أي: مجعول قولُ الحق حقّاً علي، كقَول الأعشى: شعر : لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجيبيِ لقَوْلِهِ تفسير : أي محقوقة بأن تستجيبي، وقول سعيد بن زيد «ولوْ أنّ أُحُداً انْقضّ لِما صنعتم بعُثْمانَ لكان محقوقاً بأن ينقضّ». ومنها ما قال صاحب «الكشاف» «والأوْجهُ الأدْخلُ في نُكت القرآن أن يُغْرِقَ موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام فيقول: أنا حقيق على قولِ الحق، أي: أنا واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائمَ به». قال شارحوه: فالمعنى لو كان قول الحق شخصاً عاقلاً لكنتُ أنا واجباً عليه. أن لا يصْدُرَ إلاّ عنّي وأن أكون قائله، وهو على هذا استعارة بالكناية: شُبه قول الحق بالعقلاء الذين يختارون مواردهم ومصادرهم. ورُمز إلى المشبه به بما هو من رَوادفه، وهو كون ما يناسبه متعيناً عليه. ومنها ما قيل: ضمن {حقيق} معنى حريص فعُدّي بعلى إشارة إلى ذلك التضمين وأحسن من هذا أن يضمن {حقيق} معنى مكين وتكون (على) استعارة للاستعلاء المجازي. وجملة {قد جئتمكم ببينة} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن مقام الإنكار مما يثير سؤال سائل أن يقول هذه دعوى غريبة تحتاج إلى بينة. والبينة: الحجة. وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : قل إني على بينة من ربي} تفسير : في سورة [الأنعام: 57]. والحجة هنا يجوز أن يكون المراد بها البراهين العقلية على صدق ما جاء به موسى من التوحيد والهُدى، ويجوز أن تكون المعجزة الدالةَ على صدق الرسول. فعلى الوجه الأول تكون الباء في قوله: {ببينة} لتعدية فعل المجيء، وعلى الوجه الثاني تكون الباء للملابسة، والمراد بالملابسة ملابسة التمكن من إظهار المعجزة التي أظهرها الله له كما في سورة [طه: 17] {أية : وما تلك بيمينك يا موسى}. تفسير : ويحتمل المعنى الأعم الشامل للنوعين على ما يحتمله كلام موسى المترجم عنه هنا. والفاء في قوله فأرْسلْ} لتفريع طلب تسريح بني إسرائيل على تحقق الرسالة عن رب العالمين، والاستعداد لإظهار البينة على ذلك، وقد بنى موسى كلامه على ما يثق به من صدق دعوته مع الاستعداد للتبيين على ذلك الصدق بالبراهين أو المعجزة إن طلبها فرعون لأن شأن الرسل أن لا يبتدئوا بإظهار المعجزات صوناً لمقام الرسالة عن تعريضه للتكذيب، كما بيناه عند قوله تعالى: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليُؤمنن بها} تفسير : الآيات في سورة [الأنعام: 109]. والإرسال: الإطلاق والتخلية، كقولهم: أرسلها العراك، وهو هنا مجاز لغوي في الإذن لبني إسرائيل بالخروج، المطلوب من فرعون. وتقييده بــــ {معي} لأن المقصود من إخراجهم من مصر أن يكونوا مع الرسول ليرشدهم ويدبر شؤونهم. وقول فرعون: {إن كنت جئت بآية فأت بها} مُتعين لأن يكون معناه: إن كنت جئت بمعجزة، فإن أكثر موارد الآية في القرآن مراد فيه المعجزة، وأكثر موارد البينة مراد فيه الحجة، فالمراد بالبينة في قول موسى {قد جئتكم ببينة من ربكم} الحجة على إثبات الإلهية وعلى حقية ما جاء به من إرشاد لقومه، فكان فرعون غير مقتنع ببرهان العقل أو قاصراً عن النظر فيه فانتقل إلى طلب خارق العادة، فالمعنى: إن كنت جئتنا متمكناً من إظهار المعجزات، لأن فرعون قال ذلك قبل أن يظهر موسى ــــ عليه السلام ــــ معجزته، فالباء في قوله: {بآية} للمعية التقديرية، أي: متمكناً من آية، أو الباء للملابسة، والملابسة معناها واسع، أي: لك تمكين من إظهار آية. وقوله: {فأت بها} استعمل الإتيان في الإظهار مجازاً مرسلاً، فالباء في قوله: {بها} لتعدية فعل الإتيان، وبذلك يتضح ارتباط الجزاء بالشرط، لأن الإتيان بالآية المذكورة في الجزاء هو غير المجيء بالآية المذكورة في الشرط، أي: إن كنت جئت متمكناً من إظهار الآية فأظهر هذه الآية. والإلقاء: الرمي على الأرض أو في الماء أو نحو ذلك، أي: فرمى عصاه من يده. و(إذا) للمفاجأة وهي حدوث الحادث عن غير ترقب. والثعبان: حية عظيمة، و{مبين} اسم فاعل من أبان القاصر المرادف لبان، أي ظهر، أي: الظاهر الذي لا شك فيه ولا تخيل. ونزع: أزال اتصال شيء عن شيء، ومنه نزع ثوبه، والمعنى هنا أنه أخرج يده من جيب قميصه بعد أن أدخلها في جيبه كما في سورة النمل وسورة القصص فلما أخرجها صارت بيضاء، أي بياضاً من النور. وقد دل على هذا البياض قوله: {للناظرين}، أي بياضاً يراه الناظرون رؤية تعجب من بياضها. فالمقصود من ذكر قوله: {للناظرين} تتميم معنى البياض. واللام في قوله: {للناظرين} لم يعرج المفسرون على بيان معناها وموقعها سوى أن صاحب «الكشاف» قال: «يتعلق للناظرين ببيضاء» دون أن يبين نوع التعلق ولا معنى اللام، وسكت عليه «شراحه» والبيضاوي، وظاهر قوله يتعلق أنه ظرف لغو تعلق ببيضاء فلعله لما في بيضاء من معنى الفعل كأنه قيل: ابيضّت للناظرين كما يتعلق المجرور بالمشتق فتعين أن يكون معنى اللام هو ما سماه ابن مالك بمعنى التعدية وهو يريد به تعدية خاصة (لا مطلقَ التعدية أي تعدية الفعل القاصر إلى ما لا يتعدى له بأصل وضعه لأن ذلك حاصل في جميع حروف الجر، فلا شك أنه أراد تعدية خاصة لم يبين حقيقتها. وقد مثل لها في «شرح الكافية» بقوله تعالى: {أية : فهب لي من لدنك ولياً}تفسير : [مريم: 5] وجعل في «شرح التسهيل» هذا المثال مثالاً لمعنى شبه الملك، واختار ابن هشام أن يمثل للتعدية بنحو ما أضرب زيداً لعمرو. ولم يفصحوا عن هذه التعدية الخاصة باللام، ويظهر لي أنها عمل لفظي محض، أي لا يفيد معنى جزئياً كمعاني الحروف، فتحصّل أنهم في ارتباك في تحقيق معنى التعدية، وعندي أن قوله تعالى: {بيضاء للناظرين} أحسن ما يمثل به لكون اللام للتعدية وأن نفسر هذا المعنى بأنه تقريب المتعلّق بكسر اللام لمتعلّق بفتح اللام تقريباً لا يجعله في معنى المفعول به. وإن شئت إرجاع معنى التعدية إلى أصل من المعاني المشهورة للام، فالظاهر أنها من فروع معنى شبه الملك كما اقتضاه جعل ابن مالك المثال الذي مثل به للتعدية مثالاً لشبه الملك. وأقرب من ذلك أن تكون اللام بمعنى (عند) ويكون مفاد قوله تعالى: {بيضاء للناظرين} أنها بيضاء بياضاً مستقراً في أنظار الناظرين ويكون الظرف مستقراً يجعل حالاً من ضمير يده.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰفِرْعَوْنُ} {ٱلْعَالَمِينَ} (104) - وَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَونَ: لَقَدْ أَرْسَلَنِي رَبِّي وَرَبُّ العَالَمِينَ إِلَيْكَ، وَهُوَ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فِي هَذا الوُجُودِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويشرح لنا القرآن أمر بلاغ موسى لفرعون وقومه بان الله واحد أحد وهو رب العالمين، وكان قوم فرعون يعتقدون بوجود إله للسماء وآخر للأرض، لذلك يبلغهم موسى بأن الإِله واحد: {أية : قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 24] ونجد موسى يعدد كلمة الربوبية في آيات أخرى؛ ليأتي بالمظهر الذي دُسَّت فيه دسيسة الربوبية لفرعون، وكانوا يعتقدون أن للسماء إلهاً، وللأرض إلهاً آخر، فقال موسى: إنني أتكلم عن الإِله الواحد الذي هو رب السماء والأرض معاً فلا إله إلا الله وحده. وكانوا يعتقدون أن للشرق إلهاً، وللغرب إلهاً، فأبلغهم موسى بأنه إله واحد، وكانوا يعتقدون أن للأحياء ألهاً ورباً، وللأموات إلهاً ورباً، فقال لهم موسى: {أية : قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 26] ويبلغ هنا موسى فرعونَ وقومَه: {...إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 104] وما دام موسى رسولا من رب العالمين، فهو لا يقول إلا الحق، لذلك يتابع الحق على لسان موسى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):