٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} أي عذابه وجزاءه على مكرهم. وقيل: مكره استدراجه بالنعمة والصحة.
البيضاوي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} تكرير لقوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَى} و {مَكْرَ ٱللَّهِ} استعارة لاستدراج العبد وأخذه من حيث لا يحتسب. {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} الذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار. {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} أي يخلفون من خلا قبلهم ويرثون ديارهم، وإنما عدي يهد باللام لأنه بمعنى يبين. {أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } أن الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم، وهو فاعل يهد ومن قرأه بالنون جعله مفعولاً. {وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} عطف على ما دل عليه، أو لم يهد أي يغفلون عن الهداية أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع، ولا يجوز عطفه على أصبناهم على أنه بمعنى وطبعنا لأنه في سياقه جواب لولا فضائه إلى نفي الطبع عنهم {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} سماع تفهم واعتبار. {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} يعني قرى الأمم المار ذكرهم. {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا} حال إن جعل {ٱلْقُرَىٰ } خبراً وتكون إفادته بالتقييد بها، وخبر إن جعلت صفة ويجوز أن يكونا خبرين و {مِنْ} للتبعيض أي نقص بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لا نقصها. {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} بالمعجزات. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} عند مجيئهم بها. {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} بما كذبوه من قبل الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب، أو فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولاً حين جاءتهم الرسل، ولم تؤثر فيهم قط دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإِيمان لمنافاته لحالهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم} لأكثر الناس، والآية اعتراض أو لأكثر الأمم المذكورين. {مِّنْ عَـهْدٍ} من وفاء عهد، فإن أكثرهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإِيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، أو ما عاهدوا إليه حين كانوا في ضرر مخافة مثل {أية : لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ }تفسير : [يونس: 22] {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ} أي علمناهم. {لَفَـٰسِقِينَ} من وجدت زيداً إذا لحافظ لدخول أن المخففة واللام الفارقة، وذلك لا يسوغ إلا في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما، وعند الكوفيين إن للنفي واللام بمعنى إلا. {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ} الضمير للرسل في قوله: {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم} أو للأمم. {بِـئَايَـٰتِنَا } يعني المعجزات. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا} بأن كفروا بها مكان الإِيمان الذي هو من حقها لوضوحها، ولهذا المعنى وضع ظلموا موضع كفروا. وفرعون لقب لمن ملك مصر ككسرى لمن ملك فارس وكان اسمه قابوس. وقيل الوليد بن مصعب بن الريان. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}. {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إليك، وقوله: {حَقِيقٌ عَلَي أَن لا أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} لعله جواب لتكذيبه إياه في دعوى الرسالة، وإنما لم يذكر لدلالة قوله {فَظَلَمُواْ بِهَا} عليه وكان أصله {حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لا أَقُولَ} كما قرأ نافع فقلب لأمن الإِلباس كقوله: وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر. أو لأن ما لزمك فقد لزمته، أو للإغراق في الوصف بالصدق، والمعنى أنه حق واجب على القول الحق أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به، أو ضمن حقيق معنى حريص، أو وضع على مكان الباء لإفادة التمكن كقولهم: رميت على القوس وجئت على حال حسنة، ويؤيده قراءة أبي بالباء. وقرىء «حقيق أن لا أقول» بدون {عَلَىٰ}. {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرٰءيلَ} فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال. {قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـئَايَةٍ} من عند من أرسلك. {فَائْتِ بِهَا} فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في الدعوى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ } استدراجه إياهم بالنعمة وأخذهم بغتة {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }.
ابن عادل
تفسير : ومعنى: "مَكْرَ اللَّهِ" أي إضافة المخلوق إلى الخَالقِ كقولهم: ناقة الله، وبيتُ الله، والمرادُ بِهِ فعلٌ يعاقب به الكفرة، وأضيف إلى الله لمَّا كان عقوبة الذَّنْبِ، فإنَّ العرب تسمِّي العقوبة على أي جهة كانت باسم الذَّنْبِ الذي وقعت عليه العقوبة. قال ابن عطيَّة: "وهو تأويلٌ حسنٌ". وقال البَغَوِيُّ: "مَكْرُ اللَّهِ: استدراجُهُ إيَّاهُم بما أنْعَمَ عليهم في دنياهم". وقد تقدَّم في آل عمران في قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [الآية: 54] أنَّه من باب المُقَابلَةِ أيضاً. و "الفاء" في قوله: "فَلاَ يَأمَنُ" للتَّنْبِيهِ على أنَّ العذابَ يعقب أمن مَكْرِ اللَّهِ. قال ابنُ الخطيبِ: "وقوله: "مَكْرَ اللَّهِ" المرادُ أنْ يأتيهم عذابُهُ من حيثُ لا يَشْعُرُونَ، قاله على وجه التَّحْذيرِ، وسمى هذا العذاب مَكْراً تَوَسُّعاً؛ لأنَّ الواحد منا إذا أرَادَ المكر بصاحبه فإنه يوقعه في البلاءِ من حيث لا يَشْعُرُ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة قال: كتب رجل إلى صاحب له : إذا أصبت من الله شيئاً يسرك فلا تأمن أن يكون فيه من الله مكر {فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة "حديث : ما هذا الخوف الذي قد بلغكم وقد أنزلتكم المنزلة التي لم أنزلها غيركم؟ قالوا: ربنا لا نأمن مكرك، لا يأمن مكرك إلا القوم الخاسرون " . تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن علي بن أبي حليمة قال: كان ذر بن عبد الله الخولاني إذا صلى العشاء يختلف في المسجد، فإذا أراد أن ينصرف رفع صوته بهذه الآية {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن إسمعيل بن رافع قال: من الأمن لمكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة .
التستري
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ}[99] قال: المكر المضاف إلى تدبيره في سابق علمه من قدرته فلا ينبغي لأحد أن يأمن مكره، لأن أمن المكر لا يدفع القدر، ولا يخرج أحداً عن قدرة الله تعالى، ولا يخلو أحد من خوف وإن بلغ كل خوف، وإذا عرف منزلته عند الله تعالى ازداد علمه وتكاملت رغبته، فأما من لم يعرف منزلته فذلك عار عليه. قال عمر بن واصل: فقلت له: كيف يزداد مع علمه منزلة؟ فقال: هما رجلان، فرجل ازداد وطلب الزيادة وحرص لذلك، ورجل أضعف منه، كان ذلك منه شكراً لئلا يسلب ما أعطاه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} [الآية: 99]. قال الحسين: لا يأمن المكر إلا من هو غريق فى المكر فلا يرى المكر به مكرًا؛ وأما أهل اليقظة فإنهم يخافون المكر فى جميع الأحوال، إذ السرابق جارية والعواقب خفية. وقال: من لا يرى المكر تلبيسًا كان المكر منه قريبًا. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا الخير الديلمى يقول: كنت يومًا عند الجنيد رحمة الله عليه فارتعدت فرائصه وتغير لونه وبكى وقال: ما أخوفنى أن يأخذنى الله فقال له بعض أصحابنا: تتكلم فى درجات الراضين وأحوال المشتاقين فقال له: إياك يا أخى أن تأمن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وقيل: لا تعتمد فضله وتنسى مكره، فقد قال: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ}.
القشيري
تفسير : يقال مَنْ عرف علوّ قدره - سبحانه - خشي خفيّ مكره، ومَنْ أمِنَ خفيّ مكره نَسِيَ عظيم قَدْرِه.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفأمنوا مكر الله} مكر الله استعارة لاستدراجه العبد واخذه من حيث لا يحتسب والمراد به اتيان بأسه تعالى فى الوقتين المذكورين. قال الحدادى انما سمى العذاب مكرا على جهة الاتساع والمجاز لان المكر ينزل بالمكمور من جهة الماكر من حيث لا يشعر واما المكر الذى هو الاحتيال للاظهار بخلاف الاضمار فذلك لا يجوز على الله {فلا يأمن مكر الله} الفاء فاء جواب شرط محذوف اى اذا كان استدراجه واخذه على هذا الوجه فلا يأمن مكره بهذا المعنى {الا القوم الخاسرون} الذين ليسوا من القوم الرابحين قيل معنى الآية ولا يأمن عذاب الله من العصاة اولا يأمن عذاب الله من المذنبين والانبياء عليهم السلام لا يأمنون عذاب الله على المعصية ولهذا لا يعصون بانفسهم انتهى. قال فى التأويلات النجمية مكره تعالى مع اهل القهر بالقهر ومع اهل اللطف باللطف {فلا يأمن مكر الله} من اهل القهر {الا القوم الخاسرون} الذين خسروا سعادة الدارين ومن اهل اللطف الا الخاسرون الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى فعلى هذا اهل الله هم الآمنون من مكر الله لان مكر الله فى حقهم مكر باللطف دل عليه قوله {أية : أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} تفسير : [الأنعام: 82] ولهذا قال {أية : والله خير الماكرين} تفسير : [آل عمران: 54]. لان مكرهم مكر فى مستحقيه وغير مستحقيه بالقهر ومكره فى مستحقيه باللطف فافهم واعتبر جدا انتهى. واعلم ان الامن من مكر الله تعالى قد عد كفرا لكن هذا بالنسبة الى اهل المكر دون اهل الكرم فان كمل الاولياء مبشرون بالسلامة فى حياتهم الدنيوية كما قال تعالى {أية : لهم البشرى فى الحياة الدنيا} تفسير : [يونس: 64]. فلهم سلامة دنيوية واخروية كما قال تعالى {أية : ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تفسير : [البقرة: 112]. لكنهم يكتمون سلامتهم لكونهم مأمورين بالكتمان وعلمهم بسلامتهم يكفى لهم ولا حاجه لهم بعلم غيرهم واما الانبياء عليهم الصلاة والسلام فلهم ان يخبروا بسلامتهم لكونهم شارعين فلا بد لغيرهم من العلم بسلامتهم حتى يؤمن ويقبل دعوتهم.
الطوسي
تفسير : انما دخلت الفاء فى {أفأمنوا} بعد الواو في {أوأمن} لان فيها معنى (بعد) كأنه قيل ابعد هذا كله أمنوا مكر الله. ثم صار الفاء في {فلا يأمن مكر الله} كأنها جواب لمن قال قد أمنوا، والمكر اخذ العبد بالضِّر من حيث لا يشعر الا أنه قد كثر استعماله في الحيلة عليه، قال الخليل: المكر الاحتيال باظهار خلاف الاضمار، وانما جاز اضافة المكر الى الله لما في ذلك من المبالغة من جهة انه قد صار العذاب كالمكر على الحقيقة، لانه اخذ للعبد بالضِّر من حيث لا يشعر، واصل المكر الالتفاف، فمنه ساق ممكورة أي ملتفة حسنة قال ذو الرمة: شعر : عجزاء ممكورة خمصانة قلق عنها الوشاح وثم الجسم والعصب تفسير : والمكور شجر ملتف قال الراجز: شعر : يستن في علقي وفي مكور تفسير : ورجل ممكور قصير ملتف الخلقة ذكره الخليل في هذا الباب تقول: مكر يمكر مكرا اذا التف تدبيره على مكروه لصاحبه. وقوله {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} انما ارتفع ما بعد (الا) لان الرافع مفرغ له فارتفع لانه فاعل، وكلما فرغ الفعل لما بعد (الا) فهي فيه ملغاة، وكل ما شغل بغيره فهي فيه مسلطة، لان الاسم لا يتصل على ذلك الوجه الا بها. وانما قال {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} مع ان الانبياء المعصومين يأمنون ذلك لامرين: أحدهما - انهم لا يأمنون عقاب الله للعاصين، ولذلك سلموا مواقعة الذنوب الثاني - {فلا يأمن مكر الله} من المذنبين {إلا القوم الخاسرون}. ومعنى الآية الابانة عما يجب ان يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، ليسارع الى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الامن من ذلك، فيكون قد خسر في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح.
الجنابذي
تفسير : {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} اتى بالفاء لتفاوت ما بين البأس حين الغفلة والمكر بخلاف بأس اللّيل وبأس الضّحى، فانّ اتيان عذاب الله امّا مع تقدّم اماراتٍ له او من غير تقدّم اماراتٍ وهو البأس بغتةً حين النّوم او حين اللّعب او مع تقدّم امارات ضدّه وهو المسمّى بالاستدراج والمكر لشباهته بمكر المخلوق {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} بنقص عقولهم الّتى هى بضاعتهم فانّ العاقل حين تجدّد النّعمة يحتمل النّقمة بالنّعمة فيخاف عاقبتها بخلاف الجاهل فانّ نظره الى صورة النّعمة لا يتجاوزها الى احتمال اندراج النّقمة فيها.
اطفيش
تفسير : {أفَأمنُوا مَكْر اللهِ} أخذه العبد باستدراج وهو لا يشعر، وسمى مكراً لنزوله فى غفلة، وذلك استعارة تصريحية أصلية تحقيقية، قيل: قرن بالفاء كأنه تقرير لقوله: {أية : أفأمن أهل القرى} تفسير : وسمى مكراً لوقوعه فى مقابلة ملهو كالمكر، وهو كفرهم بعد الرسالة، وظهور دعوة الله، فيكون كقوله تعالى: {أية : يخادعون الله وهو خادعهم} {أية : ويمكرون ويمكر الله} {أية : إنا كنا مستهزئين} {أية : الله يستهزئ بهم} {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله سبحانه لا يمل حتى تملوا" تفسير : وعلى العاقل أن يخاف مكر الله ويحاذره أكثر مما يخاف ويحاذر مكر عدو نخيف له ليغتال به وقت غفلة، قالت للربيع بن خيثم ابنته: مالى أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا بنتاه إن اباك يخاف البيات، قيل: أشار إلى قوله عز من قائل: {أية : أن يأتيهم بأسنا بياتا}. تفسير : {فَلا يأمنُ مَكْر الله إلا القَوْم الخَاسِرونَ} دنياهم وآخرتهم بالكفر والمعصية المترتبين على ترك النظر والاعتبار، والفاء فى جواب شرط محذوف، أى إن أمنوا مكر الله فلا يأمن الخ، وهو نائب عما هو جواب تحقيقا، كأنه قيل: إن أمنوا مكر الله فهم خاسرون، وباعتبار هذا تكون تعليلية، ويجوز أن تكون تعليلا للخطأ المفهوم من {أفأمنوا مكر الله}. وقوله سبحانه: {أية : أفأمن أهل القرى} تفسير : إلى {الخاسرون} لطرد الحيات والأفاعى والعقارب والهوام المؤذية من المنزل، يكتب فى أول يوم من المحرم فى قرطاس، ويغسل بالماء ويرش فى زوايا المنزل.
اطفيش
تفسير : {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ} الواو للموجودين فى عصره - صلى الله عليه وسلم، المكذبين المرادين فى قوله "أية : أَفأَمن أَهل القرى" تفسير : [الأَعراف: 97] لا لعموم القرى فى قوله "أية : ولو أَن أَهل القرى" تفسير : [الأَعراف: 96] فهذا تقرير لقوله {أَفَأَمِنَ} جمعاً بعد تفريق زيادة للتحذير، فلم يكن العطف لأَن المقرر به مقرون بالفاء، ومكر الله استدراجه إِياهم بالنعمة والصحة فلا يشكروا، بل يفسقون فيأخذهم، ولا ينسب إِلى الله إِلا مشاكلة، كما هنا فى قول بعض، والصحيح أَنه يجوز نسبته إِليه عز وجل ولو بلا مشاكلة، وعلى كل يكون مجازاً، وذلك تشبيه بإِظهار المحبوب وإِخفاء المكروه، فلفظ مكر استعارة تمثيلية إِذ شبه مجموع أَشياء هى إِظهار الإِنعام عليهم وقصدهم بالسوء وإِيقاعه بمجموع أَشياء هى إِظهار المحبوب وإِخفاء المكروه وإِيقاعه، وأَمن مكر الله من الكبائر كما رواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعاً، وروى أَنه كفر، بمعنى أَنه كفر فسق لا شرك، وإن نوى أَنه لا يقدر على الانتقام منه فشرك، وإِلا من الاسترسال فى المعاصى اتكالا على عفو الله، قيل: هنا محذوف تقديره: لما أَمنوا خسروا فعطف عليه بالفاء فى قوله عز وجل {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الخَاسِرُونَ} والأولى أَن الفاءَ فى جواب إِذا، أَى إِذا تبين ذلك، أَو إِذا كان الأَمر فى غاية القبح فلا يأمن، وقرن بالفاء ولو صلح شرطاً لحذف أَداة الشرط فهى تدل عليه. وقيل: تفريع على محذوف، أَى فلما أَمنوا خسروا فلا يأْمن مكر الله إِلا القوم الخاسرون. وعبارة بعض أَنها للتنبيه على تعقيب العذاب أَمن مكر الله تعالى، ويقال: هى تعليل ما يفهمه الكلام من ذم الأَمن وخسرانهم لمصالحهم الأخروية لشركهم ومعاصيهم، وبترك استعمال عقولهم فى إِدراك الحق.
الالوسي
تفسير : {أفَأمنُوا مَكْرَ الله} تكرير لمجموع الإنكارين السابقين جمعاً بين التفريق قصداً إلى زيادة التحذير والإنذار، وذكر جمع من جلة المحققين أنه لو جعل تكريراً له ولما سلف من غرة أهل القرى السابقة أيضاً على معنى أن الكل نتيجة الأمن من مكر الله تعالى لجاز إلا أنه لما جعل تهديداً للموجودين كان الأنسب التخصيص، وفيه تأمل. والمكر في الأصل الخداع ويطلق على الستر يقال: مكر الليل أي ستر بظلمته ما هو فيه، وإذا نسب إليه سبحانه فالمراد به استدراجه العبد العاصي حتى يهلكه في غفلته تشبيهاً لذلك بالخداع، وتجوز هذه النسبة إليه سبحانه من غير مشاكلة خلافاً لبعضهم، وهو هنا إتيان البأس في الوقتين والحالين المذكورين، وهل كان تبديل مكان السيئة الحسنة المذكور قبل مكراً واستدراجاً أو ملاطفة ومراوحة؟ فيه خلاف والكل محتمل. {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي الذين خسروا أنفسهم فأضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات والفاء هنا متعلق كما قال القطب الرازي وغيره بمقدر كأنه قيل فلما آمنوا خسروا فلا يأمن الخ. وقال أبو البقاء إنها للتنبيه على تعقيب العذاب أمن مكر الله تعالى، وقد يقال: إنها لتعليل ما يفهمه الكلام من ذم الأمن / واستقباحه أو يقال إنها فصيحة، ويقدر ما يستفاد من الكلام شرطاً أي إذا كان الأمن في غاية القبح فلا يرتكبه إلا من خسر نفسه، واستدلت الحنفية بالآية على أن الأمن من مكر الله تعالى وهو كما في «جمع الجوامع» الاسترسال في المعاصي إتكالاً على عفو الله تعالى كفر، ومثله اليأس من رحمة الله تعالى لقوله تعالى: {أية : إنَّهُ لاَ يَيْأس مِنْ رُوحِ اللهِ إلاَّ القَوْم الكَافِرُون } تفسير : [يوسف: 87] وذهبت الشافعية إلى أنهما من الكبائر لتصريح ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بذلك وروى ابن أبي حاتم. والبزار عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله تعالى واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وهذا أكبر الكبائر قالوا: وما ورد من أن ذلك كفر محمول على التغليظ وآية {لاَ يَيْأس} الخ كقوله تعالى:{أية : ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ } تفسير : [النور: 3] و {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ } تفسير : [المجادلة: 22] في قول. وقال بعض المحققين: إن كان في الأمن اعتقاد أن الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه وكذا إذا كان في اليأس اعتقاد عدم القدرة على الرحمة والإحسان أو نحو ذلك فذلك مما لا ريب في أنه كفر وإن خلا عن نحو هذا الاعتقاد ولم يكن فيه تهاون وعدم مبالاة بالله تعالى فذلك كبيرة وهو كالمحاكمة بين القولين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْخَاسِرُونَ} (99) - أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرى الكَافِرَةِ مَكْرَ اللهِ بِهِمْ، وَبَأْسَهْ وَنَقْمَتَهُ وَاسْتِدْرَاجَهُ إِيَّاهُمْ وَقُدْرَتَهُ عَلَى أَخْذِهِمْ، وَتَدْمِيرِهِمْ فِي حَالٍ مِنْ سَهْوِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ؟ وَلا يَأْمَنُ مَكَرَ اللهِ إلاَّ القَوْمُ الضَّالُونَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لِعَدَمِ إِدْرَاكِهِمْ مَا فِيهِ صَلاَحُهُمْ وَخَيْرُهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"الأمن" هو الاطمئنان إلى قضية لا تثير مخاوف ولا متاعب، ويقال: فلان "آمن"؛ أي لا يوجد ما يكدر حياته. والحق يقول: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} ونحن نسمع بعض الكلمات حين ينسبها الله لنفسه نستعظمها، ونقول: وهل يمكر ربنا؟ لأننا ننظر إلى المكر كعملية لا تليق. . وهنا نقول: انتبه إلى أن القرآن قد قال: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ...} تفسير : [فاطر: 43] إذن ففيه مكر خير، ولذلك قال الحق: {أية : ...وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54] والمكر أصله الالتفاف. وحين نذهب إلى حديقة أو غابة نجد الشجر ملتف الأغصان وكأنه مجدول بحيث لا تستطيع أن تنسب ورقة في أعلى إلى غصن معين؛ لأن الأغصان ملفوفة بعضها على بعض، وكذلك نرى هذا الالتفاف في النباتات المتسلقة ونجد أغصانها مجدولة كالحبل. إذن فالمكر مؤداه أن تلف المسائل، فلا تجعلها واضحة. ولكي تتمكن من خصمك فأنت تبيت له أمراً لا يفطن إليه، وإذا كان الإِنسان من البشر حين يبيت لأخيه شرًّا، ويفتنه فتناً يُعمي عليه وجه الحق وليس عند الإِنسان العلم الواسع القوي الذي يمكر به على كل من أمامه من خصوم لأنهم سيمكرون له أيضاً. وإذا كان هناك مكر وتبييت لا يكتشفه أحد فهو مكر وتبييت الله لأهل الشر، وهذا هو مكر الخير؛ لأن الله يحمي الوجود من الشر وأهله بإهلاكهم. {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] وهناك من يسأل: هل أمن الأنبياء مكر الله؟ نقول نعم. لقد آمنوا مكر الله باصطفائهم للرسالة، وهناك من يسأل: كيف إذن لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون؟! نقول: لقد جاء في منهج الرسل جميعاً أن الذي يأمن مكر الله هو الخاسر؛ لأن الله هو القادر، وهو الذي أنزل المنهج ليختار الإِنسان به كسب الدنيا والآخرة إن عمل به، وإن لم يعمل به يخسر طمأنينة الإِيمان في الدنيا وإن كسب فيها مالا أو جاها أو علماً، ويخسر الآخرة أيضاً. ويتابع سبحانه: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ...}
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: {أَفَأَمِنُواْ} أولئك المنهمكمون في الغفلة {مَكْرَ ٱللَّهِ} المراقب لجميع أحوالهم، ولم يخافوا ولم يحزنوا من أخذه وانتقامه، ولم يتفطنوا أن من أمن عن مكره وأخذه فقد خسر خسراناً مبيناً {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ} المنتقم المقتدر {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] المقصرون على الخسران الأبدي والشقاق السرمدي في أصل فطرتهم وقابلياتهم. {أَوَلَمْ يَهْدِ} أي: ألم يذكروا ولم يبين الغيور أحوال الأمم الهالكة، وأخذنا إياهم بما صدر عنهم من تكذيب الأنبياء؟ وما جاءوا به من عندنا من الأوامر والنواهي {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} خلفاْ {مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ} الهالكين بالجرائم المذكورة {أَن لَّوْ نَشَآءُ} بمقتضى قهرنا وجلالنا {أَصَبْنَاهُمْ} أي: الخلفاء أيضاً {بِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم مثل أسلافهم، بل بأضعاهم وآلافهم {وَ} من علامات أخذنا وانتقامنا عنهم: أنا {نَطْبَعُ} ونختم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} كيلا يفهموا؛ ليعتبروا {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] بسبب ذلك حتى يتعظوا به. وبالجملة: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} الهالكة التي {نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل في كتابنا هذا {مِنْ} بعض {أَنبَآئِهَا} قصصها وأخبارها وجرائمها مع الله ورسله {وَ} الله {لَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ} الواضحة والمعجزات القاطعة الساطعة، وهم من خبث طينتهم وشدة شكيمتهمه وضغينتهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} أي: قبل إرسال الرسل عليهم، بل أصروا على ما هم عليه ولم يؤمنوا أصلاً، ولم يقبلوا من الرسل جميع ما جاءوا به {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} ويختم سبحانه بمقتضى قهره {عَلَىٰ قُلُوبِ} جميع {ٱلْكَٰفِرِينَ} [الأعراف: 101] فلا تعجبل يا أكمل الرسل حال أهل مكة وإصرارهم ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق من مكائدهم؛ إذ هي من الديدنة القديمة والخصلة الذميمة المستمرة بين الكفرة. {وَ} من جملة أخلاقهم الذميمة وخصلتهم القبيحة أيضاً: نقض العهد والمواثيق لذلك {مَا وَجَدْنَا} وصادفنا {لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أيضاً على لسان رسلنا موفين له {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] أي: بل ما وجدنا أكثرهم بعدما عهدناهم إلا فاسقين، ناقضين لعهودنا ومواثيقنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):