Verse. 1077 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ فِرْعَوْنُ اٰمَنْتُمْ بِہٖ قَبْلَ اَنْ اٰذَنَ لَكُمْ۝۰ۚ اِنَّ ہٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوْہُ فِي الْمَدِيْنَۃِ لِتُخْرِجُوْا مِنْہَاۗ اَہْلَہَا۝۰ۚ فَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ۝۱۲۳
Qala firAAawnu amantum bihi qabla an athana lakum inna hatha lamakrun makartumoohu fee almadeenati litukhrijoo minha ahlaha fasawfa taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال فرعون أآمنتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا «به» بموسى «قبل أن آذن» «لكم إنَّ هذا» الذي صنعتموه «لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون» ما ينالكم مني.

123

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية حفص {أَمِنتُمْ } بهمزة واحدة على لفظ الخبر وكذلك في طه والشعراء وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي {أَأَمِنتُمْ } بهمزتين في جميع القرآن وقرأ الباقون بهمزة واحدة ممدودة في جميع على الاستفهام. قال الفراء: أما قراءة حفص {أَمِنتُمْ } بلفظ الخبر من غير مد، فالوجه فيها أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم والإنكار عليهم، وأما القراءة بالهمزتين فأصله {أَأَمِنتُمْ } على وزن أفعلتم. المسألة الثانية: اعلم أن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوة موسى عليه السلام عند اجتماع الخلق العظيم خاف أن يصير ذلك حجة قوية عند قومه على صحة نبوة موسى عليه السلام فألقى في الحال نوعين من الشبهة إلى إسماع العوام، لتصير تلك الشبهة مانعة للقوم من اعتقاد صحة نبوة موسى عليه السلام. فالشبهة الأولى: قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ } والمعنى: أن إيمان هؤلاء بموسى عليه السلام ليس لقوة الدليل، بل لأجل أنهم تواطئوا مع موسى أنه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك ونقر بنبوتك، فهذا الإيمان إنما حصل بهذا الطريق. والشبهة الثانية: أن غرض موسى والسحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة وإبطال ملكهم، ومعلوم عند جميع العقلاء أن مفارقة الوطن والنعمة المألوفة من أصعب الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين اللتين لا يوجد أقوى منهما في هذا الباب. وروى محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم: أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال موسى عليه السلام: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به الحق؟ قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع قولهما، فهذا هو قول فرعون {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ } واعلم أن هذا يحتمل أنه كان قد حصل، ويحتمل أيضاً أن فرعون ألقى هذا الكلام في البين، ليصير صارفاً للعوام عن التصديق بنبوة موسى عليه السلام. قال القاضي: وقوله: {قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } دليل على مناقضة فرعون في ادعاء الإلهية، لأنه لو كان إلهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا به مع أنه يدعوهم إلى إلهية غيره، ثم قال: وذلك من خذلان الله تعالى الذي يظهر على المبطلين. أما قوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } لا شبهة في أنه ابتداء وعيد، ثم إنه لم يقتصر على هذا الوعيد المجمل، بل فسره فقال: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } وقطع اليد والرجل من خلاف معروف المعنى، وهو أن يقطعهما من جهتين مختلفتين، أما من اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو من اليد اليسرى والرجل اليمنى، وأما الصلب فمعروف فتوعدهم بهذين الأمرين العظيمين، واختلفوا في أنه هل وقع ذلك منه؟ وليس في الآية ما يدل على أحد الأمرين. واحتج بعضهم على وقوعه بوجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن الملأ من قوم فرعون أنهم قالوا له: {أية : أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 127] ولو أنه ترك أولئك السحرة وقومه أحياء وما قتلهم، لذكرهم أيضاً ولحذرهم عن الإفساد الحاصل من جهتهم. ويمكن أن يجاب عنه بأنهم دخلوا تحت قومه فلا وجه لإفرادهم بالذكر. والثاني: أن قوله تعالى حكاية عنهم {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } يدل على أنه كان قد نزل بهم بلاء شديد عظيم، حتى طلبوا من الله تعالى أن يصبرهم عليه. ويمكن أن يجاب عنه بأنهم طلبوا من الله تعالى الصبر على الإيمان وعدم الالتفات إلى وعيده. الثالث: ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فعل ذلك وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وهذا هو الأظهرمبالغة منه في تحذير القوم عن قبول دين موسى عليه السلام. وقال آخرون: إنه لم يقع من فرعون ذلك، بل استجاب الله تعالى لهم الدعاء في قولهم: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } لأنهم سألوه تعالى أن يكون توفيهم من جهته لا بهذا القتل والقطع وهذا الاستدلال قريب. ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز أن يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن منه، وهو قولهم لفرعون: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } فبينوا أن الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم، بل يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل. يقال: نقمت أنقم إذا بالغت في كراهية الشيء، وقد مر عند قوله: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } تفسير : [المائدة: 59] قال ابن عباس: يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا. والمراد: ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى. ثم قالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } معنى الإفراغ في اللغة الصب. يقال: درهم مفرغ إذا كان مصبوباً في قالبه وليس بمضروب، وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ، فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإناء. قال مجاهد: المعنى صب علينا الصبر عند الصلب والقطع، وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أكمل من قوله: أنزل علينا صبراً، لأنا ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية، فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه. والفائدة الثانية: أن قوله {صَبْراً } مذكور بصيغة التنكير، وذلك يدل على الكمال والتمام، أي صبراً كاملاً تاماً كقوله تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ }تفسير : [البقرة: 96] أي على حياة كاملة تامة. والفائدة الثالثة: إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم، ثم إنهم طلبوه من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه. قال القاضي: إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر، وذلك معلوم في الأدعية. والجواب: هذا عدول عن الظاهر، ثم الدليل يأباه، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل، فيكون الكل من الله تعالى. وأما قوله: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا على أن الإيمان والإسلام لا يحصل إلا بخلق الله تعالى، ووجه الاستدلال به ظاهر. والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق. المسألة الثانية: احتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام واحد. فقال إنهم قالوا أولاً {ءَامَنَّا بِئَايَٰتِ رَبِّنَا} ثم قالوا ثانياً: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان، وذلك يدل على أن أحدهما هو الآخر والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} إنكار منه عليهم. {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} أي جرت بينكم وبينه مُواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن تبرزوا إلى هذه الصحراء {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد لهم. قال ٱبن عباس: كان فرعون أوّلَ من صَلبَ، وقَطَع الأيدي والأرجل من خلافٍ، الرجل اليُمْنَىٰ واليد اليسرىٰ، واليد اليمنىٰ والرجل اليسرىٰ، عن الحسن. {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا} قرأ الحسن بفتح القاف. قال الأخفش هي لغة يقال: نَقِمت الأمر ونقمته أنكرته، أي لست تكره منا سوى أن آمنا بالله وهو الحق. {لَمَّا جَآءَتْنَا} آياته وبيناته. {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} الإفراغ الصَّبّ، أي ٱصببه علينا عند القطع والصلب. {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} فقيل: إن فرعون أخذ السحرة وقطعهم على شاطىء النهر، وإنه آمن بموسىٰ عند إيمان السحرة ستمائة ألف.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما توعد به فرعون - لعنه الله - السحرة، لما آمنوا بموسى عليه السلام، وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} أي: إن غلبته لكم في يومكم هذا، إنما كان عن تشاور منكم، ورضاً منكم لذلك؛ كقوله في الآية الأخرى: {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} تفسير : [طه: 71] وهو يعلم، وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل؛ فإن موسى عليه السلام بمجرد ما جاء من مدين، دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر؛ ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك، والتقدم عند فرعون. وموسى عليه السلام لا يعرف أحداً منهم، ولا رآه، ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تستراً وتدليساً على رعاع دولته وجهلتهم؛ كما قال تعالى: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} تفسير : [الزخرف: 54] فإن قوماً صدقوه في قوله: {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ} تفسير : [النازعات: 24] من أجهل خلق الله وأضلهم. وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ} قال: التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك، أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني، لأومنن بك، ولأشهدن أنك حق، وفرعون ينظر إليهما، قالوا: فلهذا قال ما قال، وقوله: {لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} أي: تجتمعوا أنتم وهو، وتكون لكم دولة وصولة، وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: ما أصنع بكم، ثم فسر هذا الوعيد بقوله: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى، أو بالعكس، {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} وقال في الآية الأخرى: {أية : فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] أي: على الجذوع. قال ابن عباس: وكان أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف، فرعونـ وقول السحرة: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشد من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك؛ لنخلص عن عذاب الله، ولهذا قالوا: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أي: عمنا بالصبر على دينك، والثبات عليه، {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} أي: متابعين لنبيك موسى عليه السلام. وقالوا لفرعون: {أية : فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } تفسير : [طه: 72-75] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة، قال ابن عباس وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخره شهداء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً {بِهِ } بموسى {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ } أنا {لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا } الذي صنعتموه {لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما ينالكم مني.

الشوكاني

تفسير : قوله: {آمَنتُمْ بِهِ} قرىء بحذف الهمزة على الإخبار وبإثباتها. أنكر على السحرة فرعون إيمانهم بموسى قبل أن يأذن لهم بذلك، ثم قال بعد الإنكار عليهم، مبيناً لما هو الحامل لهم على ذلك في زعمه {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ } أي حيلة احتلتموها أنتم وموسى عن مواطأة بينكم سابقة {لِتُخْرِجُواْ } من مدينة مصر {أَهْلِهَا } من القبط، وتستولوا عليها وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل. ومعنى {فِى ٱلْمَدِينَةِ } أن هذه الحيلة والمواطأة كانت بينكم، وأنتم بالمدينة، مدينة مصر، قبل أن تبرزوا أنتم وموسى إلى هذه الصحراء. ثم هدّدهم بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة صنعكم هذا، وسوء مغبته، ثم لم يكتف بهذا الوعيد المجمل، بل فصّله فقال: {لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } أي الرجل اليمنى واليد اليسرى، أو الرجل اليسرى واليد اليمنى، ثم لم يكتف عدوّ الله بهذا، بل جاوزه إلى غيره فقال: {ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ } في جذوع النخل، أي أجعلكم عليها مصلوبين زيادة تنكيل بهم، وإفراطاً في تعذيبهم، وجملة {قَالُواْ إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } استئنافية جواب سؤال كما تقدّم، ومعناه: إنك وإن فعلت بنا هذا الفعل، فبْعَدْه يومُ الجزاء سيجازيك الله بصنعك، ويحسن إلينا بما أصابنا في ذاته، فتوعدوه بعذاب الله في الآخرة، لما توعدهم بعذاب الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى: {إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } بالموت، أي لا بدّ لنا من الموت، ولا يضرّنا كونه بسبب منك. قوله: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا } قرأ الحسن بفتح القاف. قال الأخفش: هي لغة، وقرأ الباقون بكسرها. يقال نقمت الأمر أنكرته، أي لست تعيب علينا وتنكر منا {إِلا أَنْ ءامَنَّا بِـئَايَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا} مع أن هذا هو الشرف العظيم والخير الكامل، ومثله لا يكون موضعاً للعيب ومكاناً للإنكار، بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ، ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العليّ، مفوّضين الأمر إليه، طالبين منه عزّ وجلّ أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر قائلين: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } الإفراغ: الصبّ، أي اصببه علينا حتى يفيض ويغمرنا. طلبوا أبلغ أنواع الصبر، استعداداً منهم لما سينزل بهم من العذاب من عدوّ الله، وتوطيناً لأنفسهم على التصلب في الحق، وثبوت القدم على الإيمان، ثم قالوا: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} أي توفنا إليك حال ثبوتنا على الإسلام، غير محرّفين، ولا مبدّلين، ولا مفتونين. ولقد كان ما هم عليه من السحر، والمهارة في علمه، مع كونه شرّاً محضاً، سبباً للفوز بالسعادة، لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشرّ إلى الخير، ولم يحصل من غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون، ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف والإيمان، وإذا كانت المهارة في علم الشرّ قد تأتي بمثل هذه الفائدة، فما بالك بالمهارة في علم الخير، اللهم انفعنا بما علمتنا، وثبت أقدامنا على الحق، وأفرغ علينا سجال الصبر، وتوفنا مسلمين. قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ }؟ هذا الاستفهام منهم للإنكار عليه، أي أتتركه وقومه ليفسدوا في الأرض بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل؟ والمراد بالأرض هنا: أرض مصر. قوله: {وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } قرأ نعيم بن ميسرة «ويذرك» بالرفع على تقدير مبتدأ، أي وهو يذرك، أو على العطف على {أَتَذَرُ مُوسَىٰ } أي أتذره ويذرك. وقرأ الأشهب العقيلي "وَيَذَرَك" بالجزم، إما على التخفيف بالسكون لثقل الضمة، أو على ما قيل في {أية : وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [المنافقون: 10] في توجيه الجزم. وقرأ أنس بن مالك «ونذرك» بالنون والرفع، ومعناه: أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم سيذرونه وآلهته. وقرأ الباقون {ويذرك} بالنصب بأن مقدّرة على أنه جواب الاستفهام، والواو نائبة عن الفاء، أو عطفاً على {يفسدوا} أي ليفسدوا، وليذرك، لأنهم على الفساد في زعمهم، وهو يؤدّي إلى ترك فرعون وآلهته. واختلف المفسرون في معنى: {وَءالِهَتَكَ } لكون فرعون كان يدّعي الربوبية كما في قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } تفسير : [القصص: 38]. وقوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ } تفسير : [النازعات: 24] فقيل معنى و{آلهتك} وطاعتك. وقيل معناه: وعبادتك. ويؤيده قراءة علي، وابن عباس، والضحاك «وإلٰهتك»، وفي حرف أبي «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك» وقيل: إنه كان يعبد بقرة، وقيل: كان يعبد النجوم. وقيل: كان له أصنام يعبدها قومه تقرّباً إليه، فنسبت إليه، ولهذا قال {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24] قاله الزجاج. وقيل: كان يعبد الشمس. فقال فرعون مجيباً لهم، ومثبتاً لقلوبهم على الكفر {سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ }. قرأ نافع وابن كثير «سنقتل» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، أي سنقتل الأبناء، ونستحيـي النساء، أي نتركهنّ في الحياة. ولم يقل سنقتل موسى، لأنه يعلم. أنه لا يقدر عليه {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ } أي مستعلون عليهم بالقهر والغلبة، أو هم تحت قهرنا وبين أيدينا. ما شئنا أن نفعله بهم فعلناه. وجملة {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، لما بلغ موسى ما قاله فرعون أمر قومه بالاستعانة بالله والصبر على المحنة، ثم أخبرهم {أَنَّ ٱلارْضَ } يعني: أرض مصر {للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أو جنس الأرض، وهو وعد من موسى لقومه بالنصر على فرعون وقومه، وأن الله سيورثهم أرضهم وديارهم. ثم بشّرهم بأن العاقبة للمتقين، أي العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة للمتقين من عباده، وهم موسى ومن معه. وعاقبة كل شيء آخره. وقرىء «والعاقبة» بالنصب عطفاً على الأرض. وجملة {قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر كالتي قبلها، أي أوذينا من قبل أن تأتينا رسولاً، وذلك بقتل فرعون أبناءنا عند مولدك لما أخبر بأنه سيولد مولود يكون زوال ملكه على يده {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } رسولاً بقتل أبنائنا الآن. وقيل: المعنى أوذينا من قبل أن تأتينا باستعمالنا في الأعمال الشاقة بغير جعل {ومن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} بما صرنا فيه الآن من الخوف على أنفسنا وأولادنا وأهلنا. وقيل: إن الأذى من قبل ومن بعد واحد، وهو قبض الجزية منهم. وجملة {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } مستأنفة كالتي قبلها، وعدهم بإهلاك الله لعدوّهم، وهو فرعون وقومه. قوله: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأرْضِ } هو تصريح بما رمز إليه سابقاً من أن الأرض لله. وقد حقّق الله رجاءه، وملكوا مصر في زمان داود وسليمان، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع ابن نون، وأهلك فرعون وقومه بالغرق وأنجاهم {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} من الأعمال بعد أن يمنّ عليكم بإهلاك عدوّكم {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأرْضِ } فيجازيكم بما عملتم فيه من خير وشرّ. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ } إذا التقيتما لتظاهرا فتخرجا منها أهلها {لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ } الآية، قال: فقتلهم وقطعهم كما قال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان أوّل من صلب فرعون، وهو أوّل من قطع الأيدي والأرجل من خلاف. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، في قوله: {مّنْ خِلَـٰفٍ } قال: يداً من ها هنا، ورجلاً من ها هنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } قال: من قبل إرسال الله إياك ومن بعده. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه، في الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى كان فرعون يكلفنا اللبن قبل أن تأتينا. فلما جئت كلفنا اللبن مع التبن أيضاً، فقال موسى: أي ربّ أهلك فرعون، حتى متى تبقيه؟ فأوحى الله إليهم إنهم لم يعملوا الذنب الذي أهلكهم به. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في الآية قال: حزا لعدوّ الله حاز أنه يولد في العام غلام يسلب ملكك، قال: فتتبع أولادهم في ذلك العام بذبح الذكر منهم، ثم ذبحهم أيضاً بعد ما جاءهم موسى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: إن بنا أهل البيت يفتح ويختم، ولا بدّ أن تقع دولة لبني هاشم فانظروا فيمن تكون من بني هاشم؟ وفيهم نزلت: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } وينبغي أن ينظر في صحة هذا عن ابن عباس، فالآية نازلة في بني إسرائيل، لا في بني هاشم، واقعة في هذه القصة الحاكية لما جرى بين موسى وفرعون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ...} الآية: {الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أشرافهم. والثاني: رؤساؤهم. والثالث: أنهم الرهط والنفر الذين آمنوا معهم. والفرق بين الرهط والنفر من وجهين: أحدهما: كثرة الرهط وقلة النفر. والثاني: قوة الرهط وضعف النفر، وفي تسميتهم بالملأ وجهان: أحدهما: أنهم مليئون بما يراد منهم. والثاني: لأنهم تملأ النفوس هيبتهم. وفيه وجه ثالث: لأنهم يملأون صدور المجالس. فإن قيل: فما وجه إقدامهم على الإنكار على فرعون مع عبادتهم له؟ قيل: لأنهم رأوا منه خلاف عادته وعادة الملوك في السطوة بمن أظهر العناد وخالف، وكان ذلك من لطف الله بموسى. وفي قوله: {لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} وجهان: أحدهما: ليفسدوا فيها بعبادة غيرك والدعاء إلى خلاف دينك. والثاني: ليفسدوا فيها بالغلبة عليها وأخذ قومه منها. ثم قالوا: {وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ} فإن قيل: فما وجه قولهم ذلك له وهم قد صدقوه على قوله: {أية : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}؟ تفسير : [النازعات: 24]. قيل الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان يعبد الأصنام وكان قومه يعبدونه، قاله الحسن. والثاني: أنه كان يعبد ما يستحسن من البقر ولذلك أخرج السامري عجلاً جسداً له خوار وقال هذا إلهكم وإله موسى، وكان معبوداً في قومه، قاله السدي. والثالث: أنها كنت أصناماً يعبدها قومه تقرباً إليه، قاله الزجاج. وقرأ ابن عباس {وَيَذَرَكَ وَإِلاَهَتَكَ} أي وعبادتك. قال الحسن: وكان فرعون يَعبُد ويُعبَد. وعلى هذه القراءة يسقط السؤال. وذكر ابن قتيبة في هذه القراءة تأويلاً ثانياً؛ أن الإلاهة الشمس، والعرب تسمي الشمس الإلاهة واستشهد بقول الأعشى: شعر : وَلَمْ أَذْكُرِ الرُّعْبَ حَتَّى انْتَقَلْتُ قُبَيْلَ الإِلاَهَةِ مِنْهَا قرِيباً تفسير : يعني الشمس، فيكون تأويل الآية: ويذرك والشمس حتى تعبد فعلى هذا يكون السؤال متوجهاً عنه ما تقدم. {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيي نِسَاءَهُمْ} وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء لأنه علم أنه لا يقدر عل قتل موسى إما لقوته وإما تصوره أنه مصروف عن قتله، فعدل إلى قتل الأبناء ليستأصل قوم موسى من بني إسرائيل فيضعف عن فرعون {وَنَسْتَحِيي نِسَاءَهُمُ} فيه قولان: أحدهما: أن نفتش أرحامهن فننظر ما فيهن من الولد، مأخوذ من الحياء وهو اسم من أسماء الفرج، حكاه ابن بحر. والثاني: الأظهر أن معناه: نستبقيهن أحياء لضعفهن عن المنازعة وعجزهن عن المحاربة. قوله عز وجل: {قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أمرهم بذلك تسلية لهم من وعيد فرعون كما يقول من نالته شدة: استعنت بالله. والثاني: أنه موعد منه بأن الله سيعينهم على فرعون إن استعانوا به. ثم قال: {وَاصْبِرُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: واصبروا على ما أنتم فيه من الشدة طمعاً في ثواب الله. والثاني: أنه أمرهم بالصبر انتظاراً لنصر الله. {إنَّ الأَرْضِ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك تسلية لقومه في أن الدنيا لا تبقي على أحد فتبقي على فرعون لأنها تنتقل من قوم إلى قوم. والثاني: أنه أشعرهم بذلك أن الله يورثهم أرض فرعون. {وَالْعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يريد في الآخرة بالثواب. والثاني: في الدنيا بالنصر. قوله عز وجل: {قالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الأذى من قبل ومن بعد أخذ الجزية. قاله الحسن. والثاني: أن الأذى من قبل: تسخيرهم بني إسرائيل في أعمالهم لنصف النهار وإرسالهم في بقيته ليكسبوا لأنفسهم. والأذى من بعد: تسخيرهم في جميع النهار بلا طعام ولا شراب، قاله جويبر. والثالث: أن الأذى الذي كان من قبل: الاستعباد وقتل الأبناء، والذي كان من بَعد: الوعيد بتجديد ذلك عليهم، حكاه ابن عيسى. والرابع: أن الأذى الذي كان من قبل أنهم كانوا يضربون اللبن ويعطيهم التبن، والأذى من بعد أن صاروا يضربون اللبن ويجعل عليهم التبن، قاله الكلبي، وفي قولهم: {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} قولان: أحدهما: من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعد ما جئتنا بها، قاله ابن عباس. والثاني: من قبل أن تأتينا بعهد الله إليك أنه يخلصنا ومن بعد ما جئتنا به. وفي هذا القول منهم وجهان: أحدهما: أنه شكوى ما أصابهم من فرعون واستعانة بموسى. والثاني: أنهم قالوه استبطاء لوعد موسى، حكاه ابن عيسى. {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِك عَدُوَّكُمْ} {عَسَى} في اللغة طمع وإشفاق. قال الحسن عسى من الله واجبة، وقال الزجاج: {عَسَى} من الله يقين. {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} في قوله: {فَينظُرَ} وجهان: أحدهما: فيرى. والثاني: فيعلم وفي قول موسى ذلك لقومة أمران: أحدهما: الوعد بالنصر والاستخلاف في الأرض. والثاني: التحذير من الفساد فيها لأن الله تعالى ينظر كيف يعملون.

القشيري

تفسير : خاطبَهم معتقداً أنهم هم الذين كانوا، وهم يعلمون أن تلك الأسرار قد خرجت عن رِقِّ الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن توهم التفرقة، وأن شمسَ العرفان طلعت في سماءِ أسرارهم، فأشهدوا الحقَّ بنظر صحيح، ولم يبقَ لتخويفات النفس فيهم سلطان، ولا لشيء من العلل بينهم مساغ.

الطوسي

تفسير : قرأ حفص وورش ورويس {آمنتم} على الخبر. الباقون بهمزتين على الاستفهام. وحقق الهمزتين أهل الكوفة إِلا حفصاً وروحاً. الباقون بتحقيق الأولى وتليين الثانية إِلا أن قنبلاً في غير رواية ابن السائب يقلب همزة الاستفهام واواً اذا اتصلت بنون فرعون، ولم يفصل أحد بين الهمزتين بألف، قال أبو علي: قياس قول أبي عمرو ومذهبه أن يفصل بين الهمزتين بألف كما يفصل بين النونات في (اخشينان) إِلا أنه يشبه أن يكون ترك القياس، وقوله هنا لما كان يلزم منه اجتماع المتشابهات فترك الألف التي تدخل بين الهمزتين، وخفف الهمزة الثانية التي هي همزة (افعل) من (آمن) فأما رواية أبي الاخريط عن ابن كثير بابدال الهمزة واواً، فانه أبدل من ألف الاستفهام واواً، لانضمام ما قبلها وهي النون المضمومة في (فرعون) وهذا في المنفصل مثل المتصل من نوره، فقوله (نوأ) على وزن (نود) وفى رواية قنبل عن القواس مثل رواية البزي عن أبي الاخريط غير انه يهمز بعد الواو، قال أبو علي: من همز بعد الواو، لأن هذه (الواو) هي منقلبة عن همزة الاستفهام، وبعد همزة الاستفهام همزة (أفعلتم) فخففها، ولم يخففها كما خفف في القول الاول، ووجهه ان الاولى لما زالت عن لفظ الهمزة وانقلبت واواً حقق الهمزة بعدها، لأنه لم يجتمع همزتان. ووجه القول الأول أن (الواو) لما كان انقلابها عن الهمزة تخفيفاً قياس، كان في حكم الهمزة فلم يحقق معها الثانية كما لا تحقق مع الهمزة نفسها، لأن الواو في حكمها، كما كانت في حكمها في (روياً) في تخفيف (رؤياً) فلم يدغموها في الياء، كما لم يدغم الهمزة فيها. ومن قرأ على الخبر فوجهه أنه يخبرهم بايمانهم على جهة التقريع لهم بايمانهم، والانكار عليهم. ووجه الاستفهام أنه استفهام على وجه التوبيخ والتقريع، والانكار عليهم. وحمزة والكسائي قرءا بهمزتين الثانية ممدودة، لأن الهمزة الثانية تتصل بها الألف المنقلبة عن الهمزة التى هي فاء في (آمن). في هذه الآية حكاية لما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وصدقوه لظهور الحق، فقال لهم {آمنتم به}؟ وإِنما قال لهم ذلك، لأنه توهم أن الاقدام على خلاف الملك بما عمل قبل الاذن فيه منكر يقتضي سطوة الملك بصاحبه والتنكيل به، وعندنا أن فرعون لم يعرف الله قط معرفة يستحق بها الثواب. وقال الرماني: لا يمتنع أن يكون عارفاً بالله، وإِنما قال هذا القول تمويهاً على قومه وللتحذير من مثل حال السحرة الذين أقدموا على المخالفة له في الايمان بموسى (ع). وقوله تعالى {إِن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} معناه تواطأتم على هذا الأمر لتستولوا على العباد والبلاد، فتخرجوا من المدينة أهلها وتتغلبوا عليها، والمكر قيل الاغترار بالحيلة الى خلاف جهة الاستقامة وأصله الفتل والالتفاف كما قال ذو الرمة. شعر : عجزاء ممكورة خمصانة قلق عنها الوشاح وثم الجسم والعصب تفسير : والمكر والخدع نظائر في اللغة، وقوله {فسوف تعلمون} تهديد من فرعون لهم وتخويف من مخالفته، وإِنما هدد فرعون بـ (سوف تعلم)، لأن فيه معنى أقدمت بالجهل على سبب الشر، فسوف تعلم حين يظهر مسببه الذي أدى اليه كيف كانت منزلته، فهو أبلغ من الافصاح به. وقوله {لأقطعن أيديكم} فالتقطيع تكثير القطع ونظيره التفصيل والتفريق، ونقيضه التوصيل تقول: قطع قطعاً وأقطع اقطاعا، وقطَّع تقطيعا وتقَّطع تقطعاً واقتطع اقتطاعاً وتقاطع تقاطعاً واستقطع استقطاعاً وقاطع مقاطعة وانقطع انقطاعاً. والأيدي جمع يد، وهي الجارحة المخصوصة، واليد النعمة، لأنها تسدي الى صاحبها باليد. والارجل جمع رجل وهي الجارحة التي يمشي بها من يمين وشمال. والراجل خلاف الراكب وترجل الانسان اذا نزل عن دابته واقفاً على رجله، ورَجَّله غيره، وارتجل القول ارتجالاً إِذا كان فيه كالراجل الذي لم يستعن بركوب غيره. ورجَّل الشعر إِذا سرحه حاطَّاً له عن ركوب بعضه بعضاً. و {التقطيع من خلاف} هو قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، وهو قول الحسن، وقال غيره: وكذلك يكون قطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى. وقوله {ثم لأصلبنكم أجمعين} القراء كلهم على ضم الهمزة، وتشديد اللام من (أصلبكم) وذكر الفراء {ولأصلبنكم} بفتح الهمزة وكسر اللام من الصلب، وهو الشد على الخشبة أو ما جرى مجراها من الاشخاص البارزة، وهو مشتق من صلابة الشد، يقال: صلب صلابة وصلبه تصليباً وتصلب تصلباً. وقال ابن عباس: أول من صلب وقطع الايدي والارجل من خلاف فرعون.

اطفيش

تفسير : {قالَ فِرعَون آمنتُم} الاستفهام توبيخ وتهديد أو إنكار أن يكون إيمانهم جائزا مسرعا، قال الإمام أبو عمرو الدانى: قرأ قنبل: وآمنتم يبدل فى حال الوصل من همزة الاستفهام واواً مفتوحة ويمد بعدها مدة فى تقدير ألفين، وقرىء فى طه: آمنتم على الخبر بهمزة وألف، وفى الشعراء على الاستفهام بهمزة ومدة مطولة بعدها فى بتقدير ألفين، وحفص فى الثلاثة بهمزة وألف على الخبر، أى توبيخا، فإن الجملة تفيد ما يناسب المقام بالقرائن إذا ألقيت لعالم بها، أو على تقدير همزة الاستفهام، وعلى أنها للاستفهام، وحذف همزة افعل، وأبو بكرة وحمزة والكسائى فيهن على الاستفهام بهمزتين محققتين بعدهما ألف، والباقون على الاستفهام وبهمزة ومدة مطولة بعدها فى تقدير ألفين، ولم يدخل منهم أحد ألفا بين الهمزة المخففة والملينة فى هذه المواضع، كما أدخلها بعضهم فى أنذرتهم وبابه لكراهية اجتماع ثلاث ألفات بعد الهمزة. وذكر القاضى أن روحا قرأ يعقوب كقراءة حمزة والكسائى، وأن من عدا حمزة والكسائى وأبا بكر وروحا وقنبلا يحقق الهمزة الأولى، ويلين الثانية، وذكر بعض أنه قرأ عاصم فى رواية حفص عنه فى كل القرآن آمنتم على الخبر، وأن نافعا وأبا عمرو وابن عامر قرءوا آمنتم ومدة على الاستفهام، وأن حمزة والكسائى قرآ جميعا آمنتم بهمزتين الثانية ممدودة، وروى هذا عن أبى بكر عن عاصم، وأن قنبلا قرأ عن القواس آمنتم بإبدال همزة الاستفهام واوا وترك همزة أفعلتم، وأن أبا بكر قرأ فى رواية أبى الإخريط عنه، وآمنتم بواو بدل من همزة الاستفهام إجراء للمنفصل مجرى المتصل فى قولهم توده بالواو فى تؤد بالهمزة، وبعد الواو ألف فقط. {بِهِ} أى برب العالمين الذى يزعمون قال بعضهم أو بموسى {قَبْل أنْ آذنَ لكُم} فى الإيمان به، هذه مكابرة أيضا، فإن الحق إذا اتضح لا يحتاج إلى الإذن فى اعتقاده وتصويبه، ولا سيما فى مقام أعد لقطع الحجج {إنَّ هَذا لمكْرٌ} احتيال {مَكرتُموه} احتلتموه أو صنعتموه {فى المدِينَةِ} قيل: الخروج إلى هذه الصحراء هى مصر أنتم وموسى. {لتخْرِجُوا مِنْها أهْلهَا} القبط وتستولوا عليها أنتم وبنو إسرائيل وموسى، وظن أنهم اتفقوا مع موسى أن يصنع فيصدقوه، أو قال ذلك تمويها على الناس وإثارة للغضب منهم، فلا يتابعوا موسى إذ كان مراده إخراجهم، وقال ابن عباس، وابن مسعود رضى الله عنهم: إن موسى اجتمع مع رئيس السحرة واسمه شمعون فقال: أرأيت إن غلبتك أتؤمن بى؟ قال: نعم، وقد مرت رواية مقاتل، فعلم بذلك فرعون، فلذلك قال: إن هذا لمكر الخ، وقيل رآه يحدثه بذلك فظن أنه مكر {فَسَوف تعْلمُون} وعيد مجمل على ما فعلوا من الإيمان فصله بقوله: {لأقَطِّعنَّ أيدِيَكُم...}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ} توبيخاً وإِنكاراً {آمَنْتُمْ بِهِ} من ثلاث همزات فى الأَصل، الأُولى للاستفهام التوبيخى مخففة محذوفة فى الإِمام، والثانية همزة أَفعل مسهلة بين همزة مفتوحة وبين همزة ساكنة ثابتة، وهى همزة آمن كأَكرم وأَعلم زائدة، وبعدها أَلف محذوفة فى الإِمام تتولد من حصة الفتح فى الثانية الثابتة، وهذه الأَلف الثالثة المحذوفة فى الإِمام همزة آمن الثلاثى هى فيه فاء الكلمة قلبت أَلفاً لسكونها بعد همزة أَفعل، هذه قراءة نافع، وهى فى خطنا معشر المغاربة والأَصل أَ أَ أَ بهمزة مفتوحة فهمزة مفتوحة أَيضاً ساكنة قلبت أَلفاً وكذا فى غير هذه السورة، والهاء لموسى عليه السلام لقوله {أية : إِنه لكبيركم}تفسير : [طه: 71] وقوله تعالى فى آية أُخرى "أية : آمنتم له" تفسير : [طه: 71] أَى لموسى وهو الراجح، أَو لرب موسى وهارون قيل: أَو الله لعلمه من المقام وعلى العود لموسى لم يذكر معه هارون لأَن العمدة فى الواقعة موسى، أَى أَآمنتم برسالته {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} أَن آمركم بالإِيمان به {إِنَّ هَذَا} أَى هذا الذى صنعتموه من الإِيمان به {لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ} مصر أَو الإِسكندرية، ويطلق مصر على القاهرة وأَعمالها، ويروى أَن موسى عليه السلام التقى مع كبير السحرة، فقال له: أَتؤمن بالله تعالى إِن غلبتك؟ فقال: لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر، فوالله إِن غلبتنى لأُومنن بك وفرعون حاضر، وأنه نشأَ من ذلك قوله{إِن هذا لمكر} إِلخ.. اتفقتم عليه مع موسى فيما قبل الخروج إِلى السحر، وهاء فى مكرتموه مفعول مطلق كما تقول: هذا قيام قمته، وهذا جلوس جلسته، وإِن ضمن مكر معنى أَثبت كانت الهاء مفعولا به، والمعنى: الخداع والاحتيال {لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا} هم القبط، ولما لم يجد حجة على موسى، ولم يجد دفع حجته وخاف أَن يؤمن غيرهم، ركن إِلى إِغراء القبط عليهم، وتهييج عداوتهم بإِخباره بأَن إِيمان السحرة ليس بحجة لموسى عليهم توجب الإِيمان به، بل لاتفاقهم معه على أَن يخرجوكم من أَرضكم وملككم، وأَكد ذلك بالوعيد كما قال الله تعالى {فَسَوْفَ تعْلَمُونَ} ما يحل بكم، وفسر هذا بقوله: {لأُقطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ، ثُمَّ لأَصَلِّبَنَّكُمْ} الصلب هو الشد على خشبة أَو نحوها، وقيل: المراد هنا الشد من تحت الإِبطين مع التعليق {أَجْمَعِينَ} ومعنى من خلاف: اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أَو الرجل اليمنى مع اليد اليسرى، متعلق بمحذوف حال من أَيديكم وأَرجلكم، ويجوز مع بعد أَن يكون المعنى لأَقطعن أَيديكم كلها وأَرجلكم كلها، لأَجل مخالفتكم لى، وهو أَول من سن القطع من خلاف، وجعله الله سنة للقطاع تعظيماً لجرمهم، ولعظمه سماه الله محاربة لله ورسوله، وإِذا ذكر من فضائل العرب كون الدية مائة من الإِبل من قصة عبد المطلب، وأَن الأَميال من هاشم، وأَن ميراث الخنثى من جارية ابن الظرب أَمكن أَن يقال: فهذا القطع تقدم فيه فرعون، الجواب أَنه لعنة الله قطع من خلاف بمرة، والله شرع القطع من خلاف على التعاقب لسعة رحمته، إِذ قال "أية : أَن يقتلوا" تفسير : [المائدة: 33] إِلى أَن قال "أية : أَو ينفوا" تفسير : [المائدة: 33] وفى السرقة واحدة، لكن هذا على القول بتخيير الإِمام فى القتل وما بعده، وفى سرقة أُخرى يداً أَو رجلاً أُخرى، وفى غير هذا جئَ بالواو لأَنها لمطلق الجمع تصلح لمعنى ثم، والتشديد فى أقطع وأصلب للمبالغة.

الالوسي

تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ} منكراً على السحرة موبخاً لهم على ما فعلوه {ءَامَنْتُمْ بِهِ} أي برب موسى وهارون أو بالله تعالى لدلالة ذلك عليه أو بموسى عليه السلام قيل لقوله تعالى في آية أخرى: {أية : آمَنتُمْ لَهُ} تفسير : [طه: 71] فإن الضمير فيها له عليه السلام لقوله سبحانه: {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } تفسير : [طه: 71] الخ، والمقصود من الجملة الخبرية التوبيخ لأن الخبر إذا لم يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه، وهنا لما خاطبهم الجبار بما فعلوا مخبراً لهم بذلك مع ظهور عدم قصد إفادة أحد الأمرين والمقام هو المقام أفاد التوبيخ والتقريع، ويجوز أن تقدر فيه الهمزة بناء على اطراد ذلك والاستفهام للإنكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك، ويؤيد ذلك قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب {أآمنتم} بهمزتين محققتين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين مما قرىء به أيضاً {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} أي قبل أن آمركم أنا بذلك وهو على حد قوله تعالى: {أية : لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى }تفسير : [الكهف: 109] لا أن الإذن منه ممكن في ذلك وأصل آذن أأذن بهمزتين الأولى للتكلم، والثانية من صلب الكلمة قلبت ألفاً لوقوعها ساكنة بعد همزة. {إِنَّ هَذَا} الصنيع {لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ} لحليلة احتلتموها أنتم وموسى وليس مما اقتضى الحال صدوره عنكم لقوة الدليل وظهور المعجزة، وهذا تمويه منه على القبط يريهم أنهم ما غلبوا ولا انقطعت حجتهم، قيل: وكذا قوله: {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ } {فِى ٱلْمَدِينَةِ} أي في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد. أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيتك أن غلبتك أتؤمن بـي وتشهد أن ما جئت به حق فقال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم وهو الذي نشأ عنه هذا القول {لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا} أي القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} عاقبة ما فعلتم، وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل فقال: {لأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ}.

الواحدي

تفسير : {قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم} أصدَّقتم موسى من قبل أمري إيَّاكم؟! {إنَّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة} لصينعٌ صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع {لتخرجوا منها أهلها} لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها، وتتغلبوا عليها بسحركم {فسوف تعلمون} ما يظهر لكم. {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} على مخالفة، وهو أن يقطع من كلِّ شقٍّ طرف. {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون} راجعون بالتَّوحيد والإِخلاص.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 123- فهال هذا الأمر فرعون، وأثار حميته فقال: هل آمنتم وصدقتم برب موسى وهارون قبل أن آذن لكم؟ إن هذا الصنيع الذى صنعتموه أنتم وموسى وهارون كان بالاتفاق، وليس إلا مكراً مكرتموه فى المدينة (مصر) لأجل أن تخرجوا منها أهلها بمكركم، فسوف ترون ما يحل بكم من العذاب جزاء اتباعكم موسى وهارون، وعقاباً على هذا المكر والخداع. 124- وأقسم لأُنكِّلنَّ بكم، وأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، فأقطع اليد من جانب والرجل من جانب آخر، ثم لأصلِّبنَّ كل واحد منكم وهو على هذه الحالة المشوهة، لتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لنا أو بالخروج على سلطاننا. 125- فلم يأبهوا لقوله وتهديداته، لتمكن الإيمان من شغاف قلوبهم، فقالوا له: إنا إلى ربنا راجعون، فنتقلب فى رحمته ونعيم جزائه. 126- وما تُنكر منا وتُعَاقِبنا عليه إلا أن صدقنا موسى، وأذعنا لآيات ربنا الواضحة الدالة على الحق لما جاءتنا. ثم توجهوا إلى الله ضارعين إليه قائلين: يا ربنا أفض علينا صبراً عظيماً نقوى معه على احتمال الشدائد، وتوفنا على الإسلام غير مفتونين من وعيد فرعون. 127- وبعد أن شاهد فرعون وقومه ما شاهدوا - من ظهور أمر موسى وقوة غلبته وإيمان السحرة به - قال الكبراء من قومه: أنترك موسى وقومه أحرارا آمنين، ليكون مآلهم أن يفسدوا قومك عليك فى أرض مصر بإدخالهم فى دينهم، ويتركك مع آلهتك فى غير مبالاة، فيظهر للمصريين عجزك وعجزهم؟ قال فرعون مجيبا لهم: سنقتل أبناء قومه تقتيلا ما تناسلوا، ونستبقى نساءهم أحياء، حتى لا يكون لهم قوة كما فعلنا من قبل، وإنا مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان قاهرون لهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنتم به: أي صدقتموه فيما جاء به ودعا إليه. مكر مكرتموه: أي حيلة احتلتموها وتواطأتم مع موسى على ذلك. من خلاف: بأن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس. ثم لأصلبنكم: التصليب: الشد على خشبة حتى الموت. منقلبون: أي راجعون. وما تنقم منا: أي وما تكره منا وتنكر علينا إلا إيماننا بآيات ربنا لما جاءتنا. أفرغ علينا صبراً: أي افض علينا صبراً قوياً حتى نثبت على ما توعدنا فرعون من العذاب ولا نرتد بعد إيماننا. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث قصص موسى وفرعون ففي الآيات قبل هذه تمت المناظرة بين موسى والسحرة بنصر موسى عليه السلام وهزيمة فرعون النكراء حيث سحرته بعد ظهور الحق لهم واضحاً مكشوفاً آمنوا وأسلموا وسجدوا لله رب العالمين. وفي هذه الآيات يخبر تعالى عن محاكمة فرعون للسحرة فقال عز من قائل {قَالَ فِرْعَوْنُ} أي للسحرة {آمَنتُمْ بِهِ} أي بموسى {قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} أي في الإِيمان به، وهي عبارة فيها رائحة الهزيمة والحمق، وإلا فهل الإِيمان يتأتى فيه الإِذن وعدمه، الإِيمان إذعان باطني لا علاقه له بالإِذن إلا من الله تعالى، ثم قال لهم {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} أي إن هذا الذي قمتم به من ادعاء الغلب لموسى بعدما أظهرتم الحماس في بداية المباراة ما هو إلا مكر وتدبير خفي تم بينكم وبين موسى في المدينة قبل الخروج إلى ساحة المباراة، والهدف منه إخراجكم الناس من المدينة واستيلائكم عليها. ثم تهددهم وتوعدهم بقوله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما أنا صانع بكم. وذكر ما عزم عليه فقال مقسماً {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} يريد بقطع من كل واحد منهم يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم يربطهم على أخشاب في ساحة معينة ليموتوا كذلك نكالاً وعبرة لغيرهم. هذا ما أعلنه فرعون وصرح به للسحرة المؤمنين فما كان جواب السحرة {قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} أي راجعون فقتلك إيانا لم يزد على أن قربنا من ربنا وردنا إليه ونحن في شوق إلى لقاء ربنا، وعليه فحكمك بقتلنا ما هو بضائرنا، وشيء آخر هو أنك {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ} يا فرعون أي ما تكره منا ولا تنكر علينا إجراماً أجرمناه أو فساداً في الأرض أشعناه إنما تنقم منا إيماننا بآيات ربنا لما جاءتنا وهذا شيء لا مذمة فيه علينا، ولا عاراً يلحقنا، فلذا {أية : فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ}تفسير : [طه: 72] ثم أقبلوا على الله ورفعوا أيديهم إليه وقالوا ضارعين سائلين {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} حتى نتحمل العذاب في ذاتك {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}، ونفذ فرعون جريمته ولكن أحدث ذلك اضطراباً في البلاد ولم يكن فرعون ولا ملأه يتوقعون دل عليه الآيات التالية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- القلوب المظلمة بالكفر والجرائم أصحابها لا يتورعون عن الكذب واتهام الأبرياء. 2- فضيلة الاسترجاع أن يقول {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 156] حيث فزع إليها السحرة لما هددهم فرعون إذ قالوا {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} أي راجعون فهان عليهم ما تهددوا به. 3- مشروعية سؤال الصبر على البلاء للثبات على الإِيمان. 4- فضل الوفاة على الإِسلام وأنه مطلب عال لأهل الإِيمان.

القطان

تفسير : المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. التقطيع من خلاف: ان تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس بالعكس. الصلب: وضع الانسان على خشبة وتعليقه مدة من الزمن. نقمت الشيء: انكرته. أفرغ علينا صبرا: أفِض علينا صبرا يغمرنا، كأن الصبر في دلو من الماء يفرغ عليهم، وهو مجاز. قراءات: قرأ حفص آمنتم على الإخبار، وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر: أأَمنتم.. بهمزتين، على الاستفهام، وقرأ الباقون أآمنتم بتحقيق الهمزة الأولى وتليين الثانية. هال ذلك الامرُ فرعون، وأثار حميته فقال للسحرة: هل آمنتم وصدقتم برب موسى وهارون قبل أن آذن لكم؟ ان ما فعلتموه انتم وموسى وهارون، ليس الا مكراً دبّرتموه في المدينة (مصر) كي تُخرجوا منها أهلَها بخِدعكم وحيلكم. لسوف ترون ما يحلّ بكم من العذاب، جزاء ذلك. إنني أٌقسِم لأُنكّلنّ بكم أشد التنكيل: لأقطعنّ ايديكم وارجلكم من خِلاف، اليد من جانب والرِجل من الآخر، ثم لأصلِبنّ كل واحد منكم وهو على هذه الحالة المشوّهة.. لِتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لفرعون والخروج عن أمره. سمع السحرةُ هذا التهديد والوعيد من ذلك الجبّار المتكبر، فرجعوا الى ربهم، وأجابوا فرعون قائلين: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}، أي أنهم لم يأبهوا لتهديداته. ثم أضافوا: هل تعاقبنا يا فرعون لأنّنا صدّقنا موسى، وأذعنّا لآيات ربنا! انها واضحة دالّة على الحقّ، وقد جاءتنا، فهل تريدنا أن لا نعتبر بها!؟ ثم توجهوا الى الله ضارعين: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} يا ربّنا هبْ لنا صبراً واسعاً نقوى معه على احتمال الشدائد، وتوفّنا على الإسلام غير مفتونين بتهديد فرعون، ولا مطيعين له في قوله ولا فعله.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنتُمْ} {آذَنَ} (123) - وَأَدْرَكَ فِرْعَوْنَ الأَثَرَ العَظِيمَ الذِي تَرَكَتْهُ فِي نُفُوسِ الشَّعْبِ، هَزِيمَةُ جَمِيعِ السَّحَرَةِ، الذِي حَشَدَهُمْ، أَمَامَ عَصَا مُوسَى، ثُمَّ مَا تَبِعَ ذَلِكَ مِنْ إِيمَانِ السَّحَرَةِ بِاللهِ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، وَإِعْلاَنِهِمْ إِيمَانَهُمْ، أَمَامَ فِرْعَونَ وَجُمُوعِهِ، بِالسُّجُودِ للهِ، وَهذَا يَعْنِي كُفْرَهُمْ بِأُلُوهِيَّةِ فِرْعَونَ وَعِبَادَتِهِ، فَأَدْرَكَ سُوءَ عَاقِبَةِ جَمِيعِ ذلِكَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ إِزَالَةَ هذَا الأَثْرِ مِنْ نُفُوسِ الشَّعْبِ، وَإِلْهَاءِ الشَّعْبِ بِشَيءٍ آخَرَ، فَأَخَذَ يَتَوَعَّدُ السَّحَرَةَ لإِيمَانِهِمْ بِرَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ وَبِنُبُوَّتِهِمَا، قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَاتَّهَمَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَواطِئينَ فِي ذَلِكَ مَعَ مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَى أَنْ يَغْلِبَهُمْ مُوسَى، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ عَنْ سَبْقِ اتِّفَاقٍ وَتَشَاوُرٍ مَعَهُما، وَذلِكَ لِيُتِيحُوا لَهُمَا إِخْرَاجَ قَوْمِهِمَا مِنْ مِصْرَ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا سَيَصْنَعُهُ بِهِمْ. المَكْرُ - هُوَ تَصَرُّفُ الإِنْسَانِ لِيَصْرِفَ آخَرَ عَنْ قَصْدِهِ بِالحِيلَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكأن فرعون مازال يحاول تأكيد سلطانه، ونعلم أن بني إسرائيل اختلطوا بالناس في مصر، ومنهم من تعلم السحر. ولذلك اتهم فرعون السحرة بأنهم قد اتفقوا مع موسى على هذه المسألة. لقد كان فرعون في مأزق ويريد أن يخرج منه؛ لأن الناس جميعاً قد شاهدوا المسألة، وهو لا يريدهم أن يتشككوا في ألوهيته، فينهدم الصرح الذي أقامه على الأكاذيب؛ لذلك قال السحرة: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة.. أي أنكم اتفقتم مع موسى، وسيأتي ويقول: اتهاماً لموسى: {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ...} تفسير : [طه: 71] ونتيجة لهذا المكر المتوهم بين بني إسرائيل وموسى يتوعدهم فرعون: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ...}

الأندلسي

تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ} قرىء: آمنتم على الخبر، وأآمنتم على الاستفهام، والضمير في به عائد على رب العالمين. و{قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} فيه وهن على أمره لأنه إنما جعل ذنبهم بمفارقة الاذن ولم يجعله نفس الإِيمان. {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ} أي إنّ صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء وتواطأتم على ذلك لغرض لكم وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوا بني إسرائيل. قال: هذا تمويهاً على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإِيمان. روي عن ابن مسعود وابن عباس أن موسى عليه السلام اجتمع مع رئيس السحرة شمعون فقال له موسى: أرأيت أن غلبتكم أتؤمنون بي؟ فقال له: نعم، فعلم بذلك فرعون فقال ما قال. "انتهى". ولما خاف فرعون أن يكون إيمان السحرة حجة قومه ألقى في الحال نوعين من الشبهة أحدهما أن هذا تواطؤ منهم لا ان ما جاء به حق، والثاني أن ذلك طلب منهم للملك. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد ومفعول تعلمون محذوف أي ما يحل بكم أيهم في متعلق تعلمون، ثم عيّن ما يفعله بهم فقال مقسماً. {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} لما ظهرت الحجة عاد إلى عادة ملوك السوء إذا غلبوا من تعذيب من ناوأهم وإن كان محقاً ومعنى من خلاف أي يد يمنى ورجل يسرى وهذا التوعد الذي توعده فرعون السحرة ليس في القرآن نص أنه أنفذه وأوقعه. {قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} هذا تسليم واتكال على الله تعالى وثقة بما عنده والمعنى إنا نرجع إلى ثواب ربنا يوم الجزاء على ما نلقاه من الشدائد. {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا} الآية، والذي يظهر من تعديته بمن أن المعنى وما تنقم منا أي ما تنال منا كقوله: {أية : فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95]، أي يناله بمكروه ويكون فعل وافتعل فيه بمعنى واحد كقدر. واقتدر وعلى هذا يكون قوله: إلا أن آمنا، مفعولاً من أجله استثناء مفرغاً أي ما تنال منا وتعذبنا بشىء من الأشياء إلا لأن آمنا بآيات ربنا، وعلى هذا المعنى يدل على تفسير عطاء أي ما لنا عندك ذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا. {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} تقدم الكلام عليه في البقرة. {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} تضمن قول الملأ إغراء فرعون بموسى وقومه وتحريضه على قتلهم أو تعذيبهم حتى لا يكون لهم خروج عن دين فرعون. {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} عطفاً على ليفسدوا أي للإِفساد ولتركك وترك آلهتك وكان الترك هو لذلك، وبدأوا أولاً بالعلة العامة وهي الإِفساد، ثم أتبعوه بالخاصة ليدلوا على أن ذلك الترك من فرعون لموسى وقومه هو أيضاً يؤول إلى شىء يختص بفرعون قدحوا بذلك زَنْدَ تغيظه على موسى وقومه ليكون ذلك أبقى عليهم إذ هم الاشراف، وبترك موسى وقومه بمصر يذهب ملكهم وشرفهم. ويجوز أن يكون النصب على جواب الاستفهام، والمعنى أنى يكون الجمع بين تركك موسى وقومه للإِفساد وبين تركهم إياك وعبادة آلهتك أي أن هذا مما لا يمكن وقوعه. {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} وإنما لم يعاجل موسى وقومه بالقتال لأنه كان قد ملىء من موسى عليه السلام رعباً، والمعنى أنه قال: سنعيد عليهم ما كنا فعلنا بهم قبل من قتل أبنائهم ليقل رهْطه الذين يقع الإِفساد بواسطتهم والفوقية هنا بالمنزلة والتمكن في الدنيا وقاهرون يقتضي تحقيرهم أي قاهرون لهم فهم أقل من أن نهتم بهم فنحن على ما كنا عليه من الغلبة أو أن غلبة موسى عليه السلام لا أثر لها في ملكنا واستيلائنا ولئلا نتوهم العامة أنه المولود الذي تحدّث المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتّباعه وأنه منتظر بعد. {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ} لما توعدهم فرعون جزعوا وتضجروا فسكنّهم موسى عليه السلام وأمرهم بالاستعانة بالله تعالى وبالصبر وسلاهم ووعدهم بالنصر وذكرهم ما وعد الله به بني إسرائيل من إهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم. {إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ} أي أرض مصر. والْ فيه للعهد وهي الأرض التي كانوا فيها. {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} أي بابتلائنا بذبح أبنائنا مخافة ما كان يتوقع فرعون من هلاك ملكه على يد المولود الذي يولد وأنْ مصدرية فخلّصة الفعل للاستقبال وكانت إذايتهم الأولى قبل مجيء موسى عليه السلام وإذايتهم الثانية بعد مجيئه فلذلك جاءت ما مصدرية وجاء بعدها الفعل الماضي. {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ} الآية هذا رجاء من نبي الله موسى ومثله من الأنبياء يقوي قلوب اتباعهم فيصبرون إلى وقوعه متعلق الرجاء. ومعنى: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي في استخلافكم من الإِصلاح والإِفساد. وهي جملة تجري مجرى البعث والتحريض على طاعة الله تعالى. وفي الحديث حديث : أن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون . تفسير : {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} الأخذ التناول باليد ومعناه هنا الابتلاء في المدة التي أقام بينهم موسى عليه السلام يدعوهم فيها إلى الله تعالى ومعنى بالسنين بالقحوط والجدوب. والسنة تطلق على الحول، وتطلق على الجدب ضد الخصب، وقد اشتقوا منها بهذا المعنى فقالوا: أَسْنَتَ القوم إذا أجربوا. ومنه قول الشاعر: شعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : قال ابن عباس: أما السنون فكانت لباديتهم ومواشيهم، وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم، وهذه سيرة الله في الأمم يبتليها بالنقم ليزدجروا ويتذكروا بذلك ما كانوا فيه من النعم. {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أتى بالشرط بإِذا في مجيء الحسنة وهي للمتحقق وجوده الآن إحسان الله تعالى هو المعهود الواسع العام لخلقه بحيث أن إحسانه لخلقه عام حتى في حال الابتلاء وأتى بالشرط بأْن في إصابة السيئة وهي للإِمكان إبرازاً أنّ إصابة السيئة مما قد يقع وقد لا يقع. {يَطَّيَّرُواْ} يتشاءموا وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء. {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: طائرهم نصيبهم أي ما طار لهم في القدر مما هم لا قوة، وهو مأخوذ من زجر الطير سمي ما عند الله من القدر للإِنسان طائر لما كان يعتقده أنّ كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في الطائر فهي لفظة مستعارة.