٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
100
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال مجملاً ومفصلاً أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف القراء فقرأ بعضهم {أَوَلَمْ يَهْدِ } بالياء المعجمة من تحتها، وبعضهم بالنون، قال الزجاج: إذا قرىء بالياء المعجمة من تحت كان قوله: {أَن لَّوْ نَشَاءُ} مرفوعاً بأنه فاعله بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين، إذا قرىء بالنون فهو منصوب، كأنه قيل أولم نهد للوارثين هذا الشأن بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشاً أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم؟ المسألة الثانية: المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، أي عقاب ذنوبهم، وقوله: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } أي لا يقبلون، ولا يتعظون، ولا ينزجرون وإنما قلنا: إن المراد إما الإهلاك وإما الطبع على القلب، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه. المسألة الثالثة: استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان بقوله: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة. قال الجبائي: المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان. وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 6]. واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مراراً كثيرة فلا فائدة في الإعادة. المسألة الرابعة: قوله: {وَنَطْبَعُ } هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ما قبله. فيه قولان: القول الأول: أنه منقطع عن الذي قبله، لأن قوله: {أصبنا} ماض وقوله: { وَنَطْبَعُ } مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن، بل هو منقطع عما قبله، والتقدير: ونحن نطبع على قلوبهم. والقول الثاني: أنه معطوف على ما قبله قال صاحب «الكشاف»: هو معطوف على ما دل عليه معنى {أَوَ لَمْ يَهْدِ } كأنه قيل يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم أو معطوف على قوله: {يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ } ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على {أَصَبْنَـٰهُمْ } لأنهم كانوا كفاراً وكل كافر فهو مطبوع على قلبه، فقوله بعد ذلك: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } يجري مجرى تحصيل الحاصل وهو محال، هذا تقرير قول صاحب «الكشاف» على أقوى الوجوه وهو ضعيف، لأن كونه مطبوعاً عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه، فهو يكفر أولاً، ثم يصير مطبوعاً عليه في الكفر، فلم يكن هذا منافياً لصحة العطف. ثم قال تعالى: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } قوله: {تِلْكَ } مبتدأ {والقرى} صفة و {نَقُصُّ عَلَيْكَ } خبر، والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق، وهم: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت. وأما أخبار غير هؤلاء الأقوام، فلم نقصها عليك، وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها الله تعالى تنبيهاً لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال. ثم عزاه الله تعالى بقوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } يريد الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وقوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } فيه قولان: الأول: قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم، فآمنوا كرهاً، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب. الثاني: قال الزجاج: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات. الثالث: ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم، ونظيره قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأَنعام: 28] الرابع: قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضاً. الخامس: ليؤمنوا في الزمان المستقبل. ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال الزجاج: والكاف في {كَذٰلِكَ } نصب، والمعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبداً والله أعلم بحقائق الأمور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَوَلَمْ يَهْدِ} أي يُبيِّن. {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} يريد كفار مكة ومن حولهم. {أَصَبْنَاهُمْ} أي أخذناهم {بِذُنُوبِهِمْ} أي بكفرهم وتكذيبهم. {وَنَطْبَعُ} أي ونحن نطبع؛ فهو مستأنف. وقيل: هو معطوف على أصبنا، أي نصيبهم ونطبع؛ فوقع الماضي موقع المستقبل.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ} أو لم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وكذا قال مجاهد وغيره، وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها: يقول تعالى: أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} يقول: ونختم على قلوبهم {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} موعظة ولا تذكيراً (قلت): وهكذا قال تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ} تفسير : [طه: 128] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} تفسير : [السجدة: 26] وقال: {أية : أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [إبراهيم:44-45] الآية، وقال تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} تفسير : [مريم: 98] أي: هل ترى لهم شخصاً، أو تسمع لهم صوتاً؟. وقال تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} تفسير : [الأنعام:6] وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد: {أية : فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ ٱلْمُجْرِمِينَ وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأحقاف: 25-27]. وقال تعالى: {أية : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} تفسير : [سبأ: 45] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ } تفسير : [الملك: 18] وقال تعالى: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج:45-46] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [الأنعام: 10] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب بقوله، وهو أصدق القائلين ورب العالمين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ } يتبيَّن {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ } بالسكنى {مِن بَعْدِ } هلاك {أَهْلِهآ أَن } فاعل مخففة، واسمها محذوف: أي إنه {لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُمْ } بالعذاب {بِذُنُوبِهِمْ } كما أصبنا من قبلهم. والهمزة في المواضع الأربعة للتوبيخ، والفاء والواو الداخلة عليهما للعطف، وفي قراءة بسكون الواو في الموضع الأوّل عطفا «بأو» {وَ} نحن { نَطْبَعُ } نختم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } الموعظة سماع تدبُّر.
الماوردي
تفسير : وفي قوله تعالى: {فَهُم لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا يقبلون، كما قال في الصلاة، سمع الله لمن حمده، أي قبل الله ممن حمده، وقال الشاعر: شعر : دَعَوْتُ اللَّهَ حَتَّى خِفْتُ أَلاَّ يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ تفسير : أي يقبل.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا يَسْمَعُونَ} لا يقبلون، ومنه سمع الله لمن حمده.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ} يريدُ كبراء مكَّةَ. قرأ الجمهور: "يَهْد" بالياء من تحت، وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّهُ المصدرُ المؤوَّلُ من "أن" وما في حيِّزها، والمفعول محذوفٌ، والتقديرُ: أو لم يهد أي يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم، وإصابتنا إيَّاهُم بذنُوبِهم لو شئنا ذلك، فقد سبكنا المصدر من "أنْ" ومن جواب لو. والثاني: أنَّ الفاعل هو ضميرُ الله تعالى، أي: أو لم يبيِّن الله ويُؤيِّدُه قراءةُ من قرأ "نَهْدِ" بالنون. الثالث: أنَّهُ ضمير عائدٌ على ما يفهم من سياق الكلام، أي: أو لم يهد ما جرى للأمم السَّالِفَةِ كقولهم: إذَا كَانَ غَداً فأتني أي: إذا كان ما بيني وبينكَ مما دلَّ عليه السِّياق. وعلى هذين الوجهين، فـ "أنْ" وما في حيِّزها بتأويلِ مصدر كما تقدَّم في محلِّ المفعُولِ والتَّقديرُ: أو لم يبين ويوضِّح الله أو ما جرى لأمم إصابتنا إيَّاهُم بذنوبهم أي: بعقاب ذُنُوبِهِم لو شئنا ذلك. وقرأ مُجاهدٌ وقتادةُ ويعقوبُ: "نَهْدِ" بنون العَظَمَة و "أنْ" مفعولٌ فقط، و "أنْ" هي المخفَّفةُ من الثَّقيلة و "لَوْ" فاصلةٌ بينها وبين الفِعْلِ، وقد تقدَّم أنَّ الفصل بها قليل. و "نَشَاءُ" وإن كان مُضَارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنى؛ لأنَّ "لو" الامتناعية تخلِّصُ المضارع للمُضِيِّ. وفي كلام ابن الأنْبَاريِّ خلافه، فإنَّهُ قال في "ونَطْبَعُ": هذا فعل مستأنفٌ ومنقطعٌ مما قبله؛ لأنَّ قوله: "أصَبْنَا" ماضٍ و "نَطْبع" مستقبل ثم قال: ويجوزُ أن يكون معطوفاً على "أصَبْنَا" إذ كان بمعنى نُصِيبُ، والمعنى: "لو يَشَاءُ يصيبهم ويطبع"، فوضع الماضي موضعَ المستقبلِ عند وضوح معنى الاستقبال كقوله تعالى: {أية : إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ}تفسير : [الفرقان: 10] [أي:] يجعلُ، بدليل قوله: "ويَجْعَل لَكَ"، وهذا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ في أن "لَوْ" هذه لا تخلِّصُ المضارع للمضيّ، وتنظيره بالآية الأخْرَى مُقَوٍّ له أيضاً، وسيأتي تحقيقُ ذلك عند قوله: "ونَطْبَعُ" وقال الفرَّاءُ: وجاز أنْ تَرُدَّ "يَفْعل" [على فَعَلَ] في جواب "لو" كقوله: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ}تفسير : [يونس: 11] فقوله: "فَنَذَرُ" مردود على "لقضى"، وهذا قولُ الجمهور، ومفعول "يَشَاءُ" محذوف لدلالةِ جواب "لو" عليه، والتَّقديرُ: لو يشاء تعذيبهم، أو الانتقام منهم. وأتى جوابها بغير لام، وإن كان مبنيّاً على أحد الجائزين وإن كان الأكثر خلافه، كقوله تعالى: {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}تفسير : [الواقعة: 70]. قوله: "ونَطْبَعُ" في هذه الجملة أوْجُهٌ: أحدها: أنَّهَا نسقٌ على "أصَبْنَاهم" وجاز عطف المضارع على الماضي؛ لأنَّهُ بمعناه، وقد تقدَّم أنَّ "لو" تخلِّص المضارع للمُضِيِّ، ولما حكى أبُو حيَّان كلام ابن الأنْبَارِيّ المتقدم قال: "فَجَعل "لو" شرطيّةً بمعنى "إنْ" ولم يجعلها التي هي لِما كان سيقعُ لوقوع غيره، ولذلِكَ جعل "أصَبْنَا" بمعنى نُصِيبُ. ومثال وقوع "لو" بمعنى "إن" قوله: [الكامل] شعر : 2533 - لا يُلْفِكَ الرَّاجِيكَ إلاَّ مُظْهِراً خُلُقَ الكِرَامِ ولَوْ تكُونُ عَدِيمَا تفسير : وهذا الذي قاله ابن الأنباريّ ردَّهُ الزَّمخشريُّ من حيث المعنى، لكن بتقدير: أن يكون "ونَطْبَعُ" بمعنى "طَبْعَنا" فيكون قد عطف المضارع على المَاضِي لكَوْنِهِ بمعنى الماضي وابن الأنباري جعل التَّأويل في "أصَبْنَا" الذي هو جواب "لو نَشَاءُ" فجعله بمعنى "نُصِيبُ" فتأوَّلَ المعطوف عليه وهو الجوابُ، وردَّهُ إلى المستقبل، والزمخشريُّ تأوَّلَ المعطوف وردَّهُ إلى المضي وأنتج ردُّ الزَّمخشري أنَّ كلا التقديرين لا يصحُّ". قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: هل يجوزُ أن يكون "وَنَطْبَعُ" بمعنى "طَبَعْنَا" كما كان "لَوْ نَشَاءُ" بمعنى "لَوْ شِئْنَا" ويعطف على "أصَبْنَاهُم"؟ قلت: لا يساعدُ على المعنى؛ لأنَّ القَوْمَ كانوا مطبوعاً على قلوبهم، موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذُّنوب والإصابةِ بها، وهذا التَّفسيرُ يؤدِّي إلى خلوِّهِم من هذه الصِّفةِ، وأن الله لو شاء لاتَّصَفُوا بها". قال أبو حيَّان: "وهذا الرَّدُّ ظَاهِرُ الصِّحَّةِ، وملخصهُ: أن المعطوفَ على الجوابِ جوابٌ، سواءٌ تأوَّلْنَا المعطوف عليه أم المعطوف، وجواب "لو" لم يقع بَعْدُ، سواءً كانت حرفاً لما كان سيقعُ لوقوع غيره أمْ بمعنى "إن" الشَّرطية، والإصابة لم تقع، والطَّبْعُ على القلوب واقعٌ، فلا يَصِحُّ أن تعطف على الجوابِ. فإن تؤوِّل "ونُطِبعُ" على معنى: ونستمرُّ على الطَّبْعِ على قلوبهم، أمكن التَّعاطف؛ لأنَّ الاستمرار لم يقع بعدُ، وإن كان الطَّبْعُ قد وقع". قال شهابُ الدِّين: "فهذا الوجه الأوَّلُ ممتنعٌ لما ذكره الزَّمخشريّ". ونقل ابنُ الخطيبِ عن الزَّمَخْشَري أنَّهُ قال: "ولا يجوز أن يكون معطوفاً على "أصَبْنَاهُمْ"؛ لأنَّهُم كانوا كُفَّاراً، إذْ كل كَافِرِ فهو مَطْبُوعٌ على قلبه، فقوله بعد ذلك: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} يَجْرِي مَجْرَى تحصيل الحاصلِ وهو مُحَالٌ". قال ابن الخطيب: "وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّ كونه مطبوعاً عليه في الكفر لم يكن هذا منافياً لصِحَّةِ العطفِ". الوجه الثاني: أن يكون "نَطْبَعُ" مستأنفاً، ومنقطعاً عمَّا قبله فهو في نيَّةِ خبر مبتدأ مَحْذُوفٍ أي: ونحن نَطْبَعُ. وهذا اختيار الزَّجَّاج والزمخشري وجماعة. الثالث: أن يكون معطوفاً على "يَرثُونَ الأرْضَ" قاله الزَّمَخْشَرِيُّ. قال أبو حيَّان: "وهو خطأٌ؛ لأنَّ المعطوف على الصِّلةِ صلةٌ، و "يَرِثُونَ" صلة لـ "الَّذِين"؛ فَيَلْزَمُ الفصلُ بين أبعاض الصِّلة بأجنبي، فإن قوله: {أَن لَّوْ نَشَآءُ} إمَّا فاعل لـ "يهد" أو مفعوله كما تقدم وعلى كلا التقديريْنِ فلا تعلق له بشيء من الصِّلة، وهو أجنبيٌّ منها، فلا يفصل به بين أبعاضها، وهذا الوجْهُ مؤدٍّ إلى ذلك فهو خطأ". الرابع: أن يكون معطوفاً على ما دَلَّ عليه معنى {أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ} كأنَّهُ قيل: يغفلون عن الهداية، ونَطْبَعُ على قُلُوبِهِم قاله الزَّمخشريُّ أيضاً. قال أبو حيَّان: وهو ضعيف؛ لأنَّه إضمار لا يحتاج إليه، إذْ قد صحَّ عطفه على الاستِئْنَافِ من باب العطفِ على الجُمَلِ، فهو معطوف على مَجْمُوع الجملة المصدَّرة بأداة الاستفهام، وقد قاله الزَّمخْشَرِيُّ وغيره. وقوله: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أتى بـ "الفاء" هنا إيذاناً بتعقيب عدم سماعهم على أثَرِ الطَّبْع على قلوبهم. فصل في بيان أنه تعالى قد يمنع العبد من الإيمان استدل أهل السُّنَّةِ بقوله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} على أنَّهُ تعالى قد يمنع البعدَ من الإيمانِ، والطَّبعُ والختم والرَّيْنُ والغشاوةُ والصدُّ والمنع واحد على ما تقدَّم. قال الجبائِيُّ: المرادُ من هذا الطبع أنَّهُ تعالى يسمُ قلوب الكفَّارِ بسماتٍ وعلامات تعرف الملائكة بها أنَّ صاحبها لا يؤمن، وتلك العلامةُ غير مانعة من الإيمان. وقال الكعبيُّ: إنَّمَا أضاف الطَّبْعَ إلى نفسه، لأجْلِ أنَّ القومَ إنَّما صاروا إلى ذلك الكُفْرِ عند أمره وامتحانه، فهو كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً}تفسير : [نوح: 6] وقد تقدَّم البَحْثُ في مثل ذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {أو لم يهد} قال: أو لم يبين . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عي مجاهد في قوله {أو لم يهد} قال: يبين . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {للذين يرثون الأرض من بعد أهلها} قال: المشركون .
القشيري
تفسير : أَوَ لا يعلم المغترون بطول سترنا أَنْ لو أردنا لعجَّلنا لهم الانتقام، أو بلغنا فيهم الاصطلام، ثم لا ينفعهم ندم، ولا يُشْكى عنهم ألم.
اسماعيل حقي
تفسير : {أو لم يهد للذين يرثون الارض من بعد اهلها} عدى فعل الهداية باللام لانها بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل قوله لو ان لو نشاء ومعنى يرثون الارض من بعد اهلها يخلفون من خلا قبلهم من الامم المهلكة ويرثون ديارهم والمراد بهم اهل مكة ومن حولها. والمعنى او لم يبين ويوضح لهم عاقبة امرهم ان سلكوا طريق اسلافهم {ان} مخففة اى ان الشأن {لو نشاء اصبناهم بذنوبهم} اى بجزاء ذنوبهم وسيآتهم او بسبب ذنوبهم كما اصبنا من قبلهم. قال سعدى جلبى المفتى ويجوز ان يضمن معنى اهلكناهم فلا حاجة الى تقدير المضاف {ونطبع على قلوبهم} عطف على ما يفهم من قوله تعالى {أو لم يهد} كأنه قيل لا يهتدون ونطبع على قلوبهم اى نختم عليها عقوبة لهم {فهم لا يسمعون} اى اخبار الامم المهلكة فضلا عن التدبر والنظر فيها والاغتنام بما فى تضاعيفها من الهدايات. قال الكاشفى [كوش دل أز استماع سخن حق فائده داردنه كوش آب وكل] شعر : اين سخن از كوش دل بايد شنود كوش كل اينجا ندارد هيج سود كوش سربا جمله حيوان همدم است كوش سر مخصوص نسل آدم است كوش سرجون جانب كوينده است كوش سر سهلت اكرا آكنده است
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أن لو نشاء}: "أن" مخففة، وهي وما بعدها: فاعل {يَهدِ} أي: أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك؟ وإنما عدى "يهدي" باللام؛ لأنه بمعنى يتبين، و {نطبع}: استئناف، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَ لم يهدِ} أي: يتبين {للذين يرثون الأرضَ من بعد أهلها} أي: يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، {أن لو نشاء أصبناهم} أي: أهلكناهم {بذنوبهم} بسبب ذنوبهم، كم أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، {و} نحن {نَطبَعُ على قلوبهم} بالغفلة والانهماك في العصيان، {فهم لا يسمعون} سماع تدبر واعتبار. {تلك القرى}، التي قصصنا عليك آنفًا، {نقصّ عليك من أنبائها} من أخبارها، أي: بعض أخبارها، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك {ولقد جاءتهم رسُلهم بالبينات}: بالمعجزات، {فما كانوا ليؤمنوا} عند مجيئهم، بها {بما كذَّبوا من قبل} مجيئها، يعني: أن ظهور المعجزات لم ينفعهم، بل الشي الذي كذبوا به قبل مجيئها، وهو التوحيد وتصديق الرسل؛ استمروا عليه بعد مجيئها. أو: {فما كانوا ليؤمنوا} مدة عمرهم بما كذبوا به أولاً، حيث جاءتهم الرسل، فلم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. {كذلك يطبعُ الله على قلوب الكافرين} فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. {وما وجدنا لأكثرهم} أي: لأكثر أهل القرى {من عهدٍ}، بل جُلُّهم نقضوا ما عَهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، {وإن وجدنا أكثرَهم} أي: علمناهم {لفاسقين}، و "إن" مخففة، واللام: فارقة. الإشارة: ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم؟ قَدِموا على ما قدَّموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفعهم الندم وقد زلت بهم القدم، فالدهر خطيب يُسمع القاصي والقريب، وهو ينادي بلسان فصيح، عادلاً عن الكتابة إلى التصريح، قائلاً: أمَا حَصلَ لكم الإنذار؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار؟ أين من سلف قبلكم؟. أوَ ما كانوا أشد منكم أو مثلكم؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم، فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرًا إلى القضاء وسلموا، فيا أيها الغافلون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الباقون؛ أنتم إليهم تساقون، قَضاءٌ مبرم، وحُكمٌ ملزم، ليس عند محيد لأحد من العبيد. ثم شرع في قصص موسى عليه السلام فقال: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ}.
الطوسي
تفسير : قيل في فاعل {يهد} من جهة الاعراب قولان: احدهما - انه مضمر كأنه قيل: أو لم يهد الله لهم، وقوِّي ذلك بقراءة من قرأ بالنون على ما ذكره الزجاج. الثاني - او لم يهد لهم مشيؤنا، لان {أن لو نشاء} في موضعه والتقدير أو لم يكن هاديا لهم استئصالنا لمن اهلكناه. وقيل في معنى الهداية - ها هنا - قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يهدي لهم يبين لهم. الثاني - أن الهداية الدلالة المؤدية الى البغية، والمعنى اوَلم نبين للذين متعناهم في الارض بعد إِهلاكنا من كان قبلهم فيها. وجعلنا آباءهم المالكين لها بعدهم، انا لو شئنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم وأهلكناهم بالعذاب كما أهلكنا الامم الماضية قبلهم. وقوله {للذين يرثون الأرض من بعد أهلها} فالارث ترك الماضي للباقي ما يصير له بعده، وحقيقة ذلك في الاعيان التي يصح فيها الانتقال، وقد استعمل على وجه المجاز في الاعراض، فقيل: العلماء ورثة الانبياء لانهم تعلموا منهم، وقاموا بما أدوه اليهم. وقوله {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} الاصابة ايقاع الشيء بالغرض المنصوب، وضده الخطأ وهو ايقاع الشيء بخلاف الغرض المطلوب. وقوله {ونطبع على قلوبهم} قيل في معنى الطبع - ها هنا - قولان: أحدهما - الحكم بأن المذموم كالممنوع من الايمان لا يفلح، وهو أبلغ الذم. الثاني - انه علامة وسمة في القلب من نكتة سوداء ان صاحبه لا يفلح تعرفه الملائكة. وحكي عن البكرية في تأويل هذه الآية ان معنى الآية لو نشاء طبعنا على قلوبهم، وانكر ابو علي ذلك، وقال: هذا غلط لان معنى قوله: اني لو شئت اصبتهم بعقاب ذنوبهم وأهلكتهم كما أهلكت الامم قبلهم بعقوبة ذنوبهم، فلا يجوز ان يعني اني لو شئت أهلكتهم فلا يتهيأ لهم ان يسمعوا بعد اهلاكهم، لان من المعلوم للعقلاء أجمع ان الموتى لا يسمعون، ولا يقبلون الايمان. وقوله {ونطبع على قلوبهم} انما هو استئناف وخبر منه أنه يفعل ذلك، ولم يرد أني لو شئت لطبعت لانه بين في هذه الآية وغيرها انه مطبع على قلوب الكافرين، كقوله {بل طبع الله عليها} يعني على القلوب {أية : بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا}تفسير : أي الا قليلا منهم، لان أهل الطبع قد يؤمن بعضهم، وهو خلاف قول الحسن، فان تأويله عنده الا ايمانا قليلا. وقال الزجاج: هو على الاستئناف، لانه لو كان محمولا على اصبنا لكان وجه الكلام ولطبعنا، وهو قول الفراء. وقوله {فهم لا يسمعون} أي لا يقبلون الايمان مع هدايتنا لهم وتخويفنا اياهم. وفائدة الآية الانكار على الجهال تركهم الاعتبار بمن مضى من الامم قبلهم، وانه قد طبع على قلوب من لا يفلح منهم عيبا، وذما لهم. وقال البلخي: شبه الله تعالى الكفر بالصدى الذي يركب المرآة والسيف لانه يذهب عن القلوب بحلاوة الايمان ونور الاسلام، كما يذهب الصدى بنور السيف، وصفاء المرآة، ولما صاروا عند امر الله لهم بالايمان الى الكفر جاز ان يضيف الطبع الى نفسه، كما قال {زادتهم رجسا إلى رجسهم} وان كانت السورة لم تزدهم ذلك.
الجنابذي
تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ} قرئ بالنّون وبالغيبة وعلى هذا القراءة فالفاعل ضمير المصدر اى الم يقع الهدى او ضمير أخذ المكذّبين بما كانوا يكسبون، او الفاعل قوله ان لو نشاء اصبناهم يعنى الم يهد قدرتنا على الاصابة ان شئنا، بمعنى علمهم بقدرتنا من ملاحظة حال الماضين {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} الّلام للتّقوية او لتضمين يهد معنى يبيّن اى الم يبيّن للّذين يرثون الارض {مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ} او من اهلاكنا اهل الارض {أَن لَّوْ نَشَآءُ} اى انّه لو نشاء وهو مفعولٌ ثانٍ ليهد او فاعلٌ كما ذكر {أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} كما سمعوا وشاهدوا من الماضين {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} عطف على اصبناهم او على الم يهد فانّ الاستفهام التّوبيحّى يقرّر ما بعده نفياً كان او اثباتاً كأنّه قيل: ما يهتدون الى طريق الآخرة والتّوحيد ونطبع او هو مستأنف بمعنى ولكن نطبع على قلوبهم {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} الخبر.
اطفيش
تفسير : {أو لَمْ} الهمزة للإنكار أو للتقرير والعطف على محذوف، أى أعموا ولم، أو أغفلوا ولم، أو على الاستفهام {يَهْد} تبيين {للَّذينَ يرثُون الأرْضَ} يعمرونها ويستخلفون فيها {مِنْ بَعْد أهْلها} وهم الذين كانوا قبلهم وماتوا، فكأنه قيل: من بعد هلاك أهلها. {أنْ} مخففة واسمها ضمير الشأن والمصدر مما بعدها فاعل يهدِ، وإنما عدى باللام وكان قاصرا لأنه كما علمت بمعنى يتبين، ويجوز أن يكون متعديا وفاعله ضمير الله، فيكون الالتفات فيما بعد أن والمصدر مفعول، أى أو لم يبين الله لهم أن الخ، ويؤيده قراءة بعضهم: أو لم نهد بالنون، وقيل: يهد أو نهد للذين الخ بمعنى يعلمهم أو نعلمهم، فيكون اللام صلة فى المفعول على هذا وهو ضعيف للمجىء باللام صلة، مع أنه لم يلحق العامل ضعف، ويجوز فيما يظهر أن يكون يهد بمعنى يحضر من حضر، فالمصدر فاعل، أو بمعنى يحضر من أحضر فالمصدر مفعول والفاعل ضمير الله، ونهد بالنون بمعنى نحضر من أحضر كذلك، وإن جعل يهد بمعنى ينته فاللام بمعنى إلى، والمصدر فاعل، وإن جعل نهد بالنون بمعنى ننه فاللام بمعنى إلى والمصدر مفعول. {لَو نَشاءُ أصَبْناهم بذُنُوبهم} خبر لأن المخففة، والمراد لو نشاء أهلكناهم بسبب ذنوبهم، أو منعنا عنهم سعة الرزق أبدا {ونَطْبع} نختم {على قُلُوبهم} وهذا مستأنف أو معطوف على يرثون، وعلى محذوف دل عليه أو لم يهد، أى يعقلون عن الهداية ونطبع لا معطوف على أصبناهم لاقتضائه أنه لم يطبع من حيث أن لو امتناعية، فجوابها ممتنع فكذا ما يعطف عليه مع أنه قد طبع وذلك فى الكفار، وإن فرضناه فى المؤمنين جاز العطف، والتزمنا انتقاء الطبع، أى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم وطبعنا على قلوبهم. وذكر أبو حاتم أن أبا عمرو قرأ: ونطبع على بإسكان العين الأولى تخفيفا وإدغاما فى الثانية، أو أسكن للجزم بلو حملا على أن الشرطية، وتضمينا لمعناها، وهذا إنما يتم بالعطف على أصبناهم كذا قيل، ويرده رفع المضارع بعدها فكيف تجزم محل الماضى مع بعده حتى يعطف عليه بالجزم {فَهُم لا يسْمعُون} تذكير إسماع تفهم للطبع على قلوبهم، وإن فرضنا الكلام فى المؤمنين فهو مستند على ممتنع، فهو ممتنع فيثبت السمع.
اطفيش
تفسير : {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلهَا} يخلفونهم فى ديارهم وغيرها وهم المشركون عموماً، أَو أَهل مكة ومن يليهم، واستعار للخلف يرث لتمكنهم تمكن الوارث بلا نزاع للميت، وضمن يهد معنى يبين ومفعوله محذوف تقديره الصراط المستقيم وفاعله ضمير ما ذكر، أَى ما جرى للأُمم، أَو فاعله ضمير الهدى أَو المصدر من جواب لو فى قوله {أَن} أَن الشأن {لَّو نَشَاءُ} إِصابتهم بذنوبهم {أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أَى أَو لم يهد أَى يبين للذين يرثون الأَرض من أَهلها صراطاً مستقيماً، أَو عاقبة سوء، إِصابتنا إياهم بذنوبهم، لو نشاء أَولا مفعول ليهد، أَى أَو لم يفعل الهداية لهم، أَو ضمن معنى اللازم، أَى أَو لم يتبين لهم أَنه لو نشاء، أَو فاعل يهد ضمير يعود إِلى الله، وأَن لو نشاء مفعول به على معنى: أَو لم يبين الله لهم أَن لو نشاء، على تقدير معطوف عليه بين الهمزة والعاطف، يقال: أَغفلوا، أَو لم يهد لهم، وإِن جعلنا فاعل يهد ضمير يعود إِلى الله، قدرنا أَخذلهم الله ولم يهد لهم أَى هداية عصمة {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} نربط عليها بالخذلان عطف على نخذلهم، أَو خذلانهم، أَو يغفلون عن الهداية أَو لا يهتدون، أَو عن التأَمل والتفكر، ونطبع، إِلا أَنه ليس كل كافر فى عنوان الطبع، بل يهدد بالطبع فلا يؤمن، إِلا أَن قوله {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} ينافى العطف، على أَصبنا لأَن معناه سماع تفهم، فهو يدل على أَنهم مطبوع على قلوبهم لأَن المراد استمرار هذه الحال، وذلك طبع، قال الله تعالى "أية : كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين" تفسير : [الأَعراف: 101] وقال: "أية : فما كانوا ليؤمنوا" تفسير : [الأَعراف: 101] وإِدامة الطبع تصلح عقاباً للكافرين، وليس العطف على أَصبناهم بمعنى نصيبهم لأَن الإصابة منفية بلو والطبع غير منفى بل ثابت، إِلا أَن يراد الطبع على القلب حتى لا تسمع الأذنان الأخبار، فهذا منفى فيجوز عطفه على أَصبنا، {فهم لا يسمعون} سماع نذير، فهذا منفى فيجوز عطفه على أَصبنا، {فهم لا يسمعون} سماع نذير، أَو لا يسمعون أَخبار الأُمم، ولا يتصدون لسماعها، ويهربون على سماعها.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} أي يخلفون من خلا قبلهم من الأمم، والمراد بهم كما روي عن السدي المشركون وفسروا بأهل مكة ومن حولها، وعليه لا يبعد أن يكون في الآية إقامة الظاهر مقام الضمير إذا كان المراد بأهل القرى سابقاً أهل مكة وما حولها، وتعدية فعل الهداية باللام لأنها كما روي عن ابن عباس ومجاهد بمعنى التبيين وهو على ما قيل: إما بطريق المجاز أو التضمين أو لتنزيله منزلة اللازم كأنه قيل: أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم. {أَن لَّوْ نَشَاءَ أَصَبْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم، وإذا ضمن أصبنا معنى أهلكنا لا يحتاج إلى تقدير مضاف. و {أَن} مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر وخبره الجملة الشرطية والمصدر المؤول فاعل {يَهْدِ} ومفعوله على احتمال التضمين محذوف أي أو لم يتبين لهم مآل أمرهم أو نحو ذلك. وجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى وأن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم مما قبل، أي أو لم يهد لهم ما جرى على الأمم السابقة. وقرأ عبد الرحمن السلمي وقتادة وروي عن مجاهد ويعقوب {نهد} بالنون فالمصدر حينئذ مفعول، ومن الناس من خص اعتبار التضمين أو المجاز بهذه القراءة واعتبار التنزيل منزلة اللازم بقراءة الياء، وفيه بحث. وقوله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} جملة معترضة تذييلية أي ونحن من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلب من لم نرد منه الإيمان حتى لا يتعظ بأحوال من قبله ولا يلتفت إلى الأدلة، ومن أراد من أهل القرى فيما تقدم أهل مكة جعله تأكيداً لما نعى عليهم من الغرة والأمن والخسران أي ونحن نطبع على قلوبهم فلذلك اقتفوا آثار من قبلهم ولم يعتبروا بالآيات وأمنوا من البيات لمستخلفيهم حذو النعل بالنعل. وجوز عطفه على مقدر دل عليه قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَهْدِ} وعطفه عليه أيضاً وهو وإن كان إنشاء إلا أن المقصود منه الإخبار بغفلتهم وعدم اهتدائهم أي لا يهتدون أو يغفلون عن الهداية أو عن التأمل والتفكر ونطبع الخ. وجوز أن يكون عطفاً على {يَرِثُونَ}، واعترض بأنه صلة والمعطوف على الصلة صلة ففيه الفصل بين أبعاض / الصلة بأجنبي وهو {أَن لَّوْ نَشَاء} سواء كانت فاعلاً أو مفعولاً، ونقل أبو حيان عن الأنباري أنه قال: ((يجوز أن يكون معطوفاً على (أصبنا) إذا كان بمعنى نصيب فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كما في قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذٰلِكَ } تفسير : [الفرقان: 10] أي إن يشأ، يدل عليه {أية : وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } تفسير : [الفرقان: 10] [انتهى] فجعل لو شرطية بمعنى إن ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره و [لذلك] جعل (أصبنا) بمعنى نصيب، وقد يرتكب التأويل في جانب المعطوف فيؤول {نَطْبَعُ} بطبعنا))، ورد الزمخشري هذا العطف بأنه ((لا يساعد عليه المعنى لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها وذلك يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها))، وتعقبه ابن المنير ((بأنه لا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع (ولا يضرهم أن) كانوا كفاراً أو مقترفين للذنوب فليس الطبع من لوازم الاقتراف البتة إذ هو التمادي على الكفر والإصرار والغلو في التصميم حتى يكون الموصوف به مأيوساً من قبوله للحق ولا يلزم أن يكون كل كافر بهذه المثابة بلى إن الكافر يهدد لتماديه على الكفر بأن يطبع الله تعالى على قلبه فلا يؤمن أبدا وهو مقتضى العطف على (أصبنا) فتكون الآية قد هددتهم بأمرين الإصابة بذنوبهم والطبع على قلوبهم والثاني أشد من الأول وهو أيضاً نوع من الإصابة بالذنوب والعقوبة عليها ولكنه أنكى أنواع العذاب وأبلغ صنوف العقاب، وكثيراً ما يعاقب الله تعالى على الذنب بالإيقاع في ذنب أكبر منه، وعلى الكفر بزيادة التصميم عليه والغلو فيه كما قال سبحانه: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }تفسير : [التوبة: 125] كما زادت المؤمنين إيماناً إلى إيمانهم وهذا النوع من الثواب والعقاب مناسب لما كان سبباً فيه وجزاء عليه فثواب الإيمان إيمان وثواب الكفر كفر، وإنما الزمخشري يحاذر من هذا الوجه دخول الطبع في مشيئة الله تعالى وذلك عنده محال لأنه بزعمه قبيح والله سبحانه عنه متعال))، وفي «التقريب» نحو ذلك فإنه نظر فيما ذكره الزمخشري بأن المذكور كونهم مذنبين دون الطبع وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا زدنا في طبعهم أو لأمناه. والحق كما قال غير واحد من المحققين أن منعه من هذا العطف ليس بناء على أنه لا يوافق رأيه فقط بل لأن النظم لا يقتضيه فإن قوله سبحانه {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي سماع تفهم واعتبار يدل على أنهم مطبوع على قلوبهم لأن المراد استمرار هذه الحال لا أنه داخل في حكم المشيئة لأن عدم السماع كان حاصلاً ولو كان كذلك لوجب أن يكون منفياً، وأيضاً التحقيق لا يناسب الغرض، و {أية : كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 101] ظاهر الدلالة على أن الوارثين والموروثين كل من أهل الطبع وكذا قوله سبحانه:{أية : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} تفسير : [الأعراف: 101] يدل على أن حالهم منافية للإيمان وأنه لا يجىء منه البتة وأيضاً إدامة الطبع أو زيادته لا يصلح عقوبة للكافرين بل قد يكون عقوبة ذنب المؤمن كما ورد في «الصحيح» وما يورد من الدغدغة على هذا مما لا يلتفت إليه.
ابن عاشور
تفسير : عطفت على جملة: {أية : أفأمن أهل القرى}تفسير : [الأعراف: 97] لاشتراك مضمون الجملتين في الاستفهام التعجيبي، فانتقُل عن التعجيب من حال الذين مضوا إلى التعجيب من حال الأمة الحاضرة، وهي الأمة العربية الذين ورثوا ديار الأمم الماضية فسكنوها: مثل أهل نَجْران، وأهل اليمن، ومن سكنوا ديار ثمود مثل بَليِّ، وكعب، والضجاغم، وبهراء، ومن سكنوا ديار مَدْين مثل جُهَيْنة، وجَرْم، وكذلك من صاروا قبائل عظيمة فنالوا السيادة على القبائل: مثل قُريش، وطَي، وتَميم، وهُذَيْل. فالموصول بمنزلة لام التعريف العهدي، وقد يقصد بالذين يرثون الأرض كل أمة خلفت أمة قبلها، فيشمل عاداً وثموداً، فقد قال لكلَ نبيّهم {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء}تفسير : [الأعراف: 74] الخ ولكن المشركين من العرب يومئذٍ مقصودون في هذا ابتداء. فالموصول بمنزلة لام الجنس. والاستفهام في قوله: {أو لم يهد} مستعمل في التعجيب. مثل الذي في قوله: {أية : أفأمن أهلُ القرى}تفسير : [الأعراف: 97] تعجيباً من شدة ضلالتهم إذ عدموا الاهتداء والاتعاظ بحال من قبلهم من الأمم، ونسوا أن الله قادر على استئصالهم إذا شاءه. والتعريف في الأرض تعريف الجنس، أي يرثون أي أرض كانت منازل لقوم قبلهم، وهذا إطلاق شائع في كلام العرب، يقولون هذه أرض طَيء، وفي حديث الجنازة «من أهل الأرض» أي من السكان القاطنين بأرضهم لا من المسلمين الفاتحين فالأرض بهذا المعنى اسم جنس صادق على شائع متعدد، فتعريفه تعريف الجنس، وبهذا الإطلاق جُمعت على أرضين، فالمعنى: أو لم يهد للذين يرثون أرضاً من بعد أهلها. والإرث: مصير مال الميت إلى من هو أولى به، ويطلق مجازاً على مماثلة الحي مَيتاً في صفات كانت له، من عزّأ وسيادة، كما فسر به قوله تعالى حكاية عن زكرياء {أية : فهب لي من لدنك ولياً يرثني}تفسير : [مريم: 5، 6] أي يخلفني في النبوءة، وقد يطلق على القَدْر المشترك بين المعنيين، وهو مطلقُ خلافةِ المُنْقَرَضضِ. وهو هنا محتمل للإطلاقين، لأنه إن أريد بالكلام أهل مكة فالإرث بمعناه المجازي، وإن أريد أهل مكة والقبائل التي سكنت بلاد الأمم الماضية فهو مستعمل في القدر المشترك، وهو كقوله تعالى: {أية : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}تفسير : [الأنبياء: 105] وأيّاً ما كان فقيْدُ {من بعد أهلها} تأكيدٌ لمعنى {يرثون}، يراد منه تذكير السامعين بما كان فيه أهل الأرض الموروثة من بحبوحة العيش، ثم ما صاروا إليه من الهلاك الشامل العاجل، تصويراً للموعظة بأعظم صورة فهو كقوله تعالى: {أية : ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} تفسير : [الأعراف: 129]. ومعنى {لم يهد} لم يرشد ويُبَيْن لهم، فالهداية أصلها تبيين الطريق للسائر، واشتهر استعمالهم في مطلق الإرشاد: مجازاً أو استعارة كقوله تعالى: {أية : اهْدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]. وتقدم أن فعلها يتعدى إلى مفعولين، وأنه يتعدى إلى الأول منهما بنفسه وإلى الثاني تارة بنفسه وأخرى بالحرف: اللام أو (إلى)، فلذلك كانت تعديته إلى المفعول الأول باللام في هذه الآية إمّا لتضمينه معنى يُبين، وإما لتقوية تعلق معنى الفعل بالمفعول كما في قولهم: شكرتُ له، وقوله تعالى: {أية : فَهَبْ لي من لدنك ولياً}تفسير : [مريم: 5]، ومثل قوله تعالى: {أية : أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} تفسير : في سورة طه (128). و{أنْ} مخففة من (أنّ) واسمها ضمير الشأن، وجملة {لو نشاء} خبرها. ولما كانت (أن) ــــ المفتوحة الهمزة ــــ من الحروف التي تفيد المصدرية على التحقيق لأنها مركّبة من (إنّ) المكسورة المشددة، ومن (أنّ) المفتوحة المخففة المصدرية لذلك عُدّت في الموصولات الحرفية وكان ما بعدها مؤولاً بمصدر منسبك من لفظ خبرها إن كان مفرداً مشتقاً، أو من الكَون إن كان خبرها جملة، فموقع {أن لو نشاء أصبناهم} موقعُ فاعل {يهد}، والمعنى: أو لم يبيّنْ للذين يخلْفون في الأرض بعد أهلها كونُ الشأن المهم وهو لو نشاءُ أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم. وهؤلاء هم الذين أشركوا بالله وكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم والإصابة: نوال الشيء المطلوب بتمكّن فيه. فالمعنى: أن نأخذهم أخذاً لا يفلتون منه. والباء في {بذنوبهم} للسببية، وليست لتعدية فعل {أصبناهم}. وجملة: {أنْ لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} واقعة موقع مفرد، هو فاعل {يَهْدِ}، فـ (إنْ) مخففة من الثقيلة وهي من حروف التأكيد والمصدرية واسمها في حالةِ التخفيف، ضمير شأن مقدر، وجملة شرط (لو) وجوابه خبر (أنّ). و(لو) حرف شرط يفيد تعليق امتناع حصول جوابه لأجل امتناع حصول شرطه: في الماضي، أو في المستقبل، وإذ قد كان فعل الشرط هنا مضارعاً كان في معنى الماضي، إذ لا يجوز اختلاف زمني فعلي الشرط والجواب، وإنما يخالف بينهما في الصورة لمجرد التفنن كراهية تكرير الصورة الواحدة، فتقدير قوله: {لَوْ نشاء أصبناهُم} انْتفى أخذُنَا إياهم في الماضي بذنوب تكذيبهم، لأجل انتفاء مشيئتنا ذلك لحكمة إمهالهم لا لكونهم أعزّ من الأمم البائدة أو أفضل حالاً منهم، كما قال تعالى: {أية : فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم} تفسير : [غافر: 21] الآية، وفي هذا تهديد بأن الله قد يصيبهم بذنوبهم في المستقبل، إذ لا يصده عن ذلك غالبٌ، والمعنى: أغرهم تأخّر العذاب مع تكذيبهم فحسبوا أنفسهم في منعة منه، ولم يهتدوا إلى أن انتفاء نزوله بهم معلق على انتفاء مشيئتنا وقوعَه لحكمة، فما بينهم وبين العذاب إلاّ أن نشاء أخذهم، والمصدر الذي تفيده (أن) المخففة، إذا كان اسمها ضمير شأن، يقدر ثُبوتاً متصيّداً مما في (أنْ) وخبرها من النسبة المؤكدة، وهو فاعل {يَهِد} فالتقدير في الآية: أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ثبوتُ هذا الخبر المُهم وهو {لو نشاء أصبناهم بذنوبهم}. والمعنى: اعْجَبوا كيف لم يهتدوا إلى أن تأخير العذاب عنهم هو بمحض مشيئتنا وأنه يحق عليهم عندما نشاؤه. وجملة: {ونطبع على قلوبهم} ليست معطوفة على جملة: {أصبناهم} حتى تكون في حكم جواب (لو) لأن هذا يفسد المعنى، فإن هؤلا الذين ورثوا الأرض من بعد أهلها قد طُبع على قلوبهم فلذلك لم تُجْدِ فيهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم مُنذ بُعث إلى زمن نزول هذه السورة، فلو كان جواباً لــــ (لو) لصار الطبع على قلوبهم ممتنعاً وهذا فاسد، فتعين: إما أن تكون جملة {ونطبع} معطوفة على جملة الاستفهام برُمَتها فلها حكمها من العطف على أخبار الأمم الماضية والحاضرة. والتقدير: وطَبَعنا على قلوبهم، ولكنه صيغ بصيغة المضارع للدلالة على استمرار هذا الطبع وازدياده آنا فآنا، وإمّا أن تجعل (الواو) للاستئناف والجملة مستأنفة، أي: ونحن نطبع على قلوبهم في المستقبل كما طبعنا عليها في الماضي، ويُعرف الطبع عليها في الماضي بأخبار أخرى كقوله تعالى: {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم}تفسير : [البقرة: 6] الآية، فتكون الجملة تذييلاً لتنهية القصة، ولكن موقع الواو في أول الجملة يرجح الوجه الأول، وكأن صاحب «المفتاح» يأبى اعتبار الاستئناف من معاني الواو. وجملة: {فهم لا يسمعون} معطوفة بالفاء على {نطبع} متفرعاً عليه، والمراد بالسماع فهم مغزى المسموعات لا استكاك الآذان، بقرينة قوله: {ونطبع على قلوبهم}. وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى: {أية : بَلْ طبع الله عليها بكفرهم} تفسير : في سورة النساء (155).
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 100- أغاب عن الذين يخلفون من قبلهم من الأمم سنة الله فيمن قبلهم، وأن شأننا فيهم كشأننا فيمن سبقوهم؟ وهو أنهم خاضعون لمشيئتنا، لو نشاء أن نُعَذبهم بسبب ذنوبهم لأصبناهم كما أصبنا أمثالهم، ونحن نختم على قلوبهم لفرط فسادها حتى وصلت إلى حالة لا تقبل معها شيئاً من الهدى، فهم بهذا الطبع والختْم لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه واتعاظ. 101- تلك القرى التى بعد عهدها، وطال الأمد على تاريخها، نقُص عليك الآن بعض أخبارها مما فيه عبرة. ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم، فلم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجئ البينات، لتمرسهم بالتكذيب للصادقين، فكذَّبوا رسلهم ولم يهتدوا، وهكذا يجعل الله حجاباً على قلوب الكافرين وعقولهم، فيخفى عليهم طريق الحق ويَنْأوْن عنه. 102- وما وجدنا لأكثر أولئك الأقوام وفاء بميثاق مما أوصيناهم به من الإيمان، على لسان الرسل، وعلى ما يوحى به العقل والنظر السليم. وإن الشأن المطرد فيهم تَمكُّن أكثرهم من الفسوق والخروج عن كل عهد. 103- ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى - عليه السلام - ومعه دلائلنا التى تدل على صدقه فيما يُبلغه عنا إلى فرعون وقومه، فبلَّغهم موسى دعوة ربه، وأراهم آية الله، فظلموا أنفسهم وقومهم بالكفر بها، كِبْرا وجحوداً فاستحقوا من الله عقوبة صارمة كانت بها نهاية أمرهم، فانظر - أيها النبى - نهاية المفسدين فى الأرض. 104- وقال موسى: يا فرعون إنى مُرْسَل من الله رب العالمين ومالك أمرهم، لأبلغكم دعوته، وأدعوكم إلى شريعته.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصَبْنَاهُمْ} (100) - أَوَلَمْ يَتَبَيِّنْ لِلَّذِينَ يَسْتَخْلِفُهُمُ اللهُ فِي الأَرْضِ - بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَهْلَكَ آخَرِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، سَارُوا سِيَرَتَهُمْ، وَعَمِلُوا عَمَلَهُمْ، وَعَتَوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ - أَنْ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا فَعَلَهُ بِمَنْ قَبْلَهُمْ، عِقَاباً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَخْتِمُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ وَعْيَ مَوْعِظَةٍ، وَلا فَهْمَ نَصِيحَةٍ. طَبَعَ - خَتَمَ. أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ - أَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ - أَوْ أَلَمْ يُبَيِّنِ اللهُ لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و {يَهْدِ} أي يبين للذين يرثون الأرض طريق الخير، ومعنى {يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ} أن الأرض كانت مملوكة لسواهم، وهم جاءوا عقبهم. وحين يستقرئ الإِنسان الوجود الحضاري في الكون يجد أن كل حضارة جاءت على أنقاض حضارة، وما في يدك وملكك جاء على أنقاض ملك غيرك، والذي يأتي على أنقاض الغير يسمى إرثاً، ومادمتم قد رأيتم أنكم ورثتم عن غيركم كان يجب أن يظل في بالكم أن غيركم سيرثكم. إذن فالمسألة دُوَلٌ، ويجب ألا يغتر الإِنسان بموقع أو منصب، ونحن نرى في حياتنا من يحتل منصباً كبيراً، ثم يُقال ويعزل عن منصبه، أو يحال إلى التقاعد ويأتي آخر من بعده. ولذلك يقال: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك. فإن كنت صاحب مكانة وقد أحسنت الدخول إلى وضعك وإلى جاهك، وإلى منصبك؛ فيجب أن تفطن وتتذكر الخروج قبل الدخول إلى هذا المنصب حتى لا يعز عليك فراقه يوماً. واحذر أن تحسن الدخول في أمر قبل أن تحاول أن تحسن الخروج منه. واستمع إلى قول الشاعر في هذا المعنى: شعر : إن الأمير هو الذي يُمسي أميراً يوم عزلهْ إن زال سلطان الإِمارة لم يزل سلطانُ فضلِهْ تفسير : وحين يقول الحق: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ}. نلحظ أنه سبحانه لم يجعل المهديين هنا على وضع المفعول، فلم يقل: أو لم يهد الذين، بل قال: {يَهْدِ لِلَّذِينَ}، فما الحكمة في ذلك؟. نعرف أن "الهداية" هي الدلالة على الطريق الموصل للغاية، وقد تعود فائدته عليك، أي أنك قد هَدَيْت غيرك لصالحك. وقد تكون الهداية وهي الدلالة على فعل الخير لأمر يعود على الذي هَدَى وعلى المَهْدِيّ معاً، لكن إذا كانت الهداية لا تعود إلا لك أنت، ولا تعود على مَن هداك، أتشك في هدايته لك؟ لا، إن من حقك أن تشك في الهداية إذا كان هذا الأمر يعود على من هَدَى، أو يعود أمرها على الاثنين؛ ففي ذلك شبهة لمصلحة، لكن إذا كان الأمر لا يعود على من يَهْدِي ويعود كله لمن يُهْدَي فليس في ذلك أدنى شك. ولذلك يقول الحق سبحانه في حديثه القدسي: "حديث : ... يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإِنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإِنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ِ فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المَخْيط إذا أُدْخِلَ البحر ". تفسير : إذن فحين يهديهم الحق إلى الصراط المستقيم فما الذي يعود عليه سبحانه من صفات بهذا العمل؟ لقد خلقكم بصفات الكمال فيه، فلن ينشئ خلقه لكم صفة من صفات الكمال زائدة على ما هو له، وهكذا نرى أن كل هداية راجعة إلى المَهْدِيّ. وبذلك يتأكد قوله: {يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} ما هو مصلحتهم. {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن المشيئة يقول: {لَّوْ نَشَآءُ} ويحدد أسباب المشيئة وهو قوله: {أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ}، وهكذا نعلم أن المشيئة ليست مشيئة ربنا فقط لا، بل هي أيضاً مشيئة العباد الذين ميزهم بالاختيار، وسبحانه يقول: {أية : أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...} تفسير : [الرعد: 31] وما الذي يمنعه سبحانه أن يشاء هداية الناس جميعاً؟. لا أحد يمنع الخالق، ولكنه سبحانه خلق خلقاً مهديين بطبيعتهم، لا قدرة لهم على المعصية وهم الملائكة، وجعل سائر أجناس الأرض مسخرة مسبحة، وذلك يثبت صفة القدرة، فلا يستطيع أحد أن يخرج عن مراد الله، ولكن هذا لا يعطي صفة المحبوبية للمشرع الأعلى، ثم إنه - سبحانه - خلق خلقاً لهم اختيار في أن يطيعوا وأن يعصوا. فالمخلوق الذي اختصه سبحانه بقدرة الاختيار في أن يؤمن وأن يكفر، وأن يطيع وأن يعصي، ثم آمن يكون إيمانه دليلا على إثبات صفات المحبوبية للإِله. إذن المقهورون على الفعل أثبتوا القدرة، والمختارون الفعل أثبتوا المحبوبية للمشروع الأعلى، ويتابع سبحانه في الآية نفسها: {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}. [الأعراف: 100] ونلحظ أن الحق لم يقل أنه لو نشاء أصبناهم لذنوبهم وذلك رحمة منه، بل جعل العقاب بالذنوب التي يختارونها هم، وكذلك جعل الطبع على القلوب نتيجة للاختيار. وسبق أن تكلمنا في أول سورة البقرة. عن كلمة "الطبع"؛ وهو الختم: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ...} تفسير : [البقرة: 7] لأن القلوب وعاء اليقين الإِيماني؛ فحين يملأ إنسان وعاء اليقين الكفر، فهذا يعني أنه عشق الكفر وجعله عقيدة عنده؛ لذلك يساعده الله على مراده، وكأنه يقول له: أنا سأكون على مرادك، ولذلك أطبع على قلبك فلا يخرج ما فيه من الكفر، ولا يدخل فيه ما خرج منه من الإِيمان الفطري الذي خلق الله الناس عليه. لأنك أنت قد سَبَّقت ووضعت في قلبك قضية يقينية على غير إيمان؛ لأن أصول الإِيمان أن تُخْرِج ما في قلبك من أي اعتقاد، ثم تستقبل الإِيمان بالله، ولكنك تستقبل الكفر وترجحه على الإِيمان. إن الله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه: قلب يؤمن، وقلب لا يؤمن، بل جعل قلباً واحداً، والقلب الواحد حيز، والحيز - كما قلنا - لا تداخل للمحيَّز فيه؛ فحين نأتي بزجاجة فارغة ونقول: إنها "فارغة" فالذي يدل على كذب هذه الكلمة أننا حين نضع فيها المياه تخرج منها فقاقيع الهواء، وخروج فقاقيع الهواء هو الذي يسمح بدخول المياه فيها؛ لأن الزجاجة ليست فارغة، بل يخيل لنا ذلك؛ لأن الهواء غير مرئي لنا. ولو كانت الزجاجة مفرغة من الهواء دون إعداد دقيق قي صناعتها لتلك المهمة لكان من الحتمي أن تنكسر. والقلب كذلك له حيز إن دخل فيه الإِيمان بالله لا يسع الكفر، وإن دخل فيه الكفر - والعياذ بالله لا يسع الإِيمان، والعاقل هو من يطرح القضيتين خارج القلب، ثم يدرس هذه ويدرس تلك، وما يراه مفيداً لحياته ولآخرته يسمح له بالدخول. أما أن تناقش قضية الإِيمان بيقين قلبي بالكفر فهذه عملية لا تؤدي إلى نتيجة. {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] أي أو لم يتبيّن للذين يُستخلفون في الأرض من بعد إهلاك الذين سبقوهم بما فعلوا من المعاصي والكفر فسار هؤلاء القوم سيرة من سبقهم وعملوا أعمالهم وعصوا ربهم أن لو نشاء فعلنا بهم من العذاب كما فعلنا بمن قبلهم وقوله: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي السماع المؤدي إلى الاعتبار والاتعاظ فكأنهم لم يسمعوا. ويقول الحق بعد ذلك: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} معناه أَوَلَمْ نُبيِّن لَهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} معناهُ نَخْتِمُ عَلَيهَا.
الأندلسي
تفسير : {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} الآية، قال ابن عباس: يهد يبين. والفاعل بيهد يحتمل وجوها: احدها، أن يعود على الله تعالى ويؤيده قراءة من قرأ نهد بالنون. والثاني، أن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم من سياق الكلام السابق، أي أو لم يهد ما جرى للأمم السالفة أهل القرى وغيرهم. وعلى هذين الوجهين يكون ان لو نشاء وما بعده في موضع المفعول بنهد أي أو لم يبين الله تعالى أو ما سبق من قصص القرى ومآل أمرهم للوارثين أصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك، أي علمهم بإِصابتنا أو قدرتنا على إصابتنا إياهم، والمعنى أنكم مذنبون كهم وقد علمتم ما حل بهم أفما تحذرون أن يحل بكم ما حل بهم فذلك ليس بممتنع علينا لو شئنا. والوجه الثالث، أن يكون الفاعل بنهد قوله: ان لو نشاء، فينسبك المصدر من جواب لو والتقدير أو لم يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبتهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك أي علمهم بإِصابتنا وقدرتنا على إصابتنا إياهم على التقديرين إذا كانت إن مفعولة، وأنْ هنا هي المخففة من الثقيلة لأن الهداية فيها معنى العلم واسمها ضمير الشأن محذوف. والخبر الجملة المصدرة بلو ونشاء في معنى شئنا لأن لو التي هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره إذا جاء بعدها المضارع صرفت معناه إلى المعنى ومفعول نشاء محذوف دل عليه جواب لو والجواب أصبناهم، ولم يأت باللام، وإن كان الفعل مثبتاً إذ حذفها جائز فصيح كقوله تعالى: {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}تفسير : [الواقعة: 70] والأكثر الإِتيان باللام كقوله تعالى: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} تفسير : [الواقعة: 65]، {أية : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 176]، والذين يرثون الأرض من بعد أهلها، أي يخلفون فيها من بعد هلاك أهلها. وظاهره التسميع لمن كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش وغيرهم. {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} الظاهر أنها جملة مستأنفة أي ونحن نطبع على قلوبهم، والمعنى أن من أوضح الله تعالى له سبيل الهدى وذكر له أمثالاً ممن أهلكه الله تعالى بذنوبهم وهو مع ذلك دائم على غيّه لا يرعوي يطبع الله على قلبه فينبو سمعه عن سماع الحق. وأجاز الزمخشري في عطف ونطبع وجهين: أحدهما ضعيف، والآخر خطأ. قال الزمخشري: فإِن قلت: بم يتعلق قوله ونطبع على قلوبهم؟ قلت: فيه أوجه أن يكون معطوفاً على ما دل عليه معنى أو لم يهد لهم، كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم، أو على يرثون الأرض. "انتهى". فقوله: انه معطوف على مقدر وهو يغفلون عن الهداية ضعيف لأنه إضمار لا يحتاج إليه إذ قد يصح أن يكون على الاستئناف من باب العطف في الجمل فهو معطوف على مجموع الجملة المصدرة بأداة الاستفهام، وقد قال الزمخشري وغيره. وقوله انه معطوف على يرثون خطأ، لأنه إذا كان معطوفاً على يرثون كان صلة للذين، لأن المعطوف على الصلة صلة، ويكون قد فصل بين أبعاض الصلة بأجنبي من الصلة وهو قوله: أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، سواء أقدرنا ان لو نشاء في موضع الفاعل ليهدأ وفي موضع المفعول فهو معمول ليهد لا تعلق له بشىء من صلة الذين وهو لا يجوز. {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والقرى في بلاد قوم نوح وهود وصالح وشعيب بلا خلاف بين المفسرين. وجاءت الإِشارة بتلك إشارة إلى بعد هلاكها وتقادمه وحصل الربط بين هذه وبين قوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [الأعراف: 96]، ونقص يحتمل بقيّة على حاله من الاستقبال والمعنى قد قصصنا عليك من أنبائها ونحن نقص أيضاً منها مفرقاً في السور. ويجوز أن يكون عبّر بالمضارع عن الماضي، أي تلك القرى قصصنا والأنباء هنا أخبارهم مع أنبيائهم ومآل عصيانهم. وتلك مبتدأ، والقرى خبر، ونقص جملة حالية نحو قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ}تفسير : [النمل: 52] . وفي الإِخبار بالقرى معنى التعظيم لها ولمهلكها، كما قيل في قوله: ذلك الكتاب. وفي قوله عليه السلام: أولئك الملأ من قريش. ولما كان الخبر مقيداً بالحال أفاد كالتقييد بالصفة. ومعنى من أنباء من للتبعيض فدل على أن لها أنباءً آخر لم نقصها عليه وإنما قص عليه ما فيه عظة وازدجار واذكار بما جرى على من خالف الرسل ليتعظ بذلك السامع من هذه الأمة. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} والذي يظهر أن الضمير في كانوا وفي ليؤمنوا هو عائد على أهل القرى، وأن الباء في بما ليست سببية فالمعنى أنهم انتفت عنهم قابلية الإِيمان وقت مجيء الرسل بالمعجزات بما كذبوا به من قبل مجيء الرسل بالمعجزات بل حالهم واحد قبل ظهور المعجزات وبعد ظهورها لم تجد عنهم شيئاً وفي الإِتيان بلام الجحود في ليؤمنوا مبالغة في نفي القابلية والوقوع وهو أبلغ في تسليط النفي على الفعل بغير لام وما في بما كذبوا موصولة. والعائد منصوب محذوف أي بما كذبوه وجوز أن تكون مصدرية. {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أي لأكثر الناس أو أهل القرى والأمم الماضية. ومن في من عهد تدل على استغراق الجنس. {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} إنْ هنا هي المخففة من الثقيلة. ووجد بمعنى علم. ومفعول وجدنا الأولى لأكثرهم، ومفعول الثانية لفاسقين، واللام للفرق بين أنْ المخففة من الثقيلة، وأن النافية. وتقدم الكلام على ذلك في قوله: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} تفسير : [البقرة: 143]. ودعوى بعض الكوفيين أنّ إنْ في نحو هذا التركيب هي النافية، واللام بمعنى إلاّ. وقال الزمخشري: وإنّ الشأن والحديث وجدنا. انتهى. ولا يحتاج إلى هذا التقدير وكأنّ الزمخشري يزعم أنّ إنْ إذا خففت كان محذوفاً منها الاسم وهو الشأن والحديث إبقاء لها على الاختصاص بالدخول على الأسماء. وقد تقدم لنا تقدير نظير ذلك ورددنا عليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى منبها للأمم الغابرين بعد هلاك الأمم الغابرين { أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } أي: أو لم يتبين ويتضح للأمم الذين ورثوا الأرض، بعد إهلاك من قبلهم بذنوبهم، ثم عملوا كأعمال أولئك المهلكين؟. أو لم يهتدوا أن اللّه، لو شاء لأصابهم بذنوبهم، فإن هذه سنته في الأولين والآخرين. وقوله: { وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } أي: إذا نبههم اللّه فلم ينتبهوا، وذكرهم فلم يتذكروا، وهداهم بالآيات والعبر فلم يهتدوا، فإن اللّه تعالى يعاقبهم ويطبع على قلوبهم، فيعلوها الران والدنس، حتى يختم عليها، فلا يدخلها حق، ولا يصل إليها خير، ولا يسمعون ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما به تقوم الحجة عليهم. { تِلْكَ الْقُرَى } الذين تقدم ذكرهم { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا } ما يحصل به عبرة للمعتبرين، وازدجار للظالمين، وموعظة للمتقين. { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي: ولقد جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، وأيدهم اللّه بالمعجزات الظاهرة، والبينات المبينات للحق بيانا كاملا ولكنهم لم يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئا، { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ } أي: بسبب تكذيبهم وردهم الحق أول مرة، ما كان الله ليهديهم للإيمان، جزاء لهم على ردهم الحق، كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ } عقوبة منه. وما ظلمهم اللّه ولكنهم ظلموا أنفسهم. { وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ } أي: وما وجدنا لأكثر الأمم الذين أرسل اللّه إليهم الرسل من عهد، أي: من ثبات والتزام لوصية اللّه التي أوصى بها جميع العالمين، ولا انقادوا لأوامره التي ساقها إليهم على ألسنة رسله. { وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } أي: خارجين عن طاعة اللّه، متبعين لأهوائهم بغير هدى من اللّه، فاللّه تعالى امتحن العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأمرهم باتباع عهده وهداه، فلم يمتثل لأمره إلا القليل من الناس، الذين سبقت لهم من اللّه سابقة السعادة. وأما أكثر الخلق فأعرضوا عن الهدى، واستكبروا عما جاءت به الرسل، فأحل اللّه بهم من عقوباته المتنوعة ما أحل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):