٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
101
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} أي هذه القرىٰ التي أهلكناها؛ وهي قُرىٰ نُوحٍ وعادٍ ولُوطٍ وهُودٍ وشُعَيْب المتقدّمة الذكر. {نَقُصُّ} أي نتلو. {عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} أي من أخبارها. وهي تسلية للنبيّ عليه السلام والمسلمين. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم؛ قاله مجاهد. نظيره {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ} تفسير : [الأنعام: 28]. وقال ابن عباس والرّبيع: كان في علم الله تعالىٰ يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهاً لا طوعاً. قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرهاً فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة. نظيره {أية : كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 110]. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ} أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ابن كثير
تفسير : لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي: يا محمد {مِنْ أَنبَآئِهَا} أي: من أخبارها {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وقال تعالى:{أية : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [هود:100-101] وقوله تعالى: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} الباء سببية، أي: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل؛ بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم. حكاه ابن عطية رحمه الله، وهو متجه حسن؛ كقوله: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 109-110] الآية، ولهذا قال هنا: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم} أي: لأكثر الأمم الماضية {مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ} أي: ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه، وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب: أنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، فأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع، وفي الفطرة السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم: «حديث : يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» تفسير : وفي الصحيحين: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» تفسير : الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقوله تعالى: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 45] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] إلى غير ذلك من الآيات، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} ما روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق، أي: فما كانوا ليؤمنوا؛ لعلم الله منهم ذلك، وكذا قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن أنس، واختاره ابن جرير، وقال السدي: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً، وقال مجاهد في قوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} هذا كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ} تفسير : [الأنعام: 28] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } التي مرّ ذكرها {نَقُصُّ عَلَيْكَ } يا محمد {مِنْ أَنبَآئِهَا } أخبار أهلها {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَٰتِ } المعجزات الظاهرات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيئهم {بِمَا كَذَّبُواْ } كفروا به {مِن قَبْلُ } مجيئهم بل استمروا على الكفر {كَذٰلِكَ } الطبع {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } أي التي أهلكناها، وهي قرى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، المتقدّم ذكرها. {نَقُصُّ عَلَيْكَ } أي نتلو عليك {مِنْ أَنبَائِهَا } أي من أخبارها. وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. و{نقصّ} إما في محل نصب على أنه حال، و{تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } مبتدأ وخبر، أو يكون في محل رفع على أنه الخبر، و{ٱلْقُرَىٰ } صفة {لتلك}، و{من} في {مِنْ أَنبَائِهَا } للتبعيض، أي نقصّ عليك بعض أنبائها، واللام في {وَلَقَد جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } جواب القسم. والمعنى: أن من أخبارهم أنها جاءتهم رسل الله ببيناته، كما سبق بيانه في قصص الأنبياء المذكورين قبل هذا {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيء الرسل {بِمَا كَذَّبُواْ } به {مِن قَبْلُ } مجيئهم، أو فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل، في حال من الأحوال، ولا في وقت من الأوقات بما كذبوا به قبل مجيئهم، بل هم مستمرون على الكفر، متشبثون بأذيال الطغيان دائماً، ولم ينجع فيهم مجيء الرسل، ولا ظهر له أثر، بل حالهم عند مجيئهم كحالهم قبله. وقيل المعنى: فما كانوا ليؤمنوا بعد هلاكهم بما كذبوا به لو أحييناهم كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ } تفسير : [الأنعام: 28] وقيل سألوا المعجزات، فلما رأوها لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤيتها، والأوّل: أولى، ومعنى تكذيبهم قبل مجيء الرسل: أنهم كانوا في الجاهلية يكذبون بكل ما سمعوا به من إرسال الرسل، وإنزال الكتب. قوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي مثل ذلك الطبع الشديد يطبع الله على قلوب الكافرين، فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ولا تذكير ولا ترغيب ولا ترهيب. قوله: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } الضمير يرجع إلى أهل القرى المذكورين سابقاً، أي ما وجدنا لأكثر أهل هذه القرى من عهد، أي عهد يحافظون عليه ويتمسكون به، بل دأبهم نقض العهود في كل حال. وقيل الضمير يرجع إلى الناس على العموم، أي ما وجدنا لأكثر الناس من عهد. وقيل المراد بالعهد: هو المأخوذ عليهم في عالم الذرّ. وقيل: الضمير يرجع إلى الكفار على العموم من غير تقييد بأهل القرى، أي الأكثر منهم لا عهد ولا وفاء. والقليل منهم قد يفي بعهده ويحافظ عليه، و"إن" في {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ } هي المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، أي أن الشأن وجدنا أكثرهم لفاسقين، أو هي النافية. واللام في {لَفَـٰسِقِينَ } بمعنى إلا، أي إلا فاسقين خارجين عن الطاعة خروجاً شديداً. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبيّ بن كعب، في قوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } قال: كان في علم الله يوم أقروا له بالميثاق من يكذب به ممن يصدّق به. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } قال: مثل قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، في قوله: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } قال: الوفاء. وأخرج ابن أبي حاتم، في الآية قال: هو ذاك العهد يوم أخذ الميثاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ } قال: ذاك أن الله إنما أهلك القرى، لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِّنْ عَهْدٍ} في قوله: {مِنْ عَهْدٍ} قولان: أحدهما: أن العهد الطاعة، يريد: ما وجدنا لأكثرهم من طاعة لأنبيائهم، لأنه قال بعده {وَإن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمُ لَفَاسِقِينَ} وتكون {مِنْ} في هذا الموضع على هذا التأويل زائدة. والثاني: أنه محمول على ظاهر العهد أي من وفاء بعهده. وفي المراد بالعهد هنا ثلاثة أقاويل. أحدها: الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظهر آدم قاله أبو جعفر الطبري. والثاني: ما جعله الله في عقولهم من وجوب شكر النعمة، وأن الله هو المنعم، قاله علي بن عيسى. والثالث: أنه ما عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قاله الحسن {وإن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُم لَفَاسِقِينَ} في قوله {لَفَاسِقِينَ} وجهان: أحدهما: خارجين عن طاعته. والثاني: خائنين في عهده، وهذا يدل على أن العصاة أكثر من المطيعين.
ابن عطية
تفسير : {تلك} ابتداء، و {القرى} قال قوم هو نعت والخبر {نقصّ} ويؤيد هذا أن القصد إنما الإخبار بالقصص. قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن {القرى} هي خبر الابتداء، وفي ذلك معنى التعظيم لها ولمهلكها، وهذا كما قيل في {أية : ذلك الكتاب} تفسير : [البقرة:2] أنه ابتداء وخبر، وكما قال صلى الله عليه وسلم "أولئك الملأ"، وكقول أبي الصلت تلك المكارم وهذا كثير، وكأن في اللفظ معنى التحسر على القرى المذكورة، والمعنى: نقص عليك من أنباء الماضين لتتبين العبر وتعلم المثلات التي أوقعها الله بالماضين ثم ابتدأ الخبر عن جميعهم بقوله {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل}. قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام يحتمل أربعة وجوه من التأويل، أحدها أن يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم فكذبوه لأول أمره ثم استبانت حجته وظهرت الآيات الدالة على صدقه مع استمرار دعوته فلجّوا هم في كفرهم ولم يؤمنوا بما تبين به تكذيبهم من قبل، وكأنه وصفهم على هذا التأويل باللجاج في الكفر والصرامة عليه ويؤيد هذا قوله {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى فما كانوا ليؤمنوا أي ما كانوا ليوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنهم كذبوا قبل فكان تكذيبهم سبباً لأن يمنعوا الإيمان بعد، والثاني من الوجوه أن يريد فما كان آخرهم في الزمن والعصر ليهتدي ويؤمن بما كذب به أولهم في الزمن والعصر، بل كفر كلهم ومشى بعضهم عن سنن بعض في الكفر. قال القاضي أبو محمد: أشار إلى هذا القول النقاش، فكأن الضمير في قوله {كانوا} يختص بالآخرين، والضمير في قوله {كذبوا} يختص بالقدماء منهم، والثالث من الوجوه يحتمل أن يريد فما كان هؤلاء المذكورون بأجمعهم لو ردوا إلى الدنيا ومكنوا من العودة ليؤمنوا بما كذبوا في حال حياتهم ودعا الرسول لهم, قال مجاهد وقرنه بقوله تعالى: {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام:28] وهذه أيضاً صفة بليغة في اللجاج والثبوت على الكفر، بل هي غاية في ذلك، والرابع من الوجوه أنه يحتمل أن يريد وصفهم بأنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما قد سبق في علم الله تعالى أنهم مكذبون به، فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل، وذكر هذا التأويل المفسرون وقرنوه بأن الله عز وجل حتم عليهم التكذيب وقت أخذ الميثاق، وهو قول أبي بن كعب. وقوله تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} الآية، أخبر تعالى أنه لم يجد لأكثرهم ثبوتاً على العهد الذي أخذه على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره، قاله أبو العالية عن أبي بن كعب، ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن أنهم لم يصرفوا عقولهم في الآيات المنصوبة ولا شكروا نعم الله ولا قادتهم معجزات الأنبياء، لأن هذه الأمور عهد في رقاب العقلاء كالعهود ينبغي أن يوفى بها، وأيضاً فمن لدن آدم تقرر العهد الذي هو بمعنى الوصية وبه فسر الحسن هذه الآية فيجيء المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزام عهد وقبول وصاة، ذكره المهدوي، و {من} في هذه الآية زائدة، إلا أنها تعطي استغراق جنس العهد ولا تجيء هذه إلا بعد النفي، و {إن} هي المخففة من الثقيلة عند سيبويه، واللام في قوله {لفاسقين} للفرق بين {إن} المخففة وغيرها، و {إن} عند الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا والتقدير عنده وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} وقت أخذ الميثاق يوم الذر أو لم يؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق عليهم أنهم يكذبون به يوم الذر، أو لو أحييناهم بعد هلاكهم لم يؤمنوا بما كذبوا قبل هلاكهم كقوله ـ تعالىـ: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ}تفسير : [الأنعام: 28].
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ} «تلك» ابتداءٌ، و«القُرَىٰ» قال قوم: هو نعْتٌ، والخبر «نَقْصُّ»، وعندي: أن «أهل القرَى» هِي خَبَر الابتداءِ، وفي ذلك معنى التعظيمِ لها، ولِمُهْلِكِها؛ وهذا كما قيل في قوله تعالى: { أية : ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ } تفسير : [البقرة:2] وكما قال عليه السلام: « حديث : أُولَئِكَ الملأ » تفسير : وكقول ابن أبي الصلت: [البسيط] شعر : تِلْكَ المَكَارِمُ.......... ....................... تفسير : وهذا كثير. ثم ابتدأ سبحانهُ الخبر عن جميعهم بقوله: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ}، هذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً من التأويل: أحدها: أنْ يريد أنَّ الرسول جاء لكلِّ فريقٍ منهم، فكذَّبوه لأول أمره، ثم ٱستبانَتْ حجته، وظهَرتِ الآياتُ الدالَّة علىٰ صدقه، مع استمرار دعوته.، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم. والثاني: من الوجوه: أنْ يريد: فما كان آخرهم في الزّمنِ لِيُؤْمِنَ بما كَذَّب به أوَّلهم في الزمَنِ، بل مَشَىٰ بعضهم على سَنَن بعضٍ في الكُفْرِ؛ أشار إِلى هذا التأويلِ النَّقَّاش. والثالث: أنَّ هؤلاء لَوْ رُدَّوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكُنْ منهم إِيمانٌ؛ قاله مجاهد، وقرنه بقوله: { أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام:28]. والرابع: أنه يحتمل: فما كانوا ليُؤْمنوا بما سَبَق في عِلم اللَّه سبحانه؛ أنهم مُكَذِّبون به؛ وذكَرَ هذا التأويلَ المفسِّرون. وقوله سبحانَه: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ...} الآية: أخبر سبحانه أنه لم يجدْ لأكثرهم ثبوتاً على العَهْد الذي أخذه سبحانه علىٰ ذريِّة آدم وقْتَ ٱستخراجهم من ظهره؛ قاله أبو العالية عن أبيِّ بنْ كَعْب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عَهْدٍ، وقبولَ وصاةٍ ممَّا جاءتهم به الرسُلُ عن اللَّه، ولا شَكَروا نعم اللَّه عزَّ وجلَّ. قال * ص *: {لأَكْثَرِهِم }: يحتمل أن يعود علىٰ «النَّاس» أو على {أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ } أو «الأُمم الماضية». انتهى. وقوله سبحانه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـآيَـٰتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا...} الآيات؛ في هذه الآية: عامٌّ في التسْع وغيرِهَا، والضميرُ في «مِنْ بعدهم» عائدٌ على الأنبياءِ المتقدِّم ذكْرُهم، وعلى أممِهِمْ. وقوله سبحانه: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ }: فيه وعيدٌ، وتحذيرٌ للكَفَرة المعاصرين لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه: {وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ }، قرأ نافعٌ وحده: «عَلَيَّ» بإِضافة «عَلَىٰ» إِليه، وقرأ الباقون: «عَلَىٰ» بسكون الياء. قال الفارسيُّ: معنى هذه القراءة أنَّ «عَلَى» وضعتْ موضع الباء؛ كأنه قال: حقيقٌ بأن لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ، وقال قوم: «حقيقٌ» صفةٌ لـــ«رَسُولٌ»، تم عندها الكلامُ، و«عَليَّ»: خبرٌ مقدّمٌ و«أَلاَّ أقول»: ابتداءٌ، وإِعراب «أَنْ»، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلىٰ قراءة من فتحها مشدَّدةً: رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه: «حَقيقٌ أَنْ لا أَقُول»، وهذه المخاطَبَةُ ـــ إِذا تأَمَّلْتَ ـــ غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به عليه السلام، وقوله: {قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } «البينة»؛ هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى عليه السلام عَرْضُ نبوَّته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى عليه السلام لم تَنْبَنِ شريعته إِلا علىٰ بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره: { أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه:44]. وقوله: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ }، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها. وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسَىٰ كُفَّهُ عني، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر. والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر وهو أهولُ وأجَرأُ؛ قاله الضحاك، وقال قتادة: صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: {مُّبِينٌ } معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن؛ إنه ثعبانٌ حقيقة، {وَنَزَعَ يَدَهُ }: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه؛ حسب الخلافِ في ذلك. وقوله: {فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّـٰظِرِينَ}، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ. قال * ع *: فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما. * ت *: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ؛ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ}. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: كقوله: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً}تفسير : [هود: 72] في كونه مبتدأ وخبراً وحالاً يعني أن "تِلْكَ" مبتدأ مشارٌ بها إلى ما بعدها، و "القُرَى" خبرها، و "نَقُصُّ" حال أي قاصِّينَ كقوله: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}تفسير : [النمل: 52]. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى "تِلْكَ القُرَى" حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت: هو مفيدٌ ولكن بالصِّفةِ في قولك: "هو الرَّجُلُ الكريم" يعني أنَّ الحال هنا لازمه ليفيد التَّركيب كما تلزم الصِّفةِ في قولك: "هو الرَّجُلُ الكريمُ" ألا ترى أنَّكَ لو اقتصرت على "هو الرَّجُلُ" لم يكن مفيداً، ويجوزُ أن تكون "القُرَى" صفة لتلك، و "نقصُّ" الخبر، ويجوز أن يكون "نقصُّ" خبراً بعد خبر. و "نَقُصُّ" يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال أي: قد قصصنا عليك من أبْنَائِهَا ونحن نَقُصُّ عليك أيضاً بعض أبنائها [ويجوز أن يكون عبر به عن الماضي، أي: قد قَصَصْنَا عليك من أبنائها] وأُشير بالبُعْدِ تنبيهاً على بعد هلاكها وتقادمه عن زمن الإخبار فهو من الغيب، وأراد القصص المتقدمة. وفي قوله: "القُرَى" بـ "أل" تعظيم كقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}تفسير : [البقرة: 22]، وقول الرسول - عليه الصلاة والسلام: "حديث : أوْلَئِكَ المَلأُ مِنْ قُريشٍ"تفسير : ، وقول أمية: [البسيط] شعر : 2534 - تِلْكَ المَكَارِمُ لا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أبْوَالاً تفسير : و "مِنْ" للتبعيض كما تقدَّم؛ لأنَّهُ إنَّما قصَّ عليه - عليه الصلاة والسلام - ما فيه عظةٌ وانزجارٌ دون غيرهما، وإنَّما قصّ أنباء أهل القرى؛ لأنَّهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النِّعم فتوهموا أنَّهُم على الحقِّ، فذكرها الله - تعالى - لقوم محمد - عليه الصلاة والسلام - ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال، ثم قال: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}. قوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ} الظَّاهِرُ أنَّ الضَّمائرَ عائدة على أهل القرى. وقال يمان بن رئاب: إنَّ الضميرين الأوَّلين لأهل القرى، والضَّميرُ في "كذَّبُوا" لأسْلافِهم. وكذا جوَّزهُ ابن عطية أيضاً أي: "فما كان الأبناء ليؤمِنُوا بما كذَّب به الآباء"، وقد تقدَّم الكلامُ على لام الجُحُودِ، وأنَّ نفي الفِعْلِ معها أبْلَغُ. و "ما" موصولة اسميَّة، وعائدها مَحْذُوفٌ؛ لأنَّه مَنصوبٌ متَّصل أي: بما كذبوه [ولا يجوز أن يقدر به وإن كان الموصول مجروراً بالباء أيضاً لاختلاف المتعلق، وقال هنا "بما كذبوا"] فلم يذكر متعلق التكذيب، وفي "يونس" ذكره فقال: {أية : بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ}تفسير : [يونس: 74]، والفرق أنَّهُ لمَّا حذفه في قوله: {أية : وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ}تفسير : [الأعراف: 96] أستمرّ حذفه بعد ذلك، وأمَّا في يونس فقد أبرزه في قوله: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ}تفسير : [يونس 74]. {أية : كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}تفسير : [يونس: 73] فناسب ذكره موافقة قال معناه الكرمَانِيّ. فصل في معنى "ما كانوا ليؤمنوا" قال ابن عباس والسُّدِّيُّ: "فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عن إرسالي بما كذبوا به يوم أخذنا مِيثاقَهُم حين أخرِجُوا من ظهر آدم فآمنوا كرهاً وأقرُّوا باللِّسانِ وأضمروا التَّكذيب". وقال الزَّجَّاجُ: "فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيةِ تلك المعجزات بما كَذَّبُوا قبل رؤية المُعْجِزَاتِ". وقيل: معناه ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم في دار التكليف ليؤمنوا بما كذَّبُوا به قبل إهلاكهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام: 28]. [وقيل: إنه قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل] وقيل: ليؤمنوا في الزَّمانِ المستقبل قوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ}. قال الزَّجَّاجُ: والكاف في "كذلك" في محلِّ نصب [أي: مثل ذلك الطبع على قلوب أهل القرى المنتفي عنهم الإيمان يطبع الله على قلوب الكفرة الجانين].
البقاعي
تفسير : ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثّاً على الاعتبار بهم، ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد فقال: {تلك القرى} أي محالّ القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبيناً لحالها: {نقص عليك}. ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هوّل الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال: {من أنبائها} أي أخبارها العظيمة الهائلة المطابقة للواقع شيئاً بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلاً في معرفة أخبار أهلها. ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام تصديقاً لمن قال مهم: قد جاءتكم بينة، بقوله: {ولقد} أي والحال أنه قد {جاءتهم} أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات {رسلهم} أي الذين أرسلناهم إليهم {بالبينات فما} أي فلم يتسبب عن ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما {كانوا} موفقين {ليؤمنوا} أي عند مجيئها، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد {بما} أي بالذي {كذبوا} أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة. ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجارّ فقال: {من قبل} أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فأتوهم. بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال: إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو إنهم خافوا ثانياً ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبناً فيما يعلمون بطلانه، فكان تزيين هذا لهم طبعاً على قلوبهم، فكأنه قيل: إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك أحد؟ فقيل:نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع {كذلك يطبع الله} أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له من العظمة {على قلوب الكافرين*} أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقاً في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله. ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب، قال عاطفاً على "فما كانوا": {وما وجدنا} أي في عالم الشهادة {لأكثرهم} أي الناس، وأكد الاستغراق فقال: {من عهد} طبق ما كان عندنا في عالم الغيب، وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم {ألست بربكم} إن كان ذلك على حقيقته، أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر {أية : لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين }تفسير : [يونس: 22] أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة، فصار بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر {وإن} أي وإنا {وجدنا} أي علمنا في عالم الشهادة {أكثرهم لفاسقين*} أي خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب، وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال، أتبعه الكشف عما كان بعد قصة شعيب عليه السلام من قصة صهره موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في أول السورة من الإجمال، فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء والضراء، ثم الإنعام بالرخاء والسراء، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه الحظوظ من الفسق، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويهاً بذكرها وتنبيهاً على عليّ قدرها، لأن معجزات صاحبها من معجزات من كان قبله، وجهل من عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من العجائب وما اشتملت عليه من الرغائب والغرائب، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها للجواد العنان فقال: {ثم بعثنا} أي على عظمتنا {من بعدهم} أي الرسل المذكورين والأمم المهلكين {موسى بآياتنا} أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فثبت بها النبوة {إلى فرعون} هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم، وكان اسم فرعون موسى عليه السلام قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب ابن الريان {وملئه} أي عظماء قومه، وخصمهم لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل. ولما سببت لهم الظلم الظلم قال: {فظلموا} أي وقعوا في مثل الظلام حتى وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار {بها} أي بسبب رؤيتها خوفاً على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم؛ ولما كان ذلك من أعجب العجب، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم، وكان هذا الظلم أعظم الفساد، سبب عنه قوله معجباً: {فانظر } أي بعين البصيرة {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المفسدين*} فلخص في هذه الآية على وجازتها جميع قصتهم على طولها، وقدم ذكر الآيات اهتماماً بها ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بن كعب في قوله {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: كان في علم الله يوم أقروا له بالميثاق من يكذب به ومن يصدق . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: مثل قوله {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28] . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} قال: لقد علمه فيهم أيهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في زمان آدم. قال: وتصديق ذلك حين قال لنوح { أية : يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } تفسير : [هود: 48] ففي ذلك قال { أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} تفسير : [الأنعام: 28] وفي ذلك {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [الإِسراء: 15] . وأخرج الشيخ عن مقاتل بن حيان في قوله {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} تفسير : [الأعراف: 172] قال: أخرجهم مثل الذر فركب فيهم العقول، ثم استنطقهم فقال لهم {أية : ألست بربكم}تفسير : [الأعراف: 172] قالوا جميعاً: بلى فأقروا بألسنتهم وأسر بعضهم الكفر في قلوبهم يوم الميثاق، فهو قوله {ولقد جاءتهم رسلهم} بعد البلاغ {بالبينات فما كانوا ليؤمنوا} بعد البلوغ {بما كذبوا} يعني يوم الميثاق {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} .
ابو السعود
تفسير : {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} جملةٌ مستأنفةٌ جاريةٌ مجرى الفذلكةِ لما قبلها من القِصص منبئةٌ عن غاية غَوايةِ الأممِ المذكورة وتماديهم فيها بعد ما أتتهم الرسلُ بالمعجزات الباهرة، وتلك إشارةٌ إلى قرى الأمم المُهلَكة على أن اللامَ للعهد وهو مبتدأٌ وقوله تعالى: {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا} خبرُه، وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاءِ القصة بعد، ومِنْ للتبعيض، أي بعضُ أخبارها التي فيها عظةٌ وتذكيرٌ. وقيل: تلك مبتدأ والقرى خبرُه وما بعده حالٌ أو خبرٌ بعد خبرٍ عند من يجوز كون الخبر الثاني جملةً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 20] وتصديرُ الكلام بذكر القرى وإضافةُ الأنباء إليها مع أن المقصوصَ أنباءُ أهلِها والمقصودُ بـيانُ أحوالهم حسبما يُعرب عنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} لما أن حكايةَ هلاكِهم بالمرة على وجه الاستئصالِ ـ بحيث يشمل أماكنَهم أيضاً بالخسف بها والرجفةِ وبقائِها خاويةً معطلةً ـ أهولُ وأفظعُ. والباء في قوله تعالى: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} متعلقةٌ إما بالفعل المذكور على أنها للتعدية وإما بمحذوف وقع حالاً من فاعله أي ملتبسين بالبـينات لكن لا بأن يأتيَ كلُّ رسولٍ ببـينة واحدة بل ببـينات كثيرة خاصةٍ به معينةٍ حسبَ اقتضاءِ الحكمة، فإن مراعاة انقسامِ الآحاد إنما هي فيما بـين الرسل وضميرِ الأممِ، والجملةُ مستأنفةٌ مبـينةٌ لكمال عُتوِّهم وعنادِهم أي وبالله لقد جاء كلَّ أمةٍ من تلك الأممِ المُهلَكة رسولُهم الخاصُّ بهم بالمعجزات البـيّنةِ المتكثرة المتواردةِ عليهم الواضحةِ الدِلالةِ على صحة رسالتِه الموجبةِ للإيمان حتماً، وقوله تعالى: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} بـيانٌ لاستمرار عدمِ إيمانِهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرارِ إيمانِهم، وترتيبُ حالتِهم هذه على مجيء الرسلِ بالبـينات بالفاء لما أن الاستمرارَ على فعل من الأفعال بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه ـ وإن كان استمراراً على فعل من الأفعال بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه ـ وإن كان عليه في الحقيقة ـ لكنه بحسب العنوانِ فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ نحوُ وعظتُه فلم ينزجِرْ ودعوتُه فلم يُجب، واللامُ لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوامِ في وقت من الأوقات أن يؤمنوا بكل، وكان ذلك ممتنعاً منهم إلى أنْ لَقوُا ما لقوُا لغاية عتوِّهم وشدةِ شكيمتِهم في الكفر والطغيانِ، ثم إن كان المحكيُ عنهم آخرَ حالِ كلِّ قوم منهم فالمرادُ بعدم إيمانِهم المذكور هٰهنا إصرارُهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى: {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} تكذيبُهم من لدن مجيءِ الرسل إلى وقت الإصرارِ والعناد، وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول بل جُعل صلةً للموصول إيذاناً بأنه بـيّنٌ بنفسه، وإنما المحتاجُ إلى البـيان عدمُ إيمانِهم بعد تواترِ البـينات الظاهرةِ وتظاهُر المعجزاتِ الباهرةِ التي كانت تَضْطرُّهم إلى القَبول لو كانوا من أصحاب العقولِ، والموصولُ الذي تعلق به الإيمانُ والتكذيبُ سلباً وإيجاباً عبارةٌ عن جميع الشرائعِ التي جاء بها كلُّ رسولٍ أصولِها وفروعِها، وإن كان المحكيُّ جميعَ أحوالِ كل قوم منهم فالمرادُ بما ذكر أولاً كفرُهم المستمرُّ من حين مجيءِ الرسل الخ، وبما أشير إليه آخِراً تكذيبُهم قبل مجيئِهم فلا بد من جعل الموصولِ المذكورِ عبارةً عن أصول الشرائعِ التي أجمعت عليها الرسلُ قاطبةً ودعَوا أُمَمهم إليها آثِرَ ذي أثيرٍ لاستحالة تبدّلِها وتغيّرِها، مثلُ ملةِ التوحيد ولوازمِها، ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيءِ رسلهم أنهم ما كانوا في زمن الجاهليةِ بحيث لم يسمعوا كلمةَ التوحيد قط بل كانت كلُّ أمةٍ من أولئك الأمم يتسامعون بها من بقايا مَنْ قبلهم فيكذّبونها، ثم كانت حالتُهم بعد مجيءِ رسلِهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يُبعثْ إليهم أحدٌ، وتخصيصُ التكذيب وعدمُ الإيمان بما ذُكر من الأصول لظهور حالِ الباقي بدِلالة النصِّ، فإنهم حين لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافةُ الرسلِ فلأَنْ لا يؤمنوا بما تفرَّد به بعضُهم أولى، وعدمُ جعلِ التكذيبِ مقصوداً بالذات لما أن ما عليه يدور فلكُ العذابِ والعقابِ هو التكذيبُ الواقعُ بعد الدعوةِ حسبما يعرب عنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }تفسير : [الإسراء: 15] وإنما ذُكر ما وقع قبلها بـياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب، وعلى كلا التقديرين فالضمائرُ الثلاثة متوافقةٌ في المرجِع، وقيل: ضميرُ كذبوا راجعٌ إلى أسلافهم، والمعنى فما كان الأبناءُ ليؤمنوا بما كذب به الآباءُ، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وقيل: المرادُ ما كانوا ليؤمنوا لو أحيـيناهم بعد إهلاكِهم ورددناهم إلى دار التكليفِ بما كذبوا من قبلُ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28] وقيل: الباء للسببـية وما مصدريةٌ أي بسبب تعوُّدِهم تكذيبَ الحقِّ وتمرّنِهم عليه قبل بعثةِ الرسلِ، ولا يرِدُ عليه هٰهنا ما ورد في سورة يونُسَ من مخالفة الجمهورِ بجعل ما المصدريةِ من قبـيل الأسماء كما هو رأيُ الأخفشِ وابنِ السرّاج ليرجِعَ إليه الضميرُ في به. {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الطبعِ الشديدِ المُحكَم {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي من المذكورين وغيرهم فلا يكاد يؤثر فيها الآياتُ والنذرُ، وفيه تحذير للسامعين، وإظهارُ الاسم الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتربـية المهابة وإدخالِ الروعة.
القشيري
تفسير : سلكوا طريقاً واحداً في التمرد، واجتمعوا في خطٍ واحد في الجحد والتَّبلُّد؛ فلا للإيمان جَنَحُوا، ولا عن العدوان رجعوا، وكذلك صفة من سَبَقَتْ بالشقاء قِسمتُه، وحقت بالعذاب عليه كَلِمتُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {تلك القرى} يعنى قرى الامم المار ذكرهم فاللام للعهد {نقص عليك} [خوانده ايم برتو] {من أنبائها} من للتبعيض اى بعض اخبارها التى فيها عظة وتذكير {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} الباء متعلقة اما بالفعل المذكور على انها للتعدية واما بمحذوف وقع حالا من فاعله اى ملتبسين بالبينات. والمعنى وبالله لقد جاء كل امة من تلك الامم المهلكة رسولهم الخاص بهم بالمعجزات البينة المتكثرة المتواردة عليهم الواضحة الدلالة على صحة رسالته الموجبة للايمان حتما {فما كانوا ليؤمنوا} اى فما صح وما استقام لقوم من اولئك الاقوام ان يؤمنوا عند مجيء الرسل بها {بما كذبوا من قبل} الباء صلة لم يؤمنوا اى بما كذبوه من قبل مجيئ الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب فما كذبوه عبارة عن اصول الشرائع التى اجمعت عليها الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب فما كذبوه عبارة عن اصول الشرائع التى اجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم اليها مثل ملة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء رسلهم انهم ما كانوا فى زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا كلمة التوحيد قط بل كانت كل امة من اولئك الامم يتسامعون بها من بقايا من قبلهم فيكذبونها ثم كانت حالتهم بعد مجيء رسلهم كحالتهم قبل ذلك كان لم يبعث اليهم احد ويجوز ان يكون المراد بعدم ايمانهم المذكور اصرارهم على ذلك وبما اشير بقوله تعالى بما كذبوا من قبل تكذيبهم من لدن مجيء الرسل الى وقت الاصرار والعناد. فالمعنى حينئذ فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به اولا حين جاءتهم الرسل ولم تؤثر فيهم قط دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة فما كذبوه عبارة عن جميع الشرائع التى جاء بها كل رسول اصولها وفروعها وعلى كلا التقديرين فالضمائر الثلاثة متوافقة فى المرجع. وقيل ضمير كذبوا راجع الى اسلافهم. والمعنى فما كان الابناء ليؤمنوا بما كذب به الآباء وحمله المولى ابو السعود على التعسف. يقول الفقير لو كانت الضمائر الثلاثة متوافقة فى المرجع ايضا وجعل التكذيب تكذيب الآباء فى الحقيقة وانما اسند الى الابناء ما حقه ان ينسب اليهم من حيث الاتصال بينهم ورضى بعضهم عن بعض فيما فعله لكان معنى لا تعسف فيه اصلا كما سبق امثاله فى البقرة فى مخاطبات اليهود المعاصرين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم {كذلك} فى محل النصب على انه مفعول {يطبع} اى مثل ذلك الطبع الشديد المحكم يطبع {الله على قلوب الكافرين} اى من المذكورين وغيرهم فلا يكاد يؤثر فيها الآيات والنذر ويجوز ان يكون اشارة الى ما قبله أى مثل ذلك الطبع الذى طبع الله على قلوب كفار الامم الخالية يطبع على قلوب الكفرة الذين كتب عليهم ان لا يؤمنوا ابدا.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن اهل القرى التي ذكرها وقص خبرها واشار بـ {تلك} اليها، لانه خاطب النبي (صلى الله عليه وسلم). وقوله {نقص عليك من أنبائها} يعني قصص انباء القرى ما فيه من الاعتبار بما كانوا عليه من الاغترار بطول الامهال مع اسباغ النعم وتظاهر المنن حتى توهموا أنهم على صواب فيما دعاهم اليه الشيطان من قبح الطغيان. والقصص اتباع الحديث، ويقال فلان يقص الاثر أي يتبعه ومنه {أية : قالت لأخته قصيه}تفسير : أي اتبعي اثره، ومنه المقص لانه يتبع في القطع أثر القطع. و (النبأ) هو الخبر الا ان النبأ خبر عن امر عظيم الشأن وأخذ منه اسم نبي، ويقال: أنبأ بكذا بمعنى اخبر به. وقوله {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} يعني اتتهم رسلهم بالآيات والدلالات، وانما أضاف الرسل اليهم مع أنهم رسل الله، لان الاختصاص فيها على طريقة الملك اذ المرسل مالك لرسالته، وقد ملك العباد الانتفاع بها والاهتداء بما فيها من البيان والبرهان. وقوله {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قيل في معناه قولان: احدهما - انه بمنزلة قوله {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} في قول مجاهد أي انا لم نهلكهم الا وفى معلومنا أنهم لا يؤمنون. الثاني - ان عتوهم في كفرهم وتمردهم فيه يحملهم على ان لا يتركوه الى الايمان - في قول الحسن والجبائي - فالآية على هذا مخصوصة بمن علم من حاله انه لا يؤمن. وقال الاخفش {بما كذبوا} معناه بتكذيبهم فجعل (ما) مصدرية. والمعنى لم يكونوا ليؤمنوا بالتكذيب. وقوله {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} وجه التشبيه فيه أن دلالته على انهم لا يؤمنون ذما بأنهم لا يفلحون كالطبع على قلوب الكافرين الذين فى مثل صفتهم في المعلوم.
الجنابذي
تفسير : {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} بعض انبائها {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم} استخدام فى الضّمير او المراد بالقرى اهلها مجازاً {بِٱلْبَيِّنَاتِ} باحكام الرّسالات او الحجج والمعجزات الواضحات {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} دخول كان فى مثله تأكيد النّفى {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} من احكام العقل والنّبوّة التّكوينيّة، فانّ من انقاد للعقل قبل ظهور دعوة النّبىّ يقبل دعوة النّبىّ ومن كّذب العقل يكذّب النّبىّ لا محالة لانّ النّبىّ عقل بوجهٍ والعقل نبىّ بوجهٍ، او بما كذّبوا فى الّذرّ كما فى الاخبار، وبعد التّحقيق يرجع التّكذيب فى الّذرّ والتّكذيب بالعقل الى امر واحدٍ {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ} يعنى كما طبع الله على قلوب اهل هذه القرى حتّى لا يؤمنوا مع ظهور الحقّ يطبع الله على قلوب جملة الكافرين.
الهواري
تفسير : ثم قال: {تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا} أي: من أخبارها، يعني ما قص في هذه السورة من أخبار الأمم ورسلها وكيف أهلكهم. قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ} أي بما كفروا به من قبل. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ} وهي مثل قوله: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا }تفسير : [يونس:13]. قوله: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} يعني الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب ءادم. {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}. قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِئَايَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي: العصا واليد {فَظَلَمُوا بِهَا} أي: فظلموا أنفسهم بتكذيبهم بالآيات {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ}. فكان عاقبتهم إن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار. قوله: {وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَيَّ أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني الوحي والنبوءة التي جاء بها {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ} وكان بنو إسراءيل في أيديهم كمثل أهل الجزية فينا في ذلّ. {قَالَ} فرعون {إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي بيّن إنها حيّة. قال بعضهم: فإذا هي أشعر ذكر، تكاد تبلغ وتسترط فرعون.
اطفيش
تفسير : {تِلكَ} مبتدأ {القرى} خبر، وإنما أفاد ذلك بواسطة الحال وهى جملة قوله: {نقصُّ عَليْك مِنْ أنبائها} أى نقص عليك بعضا من أخبارها وأخبار أهلها دون بعض، فإن أنباءها عام للأخبار الواقعة بها، والواقعة بأهلها، والعامل فى الحال معنى الإشارة، ويجوز أن يكون أل فى القرى للكمال والتعظيم، فتفيد الجملة بنفسها كقولك: زيد الرجل، والمراد هى قرى عظيمة أهلكناها ولم نبال لكفرهم، أو جاء على طريق تحسر العرب فى كلامهم، والجملة بعد ذلك حال أو خبر ثان، ويجوز كون القرى نعتا أو بيانا أو بدلا، والجملة بعده خبر. {ولقد جَاءتْهُم} أى أهل تلك القرى {رُسُلهم بالبيِّناتِ} الكاشفة عن صدقهم {فَما كانُوا ليؤمنُوا} هذه اللام مؤكدة للنفى قبلها، أى ما صلحوا للإيمان أصلا لمنافاته حالهم من الطبع والتصميم على الكفر، وهى الموسومة بلام الجحود {بما كذَّبُوا} أى بتكذيبهم، فما مصدرية، والجار متعلق بما النافية على جواز التعليق بحرف المعنى مطلقا، وبما كذبوه، فما اسم، والجار متعلق بيؤمنوا، من قبل متعلق بكذبوا، والفاء للتعقيب وهو أبلغ فى الذم، أى جاءتهم الرُّسل بالبينات ففاجئوهم بالتكذيب الكلى مقدرين الدوام عليه، فكأنه قيل: لن يؤمنوا حتى يموتوا بما كذبوه من الآيات من قبل ذلك، مع تتابع الآيات، فالمراد بالقبلية حين تبليغ الرسالة، أو المعنى لا يؤمنون عند مجىء الرسل بما كذبوا به من قبل مجيئهم، وذلك أنهم سمعوا الرسالة الواقعة قبلهم، فكذبوا بها، أو كذبوا عند خروجهم كالذر من صلب آدم فى قلوبهم ولو آمنوا بألسنتهم كرها حينئذ، فلن يعدوا ما سبق لهم، وبه قال أبىّ واختاروه، أو ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به قبل هلاكهم لو رددناهم إلى الدنيا، وبه قال مجاهد، وذكر النقاش وجها آخر، وهو أنهم لا يؤمنون لتكذيب من قبلهم، فهم يجرون على سنن واحد تقليدا، فالواوان الأولان للآخرين والثالثة للقدماء. {كذلكَ} أى كالطبع المدلول عليه بنفى الإيمان، أو كالطبع المذكور قبل {يَطْبعُ اللهُ علَى قُلوب الكافِرينَ} مطلقا فلا تلين خشونتهم، وقيل: المراد بالكافرين كفار هذه الأمة.
اطفيش
تفسير : {تِلْكَ القُرَى} أَى قرى الأَهل المذكورين فى قوله من بعد أَهلها، أَو القرى المعهودة، أَى قرى الأمم المذكورين، قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط، والقرى تابع لتلك والخبر قوله {نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا محمد {مِنْ أَنْبَائِهَا} أَو القرى خبر أَفاد الحال، وهى نقص، فإِن كونها قرى لا يجهل، كما تقول هذا زيد عالماً لمن علم زيدا وجهل أَنه عالم، أَو ذلك خبر إِن أَفاد أَولهما بثانيهما كما تقول لمن علم زيداً هذا زيد عالم، تفيده أَنه عالم، وإِن جعلنا أل فى القرى للكمال فقد أَفاد سواء جعلنا نقص حالا أَو خبراً، وجعلنا القرى تابعاً أَو خبراً، والمراد بأَنبائها أَخبار أَهلها، ولم يذكر أَهلها لأَن إِهلاكها لأَهلها وزيادة فهو أَقطع، وحكمة القص لأَحوالهم مع الاستئصال دفعة أَهول للكفرة، وفيه تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحذير قومه من أَن ينزل عليهم مثل ما نزل على من قبلهم، ونقص بمعنى قصصنا أَو سنقص فى السور الأخر ما لم نقص هنا. {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} المعجزات الواضحة الدالة على صحة رسالتهم قسمة الآحاد على الآحاد لا توجب التسوية، فإِن لبعض الرسل آيات متعددة، ولبعض الرسل أَكثر من بعض، تقول: باع القوم دوابهم، ولبعض دابة ولبعض اثنتان ولبعض أَكثر {فَمَا كَانُوا} بعد مجئ رسلهم {لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا} من التوحيد ولوازمه الشرعية مما يجب فعله أَو تركه والبعث والحساب والثواب والعقاب {مِنْ قَبْلُ} قبل مجئ رسلهم بعين ما كذبوا به ونحوه قبل المجئ، وقد كانوا يسمعون من بقايا من قبلهم قبل مجئ رسلهم، ولم يجعل فى الآية الحد لانتفاء إِيمانهم فإِيمانهم منتف إِلى موتهم، فما آمنوا قط، ولن يؤمنوا إِلى الموت، أَو فما كانوا ليؤمنوا فى بقية أَعمارهم بما كذبوا به قبل هذه البقية وبعد مجئ الرسل، ففى هذا الوجه لم يذكر عدم إِيمانهم قبل مجئ الرسل إِلا بالمقام، وبقوله "تلك القرى" إِلخ، وأَما قوله "فما كانوا ليؤمنوا" فلا يلزم منه انتفاء الإِيمان قبل، أَلا ترى أَن اليهود آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولما جاءَ كفروا به، الرابط محذوف لظهور المعنى، وقد جر الموصول بما جر به ولكن لم يتحد المتعلق وتقديره: بما كذبوا به، ويجوز تقديره منصوبا أَى بما كذبوه، أَى بما أَنكروه، ويجوز أَن تكون ما مصدرية بسبب تكذيبهم بما سمعوا به قبل مجئ الرسل، ويجوز أَن يكون المكذب به واحد كقوله تعالى: "أية : ولو ردوا لعادوا" تفسير : [الأَنعام: 28] وذلك جميع الشرائع، وقيل: ضمير كذبوا لأَسلافهم، وفيه تفكيك الضمائر بلا قرينة معينة {كَذَلِكَ} الطبع المذكور على قلوب أَهل القرى {يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} الجائين بعدهم، أَو يطبع على من مضى وغيرهم لكفرهم، فالكافرون الجنس، أَو الكافرون المعهودون فى زمانه صلى الله عليه وسلم، فاللفظ للعهد، وأَظهر مقام الإِضمار للإِيذان بعلية الكفر.
الالوسي
تفسير : {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا} جملة مستأنفة جارية مجرى الفذلكة مما قبلها منبئة عن غاية غواية الأمم المذكورة و {تِلْكَ} إشارة إلى قرى الأمم المحكية من قوم نوح وعاد وثمود وأضرابهم، واللام للعهد وجوز أن تكون للجنس، وهو مبتدأ و {ٱلْقُرَىٰ} صفته والجملة بعده خبر. وجوز الزمخشري أن تكون (تلك) مبتدأ، و (القرى) خبر، والجملة خبر بعد خبر على رأي من يرى جواز كون الخبر الثاني جملة، وأن تكون الجملة حالاً، وإفادة الكلام بالتقييد بها، واعترضه في «التقريب» بأنه جعل شرط الإفادة التقييد بالحال وعلى تقدير كون ذلك خبراً بعد خبر ينتفي الشرط إلا أن يريد تلك القرى / المعلومة حالها أو صفتها على أن اللام للعهد لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال انتهى، وفيه أن حديث الاستغناء ممنوع فإن المعنى كما في «الكشف» على التقديرين مختلف لأنه إذا جعل حالا يكون المقصود تقييده بالحال كما ذكره الزجاج في نحو هذا زيد قائماً إذا جعل قيداً للخبر إن الكلام إنما يكون مع من يعلم أنه زيد والا جاء الإحالة لأنه يكون زيد قائماً كان أولا، وإذا جعل خبراً بعد خبر فـتلك القرى على أسلوب {أية : ذَلِكَ الكِتَاب} تفسير : [البقرة: 2] على أحد الوجوه و {نَقْصٍ} خبر ثان تفخيماً على تفخيم حيث نبه على أن لها قصصاً وأحوالاً أخرى مطوية وقال الطيبي: إن الحال لما كانت فضلة كان الإشكال قائماً في عدم إفادة الخبر فأجيب بأنها ليست فضلة من كل وجه وأما الخبر فلا عجب من كونه كالجزء من الأول كما في قولك هذا حلو حامض، وهذا بمنزلته، وفيه أن عد ما نحن فيه من ذلك القبيل حامض ومستغنى عنه بالحلو، ومثله بل أدهى وأمر الجواب بأنه لما اشترك الحلوان في ذات المبتدأ كفى إفادة أحدهما وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاء القصة بعد و {مِنْ} للتبعيض أي بعض أخبارها التي فيها عظة وتذكير. وتصدير الكلام بذكر القرى وإضافة الأنباء أي الأخبار العظيمة الشأن إليها مع أن المقصود أنباء أهلها وبيان أحوالهم حسبما يؤذن به قوله سبحانه: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} لما ذكره شيخ الإسلام من أن حكاية هلاكهم بالمرة على وجه الاستئصال بحيث يشمل أماكنهم أيضاً بالخسف بها والرجفة وبقائها خاوية معطلة أهول وأفظع، والباء في قوله تعالى: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} متعلقة أما بالفعل المذكور على أنها للتعدية، وإما بمحذوف وقع حالاً من فاعله أي متلبسين بالبينات على معنى أن رسول كل أمة من الأمم المهلكة الخاص بهم جاءهم بالمعجزات البينة الجمة لا أن كل رسول جاء ببينة واحدة، وما ذكروه من أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد لا يقتضي كما قال المولى المدقق أبو القاسم السمرقندي في «تعليقاته على المطول» أن يلزم في كل مقابلة مقارنة الواحد للواحد لأن انقسام الآحاد على الآحاد كما يجوز أن يكون على السواء يجوز أن يكون على التفاوت، مثلا إذا قيل: باع القوم دوابهم يفهم أن كلاً منهم باع ماله من دابة، ويجوز أن تتعدد دابة البعض، ولهذا قيل في قوله سبحانه: {أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6] إن غسل يدي كل شخص ثابت بالكتاب والمقام هنا يقتضي ما ذكرناه فإن الجملة مستأنفة مبينة لكمال عتوهم وعنادهم. وقول عز شأنه: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} بيان لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم، ونظير ذلك {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 62]، وترتيب حالهم هذه على مجيء الرسل بالبينات بالفاء لما أن الاستمرار على فعل بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه يعد بحسب العنوان فعلاً جديداً وصنعاً حادثاً كما في وعظته فلم ينزجر ودعوته فلم يجب، واللام لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت من الأوقات ليؤمنوا بل كان ذلك ممتنعاً منهم إلى أن لقوا ما لقوا لغاية عتوهم وشدة شكيمتهم في الكفر والطغيان ثم إن كان المحكي آخر حال كل قوم منهم فالمراد بعدم إيمانهم هو إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى: {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} تكذيبهم من لدن مجيء الرسل عليهم السلام إلى وقت الإصرار والعناد، وهذا معنى كلام الزجاج فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية تلك المعجزات بما كذبوا قبل رؤيتها، يعني أول ما جاؤهم فاجأوهم بالتكذيب فأتوا بالمعجزات فأصروا على التكذيب وإلى هذا ذهب الحسن أيضاً، وإنما لم / يجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول بل جعل صلة للموصول المحذوف عائده أي الذي كذبوه إيذاناً بأنه بين في نفسه، وإنما المحتاج إلى البيان عدم إيمانهم بعد تواتر البينات الباهرة وتظاهر المعجزات الظاهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من ذوي العقول، والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب إيجاباً وسلباً عبارة عن جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها وإن كان المحكي جميع أحوال كل قوم منهم فالمراد على ما قيل بما ذكر أولاً كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى آخر أمرهم وبما أشير إليه آخراً تكذيبهم قبل مجيئهم فلا بد من جعل الموصول عبارة عن أصول الشرائع التي لا تقبل التبدل والتغير واجتمعت الرسل قاطبة عليها ودعوا الأمم إليها كلمة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء الرسل أنهم كانوا يسمعونها من بقايا من قبلهم فيكذبونها لا أن العقل يرشد إليها ويحكم بها ويخالفونه ثم كانت حالهم بعد مجيء الرسل إليهم كحالهم قبل كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص فإنهم حين لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به بعضهم أولى، وعدم جعل هذا التكذيب مقصوداً بالذات لما أنه ليس مدار العذاب بل مداره التكذيب بعد البعثة كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وإنما ذكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب، وقيل: المراد بما أشير إليه آخراً تكذيبهم الذي أسروه يوم الميثاق، وروي ذلك عن أبي بن كعب والربيع والسدي. ومقاتل واختاره الطبري. وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم وغيرهما عن مجاهد أن الآية على حد قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }تفسير : [الأنعام: 28] فالمعنى ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا بما كذبوا قبل إهلاكهم، وعلى هذا فالمراد بالموصول جميع الشرائع أصولها وفروعها وفيه من المبالغة في إصرارهم وعتوهم ما لا يخفى إلا أنه في غاية الخفاء، وأيا ما كان فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع، وقيل ضمير {كَذَّبُواْ} راجع إلى أسلافهم، والمعنى فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذب به الآباء، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وذهب الأخفش إلى أن الباء سببية وما مصدرية والمعنى عليه كما قيل: فما كانوا ليؤمنوا الآن أي عند مجيء الرسل لما سبق منهم من التكذيب الذي ألفوه وتمرنوا عليه قبل مجيئهم أو لم يؤمنوا قط واستمروا على تكذيبهم لما حصل منهم من التكذيب حين مجيء الرسل. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي قلوبهم فوضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن الطبع بسبب الكفر وإلى هذا يشير كلام الزجاج وصرح به بعضهم، ويجوز ولعله الأولى أن يراد بالكافرين ما يشمل المذكورين وغيرهم وفي ذلك من تحذير السامعين ما لا يخفى، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وإدخال الروعة.
ابن عاشور
تفسير : لما تكرر ذكر القرى التي كذب أهلها رسل الله بالتعيين وبالتعميم، صارت للسامعين كالحاضرة المشاهدة الصالحة لأن يشار إليها، فجاء اسم الإشارة لزيادة إحضارها في أذهان السامعين من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ليعتبروا حالهم بحال أهل القرى، فيروا أنهم سواء فيفيئوا إلى الحق. وجملة: {تلك القرى} مستأنفة استئناف الفذلكة لما قبلها من القصص من قوله: {أية : لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} تفسير : [الأعراف: 59] ثم قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي}تفسير : [الأعراف: 94] الآية. و{القرى} يجوز أن يكون خبراً عن اسم الإشارة لأن استحضار القرى في الذهن بحيث صارت كالمشاهد للسامع، فكانت الإشارة إليها إشارة عبرة بحالها، وذلك مفيد للمقصود من الإخبار عنها باسمها لمن لا يجهل الخبر كقوله تعالى: {أية : هذا ما كنزتم لأنفسكم}تفسير : [التوبة: 35] أي هذا الذي تشاهدونه تُكْوَون به هو كنزكم، وهم قد علموا أنه كنزهم، وإنما أريد من الإخبار بأنه كنزهم إظهارُ خطإ فعلهم، ويجوز أن يكون القرى بياناً لاسم الإشارة. وجملة: {نقص عليك من أنبائها} إما حال من {القرى} على الوجه الأول. وفائدة هذه الحال الامتنان بذكر قَصصها، والاستدلال على نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ علمه الله من علم الأولين ما لم يسبق له علمه، والوعدُ بالزيادة من ذلك، لما دل عليه قوله: {نقص} من التجدد والاستمرار، والتعريضُ بالمعرضين عن الإتعاظ بأخبارها. وإمّا خبر عن اسم الإشارة على الوجه الثاني في محمل قوله: {القرى}. و(منْ) تبعيضية لأن لها أنباء غير ما ذكر هنا مما ذكر بعضه في آيات أخرى وطوى ذكر بعضه لعدم الحاجة إليه في التبليغ. والأنباء: الأخبار، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ولقد جاءك من نبإ المرسلين} تفسير : في سورة الأنعام (34). والمراد بالقرى وضمير أنبائها: أهلها، كما دل عليه الضمير في قوله: رسلهم. وجملة: {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} عطف على جملة: {تلك القرى} لمناسبة ما في كلتا الجملتين من قصد التنظير بحال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وجمع «البينات» يشير إلى تكرر البينات مع كل رسول، والبينات: الدلائل الدالة على الصدق وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : قد جاءتكم بينة من ربكم}تفسير : في قصة ثمود في هذه السورة (73). (والفاء) في قوله: {فما كانوا ليؤمنوا} لترتيب الإخبار بانتفاء إيمانهم عن الإخبار بمجيء الرسل إليهم بما من شأنه أن يحملهم على الإيمان. وصيغة {ما كانوا ليؤمنوا} تفيد مبالغة النفي بلام الجحود الدالة على أن حصول الإيمان كان منافياً لحالهم من التصلب في الكفر. وقد تقدم وجه دلالة لام الجحود على مبالغة النفي عند قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} تفسير : الآية في سورة آل عمران (79). والمعنى: فاستمر عدم إيمانهم وتمكّن منهم الكفر في حين كان الشأن أن يقلعوا عنه. و{ما كذبوا} موصول وصلته وحُذف العائد المجرور على طريقة حذف أمثاله إذا جر الموصول بمثل الحرف المحذوف، ولا يشترط اتحاد متعلقي الحرفين على ما ذهب إليه المحققون منهم الرضي كما في هذه الآية. وما صْدَقُ (ما) الموصولة: ما يدل عليه {كذبوا}، أي: فما كانوا ليؤمنوا بشيء كذبوا به من قبل مما دُعوا إلى الإيمان به من التوحيد والبعث. وشأن (ما) الموصولة أن يراد بها غير العاقل، فلا يكون ما صْدقُ (ما) هنا الرسل، بل ما جاءت به الرسل، فلذلك كان فعل {كذبوا} هنا مقدراً متعلّقهُ لفظُ (به) كما هو الفرق بين كذّبه وكذّب به، قال تعالى: {أية : فكذّبوه فأنجيناه} تفسير : [الأعراف: 64] وقال: {أية : وكذّب به قومُك وهو الحق} تفسير : [الأنعام: 66] وحُذف المتعلق هنا إيجازاً، لأنه قد سبق ذكر تكذيب أهل القرى، ابتداء من قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا في قرية من بني إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون} تفسير : [الأعراف: 94] وقد سبق في ذلك قوله: {أية : ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}تفسير : [الأعراف: 96] ولهذا لم يحذف متعلق فعل {كذبوا} في نظير هذه الآية من سورة يونس. والمعنى: ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بَدَرَ منهم التكذيب به في ابتداء الدعوة، فالمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء {قبلُ} على الضم تقديره: من قبللِ مجيء البينات. وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب، وهو استعمال كثير، وسيُخرج المؤمنون منهم بقوله: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}. ومعنى قوله: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} مثلَ ذلك الطبع العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر، والمؤذن به فعل {يطبع}، وقد تقدم نظائره غير مرة، منها عند قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} تفسير : في سورة البقرة (143). وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى: {أية : بل طبع الله عليها بكفرهم} تفسير : في سورة النساء (155). وإظهار المسند إليه في جملة {يطبع الله} دون الإضمار: لما في إسناد الطبع إلى الاسم العلم من صراحة التنبيه على أنه طبع رهيب لا يغادر للهدى منفذاً إلى قلوبهم كقوله تعالى: {أية : هذا خلق الله} تفسير : [لقمان: 11] دون أن يقول: هذا خلقي، ولهذا اختير له الفعل المضارع الدال على استمرار الختم وتجدده. والقلوب: العقول، والقلب، في لسان العرب: من أسماء العقل، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : في سورة البقرة (7). والتعريف في {الكافرين} تعريف الجنس، مفيد للاستغراق، أي: جميع الكافرين ممن ذكر وغيرهم. وفي قوله: {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} إلى آخر الآية، تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه هو سنّة الرسل السابقين، وأن ذلك ليس لتقصير منه، ولا لضعف آياته، ولكنه للختم على قلوب كثير من قومه. وعطفت جملة: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} على جملة: {ولقد جاءتهم رسلهم} وما رتب عليها من قوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} تنبيهاً على رسوخ الكفر من نفوسهم بحيث لم يقلعه منهم لا ما شاهدوه من البينات، ولا ما وضعه الله في فطرة الإنسان من اعتقاد وجود إلٰه واحد وتصديق الرسل الداعين إليه، ولا الوفاءُ بما عاهدوا عليه الرسل عند الدعوة: إنهم إن أتوهم بالبينات يؤمنون بها. والوجدان في الموضعين مجاز في العلم، فصار من أفعال القلوب، ونفيه في الأول كناية عن انتفاء العهد بالمعنى المقصود، أي: وفائه، لأنه لو كان موجوداً لعَلمه مَنْ شأنه أن يعلمَه ويبحث عنه عند طلب الوفاء به، لا سيما والمتكلم هو الذي لا تخفى عليه خافية كقوله: {أية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} تفسير : [الأنعام: 145] الآية، أي لا محرم إلاّ ما ذكر، فمعنى {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} ما لأكثرهم عهد. والعهدُ: الالتزامُ والوعدُ المؤكّدُ وقوعُه، والمُوَثّقُ بما يمنع من إخلافه: من يمين، أو ضمان، أو خشية مسبة، وهو مشتق من عَهِد الشيء بمعنى عَرفه، لأن الوعد المؤكد يعرفه ملتزمه ويحرص أن لا ينساه. ويسمى إيقاع ما التزمه الملتزم من عهده الوفاءَ بالعهد، فالعهد هنا يجوز أن يراد به الوعد الذي حققَه الأممُ لرسلهم مثل قولهم: فأننا بآية إن كنت من الصادقين، فإن معنى ذلك: إن أتيتنا بآية صدقناك. ويجوز أن يراد به وعد وثقه أسلاف الأمم من عهد آدم أن لا يعبدوا إلاّ الله وهو المذكور في قوله تعالى: {أية : ألَمْ أعْهَدْ إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان}تفسير : [يس: 60] الآية، فكان لازماً لأعقابهم. ويجوز أن يراد به ما وعَدت به أرواح البشر خالقها في الأزل المحكيُ في قوله تعالى: {أية : وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريّاتهم وأشهدهم على أنفسهم ألسّتُ بربّكم قالوا بلى شهدنا} تفسير : [الأعراف: 172] الآية. وهو عبارة عن خلق الله فطرة البشرية معتقدة وجود خالقها ووحدانيتَه، ثم حرفتها النزعات الوثنية والضلالات الشيطانية. ووقوع اسم هذا الجنس في سياق النفي يقتضي انتفاءه بجميع المعاني الصادق هو عليها. ومعنى انتفاء وجدانه. هو انتفاء الوفاء به، لأن أصل الوعد ثابت موجود، ولكنه لما كان تحققه لا يظهر إلاّ في المستقبل، وهو الوفاء، جعل انتفاء الوفاء بمنزلة انتفاء الوقوع، والمعنى على تقدير مضاف، أي: ما وجدنا لأكثرهم من وفاء عهد. وإنما عدّي عدم وجدان الوفاء بالعهد في {أكثرهم} للإشارة إلى إخراج مؤمني كل أمة من هذا الذم، والمراد بأكثرهم، أكثر كل أمة منهم، لا أمة واحدة قليلة من بين جميع الأمم. وقوله: {وإنْ وجدْنا أكثرهم لفَاسقين} إخبار بأن عدم الوفاء بالعهد من أكثرهم كان منهم عن عمد ونكث، ولكون ذلك معنى زائداً على ما في الجملة التي قبلها عطفت ولم تجعل تأكيداً للتي قبلها أو بياناً، لأن الفسق هو عصيان الأمر، وذلك أنهم كذبوا فيما وعدوا عن قصد للكفر. و(إنْ) مخففة من الثقيلة، وبعدها مبتدأ محذوف هو ضمير الشأن، والجملة خبر عنه تنويهاً بشأن هذا الخبر ليعلمه السامعون. واللام الداخلة في خبر {وجدنا} لام ابتداء، باعتبار كون ذلك الخبر خبراً من جملة هي خبر عن الاسم الواقع بعد (إنْ)، وجلبت اللام للتفرقة بين المخففة والنافية. وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى: {أية : وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} تفسير : [آل عمران: 164]. وأسند حكم النكث إلى أكثر أهل القرى، تبيناً لكون ضمير {فما كانوا ليؤمنوا} جرى على التغليب، ولعل نكتة هذا التصريح في خصوص هذا الحكم أنه حكم مذمة ومسبة، فناسبت محاشاة من لم تلتصق به تلك المسبة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} الآية. ذكر أنباءهم مفصلة في مواضع كثيرة. كالآيات التي ذكر فيها خبر نوح وهود، وصالح ولوط، وشعيب وغيرهم، مع أممهم صلوات الله وسلامه عليهم. قوله تعالى: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} الآية. في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه من التفسير: بعضها يشهد له القرآن. منها: أن المعنى فما كانوا ليؤمنوا بما سبق في علم الله يوم أخذ الميثاق أنهم يكذبون به، ولم يؤمنوا به، لاستحالة التغير فيما سبق به العلم الأزلي، ويروى هذا عن أبي بن كعب وأنس، واختاره ابن جرير، ويدل لهذا الوجه لآيات كثيرة كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 96] الآية، وقوله: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101] ونحو ذلك من الآيات. ومنها: أن المعنى الآية أنهم أخذ عليهم الميثاق، فآمنوا كرهاً، فما كانوا ليؤمنوا بعد ذلك طوعاً. ويروى هذا عن السدي وهو راجع في المعنى إلى الأول. ومنها: أن معنى الآية أنهم لو ردوا إلى الدنيا مرة لكفروا أيضاً، فما كان ليؤمنوا في الرد إلى الدنيا بما كذبوا به من قبل أي في المرة الأولى. ويروى هذا عن مجاهد. ويدل لمعنى هذا القول قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام: 28] الآية. لكنه بعيد من ظاهر الآية. ومنها: أن معنى الآية. فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، وهذا القول حكاه ابن عطية، واستحسنه ابن كثير، وهو من أقرب الأقوال لظاهر الآية الكريمة. ووجهه ظاهر، لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة. كقوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155]، وقوله: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]، وقوله: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10]، وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [المنافقون: 3] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد تكون فيها أوجه من التفسير كلها يشهد له قرآن، وكلها حق. فنذكر جميعها - والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: تلك القرى: الإِشارة إلى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. من أنبائها: أي من أخبارها. بالبينات: بالحجج والبراهين الدالة على توحيد الله وصدق رسله. من قبل: أي من قبل خلقهم ووجودهم، إذ علم الله تعالى تكذيبهم فكتبه عليهم في كتاب المقادير. وما وجدنا لأكثرهم من عهد: أي لم نجد لأكثرهم وفاء بعهودهم التي أخذت عليهم يوم أخذ الميثاق. معنى الآيتين: يخاطب الرب تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم قائلا {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} أي من أخبارها مع أنبيائها كيف دعتهم رسلهم إلى الإِيمان والتوحيد والطاعة، وكيف ردت تلك الأمم دعوة الله واستكبرت على عبادته، وكيف كان حكمنا فيهم لعل قومك يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا. وقوله تعالى {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ} أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم، وما جاءتهم به رسلهم من أمر ونهي من ربهم. وقوله {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} أي لم يكن أولئك الهالكون من أهل القرى ليؤمنوا بما كذبوا به في علم الله وقدره إذ علم الله أنهم لا يؤمنون فكتب ذلك عليهم فلذا هم لا يؤمنون، وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ} أي كما كتب على الهالكين من أهل القرى أنهم لا يؤمنون ولم يؤمنوا فعلاً فأهلكهم، يطبع كذلك على قلوب الكافرين فلا يؤمنون حتى يأخذهم العذاب وهم ظالمون بكفرهم. وهذا الحكم الإِلهي قائم على مبدأ أن الله علم من كل إنسان قبل خلقه ما يرغب فيه وما يؤثره على غيره ويعمله باختياره وإرادته فكتب ذلك عليه فهو عند خروجه إلى الدنيا لا يعمل إلا به. ليصل إلى ما كتب عليه، وقدر له أزلاً قبل خلق السماوات والأرض، وقوله تعالى {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أي لم نجد لتلك الأمم التي أهلكنا وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. لم نجد لأكثرهم وفاء بعهدهم الذي أخذناه عليهم قبل خلقهم من الإِيمان بنا وعبادتنا وطاعتنا وطاعة رسلنا، وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين عن أمرنا خارجين عن طاعتنا وطاعة رسلنا، وكذلك أحللنا بهم نقمتنا وأنزلنا بهم عذابنا فأهلكناهم أجمعين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تقرير الوحي الإِلهي وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ما قُصَّ من أنباء الأولين لا يُتَلَقَّى إلا بوحي إلهي ولا يتلقى عن الله تعالى إلا رسول أعِدَّ لذلك. 2- وجود البينات مهما كانت قوية واضحة غير كاف في إيمان من لم يشأ الله هدايته. 3- المؤمن من آمن في الأزل، والكافر من كفر فيه. 4- الطبع على قلوب الكافرين سببه اختيارهم للكفر والشر والفساد وإصرارهم على ذلك كيفما كانت الحال.
القطان
تفسير : يطبع الله على قلوب الكافرين: يختمها ويقفلها. العهد: الوصية والميثاق. الفسوق: الخروج عن كل عهد، وعصيان اوامر الله. هذا الخطاب موجه الى النبي صلى الله عليه وسلم تسليةً وتثبيتاً له على الصبر في دعوته، وذلك عن طريق تذكيره بما في قصص أولئك الرسُل مع اقوامهم من العِبر والمواعظ، وبيان ان ما يلاقيه هو مِنْ قومه من ضروب العناد والإيذاء ليس بِدعاً. تلك القرى التي بعُد عهدها وجَهِل قومُك حقيقة حالها، نقصّ عليك الآن بعض أخبارها. لقد جاء أهلَ تلك القرى رسلُهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم، فلم يؤمنوا بها.. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ}. هكذا جعل الله حجابا على قلوب الكافرين وعقولهم فيخفَى عليهم طريق الحق وينأون عنه. إننا لم نجد لأكثرِ أولئك الاقوام وَفَاءً بِمَا أوصيناهم به من الايمان، على لسان الرسل، بل وجدنا اكثرهم خارجين على كل عهد، فطريّ وشرعي، فهم ناكثون غادرون. وفي التعبير بـ "اكثرهم" إيماءٌ الى ان بعضهم قد آمن. وهذا من دأب القرآن الكريم في تحقيق الحقائق على وجه الصدق، فهو لا يسلب احداً حقه، ولا يعطيه حق غيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنبَآئِهَا} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {ٱلْكَافِرِينَ} (101) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ قَصَّ عَلَيهِ أَخبَارَ القُرى البَائِدَةِ التِي كَذَّبَ أَهْلُها الرُّسُلَ حِينَمَا جَاؤُوهُمْ بِالبَيِّنَاتِ، وَالحُجَجِ الدَّالَةِ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِمْ، وَلكِنَّ هؤُلاءِ الأَقْوَامَ لَمْ يُؤْمِنُوا حِينَمَا جَاءَهُمُ الرُّسُلُ بِمَا سَأَلُوهُ مِنَ البَرَاهِينِ وَالحُجَجِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ المُكَذِّبِينَ عِنَاداً وَاسْتِكْبَاراً أَوْ تَقْلِيداً، أَنْ يَرْجِعُوا إِلى الحَقِّ، وَيُؤْمِنُوا بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، بَعْدَ أَنْ سَبَقَ لَهُمُ التَّكْذِيبُ بِهَا، حِينَمَا جَاءَتْهُمُ الدَّعْوَةُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهَكَذَا يَطْبَعُ اللهُ وَيَخْتِمُ عَلَى قُلوبِ الكَافِرينَ فَلا تَتَفَتَّحُ لِلإِيمَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا هو المراد في سرد القصص بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوضحه الحق في موضع آخر من القرآن فقال: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...} تفسير : [هود: 120] فإذا ما حدث لك من أمتك وقومك شيء من العناد والإِصرار والمكابرة فاعلم أنك لست بدعاً من الرسل؛ لأن كل رسول قد قابلته هذه الموجة الإِلحادية من القوم الذين خاطبهم. وإذا كان رسول يأخذ حظه من البلاء بقدر ما في رسالته من العلو فلابد أن تأخذ أنت ابتلاءات تساوي ابتلاءات الرسل جميعاً. {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] والطبع - كما قلنا - هو الختم؛ لأن قلوبهم ممتلئة بالضلال؛ لذلك يعلنون التكذيب للرسول. وقد طبع الله على قلوبهم لا قهراً منه، ولكن لاستبطان الكفر وإخفائه في قلوبهم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ومما يؤكد هذه المعاني قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} [الأعراف: 101]؛ أي: القرى التي أهلكنا أهلها، {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} [الأعراف: 101] عند مجيء الرسل وإظهار المعجزات، {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} [الأعراف: 101] إيصال أرواحهم بالقالب يوم الميثاق؛ إذ قال الله تعالى لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] وهم ذُرِّيَّات ي صورة ذرة، {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] أقروا بالربوبية كلهم، ولكن كان من أركان الإيمان: إقرار باللسان وتصديق بالجنان، فوجدا في حق المؤمنين منهم، ووجد الإقرار دون التصديق في حق الكافرين منهم بأن الله قد طبع قلوبهم عند استماع الخطاب ورد الجواب. ثم قال تعالى: {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ} [الأعراف: 101]؛ أي: كما طبع على قلوب الكافرين اليوم طبع على قلوب الذريات يوم الميثاق حتى أقروا بلا تصديق القلب من نتائجه، فما كانوا ليؤمنوا اليوم بما كذبوا من قبل، ثم قال تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} [الأعراف: 102]، يشير إلى أن أكثرهم كان مما طبع الله على قلوبهم يوم الميثاق فما وفوا بما عاهدوا عليه. {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102]؛ أي: وما وجدنا أكثر هؤلاء إلا خارجين عن الإسلام والوفاء بالعهود. ثم أخبر عن قوم موسى عليه السلام وأنهم ساروا بسيرتهم بقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} [الأعراف: 103] إلى قوله: {أية : رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الأعراف: 122] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} إشارة إلى أن الأغلب أهل كل زمان وقرن، أكثرهم غافلون عن الدين وحقائق مستغرقون في بحر الدنيا، مستهلكون في أودية الشهوات واللذات النفسانية الحيوانية {أية : ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}تفسير : [النور: 40]، وإن الله من كمال رأفته ورحمته على خلقه يبعث عند انصرام كل قرن وانقراض كل هدم نبياً بعد نبي، كما يخلف قوماً بعد قوم وقرناً بعد قرن ويظهر المعجزات على ذلك النبي؛ ليخرجهم بظهور نور المعجزات من ظلمات الطبيعة إلى نور الحقيقة، فبعث موسى نبيه عليه السلام، وختم إليه هارون عليه السلام صفية إلى فرعون وأيد معه الآيات والمعجزات. {فَظَلَمُواْ بِهَا} [الأعراف: 103] أي: ظلموا على المعجزات بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها، {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بركونهم إلى الدنيا وشهواتها، {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 104] يعني: رسولاً من رسله الذي أرسلهم من مكارم ربوبيته إلى عالم كل زمان، {حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} [الأعراف: 105]؛ لأن الرسول ما ينطق عن الهوى إلا بوحي حق يوحى من الحق، فالناطق بالحق قائم بحقائق الجميع، فانٍ عن الخلق وآثار التفرقة، {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 105] بحجة قائمة من اليد والعصا، {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 105] لأهديهم إلى صراط مستقيم، وأنجيهم من عذاب أليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):