٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
103
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وذكر في هذه القصة من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص، لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء، وجهل قومه كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام. واعلم أن الكناية في قوله: {مّن بَعْدِهِمْ } يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين جرى ذكرهم، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم ذكرهم بإهلاكهم وقوله: {بِـئَايَـٰتِنَا } فيه مباحث. البحث الأول: هذه الآية تدل على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره، إذ لو لم يكن مختصاً بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره. والبحث الثاني: هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة، ومعجزات كثيرة. والبحث الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول آياته العصا ثم اليد، ضرب بالعصا باب فرعون، ففزع منها فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فهو أول من خضب. قال: وآخر الآيات الطمس. قال: وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله: {أية : قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخرى} تفسير : [طه: 18] وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله: {أية : ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } تفسير : [البقرة: 60] وذكر ابن عباس أشياء أخرى منها: أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت، ومنها: أنه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه، ومنها: أنها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة، ومنها: أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة. واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة، فأما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول وما لا فلا، وقوله أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف، لأن القرآن يدل على أن موسى عليه السلام، كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج من الحجر، وما كان يفزع إليها في طلب الطعام. أما قوله: {فَظَلَمُواْ بِهَا } أي فظلموا بالآيات التي جاءتهم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة، ثم إنهم كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان، كان ذلك ظلماً منهم على تلك الآيات. ثم قال: {فَٱنظُرْ } أي بعين عقلك {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } وكيف فعلنا بهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. {مُّوسَىٰ} أي موسىٰ بن عمران. {بِآيَاتِنَآ} أي بمعجزاتنا. {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. قوله تعالىٰ: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي آخر أمرهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} أي: الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين {مُّوسَىٰ بِـآيَـٰتِنَآ} أي: بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون، وهو ملك مصر في زمن موسى {وَمَلإِيِهِ} أي: قومه {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: جحدوا وكفروا بها ظلماً منهم وعناداً، وكقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [النمل: 14] أي: الذين صدوا عن سبيل الله، وكذبوا رسله، أي: انظر كيف فعلنا بهم، أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله؛ موسى وقومه من المؤمنين به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } أي الرسل المذكورين {مُّوسَىٰ بِئَايَٰتِنآ } التسع {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ } قومه {فَظَلَمُواْ } كفروا {بِهَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } بالكفر من إهلاكهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ } أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب أي ثم أرسلنا موسى بعد إرسالنا لهؤلاء الرسل. وقيل: الضمير في {مّن بَعْدِهِمْ } راجع إلى الأمم السابقة، أي من بعد إهلاكهم {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وملئه} فرعون هو لقب لكل من يملك أرض مصر بعد العمالقة. وملأ فرعون: أشراف قومه، وتخصيصهم بالذكر مع عموم الرسالة لهم ولغيرهم، لأن من عداهم كالأتباع لهم. قوله: {فَظَلَمُواْ بِهَا } أي كفروا بها. وأطلق الظلم على الكفر، لكون كفرهم بالآيات التي جاء بها موسى كان كفراً متبالغاً، لوجود ما يوجب الإيمان من المعجزات العظيمة التي جاءهم بها. والمراد بالآيات هنا: هي الآيات التسع. أو معنى: {فَظَلَمُواْ بِهَا } ظلموا الناس بسببها لما صدّوهم عن الإيمان بها، أو ظلموا أنفسهم بسببها {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي المكذبين بالآيات الكافرين بها، وجعلهم مفسدين، لأن تكذيبهم وكفرهم من أقبح أنواع الفساد. قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أخبره بأنه مرسل من الله إليه، وجعل ذلك عنواناً لكلامه معه، لأن من كان مرسلاً من جهة من هو رب العالمين أجمعين، فهو حقيق بالقبول لما جاء به، كما يقول من أرسله الملك في حاجة إلى رعيته: أنا رسول الملك إليكم، ثم يحكي ما أرسل به فإن في ذلك من تربية المهابة، وإدخال الروعة، مالا يقادر قدره. قوله: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } قرىء "حقيق عليّ أن لا أقول" أي واجب عليّ، ولازم لي، أن لا أقول فيما أبلغكم عن الله إلا القول الحق، وقرىء {حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ } بدون ضمير في "على"؛ قيل: في توجيهه إن "على" معنى الباء، أي حقيق بأن لا أقول. ويؤيده قراءة أبيّ والأعمش، فإنهما قرآ «حقيق بأن لا أقول». وقيل: إن {حَقِيقٌ } مضمن معنى حريص. وقيل: إنه لما كان لازماً للحق، كان الحق لازماً له. فقول الحق حقيق عليه، وهو حقيق على قول الحق. وقيل إنه أغرق في وصف نفسه في ذلك المقام، حتى جعل نفسه حقيقة على قول الحق، كأنه وجب على الحق أن يكون موسى هو قائله. وقرأ عبد الله بن مسعود «حقيق أن لا أقول» بإسقاط "على"، ومعناها واضح. ثم قال بعد هذا {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي بما يتبين به صدقي، وأني رسول من رب العالمين. وقد طوى هنا ذكر ما دار بينهما من المحاورة، كما في موضع آخر أنه قال فرعون: {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 49]. ثم قال بعد جواب موسى {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] الآيات الحاكية لما دار بينهما. قوله: {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } أمره بأن يدع بني إسرائيل يذهبون معه، ويرجعون إلى أوطانهم، وهي الأرض المقدّسة. وقد كانوا باقين لديه مستعبدين ممنوعين من الرجوع إلى وطنهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فلما قال ذلك {قَالَ } له فرعون {إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيةٍ} من عند الله كما تزعم {فَأْتِ بِهَا } حتى نشاهدها، وننظر فيها {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في هذه الدعوى التي جئت بها. قوله: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } أي وضعها على الأرض فانقلبت ثعباناً، أي حية عظيمة من ذكور الحيات. ومعنى {مُّبِينٌ } أن كونها حية في تلك الحال أمر ظاهر واضح لا لبس فيه. {وَنَزَعَ يَدَهُ } أي أخرجها وأظهرها من جيبه، أو من تحت إبطه، وفي التنزيل: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء }تفسير : [النمل: 12]. قوله: {فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ} أي فإذا يده التي أخرجها بيضاء تتلألأ نوراً، يظهر لكل مبصر. {قَالَ ٱلْمَلأُ} أي الأشراف {مِن قَوْمِ فِرْعَونَ } لما شاهدوا انقلاب العصى حية، ومصير يده بيضاء من غير سوء {إِنَّ هَذَا } أي موسى {لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ } أي كثير العلم بالسحر. ولا تنافي بين نسبة هذا القول إلى الملأ هنا، وإلى فرعون في سورة الشعراء، فكلهم قد قالوه، فكان ذلك مصححاً لنسبته إليهم تارة وإليه أخرى. وجملة: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } وصف {لساحر}. والأرض المنسوبة إليهم هي أرض مصر. وهذا من كلام الملأ. وأما {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } فقيل: هو من كلام فرعون، قال للملأ لما قالوا بما تقدّم، أي بأي شيء تأمرونني. وقيل: هو من كلام الملأ، أي قالوا لفرعون، فبأي شيء تأمرنا، وخاطبوه بما تخاطب به الجماعة تعظيماً له، كما يخاطب الرؤساء أتباعهم. و"ما" في موضع نصب بالفعل الذي بعدها. ويجوز أن تكون "ذا" بمعنى الذي، كما ذكره النحاة في ماذا صنعت، وكون هذا من كلام فرعون هو الأولى، بدليل ما بعده، وهو: {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } قال الملأ جواباً لكلام فرعون، حيث استشارهم وطلب ما عندهم من الرأي: {أرجه}، أي أخره وأخاه. يقال أرجأته وأرجيته: أخرته. قرأ عاصم والكسائي وحمزة وأهل المدينة «أرجه» بغير همز. وقرأ الباقون بالهمز. وقرأ أهل الكوفة إلا الكسائي "أرجه" بسكون الهاء. قال الفراء: هي لغة للعرب يقفون على الهاء في الوصل، وأنكر ذلك البصريون. وقيل معنى {أرجه} احبسه. وقيل هو من رجا يرجو، أي أطمعه ودعه يرجوك، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد المبرد {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } أي أرسل جماعة حاشرين في المدائن التي فيها السحرة، و{حاشرين} مفعول {أرسل}. وقيل: هو منصوب على الحال. و{يَأْتُوكَ } جواب الأمر، أي يأتوك هؤلاء الذين أرسلتهم {بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } أي بكل ماهر في السحر، كثير العلم بصناعته. قرأ أهل الكوفة إلا عاصم «سحار». وقرأ من عداهم {ساحر}. قوله: {وَجَاء ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ } في الكلام طيّ، أي فبعث في المدائن حاشرين، وجاء السحرة فرعون. قوله: {قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } أي فلما جاءوا فرعون قالوا له إن لنا لأجراً، والجملة استئنافية جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: أيّ شيء قالوا له لما جاءوه؟ والأجر الجائزة والجعل، ألزموا فرعون أن يجعل لهم جُعلاً، إن غلبوا موسى بسحرهم. قرأ نافع، وابن كثير {إن لنا} على الإخبار. وقرأ الباقون «أئن لنا» على الاستفهام. استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة، ومعنى الاستفهام التقرير. وأما على القراءة الأولى، فكأنهم قاطعون بالجعل، وأنه لابدّ لهم منه، فأجابهم فرعون بقوله: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } أي إن تلكم لأجراً، وإنكم مع هذا الأجر المطلوب منكم لمن المقرّبين لدينا. قوله: {قَالُواْ يا مُوسَىٰ إَمَا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فما قالوا لموسى بعد أن قال لهم فرعون {نعم وإنكم لمن المقرّبين}. والمعنى: أنهم خيروا موسى بين أن يبتدىء بإلقاء ما يلقيه عليهم، أو يبتدئوه هم بذلك تأدّباً معه، وثقة من أنفسهم بأنهم غالبون، وإن تأخروا، و"أن" في موضع نصب، قاله الكسائي والفراء، أي إما أن تفعل الإلقاء أو نفعله نحن. فأجابهم موسى بقوله: {أَلْقَوْاْ } اختار أن يكونوا المتقدّمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم، ولا هائب لما جاءوا به. قال الفراء: في الكلام حذف. المعنى: قال لهم موسى إنكم لم تغلبوا ربكم، ولن تبطلوا آياته. وقيل هو تهديد، أي ابتدئوا بالإلقاء فستنظرون ما يحل بكم من الافتضاح. والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } أي حبالهم وعصيهم {سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } أي قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ } أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالاً شديداً {وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في أعين الناظرين لما جاءوا به، وإن كان لا حقيقة له في الواقع. قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } أمره الله سبحانه، عند أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر، أن يلقي عصاه {فَإِذَا هِىَ } أي العصا {تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } قرأ حفص {تَلْقَفْ } بإسكان اللام، وتخفيف القاف من لقف يلقف. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتشديد القاف من تلقف يتلقف، يقال لقفت الشيء وتلقفته: إذا أخذته أو بلعته. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات "تلقم" بالميم والتشديد، قال الشاعر:شعر : أنت عصا موسى التي لم تزل تلقم ما يأفكه الساحر تفسير : و«ما» في {مَا يَأْفِكُونَ } مصدرية أو موصولة، أي إفكهم أو ما يأفكونه، سماه إفكاً، لأنه لا حقيقة له في الواقع، بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } أي ظهر وتبين لما جاء به موسى {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من سحرهم، أي تبين بطلانه {فَغُلِبُواْ } أي السحرة {هُنَالِكَ } أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم {وَٱنقَلَبُواْ } من ذلك الموقف {صَـٰغِرِينَ } أذلاء مقهورين {وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ } أي خروا ساجدين، كأنما ألقاهم ملق على هيئة السجود، أو لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا أنفسهم، وجملة {قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا قالوا عند سجودهم أوفي سجودهم؟ وإنما قالوا هذه المقالة وصرّحوا بأنهم آمنوا بربّ العالمين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى قالوا: {ربّ موسى وهارون} لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون المقرّين بإلهيته، أن السجود له. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مُوسَىٰ } قال: إنما سمي موسى، لأنه ألقى بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية: مو والشجر: سي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد أن فرعون كان فارسياً من أهل إصطخر. وأخرج أيضاً عن ابن لهيعة، أنه كان من أبناء مصر. وأخرج أيضاً وأبو الشيخ، عن محمد بن المنكدر قال: عاش فرعون ثلثمائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عليّ بن أبي طلحة، أن فرعون كان قبطياً ولد زنا طوله سبعة أشبار. وأخرج أيضاً عن الحسن قال: كان علجاً من همذان. وأخرج أبو الشيخ، عن إبراهيم بن مقسم الهذلي، قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم يصدع له رأس. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ } قال: ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم، أعطاه إياها ملك حين توجه إلى مدين، فكانت تضيء بالليل، ويضرب بها الأرض بالنهار، فتخرج له رزقه ويهشّ بها على غنمه {فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } قال: حية تكاد تساوره. وأخرج ابن أبي حاتم، على ابن عباس، قال: لقد دخل موسى على فرعون وعليه زرمانقة من صوف ما تجاوز مرفقيه، فاستأذن على فرعون فقال: أدخلوه، فدخل فقال: إن إلهي أرسلني إليك، فقال للقوم حوله: {أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : [القصص: 38]، خذوه. قال إني قد جئتك بآية، قال: فائت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه، فصارت ثعباناً بين لحييه، ما بين السقف إلى الأرض، وأدخل يده في جيبه، فأخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار، فخروا على وجوههم، وأخذ موسى عصاه ثم خرج، ليس أحد من الناس إلا نفر منه. فلما أفاق وذهب عن فرعون الروع قال للملأ حوله: ماذا تأمروني؟ {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاه } ولا تأتنا به ولا يقربنا {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } وكانت السحرة يخشون من فرعون، فلما أرسل إليهم قالوا: قد احتاج إليكم إلهكم؟ قال: إن هذا فعل كذا وكذا. قالوا: إن هذا ساحر سحر {إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال: عصى موسى اسمها ماشا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق، عنه، في قوله: {فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } قال: الحية الذكر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } قال: الذكر من الحيات، فاتحة فمها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذُعِر منها ووثب فأحدث، ولم يكن يحدث قبل ذلك، فصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بربك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فصارت عصا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {أَرْجِهْ } قال: أخره. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، قال: احبسه وأخاه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس من طرق في قوله: {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } قال: الشُّرَط. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله: {وَجَاء ٱلسَّحَرَةُ } قال: كانوا سبعين رجلاً أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. وقد اختلفت كلمة السلف في عددهم؛ فقيل: كانوا سبعين كما قال ابن عباس. وقيل كانوا اثني عشر. وقيل: خمسة عشر ألفاً. وقيل: سبعة عشر ألفاً. وقيل: تسعة عشر ألفاً. وقيل: ثلاثين ألفاً. وقيل: سبعين ألفاً. وقيل: ثمانين ألفاً. وقيل ثلثمائة ألف. وقيل تسعمائة ألف. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } أي عطاء. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } قال: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: ألقى موسى عصاه فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن مجاهد، في قوله: {تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } قال: ما يكذبون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: {تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } قال: تسترط حبالهم وعصيهم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي؟ وتشهد أن ما جئت به حق؟ فقال الساحر: لآتينّ غداً بسحر لا يغلبه سحر. فو الله لئن غلبتني لأمننّ بك، ولأشهدنّ أنه حق، وفرعون ينظر إليهما وهو قول فرعون {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ }تفسير : [الأعراف: 123]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأوزاعي قال: لما خرّ السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} في {حَقِيقٌ} وجهان: أحدهما: حريص، قاله أبو عبيدة. والثاني: واجب، مأخوذ من وجوب الحق. وفي قوله: {إلاَّ الْحَقَّ} وجهان: أحدهما: إلا الصدق. والثاني: إلا ما فرضه الله عليّ من الرسالة.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {من بعدهم} عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم، و "الآيات" في هذه الآية عام في التسع وغيرها، وقوله {فظلموا بها} المعنى فظلموا أنفسهم فيها وبسببها وظلموا أيضاً مظهرها، ومتبعي مظهرها وقيل لما نزلت ظلموا منزلة كفروا وجحدوا عديت بالباء كما قال: [الفرزدق] شعر : قد قتل الله زياداً عني تفسير : فأنزل قتل منزلة صرف، ثم حذر الله من عاقبة المفسدين الظالمين وجعلهم مثالاً يتوعد به كفرة عصر النبي صلى الله عليه وسلم. و {فرعون} اسم كل ملك لمصر في ذلك الزمان فخاطبه موسى بأعظم أسمائه وأحبها إليه إذ كان من الفراعنة كالنمارذة في يونان وقيصر في الروم وكسرى في فارس والنجاشي في الحبشة، وروي أن موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، وروي أن اسم فرعون موسى عليه السلام الوليد بن مصعب، وقيل هو فرعون يوسف وأنه عمر نيفاً وأربعمائة سنة. قال القاضي أبو محمد: ومن قال إن يوسف المبعوث الذي أشار إليه موسى في قوله {أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} تفسير : [غافر:34] هو غير يوسف الصديق فليس يحتاج إلى نظر، ومن قال إنه يوسف الصديق فيعارضه ما يظهر من قصة يوسف، وذلك أنه ملك مصر بعد عزيزها، فكيف يستقيم أن يعيش عزيزها إلى مدة موسى، فينفصل أن العزيز ليس بفرعون الملك إنما كان حاجباً له. وقرأ نافع وحده {عليّ} بإضافة "على" إليه، وقرأ الباقون "على" سكون الياء، قال الفارسي: معنى هذه القراءة أن "على" وضعت موضع الباء، كأنه قال حقيق بأن لا أقول على الله الحق كما وضعت الباء موضع "على" في قوله {أية : ولا تقعدوا بكل صراط} تفسير : [الأعراف:86] فيتوصل إلى المعنى بهذه، وبهذه وكما تجيء "على" أيضاً بمعنى عن، ومنه قول الشاعر في صفة قوسه: شعر : أرمي عليها وهي فرع أجمع وهي ثلاث أذرع وإصبع تفسير : قال القاضي أبو محمد: و {حقيق على} هذا معناه جدير وخليق، وقال الطبري: قال قوم: {حقيق} معناه حريص فلذلك وصلت بـ {على} ، وفي هذا القول بعد، وقال قوم: {حقيق} صفة لرسول تم عندها الكلام، وعلى خبر مقدم و {أن لا أقول} ابتداء تقدم خبره، وإعراب {أن} على قراءة من سكن الياء خفض، وعلى قراءة من فتحها مشددة رفع، وقال الكسائي في قراءة عبد الله "حقيق بأن لا أقول"، وقال أبو عمرو في قراءة عبد الله: "حقيق أن أقول" وبه قرأ الأعمش، وهذه المخاطبة إذا تأملت غاية في التلطف ونهاية في القول اللين الذي أمر عليه السلام به. وقوله {قد جئتكم ببينة من ربكم} الآية، البينة هنا إشارة إلى جميع آياته وهي على المعجزة هنا أدل، وهذا من موسى عرض نبوته ومن فرعون استدعاء خرق العادة الدالة على الصدق. وظاهر الآية وغيرها أن موسى عليه السلام لم تنبن شريعته إلا على بني إسرائيل فقط، ولم يدع فرعون وقومه إلا إلى إرسال بني إسرائيل، وذكره لعله يخشى أو يزكى ويوحد كما يذكر كل كافر، إذ كل نبي داع إلى التوحيد وإن لم يكن آخذاً به ومقاتلاً عليه، وأما إن دعاه إلى أن يؤمن ويلتزم جميع الشرع فلم يرد هذا نصاً، والأمر محتمل، وبالجملة فيظهر فرق ما بين بني إسرائيل وبين فرعون والقبط، ألا ترى أن بقية القبط وهم الأكثر لم يرجع إليهم موسى أبداً ولا عارضهم وكان القبط مثل عبدة البقر وغيرهم وإنما احتاج إلى محاورة فرعون لتملكه على بني إسرائيل. وقوله تعالى: {فألقى عصاه} الآية، روي أن موسى عليه السلام قلق به وبمحاورته فرعون فقال لأعوانه خذوه فألقى موسى العصا فصارت ثعباناً وهمت بفرعون فهرب منها، وقال السدي: إنه أحدث وقال يا موسى كفه عني فكفه، وقال نحوه سعيد بن جبير. و"إذا" ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من حيث كانت خبراً عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف زمان في كل موضع، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لحييه في الأرض وأعلاها في شرفات القصر، والثعبان الحية الذكر، وهو أهول وأجرأ، قاله الضحاك، وقال قتادة صارت حية أشعر ذكراً، وقال ابن عباس: غرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها إلى فرعون، وقوله {مبين} معناه لا تخييل فيه بل هو بين أنه حقيقة، وهو من أبان بمعنى بان أو من بان بمعنى سلب عن أجزائه، وقوله {ونزع يده}، معناه من جيبه أو كمه حسب الخلاف في ذلك، وقوله {فإذا هي بيضاء} قال مجاهد كاللبن أو أشد بياضاً، وروي أنها كانت تظهر منيرة شفافة كالشمس تأتلق، وكان موسى عليه السلام ذا دم أحمر إلى السواد، ثم كان يرد يده فترجع إلى لون بدنه. قال القاضي أبو محمد: وهاتان الآيتان عرضهما موسى عليه السلام للمعارضة ودعا إلى الله بهما، وخرق العادة بهما وتحدى الناس إلى الدين بهما، فإذا جعلنا التحدي الدعاء إلى الدين مطلقاً فبهما تحدى، وإذا جعلنا التحدي الدعاء بعد العجز عن معارضة المعجرة وظهور ذلك فتنفرد حينئذ العصا بذلك لأن المعارضة والعجز فيها وقعا. قال القاضي أبو محمد: ويقال التحدي هو الدعاء إلى الإتيان بمثل المعجزة، فهذا نحو ثالث وعليه يكون تحدي موسى بالآيتين جميعاً لأن الظاهر من أمره أنه عرضهما للنظر معاً وإن كان لم ينص على الدعاء إلى الإتيان بمثلها، وروي عن فرقد السبخي أن فم الحية كان ينفتح أربعين ذراعاً.
النسفي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } الضمير للرسل في قوله {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } أو للأمم {مُّوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } بالمعجزات الواضحات {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بآياتنا، أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] أو فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن، أو لأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلماً حيث وضعوا الكفر غير موضعه وهو موضع الإيمان {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } حيث صاروا مغرقين {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ} يقال لملوك مصر «الفراعنة» كما يقال لملوك فارس «الأكاسرة»، وكأنه قال: يا ملك مصر ـ واسمه قابوس أو الوليد بن مصعب بن الريان ـ {إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إليك. قال فرعون: كذبت. فقال موسى: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } أي أنا حقيق على قول الحق أي واجب على قول الحق أن أكون قائله والقائم به. {حَقِيقٌ عَلَىَّ } نافع أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا الحق أي الصدق، وعلى هذه القراءة تقف على {ٱلْعَـٰلَمِينَ } وعلى الأول يجوز الوصل على جعل {حَقِيقٌ } وصف الرسول، و«علي» بمعنى الباء كقراءة أبي أي إني رسول خليق بأن لا أقول، أو يعلق «على» بمعنى الفعل في الرسول أي إني رسول حقيق جدير بالرسالة أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مِّن رَبُّكُـمْ } بما يبين رسالتي {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } فخلهم يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم. وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي غلب فرعون على نسل الأسباط واستعبدهم فأنقذهم الله بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف عليه السلام مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام {مَعِىَ } حفص {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـئَايَةٍ } من عند من أرسلك {فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فأتني بها لتصح دعواك ويثبت صدقك فيها {فَأُلْقِىَ } موسى عليه السلام {عَصَـٰهُ } من يده {فَإِذَا هِىَ } {إِذَا } هذه للمفاجأة وهي من ظروف المكان بمنزلة «ثمة» و«هناك» {ثُعْبَانٌ } حية عظيمة {مُّبِينٌ } ظاهر أمره. روي أنه كان ذكراً فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون فهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وحمل على الناس فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، فصاح فرعون: يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه موسى فعاد عصاً {وَنَزَعَ يَدَهُ } من جيبه {فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ } أي فإذا هي بيضاء للنظارة، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة يجمع الناس للنظر إليه. روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟ فقال: يدك ثم أدخلها في جيبه ونزعها فإذا هي بيضاء غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة. {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ } عالم بالسحر ماهر فيه قد خيل إلى الناس العصاحية والآدم أبيض. وهذا الكلام قد عزي إلى فرعون في سورة «الشعراء» وأنه قال للملأ، وهنا عزي إليهم فيحتمل أنه قد قاله هو وقالوه هم فحكي قوله ثمّة وقولهم هنا، أو قاله ابتداء فتلقنه منه الملأ فقالوه لأعقابهم {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } يعني مصر {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تشيرون من آمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي، وهو من كلام فرعون قاله للملأ لما قالوا له {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم } {قَالُواْ أَرْجِهْ } بسكون الهاء: عاصم وحمزة أي أخر واحبس أي أخر أمره ولا تعجل، أو كأنه هم بقتله فقالوا: أخر قتله واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق {وَأَخَاهُ } هرون {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } جامعين. {يَأْتُوكَ بِكُلّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ } {سَحَّارٍ }: حمزة وعلي. أي يأتوك بكل ساحر عليم مثله في المهارة أو بخير منه {وَجَاء ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ } يريد فأرسل إليهم فحضروا {قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } على الخبر وإثبات الأجر العظيم حجازي وحفص. ولم يقل «فقالوا» لأنه على تقدير سؤال سائل ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله {قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } لجعلاً على الغلبة. والتنكير للتعظيم كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر عظيم {إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ قَالَ نَعَمْ } إن لكم لأجراً {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } عندي فتكونون أول من يدخل وآخر من يخرج، وكانوا ثمانين ألفاً أو سبعين ألفاً أو بضعة وثلاثين ألفاً {قَالُواْ يا مُوسَىٰ إَمَا أَن تُلْقِىَ } عصاك {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } لما معنا، وفيه دلالة على أن رغبتهم في أن يلقوا قبله حيث أكد ضميرهم المتصل بالمنفصل وعرف الخبر {قَالَ } لهم موسى عليه السلام {أَلْقَوْاْ } تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه كما يفعل المتناظرون قبل أن يتحاوروا الجدال، وقد سوغ لهم موسى ما رغبوا فيه ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم واعتماداً على أن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً {فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. روي أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي أمثال الحيات قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضاً {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ } وأرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم استدعوا رهوبتهم بالحيلة {وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في باب السحر أو في عين من رآه. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } - تلقف - تبتلع {تَلْقَفْ } حفص {مَا يَأْفِكُونَ } «ما» موصولة أو مصدرية يعني ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه، أو إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك. روي أنها لما تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى فرجعت عصاً كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، أو فرقها أجزاء لطيفة قالت السحرة: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } فحصل وثبت {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْلَمُونَ } من السحر {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ } أي فرعون وجنوده والسحرة {وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ } وصاروا أذلاء مبهوتين {وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ } وخروا سجداً لله كأنما ألقاهم ملقٍ لشدة خرورهم، أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا فكانوا أول النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة {قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } هو بدل مما قبله {قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ } على الخبر: حفص. وهذا توبيخ منه لهم. وبهمزتين: كوفي غير حفص. فالأولى همزة الاستفهام ومعناه الإنكار والاستبعاد {قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } قبل إذني لكم {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا } إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الصحراء لغرض لكم وهو {أن تَخْرُجُواْ مِن مّصْرَ القبط وتسكنوا بني إسرائيل} { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وعيد أجمله ثم فصله بقوله: {لأَقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } من كل شق طرفاً {ثُمَّ لأَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } هو أول من قطع من خلاف وصلب {قَالُواْ إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } فلا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون نقلب إلى الله فيحكم بيننا {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله، أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر وهو الإيمان ومنه قوله شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي اصبب صباً ذريعاً. والمعنى هب لنا صبراً واسعاً وأكثره علينا حتى يفيض علينا ويغمرنا كما يفرغ الماء إفراغاً {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ثابتين على الإسلام {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر بالاستعلاء فيها وتغيير دين أهلها لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفر {ويذرك وءالهتك} عطف على {لِيُفْسِدُواْ } قيل: صنع فرعون لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه كما يعبد عبدة الأصنام الأصنام ويقولون ليقربونا إلى الله زلفى، ولذلك {أية : قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات: 24] {قَالَ } فرعون مجيباً للملإ {سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـى نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ } {سَنُقَتّلُ } حجازي أي سنعيد عليهم قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون بذهاب ملكنا على يده فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ } قال لهم ذلك حين جزعوا من قول فرعون سنقتل أبناءهم تسلية لهم ووعداً بالنصر عليهم {إِنَّ ٱلأَرْضَ } اللام للعهد أي أرض مصر أو للجنس فيتناول أرض مصر تناولاً أولياً {للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } فيه تنميته إياهم أرض مصر {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط. وأخليت هذه الجملة عن الواو لأنها جملة مستأنفة بخلاف قوله {وَقَالَ ٱلْمَلأُ } لأنها معطوفة على ما سبقها من قوله {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ } {قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى إلى أن استنبىء وإعادته عليهم بعد لك، وذلك اشتكاء من فرعون واستبطاء لوعد النصر {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل وكشف عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. وعن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، وطلب المنصور زيادة لعمرو فلم توجد فقرأ عمرو هذه الآية، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال: قد بقي {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {حقيق على} بالتشديد: نافع. الباقون: بالتخفيف {معي} بفتح الياء حيث كان: حفص {أرجه} بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل {أرجه} بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون {أرجهي} بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل {أرجئه} بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني {أرجئهو} بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام {أرجئه} بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان {سحار} بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس. وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة. البقون {ساحر}. {أن لنا} بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص. {أئن لنا} بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام. يدخل بينهما مدة {آين لنا} المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد. {أين لنا} بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد {تلقف} بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل {تلقف} بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح. الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل. {آمنتم} بهمزة واحدة ممدودة: حفص. {أأمنتم} بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. {آمنتم} بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل {فرعون وآمنتم} بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل {وآمنتم} بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل. الوقوف: {فظلموا بها} ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء {المفسدين} ه {العالمين} ه ج وقف لمن قرأ {حقيق عليّ} بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل {حقيق} وصف الرسول و"على" بمعنى الباء {إلا الحق} ط {بني إسرائيل} ط {الصادقين} ه {مبين} ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين {للناظرين} ه {عليم} ه لا لأن ما بعده وصف لساحر {من أرضكم} ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون {قاهرون} ه {حاشرين} ه لا لأن ما بعده جواب الأمر {عليم} ه {الغالبين} ه {المقربين} ه {الملقين} ه {ألقوا} ج للعطف {عظيم} ه {عصاك} ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي {ما يأفكون} ه {وكذلك يعملون} ه {صاغرين} ه ج لمكان حروف العطف {ساجدين} ه ج لاحتمال كون {قالوا} حالاً بإضمار "قد" {العالمين} ه لا للبدر {هرون} ه {آذن لكم} ج للابتداء مع اتحاد القائل {أهلها} ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف {تعلمون} ه {أجمعين} ه {منقلبون} ه للآية مع اتحاد المقول {جاءتنا} ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة {المسلمين} ه. التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى عليه السلام. وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء. والضمير في قوله {ثم بعثنا من بعدهم} يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله {بآياتنا} دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي. {فظلموا بها} أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها. {وانظر} أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك {كيف كان عاقبة المفسدين} كيف فعلنا بهم؟ وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} أي إله قادر عليم حكيم. وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه {حقيق على أن لا أقول} من قرأ بالتشديد في {عليّ} و {حقيق} إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك. تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً. وأما قراءة العامة {حقيق علي أن لا أقول} مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال{أية : ولا تقعدوا بكل صراط}تفسير : [الأعراف: 86] أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ {حقيق بأن لا أقول} أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق. ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص. ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع. وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به. وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله تعالى{أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها} تفسير : [الروم: 30] ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات. فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق. ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال {قد جئتكم ببينة من ربكم} أي بمعجزة قاهرة باهرة منه. ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله {فأرسل معي بني إسرائيل} أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم. وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة {قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟ والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً. وثانيهما: أن قوله {إن كنت جئت بآية} وقوله {فأت بها} كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟ وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك. ثم إن فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله سبحانه {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات. أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر. روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك. وهرب الناس وصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً. والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر{أية : وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء}تفسير : [النمل: 12] روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟ فقال: يدك. ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة وقوله {للناظرين} يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب. واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل. والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة. فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء. قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً. هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين. قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة. والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله سبحانه قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى عليه السلام كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله سبحانه {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم} ولا ينافي هذا ما حكاه الله تعالى في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة. والأظهر أن قوله {فماذا تأمرون} من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه {أرجه وأخاه} أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك. قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز. وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا. {وأرسل في المدائن حاشرين} أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز {مدائن} لأنه كصحائف. وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن. وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر. وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد {يأتوك بكلّ سحار} الباء بمعنى "مع" أو للتعدية. قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم. وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً. وقيل: سبعين ألفاً. وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل. وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى. وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر {وجاء السحرة فرعون قالوا} لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب {قالوا إن لنا لأجراً} أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة {قال نعم} أي إن لكم أجراً {وإنكم لمن المقربين} أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم. روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج. وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به. وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم. ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا {يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم {وإما أن نكون نحن} بالأمر أليق منه بالخبر. وبدليل قوله {والله مع الصابرين} وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد. فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله{أية : حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}تفسير : [الأنفال: 64] وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينقص عددها على العشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده. ثم بين السبب في الغلبة فقال{أية : بأنهم قوم لا يفقهون}تفسير : [الأنفال: 65] أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة. وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور. قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم. وقال الأنصار. شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا. وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة. وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك. قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله سبحانه أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال سبحانه وتعالى {فوقع الحق}. قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر. وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره. وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر. وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً. ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله {وبطل ما كانوا يعملون} أي الذي عملوه أو عملهم {فغلبوا هنالك} أي حين التحدي {وانقلبوا صاغرين} لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته. روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي. قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة. وفي قوله {وألقي السحرة ساجدين} دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله سبحانه الموجد للدواعي والقدر. وقال الأخفش. من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين. قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟ وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان. قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون. فلما قالوا {رب موسى} قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا {هارون} زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون. وقيل: أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى. وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً. ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم. أما الإنكار فذلك قوله {آمنتم له} من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار. وفي قوله قبل {أن آذن لكم} دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين. وأما الشبهة فقوله {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها} أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل. وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ {فسوف تعلمون} وعيد إجمالي وتفصيله {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} أي كل من شق طرفاً {ثم لأصلبنكم أجمعين} واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا. فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون{أية : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض}تفسير : [الأعراف: 127] ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا {ربنا أفرغ علينا صبراً} والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله {وقومه} وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده. وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد {إنا إلى ربنا منقلبون} أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه {وما تنقم منا} قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا {إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا {ربنا أفرغ علينا صبراً} أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون {وتوفنا مسلمين} ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً. فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله تعالى وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف. واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره}، {وإنكم إذا لمن المقربين}، {قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون}، {فسوف تعلمون} وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا {وأرسل في المدائن} وهناك {وابعث} فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره. وإنما قال ههنا {آمنتم به} وفي طه والشعراء {آمنتم له} باللام لأن ضمير {به} في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد. وقال ههنا {ثم لأصلبنكم} وفي السورتين {لأصلبنكم} لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه. التأويل: {فظلموا بها} بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها {عاقبة المفسدين} الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها {حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق} لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة {فإذا هي ثعبان} لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله{أية : هي عصاي}تفسير : [طه: 18] ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل{أية : ألقها يا موسى}تفسير : [طه: 19] {فإذا هي بيضاء} فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله تعالى في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية {يريد أن يخرجكم} لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية. {قالوا أرجه وأخاه} توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم. {أئن لنا لأجر} لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية {قال نعم وإنكم لمن المقربين} أجرى الله تعالى هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله {قالوا يا موسى إما أن تلقي} أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله تعالى بالسجود والإيمان {بسحر عظيم} أي عظيم في الإثم كما قال {سبحانك هذا بهتان عظيم} وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة {فإذا هي تلقف ما يأفكون} فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس {فوقع الحق} بإثبات لا إله إلا الله {وبطل ما كانوا يعملون} من تزيين زخارف الدنيا في العيون {فغلبوا} أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر {وانقلبوا صاغرين} ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه {وألقى السحرة ساجدين} أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية. {رب موسى} الروح {وهارون} القلب. واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق. وفي القصة دلالة على أنه تعالى قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة {قبل أن آذن لكم} هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله {لمكر مكرتموه} في موافقة موسى الروح في مدينة القالب {لتخرجوا منها أهلها} هو اللذات والشهوات البدنية {لأقطعن} بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة {ثم لأصلبنكم في جذوع} تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ الكناية في قوله: "مِنْ بَعْدِهِمْ" يجوز أنْ تعود إلى الأنبياء الذين جرى ذكرهم وهم: نُوحٌ، وصالحٌ، وشعيبٌ وهود ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدَّم إهلاكهم. وقوله: "بآياتنا" أي بأدلَّتِنَا ومعجزاتنا، وهذا يَدُلُّ على أنَّ النبي لا بد له من آية ومعجزة يتميز بها عن غيره، وإلا لم يكن قوله أولى من قول غيره. قال ابن عباس: أوَّلُ آياته العَصَا ثم اليَدُ، ضرب بالعصا باب فرعون فَفَزِعَ منها فشاب رَأسَهُ، فاسْتَحْيَا فخضب بالسَّوادِ، فهو أوَّلُ من خضب، قال: وآخر الآيات الطَّمْسُ، قال: وللعصا فوائِدُ: منها ما هو مذكور في القرآن كقوله: {أية : قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]، وقوله: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}تفسير : [البقرة: 60]،{أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]. وذكر ابن عباس أشياء أخرى: منها أنَّهُ كان يغرسها فتنبت كالثمر وانقلابها ثعباناً وكان يحارب بها اللُّصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه. ومنها أنَّها كانت تشتعل في الليل كالشَّمْعَةِ ومنها أنَّها كانت تصيرُ كالحَبْلِ الطَّويلِ فينزح الماء من البئر العميقة. ومنها أنَّهُ كان يضربُ بها الأرْضَ فَتَنْبُتُ. واعلم أنَّ المذكور في القرآن مَعْلُومٌ، وأمَّا المذكور في غير القرآن فإن ورد في خبر صحيح فهو مقبول، وإلاَّ فلا. قوله: "فَظَلَمُوا بها" يجوز أن يضمن "ظَلَمُوا" معنى "كَفَرُوا" فيتعدَّى بالياء كتعديته ويؤيده {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]، ويجوز أن تكون "الباء" سببيّة والمفعول محذوف تقديره: فظلموا أنْفُسَهُم وظلموا النَّاسَ بمعنى صدوهم عن الإيمان بسبب الآيات. والظُّلْمُ: وضع الشَّيءِ في غير موضعه فظلمهم: وضع الكُفْرِ موضع الإيمان. قوله: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} "كَيْفَ" خبر لـ "كان" مقدَّمٌ عليها واجب التَّقديمِ؛ لأنَّ له صدر الكلام، و "عَاقِبَة" اسمها وهذه الجملة الاستفهامية في محلّ نصب على إسْقَاطِ حرف الجرِّ إذ التقديرُ: فانظر إلى كذا، والمعنى: فانْظُرْ بعين عقلك كيف فعلنا بالمفسدين.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إنما سمي موسى لأنه ألقي بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية: مو، والشجر: سى . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان فرعون فارسياً من أهل اصطخر . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة. إن فرعون كان من أبناء مصر . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن المنكدر قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة، منها مائتان وعشرون سنة لم ير فيها ما يقذي عينيه، ودعاه موسى ثمانين سنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة. أن فرعون كان قبطياً ولد زنا، طوله سبعة أشبار. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان فرعون علجاً من همدان . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ويكذب بآلائك، ويجحد رسلك. فأوحى الله إليه: أنه كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه . وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: أول من خضب بالسواد فرعون . وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم بن مقسم الهذلي قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم يصدع له رأس . وأخرج عن أبي الأشرس قال: مكث فرعون أربعمائة سنة، الشباب يغدو فيه ويروح . وأخرج الخطيب عن الحكم بن عتيبة قال: أول من خضب بالسواد فرعون حيث قال له موسى: إن أنت آمنت بالله سألته أن يرد عليك شبابك، فذكر ذلك لهامان فخضبه هامان بالسواد. فقال له موسى: ميعادك ثلاثة أيام. فلما كانت ثلاثة أيام فصل خضابه . وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان يغلق دون فرعون ثمانون باباً، فما يأتي موسى باباً إلا انفتح له، ولا يكلم أحداً حتى يقوم بين يديه .
القشيري
تفسير : لما انقرضت أيامُهم، وتَقَاصَر عن بساط الإجابة إقْدامُهم بعث موسى نبيَّه، وضمَّ إليه هارون صفيَّه، فقُوبِلا بالتكذيب والجحود، فسلك بهم مسلك إخوانهم في التعذيب والتبعيد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم بعثنا من بعدهم موسى} اى ارسلنا من بعد انقضاء وقائع الرسل المذكورين وهم نوح وهود ولوط وصالح وشعيب عليهم السلام والتصريح بذلك مع دلالة ثم على التراخى للايذان بان بعثه عليه السلام جرى على سنن السنة الآلهية من ارسال الرسل تترى فان الله تعالى من كمال رحمته على خلقه يبعث عند انصرام كل قرن وانقراض كل قوم نبيا بعد نبى كما يخلف قوما بعد قوم وقرنا بعد قرن ويظهر المعجزات على يدى النبى ليخرجهم بظهور نور المعجزات من ظلمات الطبيعة الى نور الحقيقة فان اغلب اهل كل زمان وقرن واكثرهم غافلون عن الدين وحقائقه مستغرقون فى بحر الدنيا مستهلكون فى اودية الشهوات واللذات النفسانية الحيوانية ظلمات بعضها فوق بعض {بآياتنا} حال من مفعول بعثنا وهو موسى عليه السلام ملتبسا بآياتنا وهى الآيات التسع المفصلات التى هى العصا واليد البيضاء والسنون ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم كما سيأتى {الى فرعون} هو لقب لكل من ملك مصر من العمالقة كما ان كسرى لقب لكل من ملك فارس. وقيصر لكل من ملك الروم. وخاقان لكل من ملك الصين. وتبع لكل من ملك اليمن. والقيل لكل من ملك العرب. والنجاشى لكل من ملك الحبش. والخليفة لكل من ملك بغداد. والسلطان لآل سلجوق واسمه قابوس وقيل الوليد بن مصعب بن ريان وكان من القبط وعمر اكثر من اربعمائة سنة {وملائه} اى اشراف قومه وتخصيصهم مع عموم رسالته للقوم كافى لاصالتهم فى تدبر الامور واتباع غيرهم لهم فى الورود والصدور {فظلموا بها} عدى بالباء لتضمين ظلموا معنى كفروا أى كفروا بالمعجزات وظلموا عليها بان جعلوها سحرا فوضعوها فى غير موضعها {فانظر} بعين عقلك يا من من شانه النظر والتأمل {كيف كان عاقبة المفسدين} الى كيفية ما فعلنا بهم فكيف خبر كان وعاقبة اسمها والجملة فى محل النصب بنزع الخافض اذ التقدير فانظر الى كذا ووضع المفسدين موضع ضميرهم للايذان بان الظلم مسلتزم للافساد. وفى التفسير الفارسى[حضرت موسى عليه السلام جون از مصر فرار نمود ودرمدين بصحبت شعيب عليه السلام رسيد ودختراو صفورا بعقد در آورده عزم مراجعت با مصر نمود دراثناى طريق بوادى ايمن رسيد وخلعت بيغمبرى يافت بمعجزة عصا ويد بيضا اختصاص بذيرفت حق سبحانه وتعالى فرمودكه بمصررو وفرعون را بخداى تعالى دعوت كن موسى بيامد وبعد از مدتى كه ملاقات فرعون دست داد آغار دعوت كرد]. قال الحدادى نقلا عن ابن عباس كان طول موسى عشرة اذرع على طوله وكانت من آس الجنة يضرب بها الارض فيخرج بها النبات فيلقيها فاذا هى حية تسعى ويضرب بها الحجر فيتفجر وضرب بها باب فرعون ففزع منها فشاب رأسه فاستحى فخضب بالسواد واول من خضب بالسواد فرعون وهو حرام لا يجد فاعله رائحة الجنة. قال صاحب المحيط هذا فى حق غير الغزاة اما من فعله من الغزاة ليكون اهيب فى عين العدو لا للتزيين فغير حرام.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم بعثنا} من بعد الرسل المتقدمين {موسى} بن عمران {بآياتنا}: بمعجزاتنا الدالة على صدقه، {إلى فرعون ومَلَئِهِ فظلموا بها} أي: طغوا بسببها، وزادوا عتوًا على عتوهم، {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} كيف غرقوا عن آخرهم، وأكلهم البحر. الإشارة: إذا أراد الله ـ تعالى ـ أن يُهلك قومًا بعث إليهم من يُذكرهم، فإذا زادوا في العتو والطغيان عاجلهم بالعقوبة. ذكر الشعراني: أن مدينة بالمشرق صنعوا وليمة يتنزهون فيها، فخرجوا إلى بستان، فلما صنعوا الطعام دخل عليهم فقير، فقال: أعطوني، فأعطوه، ثم قال: أعطوني فزادوه، ثم قال أعطوني، فجروه حتى أخرجوه، فأرسل عليهم مَن أخرجهم من تلك المدينة وخربها، فهي خربة إلى اليوم. سبحان المدبر الحكيم الواحد القهار!. ثم ذكر دعوة موسى إلى فرعون وما كان من أمره معه، فقال: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية انه بعد ارسال من ذكر قصته من الانبياء، وكفر قومهم، وانزال عذابه بهم. فالهاء والميم يجوز ان يكون كناية عن الانبياء الذين جرى ذكرهم، ويحتمل ان يكون كناية عن الامم التي - قد تقدم ذكرهم واهلاكهم - بعث اليهم موسى وارسله اليهم. والبعث الارسال وهو في الاصل النقل باعتماد يوجب الاسراع الى الشيء، فمنه قوله {أية : أنظرني إلى يوم يبعثون}تفسير : أي من القبور، ومنه قوله {أية : ثم بعثناكم من بعد موتكم}تفسير : أي نقلناكم الى حال الحياة، وكذلك نقلنا موسى عن حاله بالارسال الى فرعون وملائه {بآياتنا} يعني بحججنا وبراهيننا. وقوله {فظلموا بها} معناه ظلموا أنفسم بجحدها، لان الظلم بالشيء على وجوه: منها السبب والآلة والجهة، نحو ظلم بالسيف الذي قتل به الناس، وظلم بذنبه له، وظلم بغصبه المال، وظلم بجحده الحق. وقيل "ظلموا بها" أي جعلوا بدل الايمان الكفر بها، لان الظلم وضع الشيء في غير موضعه الذي هو حقه. وقوله {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} معنى النظر هو محاولة التصور للشيء بالفكر فيه، وهو طلب ادراك المعنى بالتأويل له. وقيل: هو تحديق القلب الى المعنى لادراكه، وكأنه قيل فانظر - يعني بالقلب - كيف كان عاقبتهم، وموضع (كيف) نصب لانه خبر (كان) وتقديره انظر أي شيء كان عاقبة المفسدين.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} التّسع {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا} يعنى ظلموها لانّهم وضعوا موضع الاقرار بما ينبغى الاقرار به لوضوحه وظهوره الكفر به، ولذا بدلّ الكفر بالظّلم وعدّاه بالباء على تضمين معنى الكفر، او مثل معنى الالصاق، او ظلموا موسى بسبب الآيات الّتى هى اسباب الطّاعة فيكون اشارة الى نهاية وقاحتهم وظلمهم {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} من اغراق فرعون وملائه واهلاك الامم السّابقة بما اهلكوا به.
الأعقم
تفسير : {ثم بعثنا من بعدهم موسى} من بعد الأنبياء تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيل: بعد الأمم التي تقدم ذكرها بيَّن تعالى قصة موسى وما جرى له من فرعون، فأما قصة العصا فقيل: كان أعطاه ملك حين توجه إلى مدين، وقيل: كان عصى آدم من آس الجنة تدور في أولاده حتى انتهت إلى شعيب، ثم إلى موسى (عليه السلام)، فخرج موسى بأمر الله تعالى متوجهاً إلى مصر وقال ما حكاه الله تعالى عند قوله تعالى: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} روي أنه لما قال موسى ذلك، قال: كذبت، فقال: {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق}، قوله تعالى: {فأرسل معي بني اسرائيل} فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم وموالد آبائهم، وذلك أن يوسف (عليه السلام) لما توفى وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستبعدهم فأنقذهم الله تعالى بموسى (عليه السلام) وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف وبين اليوم الذي دخل فيه موسى (عليه السلام) أربع مائة عام، وروي في الثعلبي أيضاً أن فرعون موسى كان فرعون يوسف فقال فرعون مجيباً لموسى (عليه السلام): إن كنت نبياً فأت بآية {إن كنت من الصادقين}، قوله تعالى: {فألقى} الآية، وروي أنه كان ثعباناً ذكراً أشعراً فاغراً فاه بين لحيته ثمانون ذراعاً، فوضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ليأخذه، فوثب فرعون من سريره وهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك وهرب الناس وصاحوا، وحمل عليهم فانهزموا ومات منهم خمسمائة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى خذه وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذه موسى فعاد عصا، وروي أنه أرى فرعون يده فقال: ما هذه؟ قال: يدي، ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة من صوف ونزعها {فإذا هي بيضاء للناظرين}، قيل: كان منها شعاع الشمس فعند ذلك {قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم} أي عالم بالسحر {يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} هذا من قوم فرعون للملأ فأجابوه {قالوا أرجه وأخاه} يعني أخرهما وأصدرهما عنك، وقيل: احبسهما {وأرسل في المدائن حاشرين} وكان له مدائن فيها السحرة إذا أحزنه أمر أرسل اليهم قوله تعالى: {يأتوك بكل ساحر عليم} مثله في العلم فعند ذلك الأمر استدعى بالسحرة فقال تعالى: {وجاء السحرة فِرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وانكم لمن المقربين} وروي أنه قال لهم تكونوا أول من يدخل علي وآخر من يخرج وهو التقريب والتعظيم، وروي أنه دعا برؤساء السحرة ومعلمهم فقال لهم: ما صنعتم؟ فقالوا: قد فعلنا سحراً لا يطيقه سحرة الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فلا طاقة لنا به، وروي أنه كانوا ثمانين ألفاً، وقيل: سبعين ألفاً، وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ بعثْنا مِنْ بَعْدِهم} أى من بعد الرسل أو الأمم {مُوسى بآياتِنَا} معجزاتنا كاليد والعصى والعقل، يجيز الرسالة بلا معجزة، وكون الرسول ملكا ولم يكن ذلك، وسمى البرهان آية لأنه علامة تدل على الله، ومعجزة لأنه يعجز من ليس برسول أن يأتى به، وتكون من نوع قدرة البشر، ويعجزون عنها كتمنى الموت المذكور فى: {أية : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} تفسير : وخارجة عن قدرتهم كاليد والعصا وإحياء الموتى، وكلام الشجر والجماد، ونبع الماء من بين الأصابع، والله قادر أن يخلق الإيمان فى قلوب عباده بلا واسطة، ولكن أرسل رسلا لئلا يكون بعدهم حجة لمن يدعيها، والتحدى الدعاء إلى الدين ببرهان معجز، فقد تحدى باليد، وتحدى بالعصا، وقيل: التحدى الدعاء إليه بعد العجز عن معارضة المعجزة، فقد تحدى بالعصا، وقيل: الدعاء إلى الإتيان بمثل المعجزة. {إلَى فِرْعَونَ} نهته أمه عن القمار فقال لها: دعيني فإنى فرعون نفسى، يعنى مهلكها ومتمرد عليها، فسمى بذلك تلقيبا، ويكنى أبا العباس، واسمه الوليد بن مصعب بن الريان بن أراسة بن بروان ابن عمرو بن قارون بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، وقيل قابوس ابن مصعب، وكان ملك القبط، وقيل: هو فرعون يوسف الصديق، عمر نيفاً وأربعمائة سنة، ومات حاجبه وهو العزيز قبل ذلك، وقيل: فرعون يوسف غير يوسف المذكور على خلاف فى قول موسى: {أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} تفسير : كما يأتى إن شاء الله، وأحب الأسماء إلى هذا الجبار لفظ فرعون، وكان لقبا لكل من ملك مصر فى الكفر، كنمرود فى يونان، وقيصر فى الروم، وكسرى فى فارس، والنجاشى فى الحبشة، ولزقين فى الأندلس، والنعمان فى العرب، وتبَّع فى اليمن، وجالوت فى البربر، وبلهوم فى الهند. {ومَلَئِهِ} أشراف قومه {فَظَلموا بها} أى ظلموا أنفسهم، ومن أرسل إليهم بسببها أو كذبوا بها، وكذبوا من أتى بها، وأوعدوا من آمن بها، وقيل: وضع ظلموا موضع جحدوا وكفروا، فعدى بالباء، وذلك أنهم كفروا بها مكان الإيمان الذى هو من حقها لوضوحها، فقد نقصوا حقها فذلك ظلم لها تضعه الكفر بها، كقوله: قد قتل الله زياداً أعنى حيث أنزل قتل منزلة صرف. {فانْظُر} يا محمد {كيفَ كانَ عاقبةُ} آخر أمر {المفْسِدينَ * وقالَ مُوسَى يا فِرعَون إنِّى رسولٌ مِنْ ربِّ العَالمينَ} إليك إلى قومك، وقيل: أرسل إليهم فى شأن بنى إسرائيل ليرسلهم، وأنه رسول إلى بنى إسرائيل فقط.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} بعد الأُمم أَو بعد الرسل المذكورين نوح وهود وصالح ولوط وشعيب فى قوله تعالى "أية : ولقد جاءَتهم رسلهم بالبينات"تفسير : [الأَعراف: 101] {مُوسَى}عمره قيل مائة وعشرون سنة، زعم بعض أَن بينه وبين يوسف أَربعمائة سنة، وبين موسى وإِبراهيم سبعمائة سنة {بِآيَاتِنَا} هن العصا واليد البيضاء، والسنون المجدبة. والدم والطوفان، والجراد، والقمل والضفادع والطمس المذكور فى سورة يونس وهو مسخ أَموالهم حجارة {إِلى فِرْعَوْنَ} الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: قابوس وكنيته أَبوا لعباس، وقيل أَبو مرة، ويقال كان قبله فرعون آخر هو أَخوه اسمه قابوس بن مصعب ملك العمالقة ولم يذكر فى القرآن، وفرعون إِبراهيم نمرود، وفرعون هذه الأُمة أَبو جهل، ويقال: ملك فرعون أَربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين سنة، قيل: لم ير مكروها، وأَنه لو حصل له فى مدته جوع يوم أَو حمى ليلة أَو وجع لم يدع الربوبية، ومن ملك مصر فى الجاهلية يسمى فرعون، ومن ملك عمان يسمى الجلندى، ومن ملك الحبشة يسمى النجاشى، ومن ملك الترك يسمى خاقان، ومن ملك الأَندلس يسمى لدريق بالدال أَو بالزاى، ومن ملك البربر يسمى جالوت، وكسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، ويقال أَيضاً هرقل وقومه المسقو، وفيه قلت بعد أَبيات: شعر : وبين الأَسير والقتيل جنوده وعيشة ذلك الحلاحل تخضر تفسير : بشد الراء، وقلت من قصيدة أخرى: شعر : رسول به كسرى كسير وقيصر قصير ذليل هان يغبط زقلايا تفسير : وبين هذا البيت وتدميره نحو عامين، والحلاحل عبد الحميد سلطان الإِسلام وقصير وكسير مجانسة وليسا معنى لهما، فإِن معنى كسرى واسع الملك، ومعنى قيصر القطع والخروج، إِذ قطع بطن أمه وأخرج وكان يفتخر بأَنه لم يخرج من الفرج {وَمَلَئِهِ} أَشرافه كما مر تفسيره، أَو المراد قومه، {فَظَلَمُوا} كفروا مكان الإِيمان {بِهَا} وسمى الكفر بها ظلما لوضوحها، وأَيضاً الشرك ظلم عظيم، وعداه بالباء لأَنه بمعنى كفر أَو كذب، أَو المفعول محذوف، أَى ظلموا أَنفسهم أَو الناس بسببها، إِذ صدوهم عن الإِيمان بها، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} وهو الإِهلاك بالغرق، أَى عاقبتهم، وأَظهر ليفهم بالإِفساد الموجب للهلاك، والخطاب له صلى الله عليه وسلم، أَو لكل من يصلح له.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ } أي أرسلناه عليه السلام بعد الرسل أو بعد الأمم والأول متقدم في قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم } تفسير : [الأعراف: 101] والثاني مدلول عليه بـِ {أية : تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [الأعراف: 101] والاحتمال الأول أولى، والتصريح بالبعدية مع {ثُمَّ} الدالة عليها قيل للتنصيص على أنها للتراخي الزماني فإنها كثيراً ما تستعمل في غيره، وقيل: للإيذان بأن بعثه عليه السلام جرى على سنن السنة الإلهية من إرسال الرسل تترى، و {مِنْ} لابتداء الغاية، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقوله سبحانه: {بِآيَاتِنَآ} متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول {بَعَثْنَا} أو صفة لمصدره أي بعثناه عليه السلام ملتبساً بها أو بعثناه بعثاً ملتبساً بها وأريد بها الآيات التسع المفصلة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } هو علم شخص ثم صار لقباً لكل من ملك مصر من العمالقة، كما أن كسرى لقب من ملك فارس، وقيصر لقب من ملك الروم، والنجاشي لقب من ملك الحبشة، وتبع لقب من ملك اليمن، وقيل: إنه من أول الأمر لقب لمن ذكر، واسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: قابوس وكنيته أبو العباس، وقيل: أبو مرة، وقيل: أبو الوليد، وعن جماعة أن قابوسا والوليد اسمان لشخصين أحدهما فرعون موسى والآخر فرعون يوسف عليهما السلام، وعن النقاش. وتاج القراء أن فرعون موسى هو والد الخضر عليه السلام، وقيل: ابنه وذلك من الغرابة بمكان، ويلقب به كل عات ويقال فيه فرعون كزنبور، وحكى ابن خالويه عن / الفراء ضم فائه وفتح عينه وهي لغة نادرة، ويقال فيه: فريع كزبير وعليه قول أمية بن الصلت:شعر : حي داود بن عاد وموسى وفريع بنيانه بالثقال تفسير : وقيل: هو فيه ضرورة شعر ومنع من الصرف لأنه أعجمي، وحكى أبو الخطاب بن دحية في «مروج البحرين» عن أبي النصر القشيري في «التيسير» أنه بلغة القبط اسم للتمساح، والقول بأنه لم ينصرف لأنه لا سميّ له كإبليس عند من أخذه من أبلس ليس بشيء، وقيل: هو وأضرابه السابقة أعلام أشخاص وليست من علم الجنس لجمعها على فراعنة وقياصرة وأكاسرة، وعلم الجنس لا يجمع فلا بد من القول بوضع خاص لكل من تطلق عليه. وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الذي غره قول الرضيّ إن علم الجنس لا يجمع لأنه كالنكرة شامل للقليل والكثير لوضعه للماهية فلا حاجة لجمعه، وقد صرح النحاة بخلافه وممن ذكر جمعه السهيلي في «الروض الأنف» فكأن مراد الرضيّ أنه لا يطرد جمعه وما ذكره تعسف نحن في غنى عنه. {وَمَلإِيِهِ} أي أشراف قومه وتخصيصهم بالذكر مع عموم بعثته عليه السلام لقومه كافة لأصالتهم في تدبير الأمور واتباع غيرهم لهم في الورود والصدور {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي بالآيات، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو يتعدى بنفسه لا بالباء إلا أنه لما كان هو والكفر من واد واحد عدي تعديته أو هو بمعنى الكفر مجازاً أو تضميناً أو هو مضمن معنى التكذيب أي ظلموا كافرين بها أو مكذبين بها، وقول بعضهم: إن المعنى كفروا بها مكان الإيمان الذي هو من حقها لوضوحها ظاهر في التضمين كأنه قيل كفروا بها واضعين الكفر في غير موضعه حيث كان اللائق بهم الإيمان. وقيل: الباء للسببية ومفعول ظلموا محذوف أي ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان أو أنفسهم كما قال الحسن والجبائي بسببها، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي آخر أمرهم، ووضع المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للإفساد، والفاء لأنه كما أن ظلمهم بالآيات مستتبع لتلك العاقبة الهائلة كذلك حكايته مستتبع للأمر بالنظر إليها، والخطاب إما للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه النظر، و {كَيْفَ} كما قال أبو البقاء وغيره خبر {كَانَ} قدم على اسمها لاقتضائه الصدارة، والجملة في حيز النصب بإسقاط الخافض كما، قيل: أي فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم.
سيد قطب
تفسير : يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ماتلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه- وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء.. وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك.. والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.. فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً. والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى "رب العالمين" وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.. {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.. بعد تلك القرى وما حل بها وبالمكذبين من أهلها، كانت بعثة موسى.. والسياق يعرض القصة من حلقة مواجهة فرعون وملئه بالرسالة، ثم يعجل بالكشف عن خلاصة استقبالهم لها. كما يعجل بالإشارة إلى العاقبة التي انتهوا إليها. لقد ظلموا بهذه الآيات - أي كفروا وجحدوا - والتعبير القرآني يكثر من ذكر كلمة "الظلم" وكلمة "الفسق" في موضع كلمة "الكفر" أو كلمة "الشرك". وهذه من تلك المواضع التي يكثر ورودها في التعبير القرآني. ذلك أن الشرك أو الكفر هو أقبح الظلم، كما أنه كذلك هو أشنع الفسق.. والذين يكفرون أو يشركون يظلمون الحقيقة الكبرى - حقيقة الألوهية وحقيقة التوحيد - ويظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلكة في الدنيا والآخرة. ويظلمون الناس بإخراجهم من العبودية لله الواحد إلى العبودية للطواغيت المتعددة والأرباب المتفرقة.. وليس بعد ذلك ظلم.. ومن ثم فالكفر هو الظلم "والكافرون هم الظالمون" كما يقول التعبير القرآني الكريم.. وكذلك الذي يكفر أو يشرك إنما يفسق ويخرج عن طريق الله وصراطه المستقيم إلى السبل التي لا تؤدي إليه - سبحانه - إنما تؤدي إلى الجحيم! ولقد ظلم فرعون وملؤه بآيات الله: أي كفروا بها وجحدوا. {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.. وهذه العاقبة ستجيء في السياق عن قريب.. أما الآن فننظر كذلك في مدلول كلمة: {المفسدين} وهي مرادف لكلمة "الكافرين" أو "الظالمين" في هذا الموضع.. إنهم ظلموا بآيات الله: أي كفروا بها وجحدوا فانظر كيف كان عاقبة {المفسدين} هؤلاء. إنهم مفسدون لأنهم "ظلموا" - أي "كفروا وجحدوا".. ذلك أن الكفر هو أشنع الفساد. وأشنع الإفساد.. إن الحياة لا تستقيم ولا تصلح إلا على أساس الإيمان بالله الواحد، والعبودية لإله واحد.. وإن الأرض لتفسد حين لا تتمحض العبودية لله في حياة الناس.. إن العبودية لله وحده معناها أن يكون للناس سيد واحد، يتوجهون إليه بالعبادة وبالعبودية كذلك، ويخضعون لشريعته وحدها فتخلص حياتهم من الخضوع لأهواء البشر المتقلبة، وشهوات البشر الصغيرة!.. إن الفساد يصيب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون هناك أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد - من دون الله - وما صلحت الأرض قط ولا استقامت حياة الناس إلا أيام أن كانت عبوديتهم لله وحده - عقيدة وعبادة وشريعة - وما تحرر "الإنسان" قط إلا في ظلال الربوبية الواحدة.. ومن ثم يقول الله سبحانه عن فرعون وملئه: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}.. وكل طاغوت يُخضع العباد لشريعة من عنده، وينبذ شريعة الله، هو من {المفسدين} الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون! وافتتاح القصة على ذلك النحو هو طريقة من طرق العرض القرآنية للقصص. وهذه الطريقة هي المناسبة هنا لسياق السورة، وللمحور الذي تدور حوله. لأنها تعجل بالعاقبة منذ اللحظة الأولى - تحقيقاً للهدف من سياقتها - ثم تأخذ في التفصيل بعد الإجمال، فنرى كيف سارت الأحداث إلى نهايتها. فما الذي كان بين موسى وفرعون وملئه؟ هنا يبدأ المشهد الأول بينهما: {وقال موسى: يا فرعون إني رسول من رب العالمين. حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق. قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل. قال: إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال الملأ من قوم فرعون: إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم، فماذا تأمرون؟ قالوا: أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين. يأتوك بكل ساحر عليم}.. إنه مشهد اللقاء الأول بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر..مشهد اللقاء الأول بين الدعوة إلى {رب العالمين} وبين الطاغوت الذي يدعي ويزاول الربوبية من دون رب العالمين! {وقال موسى: يا فرعون، إني رسول من رب العالمين. حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق. قد جئتكم ببينة من ربكم، فأرسل معي بني إسرائيل}.. {يا فرعون}.. لم يقل له: يا مولاي! كما يقول الذين لا يعرفون من هو المولى الحق! ولكن ناداه بلقبه في أدب واعتزاز. ناداه ليقرر له حقيقة أمره، كما يقرر له أضخم حقائق الوجود: {إني رسول من رب العالمين}.. لقد جاء موسى - عليه السلام - بهذه الحقيقة التي جاء بها كل رسول قبله. حقيقة ربوبية الله الواحد للعالمين جميعاً.. ألوهية واحدة وعبودية شاملة.. لا كما يقول الخابطون في الظلام من "علماء الأديان" ومن يتبعهم في زعمهم عن "تطور العقيدة" إطلاقاً، وبدون استثناء لما جاء به الرسل من ربهم أجمعين!.. إن العقيدة التي جاء بها الرسل جميعاً عقيدة واحدة ثابتة؛ تقرر ألوهية واحدة للعوالم جميعها. ولا تتطور من الآلهة المتعددة، إلى التثنية، إلى الوحدانية في نهاية المطاف.. فأما جاهليات البشر - حين ينحرفون عن العقيدة الربانية - فلا حد لتخبطها بين الطواطم والأرواح والآلهة المتعددة والعبادات الشمسية والتثنية والتوحيد المشوب برواسب الوثنية.. وسائر أنواع العقائد الجاهلية.. ولا يجوز الخلط بين العقائد السماوية التي جاءت كلها بالتوحيد الصحيح، الذي يقرر إلهاً واحداً للعالمين؛ وتلك التخبطات المنحرفة عن دين الله الصحيح. ولقد واجه موسى - عليه السلام - فرعون وملأه بهذه الحقيقة الواحدة، التي واجه بها كل نبي - قبله أو بعده - عقائد الجاهلية الفاسدة.. واجهه بها وهو يعلم أنها تعني الثورة على فرعون وملئه ودولته ونظام حكمه.. إن ربوبية الله للعالمين تعني - أول ما تعني - إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان على الناس بغير شريعة الله وأمره؛ وتنحية كل طاغوت عن تعبيد الناس له - من دون الله - بإخضاعهم لشرعه هو وأمره.. واجهه بهذه الحقيقة الهائلة بوصفه رسولاً من رب العالمين.. ملزماً ومأخوذاً بقول الحق على ربه الذي أرسله. {حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق}.. فما كان الرسول الذي يعلم حقيقة الله، ليقول عليه إلا الحق، وهو يعلم قدره؛ ويجد حقيقته - سبحانه - في نفسه.. {قد جئتكم ببينة من ربكم}.. تدلكم على صدق قولي: إني رسول من رب العالمين. وباسم تلك الحقيقة الكبيرة.. حقيقة الربوبية الشاملة للعالمين.. طلب موسى من فرعون أن يطلق معه بني إسرائيل.. إن بني إسرائيل عبيد لله وحده؛ فما ينبغي أن يعبدهم فرعون لنفسه! إن الإنسان لا يخدم سيدين، ولا يعبد إلهين. فمن كان عبداً لله، فما يمكن أن يكون عبداً لسواه. وإذ كان فرعون إنما يعبد بني إسرائيل لهواه؛ فقد أعلن له موسى أن رب العالمين هو الله. وإعلان هذه الحقيقة ينهي شرعية ما يزاوله فرعون من تعبيد بني إسرائيل! إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان. تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله. تحريره من شرع البشر، ومن هوى البشر، ومن تقاليد البشر، ومن حكم البشر. وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس.. والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر - أي لربوبية غير ربوبية الله - واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون! إنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله، وقانونهم غير شريعة الله. إنما هم في دين حاكمهم ذاك. في دين الملك لا في دين الله! وعلى هذه الحقيقة أُمر موسى - عليه السلام - أن يبني طلبه من فرعون إطلاق بني إسرائيل: {يا فرعون إني رسول من رب العالمين}... {فأرسل معي بني إسرائيل}... مقدمة ونتيجة.. تتلازمان ولا تفترقان.. ولم تغب على فرعون وملئه دلالة هذا الإعلان. إعلان ربوبية الله للعالمين.. لم يغب عنهم أن هذا الإعلان يحمل في طياته هدم ملك فرعون. وقلب نظام حكمه، وإنكار شرعيته، وكشف عدوانه وطغيانه.. ولكن كان أمام فرعون وملئه فرصة أن يظهروا موسى بمظهر الكاذب الذي يزعم أنه رسول من رب العالمين بلا بينة ولا دليل: {قال: إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين}.. ذلك أنه إذا اتضح أن هذا الداعية إلى ربوبية رب العالمين كاذب في دعواه؛ سقطت دعوته، وهان أمره؛ ولم يعد لهذه الدعوة الخطيرة من خطر - وصاحبها دعيّ لا بينة عنده ولا دليل! ولكن موسى يجيب: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين}.. إنها المفاجأة! إن العصا تنقلب ثعباناً لا شك في ثعبانيته.. {مبين}.. وكما قيل في سورة أخرى:{أية : فإذا هي حية تسعى}تفسير : ثم إن يده السمراء - وقد كان موسى عليه السلام "آدم" أي مائلاً إلى السمرة - يخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء، بيضاء ليست عن مرض، ولكنها المعجزة، فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء! هذه هي البينة والآية على الدعوى التي جاء بها موسى.. إني رسول من رب العالمين. ولكن هل يستسلم فرعون وملؤه لهذه الدعوى الخطيرة؟ هل يستسلمون لربوبية رب العالمين؟ وعلام إذن يقوم عرش فرعون وتاجه وملكه وحكمه؟ وعلام يقوم الملأ من قومه ومراكزهم التي هي من عطاء فرعون ورسمه وحكمه؟ علام يقوم هذا كله إن كان الله هو {رب العالمين}؟ إنه إن كان الله هو {رب العالمين} فلا حكم إلا لشريعة الله، ولا طاعة إلا لأمر الله.. فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن، وهو لا يقوم على شريعة الله ولا يرتكن إلى أمره؟.. إن الناس لا يكون لهم {رب} آخر يعبدهم لحكمه وشرعه وأمره، إن كان الله هو ربهم.. إنما يخضع الناس لشرع فرعون وأمره حين يكون ربهم هو فرعون. فالحاكم - بأمره وشرعه - هو رب الناس. وهم في دينه أياً كان! كلا! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب. ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة! وفرعون وملؤه لا يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى. بل إنهم ليعلنونها صريحة. ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة، باتهام موسى بأنه ساحر عليم: {قال الملأ من قوم فرعون: إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم. فماذا تأمرون؟}.. إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة. إنها الخروج من الأرض.. إنها ذهاب السلطان.. إنها إبطال شرعية الحكم.. أو.. محاولة قلب نظام الحكم!.. بالتعبير العصري الحديث! إن الأرض لله. والعباد لله. فإذا ردت الحاكمية في أرض لله، فقد خرج منها الطغاة، الحاكمون بغير شرع الله! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم. وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى، فيعبدون الناس لهذه الأرباب! هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة.. وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة.. لقد قال الرجل العربي - بفطرته وسليقته - حين سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: "هذا أمر تكرهه الملوك!". وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته: "إذن تحاربك العرب والعجم".. لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عرباً كانوا أم عجماً! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حسن هؤلاء العرب، لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيداً. فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة، شهادة أن لا إله إلا الله، مع الحكم بغير شرع الله! فيكون هناك آلهة مع الله! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم "مسلمين".. ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل! وهكذا قال الملأ من قوم فرعون، يتشاورون مع فرعون: {إن هذا لساحرعليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم. فماذا تأمرون؟}.. واستقر رأيهم على أمر: {قالوا: أرجه وأخاه، وأرسل في المدائن حاشرين، يأتوك بكل ساحر عليم}.. وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد. وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر. ففي الوثنيات كلها تقريباً يقترن الدين بالسحر؛ ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها "علماء الأديان!" فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة! ويقول الملحدون منهم: إن الدين سيبطل كما بطل السحر! وإن العلم سينهي عهد الدين كما أنهى عهد السحر!.. إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه: "العلم"! وقد استقر رأي الملأ من قوم فرعون، على أن يرجئ فرعون موسى إلى موعد. وأن يرسل في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة. ذلك ليواجهوا "سحر موسى" - بزعمهم - بسحر مثله. وعلى كل ما عرف من طغيان فرعون، فقد كان في تصرفه هذا أقل طغياناً من طواغيت كثيرة في القرن العشرين؛ في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين! وتهديد السلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة! ويطوي السياق القرآني إجراء فرعون وملئه في جمع السحرة من المدائن؛ ويسدل الستار على المشهد الأول، ليرفعه على المشهد التالي.. وذلك من بدائع العرض القرآني للقصص، كأنه واقع منظور، لا حكاية تروى! {وجاء السحرة فرعون، قالوا: إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم لمن المقربين}.. إنهم محترفون... يحترفون السحر كما يحترفون الكهانة! والأجر هو هدف الاحتراف في هذا وذاك! وخدمة السلطان الباطل والطاغوت الغالب هي وظيفة المحترفين من رجال الدين! وكلما انحرفت الأوضاع عن إخلاص العبودية لله، وإفراده - سبحانه - بالحاكمية؛ وقام سلطان الطاغوت مقام شريعة الله، احتاج الطاغوت إلى هؤلاء المحترفين، وكافأهم على الاحتراف، وتبادل وإياهم الصفقة: هم يقرون سلطانه باسم الدين! وهو يعطيهم المال ويجعلهم من المقربين! ولقد أكد لهم فرعون أنهم مأجورون على حرفتهم، ووعدهم مع الأجر القربى منه، زيادة في الإغراء، وتشجيعاً على بذل غاية الجهد.. وهو وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والبراعة والتضليل؛ إنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة القاهرة، التي لا يقف لها الساحرون ولا المتجبرون! ولقد اطمأن السحرة على الأجر، واشرأبت أعناقهم إلى القربى من فرعون، واستعدوا للحلبة.. ثم ها هم أولاء يتوجهون إلى موسى - عليه السلام - بالتحدي.. ثم يكون من أمرهم ما قسم الله لهم من الخير الذي لم يكونوا يحتسبون، ومن الأجر الذي لم يكونوا يتوقعون: {قالوا: يا موسى، إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين.. قال: ألقوا}.. ويبدو التحدي واضحاً في تخييرهم لموسى. وتبدو كذلك ثقتهم بسحرهم وقدرتهم على الغلبة.. وفي الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى - عليه السلام - واستهانته بالتحدي: {قال ألقوا}.. فهذه الكلمة الواحدة تبدو فيها قلة المبالاة، وتلقي ظل الثقة الكامنة وراءها في نفس موسى. على طريقة القرآن الكريم في إلقاء الظلال، بالكلمة المفردة في كثير من الأحايين. ولكن السياق يفاجئنا بما فوجئ به موسى - عليه السلام - وبينما نحن في ظلال الاستهانة وعدم المبالاة، إذا بنا أمام مظهر السحر البارع، الذي يرهب ويخيف: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاءوا بسحر عظيم}.. وحسبنا أن يقرر القرآن أنه سحر عظيم، لندرك أي سحر كان. وحسبنا أن نعلم أنهم سحروا {أعين الناس} وأثاروا الرهبة في قلوبهم: {واسترهبوهم} لنتصور أي سحر كان. ولفظ "استرهب" ذاته لفظ مصور. فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسراً. ثم حسبنا أن نعلم من النص القرآني الآخر في سورة طه، أن موسى عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفة لنتصور حقيقة ما كان! ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه، وتطالع السحرة الكهنة، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك، فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين}.. إنه الباطل ينتفش، ويسحر العيون، ويسترهب القلوب، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب، وأنه جارف، وأنه مُحيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثىء كالفقاعة، وينكمش كالقنفذ، وينطفئ كشعلة الهشيم! وإذا الحق راجح الوزن، ثابت القواعد، عميق الجذور.. والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال، وهو يصور الحق واقعاً ذا ثقل: {فوقع الحق}.. وثبت، واستقر.. وذهب ما عداه فلم يعد له وجود: {وبطل ما كانوا يعملون}.. وغلب الباطل والمبطلون وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون: {فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين}.. ولكن المفاجأة لم تختم بعد. والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى.. مفاجأة كبرى.. {وألقي السحرة ساجدين. قالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون}.. إنها صولة الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر، ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين.. إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر، أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعداداً للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له، لأنه أقرب إدراكاً لهذه الحقيقة، ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور.. ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين.. ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر؛ ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان؛ ولا كيف تلمسها حرارة اليقين. فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب - وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقبلها كيف يشاء -.. ومن ثم فوجئ فرعون بهذا الإيمان المفاجئ الذي لم يدرك دبيبه في القلوب ولم يتابع خطاه في النفوس؛ ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر.. ثم هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته: مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين. رب موسى وهارون. بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون إلى رب العالمين!..والعرش والسلطان هما كل شيء في حياة الطواغيت.. وكل جريمة يمكن أن يرتكبوها بلا تحرج في سبيل المحافظة على الطاغوت: {قال فرعون: آمنتم به قبل أن آذن لكم! إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها. فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لأصلبنكم أجمعين}.. هكذا.. {آمنتم به قبل أن آذن لكم!}.. كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق - وهم أنفسهم لا سلطان لهم عليها - أو يستأذنوه في أن ترتعش وجداناتهم - وهم أنفسهم لا يملكون من أمرها شيئاً - أو يستأذنوه في أن تشرق أرواحهم - وهم أنفسهم لا يمسكون مداخلها. أو كأنما كان عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق. أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار. أو أن يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين! ولكن الطاغوت جاهل غبي مطموس؛ وهو في الوقت ذاته متعجرف متكبر مغرور! ثم إنه الفزع على العرش المهدد والسلطان المهزوز: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها}.. وفي نص آخر:{أية : إنه لكبيركم الذي علمكم السحر }! تفسير : والمسألة واضحة المعالم.. إنها دعوة موسى إلى "رب العالمين".. هي التي تزعج وتخيف.. إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين. وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته. وإقامة أنفسهم أرباباً من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون، ويعبدون الناس لما يشرعون!.. إنهما منهجان لا يجتمعان.. أو هما دينان لا يجتمعان.. أو هما ربان لا يجتمعان.. وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون.. ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين. فأولى أن يفزعوا الآن وقد ألقي السحرة ساجدين. قالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارونَ والسحرة من كهنة الديانة الوثنية التي تؤله فرعون، وتمكنه من رقاب الناس باسم الدين! وهكذا أطلق فرعون ذلك التوعد الوحشي الفظيع: {فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لأصلبنكم أجمعين}.. إنه التعذيب والتشويه والتنكيل.. وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان.. وعدة الباطل في وجه الحق الصريح.. ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان؛ تستعلي على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة؛ وتنتصر فيها العقيدة على الحياة، وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم. إنها لا تقف لتسأل: ماذا ستأخذ وماذا ستدع؟ ماذا ستقبض وماذا ستدفع؟ ماذا ستخسر وماذا ستكسب؟ وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات؟.. لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك، فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق.. {قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون. وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبراً، وتوفنا مسلمين}.. إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع. كما أنه لا يخضع أو يخنع. الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها، ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره: {قالوا: إنا إلى ربنا منقلبون}.. والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت.. وأنها معركة العقيدة في الصميم.. لا يداهن ولا يناور.. ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة، لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة: {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا}.. والذي يعرف أين يتجه في المعركة، وإلى من يتجه؛ لا يطلب من خصمه السلامة والعافية، إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام: {ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين}.. ويقف الطغيان عاجزاً أمام الإيمان، وأمام الوعي، وأمام الاطمئنان.. يقف الطغيان عاجزاً أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام. فإذا هي مستعصية عليه، لأنها من أمر الله، لا يملك أمرها إلا الله.. وماذا يملك الطغيان إذا رغبت القلوب في جوار الله؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله؟ وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان! إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية. هذا الذي كان بين فرعون وملئه، والمؤمنين من السحرة.. السابقين.. إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية. بانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار "الإنسان" على "الشيطان"! إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية. بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية. فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة. والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح. ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب. إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز، وتمنى بالقرب من السلطان.. هي ذاتها التي تستعلي على فرعون؛ وتستهين بالتهديد والوعيد، وتُقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب. وما تغير في حياتها شيء، ولا تغير من حولها شيء - في عالم المادة - إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى. وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت، وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد.. وقعت اللمسة التي تحوّل الإبرة، فيلتقط القلب إيقاعات القدرة، ويتسمع الضمير أصداء الهداية، وتتلقى البصيرة إشراقات النور.. وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي؛ ولكنها هي تغير الواقع المادي؛ وترفع "الإنسان" في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال! ويذهب التهديد.. ويتلاشى الوعيد.. ويمضي الإيمان في طريقه. لا يتلفت، ولا يتردد، ولا يحيد! ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد.. إن روعة الموقف تبلغ ذروتها؛ وتنتهي إلى غايتها. وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض؛ مع الهدف النفسي للقصة، على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني، في تناسق لا يبلغه إلا القرآن. ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ... * نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين.. * ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف: من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه: أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين. *ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار "الإنسان" على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم! ثم نعود إلى سياق القصة القرآني.. حيث يرفع الستار عن مشهد رابع جديد.. إنه مشهد التآمر والتناجي بالإثم والتحريض. بعد الهزيمة والخذلان في معركة الإيمان والطغيان. مشهد الملأ من قوم فرعون يكبر عليهم أن يذهب موسى ناجياً والذين آمنوا معه - وما آمن له إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم. كما جاء في موضع آخر من القرآن - فإذا الملأ يتناجون بالشر والإثم، وهم يهيجون فرعون على موسى ومن معه؛ ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم؛ من ضياع الهيبة والسلطان؛ باستشراء العقيدة الجديدة، في ربوبية الله للعالمين. فإذا هو هائج مائج، مهدد متوعد، مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه، وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه! {وقال الملأ من قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون}.. إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره؛ أو أن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية. إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه؛ وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى الأمور. وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه، وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك، كما هو ظاهر من قول الملأ له:{ويذرك وآلهتك} وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية. إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم، لا يعصون له أمراً، ولا ينقضون له شرعاً.. وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة.. فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه، وذلك هو تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى عن اليهود والنصارى:{أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله... الآية}تفسير : عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانياً جاء ليسلم - فقال: يا رسول الله ما عبدوهم. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال؛ فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم"تفسير : ... (أخرجه الترمذي). أما قول فرعون لقومه:{أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه:{أية : اليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين. ولا يكاد يبين؟ فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين؟}تفسير : وظاهر أنه كان يوازي بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة!. وما قصد بقوله:{أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء؛ والذي يتبعون كلمته بلا معارض! والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي! وهي في الواقع ألوهية. فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم! سواء قالها أم لم يقلها! وعلى ضوء هذا البيان نملك أن نفهم مدلول قول ملأ فرعون: {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، ويذرك وآلهتك؟}.. فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده؛ حيث يترتب عليها تلقائياً بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله. إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض، بقلب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تماماً لهذه الأوضاع، الربوبية فيه لله لا للبشر. ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه.. ولقد كان فرعون إنما يستمد هيبته وسلطانه من الديانة التي تعبد فيها هذه الآلهة.. بزعم أنه الابن الحبيب لهذه الآلهة! وهي بنوة ليست حسية! فلقد كان الناس يعرفون جيداً أن الفرعون مولود من أب وأم بشريين. إنما كانت بنوة رمزية يستمد منها سلطانه وحاكميته. فإذا عبد موسى وقومه رب العالمين، وتركوا هذه الآلهة التي يعبدها المصريون، فمعنى هذا هو تحطيم الأساس الذي يستمد منه فرعون سلطانه الروحي على شعبه المستخف؛ الذي إنما يطيعه لأنه هو كذلك فاسق عن دين الله الصحيح.. وذلك كما يقول الله سبحانه:{أية : فاستخف قومه فأطاعوه.. إنهم كانوا قوماً فاسقين}تفسير : فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ.. وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه، لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله.. فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت، ولا يمكن أن يطيع له أمراً، وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع الله.. ومن هنا كان يجيء التهديد لنظام حكم فرعون كله بدعوة موسى - عليه السلام - إلى "رب العالمين" وإيمان السحرة بهذا الدين، وإيمان طائفة من قوم موسى كذلك وعبادتهم لرب العالمين.. ومن هنا يجيء التهديد لكل وضع يقوم على ربوبية البشر للبشر من الدعوة إلى ربوبية الله وحده.. أو من شهادة أن لا إله إلا الله.. حين تؤخذ بمدلولها الجدي الذي كان الناس يدخلون به في الإسلام. لا بمدلولها الباهت الهزيل الذي صار لها في هذه الأيام! ومن هنا كذلك استثارت هذه الكلمات فرعون، وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله فانطلق يعلن عزمه الوحشي البشع: {قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون}: وكان بنو إسرائيل قد عانوا من قبل - في إبان مولد موسى - مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون وملئه كما يقول الله تعالى في سورة القصص:{أية : إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين }.. تفسير : إنه الطغيان في كل مكان وفي كل زمان. لا فرق بين وسائله اليوم ووسائله قبل عشرات القرون والأعوام..! ويدع السياق فرعون وملأه يتآمرون، ويسدل الستار على مشهد التآمر والوعيد، ليرفعه على مشهد خامس من مشاهد القصة ندرك منه أن فرعون قد مضى ينفذ الوعيد.. إنه مشهد النبي موسى - عليه السلام - مع قومه، يحدثهم بقلب النبي ولغته، ومعرفته بحقيقة ربه؛ وبسنته وقدره، فيوصيهم باحتمال الفتنة، والصبر على البلية، والاستعانة بالله عليها. ويعرفهم بحقيقة الواقع الكوني. فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده. والعاقبة لمن يتقون الله ولا يخشون أحداً سواه.. فإذا شكوا إليه أن هذا العذاب الذي يحل بهم قد حل بهم من قبل أن يأتيهم، وهو يحل بهم كذلك بعدما جاءهم، حيث لا تبدو له نهاية، ولا يلوح له آخر! أعلن لهم رجاءه في ربه أن يهلك عدوهم، ويستخلفهم في الأرض ليبتليهم في أمانة الخلافة: {قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون}. إنها رؤية "النبي" لحقيقة الألوهية وإشراقها في قلبه. ولحقيقة الواقع الكوني والقوى التي تعمل فيه. ولحقيقة السنة الإلهية وما يرجوه منها الصابرون.. إنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين. وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين. وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه. وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون الغيب، ولا يعلمون الخير... وإن الأرض لله. وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها. والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - فلا ينظر الداعون إلى رب العالمين، إلى شيء من ظواهر الأمور التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في الأرض غير مزحزح عنها. فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها! وإن العاقبة للمتقين.. طال الزمن أم قصر.. فلا يخالج قلوب الداعين إلى رب العالمين قلق على المصير. ولا يخايل لهم تقلب الذين كفروا في البلاد، فيحسبونهم باقين.. إنها رؤية "النبي" لحقائق الوجود الكبير.. ولكن إسرائيل هي إسرائيل! {قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا}: إنها كلمات ذات ظل! وإنها لتشي بما وراءها من تبرم! أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك. وطال هذا الأذى حتى ما تبدو له نهاية! ويمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض. مع التحذير من فتنة الاستخلاف. {قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون}. إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله، تجري وفق وعده، للصابرين، وللجاحدين! ويرى من خلال سنة الله هلاك الطاغوت وأهله، واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده. فيدفع قومه دفعاً إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد.. وهو يعلمهم - منذ البدء - أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم. ليس أنهم أبناء الله وأحباؤه - كما زعموا - فلا يعذبهم بذنوبهم! وليس جزافاً بلا غاية. وليس خلوداً بلا توقيت. إنه استخلاف للامتحان: {فينظر كيف تعملون}.. وهو سبحانه يعلم ماذا سيكون قبل أن يكون. ولكنها سنة الله وعدله ألا يحاسب البشر حتى يقع منهم في العيان، ما هو مكشوف من الغيب لعلمه القديم. ويدع السياق موسى وقومه؛ ويسدل عليهم الستار، ليرفعه من الجانب الآخر على مشهد سادس: مشهد فرعون وآله، يأخذهم الله بعاقبة الظلم والطغيان؛ ويحقق وعد موسى لقومه، ورجاءه في ربه؛ ويصدق النذير الذي يظلل جو السورة، وتساق القصة كلها لتصديقه. ويبدأ المشهد هوناً؛ ولكن العاصفة تتمشى فيه شيئاً فشيئاً، فإذا كان قبيل إسدال الستار دمدمت العاصفة، فدمرت كل شيء، وعصفت بكل شيء، وخلا وجه الأرض من الطاغية وذيول الطاغية، وعلمنا أن بني إسرائيل قد صبروا فلقوا جزاء صبرهم الحسنى، وأن فرعون وآله فجروا فلقوا جزاء فجورهم الدمار وصدق وعد الله ووعيده؛ وجرت سنة الله في أخذ المكذبين بالهلاك بعد أخذهم بالضراء والسراء: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون. فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. ألا إنما طائرهم عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون. وقالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.. آيات مفصلات.. فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين. ولما وقع عليهم الرجز قالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون. فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها؛ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل؛ بما صبروا.. ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون}.. لقد مضى فرعون وملؤه إذن في جبروتهم؛ ونفذ فرعون وعيده وتهديده، فقتل الرجال واستحيا النساء. ولقد مضى موسى وقومه يحتملون العذاب، ويرجون فرج الله، ويصبرون على الابتلاء.. وعندئذ.. عندما نمحص الموقف: إيمان يقابله الكفر. وطغيان يقابله الصبر. وقوة أرضية تتحدى الله.. عندئذ أخذت القوة الكبرى تتدخل سافرة بين المتجبرين والصابرين: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون}.. إنها إشارة التحذير الأولى.. الجدب ونقص الثمرات.. و"السنين" تطلق في اللغة على سني الجدب والشدة والقحط. وهي في أرض مصر، المخصبة المثمرة المعطاء، تبدو ظاهرة تلفت النظر، وتهز القلب، وتثير القلق، وتدعو إلى اليقظة والتفكر؛ لولا أن الطاغوت والذين يستخفهم الطاغوت - بفسقهم عن دين الله - فيطيعونه، لا يريدون أن يتدبروا ولا أن يتفكروا؛ ولا يريدون أن يروا يد الله في جدب الأرض ونقص الثمرات؛ ولا يريدون أن يتذكروا سنن الله ووعده ووعيده؛ ولا يريدون أن يعترفوا بأن هناك علاقة وثيقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة العملية.. لأن هذه العلاقة من عالم الغيب.. وهم أغلظ حساً وأجهل قلباً من أن يروا وراء الواقع المحسوس - الذي تراه البهائم وتحسه ولا ترى غيره ولا تحسه - شيئاً! وإذا رأوا شيئاً من عالم الغيب لم يتفطنوا إلى سنة الله الجارية وفق المشيئة الطليقة؛ وإنما نسبوه إلى المصادفات العابرة، التي لا علاقة لها بنواميس الوجود الدائرة. وكذلك لم ينتبه آل فرعون إلى اللمسة الموقظة الدالة على رحمة الله بعباده - حتى وهم يكفرون ويفجرون. كانت الوثنية وخرافاتها قد أفسدت فطرتهم؛ وقطعت ما بينهم وبين إدراك النواميس الدقيقة الصحيحة التي تصرف هذا الكون، كما تصرف حياة الناس؛ والتي لا يراها ولا يدركها على حقيقتها إلا المؤمنون بالله إيماناً صحيحاً.. الذين يدركون أن هذا الوجود لم يخلق سدى، ولا يمضي عبثاً، إنما تحكمه قوانين صارمة صادقة.. وهذه هي "العقلية العلمية" الحقيقية. وهي عقلية لا تنكر "غيب الله" لأنه لا تعارض بين "العلمية" الحقيقية و "الغيبية"؛ ولا تنكر العلاقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة، لأن وراءها الله الفعال لما يريد؛ الذي يريد من عباده الإيمان وهو يريد منهم الخلافة في الأرض، والذي يسن لهم من شريعته ما يتناسق مع القوانين الكونية ليقع التناسق بين حركة قلوبهم وحركتهم في الأرض. لم ينتبه آل فرعون إلى العلاقة بين كفرهم وفسقهم عن دين الله، وبغيهم وظلمهم لعباد الله.. وبين أخذهم بالجدب ونقص الثمرات.. في مصر التي تفيض بالخصب والعطاء، ولا تنقص غلتها عن إعالة أهلها إلا لفسوق أهلها وأخذهم بالابتلاء لعلهم يتذكرون! لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم. ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقاً طبيعياً لهم! وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم. {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}.. وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله، فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود؛ ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث. وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة. فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة. لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط؛ وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة؛ لا تلتقي عند قاعدة، ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية "العلمية!" عن معاكسة "الطبيعة!" لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات! وكما يقول الذين يمضون مع هذه "العلمية" المدعاة في تعليل هذه الأحداث.. وهم ينكرون قدر الله.. وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه "مسلم" وهو ينكر أصول الإيمان بالله! وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث. الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها. والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم، ومن تحت رأسهم! وأصل "التطير" في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه.. فقد كان الرجل منهم إذ اراد أمراً، جاء إلى عش طائر فهيجه عنه، فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده. وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي؛ وأحل محله التفكير "العلمي" - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود؛ وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها؛ وأقام الأمور على أسس "علمية" يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده؛ وتوضع في موضعها الصحيح، في إطار المشيئة الإلهية الطليقة، وقدره النافذ المحيط: {ألا إنما طائرهم عند الله؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. إن ما يقع لهم مصدره كله واحد.. إنه من أمر الله.. ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء.. وتصيبهم السيئة للابتلاء:{أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} تفسير : ويصيبهم النكال للجزاء.. ولكن أكثرهم لا يعلمون.. كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم "العقلية العلمية"! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم "الاشتراكية العلمية" كذلك!!! وكلهم جهال.. وكلهم لا يعلمون! ويمضى آل فرعون في عتوهم، تأخذهم العزة بالإثم؛ ويزيدهم الابتلاء شماساً وعناداً: {وقالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين}.. فهو الجموح الذي لا تروضه تذكرة؛ ولا يرده برهان؛ ولا يريد أن ينظر ولا أن يتدبر، لأنه يعلن الإصرار على التكذيب قبل أن يواجه البرهان - قطعاً للطريق على البرهان! - وهي حالة نفسية تصيب المتجبرين حين يدمغهم الحق؛ وتجبههم البينة، ويطاردهم الدليل.. بينما هواهم ومصلحتهم وملكهم وسلطانهم.. كله في جانب آخر غير جانب الحق والبينة والدليل! عندئذ تتدخل القوة الكبرى سافرة بوسائلها الجبارة: {فأرسلنا عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع والدم.. آيات مفصلات..} للإنذار والابتلاء.. آيات مفصلات.. واضحة الدلالة، منسقة الخطوات، تتبع الواحدة منها الأخرى، وتصدق اللاحقة منها السابقة. ولقد جمع السياق هنا تلك الآيات المفصلة، التي جاءتهم مفرقة. واحدة واحدة. وهم في كل مرة يطلبون إلى موسى تحت ضغط البلية أن يدعو لهم ربه لينقذهم منها؛ ويعدونه أن يرسلوا معه بني إسرائيل إذا أنجاهم منها، وإذا رفع عنهم هذا "الرجز"، أي العذاب، الذي لا قبل لهم بدفعه: {ولما وقع عليهم الرجز قالوا: يا موسى ادع لنا ربك - بما عهد عندك - لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل}.. وفي كل مرة ينقضون عهدهم، ويعودون إلى ما كانوا فيه قبل رفع العذاب عنهم وفق قدر الله في تأجيلهم إلى أجلهم المقدور لهم: {فلما كشفنا عنهم الرجز - إلى أجل هم بالغوه - إذا هم ينكثون}.. جمع السياق الآيات كلها، كأنما جاءتهم مرة واحدة. وكأنما وقع النكث منهم مرة واحدة. ذلك أن التجارب كلها كانت واحدة، وكانت نهايتها واحدة كذلك. وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصص يجمع فيها البدايات لتماثلها؛ ويجمع فيه النهايات لتماثلها كذلك.. ذلك أن القلب المغلق المطموس يتلقى التجارب المنوعة وكأنها واحدة؛ لا يفيد منها شيئاً، ولا يجد فيها عبرة.. فأما كيف وقعت هذه الآيات، فليس لنا وراء النص القرآني شيء. ولم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها شيئاً. ونحن على طريقتنا في هذه "الظلال" نقف عند حدود النص القرآني في مثل هذه المواضع. لا سبيل لنا إلى شيء منها إلا من طريق الكتاب أو السنة الصحيحة. وذلك تحرزاً من الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها؛ والتي تسربت - مع الأسف - إلى التفاسير القديمة كلها، حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير؛ وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري - على نفاسة قيمته - وتفسير ابن كثير كذلك - على عظيم قدره - لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة.. وقد وردت روايات شتى في شأن هذه الآيات عن ابن عباس، وعن سعيد بن جبير، وعن قتادة، وعن ابن إسحاق.. رواها أبو جعفر ابن جرير الطبري في تاريخه وفي تفسيره. وهذه واحدة منها: "حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه، فأرسل الله عليهم الطوفان - وهو المطر - فصب عليهم منه شيئاً، فخافوا أن يكون عذاباً، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل؛ فأنبت لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ. فقالوا: هذا ما كنا نتمنى! فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع. فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فداسوا وأحرزوا في البيوت؛ فقالوا: قد أحرزنا! فأرسل الله عليهم القمل - وهو السوس الذي يخرج منه - فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينا هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا! فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا؟! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه. فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فكشف عنهم فلم يؤمنوا. فأرسل الله عليهم الدم، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، أو ما كان في أوعيتهم، وجدوه دماً عبيطاً. فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم، وليس لنا شراب! فقال: إنه قد سحركم! فقالوا: من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً؟ فأتوه فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل". والله أعلم أي ذلك كان.. والصورة التي جاءت بها هذه الآيات لا يؤثر اختلافها في طبيعة هذه الآيات. فالله - سبحانه - أرسلها بقدره، في وقت معين، ابتلاء لقوم معينين؛ وفق سنته في أخذ المكذبين بالضراء لعلهم يتضرعون. ولقد كان قوم فرعون على وثنيتهم وجاهليتهم؛ وعلى استخفاف فرعون بهم لفسقهم، يلجأون إلى موسى - عليه السلام - ليدعو ربه بما عهد عنده، ليكشف عنهم البلاء.. وإن كانت السلطات الحاكمة بعد ذلك تنكث ولا تستجيب. لأنها تقوم على ربوبية فرعون للبشر؛ وتفزع من ربوبية الله لهم. إذ أن ذلك معناه هدم نظام الحكم الذي يقوم على حاكمية فرعون لا حاكمية الله؛.. أما أهل الجاهلية الحديثة فإن الله يسلط الآفات على زروعهم، فلا يريدون أن يرجعوا إلى الله أَلبتة! وإذا أحس أصحاب الزروع من الفلاحين بيد الله في هذه الآفات، - وهو الشعور الفطري حتى في النفوس الكافرة في ساعات الخطر والشدة! - واتجهوا إلى الله بالدعاء أن يكشف عنهم البلاء، قال لهم أصحاب "العلمية!" الكاذبة: هذا الاتجاه خرافة "غيبية!" وتندروا عليهم وسخروا منهم! ليردوهم إلى كفر أشد وأشنع من كفر الوثنيين! ثم تجيء الخاتمة - وفق سنة الله في أخذ المكذبين بعد الابتلاء بالضراء والسراء - وتقع الواقعة. ويدمر الله على فرعون وملئه - بعد إذ أمهلهم وأجلهم إلى أجل هم بالغوه - ويحقق وعده للمستضعفين الصابرين، بعد إهلاك الطغاة المتجبرين: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم، بأنهم كذبوا بآياتنا، وكانوا عنها غافلين. وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها}... {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون}.. والسياق يختصر هنا في حادث الإغراق، ولا يفصل أحداثه كما يفصلها في مواضع أخرى من السور. ذلك أن الجو هنا هو جو الأخذ الحاسم بعد الإمهال الطويل؛ فلا يعرض لشيء من التفصيل.. إن الحسم السريع هنا أوقع في النفس وأرهب للحس! {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم}.. ضربة واحدة، فإذا هم هالكون. ومن التعالي والتطاول والاستكبار، إلى الهويّ في الأعماق والأغوار، جزاء وفاقاً: {بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}.. فيربط بين التكذيب بالآيات والغفلة عنها، وبين هذا المصير المقدور. ويقرر أن الأحداث لا تجري مصادفة، ولا تمضي فلتات عابرة، كما يظن الغافلون! وتنسيقاً للجو الحاسم يعجل السياق كذلك بعرض الصفحة الأخرى - صفحة استخلاف المستضعفين - ذلك أن استخلاف بني إسرائيل - في الفترة التي كانوا أقرب ما يكونون فيها إلى الصلاح وقبل أن يزيغوا فيكتب عليهم الذل والتشرد - لم يكن في مصر، ولم يكن في مكان فرعون وآله. إنما كان في أرض الشام، وبعد عشرات السنوات من حادث إغراق فرعون - بعد وفاة موسى عليه السلام وبعد التيه أربعين سنة كما جاء في السورة الأخرى - ولكن السياق يطوي الزمان والأحداث، ويعجل بعرض الاستخلاف هنا تنسيقاً لصفحتي المشهد المتقابلتين: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها}.. {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون}.. على أننا نحن البشر - الفانين المقيدين بالزمان - إنما نقول "قبل" و "بعد" لأننا نؤرخ للأحداث بوقت مرورها بنا وإدراكنا لها! لذلك نقول: إن استخلاف القوم الذين كانوا يستضعفون، كان متأخراً عن حادث الإغراق.. ذلك إدراكنا البشري.. فأما الوجود المطلق والعلم المطلق فما "قبل" عنده وما "بعد؟! والصفحة كلها معروضة له سواء، مكشوفة لا يحجبها زمان ولا مكان.. ولله المثل الأعلى. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.. وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار في جانب؛ وعلى مشهد الاستخلاف والعمار في الجانب الآخر.. وإذا فرعون الطاغية المتجبر وقومه مغرقون، وإذا كل ما كانوا يصنعون للحياة، وما كانوا يقيمون من عمائر فخمة قائمة على عمد وأركان، وما كانوا يعرشون من كروم وثمار.. وإذا هذا كله حطام، في ومضة عين، أو في بضع كلمات قصار! مثل يضربه الله للقلة المؤمنة في مكة، المطاردة من الشرك وأهله؛ ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته، ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها المباركة - بما صبروا - لينظر كيف يعملون!
ابن عاشور
تفسير : انتقال من أخبار الرسالات السابقة إلى أخبار رسالة عظيمة لأمة باقية إلى وقت نزول القرآن فضّلها الله بفضله فلم تُوَف حق الشكر وتلقت رسولها بين طاعة وإباء وانقياد ونفار، فلم يعاملها الله بالاستيصال ولكنه أراها جزاء مختلف أَعمالها، جزاء وفاقاً، إنْ خيراً فخير، وإن شراً فشر. وخصت بالتفضيل قصة إرسال موسى لِما تحتوي عليه من الحوادث العظيمة، والأنباء القيمة، ولأن رسالته جاءت بأعظم شريعة بين يدي شريعة الإسلام، وأرسل رسولها هادياً وشارعاً تمهيداً لشريعة تأتي لأمة أعظم منها تكون بعدها، ولأن حال المرسل إليهم أشبه بحال من أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا فريقيْن كثيريْن اتَبع أحدهم موسى وكفَر به الآخر، كما اتّبع محمداً ــــ عليه السلام ــــ جمع عظيم وكفر به فريق كثير، فأهلك الله من كفر ونصر من آمن. وقد دلت {ثم} على المُهلة: لأن موسى ــــ عليه السلام ــــ بعث بعد شعيب بزمن طويل، فإنه لما توجه إلى مدين حين خروجه من مصر، رجَا الله أن يهديَه فوجد شعيباً، وكان اتصاله به ومصاهرته تدريجاً له في سلم قبول الرسالة عن الله تعالى فالمهلة باعتبار مجموع الأمم المحكي عنها قبل، فإن منها ما بينه وبين موسى قرونَ مثل قوم نوح، ومثل عاد وثمود، وقوم لوط، فالمهلة التي دلت عليها {ثم} متفاوتة المقدار، مع ما يقتضيه عطف الجملة بحرف {ثم} من التراخي الرتبي وهو ملازم لها إذا عطفت بها الجمل. فحرف (ثم) هنا مستعمل في معنيي المهلة الحقيقي والمجازي. والضمير في قوله: {من بعدهم} يعود إلى القرى، باعتبار أهلها، كما عادت عليهم الضمائر في قوله {أية : ولقد جاءتهم رسلهم} تفسير : الآيتين [الأعراف: 101]. والباء في {بآياتنا} للملابسة، وهي في موضع الحال من موسى، أي: مصحوباً بآيات منا، والآيات: الدلائل على صدق الرسول، وهي المعجزات، قال تعالى: {أية : قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} تفسير : [الأعراف: 106، 107]. و{فرعون} علَم جنس لملك مصر في القديم، أي: قبل أن يملكها اليونان، وهو اسم من لغة القبط. قيل: أصله في القبطية (فاراه) ولعل الهاء فيه مبدلة عن العين فإن (رع) اسم الشمس فمعنى (فاراه) نور الشمس لأنهم كانوا يعبدون الشمس فجعلوا ملك مصر بمنزلة نور الشمس، لأنه يصلح الناس، نقل هذا الاسم عنهم في كتب اليهود وانتقل عنهم إلى العربية، ولعله مما أدخله الإسلام، وهذا الاسم نظير (كسرى) لملك ملوك الفرس القدماء، و(قيصر) لملك الروم، و(نمروذ) لملك كنعان، و(النجاشي) لملك الحبش، و(تُبَع) لملك ملوك اليمن، و(خان) لملك الترك. واسم فرعون الذي أرسل موسى إليه: منفطاح الثاني، أحد ملوك العائلة التاسعة عشرة من العائلات التي ملكت مصر، على ترتيب المؤرخين من الإفرنج وذلك في سنة 1491 قبل ميلاد المسيح. والملأ: الجماعة من علية القوم، وتقدم قريباً، وهم وزراء فرعون وسادة أهل مصر من الكهنة وقواد الجند، وإنما خص فرعون وملأه لأنهم أهل الحل والعقد الذين يأذنون في سراح بني إسرائيل، فإن موسى بعثه الله إلى بني إسرائيل ليحررهم من الرق الذي كانوا فيه بمصر، ولما كان خروجهم من مصر متوقفاً على أمر فرعون وملئه بعثه الله إليهم ليعلموا أن الله أرسل موسى بذلك، وفي ضمن ذلك تحصل دعوة فرعون للهُدى، لأن كل نبيء يُعلن التوحيد ويأمر بالهدى، وإن كان المأمور من غير المبعوث إليهم حرصاً على الهُدى إلاّ أنَّه لا يقيم فيهم ولا يكرر ذلك، والفاء في قوله: {فظلموا} للتعقيب أي فبادروا بالتكذيب. والظلم: الاعتداء على حق الغير، فيجوز أن يكون {فظلموا} هنا على أصل وضعه وتكون الباء للسببية، وحذف مفعول (ظلموا) لقصد العموم، والمعنى: فظلموا كل من له حق في الانتفاع بالآيات، أي منعوا الناس من التصديق بها وآذوا الذين آمنوا بموسى لَمّا رأوا آياته، كما قال تعالى: {أية : قال فرعون أآمنتم به قبل أن آذن لكم} تفسير : [الأعراف: 123] إلى قوله {أية : لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} تفسير : [الأعراف: 124] الآية. وظلموا أنفسهم إذ كابروا ولم يُؤمنوا، فكان الظلم بسبب الآيات أي بسبب الاعتراف بها. ويجوز أن يكون ضمّن {ظلموا} معنى كفروا فعدّي إلى الآيات بالباء، والتقدير: فظلموا إذ كفروا بها، لأن الكفر بالآيات ظلم حقيقة، إذ الظلم الاعتداء على الحق فمن كفر بالدلائل الواضحة المسماة (آيات) فقد اعتدى على حق التأمل والنظر. والفاء في قوله: {فانظر} لتفريع الأمر على هذا الإخبار، أي: لا تتريّث عند سماع خبر كفرهم عن أن تبادر بالتدبّر فيما سنقص عليك من عاقبتهم. والمنظور هو عاقبتهم التي دل عليها قوله: {أية : فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} تفسير : [الأعراف: 136] وهذا النظر نظر العقل وهو الفكر المُؤَدِّي إلى العلم فهو من أفعال القلوب. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو ومن يَبْلغْه، أو المخاطب غيرُ معين وهو كل من يتأتى منه النظر والاعتبار عند سماع هذه الآيات، فالتقدير: فانظر أيها الناظر، وهذا استعمال شائع في كل كلام موجه لغير معين. ولما كان ما آل إليه أمر فرعون وملئه حالة عجيبة، عبر عنه بــــ (كيف) الموضوعة للسؤال عن الحال، والاستفهام المستفاد من (كيف) يقتضي تقدير شيء، أي: انظر عاقبة المفسدين التي يسأل عنها بكيف. وعُلّق فعل النظر عن العمل لمجيء الاستفهام بعده، فصار التقدير: فانظر، ثم افتتح كلاماً بجملة {كيف كان عاقبة المفسدين}، والتقدير في أمثاله أن يقدر: فانظر جوابَ كيفَ كان عاقبة المفسدين. والعاقبة: آخر الأمر ونهايته، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}تفسير : في سورة الأنعام (11). والمراد بالمفسدين: فرعون وملأه، فهو من الإظهار في مقام الإضمار تنبيهاً على أنهم أصيبوا بسوء العاقبة لكفرهم وفسادهم، والكفر أعظم الفساد لأنه فساد القلب ينشأ عنه فساد الأعمال، وفي الحديث: «حديث : ألا وإن في الجسد مُضْغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب».
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا} الآية.. بين تعالى هنا أن فرعون وملأه ظلموا بالآيات التي جاءهم بها موسى، وصرح في النمل بأنهم فعلوا ذلك جاحدين لها، مع أنهم مستيقنون أنها حق لأجل ظلمهم وعلوهم. وذلك في قوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 13-14].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ثم بعثنا من بعدهم: أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. موسى: هو موسى بن عمران من ذرية يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. بآياتنا: هي تسع آيات: العصا، واليد، والسنون المجدبة، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والطمس على أموال فرعون. إلى فرعون: أي بعث موسى الرسول إلى فرعون وهو الوليد بن مصعب بن الريان، ملك مصر. وملئه: أي أشراف قومه وأعيانهم من رؤساء وكبراء. فظلموا بها: أي ظلموا أنفسهم بالآيات وما تحمله من هدى حيث كفروا بها. بينة من ربكم: حجة قاطعة وبرهان ساطع على أني رسول الله إليكم. ونزع يده: أخرجها بسرعة من جيبه. معنى الآيات: قوله تعالى {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ} هذا شروع في ذكر القصص السادس مما اشتملت عليه سورة الأعراف، وهي قصص موسى عليه السلام مع فرعون وملئه. قال تعالى وهو يقص على نبيه ليثبت به فؤاده، ويقرر به نبوته، ويعظ امته، ويذكر به قومه {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب موسى بن عمران إلى فرعون وملئه من رجالات ملكه ودولته، وقوله بآياتنا. هي تسع آيات لتكون حجة على صدق رسالته وأحقية دعوته. وقوله تعالى {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي جحدوها ولم يعترفوا بها فكفروا بها وبذلك ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم بها، واستمروا على كفرهم وفسادهم حتى أهلكهم الله تعالى بإغراقهم، ثم قال لرسوله {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي دماراً وهلاكاً وهي عاقبة كل مفسد في الأرض بالشرك والكفر والمعاصي. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [103] وأما الآيات بعدها فإنها في تفصيل أحداث هذا القصص العجيب. وأتى موسى فرعون وقال {يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ} أي جدير وخليق بي {أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} دالة على صدقي شاهدة بصحة ما أقول {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} لأذهب بهم إلى أرض الشام التي كتب الله لهم وقد كانت دار آبائهم. وهنا تكلم فرعون وطالب موسى بالآية التي ذكر أنه جاء بها فقال {إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فيما تدعيه وتقول به وتدعوا إليه. وهنا ألقى موسى عصاه أي أمام فرعون المطالب بالآية {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي حية عظيمة تهتز أمام فرعون وملئه كأنها جان، هذه آية وزاده أخرى فأدخل يده في جيبه كما علمه ربه ونزعها {فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} بيضاء بياضاً غير معهود مثله في أيدي الناس. هذا ما تضمنته هذه الآيات الخمس في هذا السياق. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سوء عاقبة المفسدين بالشرك والمعاصي. 2- تذكير موسى فرعون بأسلوب لطيف بأنه ليس رباً بل هناك رب العالمين وهو الله رب موسى وهارون والناس أجمعين. 3- تقرير مبدأ الصدق لدى الرسل عليهم السلام. 4- ظهور آيتين لموسى العَصَا واليد.
القطان
تفسير : موسى: نبي الله ورسوله إلى بني اسرائيل. فرعون: لقب لملوك مصر القدماء، والفرعون الذي تربى موسى في قصره هو رعمسيس الثاني، اما الذي حصل في زمنه الخروج فهو منفتاح بن رعمسيس، وجثته موجودة بالمتحف المصري، وقد كتب بجانب هيكله هذه الآية الكريمة {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}. الملأ: اشراف القوم. ظلموا بها: جحدوا وكفروا. حقيق: جدير وخليق به. نزع يده: اخراجها لهم. فماذا تأمرون: فماذا تشيرون في امره. أرجِه: أرجئه أي أخِّره. في المدائن: في مدائنك وبلادك. حاشرين: جامعين للحسرة. ساحر عليم: عالم بفنون السحر ماهر فيها. هذه قصة سيدنا موسى، وقد ذُكرت بتطويلٍ وتفصيل في اثنتين وخمسين آية. وقد جاء ذِكر موسى في نحو اثنتين وعشرين سورةً بين مختصَر ومطوّلة، وذكر اسمه اكثر من مائة وثلاثين مرة. وسرُّ هذا التكرار ان قصص موسى شبيه بقصص النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت شريعتُه دِينيةً ودينوية، ولقي من أُمته عَنَتاً كبيرا. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ...}. ثم بعثنا من بعد أولئك الرسلِ موسى بالمعجزاتِ الّتي تدلّ على صِدقه فيما كلفناه تبليغه الى فرعون وقومه فبلّغهم موسى الدعوة، وأراهم آية الله. لكنهم ظلموا انفهسم وقومهم بالكفر، فاستحقّوا من الله عقوبة صارمة كانت فيها نهاية امرهم. قراءات: قرأ ابو بكر وأبو عمرو ويعقوب: "أرجئْهُ" وقرأ حمزة والكسائي: "بكل سحَّار". وقال موسى: يا فِرعون، إن مرسَلٌ من الله ربّ العالمين، لأبلِّغَكم دعوتَه، وأدعوكم الى شريعته وأنا حريص على قول الصدق، فاستمعوا اليّ. ثم بيّن ان الله أيّده بآيات تدل على صدقه في دعواه فقال: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}. ها أنا قد جئتكم بآيةٍ عظيمة الشأن، ظاهرةِ الحجّة، في بيان الحق الذي جئت به، فاترك بني إسرائيل لأُخرجَهم من العبوديّة في ديارك الى دارٍ غيرها يعبدون فيها ربهم بِحرّيَّةٍ. قال فرعون لموسى: ان كنت جئتَ مؤيَّداً بآية من عند من أرسلَك فأَظهِرها لديَّ إن كنتَ صادقا. فوقف موسى وألقى عصاه التي كانت بيده اليمنى أمام فرعون وقومه، فاذا العصا حيّة تسعى من مكانٍ الى مكان، لم تخفَ على أحد. واخرج يدَه من جيبه فإذا هي بيضاء ناصعةُ البياض تتلألأ للناظرين مع ان موسى أسمرُ البشرة. فلما أظهر موسى آية الله تعالى، ثارت نفوسُ بطانةِ فرعون وعظماءِ قومه وقالوا: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} ماهرٌ في فنون السِحر، وليس ذلك بآيةٍ من الله. انظروا، لقد وجّه إرادته لسلب مُلككم، وإخراجكم من أرضكم بسِحره. فكِّروا يا قوم فيما يكون سبيلاً للتخلص منه. وحين استشارهم فرعون بقوله: فماذا تأمرون؟ أجابوه: أَخّرِ الفصل في موسى وأخيه هارون الذين يعاونه في دعوته، وأرسلْ في مدائن ملكك رجالاً من جُندك يجمعون لك عظماء السَّحَرة من كل البلاد. والسِّحر أعمالٌ غريبة وحِيَلٌ تخفَى حقيقتُها على جماهير الناس، لخفاءِ أسبابها ومهارةِ من يزاولها من السّحَرة. وقد كان السحر فناً من الفنون العالية التي يتعلمها قدماء المصريين في معاهد خاصة لهم. وكان شائعا في ذلك العصر. ولا يزال السحر، او خفة الحركة موجودا الى الآن، وفي امريكا وأوروبا عدد كبير من السحرة والمشعوِذين. اما في البلاد الجاهلة المتأخرة، وبين القبائل الهمجيّة فله شأن عظيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَآ} {مَلَئِهِ} {عَاقِبَةُ} (103) - ثُمَّ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ الرُّسُلِ، الذِينَ أَتَى عَلَى ذِكْرِهِمْ، مُوسَى بِحُجَجِ رَبِّهِ وَبَرْاهِينِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ (آيَاتِهِ)، إِلَى فِرْعَونَ مَلِكِ مِصْرَ، وَكُبراءِ قَوْمِهِ (مَلَئِهِ)، فَكَفَرُوا بِهَا، ظُلْماً مِنْهُمْ وَعِنَاداً (أَوْ فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَقَوْمَهُمْ بِالكُفْرِ بِهَا جُحُوداً وَاسْتِكْبَاراً)، وَكَذَّبُوا رَسُولَ رَبِّهِمْ، فَانْظُر يَا مُحْمَّدُ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ هؤلاءِ المُكَذِّبِينَ المُفْسِدِينَ: لَقَدْ أَغْرَقَهُمُ اللهُ جَمِيعاً - فِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ - فِي البَحْرِ، وَمُوسَى وَقَوْمُهُ يَنْظُرُونَ إِلى ذَلِكَ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ. فَظَلَمُوا بِهَا - فَكَفَرُوا بِهَا.
الثعلبي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} أي من بعد قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب {مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} بحجّتنا وأدلّتنا {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ} فجحدوا وكفروا {بِهَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} وكيف فعلنا بهم {وَقَالَ مُوسَىٰ} لمّا دخل على فرعون واسمه قابوس في قول أهل الكتاب. قال وهب: كان اسمه الوليد بن مصعب بن الربان وكان من القبط وعَمّرَ أكثر من أربعمائة عام وقال موسى: {يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} إليك فقال فرعون كذبت فقال موسى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقّ} يعني أنا [خليق] بأن لا أقول على الله إلاّ الحق، فعلى بمعنى الباء، كما يقال: رميت بالقوس على القوس وجاءني على حال حسنة وبحالة حسنة يدل عليه، [قول الفراء] والأعمش: حقيق بأن لا أقول. وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلاّ الحق، وقرأ شيبة ونافع: حقيق على تشديد الياء يعني حق واجب عليَّ ترك القول على الله عزّ وجلّ إلاّ الحق. {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني العصا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري يقول: إنّه تعريض يقول: لحقيق مصرف الخطاب و{حَقِيقٌ} [فعيل] من الحق يكون بمعنى القائل {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي اطلق عنهم وخلهم يرجعون إلى الأرض المقدسة. قال وهب: وكان سبب استعباد فرعون بني إسرائيل أنّ فرعون حاجّ [موسى] وكان [أشد من] فرعون يوسف [........] في يوسف [وانقرضت] الأسباط عليهم فرعون فاستعبدهم فأنقذهم الله بموسى. قال: وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخل موسى رسولاً أربعمائة عام {قَالَ} فرعون مجيباً لموسى {إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ} من يده {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}. قال ابن عباس والسدي: كانت [عظيمة ذكراً] من الحيات، إذا فتحت فاها صار شدقها ثمانين وقد ملأت ما بين سماطي فرعون واضعة لحييها ذراعاً واضع لحية الأسفل في الأرض الأعلى على سور القصر، حتى رأى بعض من كان خارج مدينة مصر رأسها. ثمّ توجهت نحو فرعون لتبتلعه فوثب فرعون من سريره وهرب منها فأحدث ولم يكن حدث قبل ذلك وهرب الناس وصاحوا وحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى خذها وأنا مؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت. ثمّ قال له فرعون: هل معك آية أُخرى، قال: نعم، فأدخل يده في جيبه ثمّ نزعها فأخرجها بيضاء مثل الثلج لها شعاع غلب على نور الشمس، وكان موسى أدم ثمّ أدخلها جيبه فصارت يداً كما كانت. {قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} يعنون أنّه يأخذ بأعين الناس بخداعه إيّاهم حتّى تخيّل إليهم العصا حيّة والأدم أبيض [يري الشيء] بخلاف ما هو به، كما قيل سحر المطر الأرض إذا جاءها فقطع نباتها من أصلها وقلب الأرض على البطن فهو يسحرها سحراً والأرض مسحورة فشبه سحر الساحر به لتخيله إلى من سحره أنّه يري الشيء بخلاف ما هو به، ومنه قول بني الرمة في صفة السراب: شعر : وساحرة العيون من الموامي ترقص في نواشزها الأروم تفسير : {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ} [من القبط] {مِّنْ أَرْضِكُمْ} مصر {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} هذا من قول فرعون للملأ ولم يذكر فرعون فيه كقوله {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} تفسير : [يوسف: 51] {أية : أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ * ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 51-52] هذا من كلام يوسف ولم يذكر {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ} أحبسه {وَأَخَاهُ} هارون ولا تقتلهما ولا يؤمن بهما، وقال عطاء: احبسه وهذا أعجب إليّ لأنّه قد علم أنه لا يقدر على حبسه بعد ما رأى الآيات من العصا واليد. {وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} يعني الشرطة وكانت له مدائن فيها السحرة عدة للأشياء إذا [حزّ به أمر] أرسل. {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} قرأها أهل الكوفة على التكثير وقرأ العامّة كل ساحر. والفرق بين الساحر والسحّار أن الساحر الذي لا يعلم والسحار الذي يعلم ولا يعلم. وقال المؤرخ: الساحر من سحره في وقت دون وقت، والسحار من قديم السحر. قال: فإن غلبهم موسى صدقناه على ذلك وعلمت أنه ساحر. قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لمّا رأى من سلطان الله في العصا ما رأى: إنا لا نغالب موسى إلاّ بمَنْ هو مثله فأخذ غلمان بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرقاء يعلّمونهم السحر كما يعلّم الصبيان الكتابة في المكتب فعلّموهم سحراً كثيراً وواعد فرعون موسى موعداً، فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم ومعهم معلمهم فقال له ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلاّ أن يكون أمر من السماء فإنّه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون الشرطي في [مملكته] فلم يترك في سلطانه ساحراً إلاّ أتى به واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون. فقال مقاتل: كان السحرة اثنين وسبعين ساحراً اثنان فيهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من بني إسرائيل. وقال الكلبي: كانوا سبعين ساحراً غير رئيسهم وكان الذين يعلّمونهم السحر رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفاً. قال السدي: كانوا بضعة وثلاثين. عكرمة: سبعين ألفاً، ابن المنكدر: ثمانين ألفاً فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلا ساحر ماهر ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختار منهم سبعين من كبرائهم وعلمائهم، وقاله ابن جريج، فلمّا أجتمع السحرة {قَالْوۤاْ} لفرعون {إِنَّ لَنَا لأَجْراً} أي جعلاً وثواباً. {إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ * قَالَ} فرعون {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} في المنزلة عندي. قال الكلبي: أوّل مَنْ يدخل عليّ وآخر مَنْ يخرج {قَالُواْ} يعني السحرة. {يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} بعصيّنا [وحبالنا]. {قَالَ} موسى {أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} أي أرعبوهم وأفزعوهم {وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} وذلك أنّهم ألقوا حبالاً وعظاماً وخشباً طوالاً فإذا هي حيّات كالجبال قد ملأت الوادي [يأكل] بعضهم بعضاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن تكلم الحق عن نوح وهو وصالح ولوط وشعيب وما دار بينهم وبين أقوامهم، وكيف أهلك سبحانه المكذبين وأنجى المؤمنين، أراد أن يأتي بتاريخ رسول من أولى العزم من الرسل، أي من الذين تعرضوا في رسالاتهم لأشياء لا يتحملها إلا جَلْد قوي. وأظن أنكم تعلمون أن علاج موسى لليهود أخذ قسطاً وافراً في القرآن، بل إن قصة موسى مع قومه هي أطول قصص القرآن؛ لأن انحرافاتهم ونزواتهم وتمردهم على أنبيائهم كانت كثيرة، وكان أنبياؤهم كثيرون لذلك فهم يفتخرون بأنهم كثيرو الأنبياء، وقالوا: نحن أكثر الأمم أنبياء. وقلنا لهم: إن كثرة أنبيائكم تدل على تأصل دائكم؛ لأن الأطباء لا يكثرون إلا حين يصبح علاج المريض أمراً شاقاً. إذن فكثرة أنبيائكم، دليل على أن رسولاً واحداً لا يكفيهم، بل لابد من أنبياء كثيرين. وقوله الحق: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ}. وكلمة "بعث"- كما نفهمها - توحي وتشير إلى أنه سبحانه قد أرسل موسى رسولاً إلى فرعون، واختيرت كلمة "بعث" للرسالات لأن البعث يقتضي أن شيئاً كان موجوداً ثم انطمر ثم بعثه الحق من جديد، والإِيمان يتمثل في عهد الفطرة الأول الذي كان من آدم؛ لأن الله خلقه بيديه خلقاً مباشراً وكلفه تكليفاً مباشراً، فنقل آدم الصورة للذرية، وهذه الصورة الأصلية هي التي تضم حقائق الإِيمان التي كانت لآدم، وحين يبعث الله رسولاً جديداً، فهو لا ينشئ عقيدة جديدة، بل يحيي ما كان موجوداً وانطمر، وحين يطم الفساد يبعث الله الرسول، فكأن الحق سبحانه وتعالى حينما كلف آدم التكليف الأول طلب منه أن ينقل هذا التكليف إلى ذريته، ولو أن الإِنسان أخذ تكاليف الدين كما أخذ مقومات الحياة ممن سبقه لظل الإِيمان مسألة رتيبة في البشر. إننا نأخذ الأشياء التي أورثها لنا أجدادنا وتنفعنا في أمور الدنيا نحتفظ بها ونحرص عليها، فلماذا لم نأخذ الدين منهم؟ لأن الدين يحجر على حرية الحركة ويضعها في إطارها الصحيح. والإِنسان يريد أن ينفلت من تقييد حرية الحركة، وحين يقول ربنا مرة إنه: "أرسل" الرسل، ومرة أخرى إنه قد بعثهم، فهذا يدل على أنه لم يجيء بشيء جديد، ولكنه جاء بشيء كان المفروض أن يظل فيكم كما ظلت فيكم الأشياء التي ورّثها لكم أسلافكم وتنتفعون بها؛ مثال ذلك: نحن ننتفع برغيف الخبز وننتفع بخياطة الإِبرة فلماذا انتفعنا بهذه الأشياء المادية ونسينا الأشياء المنهجية؟ لأن الأشياء المادية قد تعين الإِنسان على شهواته، أما قيم الدين فهي تحارب الشهوات. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ...} [الأعراف: 103] والآيات - كما نعلم - جمع آية، وهي الأمر العجيب الذي يقف العقل عنده مشدوهاً. وتُطلق الآيات ثلاث إطلاقات؛ فهي تطلق على الآيات القرآنية لأنها عجيبة أسلوبيًّا معبرة عن كل كمال يوجد في الوجود إلى أن تقوم الساعة، وكل قارئ لها يأخذ منها على قدر ذهنه وقدر فهمه. والآيات الكونية موجودة في خلق الأرض والسماء وغير ذلك، وكذلك تطلق الآيات على المعجزات الدالة على صدق الأنبياء. والبعث يقتضي مبعوثاً وهو موسى، ويقتضي باعثاً وهو الله، ومبعوثاً إليهم. وهم قوم فرعون، ومبعوثاً به وهو المنهج. والآيات التي بعث الله بها موسى هي أدلة صدق النبوة، وهي أيضاً الكلمات المعبرة عن المنهج ليشاهدها ويسمع لها فرعون وملؤه، والملأ - كما عرفنا من قبل - هم القوم الذين يملأون العيون هيبة، فلا يقال للناس الذين لا يلتفت إليهم أحد إنهم ملأ، أو هم الأناس الذين يملأون صدور المجالس، أي الأشراف والسادة. ولماذا حدد الحق هنا أن موسى قد بعث لفرعون وملئه فقط؟ لأن الباقين من أتباعهم تكون هدايتهم سهلة إن اهتدى الكبار، والغالب والعادة أن الذي يقف أمام منهج الخير هم المنتفعون بالشر، وهم القادة أو من حولهم، ولا يرغبون في منهج الخير لأنه يصادم أغراضهم، وأهواءهم، ولذلك يحاربونه، أما بقية العامة فهم المغلوبون على أمرهم، وساعة يرون أن واحداً قد جاء ووقف في وجه الذين عضوهم بمظالمهم وعضوهم بطغيانهم، تصبح قلوبهم مع هذا المنقذ! {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ...} [الأعراف: 103] وإن كانت الآيات هي الكلمات المؤدية للمنهج الموجودة في التوراة، أو كانت الآيات هي المعجزات التي تدل على صدق موسى فقد كان ذلك يقتضي إيمانهم. ونعلم أن القرآن قد عدد الآيات المعجزات التي أرسلها الحق مع موسى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ...} تفسير : [الإِسراء: 101] ومن هذه الآيات العصا، واليد يدخلها في الجيب أو تحت جناحه وإبطه وتخرج بيضاء من غير سوء أو علة، وأخذ آل فرعون بالسنين، وكلمة "سنين" تأتي للجدب الشديد الذي يستمر لفترة من الزمن بحيث يلفت الناس إلى حدثٍ في زمان، ولذلك نقول: كانت سنة عصيبة؛ لأن السنة عضة من الأحداث، تهدم ترف الحياة، ثم تأتي لهم بما يهدم مقومات الحياة، وأولها الطعام والشراب فيصيبهم بنقص الثمرات، وهو الجدب والقحط، وسمي الجدب سنة، وجمعه سنين، لأنه شيء يؤرخ به، فماذا كان استقبال فرعون وملئه للآيات التي مع موسى عليه السلام؟ يقول الحق: {فَظَلَمُواْ بِهَا}. وهل كانت الآيات أداة للظلم أو ظلموا بسببها لأنهم رفضوها كمنهج حياتي؟. لقد ظلموا بها لأنهم رفضوا اتباع المنهج الحق، وظلوا على فسادهم، والمفسدون - كما نعلم - هم الذين يعمدون إلى الصالح في ذاته فيفسدونه، برغم أن المطلوب من الإِنسان أن يستقبل الوجود استقبال من يرى أن هناك أشياء فوق اختياراته ومراداته، وأشياء باختياره ومراداته، فإذا نظر الإِنسان في الأشياء التي بها مقومات الحياة، مما لا يدخل في اختياره يجدها على منتهى الاستقامة. إننا نجد الإِنسان لا يتحكم في حركة الشمس أو حركة القمر، أو النجوم أو الريح أو المطر، فهذه الكائنات مستقيمة كما يريدها الله، ولا يأتي الفساد إلا في الأمر الذي للإِنسان مدخل فيه، والناس لا تشكو من أزمة هواء - على سبيل المثال - لأنه لا دخل في حركة الهواء لأحد، لكنهم شَكَوْا من أزمة طعام لأن للبشر فيه دخلاً، ونجد شكواهم من أزمة المياه أقل؛ لأن مدخل الإِنسان على الماء قليل. إنه سبحانه وتعالى يجعل الأمر الذي يدير حركتك الوقودية لك فيه بعض من الدخل، فيجعل من جسمك - على سبيل المثال - مخزناً للدهون ليعطيك لحظة الجوع ما كنزته فيه من طاقة. ومن العجيب أن الدهون هذه هي مادة واحدة وساعة نحتاج إلى التغذية منها تتحول المادة الواحدة إلى المواد الأخرى التي نحتاج إليها. تحتاج مثلا إلى زلال، فيتحول الدهن إلى زلال، تحتاج إلى كربون، يعطي لك الدهن الكربون، تحتاج إلى فوسفور يعطيك فوسفوراً، تحتاج إلى مغنسيوم يعطيك الدهن المغنسيوم، وهكذا فإذا كنا نصبر على الطعام بقدر المخزون في أجسامنا، ونصبر على الماء أيضاً بقدر المخزون في هذه الأجساد، فنحن لا نصبر على الهواء لأن التنفس شهيق وزفير، ولو أن إنساناً ملك الهواء يعطيك إياه لحظة الرضا، ويمنعه عنك لحظة الغضب، لمت قبل أن يرضى عنك، لكن إياه منع عنك الماء فترة فقد يحن قلب عدوك أو يأتي لك أحد بالماء أو قد تسعى أنت بحيلة ما لتصل إليه. إذن فالأمر الذي لا دخل للإِِنسان فيه نجد على منتهى الاستقامة، ولا يأتي الفساد إلا من الأمر الذي للإِنسان فيه دخل. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] أي أن آخر الأمر سيعاقب الله المفسدين. وأراد سبحانه أن يَذْكُر سلسلة القصة لا من بدء سلسلتها، بل يبدأ من نهايتها، فسبحانه لا يدرس لنا التاريخ، ولكن يضع أمامنا العظة، وللقطة التي يريدها في هذا السياق، ولذلك لم يتكلم سبحانه في هذه السورة عن ميلاد موسى وكيف أوحى لأمه أن تلقيه في البحر، ولم ترد حادث ذهابه إلى مدين ومقابلته لسيدنا شعيب، لكنه هنا يتكلم سبحانه عن مهمة سيدنا موسى مع فرعون. ويقول سبحانه: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ...}
الأندلسي
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ} الآية لما قص الله تعالى على نبيه أخبار الأمم وما آل إليه أمر قومهم وكان هؤلاء لم يبق منهم أحد أتبع بقصص موسى وفرعون وبني إسرائيل إذ كانت معجزاته من أعظم المعجزات وأمته من أكثر الأمم تعنتاً واقتراحاً وكان قد بقي منهم عالم وهم اليهود فقص تعالى قصصهم لنعتبر وننزجر أن نشبّه بهم. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ بين موسى وشعيب عليهما السلام مصاهرة كما حكى الله تعالى في كتابه ونسباً لكونهما من نسل إبراهيم عليه السلام ولما استفتح قصة نوح بأرسلنا بنون العظمة أتبع ذلك بقصة موسى فقال: ثم بعثنا، والضمير في من بعدهم عائد على الرسل. وفي قوله: {أية : وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ} تفسير : [الأعراف: 101]، وتعدية فظلموا بالباء على سبيل التضمين بمعنى كفروا. {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} هذه محاورة من موسى لفرعون وخطاب له بأحسن ما يدعي به وأحبّها إليه إذ كان من ملك مصر يقال له: فرعون، كنمرود في يونان، وقيصر في الروم، وكسرى في فارس، والنجاشي في الحبشة، وعلى هذا لا يكون فرعون وأمثاله علماً شخصياً بل يكون علم جنس كأسامة وثعالة ولما كان فرعون قد ادعى الربوبية فاتحه موسى عليه السلام بقوله: إني رسول من رب العالمين، لينبهه على الوصف الذي ادعاه وأنه فيه مبطل لا محق. ولما كان قوله: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} دعوى أردفها بما يدل على صحتها وهو قوله: قد جئتكم ببينة. ولما قرر رسالة فرع عليها تبليغ الحكم وهو قوله: فأرسل، ولم ينازعه فرعون في هذه السورة في شىء مما ذكره موسى عليه السلام إلا أنه طلب المعجز، ودل ذلك على موافقته لموسى وأن الرسالة ممكنة لإِمكان المعجزة إذ لم يدفع إمكانها، بل قال: إن كنت جئت بآية. ومعنى حقيق جدير، وخليف وارتفاعه على أن صفة لرسول أو خبر بعد خبر. وان لا أقول الأحسن فيه أن يكون فاعلاً بحقيق كأنه قيل: يحق علي كذا ويجب ويجوز أن يكون أن لا أقول كأنه مبتدأ وحقيق خبره. وقال الزمخشري في القراءة المشهورة وهي قوله: عليّ أن لا أقول أشكال ولا يخلو من وجوه أحدها أن يكون مما يقلب من الكلام لا من الإِلباس كقول الشاعر: شعر : وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر تفسير : ومعناه وتشقى الضياطرة بالرماح. انتهى هذا الوجه وأصحابنا يخصون القلب بالشعر ولا يجيزونه في فصيح الكلام فينبغي أن ينزه القرآن عنه وعلى هذا يصير معنى هذه القراءة معنى قراءة نافع. قال الزمخشري: والثاني ان ما لزمك فقد لزمته فلما كان قول الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قول الحق أي لازماً له. قال الزمخشري: والثالث أن يضمن حقيق معنى حريص كما ضمن هيجني معنى ذكرني في بيت الكتاب. "انتهى". ويعني بالكتاب كتاب سيبويه. والبيت المنشد نصفه: شعر : إذا تغنى الحمام الورق هيجني ولو تسليت عنها أم عمار تفسير : قال: والرابع وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن أن يغرق موسى عليه السلام في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد روي ان عدو الله فرعون قال له لما قال: إني رسول من رب العالمين، كذبت، فيقول: انا حقيق على قول الحق، أي واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به. "انتهى". ولا يصح هذا الوجه إلا ان عنى أنه يكون على أن لا أقول صفة له كما تقول: انا على قول الحق، أي طريقتي، ودعاني قول الحق، وقال ابن مقسم: حقيق من نعت الرسول أي رسول حقيق من رب العالمين أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق وهذا معنى صحيح واضح وقد غفل أكثر المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق على برسول، ولم يخطر لهم تعليقه إلا بقوله: حقيق. "انتهى". وهذا الكلام فيه تناقض في الظاهر لأنه قدر أولاً العامل في على أرسلت. وقال أخيراً إنهم غفلوا عن تعليق علي برسول، فأما الأخير فلا يجوز على مذهب البصريين لأن رسولاً قد وصف قبل أن يأخذ معموله وذلك لا يجوز. وأما التقدير الأول وهو إضمار أرسلت ويفسّره لفظ رسول فهو تقدير سائغ ويتناول كلام ابن مقسم أخيراً في قوله: عن تعليق على برسول أي بما دل عليه رسول. {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ} الآية، لما عرض موسى عليه السلام رسالته على فرعون وذكر الدليل على صدقه وهو مجيئه بالبيّنة والخارق المعجز استدعى منه فرعون خرق العادة الدال على الصدق، وهذا الاستدعاء يحتمل أن يكون على سبيل الاختبار وتجويزه ذلك، ويحتمل أن يكون على سبيل التعجيز لما تقرر في ذهن فرعون أن موسى عليه السلام لا يقدر على الإِتيان ببينة، والمعنى ان كنت جئت بآية من ربك فأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك. {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} هذه إذا الفجائية وفيها خلاف مذكور في النحو وبدأ بالعصا دون سائر المعجزات لأنها معجزة تحتوي على معجزات كثيرة، منها انقلابها ثعباناً وانقلاب خشبة لحماً ودماً قائماً به الحياة من أعظم الإِعجاز ويحصل بانقلابها ثعباناً من التهويل ما لا يحصل في غيرها وتلقفها لحبال السحرة وعصيهم وإبطالها لما صنعوه من كيدهم وسحرهم والإِلقاء حقيقة في الاجرام. {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي جذب يده، قيل: من جيبه، وهو الظاهر لقوله تعالى: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}تفسير : [النمل: 12] وللناظرين أي للنظارة وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب بها للنظارة إلا إذا كان بياضها عجيباً خارجاً عن العادة. وقال ابن عباس: صارت نوراً ساطعاً يضيء ما بين السماوات والأرض له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء والأخرى في غير نفسه وهي العصا. وجمع بذينك تبدل الذوات من الخشبة إلى الحيوانية وتبدل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع فكانا والتي على جواز الأمرين وأنهما كلاهما ممكن الوقوع وكان موسى عليه السلام أسمر.
الجيلاني
تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} أي: بعد انقراض الغواة الطغاة الهالكين بأنواع العذاب والنكال نبينا {مُّوسَىٰ} المخوص بتشريف تكليمنا {بِآيَٰتِنَآ} الدالة على توحيدنا مع تأييدنا إياه بالمعجزات الباهرة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} المبالغ في العتو والاستكبار إلى حيث يدعي الألوهية والربوبية لنفسه {وَمَلإِيْهِ} المعاونين له المصدقين لدعواه الكاذب، وبعدما ادعى النبوة وأظهر الآيات {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: أنكروا بالآيات وكذبوا من جاء بها {فَٱنْظُرْ} أيها المعتبر الرائي {كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] في أرض الله، الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل إذ {قَالَ} حين أراد دعوتهم {مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ} المستكبر المتجاوز عن حدود الله، المفسد بين عباده بأنواع الفسادات، المفرد المسرف بدعوى الربوبية {إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 104] اختارني الله واصطفاني لرسالته. وبعد اختياره سبحانه واجتبائه إياي من بين بريته أنا {حَقِيقٌ} جدير لائق {عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ} وأسند {عَلَى ٱللَّهِ} من الأقوال والأحكام المواعظ {إِلاَّ ٱلْحَقَّ} الذي علمني ربي وبعثني لأجله وتبليغه لعباده، واعلموا أيها البغاة الطغاة أني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ} واضحة دالة على صدقي في دعواي، صادرة {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي أظهركم وأوجدكم من كتم العدم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً {فَأَرْسِلْ} أيها الفرعون الطاغي {مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 105] المقهورين تحت استيلائك، المظلومين بيدك لرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم وفكك رقابهم، وخلّ سبيلهم بعدما أمر الحق به وإلا قد نزل عليك وعلى قومك ما أوعدك الحق به من أنواع العذاب في العاجل والآجلز {قَالَ} فرعون في جوابه مستكبراً مكذباً، بل منهمكاً على سبيل الترفع والخيلاء: لا أفك رقابهم ولا أخلي سبيلهم، بل {إِن كُنتَ} أيها المدعي الكاذب {جِئْتَ بِآيَةٍ} من عند ربك الذي ادعيت رسالته {فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأعراف: 106] في الدعوى. ثم لما سمع موسى قوله وشاهد عتوه واستكباره {فَأَلْقَىٰ} بإلهام الله إياه {عَصَاهُ} من يده على الأرض بين أيديهم {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ} بلا معالجة واستعمال أسبابٍ كما يفعل السحرة {مُّبِينٌ} [الأعراف: 107] عظيم ظاهر بأضعاف مقادر العصا. روي أنه لما ألقاها صارت ثعباناً أشقر، فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحاه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، فصاح فرعون: أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصاً. {وَ} بعد ذلك {نَزَعَ يَدَهُ} أي: أدخل بيده في جيبه؛ وكان لون بشرة موسى شديدة الأدمة، ثم نزع {فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ} مشرقة مشعشعة محيرة {لِلنَّاظِرِينَ} [الأعراف: 108] مفرقة لأبصارهم من غاية إنارتها وضوئها إلى حث غلب ضوءها ضوء الشمس. ثم لما شاهدوا من معجزاته وآياتن ما شاهدوا {قَالَ ٱلْمَلأُ} الأشراف {مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ} متعجبين من أمره مشاورين مع فرعون، حائرين مضطربين، خائفين من استيلائه: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 109] متناه في هذا العلم إلى أقصى غايته؛ لذلك ادعى الرسالة عجز الغير عن إتيان مثله. وبالجملة: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110] أيها المتأملون المتفكرون في ضبط المملكة وحفظ البلاد في دفع هذا العدو.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات اللّه العظيمة ما لم يشاهد له نظير { فَظَلَمُوا بِهَا } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } كيف أهلكهم اللّه، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وَقَالَ مُوسَى } حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان. { يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من اللّه واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله اللّه على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. فقال له فرعون: { إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } . { فَأَلْقَى } موسى { عَصَاهُ } في الأرض { فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { وَنزعَ يَدَهُ } من جيبه { فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. فلهذا { قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ } حين بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: { إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } أي: ماهر في سحره. ثم خوفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول، بأنه { يُرِيدُ } موسى بفعله هذا { أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ } أي: يريد أن يجليكم عن أوطانكم { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس. فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: { أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى. {أية : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى } . تفسير : وقال هنا: { وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ } طالبين منه الجزاء إن غلبوا فـ { قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } ؟ فـ { قَالَ } فرعون: { نَعَمْ } لكم أجر { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى. فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم { قَالُوا } على وجه التألي وعدم المبالاة بما جاء به موسى: { يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ } ما معك { وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ } . فـ { قَالَ } موسى: { أَلْقُوا } لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى. { فَلَمَّا أَلْقَوْا } حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ { سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } لم يوجد له نظير من السحر. { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } فَأَلْقَاهَا { فَإِذَا هِيَ } حية تسعى، فـ { تَلْقَفُ } جميع { مَا يَأْفِكُونَ } أي: يكذبون به ويموهون. { فَوَقَعَ الْحَقُّ } أي: تبين وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، { وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . { فَغُلِبُوا هُنَالِكَ } أي: في ذلك المقام { وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ } أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله. وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته، ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات اللّه لا يدان لأحد بها. { وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات. فـ { قَالَ } لَهُمْ { فِرْعَوْنَ } متهددا على الإيمان: { آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال اللّه عنه: {أية : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } تفسير : وقال هنا: { آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ. ثم موه على قومه وقال: { إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا } أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها. وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه. ثم توعدهم فرعون بقوله: { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما أحل بكم من العقوبة. { لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ } زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى. { ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ } في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه { أَجْمَعِينَ } أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب. فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ } أي: فلا نبالي بعقوبتك، فاللّه خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض. { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا } أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب { إِلا أَنْ آمَنَّا } بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا. ثم دعوا اللّه أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: { رَبَّنَا أَفْرِغْ } أي: أفض { عَلَيْنَا صَبْرًا } أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير. { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن اللّه تعالى ثبتهم على الإيمان. هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات اللّه، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: { أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } بالدعوة إلى اللّه، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون. { وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ } أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك. فـ { قَالَ } فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: { سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة. فـ { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: { اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ } أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا باللّه، أنه سيتم أمركم { وَاصْبِرُوا } أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج. { إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ } ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها { يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من اللّه وحكمة، فإن النصر لهم، { وَالْعَاقِبَةُ } الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين اللّه، وينتظر الفرج. { قَالُوا } لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: { أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا } فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا { وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } كذلك فـ { قَالَ } لهم موسى مرجيا [لهم] الفرج والخلاص من شرهم: { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ } أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها { فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه اللّه لما جاء الوقت الذي أراده اللّه. قال اللّه تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ } أي: بالدهور والجدب، { وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من اللّه لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد. { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ } أي: الخصب وإدرار الرزق { قَالُوا لَنَا هَذِهِ } أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا اللّه عليها { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } أي: قحط وجدب { يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له. قال اللّه تعالى: { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ } أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل { أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أي: فلذلك قالوا ما قالوا. { وَقَالُوا } مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: { مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل. { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ } أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا { وَالْجَرَادَ } فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم { وَالْقُمَّلَ } قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف { وَالضَّفَادِعَ } فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة { وَالدَّمَ } إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم. { آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ } أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق { فَاسْتَكْبَرُوا } لما رأوا الآيات { وَكَانُوا } في سابق أمرهم { قَوْمًا مُجْرِمِينَ } فلذلك عاقبهم اللّه تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال. { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها { قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } أي: تشفعوا بموسى بما عهد اللّه عنده من الوحي والشرع، { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره. { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ } أي: إلى مدة قدر اللّه بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، { إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين. { فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر اللّه موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده {أية : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } تفسير : يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: {أية : إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ } . تفسير : وقال هنا: { فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } أي: بسبب تكذيبهم بآيات اللّه وإعراضهم عما دلت عليه من الحق. { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ } في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم اللّه { مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا } والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم اللّه جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا } حين قال لهم موسى: {أية : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }. تفسير : { وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة { وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }. تفسير : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } بعد ما أنجاهم اللّه من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم اللّه، وبنوا إسرائيل ينظرون. { فَأَتَوْا } أي: مروا { عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ } أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها. فـ { قَالُوا } من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم { يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء. فـ { قَالَ } لهم موسى: { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟!! ولهذا قال لهم موسى { إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة. { قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا } أي: أأطلب لكم إلها غير اللّه المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه. ثم ذكرهم بما امتن اللّه به عليهم فقال: { وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } أي: من فرعون وآله { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا { يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ } النجاة من عذابهم { بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك. ولما أتم اللّه نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد اللّه، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها. ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: { اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي } أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، { وَأَصْلِحْ } أي: اتبع طريق الصلاح { وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } وهم الذين يعملون بالمعاصي. { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا } الذي وقتناه له لإنزال الكتاب { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية اللّه، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته. فـ { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ } اللَّهِ { لَنْ تَرَانِي } أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن اللّه تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية اللّه، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية اللّه تعالى، ولهذا رتب اللّه الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } إذا تجلى اللّه له { فَسَوْفَ تَرَانِي } . { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } الأصم الغليظ { جَعَلَهُ دَكًّا } أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية اللّه وعدم ثبوته لها { وَخَرَّ مُوسَى } حين رأى ما رأى { صَعِقًا } فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية اللّه، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و[لذلك] { قَالَ سُبْحَانَكَ } أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك { تُبْتُ إِلَيْكَ } من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك { وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل اللّه له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه اللّه من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال: { يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ } أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، { بِرِسَالاتِي } التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق. { وَبِكَلامِي } إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، { فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ } من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، { وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } لله على ما خصك وفضلك. { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه العباد { مَوْعِظَةً } ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، { وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ } من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي: بجد واجتهاد على إقامتها، { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر اللّه - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة. { سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } بعد ما أهلكهم اللّه، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون. وأما غيرهم، فقال عنهم: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ } أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب { الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي: يتكبرون على عباد اللّه وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه اللّه خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات اللّه ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح. { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا } لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم للّه ورسوله، { وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ } أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى اللّه، وإلى دار كرامته { لا يَتَّخِذُوهُ } أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه { وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ } أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا } والسبب في انحرافهم هذا الانحراف { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } فردهم لآيات اللّه، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب. { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا. { وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات اللّه، والتصديق بجزائه { هَلْ يُجْزَوْنَ } في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم { إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت. { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا } صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار { لَهُ خُوَارٌ } وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها. وقال { هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي } موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟!! ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ } أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم { وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا } أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: { اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام اللّه، فقد أنكر خصائص إلهية اللّه تعالى، لأن اللّه ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية. { وَلَمَّا } رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و { سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ } أي: من الهم والندم على فعلهم، { وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا } فتنصلوا، إلى اللّه وتضرعوا و { قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، { وَيَغْفِرْ لَنَا } ما صدر منا من عبادة العجل { لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } الذين خسروا الدنيا والآخرة. { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي } أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي. { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ } حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة { وَأَلْقَى الألْوَاحَ } أي: رماها من الغضب { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } هارون ولحيته { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } وقال له: {أية : مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } تفسير : لك بقولي: {أية : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } تفسير : فـ {أية : قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } تفسير : و { قَالَ } هنا { ابْنَ أُمَّ } هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: { إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي } أي: احتقروني حين قلت لهم: {أية : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } تفسير : { وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } أي: فلا تظن بي تقصيرا { فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ } بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة { وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } فتعاملني معاملتهم. فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير، و { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي } هارون { وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ } أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور. { وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا. قال اللّه تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } أي: إلها { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره. { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ } فكل مفتر على اللّه، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من اللّه، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب اللّه، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى اللّه عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى ثم تاب اللّه عليهم بعد ذلك. ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: { وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ } من شرك وكبائر، وصغائر { ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا } بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا { وَآمنُوا } باللّه وبما أوجب اللّه من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان { إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا } أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، { لَغَفُورٌ } يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض { رَحِيمٌ } بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها. { وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ } أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ { أَخَذَ الألْوَاحَ } التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة { وَفِي نُسْخَتِهَا } أي: مشتملة ومتضمنة { هُدًى وَرَحْمَةٌ } أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى اللّه ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف اللّه ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة اللّه فيها. { و } لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم { اخْتَارَ مُوسَى } منهم { سَبْعِينَ رَجُلا } من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم اللّه ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، { أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } فتجرأوا على اللّه جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ { أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } فصعقوا وهلكوا. فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى اللّه ويتبتل ويقول { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ } أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى اللّه واعتذر بأن المتجرئين على اللّه ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: { إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ } أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا. فأجاب اللّه سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم. وقال موسى في تمام دعائه { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً } من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح. { وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً } :وهي ما أعد اللّه لأوليائه الصالحين من الثواب. { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا. { قَالَ } اللّه تعالى { عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ } ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة اللّه، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } المعاصي، صغارها وكبارها. { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } الواجبة مستحقيها { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } ومن تمام الإيمان بآيات اللّه معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه. { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ } احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم. والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها اللّه لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب. { الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ } باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه. { وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر. فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك باللّه، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك. فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه { يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ } من المطاعم والمشارب، والمناكح. { وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال. { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال. { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ } أي: عظموه وبجلوه { وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ } وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، { أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح. وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون. ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم. { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى اللّه وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته. { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا معبود بحق، إلا اللّه وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، { يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قطعا. { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ } إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. { الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ } أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا. { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ } أي: جماعة { يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } أي: يهدون به الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدلون به بينهم في الحكم بينهم، بقضاياهم، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } تفسير : وفي هذا فضيلة لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأن اللّه تعالى [ ص 306 ] جعل منهم هداة يهدون بأمره. وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوع احتراز مما تقدم، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني إسرائيل، المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية. { وَقَطَّعْنَاهُمُ } أي: قسمناهم { اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا } أي: اثنتي عشرة قبيلة متعارفة متوالفة، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة. { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ } أي: طلبوا منه أن يدعو اللّه تعالى، أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنهم - واللّه أعلم - في محل قليل الماء. فأوحى اللّه لموسى إجابة لطلبتهم { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } يحتمل أنه حجر معين، ويحتمل أنه اسم جنس، يشمل أي حجر كان، فضربه { فَانْبَجَسَتْ } أي: انفجرت من ذلك الحجر { اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } جارية سارحة. { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكل منهم عينا، فعلموها، واطمأنوا، واستراحوا من التعب والمزاحمة، والمخاصمة، وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم. { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ } فكان يسترهم من حر الشمس { وَأَنزلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ } وهو الحلوى، { وَالسَّلْوَى } وهو لحم طير من أنواع الطيور وألذها، فجمع اللّه لهم بين الظلال، والشراب، والطعام الطيب، من الحلوى واللحوم، على وجه الراحة والطمأنينة. وقيل لهم: { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا } حين لم يشكروا اللّه، ولم يقوموا بما أوجب اللّه عليهم. { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فوتوها كل خير، وعرضوها للشر والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه. { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ } أي: ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا، وهي (إيلياء) { وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ } أي: قرية كانت كثيرة الأشجار، غزيرة الثمار، رغيدة العيش، فلذلك أمرهم اللّه أن يأكلوا منها حيث شاءوا. { وَقُولُوا } حين تدخلون الباب: { حِطَّةٌ } أي: احطط عنا خطايانا، واعف عنا. { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } أي: خاضعين لربكم مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع، وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: { نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ } من خير الدنيا والآخرة، فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهي، بل { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } أي: عصوا اللّه واستهانوا بأمره { قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فقالوا بدل طلب المغفرة، وقولهم: { حِطَّة } (حبة في شعيرة)، وإذا بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا وهم يزحفون على أستاههم. { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } حين خالفوا أمر اللّه وعصوه { رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ } أي: عذابا شديدا، إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماوية. وما ظلمهم اللّه بعقابه وإنما كان ذلك { بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ } أي: يخرجون من طاعة الله إلى معصيته، من غير ضرورة ألجأتهم ولا داع دعاهم سوى الخبث والشر الذي كان كامنا في نفوسهم. { وَاسْأَلْهُمْ } أي: اسأل بني إسرائيل { عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب اللّه إياهم. { إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } وكان اللّه تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا، فابتلاهم اللّه وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } أي: كثيرة طافية على وجه البحر. { وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ } أي: إذا ذهب يوم السبت { لا تَأْتِيهِمْ } أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئا { كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم (1) اللّه، وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم اللّه، ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرا، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك، لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك. وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم { مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ } أي: لنعذر فيهم. { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم. وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي. { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم. { أَنْجَيْنَا } من العذاب { الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ } وهكذا سنة اللّه في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. { وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا } وهم الذين اعتدوا في السبت { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي: شديد { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }. وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون. فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة. { فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ } أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، { قُلْنَا لَهُمْ } قولا قدريا: { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم فقال: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي: أعلم إعلاما صريحا: { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } أي: يهينهم، ويذلهم. { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ } لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا. { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } لمن تاب إليه وأناب، يغفر له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل اللّه بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم عَلَمٌ. { وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا } أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، { مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ } القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، { وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ } أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، { وَبَلَوْنَاهُمْ } على عادتنا وسنتنا، { بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ } أي: بالعسر واليسر. { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف. زاد شرهم { وَرِثُوا } بعدهم { الْكِتَابُ } وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا، بغير الحق، وفشت فيهم الرشوة. { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ } مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: { سَيُغْفَرُ لَنَا } وهذا قول خال من الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة. فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر، ورشوة أخرى - يأخذوه. فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال اللّه [تعالى] في الإنكار عليهم، وبيان جراءتهم: { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم. { و } الحال أنهم قد { دَرَسُوا مَا فِيهِ } فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، ولهذا قال: { وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } ما حرم اللّه عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل اللّه، وغير ذلك من أنواع المحرمات. { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب. وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟!! وإنما العقلاء حقيقة من وصفهم اللّه بقوله { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ } أي: يتمسكون به علما وعملا فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار، التي علمها أشرف العلوم. ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات، إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر لفضلها، وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: { إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم. وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن اللّه بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم. ثم قال تعالى: { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ } حين امتنعوا من قبول ما في التوراة. فألزمهم اللّه العمل ونتق فوق رءوسهم الجبل، فصار فوقهم { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } وقيل لهم: { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } أي: بجد واجتهاد. { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } دراسة ومباحثة، واتصافا بالعمل به { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } إذا فعلتم ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):