٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
102
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه أقوال: الأول: قال ابن عباس: يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم، حيث قال: {أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] فلما أخذ الله منهم هذا العهد وأقروا به، ثم خالفوا ذلك، صار كأنه ما كان لهم عهد، فلهذا قال: {وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } والثاني: قال ابن مسعود: العهد هنا الإيمان، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } تفسير : [مريم: 87] يعني آمن وقال لا إله إلا الله والثالث: أن العهد عبارة عن وضع الأدلة الدالة على صحة التوحيد والنبوة، وعلى هذا التقدير فالمراد ما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد. ثم قال: {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ } أي وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة، صارفين عن الدين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ}: «مِن» زائدة، وهي تدل على معنىٰ الجِنس؛ ولولا «مِن» لجاز أن يتوهم أنه واحد في المعنىٰ. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذَّرِّ، ومن نقض العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وقيل: أراد أن الكفار منقسمون؛ فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلّوا؛ روي عن أبي عبيدة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم } أي الناس {مِّنْ عَهْدٍ } أي وفاء بعهدهم يوم أخذ الميثاق {وَإِن } مخففة {وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّنْ عَهْدٍ} من طاعة للأنبياء، أو من وفاء بعهد عهده إليهم مع الرسل أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أو عهد يوم الذر، أو ما ركز في عقولهم من معرفته ووجوب شكره. {لَفَاسِقِينَ} الفسق: الخروج عن الطاعة، أو خيانة العهد.
الخازن
تفسير : {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} يعني وما وجدنا لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك يا محمد من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق قال ابن عباس إنما أهلك الله أهل القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} أي ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا وأمرنا قوله عز وجل: {ثم بعثنا من بعدهم} يعني ثم بعثنا من بعد الأنبياء الذين تقدم ذكرهم وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام {موسى بآياتنا} يعني بحججنا وأدلتنا الدالة على صدقه مثل اليد والعصا ونحو ذلك من الآيات التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام {إلى فرعون وملئه} قيل إن كل من ملك مصر كان يسمى فرعون في ذلك الزمان مثل ما كان يسمى ملك الفرس كسرى وملك الروم قيصر وملك الحبشة النجاشي وكان اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه الصلاة والسلام الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط والملأ أشراف قومه وإنما خصوا بالذكر لأنه إذا آمن الأشراف آمن الأتباع {فظلموا بها} يعني: فجحدوا بها لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وكانت هذه الآيات معجزات ظاهرة قاهرة فكفروا بها ووضعوا الكفر موضع الإيمان {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} أي: انظر يا محمد بعين العقل والبصيرة كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لما دخل على فرعون دعاه إلى الله تعالى وإلى الإيمان به وقال له إني رسول أي مرسل إليك وإلى قومك من رب العالمين يعني أن الله الذي خلق السموات والأرض وخلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم هو الذي أرسلني إليك {حقيق} أي واجب {على أن لا أقول على الله إلا الحق} يعني إني رسول والرسول لا يقول على الله إلا الحق في وصفه وتنزيهه وتوحيده وأنه لا إله غيره {قد جئتكم ببينة من ربكم} يعني ببرهان على صدقي فيما أدعي من الرسالة والمراد ببينته معجزته وهي العصا واليد البيضاء ثم إن موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم فقال موسى {فأرسل معي بني إسرائيل} يعني خلِّ عنهم وأطلقهم من أسرك وكان فرعون قد استعبد بني إسرائيل واستعملهم في الأعمال الشاقة مثل ضرب اللبن ونقل التراب ونحو ذلك من الأعمال الشاقة {قال إن كنت جئت بآية فأتِ بها إن كنت من الصادقين} يعني أن فرعون قال لموسى عليه الصلاة والسلام بعد تبليغ الرسالة: إن كنت جئت من عند من أرسلك ببينة تدل على صدقك فأتني بها وأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك فيما قلت {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي بيِّن، والثعبان الذكر من الحيات وصفه هنا بأنه ثعبان والثعبان من الحيات العظيم الضخم ووصفه في آية أخرى بأنه جان والجان الحية الصغيرة والجامع بين هذين الوصفين أنها كانت في عظم الجثة كالثعبان العظيم وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة وهي الجان. قال ابن عباس والسدي: إن موسى لما ألقي العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة ليحها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث وقيل إنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وقيل: إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا وقتل بعضهم بعضاً فمات منهم في ذلك اليوم خمسة وعشرون ألفاً ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فعادت في يده عصا كما كانت وفي كون الثعبان مبيناً وجوه: الأول: أنه تميز وتبين ذلك عما عملته السحرة من التمويه والتلبيس وبذلك تتميز معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تمويه السحرة وتخليهم. الوجه الثاني: أنهم شاهدوا العصا قد انقلبت حية ولم يشتبه ذلك عليهم فذلك قال ثعبان مبين أي بيِّن. الوجه الثالث: إن ذلك الثعبان لما كان معجزة لموسى عليه الصلاة والسلام كان من أعظم الآيات التي أبانت صدق قول موسى عليه الصلاة والسلام في أنه رسول من رب العالمين.
ابن عادل
تفسير : قوله: "لأكْثَرِهِمْ" فيه وجوه: الظَّاهِرُ أنَّهُ متعلقٌ بالوجْدانِ كقولك: ما وجدتُ له مالاً أي: ما صَادَفْتُ له مالاً ولا لقيته. الثاني: أن يكون حالاً من "عهد"؛ لأنَّهُ في الأصل صفة نكرةٍ فلما قُدِّم عليها نُصب على الحال، والأصْلُ: ما وجدنا عهداً لأكثرهم، وهذا ما لم يذكر أبُو البقاءِ غيره. وعلى هذين الوجهين فـ "وَجَدَ" متعدِّية لواحد وهو "من عَهْدٍ"، و "منْ" مزيدةٌ فيه لوجود الشرطين. الثالث: أنَّهُ في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً لوجَدَ إذ هي بمعنى علمية، والمفعول هو "مِنْ عَهْدٍ". وقد يترجَّحُ هذا بأنَّ "وَجَدَ" الثانية علمية لا وجدانيَّة بمعنى الإصابة، وسيأتي دليل ذلك. وإذا تقرَّر هذا فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ومناسبة له، ومن يرجّح الأوَّل يقولُ: إنَّ الأولى لمعنى، والثَّانية لمعنى آخر. فصل في معنى الآية قال ابن عباس: يريدُ: وما وجدنا لأكثرهم من عهد، الوفاء بالعهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم حيث قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]. وقال ابن مَسْعُودٍ: "المرادُ بالمعهد هاهنا الإيمان، لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم: 87] أي قال: لا إله إلا الله". وقيل: المرادُ بالعهدِ وضع الأدلَّةِ على صِحَّةِ التَّوحيد والنَّبوةِ [تقديره:] وما وجدنا لأكثرهم من الوفاءِ بالعهد. قوله: "وَإنْ وَجَدْنَا" "إنْ" هذه هي المخفَّفةُ وليس هنا عاملة لمباشرتها الفعل فَزَالَ اختصاصُهَا المُقْتَضِي لإعمالها. وقال الزَّمخشريُّ: "وإنَّ الشَّأن والحديث وجدنا". فظاهِرُ هذه العبارة أنَّها مُعْملَة، وأنَّ اسمها ضميرُ الأمر والشَّأن، وقد صرَّحَ أبُو البقاءِ هنا بأنَّها معملةٌ، وأن اسمها محذوف، إلا أنَّهُ لم يقدِّره ضمير الحديث بل غيره فقال: "واسمها محذوفٌ أي: إنَّا وَجَدْنَا". وهذا مذهب النَّحويين أعني اعتقاد إعمال المخفَّف من هذه الحروف في "أن" المفتوحة على الصَّحيح، وفي "كأن" التَّشبيهية، وأمَّا "إنْ" المخففة المكسورة فلا. وقد تقدَّم إيضاحه. ووجدنا هنا متعدية لاثنين أولهما "أكْثَرَهُم"، والثاني "لفاسقين"، قال الزمخشريُّ: والوجود بمعنى العلم من قولك: وجدتُ زيداً ذا الحفاظ بدليل دخول "إنْ" المخفَّفة، واللاَّم الفارقة ولا يسوغ ذلك إلاَّ في المبتدأ والخبر والأفعالِ الدَّاخلة عليهما يعني أنها مختصة بالابتداء، وبالأفعال النَّاسخِة له، وهذا مذهبُ الجُمْهُورِ، وقد تقدَّم الخلافُ عن الأخْفَشِ أنَّهُ يجوزُ على غيرها، وتقدَّم دليله على ذلك، واللاَّمُ فارقة وقيل: هي عوض من التَّشديد. قال مَكيٌّ: "ولزمت اللاَّمُ في خبرها عوضاً من التشديد والمحذوف الأوَّلِ"، وقد تقدَّم أنَّ بعض الكوفيين يجعلون "إن" نافية، واللاَّم بمعنى "إلاَّ" في قوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً}تفسير : [البقرة: 143]. ومعنى فاسقين خارجين عن الطَّاعةِ، مارقين عن الدِّينِ، وقيل: ناقضين العَهْدَ. وقوله: "لأكْثَرهُم"، و "أكْثَرهُم"، و "من بعدهم": إنْ جعلنا هذه الضَّمائر كلَّها للأمم السَّالِفَةِ فلا اعتراضَ، وإن جعلنا الضَّمير في "لأكثرهُم" و "أكْثَرهُمْ" لعموم النَّاسِ والضَّمير في "من بعدهم" للأمم السَّالِفَةِ كانت هذه الجملة - أعني ما وجدنا - اعتراضاً كذلك قاله الزمخشريُّ، وفيه نظر؛ لأنَّهُ إذا كان الأوَّلُ عاماً ثم ذكر شيء يندرجُ فيه ما بعده وما قبله كيف يُجْعل ذلك العامُّ معترضاً بين الخاصين. وأيضاً، فالنَّحْويُّون إنما يعرفون الاعتراض فيما اعترض به بين متلازمين، إلاَّ أنَّ أهل البيان عندهم الاعتراض أعمُّ من ذلك، حتَّى إذا أتي بشيء بين شيئين مذكورَيْنِ في قصَّةٍ واحدة سَمَّوه اعتراضاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} قال: الوفاء . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} يقول: فما ابتلاهم به ثم عافاهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} قال: هو ذاك العهد يوم أخذ الميثاق . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} قال: لما ابتلاهم بالشدة والجهد والبلاء ثم أتاهم بالرخاء والعافية، ذم الله أكثرهم عند ذلك فقال {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} . وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} قال: الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم . وأخرج ابن المنذر عن أبي بن كعب في قوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} قال: علم الله يومئذ من يفي ممن لا يفي فقال {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} قال: الذي أخذ من بني آدم في ظهر آدم لم يفوا به {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} قال: القرون الماضية . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} قال: وذلك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به .
ابو السعود
تفسير : {وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم} أي أكثرِ الأممِ المذكورين، واللامُ متعلقةٌ بالوُجدان كما في قولك: ما وجدتُ له مالاً أي ما صادفت له مالاً ولا لقِيته، أو بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى: {مَّنْ عَـهْدٍ} لأنه في الأصل صفةٌ للنكرة فلما قُدّمت عليها انتصبت حالاً، والأصلُ ما وجدنا عهداً كائناً لأكثرهم ومِنْ وفاء عهدٍ فإنهم نقضوا ما عاهدوا الله عليه عند مساسِ البأساء والضراءِ قائلين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونَنّ من الشاكرين، فتخصيصُ هذا الشأنِ بأكثرهم ليس لأن بعضَهم كانوا يوفون بعهودهم بل لأن بعضَهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون، وقيل: المرادُ بالعهد ما عهِد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوىٰ بنصب الآياتِ وإنزالِ الحُجج، وقيل: ما عهِدوا عند خطابِ {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 172] فالمرادُ بأكثرهم كلُّهم، وقيل: الضميرُ للناس والجملةُ اعتراضٌ فإن أكثرَهم لا يوفون بالعهد بأي معنى كان {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ} أي أكثرُ الأمم أي علِمناهم كما في قولك: وجدتُ زيداً ذا حِفاظ وقيل: الأول أيضاً كذلك، وإن مخففةٌ من إنّ وضميرُ الشأن محذوفٌ أي إن الشأنَ وجدناهم {لَفَـٰسِقِينَ} خارجين عن الطاعة ناقضين للعهود، وعند الكوفيـين أنّ إنْ نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي ما وجدناهم إلا فاسقين. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ} أي أرسلناه من بعد انقضاء وقائعِ الرسل المذكورين أو من بعد هلاكِ الأممِ المحكيةِ، والتصريحُ بذلك مع دِلالة (ثم) على التراخي للإيذان بأن بعثه عليه الصلاة والسلام جرى على سَنن السُنةِ الإلٰهية من إرسال الرسلِ تترى، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر {بِـئَايَـٰتِنَا} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من مفعول بعثنا، أو صفةٌ لمصدره أي بعثناه عليه الصلاة والسلام ملتبساً بآياتنا أو بعثناه بَعْثاً ملتبساً بها، وهي الآياتُ التِسعُ المُفَصَّلاتُ التي هي: العصا، واليدُ البـيضاء، والسِّنونَ، ونقصُ الثمرات، والطُّوفانُ، والجرادُ، والقُمّلُ، والضفادِعُ، والدم، حسبما سيأتي على التفصيل {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} هو لقبٌ لكل من ملَك مِصْرَ من العمالقة كما أن كِسرى لقبٌ لكل من ملك فارسَ، وقيصرَ لكل مَنْ ملك الروم واسمُه قابوسُ، وقيل: الوليدُ بنُ مصعبِ بن الريان {وَمَلَئِهِ} أي أشرافِ قومِه، وتخصيصُهم بالذكر مع عموم رسالتِه عليه الصلاة والسلام لقومه كافةً حيث كانوا جميعاً مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عزَّ سلطانُه، وتركِ العظيمةِ الشنعاءِ التي كان يدّعيها الطاغيةُ وتقبلها منه فئتُه الباغية لأصالتهم في تدبـير الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي كفروا بها، أُجري الظلمُ مُجرى الكفرِ لكونهما من واد واحدٍ، أو ضُمّن معنى الكفرِ أو التكذيبِ أي ظلموا كافرين بها أو مكذِّبـين بها، أو كفروا بها مكان الإيمانِ الذي هو من حقها لوضوحها ولهذا المعنى وُضع ظلَموا موضِعَ كفروا وقيل: ظلموا أنفسَهم بسببها بأن عرّضوها للعذاب الخالد، أو ظلموا الناسَ بصدهم عن الإيمان بها، والمرادُ به الاستمرارُ على الكفر بها إلى أن لقُوا من العذاب ما لقُوا، ألا يُرى إلى قوله تعالى: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} فكما أن ظلمهم بها مستتبعٌ لتلك العاقبةِ الهائلةِ كذلك حكايةُ ظلمِهم بها مستتبعٌ للأمر بالنظر إليها، وكيف خبرُ كان قُدّم على اسمها لاقتضائه الصدارةَ والجملةُ في حيز النصب بإسقاط الخافضِ أي فانظر بعين عقلِك إلى كيفية ما فعلنا بهم، ووضعُ المفسدين موضعَ ضميرِهم للإيذان بأن الظلم مستلزِمٌ للإفساد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} [الآية: 102]. قال الجنيد رحمة الله عليه: أحسن العباد حالاً من وقف مع الله على حفظ الحدود والوفاء بالعهود. قال الله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ}.
القشيري
تفسير : نجم في العذر طارِقُهم، وأَقَلَ من سماء الوفاء شارِقُهم، فَعَدِمَ أكثرُهم رعاية العهد، وحقت من الحق لهم قسمة الرد والصد. ويقال: شكا مِنْ أكثرِهم إلى أقلِّهم، فالأكثرون مَنْ ردَّتهم القسمة، والأقلون مَنْ قَبِلَتْهم الوصلة.
البقلي
تفسير : كان هذه الأية انزلت فى شاننا مع هؤلاء البطالين الذين سلكوا الطريقة واخطوا بما وجدوا فيها من الجاه والمال ونقضوا عهد الارادة واشتغلوا بالرسالة وخانوا فى الطريقة وانكروا على المشائخ اعمى الله قلوبهم ما اشد انكارهم على اهل الحق وما اشد خروجهم عن طريق الحق جمعهم الله فى الاستدراج وطردتهم عن انوار المنهاج كانه تعالى عاتب الجمهور حيث لم يفوا عهد الازل حيث وقف الكل على ما وجدوا وهكذا شان ما التف فى مشاهدة المحبوب الى غير المحبوب ولكن هم معذورون لان الحدثان لا يستثقل اثقال محامل الكبرياء وبطايا القدم والبقاء فى اودية الفناء قال الجنيد احسن العباد حالا من وقف مع الله على حفظ الحدود والوفاء بالعهود قال الله تعالى وما وجدنا الا كثرهم من عهد قال الاستاد نجم فى العذر رطارقهم واقل من سماء الوفاء شارقهم فعدم اكثرهم رعاية العهد وحق لهم من الحق قسمة الرد والصد ويقال شكا عن اكثرهم الى اقلهم فالاكثرون من رده القسمة والاقلون من قبلتهم الوصلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما وجدنا لاكثرهم} لقينا فوجدنا بمعنى صادفنا {من عهد} من مزيدة فى المفعول والمضاف محذوف اذ لا وجه لنفى نفس العهد اى ما وجدنا لاكثرهم من وفاء عهد فانهم نقضوا ما عاهدوا الله عليه عند مساس البأساء والضراء قائلين لان انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين وتخصيص هذا الشان باكثرهم ليس لان بعضهم كانوا يفون بعهودهم بل لان بعضهم كانوا لا يعاهدون ولا يفون ويحتمل ان يكون وجدنا بمعنى علمنا ويكون من عهد مفعوله الاول ولاكثرهم مفعوله الثانى {وان} مخففة اى ان الشان {وجدنا اكثرهم} اى علمنا اكثر الامم {لفاسقين} خارجين عن الطاعة ناقضين للعهود. وفى ترجمة الجلد الاخير من الفتوحات المكية. [حق تعالى بموسى عليه السلام وحى كرد هركه باميدتون آيد اورا بى بهرة مكذار وهركه زينهار خواست اورا زينهاده موسى عليه السلام درسياحت بود ناكاه كبوترى بركتف نشست وبازى عقب او آمد وقصد ان كبوتر داشت بركتف ديكر فرود آمد آن كبوتر در آستين موسى عليه السلام در آمد وزينهار ميخواست وباز بزبان فصيح بموسى آوازدادكه اى يسر عمران مرا بى بهره مكذار وميان من ورزق من جدايى ميكفن موسى عليه السلام كفت جه زود مبتلا شدم ودست كرد تا ازرانخود باره قطع كند براى طعمة باز تاحفظ عهد كرده باشد وبكار هردو فانموده كفتند يا ابن عمران تعجيل مكن كه مارسولا نيم وغرض آن بودكه صحت عهد توآز مايش كنيم] شعر : ايا سامعا ليس السماع بنافع اذا انت لم تفعل فما انت سامع اذا كنت فى الدنيا عن الخير عاجزا فما انت فى يوم القيامة صانع تفسير : ولا كلام فى وفاء الانبياء بعهودهم ونقض الفاسقين لمواثيقهم وانما الكلام فيمن ادعى الايمان والاستسلام ثم لم يف بعهده يوما من الايمان: قال الحافظ شعر : وفامجو زكس ورسخن نمى شنوى بهرزه طالب سيمرغ وكيميا ميباش حديث : وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الاشجعى قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة او ثمانية او سبعة فقال "ألا تبايعون رسول الله" وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال "ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتقيموا الصلوات الخمس وتطيعوا" واسر كلمة خفية "ولا تسألوا الناس" فلقد رأيت بعض اولئك النفر يسقط سوط احدهم ولم يسأل أحد يناوله اياه تفسير : يعنى خوفا من نقض العهد واهتماما فى امر الوفاء فانظر الى هؤلاء الرجال ومبايعتهم ودخولهم فى طريق الحق ومسارعتهم فاذا احترزوا عن سؤال مناولة السوط الذى سقط من ايديهم فما ظنك فى الاحتراز عما فوقه من الاحوال المتواردة عليهم وانت يا رجل وكلنا ذلك الرجل تجول فى ميدان الخواطر الفاسدة ثم لا تقنع بذلك بل تطير الى جانب مرادك من الافعال الباطلة والاقوال الكاسدة ولعمرى هذا ليس فى طريق العوام فكيف فى طريق الصوفية الذين عقدوا عقداً على ان لا يخطر ببالهم سوى الله ولا يسألوا منه تعالى غير الوصول الى ذاته اين هم والله ان هذا زمان لم يبق من التصوف الا الاسم ولا من لباس التقوى الا الرسم نسال الله تعالى ان يوجهنا الى محراب ذاته ويسلك بنا الى طريق افعاله وصفاته ويفيض علينا من سجال بركاته ويشرفنا بالخاصة من هداياته انه هو الفياض من مشروع عناياته.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {وما وجدنا} أي ما أدركنا، لان الوجدان والالفاء والادراك والمصادفة نظائر. وقوله {لأكثرهم من عهد} فالعهد العقد الذي تقدم لتوطين النفس على أداء الحق، واذا أخذ على الانسان العهد فنقضه، قيل ليس عليه عهد أي كأنه لم يعهد اليه، فلما كان الله تعالى اخذ عليهم العهد بما جعله في عقولهم من وجوب شكر المنعم والقيام بحق المنعم، وطاعة المالك المحسن في اجتناب القبائح الى المحاسن فألقوا ذلك لم يكن لهم عهد وكأنه قال وما وجدنا لاكثرهم من طاعة لانبيائهم - وقيل العهد ما عهد اليهم مع الانبياء ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وهو قول الحسن وابي علي. والمعنى في النفي يؤل الى انه لم يكن لاكثرهم عهد فيوجد. وقوله {من عهد} قيل في دخول (من) ها هنا قولان: احدهما - انها للتبعيض لانه اذا لم يوجد بعض العهد فلم يوجد الجميع لانه لو وجد جميعه لكان قد وجد بعضه. الثاني - انها دخلت على ابتداء الجنس الى النهاية. وقوله {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} معنى (ان) هي المخففة جاز الغاؤها من العمل وان يليها الفعل، لانها حينئذ قد صارت حرفا من حروف الابتداء. واللام في قوله {لفاسقين} لام الابتداء التي تكسر لها (ان) وانما جاز ان يعمل ما قبلها فيما بعدها، لانها مزحلقة عن موضعها اذ لها صدر الكلام ولكن كره الجمع بينها وبين (ان) فأخرت. وقال قوم: المعنى وما وجدنا أكثرهم الا فسقة. فان قيل: كيف قال {أكثرهم لفاسقين} وهم كلهم فاسقون؟ قيل يجوز ان يكون الرجل عدلا في دينه غير متهتك ولا مرتكب لما يعتقد قبحه وتحريمه، فيكون تأويل الآية وما وجدنا أكثرهم - مع كفره - الا فاسقا في دينه غير لازم لشريعته خائنا للعهد قليل الوفاء، وان كان ذلك واجب عليه في دينه. وفيها دلالة على انه يكون في الكفار من يفي بعهده ووعده وبعيد عن الخلف وان كان كافرا. وكذلك قد يكون منهم المتدين الذي لا يرى ان يأتي ما هو فسق في دينه كالغصب والظلم، فأخبر تعالى انهم مع كفرهم كانوا لا وفاء لهم ولا يدينون بمذهبهم بل كانوا يفعلون ما هو فسق عندهم، وذلك يدل على صحة قول من يقول تجوز شهادة أهل الذمة في بعض المواضع.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} بمنزلة التّعليل للطّبع والمراد بالعهد هو العهد مع النّبىّ (ص) او الولىّ وبعبارةٍ اخرى هو عقد الاسلام او الايمان، او المراد بالعهد هو الفعليّة الحاصلة من عقد البيعة يعنى ما عاهدوا او عاهدوا وأبطلوا؛ ولا ينافى ذلك ما ورد فى الاخبار من تفسير العهد بوفاء العهد الحاصل فى الذّرّ فانّ المراد بالوفاء بالعهد فى الذّرّ هو قبول النّبوّة او الولاية {وَإِن وَجَدْنَآ} انّه وجدنا {أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} خارجين من حكومة العقل، فانّ الفسق هو الخروج من تحت حكم الله سواء كان على لسان النّبىّ الخارجىّ او الباطنىّ وبعد تفسير العهد بما ذكر فالاولى تفسيره بالخروج من حكومة النّبىّ الباطنىّ موافقاً لما سبق فى تفسير قوله: فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا من قبل.
اطفيش
تفسير : {وما وَجدْنا لأكْثرِهم} أى لأكثر الأمم المذكورين الماضين، أو لأكثر الناس، وعلى الأول يكون ذلك من تتمة الكلام السابق، وعلى الثانى يكون معترضا {مِنْ عَهدٍ} أى من وفاء عهد، أى من وفاء بما عهد الله إليهم أن يعملوه أو يعتقدوه من الفرائض على ألسنة الرسل وفى الكتب، أو بما عهد الله فى حين المخافة أن يفعلوه إذا نجاهم لئن أنجيتنا لنؤمننَّ، ولئن أنجيتنا لنشركنَّ، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن، أو بما عهدوا إليه يوم أخذ الميثاق وهو قول أبى بن كعب. {وإنْ} مخففة واسمها ضمير الشأن {وَجَدْنا} علمنا {أكْثَرهم لَفَاسِقينَ} اللام لام الفرق ين النفى والإثبات، وهل هى لام الابتداء أو لام أخرى قولان، وقال الفراء وغيره من الكوفيين: إن نافية واللام بمعنى إلا.
اطفيش
تفسير : {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ} لأَكثر الأُمم السابقة، وفيهم مسلمون قليلون موفون، وإِن أريد المهلكون فقط، فالأَكثر بمعنى الكل، ويجوز أَن يراد أَكثر الناس فتكون الآية اعتراضاً فى آخر الكلام، ولوجد مفعول واحد، وإِن فسر بعلم فله مفعولان ثانيهما لأَكثرهم وهكذا إِذا لم أَذكر ذلك {مِنْ عَهْدٍ} من صحة عهد، أَو وفاء عهد، ويجوز أَن لا يقدر مضاف بأَن يشبه عهدهم كالعدم فى عدم التأَثر كأَنه لم يكن، وذلك أَنهم أَعطوا العهد لله عز وجل فى الشدة أَلاَّ يشركوا به ولا يعصوه {أية : لئن أَنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} تفسير : [يونس: 22] ونقضوه، أَو العهد قولهم: بلى يوم {أية : أَلستُ بربكم}تفسير : [الأَعراف: 172]، أَو جعلهم كأَنهم أَعطوا العهد لظهور الآيات حتى كأَنهم قالوا آمنا بها ولا نخالف، أَو المراد عهد الله إِليهم كقوله تعالى "أية : أَلم أَعهد إِليكم"تفسير : [يس: 60]. أَى لم يفوا به {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ} بخلاف أَقلهم، أَو أَكثرهم كلهم، أَو الضمير للناس. (لَفَاسِقِينَ) إِن مخففة، أَو أَنه أَى الشأن أَو أَنا واللام مزيلة لتوهم النفى، وقال الكوفيون: إِن نافية واللام بمعنى إِلا والجملة تفسير وتأكيد لما قبلها.
الالوسي
تفسير : {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم} أي أكثر الأمم المذكورين، ووجد متعدية لواحد واللام متعلقة بها كما في قولك: ما وجدت لزيد مالاً أي ما صادفت له مالاً ولا لقيته أو بمحذوف كما قال أبو البقاء وقع حالاً من قوله تعالى: {مَّنْ عَـٰهَدَ} لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليها انتصبت حالا و {مَّنْ} مزيدة للاستغراق وجوز أن تكون وجد علمية والأول أظهر، والكلام على تقدير مضاف أي ما وجدنا وفاء عهد كائن لأكثرهم فإنهم نقضوا ما عاهدوا عليه الله تعالى عند مساس البأساء والضراء قائلين {أية : لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين}، تفسير : [يونس: 22] وإلى هذا ذهب قتادة وتخصيص / هذا الشأن بأكثرهم ليس لأن بعضهم كانوا يوفون بالعهد بل لأن بعضهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون، وقيل: المراد بالعهد ما وقع يوم أخذ الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب وأبي العالية، وقيل: المراد به ما عهد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب الدلائل والحجج وإنزال الآيات، وفسره ابن مسعود بالإيمان كما في قوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً }تفسير : [مريم: 78]، وقيل: هو بمعنى البقاء أي ما وجدنا لهم بقاء على فطرتهم، والمراد بالأكثر في الكل الكل، وذهب كثير من الناس إلى أن ضمير {أَكْثَرَهُمْ} للناس وهو معلوم لشهرته، والجملة إلى فاسقين اعتراض لأنه لا اختصاص له بما قبله لكن لعمومه يؤكده. وعلى الأول تتميم على ما نص عليه الطيبي وغيره. {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ} أي أكثر الأمم أو أكثر الناس أي علمناهم كقولك: وجدت زيداً فاضلاً وبين وجد هذه ووجد السابق على المعنى الأول فيه الجناس التام المماثل و {إِنْ} مخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف ولا عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور، وتعين تفسير وجد بعلم الناصبة للمبتدأ والخبر لدخولها عليهما، فقد صرح الجمهور أنها لا تدخل إلا على المبتدأ أو على الأفعال الناسخة وخالف في ذلك الأخفش فلا يرى ذلك. وجوز دخولها على غيرهما، وذهب الكوفيون إلى أن {إِنْ} نافية، واللام في قوله سبحانه: {لَفَـٰسِقِينَ} اللام الفارقة وعند الكوفيين أن (إِنْ) نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدنا أكثرهم الا خارجين عن الطاعة ويدخل في ذلك نقض العهد، وذكر الطيبـي أنه إذا فسر الفاسقون بالناكثين يكون في الآية الطرد والعكس، وهو أن يؤتى بكلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس، وهو كقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } إلى قوله سبحانه: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} تفسير : [النور: 58] فمنطوق الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة خاصة مقرر لمفهوم رفع الجناح فيما عداها وبالعكس، وكذا قوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6] وهذا النوع من الإطناب يقابله في الإيجاز نوع الاحتباك.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَفَاسِقِينَ} (102) - وَلَمْ يَثْبُتَ أَكْثَرُ هؤلاءِ الأَقْوَامِ عَلَى عَهْدِ الفِطْرَةِ، الذِي أَخَذَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ فِي أَصْلابِ آبَائِهِمْ، بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ، وَأَنَّ عَلَيهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَعْبُدُوهُ، فَخَالَفُوا هَذا العَهْدَ، وَتَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ ظِهْرِيّاً، وَعَبَدُوا مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى بِلاَ دَليلٍ وَلاَ حُجَّةٍ، وَلاَ بُرْهَانٍ، فَكَانُوا مِنَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَعَنْ عَهْدِ الفِطْرَةِ. مِنْ عَهْدٍ - مِنْ وَفَاءٍ بِعَهْدٍ، أَوْ حِفَاظٍ عَلَى عَهْدٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهؤلاء الذين كذبوا الرسل، وردوا منهج الله الذي أرسله على ألسنة رسله. كانت لهم عهود كثيرة. فما وفوا بعهد منها، مثال ذلك: العهد الجامع لكل الخلق، وهو العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم من صلبه حين مسح الله على ظهر آدم، وأخرج ذريته وقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وقد يقف العقل في أخذ مثل هذا العهد على الذرية الموجودة في آدم؛ لذلك نقول: إذا قال الله فقد صدق عَقِلْنا ذلك أو لم نعقله، إنك لو نظرت إلى "آحاد البشر"، أي إلى الأفراد الموجودين، تجد نفسك وغيرك يجد نفسه نسلاً لآبائكم، وهذا يدل على أنَّ الإِنسان وجد من حيوان منوي حي انتقل إلى بويضة حيّة من أمه فنشأ هذا الإنسان. ولو طرأ على الحيوان المنوي موت، أو طرأ على البويضة موت امتنع الإِنسال. إذن فكل إنسان منا جزء من حياة أبيه، وأبوه جزء من حياة والده، ووالده جزء من حياة أبيه، وإن سلسلت ذلك فسنصل لآدم، فكل واحد من ذرية آدم إلى أن تقوم الساعة فيه جزئ حي من آدم. ومادام فيه جزئ حي من آدم فقد شهد الخلق الأول، ولذلك حين يسألهم الله سؤال التقرير ويقول: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}؟ فيقولون: {بَلَىٰ}. وضربنا المثل لنقرب وقلنا إن الذرة الشائعة في شيء، تشيع في أضعاف الشيء، وسبق أن قلنا: إننا إذا جئنا بمادة حمراء - مثلاً - في حجم سنتيمتر مكعب، ثم أذبناها في قارورة، وبذلك يصبح كل جزء في القارورة فيه جزء من المادة الملونة، وإن أخذت القارورة وألقيتها في برميل واسع، هنا تصير كل قطرة من البرميل فيها جزيء من المادة الحمراء، وإن أخذت ماء البرميل وألقيته في البحر فكل ذرة في البحر الواسع يصير فيها جزيء من المادة الملونة، وهكذا يقرب من ذهن كل منا أن في كل إنسان جزيئاً من آدم، وقد شهد هذا الجزئ العهد الأول. ولقائل أن يسأل: كيف يخاطب الله الذر الذي كان موجوداً في ظهر آدم؟. نقول: كما خاطب الأرض وخاطب السماء، فهو القائل: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] إذن فعدم إدراكنا لكيفية الخطاب بين رب ومربوب، لا يقدح في أن هذه المسألة لها أصل ولها وجود. وهذا بالنسبة للعهد الأول، وبعده العهد الثاني الذي أخذه الله على رسله، مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81] ثم هناك عهود خاصة أنشأتها الأحداث الخاصة، مثلما يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [يونس: 22] إنهم لا يسلمون أنفسهم للعطب، ولا يغترون بجاههم وبالأسباب التي عندهم لأنها قد امتنعت، ولذلك لا يغشون أنفسهم بل يلجأون صاغرين إلى الله قائلين: {أية : ...لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [يونس: 22] هكذا نرى أنهم أعطوا العهد في حادثة، فلما أنجاهم الله أعرضوا، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ...} تفسير : [يونس: 12] إذن فالعهد إما أن يكون عهداً عاماً وإما أن يكون عهداً خاصًّا. والحق يقول: {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}. أي أن حال وشأن أكثرهم ظل على الفسق ونقض العهد والخروج عنه؛ لأن العهد إطار يحكم حركة المختار فيما أعطاه على نفسه من المواثيق، وهو حر في أن يفعل أو لا يفعل، لكنه إذا عاهد أن يفعل أصبح ملزماً ووجب عليه أن ينفذ العهد باختياره، لأنه إذا قطع العهد على نفسه فعليه أن يحكم حركته في إطار هذا العهد، فإن خرج بحركته عن إطار هذا العهد فهذا هو الفسق، والأصل في الفسق أنه خروج الرطبة من القشرة لأن القشرة تصنع سياجاً على الثمرة بحيث لا تُدخل إلى الثمرة شيئاً مفسداً من الخارج، ويقال: فسقت الرطبة أي خرجت عن قشرتها. كأن ربنا جعل التكليف تغليفاً حماية للإِنسان من العطب، فإذا ما خرج عن الدين مثل خروج الرطبة عن الغطاء والقشرة صار عرضة للتلوث وللميكروبات؟، فسمى الله الخارج على منهجه بالفاسق، لأنه خرج عن الإِطار الذي جعله الله له ليحميه من المفاسد، ومن العطب الذي يقع عليه. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} معناه مِنْ وَفاءٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):