٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
173
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوْ يَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ} أي قبلنا {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ } فاقتدينا بهم {أَفَتُهْلِكُنَا } تعذبنا {بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ } من آبائنا بتأسيس الشرك؟ المعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد. والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس.
ابن عطية
تفسير : قال القاضي أبو محمد: المعنى في هذه الآيات أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان، إحداهما كنا غافلين، والأخرى كنا تباعاً لأسلافنا فكيف نهلك، والذنب إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا فوقعت شهادة بعضهم على بعض أو شهادة الملائكة عليهم لتنقطع لهم هذه الحجج، والاختلاف في "يقولوا" أو "تقولوا" بحسب الأول. وقوله تعالى: {وكذلك نفصل الآيات} تقديره وكما فعلنا هذه الأمور وأنفذنا هذه المقادير فكذلك نفصل الآيات ونبينها لمن عاصرك وبعثت إليه، {لعلهم} على ترجيهم وترجيكم وبحسب نظر البشر، {يرجعون} إلى طاعة الله ويدخلون في توحيده وعبادته، وقرأت فرقة "يفصل" بالياء. وقوله تعالى: {واتل عليهم} الآية {اتل} معناه قص واسرد، والضمير في {عليهم} عائد على حاضري محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار وغيرهم، واختلف المتأولون في الذي أوتي الآيات، فقال عبد الله بن مسعود وغيره: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين داعياً إلى الله تعالى وإلى الشريعة وعلمه من آيات الله ما يمكن أن يدعو به وإليه، فلما وصل رشاه الملك وأعطاه على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه، ففعل وفتن الملك به الناس وأضلهم، وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم، وقيل بلعام بن عابر، وقيل ابن آبر، وقيل غير هذا مما ذكره تطويل، وكان في جملة الجبارين الذي غزاهم موسى عليه السلام، فلما قرب منهم موسى لجؤوا إلى بلعام وكان صالحاً مستجاب الدعوة، وقيل كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها، وقال مجاهد كان رشح للنبوءة وأعطيها فرشاه قومه على أن يسكت ففعل. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود لا يصح عن مجاهد، ومن أعطي النبوءة فقد أعطي العصمة ولا بد، ثبت هذا بالشرع، وقد نص معنى ما قلته أبو المعالي في كتاب الشامل، وقيل كان يعلم اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس أيضاً، وهذا الخلاف في المراد بقوله: {آياتنا} ، فقال له قومه ادع الله تعالى على موسى وعسكره، فقال لهم وكيف أدعوا على نبي مرسل، فما زالوا به حتى فتنوه فخرج حتى أشرف على جبل يرى منه عسكر موسى، وكان قد قال لقومه لا أفعل حتى أستأمر ربي ففعل فنهي عن ذلك، فقال لهم قد نهيت، فما زالوا به قال أستأمر ربي ثانية ففعل فسكت عنه فأخبرهم فقالوا له إن الله لم يدع نهيك إلا وقد أراد ذلك، فخرج، فلما أشرف على العسكر جعل يدعو على موسى فتحول لسانه بالدعاء لموسى والدعاء على قومه، فقالوا له ما تقول؟ فقال إني لا أملك إلا هذا وعلم أنه قد أخطأ، فروي أنه خرج لسانه على صدره، فقال لقومه إني قد هلكت ولكن لم تبق لكم إلا الحيلة فأخرجوا النساء إلى عسكر موسى على جهة التجرد وغيره ومروهن ألا تمتنع امرأة من رجل فإنهم إذا زنوا هلكوا، ففعلوا فخرج النساء فزنى بهن رجال بني إسرائيل، وجاء فنحاص بن ألعيزار بن هارون، فانتظم برمحه امرأة ورجلاً من بني إسرائيل، ورفعهما على أعلىالرمح فوقع في بني إسرائيل الطاعون فمات منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً، ثم ذكر المعتز عن أبيه أن موسى عليه السلام قتل بعد ذلك الرجل المنسلخ من آيات الله، قال المهدوي: روي أنه دعا على موسى أن لا يدخل مدينة الجبارين فأجيب، ودعا عليه موسى صلى الله عليه وسلم أن ينسى اسم الله الأعظم فأجيب قال الزجّاج: وقيل إن الإشارة إلى منافقي أهل الكتاب. قال القاضي أبو محمد: وصواب هذا أن يقال إلى كفار أهل الكتاب لأنه لم يكن منهم منافق إنما كانوا مجاهرين، وفي هذه القصة روايات كثيرة اختصرتها لتعذر صحتها واقتصرت منها على ما يخص ألفاظ الآية، وقالت فرقة: المشار إليه في الآية رجل كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات فترك أن يدعو بها في مصالح العباد فدعا بواحدة أن ترجع امرأته أجمل النساء، فكان ذلك، فلما رأت نفسها كذلك أبغضته واحتقرته فدعا عليها ثانية فمسخت كلبة، فشفع لها بنوها عنده فانصرفت إلى حالها فذهب الدعوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي المشار إليه في الآية أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علماً، وروي أنه جاء يريد الإسلام فوصل إلى بدر بعد الوقعة بيوم أو نحوه فقال من قتل هؤلاء؟ فقيل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: لا حاجة لي بدين من قتل هؤلاء، فارتد ورجع، وقال: الآن حلت لي الخمر، وكان قد حرمها على نفسه، فمر حتى لحق بقوم من ملوك حمير فنادمهم حتى مات، و {انسلخ} عبارة عن البراءة منها والانفصال والبعد كالسلخ من الثياب، والجلد و {أتبعه} صيره تابعاً كذا قال الطبري إما لضلالة رسمها له وإما لنفسه، وقرأ الجمهور "فأتبعه" بقطع الألف وسكون التاء، وهي راجحة لأنها تتضمن أنه لحقه وصار معه، وكذلك {أية : فأتبعه شهاب} تفسير : [الحجر:18] و {أية : فأتبعهم فرعون} تفسير : [يونس:90] وقرأ الحسن فيما روى عنه هارون "فاتّبعه" بصلة الألف وشد التاء وكذلك طلحة بن مصرف بخلاف، وكذلك الخلاف عن الحسن على معنى لازمه "اتبعه" بالإغواء حتى أغواه، و {من الغاوين} أي من الضالين.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {أو تقولوا} يعني الذرية {إنما أشرك آباؤنا من قبل} يعني إنما أخذ الميثاق عليهم لئلا يقول المشركون إنما أشرك آباؤنا من قبل {وكنا ذرية من بعدهم} يعني وكنا أتباعاً لهم فاقتدينا بهم في الشرك {أفتهلكنا} يعني أفتعذبنا {بما فعل المبطلون} قال المفسرون: هذا قطع لعذر الكفار فلا يستطيع أحد من الذرية أن يقول يوم القيامة إنما أشرك آباؤنا من قبلنا ونقضوا العهد والميثاق وكنا نحن الذرية من بعدهم فقلدناهم واقتدينا بهم وكنا في غفلة عن هذا الميثاق فلا ذنب لنا فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل ذلك وقد أخذ عليهم جميعاً الميثاق وجاءتهم الرسل وذكروهم به وثبتت الحجة عليهم بذلك يوم القيامة، وأما الذين حملوا معنى الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل وهو مذهب أهل النظر قالوا معناه إن الله نصب هذه الدلائل وأظهرها للعقول لئلا يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لآبائنا لأن نصب أدلة التوحيد قائم معهم فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على تقليد الآباء في الشرك. وقوله تعالى: {وكذلك نفصِّل الآيات} يعني ليتدبرها العباد فيرجعون إلى الحق والإيمان ويعرضوا عن الباطل والكفر وهو المراد من قوله {ولعلهم يرجعون} يعني عن الشرك إلى التوحيد وقيل معناه ولعلهم يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بموجبه ومقتضاه. قوله عز وجل: {واتل عليهم} يعني واقرأ على قومك يا محمد {نبأ} يعني خبر {الذي آتيناه آياتنا} اختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال مجاهد: بلعام بن باعر، وقال ابن مسعود: هو بلعم بن أبر، قال عطية قال ابن عباس: إنه كان من بني إسرائيل وفي رواية أخرى عنه أنه كان من الكنعانيين من بلد الجبارين، وقال مقاتل: هو من مدينة البلقاء وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس ومحمد بن إسحاق والسدي وغيرهم من أصحاب الأخبار والسير قالوا: إن موسى عليه الصلاة والسلام لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إليه وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد وأن معه جنوداً كثيرة وأنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردهم عنا. فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي؟ فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى أؤامر ربي وكان لا يدعو حتى يؤامر ربه في المنام فأتى في المنام فقيل له لا تدع عليهم فقال لقومه: إني قد آمرت ربي فنهاني أن أدعو عليهم فأهدوا له هدية فقبلها وراجعوه فقال حتى أؤامر ربي فآمر فلم يوح إليه شيء فقال قد آمرت ربي فلم يوح إلي بشيء فقالوا له: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك أول مرة فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتاناً له متوجهاً إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال لذلك الجبل جبل حسان فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت فنزل عنها وضربها فقامت وركبها فلم تسر به كثيراً حتى ربضت فضربها حتى قامت فركبها فم تسر به كثيراً حتى ربضت فضربها حتى أزلقها فأذن الله عز وجل لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة عليه فقالت ويحك يا بلعام أتدري أين تذهب أما ترى الملائكة أمامي يردوني عن وجهي وهذا ويحك أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين فتدعو عليهم فلم ينزع فخلى الله سبيل الأتان فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على جبل حسان ومعه قومه جعل يدعو فلم يدع بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل فقال له قومه يا بلعام أتدري ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا فقال هذا ما لا أملكه هذا شي قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لقومه: قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق لي إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، ثم قال: جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى عسكر بني إسرائيل ليبعنها عليهم ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنه إن زنى رجل منهم بواحدة منهن كُفيتموهم ففعلوا ذلك فلما دخل النساء على العسكر مرت امرأة من الكنعانين اسمها كستى بنت صور على رجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فقام إلى المرأة وأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى عليه الصلاة والسلام وقال إني لأظنك أنك تقول هذه حرام عليك فقال أجل هي حرام عليك لا تقربها قال والله إني لا أطيعك في هذا ثم قام ودخل بها إلى قبته فوقع عليها فأرسل الله عزَّ وجلّ الطاعون على بني إسرائيل في ذلك الوقت. وكان فنحاص بن العيزار بن هارون وكان صاحب أمر موسى وكان رجلاً فظاً قد أعطي بسطة من الخلق وقوة في البطش، وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون يجوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فطعنهما بحربته فانتظمهما ثم خرج بهما وهو رافعهما إلى السماء وقد أخذ الحربة بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر بن العيزار وجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن عصاك ورفع الطاعون من بني إسرائيل فحسب من مات منهم في ذلك الطاعون فيما بين أن أصاب ذلك الرجل المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجوده قد هلك سبعون ألفاً في ساعة واحدة من النهار فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل لولد فنحاص من كل ذبيحة يذبحونها الفشة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياه بذراعه وإسناده إياها إلى لحيته ويعطوهم البكر من كل أموالهم لأنهم كان بكر العيزار وفي بلعام أنزل الله عز وجل {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} الآية، وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام ادع الله على موسى فقال بلعام إنه من أهل ديني ولا أدعو عليه فنصب له خشبة ليصلبه عليها فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو على موسى فلما عاين عسكرهم وقفت به الأتان فضربها فقالت: لم تضربني وأنا مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع إلى الملك فأخبره بذلك فقال لتدعون عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى ومن معه من بني إسرائيل في التيه بدعاء بلعام عليه فقال موسى يا رب بأي ذنب وقعت في التيه قال بدعاء بلعام قال فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فنزع الله سبحانه وتعالى منه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله سبحانه وتعالى: {آتيناه آياتنا فانسلخ منها}. فإن قلت هذه القصة ذكرها جماعة من المفسرين وفيها أن موسى عليه السلام دعا على بلعام بأن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان وكيف يجوز لموسى عليه السلام مع علو منصبه في النبوة أن يدعو على إنسان بالكفر بعد الإيمان أو يرضى له بذلك قلت الجواب عنه من وجوه: أحدها: منع صحة هذه القصة لأنها من الإسرائيليات ولا يلتفت إلى ما يسطره أهل الأخباره إذا خالف الأصول. الوجه الثاني: أن سبب وقوع بني إسرائيل في التيه هو عبادتهم العجل أو قولهم لموسى عليه السلام اجعل لنا إلهاً فكان ذلك هو سبب وقوعهم في التيه لادعاء بلعام عليهم. الوجه الثالث: على تقدير صحة هذه القصة وأن موسى عليه السلام دعا على بلعام أن موسى عليه السلام لم يدع عليه إلا بعد أن ثبت عنده أن بلعام كفر وارتد عن الإيمان بدعائه على موسى وإيثاره الحياة الدنيا فدعا عليه مقابلة لدعائه عليه والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله والمقصود من ذلك تنزيه منصب النبوة عما ينقله أصحاب الأخبار في كتبهم من غير نظر فيه ولا بحث عن معناه وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصته أنه كان قد قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله سبحانه وتعالى مرسل رسولاً فرجا أن يكون هو ذلك الرسول فلما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم وشرفه الله بالنبوة حسده وكذبه وكان أمية صاحب حكمة وشعر ومواعظ حسنة فقصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل له: قتلهم محمد فقال: لو كان نبياً ما قتل أقرباءه فلما مات أمية أتت أخته فازعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رجليه فقال للذي عند رأسه: أوعى قال وعى قال أزكى قال أبى قالت فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي فصرف عني ثم غشي عليه فلما أفاق من غشيته قال شعراً: شعر : كل عيش وإن تطاول دهراً صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه الصغير يوماً ثقيلاً تفسير : فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني من شعر أخيك فأنشدته بعض قصائده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : آمن شعره وكفر قلبه"تفسير : فأنزل الله عز وجل: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} الآية وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس وهو رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات وكانت له امرأة منها أولاد فقالت له اجعل لي منها دعوة فقال لك منها واحدة كما تريدين قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا لها فصارت أجمل النساء فلما علمت أنه ليس في نساء بني إسرائيل مثلها رغبت عنه فغضبت فدعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان فجاء بنوها إلى أبيهم وقالوا ليس لنا على هذا الأمر قرار صارت أمنا كلبة نباحة والناس تعيرنا بذلك فادع الله أن يردها إلى حالها الأول فدعا فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات جميعاً والقولان الأولان أشهر. وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته كما يعرفون أبناءهم ثم أنكروه، وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله وقوله تعالى {آتيناه آياتنا} قال ابن عباس: كان يعلم اسم الله الأكبر وقال ابن زيد كان لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، وقال السدي: كان يعلم اسم الله الأعظم. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه أوتي كتاباً وقيل آتاه الله حجة وأدلة وهي الآيات التي أوتيها {فانسلخ منها} يعني فخرج من الآيات التي كان الله آتاه إياها كما تنسلخ الحية من جلدها، وقال ابن عباس: نزع منه العلم {فأتبعه الشيطان} يعني لحقه وأدركه وصيره الشيطان تابعاً لنفسه في معصية الله يخالف أمر ربه ويطيع الشيطان وهواه. قوله تعالى: {فكان من الغاوين} يعني من الهالكين الضالين بما خالف ربه وأطاع هواه وشيطانه.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا} عطفٌ على تقولوا و(أو) لمنع الخلوّ دون الجمعِ، أي هم اخترعوا الإشراكَ وهم سنّوه {مِن قَبْلُ} أي من قبل زمانِنا {وَكُنَّا} نحن {ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ} لا نهتدي إلى السبـيل ولا نقدِر على الاستدلال بالدليل {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} من آبائنا المُضلّين بعد ظهور أنهم المجرمون ونحن عاجزون عن التدبـير والاستبدادِ بالرأي، أو أتؤاخذنا فتهلكنا الخ، فإن ما ذكر من استعدادهم الكاملِ يسُدّ عليهم بابَ الاعتذار بهذا أيضاً فإن التقليدَ عند قيامِ الدلائلِ والقدرةِ على الاستدلال بها مما لا مساغَ له أصلاً. هذا وقد حُملت هذه المقاولة على الحقيقة كما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما من أنه لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام مسحَ ظهرَه فأخرج منه كلَّ نسَمةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامة فقال: ألستُ بربكم قالوا: بلى فنودي يومئذ جَفّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. وقد روي عن عمر رضى الله عنه أنه سئل عن الآية الكريمة فقال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئل عنها فقال: «حديث : إن الله تعالى خلق آدمَ ثم مسحَ ظهرَه بـيمينه فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة وبعمل أهلِ الجنة يعملون، ثم مسح ظهرَه فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهلِ النار يعملون»تفسير : ، وليس المعنى أنه تعالى أخرج الكلَّ من ظهره عليه الصلاة والسلام بالذات بل أخرج من ظهره عليه السلام أبناءَه الصُّلبـية ومن ظهرهم أبناءَهم الصلبـية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهرُ الأصليُّ ظهرَه عليه الصلاة والسلام وكان مَساقُ الحديثين الشريفين بـيانَ حال الفريقين إجمالا من غير أن يتعلق بذكر الوسائطِ غرضٌ على نسب إخراجِ الكلِّ إليه، وأما الآيةُ الكريمة فحيث كانت مسوقةً للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبـيانِ عدمِ إفادةِ الاعتذارِ بإسناد الإشراكِ إلى آبائهم ـ اقتضى الحالُ نسبةَ إخراجِ كل واحدٍ منهم إلى ظهر أبـيهم من غير تعرّضٍ لإخراج الأبناءِ الصلبـيةِ لآدم عليه السلام من ظهره قطعاً، وعدمُ بـيان الميثاقِ في حديث عمرَ رضى الله تعالى عنه ليس بـياناً لعدمه ولا مستلزِماً له، وأما ما قالوا من أن أخذَ الميثاق لإسقاط عذرِ الغفلةِ حسبما ينطِق به قوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ} ومعلوم أنه غيرُ دافع لغفلتهم في دار التكليفِ إذ لا فرْدَ من أفراد البشر يذكُر ذلك ـ فمردودٌ لكن لا بما قيل من أن الله عز وجل قد أوضح الدلائلَ على وحدانيته وصدقِ رسلهِ فيما أَخبروا به فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزِمتْه الحُجة، ونسيانُهم وعدمُ حفظهم لا يُسقط الاحتجاجَ بعد إخبار المخبِرِ الصادقِ بل بأن قوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ} الخ، ليس مفعولاً له لقوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ} وما يتفرع عليه من قولهم: (بلى شهِدنا) حتى يجب كونُ ذلك الإشهادِ والشهادة محفوظاً لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلامُ والمعنى فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاقِ وبـيانِه كراهةَ أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرةُ يوم القيامة: إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاقِ لم نُنَبَّه عليه في دار التكليفِ وإلا لعمِلنا بموجبه. هذا على قراءة الجمهور، وأما على القراءة بالياء فهو مفعول له لنفس الأمر المضمر العاملِ في إذ أخذ، والمعنى اذكُرْ لهم الميثاقَ المأخوذَ منهم فيما مضى لئلا يعتذروا يوم القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباءِ، هذا على تقدير كونِ قوله تعالى: {شَهِدْنَا} من كلام الذرية وهو الظاهرُ، فأما على تقدير كونِه من كلامه تعالى فهو العامل في أن تقولوا ولا محذور أصلاً، إذ المعنى شهِدنا قولَكم هذا لئلا تقولوا يوم القيامة الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ.
اسماعيل حقي
تفسير : {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا} عطف على ان تقولوا واو لمنع الخلو دون الجمع اى اخترعوا الاشراك وهم سنوه {من قبل} من قبل زماننا {وكنا} نحن {ذرية من بعدهم} لا نهتدى الى السبيل ولا نقدر على الاستدلال بالدليل فاقتديناهم {أفتهلكنا} اى أتؤاخذنا فتهلكنا {بما فعل المبطلون} من آبائنا المضلين بعد ظهور انهم المجرمون نحن عاجزون عن التدبر والاستبداد بالرأى فان ما ذكر من استعدادهم الكامل يسد عليهم باب الاعتذار بهذا ايضا فان التقليد بعد قيام الدلائل والقدرة على الاستدلال بها مما لا مساغ له اصلا.
اطفيش
تفسير : {أو تَقُولوا} عطف على تقولوا وقرأ هؤلاء أيضا بالتحتية {إنَّما أشْركَ آبَاؤنَا من قَبْلُ وكنَّا ذُريَّةً مِنْ بَعْدِهم} مقتدين بهم {أَفتَهلِكُنا بما فَعَل المبْطِلُون} الآباء الذين أسسوا الشرك حتى قلدوهم فيه، وبتذكيرهم بالرسل والكتب، لم يصح أن يقولوا: غفلنا ونسينا، ولا أن يقلدوا الآباء وينسبوا الذنب إليهم، لأن التقليد مع قيام الدليل، والتمكن من العلم به، لا يكون عذرا عقلا ولا شرعا، فالآية تتضمن قطع عذر كل مشرك، ومنه التقليد، وإن فرضنا إنسانا فى جزيرة لم يلق من يتعلم منه التوحيد، فليس بمعذور، لأن الله سبحانه قد نصب له دلائل التوحيد، فلو عمل بها لنجا فهى مذكرة له للعهد الأول، قال أبو بكر الطرطوشى: إن هذا العهد يلزم البشر، وإن كانوا لا يذكرونه فى هذه الحياة، كما يلزم الطلاق من شهد عليه وقد نسيه.
اطفيش
تفسير : {أَوْ تقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} من قبلنا {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} فاقتدينا بهم فالمؤاخذة عليهم لا علينا {أَفَتُهْلِكُنَا} تعذبنا {بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} آباؤنا المبطلون بتأسيس الشرك لنا.
الالوسي
تفسير : {أَوْ تَقُولُوۤاْ} في ذلك اليوم {إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} أي إن آباءنا هم اخترعوا الإشراك وهم سنوه من قبل زماننا {وَكُنَّا} نحن {ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ} لا نهتدي إلى سبيل التوحيد {أَفَتُهْلِكُنَا} أي أتؤاخذنا فتهلكنا اليوم بالعذاب {بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} من آبائنا المضلين لا نراك تفعل. و {أَوْ} لمنع الخلو دون الجمع، وفعل القول عطف على نظيره. وقرأهما أبو عمرو بالياء على الغيبة لأن صدر الكلام عليها، ووجه قراءة الخطاب ما علمت. وقال البعض: إن ذاك لقول الرب تعالى ربكم وإنما وإنما لم يسع القوم هذا القول لأن ما ذكر من استعدادهم يضيق عليهم المسالك إليه إذ التقليد عند قيام الدلائل والقدرة على الاستدلال بها مما لا مساغ إليه أصلاً. هذا والذي عليه المحدثون والصوفية قاطبة أن الله تعالى أخذ من العباد بأسرهم ميثاقاً قالياً قبل أن يظهروا بهذه البنية المخصوصة وأن الإخراج من الظهور كان قبل أيضاً. فقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنشرها بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا».تفسير : أخرج مالك في «الموطأ» وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في «التاريخ»، وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وخلق كثير عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سئل عن هذه الآية {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } تفسير : [الأعراف: 172] الخ فقال: «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال الرجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله تعالى النار» تفسير : والبيضاوي حمل الآية في «تفسيره» على التمثيل وكذا في «شرحه للمصابيح» وذكر فيه أن ظاهر حديث عمر رضي الله تعالى عنه لا يساعد ذلك ولا ظاهر الآية لأنه سبحانه وتعالى لو أراد أن يذكر أنه استخرج الذرية من صلب آدم دفعة واحدة لا على توليد بعضهم من بعض على مر الزمان لقال: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته، والتوفيق بينهما أن يقال: المراد من بني آدم في الآية وأولاده وكأنه صار اسماً للنوع كالإنسان والبشر، والمراد بالإخراج توليد بعضهم من بعض على مر الزمان واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث «حديث : مسح ظهر آدم» تفسير : يحتمل أن يكون الماسح الملك الموكل على تصوير الأجنة وتخليقها وجمع موادها وأسند إلى الله تعالى لأنه الآمر كما أسند التوفي إليه قوله تعالى: {أية : يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] والمتوفي لها هو الملك لقوله تعالى: {أية : تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [النحل: 28] ويحتمل أن يكون الماسح هو الله تعالى ويكون المسح من باب التمثيل، وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير كأنه قال: قدر ما في ظهره من الذرية انتهى كلامه. وقال بعضهم: ليس المعنى في الحديث أنه تعالى أخرج الكل من ظهر آدم عليه السلام بالذات بل أخرج من ظهره أبناءه الصلبية ومن ظهورهم / أبناءهم الصلبية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهر الأصلي ظهره عليه الصلاة والسلام وكان مساق الحديث بيان حال الفريقين إجمالاً من غير أن يتعلق بذكر الوسائط غرض علمي نسب إخراج الكل إليه، وأما الآية الكريمة فحيث كانت مسوقة للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان عدم إفادة الاعتذار بإسناد الإشراك إلى آبائهم اقتضى الحال نسبة إخراج كل واحد منهم إلى ظهر أبيه من غير تعرض لإخراج الأبناء الصلبية لآدم عليه السلام من ظهره قطعاً، وعدم بيان الميثاق في الخبر العمري ليس بياناً لعدمه ولا مستلزماً له اهـ. وأنت تعلم أن التأويل الذي ذكره البيضاوي يأبى عنه كل الآباء حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأن ما ذكره البعض من أن مساق الحديث بيان حال الفريقين إجمالاً يأباه ظهور عدم كون السؤال عن حالهما ليساق الحديث لبيانه فإن الظاهر أن الصحابـي إنما سأله عليه الصلاة والسلام عما أشكل عليه من معنى الآية أن الإشهاد هل هو حقيقة أم على الاستعارة؟ فلما أجابه صلى الله عليه وسلم بما عرف منه ما أراده سكت لأنه كان بليغاً ولو أشكل عليه من جهة أخرى لكان الواجب بيان تلك الجهة وكذا فهم الفاروق رضي الله تعالى عنه. ومن هنا يعلم أن قول الإمام إن ظاهر الآية يدل على إخراج الذرية من ظهر بني آدم، وليس فيها ما يدل على أنهم أخرجوا من صلب آدم ولا ما يدل على نفيه إلا أن الخبر دل عليه فيثبت خروجهم من آدم بالحديث ومن بنيه بالآية، لا يطابق سياق الحديث كما لا يخفى. وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي: إنما جد كثير من أهل العلم في الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر خبر الحبر لمكان قول سبحانه: {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 172] فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم ذلك اليوم أن يقولوا: شهدنا يومئذ فلما زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أيضاً أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمه وحرمناهما من بعد ولو أمددنا بهما أبداً لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول فيتعين حينئذ أن يراد بالميثاق ما ركب الله تعالى فيهم من العقول وآتاهم من البصائر لأنها هي الحجة البالغة والمانعة عن قولهم {أية : إِنَّا كُنَّا} تفسير : [الأعراف: 172] الخ لأن الله تعالى جعل الإقرار والتمكن من معرفة ربوبيته ووحدانيته سبحانه حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسول حجة عليهم في الايمان بما أخبر عنه من الغيوب انتهى. وحاصله أنه لو لم تؤول الآية بما ذكر يلزم أن لا يكون محجوجين يوم القيامة، وقد أجيب عنه باختيار كل من الشقين ورفع محذوره. أما الأول: فبأن يقال: إذا قالوا شهدنا يومئذ فلما زال علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان كذا أيها الكذابون متى وكلتم إلى آرائكم ألم نرسل رسلنا تترى ليوقظكم عن سنة الغفلة؟ وأما الثاني: فبأن يقال: إن هذا مشترك الإلزام فإنه إذا قيل لهم: ألم نمنحكم العقول والبصائر؟ فلهم أن يقولوا فإذا حرمنا اللطف والتوفيق فأي منفعة لنا في العقل والبصيرة؟ وذكر محي السنة في جواب أنه كيف تلزم الحجة ولا أحد يذكر ذلك الميثاق أن الله تعالى قد أوضح الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزمته الحجة ونسيانه وعدم حفظه لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق، ولا يخفى ما فيه، ولهذا أجاب بعضهم بأن قوله تعالى: {أية : أَن تَقُولُواْ } تفسير : [الأعراف: 172] الخ ليس مفعولاً له لقوله تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] وما يتفرع عليه من قولهم / {أية : بَلَىٰ شَهِدْنَا } تفسير : [الأعراف: 172] حتى يجب كون ذلك الإشهاد والشهادة محفوظاً لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلام، والمعنى فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاق وبيانه كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرة يوم القيامة إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاق لم ننبه عليه في دار التكليف وإلا لعملنا بموجبه، هذا على قراءة الجمهور، أما على القراءة الأخرى فهو مفعول له لنفس الأمر المضمر العامل في {أية : وَإِذْ أَخَذَ } تفسير : [الأعراف: 172] والمعنى اذكر لهم الميثاق المأخوذ منهم فيما مضى لئلا يعتذروا يوم القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباء، ثم قال: هذا على تقدير كون {أية : شهدنا} تفسير : [الأعراف: 172] من كلام الذرية وهو الظاهر فأما على تقدير كونه من كلام الله تعالى فهو العامل في {أية : أَن تَقُولُواْ } تفسير : [الأعراف: 172] ولا محذور أصلاً والمعنى شهدنا قولكم هذا لئلا تقولوا يوم القيامة الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ انتهى. ولا يخفى أن ما ذكره أولاً من تعلق {أَن} وما بعدها بفعل مضمر ينسحب عليه الكلام أو بنفس الفعل المضمر العامل في {إِذْ} واضح في دفع السؤال الذي أشرنا إليه، وإنه لعمري في غاية الحسن إلا أن الظاهر تعلقه بالاشهاد وما يتفرع عليه، وأرى الجواب مع عدم العدول عنه لا يخلو عن العدول عنه، ويؤيد ماذكره ثانياً من كون {أية : شَهِدْنَا } تفسير : [الأعراف: 172] من كلام الله تعالى وكونه العامل ما أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» من طريق السدي عن أبـي مالك وعن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم قالوا في الآية: ((لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء مسح صفح ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتى ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك قوله تعالى: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ }تفسير : [الأعراف: 172] فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال: هو والملائكة {أية : شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الأعراف: 172] الحديث))، وفيه مخالفة لما روي عن الحبر أولاً من أن الأخذ كان بنعمان إذ هو ظاهر في كون ذلك بعد الهبوط وهذا ظاهر في كونه كان قبل، وفي بعض الأخبار ما يقتضي أنه كان إذ كان عرضه سبحانه على الماء، فقد أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» والطبراني وأبو الشيخ في «العظمة» وابن مردويه عن أبـي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلق الله تعالى الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين فقال: يا أصحاب اليمين فاستجابوا له فقالوا له: لبيك ربنا وسعديك قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشمال فاستجابوا له فقالوا له لبيك ربنا وسعديك قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى» تفسير : فخلط بعضهم ببعض الخبر، وذكر بعضهم أنه كان بالهند حيث هبط آدم عليه السلام، وآخرون أنه كان في موضع الكعبة وأن الذرية المخرجة من ظهر آدم عليه السلام كالذر أحاطت به، وجعل المحل الذي شغلته إذ ذاك حرماً، وليس لهذا سند يعول عليه، والتوفيق بين هذه الروايات مشكل إلا أن يقال بتعدد أخذ الميثاق، وإليه ذهب السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، لكن يشعر كلامهم باختلاف النوع، فقد قال بعضهم: رأيت من يستحضر قبل ميثاق {أية : أَلَسْتُ } تفسير : [الأعراف: 172] ستة مواطن أخرى ميثاقية فذكرت ذلك لشيخنا رضي الله تعالى عنه فقال: إن قصد القائل بالحضرات الستة التي عرفها قبل ميثاق {أَلَسْتَ} الكليات فمسلم، وأما إن أراد جملة الحضرات الميثاقية التي قبل {أَلَسْتَ} / فهي أكثر من ذلك، ويعلم من هذا ما في قولهم: لا أحد يذكر ذلك الميثاق على وجه السلب الكلي من المنع، وقد روى عن ذي النون أيضاً وقد سئل عن ذلك هل تذكره أنه قال: كأنه الآن في أذني. وقال بعضهم مستقرباً له: إن هذا الميثاق بالأمس كان وأشار فيه أيضاً إلى مواثيق أخر كانت قبل، ويمكن أن يقال مرادهم من تلك السالبة لا أحد من المشركين يذكر ذلك الميثاق لا لا أحد مطلقاً. وذكر قطب الحق والدين العلامة الشيرازي في التوفيق بين الآية والخبر العمري كلاماً ارتضاه الفحول وتلقوه بالقبول وحاصله: أن جواب النبـي صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن الآية من قبيل أسلوب الحكيم وذلك أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن بيان الميثاق الحالي فأجاب ببيان الميثاق المقالي على ألطف وجه. وبيانه أن سبحانه كان له ميثاقان مع بني آدم. أحدهما: تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي. وثانيهما: المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم السلام فأراد النبـي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الأمة ويخبرهم عن أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقاً آخر أزلياً فقال ما قال من مسح ظهر آدم عليه السلام في الأزل وإخراج الذرية ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج في لا يزال من أصلاب بني آدم هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم وأخذ منه الميثاق المقالي الأزلي كما أخذ منهم في لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الحالي اللايزالي اهـ وهو حسن كما قالوا، لكن ينبغي أن يحمل الأزل فيه ولا يزال على المجاز لأن خروج النسل محدود بيوم القيامة وعلى القول بعدم انقطاعه بعده هو خاص بالسعداء على وجه خاص كما علم في محله والأمر حادث لا أزلى وإلا لزم خرق إجماع المسلمين والتدافع بين الآية وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء. ونقل عن الخلخالي أنه شمر عن ساقه في دفع ذلك فقال: المخاطبون هم الصور العلمية القديمة التي هي ماهيات الأشياء وحقائقها ويسمونها الأعيان الثاتبة وليست تلك الصور موجودة في الخارج فلا يتعلق بها بحسب ذلك الثبوت جعل بل هي في ذواتها غير محتاجة إلى ما يجعلها تلك الصور وهي صادرة عنه تعالى بالفيض الأقدس وقد صرحوا بأنها شؤنات واعتبارات للذات الأحدي وجوابهم بقولهم: بلى إنما هو بألسنة استعداداتهم الأزلية لا بالألسنة التي هي بعد تحققها في الخارج انتهى. وهو مبني على الفرق بين الثبوت والوجود وفيه نزاع طويل لكنا ممن يقول به والله لا يستحي من الحق، ومن هنا انقدح لبعض الأفاضل وجه آخر في التوفيق بين الآية والحديث وهو أن المراد بالذرية المستخرجة من صلب آدم عليه السلام وبنيه هو الصور العلمية والأعيان الثابتة وأن المراد باستخراجها هو تجلي الذات الأحدي وظهوره فيها وأن نسبة الإخراج إلى ظهورهم باعتبار أن تلك الصور إذا وجدت في الأعيان كانت عينهم وأن تلك المقاولة حالية استعدادية أزلية لا قالية لا يزالية حادثة وهذا هو المراد بما نقل الشيخ العارف أبو عبد الرحمن السلمي في «الحقائق» عن بنان حيث قال: أوجدهم لديه في كون الأزل ثم دعاهم فأجاهم سراعاً وعرفهم نفسه حين لم يكونوا في الصورة الإنسية ثم أخرجهم بمشيئته خلقاً وأودعهم في صلب آدم فقال سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ }تفسير : [الأعراف: 172] الخ فأخبر أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم إذ كانوا واجدين للحق في غير وجودهم لأنفسهم وكان الحق بالحق في ذلك موجوداً ثم أنشد السلمي لبعضهم:شعر : / لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعاً وسجوداً تفسير : انتهى. ولا يخفى أن هذا التوفيق بعيد بمراحل عن ذوق أرباب الظاهر لمخالفته لظواهر الأخبار والمتبادر من الآثار، وما نقل عن بنان فيه وهو أول كلامه انتخبهم للولاية واستخلصهم للكرامة، وجعل لهم فسوحاً في غوامض غيب الملكوت وبعده ما ذكر، وشموله لسائر الخلق سعيدهم وشقيهم لا يخلو عن بعد، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن الله تعالى أبدع المبدعات وتجلى بلسان الأحدية في الربوبية فقال: ألست بربكم؟ والمخاطب في غاية الصغاء فقالوا: بلى. فكان كمثل الصدا فإنهم أجابوه به فإن الوجود المحدث خيال منصوب وهذا الإشهاد كان إشهاد رحمة لأنه سبحانه ما قال لهم وحدي إبقاء عليهم لما علم أنهم يشركون به تعالى عن ذلك علواً كبيراً بما فيهم من الحظ الطبيعي وبما فيهم من قبول الاقتدار الإلهي وما يعلمه إلا قليل؛ وأنت تعلم أن محققي المفسرين اعتبروا الوحدانية في الإشهاد وكذا في الشهادة كما مرت الإشارة إليه ونطقت الآثار به، ومن ذلك ما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في «زوائد المسند» والبيهقي وابن عساكر وجماعة عن أبـي بن كعب أنه قال في الآية: جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم ثم استنطقهم فتكلموا ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بـي شيئاً إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبـي قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا ورفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال: يا رب لولا سويت بين عبادك قال: إني أحببت أن أشكر وبهذا يندفع ما يقال: إن إقرار الذراري بربوبيته سبحانه لا ينافي الشرك لأن المشركين قائلون بربوبيته سبحانه كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] والمعتزلة ينكرون أخذ الميثاق القالي المشار إليه في الأخبار ويقولون: إنها من جملة الآحاد فلا يلزمنا أن نترك لها ظاهر الكتاب وطعنوا في صحتها بمقدمات عقلية مبنية على قواعد فلسفية على ما هو دأبهم في أمثال هذه المطالب، قالوا أولاً: إن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل فوجب أن يتذكر الإنسان في هذا العالم ذلك الميثاق إذ لا يجوز للعاقل أن ينسى مثل هذه الواقعة العظيمة نسياً كلياً فحيث نسي كذلك دل على عدم وقوعها، وبنحو هذا الدليل بطل التناسخ. وأجيب بأن العلم إنما هو بخلق الله تعالى فجاز أن لا يخلقه لحكمة علمها، ودليل بطلان التناسخ ليس منحصراً بما ذكر، فقد استدلوا أيضاً على بطلانه بلزوم أن يكون للبدن نفسان كما بينه الإمام في «المباحث الشرقية» وأن يكون عدد الهالكين مساوياً لعدد الكائنين والطوفات العامة تأبـى هذا التساوي، على أنه يمكن أن يجاب بالفرق بين التناسخ وبين ما نحن فيه، وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين امتنع في مجرى العادة نسيان أحوالها، وأما أخذ الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصول النسيان فيه. وبعضهم أجاب بأن النسيان وعدم التذكر هنا لبعد الزمان. واعترض بأن أهل الآخرة يعرفون كثيراً من أحوال الدنيا كما نطقت بذلك الآيات والأخبار اللهم إلا أن يقال: إن ذلك خصوصية الدار. وقالوا ثانياً: إن تلك الذرية المأخوذة من ظهر آدم عليه السلام لا بد أن يكون لكل واحد منها قدر من البنية حتى يحصل فيه العلم والفهم فمجموعها لا تحويه عرصة الدنيا فيمتنع حصوله في ظهر آدم ليؤخذ ثم يرد، وأجيب بأنه مبني على كون الحياة / مشروطة بالبنية المخصوصة كما هو مذهب الخصوم، والبرهان قائم على بطلانه كما تقرر في الكلام، فجوز أن يخلق الله تعالى الحياة في جوهر فرد، وتلك الذرية المخرجة كانت كالذر وهو قريب من الجوهر، وكون المجموع لا تحويه عرصة الدنيا غير مسلم، وإن كان الأخذ في السماء قبل هبوط آدم عليه السلام فالدائرة واسعة، وإن كان إذ كان العرش على الماء فالدائرة أوسع، ولا مانع إذا كان في الأرض أن يكون اجتماع الذر متراكماً بينها وبين السماء وإنه لفضاء عظيم وإن صغرت قاعدته، وإن اعتبر أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة وأنها جوهر غير متحيز ولا حال فيه لم يحتج إلى الفضاء إلا أن فيه ما فيه. وقالوا ثالثاً: إنه لا فائدة ف أخذ الميثاق لأنهم لا يصيرون بسببه مستحقين للثواب والعقاب على أنهم أدون حالاً من الأطفال والطفل لا يتوجه عليه التكليف فكيف يتوجه على الذر. وأجيب: بأن فائدة الأخذ غير منحصرة في الاستحقاق المذكور بل يجوز أن تكون إظهار كمال القدرة لمن حضر من الملائكة أو إقامة الحجة يوم القيامة كما يقتضيه قول البعض في الآية، وكونهم إذ ذاك أدون حالاً من الأطفال في حيز البطلان كما لا يخفى على من هو أدون حالاً من الأطفال. وقالوا رابعاً: إنه سبحانه وتعالى قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] وقال جل وعلا: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق: 5-6] وكون أولئك الذر أناسي ينافي كون الإنسان مخلوقاً مما ذكر. وأجيب بأن الإنسان في هذه النشأة مخلوق من ذلك ولا يلزم منه أن يكون في تلك النشأة كذلك على أن الله تعالى لا يعجزه شيء، وبالجملة ينبغي للمؤمن أن يصدق بذلك الأخذ فقد نطقت به الأخبار الصادرة من منبع الرسالة، ولا يلتفت إلى قول من قال: إنها متروكة العمل لكونها من الآحاد فإن ذلك يؤدي إلى سد باب كبير من الفتوحات الغيبية ويحرم قائله من عظيم المنح الإلهية. وقد روى البيهقي في «المدخل» عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الذين لقيناهم كلهم يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبـي صلى الله عليه وسلم ويجعلونه سنة حمد من تبعها وعيب من خالفها، وقال: من خالف هذا المذهب كان عندنا مفارقاً لسبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم وكان من أهل الجهالة، وفي «جامع الأصول» عن رزين عن أبـي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لأعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري أنا أمرت به أو نهيت عنه وهو متكىء في أريكته فيقول: ما ندري ما هذا عندنا كتاب الله تعالى وليس هذا فيه» تفسير : الحديث، ولا ينبغي البحث عن كيفية ذلك فإنه من العلوم المسكوت عنها المحتاجة إلى كشف الغطاء وفيض العطاء. ومن ذلك ما أخرجه الجَنَدي في «فضائل مكة» وأبو الحسن القطان والحاكم والبيهقي في «شعب الإيمان» وضعفه عن أبـي سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر رضي الله تعالى عنه فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ثم قبله فقال له علي كرم الله تعالى وجهه: يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع قال: بم؟ قال: بكتاب الله عز وجل قال: وأين ذلك من كتاب الله تعالى قال: قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} الآية إلى قوله سبحانه: {أية : بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] وذلك أن الله عز شأنه خلق آدم عليه السلام ومسح على ظهره فأخرج ذريته فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك ففتح فاه فألقمه ذلك الرق فقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة وأني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: / «حديث : يُؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق ليشهد لمن يستلمه بالتوحيد» تفسير : فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع. فقال عمر رضي الله تعالى عنه أعوذ بالله تعالى أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. قيل: ومن هنا يعلم قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحجر يمين الله تعالى في أرضه»تفسير : والكلام في ذلك شهر. هذا ومن الناس من ذكر أن الناس بعد أن قالوا: بلى منهم من سجد سجدتين ومنهم من لم يسجد أصلاً ومنهم من سجد مع الأولين السجدة الأولى ولم يسجد الثانية ومنهم من عكس، فالصنف الأول هم الذين يعيشون مؤمنين ويموتون كذلك، والثاني هم الذين يعيشون كفاراً ويموتون كذلك. والثالث هم الذين يعيشون مؤمنين ويموتون كفاراً، والرابع هم الذين يعيشون كفاراً ويموتون مؤمنين انتهى. وهو كلام لم يشهد له كتاب ولا سنة فلا عول عليه، ومثله القول بأن بعضاً من القائلين بلى قد مكر منهم إذ ذاك حيث أظهر لهم إبليس في ذلك الجمع وظنوا أنه القائل: ألست بربكم؟ فعنوه بالجواب وأولئك هم الأشقياء، وبعضاً تجلى لهم الرب سبحانه فعرفوه وأجابوه وأولئك هم السعداء، وهذا عندي من البطلان بمكان؛ والذي ينبغي اعتقاده أنهم كلهم وجهوا الجواب لرب الأرباب. نعم ذهب البعض إلى أن البعض أجاب كرهاً واستدلوا له ببعض الآثار السالفة، وذهب أهل هذا القول إلى أن أطفال المشركين في النار، ومن قال: إنهم في الجنة ذهب إلى أنهم أقروا عند أخذ الميثاق اختياراً فيدخلون الجنة بذلك الإقرار والله سبحانه أرحم الراحمين وإسناد القول في الآية على بعض الأقوال إلى ضمير الجمع إنما هو باعتبار وقوعه من البعض فإن وقوعه من الكل باطل بداهة، ومثل هذا واقع في الآيات كثيراً.
د. أسعد حومد
تفسير : (173) - أَوْ يَقُولُوا: إِنَّهُمْ وَرِثُوا الشِّرْكَ عَنْ آبَائِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ وَإِنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِهِمِ، وَهُمْ جَاهِلُونَ بِبُطْلاَنِ شِرْكِ آبَائِهِمْ، فَلِمَاذَا يُهْلِكُهُمْ رَبُّهُمْ بِمَا فَعَلَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ العَمَلِ البَاطِلِ مِنْ أَسْلاَفِهِمْ، فَهُمْ لاَ ذَنْبَ لَهُمْ، وَلاَ حُجَّةَ عَلَيْهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق يريد أن يقطع عليهم حجة مخالفتهم لمنهج الله، فينبه إلى عهد الفطرة والطبيعة والسجية المطمورة في كل إنسان؛ حيث شهد كل كائن بأنه إلهٌ واحدٌ أحَدٌ، ويذكرنا سبحانه بهذا العهد الفطري قبل أن توجد أغيار الشهوات فينا. {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} وهل كان أحد من الذر وهو في علم الله وإرادته وقدرته يجرؤ على أن يقول: لا لست ربي؟. طبعاً هذا مستحيل، وأجاب كل الذر بالفطرة "بلى". وهي تحمل نفي النفي، ونفي النفي إثبات مثل قوله الحق: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [التين: 8] و"أليس" للاستفهام عن النفي؛ ولذالك يقال لنا: حين تسمع "أليس" عليك أن تقول "بلى" وبذلك تنفي النفي أي أثبتّ أنه لا يوجد أحكم الحاكمين غيره سبحانه، وهنا يقول الحق: "ألست بربكم"؟ وجاءت الإجابة: بلى شهدنا. ولماذا كل ذلك؟ قال الحق ذلك ليؤكد لكل الخلق أنهم بالفطرة مؤمنون بأن الله هو الرب، والذي جعلهم يغفلون عن هذه الفطرة تحرُّك شهواتهم في نطاق الاختيار، ومع وجود الشهوات في نطاق الاختيار إن سألتهم من خلقهم؟ يقولون: الله، ومادام هو الذي خلقهم فهو ربهم. {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...} تفسير : [العنكبوت: 61] وجاء الحق بقصة هذه الشهادة حتى لا يقولَنَّ أحدُ: {إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} وبذلك نعلم أن أعذار العاصين وأعذار الكافرين التي يتعللون ويعتذرون بها تنحصر في أمرين اثنين: الغفلة عن عهد الذر، وتقليد الآباء. وما الغفلة؟ وما التقليد؟. الغفلة قد لا يسبقها كفر أو معصية، ويقلدها الناس الذين يأتون من بعد ذلك. والمثال الواضح أن سيدنا آدم عليه السلام قد أبلغ أولاده المنهج السوي المستقيم لكنهم غفلوا عنه ولم يعد من اللائق أن يقول واحد منهم إن أباه قد أشرك. ولكن جاء هذا الأمر من الغفلة، ثم جاء إشراك الآباء في المرحلة الثانية؛ لأن كل واحد لو قلد أباه في الإشراك؛ لانتهى الشرك إلى آدم، وآدم لم يكن مشركاً، لكن الغفلة عن منهج الله المستقيم حدثت من بعض بني آدم، وكانت هذه الغفلة نتيجة توهم أن هناك تكاليف شاقةً يتطلبها المنهج، فذهب بعض من أبناء آدم إلى ما يحبون وتناسوا هذا المنهج ولم يعد في بؤرة شعورهم؛ لأن الإنسان إنما ينفذ دائماً الموجود في بؤرة شعوره. أما الشيء الذي سيكلفه مَشقَّة فهو يحاول أن يتناساه ويغفل عنه، هكذا كانت أول مرحلة من مراحل الانفصال عن منهج الله وهي الغفلة في آبائهم. وهنا يضاف عاملان اثنان: عامل الغفلة، وعامل الأسوة في أهله وآبائه. ولم تكن القضايا الإيمانية في بؤرة الشعور، ولذلك يقال: الغالب ألا ينسى أحد ما له ولكنه ينسى ما عليه؛ لأن الإنسان يحفظ ما له عند غيره في بؤرة الشعور، ويُخرج الإنسان ما عليه بعيداً عن بؤرة الشعور. ولأن البعض قد يتصور أن في التكليف الإِيماني مشقة، لذلك فهو يحاول أن يبعد عنه وينساه، وكذلك يحاول هذا البعض أن ينأى بنفسه عن هذه التكاليف. ونأخذ المثل من حياتنا: قد نجد إنساناً مَدِيناً لمحل بقالة أو لنجاَّرٍ وليس عنده مال يعطيه له، لذلك يحاول أن يبتعد عن محل هذا البقال، أو أن يسير بعيدا عن أعين النجار. وهكذا يكون افتعال الغفلة في ظاهره هو أمراً مَنْجِياً من مشقات التكاليف، لكن البشر في ميثاق الذر قالوا: {بَلَىٰ شَهِدْنَآ} وقد أُخِذَ ذلك العهدُ عليهم، وأُقرُّوا به واستشهد الحقُّ بهم، على أنفسهم حتى لا يقولوا يوم القيامه {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} لأنه لا يصح أن نغفل عن هذا العهد أبداً، ولكنَّ الحقَّ تبارك وتعالى عرَفَ أنَّنا بشرٌ، وقال في أبينا آدم: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ...} تفسير : [طه: 115] ومادام آدم قد نسي، فنسيانه يقع عليه حيث بيَّن وأوضح لنا الإسلام أن الأمم السابقة على الإسلام تؤخذ بالنسيان، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر واضح: فقال عليه الصلاة والسلام: (حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ). تفسير : والخطأ معلوم، كأن يقصدَ الإنسانُ شيئاً ويحدث غيرهُ، والنسيانُ ألاَّ يجيءَ الحكمُ على بال الإنسان. والمُكْرَهُ هو من يقهره من هُو أقْوى منه بفقدان حياته أو بتهديد حريته وتقييدها ما لم يفعل ما يؤمر به، وفي الحالات الثلاث يرفع التكليف عن المسلم. وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أكرم الأمة المحمدية بصفة خاصة برفع ما ينساه المسلم. وهذا دليل على أن من عاشوا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤاخذون به. وإذا سلسلنا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصل إلى سيدنا آدم الذي خُلق بيد الله المباشرة، بينما نحن أبناء آدم مخلوقون بالقانون؛ أن يوجد رجل وتوجد امرأة وتوجد علاقة زوجية فيأتي النسل. وقد كلف الله آدم في الجنة التي أعدها له ليتلقى التدريب على عمارة الأرض بأمر ونهي؛ فقال له سبحانه وتعالى: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ...} تفسير : [البقرة: 35] إذن فقصارى كل تكليف هو أمر في "افعل"، ونهي في "لا تفعل؛، وقد نسي آدم التكليف في الأمر الواحد البسيط وهو المخلوق بيد الله والمكلف منه بأمر واحد أن يأكل حيث يشاء ويمتنع عن الأكل من الشجرة، وإن لم يتذكر آدم ذلك، فما الذي يتذكره؟ وما كان يصح أن ينسى لأنه مخلوق بيد الله المباشرة ومكلف من الله مباشرة، والتكليف وإن كان بأمرين؛ لكن ظاهر العبء فيه على أمر واحد؛ الأكل من حيث شاءا هو أمر لمصلحة آدم، و"لا تقرب" هو تكليف واحد. - ولذلك قال الحق في آية أخرى: {أية : ...وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] وهو عصيان لأنه نسيان لأمر واحد، ما كان يصح أن ينساه. لعدم تعدده ويقول الحق تبارك وتعالى: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] جاء هذا القول لينبهنا إلى أن الغفلة لا يجب أن تكون أسوة لأن التكاليف شاقة، والإنسان قد يسهو عنها فيورث هذا السهو إلى الأجيال اللاحقة فيقول الأبناء: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}. وهذا يعني أن إيمانهم هو إيمان المقلد، رغم أن الحق قد أرسل لهم البلاغ، وإذا كان الآباء مبطلين للبلاغ بالمنهج فلا يصح للأبناء أن يغفلوا عن صحيح الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):