Verse. 1074 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاُلْقِيَ السَّحَرَۃُ سٰجِدِيْنَ۝۱۲۰ۚۖ
Waolqiya alssaharatu sajideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأُلقي السحرة ساجدين».

120

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: إن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى عليه السلام وصارت عصا كما كانت قال بعض السحرة لبعض هذا خارج عن السحر، بل هو أمر إلهي، فاستدلوا به على أن موسى عليه السلام نبي صادق من عند الله تعالى، قال المتكلمون: وهذه الآية من أعظم الدلائل على فضيلة العلم، وذلك لأن أولئك الأقوام كانوا عالمين بحقيقة السحر واقفين على منتهاه، فلما كانوا كذلك ووجدوا معجزة موسى عليه السلام خارجة عن حد السحر، علموا أنه من المعجزات الإلهية، لا من جنس التمويهات البشرية ولو أنهم ما كانوا كاملين في علم السحر لما قدروا على ذلك الاستدلال، لأنهم كانوا يقولون: لعله أكمل منا في علم السحر، فقدر على ما عجزنا عنه، فثبت أنهم كانوا كاملين في علم السحر. فلأجل كمالهم في ذلك العلم انتقلوا من الكفر إلى الإيمان. فإذا كان حال علم السحر كذلك، فما ظنك بكمال حال الإنسان في علم التوحيد. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله تعالى: {وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ } قالوا: دلت هذه الآية على أن غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله رب العالمين فهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى. قال مقاتل: ألقاهم الله تعالى ساجدين. وقال المعتزلة: الجواب عنه من وجوه:الأول: أنهم لما شاهدوا الآيات العظيمة والمعجزات القاهرة لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين؛ فصار كأن ملقياً ألقاهم. الثاني: قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين. الثالث: أنه ليس في الآية أنه ألقاهم ملق إلى السجود، إلا أنا نقول: إن ذلك الملقي هو أنفسهم. والجواب: أن خالق تلك الداعية في قلوبهم هو الله تعالى، وإلا لافتقروا في خلق تلك الداعية الجازمة إلى داعية أخرى ولزم التسلسل وهو محال. ثم إن أصل تلك القدرة مع تلك الداعية الجازمة تصير موجبة للفعل. وخالق ذلك الموجب هو الله تعالى فكان ذلك الفعل والأثر مسنداً إلى الله تعالى، والله أعلم. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر أولاً أنهم صاروا ساجدين، ثم ذكر بعده أنهم قالوا: {ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فما الفائدة فيه مع أن الأيمان يجب أن يكون متقدماً على السجود؟ وجوابه من وجوه: الأول: أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله تعالى في الحال، وجعلوا ذلك السجود شكراً لله تعالى على الفوز بالمعرفة والإيمان، وعلامة أيضاً على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهار الخضوع والتذلل لله تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور الثلاثة على سبيل الجمع. الوجه الثاني: لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا: {ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والوجه الصحيح هو الأول. المسألة الرابعة: احتج أهل التعليم بهذه الآية فقالوا: الدليل على أن معرفة الله لا تحصل إلا بقول النبي أن أولئك السحرة لما قالوا: {ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لم يتم إيمانهم فلما قالوا: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } تم إيمانهم وذلك يدل على قولنا. وأجاب العلماء عنه: بأنهم لما قالوا: {ءِامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال لهم فرعون إياي تعنون فلما قالوا: {رَبِّ مُوسَىٰ } قال إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا: {وَهَـٰرُونَ } زالت الشبهة، وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء، وقيل إنما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة العالمين لأن التقدير آمنا برب العالمين، وهو الذي دعا إلى الإيمان به موسى وهرون. وقيل: خصهما بالذكر تفضيلاً وتشريفاً كقوله: {أية : وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَاجِدِينَ} لله إيماناً بربوبيته، أو لموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ تسليماً له وإيماناً بنبوّته، أُلهموا السجود لله ـ تعالى ـ أو رأوا موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهارون سجدا شكراً عند الغلبة فاقتدوا بهما.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ * قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}، لما رأَى السحرةُ مِنْ عظيم القُدْرة ماتيقَّنوا به نبوَّة موسَىٰ، آمنوا بقلوبهم، وٱنْضَافَ إِلى ذلك ٱلاستهوالُ وٱلاستعظامُ والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ}. قال * ع *: وهارونُ أخو موسَىٰ أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: {آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره؛ لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على ٱسْمِ اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسَىٰ عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسَىٰ ٱجْتَمَعَ مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسَىٰ: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ؛ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ؛ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم. وقوله سبحانه: {قَالُواْ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا..} الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور: «تنْقِمُ» ـــ بكسر القاف ـــ، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ، قال ابن عباسٍ: لما آمنت السحرةُ ٱتَّبَعَ موسَىٰ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل، وقولُ ملإِ فرعونَ: {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ...} الآية: مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإِلٰه الأَعلَى فقوله على هذا { أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات:24] إنما يريدُ: بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات. وقيل: إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره. كأنه ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ }، المعنى: سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ}، يريد: في المنزلة، والتمكُّن من الدنيا، و{قَـٰهِرُونَ }: يقتضي تحقير أمرهم، أي: هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم. قلت: وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: { أية : إِنَّ هَـؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ }تفسير : [الشعراء:54،55،56]

السلمي

تفسير : قال الواسطى: أدركتهم سابقة ما جرى لهم فى الأزل من السعادة، فأظهر منهم السجود. وقال جعفر: وجدوا نسيم رياح العناية القديمة بهم، فالتجؤوا إلى السجود شكرًا و {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الآية: 121].

اسماعيل حقي

تفسير : {والقى السحرة ساجدين} اى خروا سجدا كأنما القاهم ملق لشدة خرورهم كيف لا وقد بهرهم الحق واضطرهم الى ذلك. ففى الكلام استعارة تمثيلية حيث شبه حالهم فى سرعة الخرور وشدته حين شاهدوا المعجزة القاهرة بحال من القى على وجهه فعبر عن حالهم بما يدل على حال المشبه به.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأُلقى السحرةُ} على وجوهم {ساجدين} لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا؛ لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. {قالوا آمنا بربِّ العالمين ربِّ موسى وهارون} أبدلوا الثاني من الأول؛ لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. {قال فرعونُ آمنتم به} أي: بالله أو بموسى، {قبل أن آذن لكم إنَّ هذا لمكرٌ مكرتموه} أي: إن هذه لَحيلة صنعتموها أنتم وموسى {في المدينة}؛ في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد؛ {لتُخرِجُوا منها أهلها} أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، {فسوف تعلمون} عاقبة ما صنعتم. ثم فصّل ما هددهم به، فقال: {لأقطعّن أيديكم وأرجلكم من خلاف} من كل شق عضو، كَيَدٍ ورِجل من كل واحد {ثم لأُصلبنَكم أجمعين} تفضيحًا لكم وتنكيلاً لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن رُوِي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سنَّ ذلك ـ أي: القطع من خلاف ـ فشرعه الله للقطاع تعظيمًا لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. {قالوا} أي: السحرة لما خوفهم: {إنا إلى ربَّنا منقلبون} بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نُبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، {وما تَنقِمُ منا} أي: وما تعيب علينا {إلا أن آمنا بآيات ربَّنا لما جاءَتنا}، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: {ربنا أفرِغ علينا صبرًا} أي: اصبب علينا صبرًا يغمرنا، كما يُفرغ الماء على الشيء فيغمره، {وتوفنا مسلمين} ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: {أية : أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } تفسير : [القَصَص:35]. هـ. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يُحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضًا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون مَن مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المُدّعُون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يُهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ}.

اطفيش

تفسير : {وألْقِىَ السَّحرةُ ساجِدِينَ} أسرعوا إلى السجود، كأن ملقيا ألقاهم على وجوههم، وذلك مبالغة فى إسراعهم إلى السجود، أو ألقاهم الحق واضطرهم إلى السجود، لما رأوا غلبته حتى كأن أبدانهم ليست فى اختيارهم فيمسكوها عن الوقوع للأرض، أو ألقاهم الله للسجود، كسرا لفرعون بجنده الذين أراد بهم كسر موسى، فانقلب عليه الأمر، فصار من هو من أعوانه عليه لا له، ويأتى كلام فى ذلك فى غير هذه السورة.

اطفيش

تفسير : {وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} كسجود الصلاة، وقيل خضوع، وذلك إِلهام من الله تعالى لو عرفوا ذلك قبل، أَلقاهم الله للأَرض. أَو أَلقوا أَنفسهم للأَرض بسرعة كأَنهم لم يتماسكوا كما لا يتماسك الحجر الملقى، وذلك استعارة، جعل الله الإِسراع من الخرور بلا تمالك، أَو لم يتمالكوا تحقيقا، ومدحوا مع هذا لتقدم سببه منهم وهو الخشوع بمعجزة موسى وهو مؤثر فيهم أَنقياءَ، أَو خشوعا لا مجبرة فكان المدح والثواب، ولو كانت مجبرة بقى الثواب والمدح كذلك لبقائهم على ما أُجبروا عليه بعد زواله وقبل الموت لو كان إِجبارا. وقيل: سجد موسى وهارون شكرا لله تعالى فسجد السحرة تبعا لهما.

الالوسي

تفسير : لأن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً، وجوز رجوع ضمير غلبوا و {أية : انْقَلَبُواْ} تفسير : [الأعراف: 119]على الاحتمال الأول إلى السحرة أيضاً، وتعقب بأنهم لا ذلة لهم؛ والحمل على الخوف من فرعون أو على ما قبل الإيمان لا يخفى ما فيه، والمراد من {أُلْقىَ ٱلسَّحَرَةُ} الخ أنهم خروا ساجدين، وعبر بذلك دونه تنبيهاً على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك فكأن أحداً دفعهم وألقاهم أو أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه فالملقي هو الله تعالى بالهامه لهم حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى عليه السلام وينقلب الأمر عليه، ويحتمل أن يكون الكلام جارياً مجرى التمثيل مبالغة في سرعة خرورهم وشدته وإليه يشير كلام الأخفش، وجوزأن يكون التعبير بذلك مشاكلة لما معه من الإلقاء إلا أنه دون ما تقدم، يروى أن اجتماع القوم كان بالإسكندرية وأنه بلغ ذنب الحية من وراء البحر وأنها فتحت فاها ثمانين ذراعاً فابتلعت ما صنعوا واحداً بعد واحد وقصدت الناس ففزعوا ووقع الزحام فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فعادت في يده عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته تلك الأجرام العظام، ويحتمل أنه سبحانه فرقها أجزاء لطيفة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء فعند ذلك خروا سجدا، والمتبادر من السجود حقيقته ولا يبعد أنهم كانوا عالمين بكيفيته، وقيل: إن موسى وهارون عليهما السلام سجدا شكراً لله تعالى على ظهور الحق فاقتدوا بهما وسجدوا معهما، وحمل السجود على الخضوع أي أنهم خضعوا لما رأوا ما رأوا خلاف الظاهر الذي نطقت به الآثار من غير داع إلى ارتكابه.

ابن عاشور

تفسير : عَطْف على {فغُلبوا - وانقَلبوا} [الأعراف: 119]، فهو في حيز فاء التعقيب، أي: حصل ذلك كله عقب تلقف العصا ما يأفكون، أي: بدون مهلة، وتعقيب كل شيء بحسبه، فسجود السحرة متأخر عن مصيرهم صاغرين، ولكنه متأخر بزمن قليل وهو زمن انقداح الدليل على صدق موسى في نفوسهم، فإنهم كانوا أعلم الناس بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية، ولذلك لما رأوا تلقف عصا موسى لحبالهم وعصيهم جزموا بأن ذلك خارج عن طوق الساحر، فعلموا أنه تأييد من الله لموسى وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى حق، فلذلك سجدوا، وكان هذا خاصاً بهم دون بقية الحاضرين، فلذلك جيء بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يلتبس بالضمير الذي قبله الذي هو شامل للسحرة وغيرهم. والإلقاء: مستعمل في سرعة الهُوِي إلى الأرض، أي: لم يتمالكوا أن سجدوا بدون تريث ولا تردد. وبُني فعل الإلقاء للمجهول لظهور الفاعل، وهو أنفسُهم، والتقدير: وألقَوْا أنفسهم على الأرض. و{ساجدين} حال، والسجود هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض يقصد منها الإفراط في التعظيم، وسجودهم كان لله الذي عرفوه حينئذٍ بظهور معجزة موسى ــــ عليه السلام ــــ والداعي إليه بعنوان كونه رب العالمين. وجملة: {قالوا} بدل اشتمال من جملة: {ألقي السحرة} لأن الهوي للسجود اشتمل على ذلك القول، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون، ولذلك وصفوا الله بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دَعا به موسى ــــ عليه السلام ــــ، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسماً علماً لله تعالى، إذ لم يكن لله اسم عندهم، وقد عُلم بذلك أنهم كفروا بالإهية فرعون. وزادوا هذا القصد بياناً بالإبدال من {رب العالمين} قولّهم {رب موسى وهارون} لئلا يُتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين، وتعين في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنها أخصر طريق، وأوضحه هنا، لاسيما إذا لم يكونوا يعرفون اسماً علماً على الذات العلية. وهذا ما يقتضيه تعليم الله اسمه لموسى حين كلمه فقال: {أية : إنني أنا الله} تفسير : في سورة طه (14). وفي سفر الخروج (وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل (يهوه) إلٰه آبائكم) الخ الإصحاح الثالث. وفصلت جملة: {قال فرعون} لوقوعها في طريق المحاورة. وقوله: {أآمنتم} قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام ــــ بهمزتين ــــ فمنهم من حققها، وهم: حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وروْح عن يعقوب، وخلفٌ، ومنهم من سهل الثانية مَدّة، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان، وهؤلاء هم: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأه حفص عن عاصم ــــ بهمزة واحدة ــــ فيجوز أن يكون إخباراً، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع. والاستفهام للإنكار والتهديد مجازاً مرسلاً مركباً، والإخبار مستعمل كذلك أيضاً لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحُوا بذلك وعلموه، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى، أي: آمنتم بما قاله، أو إلى رب موسى. وجملة: {إن هذا لمكر} الخ... خبر مراد به لازم الفائدة أي: قد علمتُ مرادكم لأن المخاطَب لا يخبَر بشيء صَدر منه، كقول عنترة:شعر : إنْ كنتِ أزمعتِ الفراق فإنما زُمّتْ ركابُكُم بليل مظلم تفسير : أي: إن كنت أخفيتِ عني عزمك على الفراق فقد علمتُ أنكم شددتُم رحالكم بليل لترحلوا خفية. وقوله: {قَبْلَ أنْ آذنَ لكُم} ترق في موجب التوبيخ، أي لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان، وَفصْلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ. والمكر تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومكروا ومكر الله} تفسير : في سورة آل عمران (54)، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : أفأمنوا مَكر الله}تفسير : [الأعراف: 99] والضمير المنصوب في {مكرتموه} ضمير المصدر المؤكّد لفعله. و{في} ظرفية مجازية: جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع العنصر المفسد، أي: أردتم إضرار أهلها، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا جدوى لها إذ معلوم لكل أحد أن مكرهم وقع في تلك المدينة، وفسره في «الكشاف» بأنهم دبروه في المدينة حين كانوا بها قبل الحضور إلى الصحراء التي وقعت فيها المحاورة، وقد تبين أن المراد بالظرفية ما ذكرناه بالتعليل الذي بعدها في قوله: {لتخرجوا منها أهلها} والمراد ــــ هنا ــــ بعض أهلها، وهم بنو إسرائيل، لأن موسى جاء طلباً لإخراج بني إسرائيل كما تقدم. وقول فرعون هذا يحتمل أنه قاله موافقاً لظنه على سبيل التهمة لهم لأنه لم يكن له علم بدقائق علم السحر حتى يفرق بينه وبين المعجزة الخارقة للعادة، فظن أنها مكيدة دبرها موسى مع السحرة، وأنه لكونه أعلمهم أو معلمهم أمرهم فاتمروا بأمره، كما في الآية الأخرى {أية : إنه لكبيركم الذي علمكم السحر}تفسير : [طه: 71]. ويحتمل أنه قاله تمويهاً وبهتاناً ليصرف الناس عن اتباع السحرة، وعن التأثر بغلبة موسى إياهم فيدخل عليهم شكاً في دلالة الغلبة واعتراف السحرة بها، وأن ذلك مواطاة بين الغالب والمغلوب لغاية مقصودة، وهو موافق في قوله هذا، لما كان أشار به. الملأ من قومه حين قالوا: {أية : يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره}تفسير : [الشعراء: 35] وأيّا ما كان فعزمه على تعذيبهم مصير إلى الظلم والغشم لأنه ما كان يحق له أن يأخذهم بالتهمة، بله أن يعاقبهم على المصير إلى الحجة، ولكنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت. وَفرع على الإنكار والتوبيخ الوعيدَ بقوله: {فسوف تعلمون}، وحذف مفعول {تعلمون} لقصد الإجمال في الوعيد لإدخال الرعب، ثم بيّنه بجملة {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف}. ووقوع الجمع معرفاً بالإضافة يكسبه العموم فيعم كل يدَ وكل رجْل من أيدي وأرجل السحرة. و{منْ} في قوله: {من خلاف} ابتدائية لبيان موضع القطع بالنسبة إلى العضو الثاني، وقد تقدم بيان نظيرها عند قوله تعالى: {أية : أو تُقطّعُ أيْدِيهمْ وَأرْجُلُهمْ من خلاف} تفسير : في سورة المائدة (33). فالمعنى: أنه يقطع من كل ساحر يداً ورجلاً متخالفتي الجهة غير متقابلتيها، أي: إنْ قطعَ يدَه اليمنى قطعَ رجله اليسرى والعكس، وإنما لم يقطع القوائم الأربع لأن المقصود بقاء الشخص متمكناً من المشي متوكئاً على عود تحت اليد من جهة الرجل المقطوعة. ودلت {ثُم} على الارتقاء في الوعيد بالثلب، والمعروف أن الصلب أن يقتل المرء مشدوداً على خشبة، وتقدم في قوله: {أية : وما قتلوه وما صلبوه} تفسير : في سورة النساء (157)، وعلى هذا يكون توعّدهم بنوعين من العذاب. والوعيد موجّه إلى جماعتهم فعلم أنه جعلهم فريقين: فريق يعذب بالقطع من خلاف، وفريق يعذب بالصلب والقتل، فعلى هذا ليس المعنى على أنه يصلبهم بعد أن يقطعهم، إذ لا فائدة في تقييد القطع بكونه من خلاف حينئذٍ ويحتمل أن يراد بالصلب: الصلب دون قتل، فيكون أراد صلبهم بعد القطع ليجعلهم نكالاً ينذعر بهم الناس، كيلا يُقدم أحد على عصيان أمره من بعد، فتكون (ثم) دالة على الترتيب والمهلة، ولعل المهلة قصد منها مدة كيّ واندمال موضع القطع، وهذا هو المناسب لظاهر قوله: {أجمعين} المفيد أن الصلب ينالهم كلهم. وفصلت جملة {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} لوقوعها في سياق المحاورة. والانقلابُ: الرجوع وقد تقدم قريباً. وهذا جواب عن وعيد فرعون بأنه وعيد لا يضيرهم، لأنهم يعلمون أنهم صائرون إلى الله رب الجميع، وقد جاء هذا الجواب موجزاً إيجازاً بديعاً لأنه يتضمن أنهم يرجون ثواب الله على ما ينالهم من عذاب فرعون، ويرجون منه مغفرة ذنوبهم، ويرجون العقابَ لفرعون على ذلك، وإذا كان المراد بالصلب القتل وكان المراد تهديد جميع المؤمنين، كان قولهم: {إنا إلى ربنا منقلبون} تشوقاً إلى حلول ذلك بهم محبة للقاء الله تعالى، فإن الله تعالى لما هداهم إلى الإيمان أكسبهم محبة لقائه، ثم بينوا أن عقاب فرعون لا غضاضة عليهم منه، لأنه لم يكن عن جناية تَصمهم بل كان على الإيمان بآيات لما ظهرت لهم. أي: فإنك لا تعرف لنا سبباً يوجب العقوبة غير ذلك. والنّقْم: بسكون القاف وبفتحها، الإنكار على الفعل، وكراهة صدوره وحقد على فاعله، ويكون باللسان وبالعمل، وفعله من باب ضرب وتعب، والأول أفصح ولذلك قرأه الجميع {ومَا تنقمُ} ــــ بكسر القاف ــــ. والاستثناء في قولهم: {إلاّ أن آمنا بآيات ربنا} متصل، لأن الإيمان ينقمه فرعون عليهم، فليس في الكلام تأكيد الشيء بما يشبه ضده. وجملة {ربنا أفرغ علينا صبراً} من تمام كلامهم، وهي انتقال من خطابهم فرعون إلى التوجه إلى دعاء الله تعالى، ولذلك فصلت عن الجملة التي قبلها. ومعنى قوله: {ربنا أفرغ علينا صبراً} اجعل لنا طاقة لتحمل ما توعدنا به فرعون. ولما كان ذلك الوعيد مما لا تطيقه النفوس سألوا الله أن يجعل لنفوسهم صبراً قوياً، يفوق المتعارف، فشه الصبر بماء تشبيه المعقول بالمحسوس، على طريقة الاستعارة المكنية، وشبه خلقُه في نفوسهم بإفراغ الماء من الإناء على طريقة التخييلية، فإن الإفراغ صّب جميع ما في الإناء، والمقصود من ذلك الكناية عن قوة الصبر لأن إفراغ الإناء يستلزم أنه لم يبق فيه شيء مما حواه، فاشتملت هذه الجملة على مكنية وتخييلية وكناية. وتقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً} تفسير : في سورة البقرة (250). ودعوا لأنفسهم بالوفاة على الإسلام إيذاناً بأنهم غير راغبين في الحياة، ولا مبالين بوعيد فرعون، وأن همتهم لا ترجو إلاّ النجاة في الآخرة، والفوزَ بما عند الله، وقد انخذل بذلك فرعون، وذهب وعيده باطلاً، ولعله لم يحقق ما توعدهم به لأن الله أكرمهم فنجاهم من خزي الدنيا كما نجاهم من عذاب الآخرة. والقرآن لم يتعرض هنا، ولا في سورة الشعراء، ولا في سورة طه، للإخبار عن وقوع ما توعدهم به فرعون لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل العبرة وهو تأييد الله موسى وهداية السحرة وتصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم للوعيد بنفوس مطمئنّة. وليس من غرض القرآن معرفة الحوادث كما قال في سورة النازعات (26): {أية : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}، تفسير : فاختلاف المفسرين في البحث عن تحقيق وعيد فرعون زيادة في تفسير الآية. والظاهر أن فرعون أفحم لما رأى قلة مبالاتهم بوعيده فلم يُرد جواباً. وذكرُهم الإسلام في دعائهم يدل على أن الله ألهمهم حقيقته التي كان عليها النبيّون والصديقون من عهد إبراهيم عليه السلام. والظاهر أن كلمة {مسلمين} تعبير القرآن عن دعائهم بأن يتوفاهم الله على حالة الصديقين، وهي التي يجمعُ لفظُ الإسلام تفصيلها، وقد تقدم شرح معنى كون الإسلام وهو دين الأنبياء عند قوله: {أية : فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون} تفسير : في سورة البقرة (132).

د. أسعد حومد

تفسير : {سَاجِدِينَ} (120) - وَخَرَّ السَّحَرَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ سَاجِدِينَ للهِ إِيمَاناً بِهِ، وَاعْتِذَاراً عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ سِحْرٍ أَرَادُوا بِهِ مُعَارَضَةَ آيَاتِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولم يقل الحق: وسجد السحرة، ولكنه قال: "ألقى" مما يدل على أن خرورهم للسجود ليس برأيهم، لكنه عملية انبهارية مما حصل أمامهم، كأن شيئاً آخر ألقاهم ساجدين، وهو الانبهار بالحق. فالساحر منهم كان يعتقد أنه هو الذي يسحر، ثم يفاجأ مجموع السحرة أن موسى حين ألقى عصاه رأوها حية بالفعل فعرفوا أن المسألة ليست سحراً، وحينما ألقوا عصيهم وحبالهم التي جاءوا بها من كل المدائن، قيل إنها حُملت على سبعين بعيراً وشاهدوا كيف أن العصا التي صارت حية أو ثعباناً لقفت كل هذا وابتلعته! وحجم العصا هو حجم العصا مهما طالت، وهكذا تيقن أن هذا لا يمكن أن يكون من فعل ساحر، وانظر إلى الاستجابة منهم لمَّا رأوا: {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}