Verse. 1126 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِذْ اَخَذَ رَبُّكَ مِنْۢ بَنِيْۗ اٰدَمَ مِنْ ظُہُوْرِہِمْ ذُرِّيَّــتَہُمْ وَ اَشْہَدَہُمْ عَلٰۗي اَنْفُسِہِمْ۝۰ۚ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ۝۰ۭ قَالُوْا بَلٰي۝۰ۚۛ شَہِدْنَا۝۰ۚۛ اَنْ تَقُوْلُوْا يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ اِنَّا كُنَّا عَنْ ہٰذَا غٰفِلِيْنَ۝۱۷۲ۙ
Waith akhatha rabbuka min banee adama min thuhoorihim thurriyyatahum waashhadahum AAala anfusihim alastu birabbikum qaloo bala shahidna an taqooloo yawma alqiyamati inna kunna AAan hatha ghafileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ» حين «أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم» بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار «ذرِّيّاتهم» بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم نسلا بعد نسل كنحو ما يتوالدون كالذّر بنعمان يوم عرفة ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلا «وأشْهدهم على أنفسهم» قال «ألست بربكم؟ قالوا بلى» أنت ربنا «شهدنا» بذلك والإشهاد لـ «أن» لا «يقولوا» بالياء والتاء في الموضعين، أي الكفار «يوم القيامة إنا كنَّا عن هذا» التوحيد «غافلين» لا نعرفه.

172

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين، وفي تفسير هذه الآية قولان: الأول: وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: «حديث : إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون» تفسير : فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار» تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة»تفسير : وقال مقاتل: «حديث : إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه الذر سوداء كهيئة الذر فقال يآدم هؤلاء ذريتك. ثم قال لهم: {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم"تفسير : ، فأهل القبول محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال، وأرحام النساء. وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول {أية : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ }تفسير : [الأعراف: 102] وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعكرة، والكلبي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أبصر آدم في ذريته قوماً لهم نور. فقال يا رب من هم؟ فقال الأنبياء، ورأى واحداً هو أشدهم نوراً فقال من هو؟ قال داود، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم: هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة، وكان عمر آدم ألف سنة، فلما تم عمر آدم تسعمائه وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فقال بقي من أجلي أربعون سنة، فقال: ألست قد وهبته من ابنك داود؟ فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئاً، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها. أما المعتزلة: فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه. واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه. الحجة الأولى: لهم قالوا: قوله: {مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } لا شك أن قوله: {مِن ظُهُورِهِمْ } يدل من قوله: {وَإِذْ أَخَذَ } فيكون المعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم. وعلى هذا التقدير: فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً. الحجة الثانية: أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئاً من الذرية لما قال: {مِن ظُهُورِهِمْ } بل كان يجب أن يقول: من ظهره، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله: {ذُرّيَّتَهُم } لو كان آدم لقال ذريته. الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا: {إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا من قبل } وهذا الكلام يليق بأولاد آدم، لأنه عليه السلام ما كان مشركاً. الحجة الرابعة: أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كلياً لا يتذكر منها شيئاً لا بالقليل ولا بالكثير، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ. فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلاً. فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة، وجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال. وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضاً التزام مذهب التناسخ. الحجة الخامسة: أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة، فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع. الحجة السادسة: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة. وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات. وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون عالماً فاهماً عاقلاً؛ إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام؟ الحجة السابعة: قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا. والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان؟ الحجة الثامنة: قال الكعبي: إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات؟ وأجاب الزجاج عنه فقال: لما لم يبعد أن يؤتى الله النمل العقل كما قال: {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ }تفسير : [النمل: 18] وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ } تفسير : [الأنبياء: 79] وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا. الحجة التاسعة: أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال. وأما الثاني: وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم. الحجة العاشرة: قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ }تفسير : [الطارق: 5، 6] ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة. قلنا: هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة. وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل. الحجة الحادية عشرة: هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع، بقي القول الأول. فنقول: إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل. والثاني: يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات: أولها وقت الميثاق، وثانيها في الدنيا، وثالثها في القبر، ورابعها في القيامة. وأنه حصل له الموت ثلاث مرات. موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول، وموت في الدنيا، وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ }تفسير : [غافر: 11]. الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنين: 12] فلو كان القول بهذا الذر صحيحاً لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطل. لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة، والعلقة، والمضغة، ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة، وهو قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } وقوله: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ }تفسير : [عبس: 17- 19] فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف. والقول الثاني: في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات: أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات، وجعلها علقة، ثم مضغة، ثم جعلهم بشراً سوياً، وخلقاً كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه، وغرائب صنعه. فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، وإن لم يكن هناك قول باللسان، ولذلك نظائر منها قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] ومنها قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] وقول العرب:شعر : قال الجدار للوتد لم تشقني قال سل من يدقني فإن الذي ورايي ما خلاني ورايي تفسير : وقال الشاعر:شعر : امتلأ الحوض وقال قطنى تفسير : فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين، وهذا القول الثاني لاطعن فيه ألبتة، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافياً لصحة القول الأول: إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا؟ فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه؟ قلنا: ههنا مقامان: أحدهما: أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذَّر؟ والثاني: أن بتقدير أن يصح القول به، فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟ أما المقام الأول: فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع. أما الوجه الأول: من الوجوه العقلية المذكورة، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن. قلنا: خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية. والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها. فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا، فجوزوا أن يقال: إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى، وبقينا فيها سنين ودهوراً، امتنع في مجرى العادة نسيانها، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان، وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان فيه، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساه، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه، فقد ظهر الفرق. وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام. قلنا: عندنا البنية ليست شرطاً لحصول الحياة، والجوهر الفرد الذي لا يتجزأ، قابل للحياة والعقل، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهراً فرداً، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها؟ إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا: الإنسان جوهر فرد. وجزء لا يتجزأ في البدن. على ما هو مذهب بعض القدماء، وأما إذا قلنا: الإنسان هو النفس الناطقة، وإنه جوهر غير متحيز، ولا حالَّ في المتحيز فالسؤال زائل. وأما الوجه الثالث: وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا؟ فجوابنا أن نقول: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضاً أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال، وإنطاق الجوارح قالوا: لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف؟ فكذا ههنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف. وقيل أيضاً إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين. وأما المقام الثاني: وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخد الميثاق من الذر. فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولاً دافعة لذلك لأن قوله: { أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فقد بينا أن المراد منه، وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم، وأيضاً لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم. أجاب الناصرون لذلك القول: بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن. فنقول: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضاً ما يدل على بطلانه، إلا أن الخبر قد دل عليه، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، وعلى هذا التقدير: فلا منافاه بين الأمرين ولا مدافعة، فوجب المصير إليهما معاً. صوناً للآية. والخبر عن الطعن بقدر الإمكان، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام. المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر وأبو عمر و {ذرياتهم} بالألف على الجمع والباقون {ذُرّيَّتُهُم } على الواحد. قال الواحدي: الذرية تقع على الواحد والجمع. فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله: {مَا هَـٰذَا بَشَرًا } وعلى الجمع كقوله: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا }تفسير : [التغابن: 6] وقوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال: إن الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعاً فجمعه أيضاً حسن، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت. نحو الطرقات والجدرات، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } فنقول: أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها، وأما على قول من أنكره قال: إنها محمولة على التمثيل، والمعنى: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته، أما قوله: {شَهِدْنَا } ففيه قولان: القول الأول: أنه من كلام الملائكة، وذلك لأنهم لما قالوا {بَلَىٰ } قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله: {قَالُواْ بَلَىٰ } لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } تقريره: أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار، لئلا يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة «لا» كما قال: {أية : وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } تفسير : [النحل: 15] يريد لئلا تميد بكم، هذا قول الكوفيين، وعند البصريين تقريره: شهدنا كراهة أن يقولوا. والقول الثاني: أن قوله: {شَهِدْنَا } من بقية كلام الذرية، وعلى هذا التقرير، فقوله: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } متعلق بقوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } والتقدير: وأشهدهم على أنفسهم، بكذا وكذا، لئلا يقولوا يوم القيامة {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير، فلا يجوز الوقف عند قوله: {شَهِدْنَا } لأن قوله: {أَن يَقُولُواْ } متعلق بما قبله وهو قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ } فلم يجز قطعه منه. واختلف القراء في قوله: {أَن يَقُولُواْ } أو تقولوا: فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله: {مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْوَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } وقرأ الباقون بالتاء، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله:{ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } وكلا الوجهين حسن، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى. أما قوله: {أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } قال المفسرون: المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا، لأن آباءنا أشركوا، فقلدناهم في ذلك الشرك، وهو المراد من قوله: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ } والحاصل: أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر. وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل. قالوا: معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل، وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } فما نبهنا عليه منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء. ثم قال: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ } والمعنى: أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل، وهو المراد من قوله: {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقيل: أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، وفي الآية قول ثالث؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} أي وٱذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذتُ من المواثيق من العباد يوم الذّرّ. وهذه اية مشِكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنىٰ الآية أن الله تعالىٰ أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض. قالوا: ومعنىٰ «أشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» دلّهم بخلقه على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورةً أن له ربَّاً واحداً. {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} أي قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، والإقرار منهم؛ كما قال تعالىٰ في السموات والأرض. {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. ذهب إلى هذا القَفّالُ وأطنب. وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المَعْرفة ما علمت به ما خاطبها. قلت: وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم غيرُ هذين القولين، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام. وروىٰ مالك في موطَّئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «إن الله تعالىٰ خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذُرِّية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذُرِّية فقال خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: ففيم العمل؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق العبد للجنة ٱستعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فُيدخلَه الجنة وإذا خلق العبد للنار ٱستعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار»تفسير : . قال أبو عمر: هذا حديث منقطع الإسناد؛ لأن مسلم بن يسار لم يَلْق عمر. وقال فيه يحيىٰ بن مَعين: مسلم بن يسار لا يُعرف، بينه وبين عمر نعيمُ بن ربيعة، ذكره النسائيّ، ونعيم غير معروف بحمل العلم. لكن معنىٰ هذا الحديث قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعبد الله بن مسعود وعليّ بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم. روىٰ الترمِذِيّ وصححه عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقها (من ذُرِّيته) إلى يوم القيامة وجعل بين عَيْنَيْ كلِّ رجل منهم وَبيصاً من نور ثم عَرَضَهُمْ على آدم فقال يا ربّ من هؤلاء قال هؤلاء ذُرِّيتك فرأىٰ رجلاً منهم فأعجبه وبيِصُ ما بين عينيه فقال أيْ ربِّ من هذا؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذُرِّيتك يقال له داود فقال ربِّ كم جعلت عُمْرَه قال ستين سنة قال أي رَبِّ زِدْه من عُمْرِي أربعين سنةً فلما ٱنقضىٰ عُمْر آدم عليه السلام جاءه مَلَك الموت فقال أو لم يبق من عُمْري أربعون سنةً قال أوَ لم تُعْطِها ٱبنك داود قال فجَحَد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته»تفسير : . في غير الترمذي: فحينئذ أمر بالكُتّاب والشهود. في رواية: فرأىٰ فيهم الضعيف والغنيّ والفقير والذليل والمبتلى والصحيح. فقال له آدم: يا ربّ، ما هذا؟ ألا سوّيت بينهم! قال: أردت أن أشكر. وروى عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أخِذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس»تفسير : . وجعل الله لهم عقولاً كنملة سليمان. وأخذ عليهم العهد بأنه ربّهم وأن لا إله غيره. فأقرّوا بذلك وٱلتزموه، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل؛ فشهد بعضهم على بعض. قال أُبيّ بن كعب: وأشهد عليهم السموات السّبع، فليس من أحد يُولد إلى يوم القيامة إلا وقد أُخِذ عليه العهد. واخُتلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال؛ فقال ابن عباس: ببطن نَعْمان، وادٍ إلى جنب عَرفة. وروىٰ عنه أن ذلك برَهْبَا ـ أرض بالهند ـ الذي هبط فيه آدم عليه السلام. وقال يحيىٰ بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية: أهبط الله آدم بالهند، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نَسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} قال يحيىٰ قال الحسن: ثم أعادهم في صُلب آدم عليه السلام. وقال الكَلْبِي: بين مكة والطائف. وقال السُّدِّيّ: في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنىٰ ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم ٱدخلوا الجنة برحمتي. وأخرج من صفحة ظهره اليسرىٰ ذرّية سوداء وقال لهم ٱدخلوا النار ولا أبالي. قال ابن جُريج: خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء. وكل نفس مخلوقة للنار سوداء. الثانية ـ قال ابن العربيّ (رحمه الله): «فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يُذنبوا، أو يُعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه، قلنا: ومن أين يمتنع ذلك، أعقلاً أم شرعاً؟ فإن قيل: لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك. قلنا: لأن فوقه آمراً يأمره وناهياً ينهاه، وربنا تعالىٰ لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق. ولا تُحمل أفعال العباد على أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله، والخلُق بأجمعهم له، صَرْفهم كيف شاء، وحَكَم بينهم بما أراد، وهذا الذي يجده الآدميّ إنما تبعث عليه رِقة الجِبِلّة وشفقة الجنسيّة وحبُّ الثناء والمدح؛ لما يتوقع في ذلك من الانتفاع، والباري تعالىٰ متقدّس عن ذلك كله، فلا يجوز أن يعتبر به». الثالثة ـ واختلف في هذه الآية، هل هي خاصّة أو عامّة. فقيل: الآية خاصة؛ لأنه تعالىٰ قال: {مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصُلْبه. وقال جل وعز: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} فخرج منها كلُّ مَن لم يكن له آباء مشركون. وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء. وقيل: بل هي عامّة لجميع الناس؛ لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلاً فغُذّي ورُبِّيَ، وأن له مُدَبِّراً وخالقاً. فهذا معنى {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. ومعنىٰ {قَالُواْ بَلَى} أي إن ذلك واجب عليهم. فلما ٱعترف الخلق لله سبحانه بأنه الربّ ثم ذهلوا عنه ذكّرهم بأنبيائه وختم الذِّكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} تفسير : [الغاشية: 22]. ثم مكّنه من السيطرة، وأتاه السلطنة، ومكّن له دينه في الأرض. قال الطَّرْطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاقُ من شُهد عليه به وقد نَسِيَه. الرابعة ـ وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيراً دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأوّل. ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأوّل. وهذا القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة، وهو الصحيح في الباب. وهذه المسألة اختُلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح ما ذكرناه. وسيأتي الكلام في هذا في «الرُّوم» إن شاء الله. وقد أتينا عليها في كتاب «التّذكرة» والحمد لله. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {مِن ظُهُورِهِمْ} بدل ٱشتمال من قوله {مِن بَنِيۤ آدَمَ}. وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، وليس لآدم في الآية ذكْر بحسب اللفظ. ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربُّك من ظهور بني آدم ذرّيتهم. وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلّهم بَنُوه، وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره. فاستغنىٰ عن ذكره لقوله: {مِن بَنِيۤ آدَمَ}. {ذُرِّيَّتَهُمْ} قرأ الكوفيون وابن كَثير بالتوحيد وفتح التاء، وهي تقع للواحد والجمع؛ قال الله تعالىٰ: {أية : هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}تفسير : [آل عمران: 38] فهذا للواحد؛ لأنه إنما سأل هبة ولد فَبشِّر بيحيىٰ. وأجمع القراء على التوحيد في قوله: {أية : مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ}تفسير : [مريم: 58] ولا شيء أكثر من ذريّة آدم. وقال: {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} فهذا للجمع. وقرأ الباقون «ذُرِّيَّاتِهِمْ» بالجمع، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتىٰ بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يُشركها فيه شيء وهو الجمع؛ لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذرّيات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله؛ فجمع لهذا المعنىٰ. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {بَلَىٰ} تقدّم القول فيها في «البقرة» عند قوله: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} مستوفىٰ، فتأمله هناك. {أَن يَقُولُوۤاْ} «أَوْ يَقُولُوا» قرأ أبو عمرو بالياء فيهما. ردّهما على لفظ الغَيْبة المتكرر قبله، وهو قوله: {مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. وقوله: {قَالُواْ بَلَىٰ} أيضاً لفظ غيبة. وكذا {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} «وَلَعلَّهُمْ» فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وقرأ الباقون بالتاء فيهما؛ ردّوه على لفظ الخطاب المتقدّم في قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}. ويكون «شَهِدْنَا» من قول الملائكة. لما قالوا «بَلىٰ» قالت الملائكة: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ} «أَوْ تَقُولُوا» أي لئلا تقولوا: وقيل: معنىٰ ذلك أنهم لما قالوا بلىٰ، فأقروا له بالربوبية، قال الله تعالىٰ للملائكة ٱشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وهذا قول مجاهد والضحاك والسُّدِّي. وقال ٱبن عباس وأبي بن كعب: قوله «شَهِدْنَا» هو من قول «بني آدم» والمعنى: شهدنا أنك ربُّنا وإلٰهُنَا، وقال ابن عباس: أشهد بعضهم على بعض؛ فالمعنىٰ على هذا قالوا بلىٰ شهد بعضنا على بعض؛ فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على «بلىٰ» ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم؛ لأن «أن» متعلقة بما قبل بلىٰ، من قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} لئلا يقولوا: وقد روىٰ مجاهد عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا»تفسير : . أي شهدنا عليكم بالإقرار بالرُّبوبية لئلا تقولوا. فهذا يدلّ على التاء. قال مَكِّيّ: وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه. وقد قيل: إن قوله «شَهِدْنَا» من قول الله تعالى والملائكة. والمعنىٰ: فشهدنا على إقراركم؛ قاله أبو مالك، وروي عن السّدِّي أيضاً. {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} أي اقتدينا بهم. {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} بمعنى: لست تفعل هذا. ولا عذر للمقلِّد في التوحيد.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك، وجبلهم عليه، قال تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 30] وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية: على هذه الملة - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه؛ كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» تفسير : وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» تفسير : وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد عليه، ثم قال: «حديث : ما بال أقوام يتناولون الذرية؟» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: «حديث : إن خياركم أبناء المشركين، ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها» تفسير : قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية، وقد رواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري به، وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: حدثني الأسود بن سريع، فذكره، ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك، وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم. قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير، يعني: ابن حازم، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلاً، قال: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حسين بن محمد المروزي به، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به، إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفاً، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره عن جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر به، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه، وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم عن جبر عن أبيه به، وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فهذا أكثر وأثبت، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن أبي هلال عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال: أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر، وهو في أذى من الماء. وقال أيضاً: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا أبو مسعود عن جرير قال: مات ابن الضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام، قال: فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده، فأبرز وجهه، وحل عنه عقده، فإن ابني مجلس ومسؤول، ففعلت به الذي أمر، فلما فرغت قلت: يرحمك الله عمَّ يسأل ابنك؟ من يسأله إياه؟ قال: يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم، قلت: يا أبا القاسم وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن عباس: إن الله مسح صلب آدم، فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر، فوفى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر، فلم يقر به، لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على الفطرة. فهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس، والله أعلم. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا عبد الرحمن بن الوليد، حدثنا أحمد بن أبي طيبة عن سفيان بن سعيد عن الأجلح عن الضحاك عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} قالت الملائكة: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ} أحمد بن أبي طيبة هذا هو أبو محمد الجرجاني قاضي قومس، كان أحد الزهاد، أخرج له النسائي في سننه، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث كثيرة غرائب. وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن حمزة بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، وكذا رواه ابن جرير عن منصور به، وهذا أصح، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا روح، هو ابن عبادة، حدثنا مالك، وحدثنا إسحاق، حدثنا مالك عن زيد بن أبي أنيسة: أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} الآية، فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال: «حديث : إن الله خلق آدم عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا خلق الله العبد للجنة، استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار» تفسير : وهكذا رواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، والترمذي في تفسيرهما عن إسحاق بن موسى عن معن، وابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، وابن جرير عن روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي مصعب الزبيري، كلهم عن الإمام مالك بن أنس به. قال الترمذي: وهذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر، كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة. زاد أبو حاتم: وبينهما نعيم بن ربيعة. وهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جعثم القرشي عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهني عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب، وقد سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فذكره. وقال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي. وقولهما أولى بالصواب من قول مالك، والله أعلم، قلت: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمداً؛ لما جهل حال نعيم بن ربيعة، ولم يعرفه؛ فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيراً من المرفوعات، ويقطع كثيراً من الموصولات، والله أعلم. (حديث آخر) قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب وقد وهبت له من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطىء آدم، فخطئت ذريته» تفسير : ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين به، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: أنه حدث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: «حديث : ثم عرضهم على آدم، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام، فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي، وقال آدم: يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نوراً؟ قال: هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك» تفسير : ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم. (حديث آخر) روى عبد الرحمن بن قتادة النصري عن أبيه عن هشام بن حكيم رضي الله عنه: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، ثم قال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار» تفسير : رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عنه. (حديث آخر) روى جعفر بن الزبير، وهو ضعيف، عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما خلق الله الخلق، وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين فقالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: يا أصحاب الشمال قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم خلط بينهم، فقال قائل له: يا رب لم خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون؛ أن يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ثم ردهم في صلب آدم» تفسير : رواه ابن مردويه. (أثر آخر) قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآيات، قال: فجمعهم له يومئذ جميعاً؛ ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم في صورهم، ثم استنطقهم، فتكلموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} الآية قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً، وإني سأرسل إليكم رسلاً لينذروكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة، ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 7] الآية، وهو الذي يقول: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 30] الآية، ومن ذلك قال: {أية : هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ} تفسير : [النجم: 56] ومن ذلك قال: {أية : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} تفسير : [الأعراف: 102] الآية، رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من رواية أبي جعفر الرازي به، وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث، اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها، وبالله المستعان. فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد؛ كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع، وقد فسر الحسن الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ} ولم يقل: من آدم {مِن ظُهُورِهِمْ} ولم يقل: من ظهره {ذُرِّيَّتَهُمْ} أي: جعل نسلهم جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن؛ كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 165] وقال: {أية : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 62] وقال: {أية : كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ} تفسير : [الأنعام: 133] ثم قال: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} أي: أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالاً وقالاً، والشهادة تارة تكون بالقول؛ كقوله: {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} الآية، وتارة تكون حالاً؛ كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 17] أي: حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} تفسير : [العاديات: 7]؛ كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال؛ كقوله: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} تفسير : [إبراهيم: 34] قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال، لكان كل أحد يذكره؛ ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد، ولهذا قال: {أَن تَقُولُواْ} أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} أي: التوحيد {غَـٰفِلِينَ أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {و} اذكر { إِذْ } حين { أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} بدل اشتمال مما قبله بإِعادة الجار {ذُرِّيّتِهِمْ} بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم، نسلاً بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان يوم عرفة ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلاً { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } قال {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } أنت ربنا {شَهِدْنَا } بذلك والإِشهاد لـ{أن } لا {يَقُولُواْ } بالياء والتاء في الموضعين، أي الكفار {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا } التوحيد {غَٰفِلِينَ } لا نعرفه.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَإِذْ } منصوب بفعل مقدّر معطوف على ما قبله كما تقدّم. قوله: {مِن بَنِى ءادَمَ } استدلّ بهذا على أن المراد بالمأخوذين هنا: هم ذرية بني آدم، أخرجهم الله من أصلابهم نسلاً بعد نسل. وقد ذهب إلى هذا جماعة من المفسرين، قالوا: ومعنى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } دلهم بخلقه على أنه خالقهم، فقامت هذه الدلالة مقام الإِشهاد، فتكون هذه الآية من باب التمثيل، كما في قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }تفسير : [فصلت: 11]. وقيل المعنى: أن الله سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجسام، وأنه جعل فيها من المعرفة ما فهمت به خطابه سبحانه. وقيل المراد ببني آدم هنا: آدم نفسه، كما وقع في غير هذا الموضع. والمعنى أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره، فاستخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، وهؤلاء هم عالم الذرّ، وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، ولا المصير إلى غيره، لثبوته مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وموقوفاً على غيره من الصحابة، ولا ملجىء للمصير إلى المجاز، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وسنذكر آخر هذا البحث إن شاء الله بعض ما ورد في ذلك. قوله: {مِن ظُهُورِهِمْ } هو بدل من بني آدم، بدل بعض من كل. وقيل بدل اشتمال قوله: {ذرياتهم}، قرأ الكوفيون وابن كثير «ذريتهم» بالتوحيد، وهي تقع على الواحد والجمع. وقرأ الباقون «ذرياتهم» بالجمع {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } أي: أشهد كل واحد منهم {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } أي: قائلاً ألست بربكم، فهو على إرادة القول {قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } أي: على أنفسنا بأنك ربنا. قوله: {أَن تَقُولُواْ }، قرأ أبو عمرو بالياء التحتية في هذا وفي قوله: {أَوْ يَقُولُواْ } على الغيبة كما كان فيما قبله على الغيبة، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب. والمعنى: كراهة أن يقولوا، أو لئلا يقولوا، أي: فعلنا ذلك الأخذ والإشهاد، كراهة أن يقولوا {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } أي: عن كون الله ربنا وحده لا شريك له. قوله: {أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } معطوف على {تَقُولُواْ } الأوّل أي: فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة، أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم، و "أَوْ" لمنع الخلوّ دون الجمع، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين {مِن قَبْلُ } أي: من قبل زماننا {وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ } لا نهتدي إلى الحق، ولا نعرف الصواب {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ } من آبائنا، ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر، واقتفائنا آثار سلفنا، بين الله سبحانه في هذه الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم، وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة، ويعتلوا بهذه العلة الباطلة، ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة {وَكَذٰلِكَ } أي: ومثل ذلك التفصيل {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى الحق، ويتركون ما هم عليه من الباطل. وقد أخرج مالك في الموطأ، وأحمد في المسند، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها فقال: «حديث : إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون"تفسير : ، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: "حديث : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار»تفسير : وأخرج أحمد، وابن جرير، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان، يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم فقال: {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } إلى قوله: {ٱلْمُبْطِلُونَ }» تفسير : وإسناده لا مطعن فيه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً على ابن عباس. وأخرج ابن جرير، وابن منده في كتاب "الردّ على الجهمية" عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم}، قال: أخذهم من ظهره كما يؤخذ المشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى، قالت الملائكة: {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}» تفسير : وفي إسناده أحمد بن أبي طبية أبو محمد الجرجاني قاضي قومس كان أحد الزهاد، وأخرج له النسائي في سننه. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال ابن عديّ: حدث بأحاديث كثيرة غرائب. وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر، وهؤلاء أئمة ثقات. وأخرج عبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين، فقال: يا أصحاب اليمين، فاستجابوا له فقالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ألست بربكم قالوا بلى»تفسير : الحديث. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، بعضها مقيد بتفسير هذه الآية، وبعضها مطلق يشتمل على ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره، وأخذ العهد عليهم، كما في حديث أنس مرفوعاً في الصحيحين وغيرهما. وأما المروي عن الصحابة في تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذرّ، وأخذ العهد عليهم وإشهادهم على أنفسهم فهي كثيرة، منها عن ابن عباس، عند عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } الآية قال: خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم. وأخرج نحوه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وأخرج نحوه عنه أيضاً ابن جرير، وابن المنذر. وأخرج نحوه عنه عبد الرزاق وابن المنذر. وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن منده. وهذا المعنى مروي عنه من طرق كثيرة غير هذه موقوفة عليه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن عمر في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } الآية قال: أخذهم كما يأخذ المشط من الرأس. وأخرج ابن عبد البرّ في التمهيد عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن منده، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة، وابن عساكر في تاريخه، عن أبيّ بن كعب في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } الآية قال: جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، ثم أشهدهم على أنفسهم. وقد روي عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من ظهره، وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها مما قدمنا ذكره ما يغني عن التطويل.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ} أُختلف في الذين أخرجهم وأخذ ذلك عليهم على قولين: أحدهما: أنه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وجعل فيها من المعرفة ما علمت به من خاطبها. واختلف من قال بهذا هل كان ذلك قبل نزوله إلى الأرض على قولين: أحدهما: أنه كان في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض. والثاني: أنه فعل ذلك بعد هبوطه إليها. والقول الثاني: في الأصل أنه خلق الأرواح والأجساد معاً وذلك في الأرض عند جميع من قال بهذا التأويل. فعلى هذا فيه قولان: أحدهما: أنه أخرجهم كالذر وألهمهم هذا فقالوه، قال الكلبي ومقاتل: وذلك أن الله مسح ظهر آدم بين مكة والطائف فخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية كالذر بيض، فهم أصحاب الميمنة. وخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية كالذر سود، فهم أصحاب المشأمة، فلما شهدوا على أنفسهم جميعاً من آمن منهم ومن كفر أعادهم. والثاني: أنه أخرج الذرية قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر. وفي {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قولان: أحدهما: هو أنه دلهم على أنفسهم بما شهدوه من قدرته، قاله بعض المتكلمين. والثاني: هو إشهادهم على أنفسهم بما اعترفوا من ربوبيته ووحدانيته. وفيه على التأويل قولان: أحدهما: أنه قال ذلك للآباء من بني آدم حين أخرج من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ليعلمهم أنه خلق ذرياتهم بعد أن لم يكونوا كان هو الخالق لهم لأنهم كانوا ذرية مثلهم لمن تقدمهم كما صار هؤلاء ذرية لهم فاعترفوا بذلك حين ظهرت لهم الحجة، قاله ابن بحر. والقول الثاني: أنه قال ذلك للذرية حين أخذهم من ظهور آبائهم، وهذا قول الأكثرين فعلى هذا فيه قولان: أحدهما: أنه قال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} على لسان الأنبياء بعد أن كملت عقولهم. والثاني: أنه جعل لهم عقولاً علموا بها ذلك فشهدوا به على أنفسهم. وفي أصل الذرية قولان: أحدهما: لأنهم يخرجون من الأصلاب كالذر. والثاني: أنه مأخوذ من ذَرَأ الله الخلق إذا أحدثهم وأظهرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَخَذَ رَبُّكَ} أخرج الأرواح قبل الأجساد في الجنة، أو بعد هبوط آدم إلى الأرض، وخلق فيها المعرفة فعرفت من خاطبها، أو خلق الأرواح والأجساد معاً في الأرض ـ مكة والطائف ـ فأخرجهم كالذر في الدور الأول مسح ظهره، فخرج من صفحة ظهره اليمنى أصحاب الميمنة بيضاً كالذر، وخرج أصحاب المشأمة من اليسرى سوداً كالذر وألهمهم ذلك، فلما شهدوا على أنفسهم مؤمنهم وكافرهم أعادهم، أو أخرج الذرية قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر. {وَأَشهَدَهُمْ} بما شهدوه من دلائل قدرته، أو بما اعترفوا به من ربوبيته، فقال للذرية لما أخرجهم على لسان الأنبياء {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بعد كمال عقولهم. قاله الأكثر، أو جعل لهم عقولاً علموا بها ذلك فشهدوا به، أو قال للآباء بعد إخراج ذريتهم كما خلقت ذريتكم فلكذلك خلقتكم فاعترفوا بعد قيام الحجة، والذرية من ذرأ الله ـ تعالى ـ الخلق أحدثهم وأظهرهم، أو لخروجهم من الأصلاب كالذر.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ذريتهم} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: على الجمع {يقولوا} بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو {يلهث ذلك} بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل {يلحدون} بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد {ولقد ذرأنا} مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى {ذرأنا} بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون: بالهمز. الوقوف: {أنفسهم} ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام. بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب. {بلى} ج لأن {شهدنا} يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على {شهدنا} ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون {شهدنا} من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا. {غافلين} ه لا للعطف {من بعدهم} ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل. {المبطلون} ه {يرجعون} ه {الغاوين} ه {هواه} ج لأن قوله {فمثله} مبتدأ ولدخول الفاء فيه {كمثل الكلب} ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل {أو تتركه يلهث} ط {بآياتنا} ط {يتفكرون} ه {يظلمون} ه {المهتدي} ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه {الخاسرون} ه {والإنس} ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ {كثيراً}، {لا يفقهون بها} ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة {لهم} في أول كل جملة {لا يسمعون بها} ط {أضل} ط {الغافلون} ه {فادعوه بها} ص لعطف المتفقتين {في أسمائه} ط {يعملون} ه {يعدلون} ه {لا يعلمون} وج وعطف {وأملي} على {سنستدرجهم} احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على {أملي}، {لهم}، {متين} ه. التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين. وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" تفسير : وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس. وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال {ألست بربكم} وكأنهم {قالوا بلى} أنت ربنا {شهدنا على أنفسنا} وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره{أية : فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11] وقال الشاعر. شعر : امتلأ الحوض وقال قطني تفسير : وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول. والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله {من ظهورهم} بدل {من بني آدم} بدل البعض من الكل. فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم. وعلى هذا فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً. ويمكن أن يجاب بأنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن. ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ. ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه. ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل. فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً. ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟ وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل. وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق. وقيل: إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة. ومنها أنه سبحانه قال {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : [المؤمنون: 12] وقال {أية : فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق} تفسير : [الطارق: 5، 6] وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين. والجواب لا يجوز أن يخرج الله تعالى من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟ وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد. ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة{أية : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} تفسير : [غافر: 11] لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم. أما قوله {أن تقولوا} فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا {يوم القيامة أنا كنا عن هذا} المشهود له {غافلين} من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله {من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم} لئلا يقولوا. ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله {ألست بربكم} وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى. {أو يقولوا} يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} والحاصل أن الله تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر. وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء. وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود. وكذلك قوله {واتل عليهم} أي على اليهود {نبأ الذي آتيناه آياتنا} أما قوله {وكذلك } أي ومثل ذلك التفصيل البليغ {نفصل الآيات} لهم {لعلهم يرجعون} وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد. ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر {واتل عليهم} على بني آدم أو اليهود خاصة. وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه. وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم. فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى عليه السلام وبنو إسرائيل بدعائه في التيه. فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعم. فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه. ثم دعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته. ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله تعالى فلما دعا عليه موسى عليه السلام انتزع الله تعالى منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه سبحانه قال{أية : الله أعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [الأنعام: 124] وفيه أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟ وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لقد كاد يسلمتفسير : . وذلك أنه يوحد الله تعالى في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار. وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب. وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي الحق عن الحسن والأصم. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة. قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس". وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم. ومعنى قوله {آتيناه آياتنا} عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها {فانسلخ منها} فخرج من محبة الله تعالى إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه. يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه. وقال أبو مسلم {آتيناه آياتنا فانسلخ منها} أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر. والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً. وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله {فأتبعه الشيطان} أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له {فكان من الغاوين} في علم الله تعالى أو فصار منهم {ولو شئنا لرفعناه} إلى منازل الأبرار {بها} أي بتلك الآيات {ولكنه أخلد إلى الأرض} أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به. قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا. وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا. وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا. وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله {واتبع هواه} أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله {ولكنه أخلد إلى الأرض} لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه. قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله تعالى قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر. وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره. وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله {ولكنه أخلد إلى الأرض} فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون {ولو شئنا} في معنى ما هو فعله. ثم وضع قوله {فمثله كمثل الكلب} موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله {أن تحمل عليه} النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر. قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة. فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له. عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه. قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل. واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية. وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث. ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه. وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. {فاقصص القصص} يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين {لعلهم يتفكرون} فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروا نحو سيرته. ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال {ساء مثلاً لقوم} ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم. وفي {ساء} ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده. وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله تعالى ذكره؟ والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث. أما قوله {وأنفسهم كانوا يظلمون} فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها. ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال {من يهد الله فهو المهتدي} وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى {ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال. مطاوع له والخسار لازم اللازم. ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله تعالى، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة. وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر. وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله {ولقد ذرأنا} إلى آخره. وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال. وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة. لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام. قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه سبحانه أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله{أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] وأيضاً أنه قال في معرض الذم {لهم قلوب لا يفقهون بها} إلى آخره. ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم. وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق. وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم. وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله{أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] لأن ظاهره يصح من غير حذف. وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله{أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً}تفسير : [القصص: 8] أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور. وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله {من يهد الله فهو المهتدي} وما بعدها وهو قوله {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم} يدل على ما قلنا. وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين. ثم إنه تعالى كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه. والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر. وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب عليه السلام خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها. وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر. وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري. أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار. والله تعالى أعلم. قال بعض العلماء أنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب. وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح. أما قوله {أولئك كالأنعام بل هم أضل} فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر. وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها. وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع. وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام. وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب {أولئك هم الغافلون} الكاملون في الغفلة. وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب. ثم نبه بقوله {ولله الأسماء الحسنى} على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره سبحانه، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات. وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر. ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره تعالى إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه. وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله تعالى لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر. والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه تعالى. ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن". وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين". ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم". ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع". ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله تعالى كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً. ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله تعالى لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله تعالى. ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟ وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله{أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}تفسير : [الأنعام: 19] أما قوله {فادعوه بها} ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه. يقال قد ألحد في الدين ولحد. وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر. قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد. والإلحاد في أسماء الله تعالى يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن. والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح. الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً. قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد{أية : وعلم آدم الأسماء}تفسير : [البقرة: 31] وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد{أية : وعصى آدم ربه فغوى}تفسير : [طه: 121] ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله {سيجزون ما كانوا يعملون} ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق} وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله. وروى الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها"تفسير : . وعن الربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: حديث : إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسىتفسير : . وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب. وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال {والذين كذبوا بآياتنا} قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام. والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء. ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم {من حيث لا يعلمون} ما يراد بهم. وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون {وأملي لهم} أطيل لهم مدة عمرهم {إن كيدي متين} عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي. يقال متن متانة. واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر. وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال {لقد ذرأنا لجهنم} الآية. التأويل: {وإذا أخذ ربك} لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره صلى الله عليه وسلم وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى سمعهم وأبصارهم وألسنتهم {إنما أشرك آباؤنا} بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله {بما فعل المبطلون} الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله {ولعلهم يرجعون} بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة {فانسلخ منها} أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً} وهم مظاهر القهر {فادعوه بها} بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى {والذين كذبوا بآياتنا} بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم {سنستدرجهم} فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ} الآية. قال المفسِّرون: روى مسلم بنُ يسار الجهني أن عمر - رضي الله عنه - سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسألُ عنها، فقال: إنَّ الله تعالى خلق آدَم ثُمَّ مَسحَ ظهرَهُ؛ فاستخرَجَ منهُ ذُرِّيَةً فقال: خَلقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعمل أهْلِ الجنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظهرَهُ واستَخرَجَ منه ذرِّيَّةً، فقال: هؤلاءِ للنَّارِ وبعملِ أهلِ النَّارِ يَعْمَلُون. فقال رجل: يا رسول الله: ففيم العمل؟ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "إنَّ اللَّه تبارَكَ وتعَالَى إذا خَلقَ العبْدَ للجنَّةِ استعملَهُ بعملِ أهْلِ الجنَّةِ حتَّى يمُوتَ على عملٍ مِنْ أعْمالِ أهْلِ الجنَّةِ فيدخله الله الجنَّة، وإذا خلق اللَّهُ العبدَ للنَّارِ استعملهُ بعملِ أهْلِ النَّارِ حتَّى يمُوتَ على عملِ أهلِ النَّارِ، فيدخلهُ اللَّهُ النَّار"تفسير : . وهذا حديثٌ حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم وعمر رجلاً. وقال مقاتل وغيره: إنَّ الله مسحَ صفحةَ ظهر آدمَ اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاء كهيئة الذر ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذريةً سوداء كهيئة الذَّرِّ، فقال يا آدمُ هؤلاء ذريتك. ثم قال لهم ألسْتُ بربكُمْ قالُوا بلى. فقال للبيض هؤلاء للجنَّة برحمتي، وهم أصحاب اليمين. وقال للسود هؤلاء للنَّار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشِّمالِ، ثمَّ أعادهم جميعاً في صلب آدم فأهلُ القبورِ محبوسون حتَّى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلابِ الرجالِ، وأرحام النِّساءِ. قال تعالى فيمن نقض العهد: {أية : وَمَا وَجَدْنَا لأَِكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ}تفسير : [الأعراف: 102] الآية. وإلى هذا القول ذهب سعيدُ بنُ المسيب، وسعيد بن جبير، والضَّحَّاكُ، وعكرمة والكلبي. وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السَّعادَةِ أقَّرُّوا طوعاً وقالوا "بَلَى"، وأهل الشقاوة قالُوه تقيةً وكرهاً. وذلك معنى قوله: {أية : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}تفسير : [آل عمران: 83]. واختلفوا في موضع الميثاق. قال ابن عباس: ببطن نعمان، وهو وادٍ إلى جنب عرفة وروي عنه أنه بدَهْنا في أرض الهندِ، وهو الموضعُ الذي هبط آدم عليه. وقال الكلبيُّ: بين مكة والطائف. وروى السُّدي: أن الله أخرجهم جميعاً، وصورهم وجعل لهم عقولاً يعلمون بها، وألسناً ينطقون بها، ثمَّ كلمهم قبلاً أي: عياناً، وقال "ألسْتُ بِربّكُمْ"؟. وقال الزَّجَّاجُ: وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذَّر فَهْماً تعقل به كما قال تعالى: {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل: 18]. قال القرطبيُّ: قال ابنُ العربيُّ: فإن قيل: فكيف يجوز أن يُعذِّبَ الله الخلق قبل أن يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم؟ قلنا: ومن أيْنَ يمتنع ذلك، عقلاً أو شرعاً؟ فإن قيل: إن الرحيم الحكيم مِنَّا لا يجوز أن يفعل ذلك. قلنا: لأن فوقه آمراً يأمره وناهياً ينهاه، وربنا تعالى لا يسألُ عمَّا يفعل وهم يُسألُونَ، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخَالقِ، وبالحقيقة فإن الأفعال كلها لله تعالى، والخلقُ بأجمعهم له، يصرفهم كيف يشاء ويحكُم فيهم بما أراد، وهذا الذي يجدُهُ الآدميّ فإنَّما هو من رقة الجبلَّةِ، وشفقة الجنسيَّةِ وحُبِّ الثَّناءِ والمدح، والباري تعالى منزَّهٌ من ذلك. وأطبقت المعتزلةُ على أنَّهُ لا يجوزُ تفسير هذه الآية بهذا الوجه، واحْتَجُّوا على فساده بوجوه: الأول: قالوا إن قوله: {مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} [الأعراف: 172] فـ "مِنْ ظُهُورهمْ" بدلٌ من قوله "بَنِي آدمَ" فيكون المعنى: وإذْ أخذ ربُّكَ من ظُهورِ بَنِي آدَمَ، وعلى هذا التقدير: فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً. الثاني: لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم ذرية لما قال: "مِنْ ظُهورِهمْ" بل قال: من ظهره؛ لأنَّ آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله: "ذُريَّتَهُمْ" ولو كان المرادُ آدم لقال: ذُرّيته. الثالث: أنَّهُ تعالى حكى عن أولئك الذُّريَّةِ أنهم قالوا: {إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} [الأعراف: 173] وهذا لا يليق بأولاد آدم؛ لأنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان مشركاً. الرابع: أنَّ أخذ الميثاق لا يمكن إلاَّ من العاقِلِ، ولو كان أولئك الذر عقلاء، وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة فإنَّهُ لا يجوزُ مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كليّاً لا يتذكر منها قليلاً ولا كثيراً، وبهذا الدليل يبطلُ القول بالتَّناسخ؛ لأنَّا نقولُ لو كانت أرواحنا قد جعلت قبل هذه الأجسادِ في أجساد أخرى، لوجب أن نتذكَّرَ الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيثُ لم نتذكر كان القول بالتَّناسخ باطلاً. وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة فوجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال: إنَّا كنا في وقت الميثاق أعطينا العهد مع أنَّا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلمَ لا يجوز أيضاً أن يقال: إنَّا كنَّا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال. الخامس: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرَّة من ذرات الهباء أن تكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتَّصانيف الكثيرة في العلوم الدَّقيقة، وفتح هذا الباب يؤدِّي إلى التزام الجماداتِ، وإذا ثبت أن هذه البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذّرات لا يمكن أن يكون عاقلاً عالماً فاهماً إلاَّ إذا حصلت له بنية وحمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجودِ من أول تخليق آدم إلى قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال إنَّهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام -. السادس: قالوا هذا الميثاق إمَّا أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في الدُّنيا. والأول باطلٌ لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقّين للثواب والعقاب، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا، لأنهم لمَّا لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير عليهم حجة في التمسك بالإيمان. السابع: قال الكعبيُّ: إن حال أولئك الذّر لا يكونُ أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، فلمَّا لم يمكن توجيه التَّكاليف على الطِّفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذَّرِّ؟ وأجاب الزَّجَّاج عنه بما تقدَّم من تشبيهه بقصة النَّملة، وأيضاً لا يبعدُ أن يعطي اللَّهُ الجبل الفهم حتى يسبح، كما قال: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ}تفسير : [الأنبياء: 79] وكما أعطى اللَّهُ العقل للبعير حتَّى سجد للرَّسُول، وللنَّخْلَةِ حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا هَهُنَا. الثامن: أن أولئك الذّر في ذلك الوقت إمّا أن يكونوا كاملي العقول أم لا، فإن كان الأوَّلُ كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله تعالى بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت على أحوالهم في هذه الحياة الدُّنْيَا، فلو افتقر التكليف في الدُّنيا إلى سبق ذلك الميثاق؛ لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولم التَّسلسل وهو محال. وإن قيل: إنَّهُمْ ما كانوا كاملي العقول في ذلك الوقت، فيمتنع توجيه الخطاب والتَّكليف عليهم. التاسع: قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ}تفسير : [الطارق: 5 - 6] ولو كانت تلك الذَّرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدَّافق، ولا معنى للإنسان إلاَّ ذلك الشيء فحينذٍ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدَّافق وذلك رد لنصِّ القرآن. فإن قالوا: لِمَ لا يجُوزُ أن يقال إنَّهُ تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى الحياةِ؟ قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة، وأجمع المسلمون على أنَّ خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فبطل ما ذكرتموه. العاشر: أن تلك الذَّرات إمَّا أن تكون عين هؤلاء الناس أو غيرهم، والثاني باطل بالإجماع بقي الأول. فنقولُ: إمَّا أن يُقالَ إنَّهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفه وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك، والأوَّلُ باطلٌ ببديهة العقل. والثاني: يقتضي أن يقال إن الإنسان حصلت له الحياة أربع مرات: وقت الميثاق، وفي الدُّنْيَا، وفي القبر، وفي القيامةِ وأنه حصل له الموت ثلاث مرات: بعد الحياة الحاصلة من الميثاق الأولِ، وموت في الدُّنيا وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [غافر: 11]. الحادي عشر: لو كان القولُ بهذا الذَّرِّ صحيحاً لكان ذلك الذَّر هو الإنسان؛ لأنَّهُ هو المكلَّف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطلٌ؛ لأنَّ ذلك الذّر غير مخلوق من النطفة والعلقة، والمضغة، والقرآن يدلُّ على أنَّ الإنسان خلق من النُّطفةِ، والعلقة. قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 12] الآيات. وقوله: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ}تفسير : [عبس: 17 - 19] فهذه الوجوه دلَّتْ على ضعف هذا القول. وقال أربابُ المعقولات: إنَّ الله تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من صلب آبائهم، وذلك الإخراج حال كونهم نطفاً، فأخرجها الله تعالى فأودعها أرحام الأمهَّات، وجعلها علقة ثم مضغة حتى جعله بشراً سويًّا وخلقا كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيَّته، وغرائب صنعته، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى، وإن لم يكن هناك قول باللِّسانِ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [النحل: 40]. وقال تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. وقول العرب: قال الجدار للوتدِ لِمَ تَشقُّنِي قال: سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي. وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 2617 - امتلأ الحَوْضُ وقَالَ قَطْنِي مَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأتَ بَطْنِي تفسير : فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه، وهذا القول لا طعن فيه ألبتة، وليس منافياً لصحة القول الأول. فصل قال القرطبيُّ: استدلَّ بهذه الآية على أنَّ مَنْ مات صغيراً دخل الجنَّة لإقراره في الميثاق الأول ومنْ بلغ لمْ يُغنِهِ الميثاق الأول. قوله "مِنْ ظُهُورهِمْ" بدل من قوله: "مِن بَنِي آدَمَ" بإعادةِ الجارِّ، كقوله: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ}تفسير : [الزخرف: 33] {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ}تفسير : [الأعراف: 75] وهل هو بدلُ اشتمال أو بدلُ بعض من كل؟ قولان: الأول لأبي البقاء، والثاني للزمخشري، وهو الظاهر كقولك: ضربتُ زيداً ظهره وقطعتُه يده، لا يُعْرِب هذا أحد بدل اشتمالٍ، و "ذُرِّيَتَهُمْ" مفعول به. وقرأ الكوفيون وابن كثير ذُرِّيتهُمْ بالإفراد، والباقون "ذُرِّيَّاتهم" بالجمع. قال أبو حيان: ويحتمل في قراءة الجمع أن يكون مفعولُ "أخذ" محذوفاً لفهم المعنى وذُرِّيَّاتهم بدلٌ من ضمير "ظُهُورِهِمْ" كما أنَّ من ظُهُورِهِمْ بدلٌ من بَنِي آدَمَ والمفعولُ المحذوفُ هو الميثاق كقوله: {أية : وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}تفسير : [النساء: 154]. قال: وتقديرُ الكلامِ: وإذ أخذ ربُّكَ من ظهور ذُرِّيات بني آدم ميثاق التوحيد لله، واستعارَ أن يكون أخذ الميثاق من الظهر كأن الميثاق لصعوبته والارتباط به شيءٌ ثقيلٌ يحمل على الظَّهْرِ. وكذلك قرأ الكوفيُّون وابن كثير في سورة يس، وفي الطُّورِ في الموضعين ذُرِّيَّتَهُم بالإفراد؛ وافقهم أبو عمرو على ما في يس، ونافع وافقهم في أول الطور، وهي ذُرِّيَّتَهُم بإيمانٍ دون الثانية، وهي: {ألْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، فالكوفيون وابن كثير جروا على منوالٍ واحدٍ وهو الإفراد، وابن عامر على الجمع، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين. قال أبو حيان في قراءة الإفراد في هذه السُّورةِ: ويتعيَّن أن يكون مفعولاً بـ "أخذ" وهو على حذف مضاف، أي: ميثاق ذريتهم. يعني أنه لم يَجُزْ فيه ما جازَ في ذُرِّيَّاتهم من أنَّه بدل، والمفعولُ محذوف وذلك واضحٌ؛ لأنَّ من قرأ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" بالإفراد لم يَقْرَأهُ إلاَّ منصوباً، ولو كان بدلاً من هُمْ في ظُهُورِهِمْ لكان مجروراً، بخلاف ذُرِّيَّاتهم بالجمع فإنّ الكسرة تَصْلُح أن تكون علامة للجر وللنصب في جمع المُؤنَّثِ السَّالمِ. قال الواحديُّ: الذرية تقع على الواحِدِ والجمع، فمنْ أفردَ فقد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع كالبشر فإنه يقع على الواحد، كقوله: {أية : مَا هَذَا بَشَرًا}تفسير : [يوسف: 31] وعلى الجمع، كقوله: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}تفسير : [التغابن: 6]، {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا}تفسير : [إبراهيم: 10] فكما لم يجمع "بشر" جمع تصحيح، ولا تكسير كذلك لا يجمع "الذريَّة". ومن جمع قال: إنَّ الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعاً فجمعه حسن، لأنَّ الجموع المكسرة قد جمعت نحو: الطرقات والجدرات. قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ}. أمَّا على قولِ مَنْ أثْبَتَ الميثاق الأوَّل فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها، وأمَّا من أنكره، قال: إنَّهَا محمولة على التَّمثيل، أي: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذَا أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}. وكأنهم قالوا بلى أنت ربُّنَا. قوله: "بَلَى" جواب: "ألَسْتُ". قال ابنُ عبَّاس: لو قالوا "نَعَمْ" لكفروا، يريد أنَّ النَّفيَ إذا أجيب بـ "نعم" كان تصديقاً له، فكأنهم أقَرُّوا بأنه ليس بربهم، هكذا ينقلونه عن ابن عباس. وفيه نظرٌ - إن صحَّ عنه - وذلك أن هذا النفي صار مُقرَّراً، فكيف يكفرون بتصديق التقرير؟ وإنَّما المانعُ من جهةِ اللغة، وهو أنَّ النفيَ مطلقاً إذا قُصدَ إيجابه أجيب بـ "بَلَى" وإن كان مقرراً بسبب دخول الاستفهام عليه، وإنَّما كان ذلك تغليباً لجانب اللفظ، ولا يجوز مراعاةُ جانب المعنى إلاَّ في شعر، كقوله: [الوافر] شعر : 2618 - ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أمَّ عَمْرٍو وإيَّانَا فَذاكَ بِنَا تَدَانِي نَعَمْ وأرَى الهلالَ كما تَرَاهُ ويَعْلُوهَا النَّهارُ كَمَا عَلانِي تفسير : فأجاب قوله ألَيْسَ بـ "نَعَمْ"، مراعاةً للمعنى؛ لأنه إيجاب. قوله شَهِدْنَا هذا من كلامِ اللَّهِ تعالى، وقيل: من كلام الملائكة، لأنهم لمَّا قالوا بَلَى، قال الله للملائكة: اشهدوا فقالوا: شهدنا، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله: "قالوا بَلَى" لأن كلامَ الذرية قد انقطع ههنا. وقوله: "أنْ تقُولُوا" أي: لئلا تقولوا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تقريره: أنَّ الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرارِ؛ يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة "لِئَلاَّ" كقوله {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [النحل: 15]، أي: لئلاَّ تميد بكم. قاله الكوفيون، وعند البصريين تقديره: شَهِدْنَا كراهة أن تقولوا. وقيل: من كلام الله تعالى والملائكة. وقيل: من كلام الذُّريَّةِ، وعلى هذا فقوله: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} متعلق بقوله {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تقديره: وأشهدهم على نفسهم بكذا وكذا لئلاَّ يقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} أو كراهية أن يقولوا ذلك. قال الواحديُّ: وعلى هذا لا يحسن الوقفُ على قوله: بَلَى ولا يتعلَّقُ أن تقُولُوا بـ "شَهِدْنَا" ولكن بقوله: "وأشهدَهُمْ" فلم يجز قطعه عنه. قوله "أنْ تقُولُوا" مفعولٌ من أجله، والعامِلُ فيه إمَّا شَهِدْنَا أي: شهدنا كراهة أن تقولوا. هذا تأويل البصريين، وأما الكوفيون: فقاعدتهم تقدير "لا" النافية، أي: لئلاَّ تقولوا: كقوله {أية : أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [النحل: 15]. كما تقدم. وقول القطامي: [الوافر] شعر : 2619 - رَأيْنَا مَا يَرَى البُصَرَاءُ فِيهَا فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أنْ تُبَاعَا تفسير : أي: أن لا تُباع، وأما: "وأشهدَهُمْ" أي: وأشهدهم لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا، وقد تقدم أن الواحدي قد قال: إنّ شَهِدْنا إذا كان من قول الذُّريَّةِ يتعيَّنُ أن يتعلَّق أن تقولوا بـ "أشْهَدَهُمْ" كأنَّه رأى أن التركيب يصير: شَهِدْنَا أن تقولوا، سواءً قرىء بالغيبة أو الخطاب، والشَّاهدُون هم القائلون في المعنى، فكان ينبغي أن يكون التركيب: شهدنا أن نقول نحن، وهذا غيرُ لازم؛ لأنَّ المعنى: شهد بعضهم على بعض، فبعضُ الذرية قال شهدنا أن يقول البعضُ الآخر كذلك. وذكر الجرجانيُّ عن بعضهم وجهاً آخر: وهو أن يكون قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} إلى قوله "قَالُوا بَلَى" تمام قصة الميثاق، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ خبراً آخر بذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة، فقال: "شَهِدْنَا" بمعنى: نشهد؛ كقول الحطيئة: [الكامل] شعر : 2620 - شَهِدَ الحُطَيئَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ .......................... تفسير : أي: يشهد، فيكون تأويله: يَشْهَدُ أن يقولوا. وقرأ أبو عمرو: "يَقُولُوا" في الموضعين بالغيبةِ، جرياً على الأسماء المتقدمة، والباقون بالخطاب، وهذا واضحٌ على قولنا: إنّ شَهِدْنَا مُسْنَدٌ لضمير الله تعالى. وقيل: على قراءة الغيبة يتعلَّق أن يقولوا بـ "أشهدهم"، ويكون قالوا شَهِدْنَا معترضاً بين الفعل وعلَّته، والخطابُ على الالتفات، فتكون الضَّمائر لشيء واحد. فإن قيل: كيف يلزم الحجة وأحدٌ لا يذكر الميثاقَ؟ فالجوابُ: أن الله تعالى قد أوضح الدَّلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد، ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. قوله: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ}. قال المفسرون: المعنى أنَّ المقصود من هذا الإشهاد ألاَّ يقول الكفار إنما أشركنا لأنَّ آباءنا أشركوا فقلَّدناهم فكان الذَّنب لآبائنا، فكيف تعذبنا على هذا الشرك، وهو المراد من قوله {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} والحاصل: أنه تعالى لمَّا أخذ عليهم الميثاق، امتنع عليهم التمسك بهذا العذر، وأمَّا الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل، قالوا: معنى الآية: إنَّ نصبنا الدلائل وأظهرنا للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} ما نبَّهنا عليه مُنبِّهٌ، أو كراهة أنْ يقولوا: إنَّما أشركنا على سبيل التَّقليد لأسلافنا؛ لأنَّ نصب الأدلَّةِ على التَّوحيد قائمٌ مقام منعهم. ثم قال: {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي: أن مثل ما فصَّلنا وبينَّا في هذه الآية بين سائر الآيات ليتدبَّرُوا فيرجعوا إلى الحقّ. وقرأ فرقة يُفَصِّل بياء الغيبة، وهو الله تعالى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ لما خلق الله آدم أخذ ذريته من ظهره كهيئة الذر، ثم سماهم بأسمائهم فقال‏:‏ هذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا، وهذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا، ثم أخذ بيده قبضتين فقال‏:‏ هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ أخذ ربك‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر، فقال لهم‏:‏ من ربكم‏؟‏ فقالوا‏:‏ الله ربنا‏.‏ ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ لما أهبط آدم عليه السلام حين أهبط بدحناء، فمسح الله ظهره فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ فيومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ مسح الله على صلب آدم فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته إلى يوم القيامة، وأخذ ميثاقهم أنه ربهم وأعطوه ذلك، فلا يسأل أحد كافر ولا غيره من ربك‏؟‏ إلا قال‏:‏ الله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ واللالكائي في السنة عن عبد الله بن عمرو في قوله ‏{‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏} ‏ قال‏:‏ أخذهم من ظهرهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن منده في كتاب الرد على الجهمية وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ أخرج ذريته من صلبه كأنهم الذر في آذىء من الماء‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ إن الله ضرب بيمينه على منكب آدم فخرج منه مثل اللؤلؤ في كفه، فقال‏:‏ هذا للجنة‏.‏ وضرب بيده الأخرى على منكبه الشمال فخرج منه سواد مثل الحمم فقال‏:‏ هذا ذرء النار‏.‏ قال‏:‏ وهي هذه الآية ‏{‏أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس‏}‏ تفسير : ‏[‏الأعراف: 179‏]‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ مسح الله ظهر آدم وهو ببطن نعمان - واد إلى جنب عرفة - فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم أخذ عليهم الميثاق وتلا ‏"‏أن يقولوا يوم القيامة"‏ هكذا قرأها يقولوا بالياء‏. وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي أمية قال‏:‏ أخرجوا من ظهره مثل طريق النمل‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال‏:‏ أقروا له بالإِيمان والمعرفة الأرواح قبل أن يخلق أجسادها‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال‏:‏ خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد، فأخذ ميثاقهم‏. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏}‏ قالوا‏:‏ لما أخرج الله آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم‏:‏ ادخلوا الجنة برحمتي‏.‏ ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال‏:‏ ادخلوا النار ولا أبالي‏.‏ فذلك قوله‏:‏ أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم أخذ منهم الميثاق فقال ‏ {‏ألست بربكم قالوا بلى‏} ‏ فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية، فقال‏:‏ هو والملائكة ‏ {‏شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل‏} ‏ قالوا‏:‏ فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه، وذلك قوله عز وجل ‏{أية : ‏وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرها‏ً}‏ تفسير : ‏[‏آل عمران: 83‏]‏ وذلك قوله ‏{أية : ‏فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنعام: 149‏]‏ يعني يوم أخذ الميثاق. وأخرج ابن جرير عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال‏:‏ سألت عمر بن الخطاب عن قوله ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏}‏ قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال ‏"‏حديث : خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى فأخرج ذراً، فقال‏:‏ ذرء ذرأتهم للجنة، ثم مسح ظهره بيده الأخرى - وكلتا يديه يمين - فقال‏:‏ ذرء ذرأتهم للنار يعملون فيما شئت من عمل، ثم اختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده في كتاب الرد على الجهمية واللالكائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر في تاريخه عن أبي بن كعب في قوله ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏}‏ إلى قوله ‏ {‏بما فعل المبطلون‏} ‏جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق ‏ {‏وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى‏} ‏ قال‏:‏ فإني أشهد عليكم السموات السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم ‏ {‏أن تقولوا يوم القيامة‏} ‏ انَّا لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي قالوا‏:‏ شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال‏:‏ يا رب لولا سوّيت بين عبادك‏؟‏ قال‏:‏ إني أحببت أن أشكر‏.‏ ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة أن يبلغوا وهو قوله ‏{‏أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏}‏ تفسير : ‏[‏الأحزاب : 7‏]‏ الآية وهو قوله ‏{أية : ‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏}‏ ‏تفسير : [‏الروم : 30‏]‏ وفي ذلك قال ‏{‏أية : وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين‏}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 102‏]‏ وفي ذلك قال ‏{‏أية : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل‏}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 101‏]‏ قال‏:‏ فكان في علم الله يومئذ من يكذب به ومن يصدق به، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم، فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر فتمثل لها بشراً سوياً‏.‏ قال‏:‏ أبي فدخل من فيها‏. وأخرج مالك في الموطأ وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والآجري في الشريعة وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال ‏"‏حديث : أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون‏.‏ فقال الرجل‏:‏ يا رسول الله ففيم العمل‏؟‏ فقال‏: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى شهدنا‏}‏ إلى قوله ‏{‏المبطلون‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن منده في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏}‏ قال "‏أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس‏.‏ فقال لهم ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ قالت الملائكة ‏{‏شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنَّا كنا عن هذا غافلين‏}‏ ‏"‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فخرت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ونزع ضلعاً من أضلاعه فخلق منه حواء، ثم أخذ عليهم العهد ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ ثم اختلس كل نسمة من بني آدم بنوره في وجهه، وجعل فيه البلوى الذي كتب أنه يبتليه بها في الدنيا من الأسقام، ثم عرضهم على آدم فقال‏:‏ يا آدم هؤلاء ذريتك‏.‏ وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام، فقال آدم‏:‏ يا رب لم فعلت هذا بذريتي‏؟‏ قال‏:‏ كي تشكر نعمتي‏.‏ وقال آدم‏:‏ يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نوراً‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء الأنبياء من ذريتك‏.‏ قال‏:‏ من هذا الذي أراه أظهرهم نورا‏ً؟‏ قال‏:‏ هذا داود يكون في آخر الأمم‏.‏ قال‏:‏ يا رب كم جعلت عمره‏؟‏ قال‏:‏ ستين سنة‏.‏ قال‏:‏ يا رب كم جعلت عمري‏؟‏ قال‏:‏ كذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ يا رب فزده من عمري أربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة‏.‏ قال‏:‏ أتفعل يا آدم‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رب‏.‏ قال‏:‏ فيكتب ويختم إنَّا كتبنا وختمنا ولم نغير‏.‏ قال‏:‏ فافعل أي رب‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: فلما جاء ملك الموت إلى آدم ليقبض روحه قال‏:‏ ماذا تريد يا ملك الموت‏؟‏ قال‏:‏ أريد قبض روحك‏.‏ قال‏:‏ ألم يبق من أجلي أربعون سنة‏؟‏ قال‏:‏ أو لم تعطها ابنك داود‏؟‏ قال‏:‏ لا‏. قال‏:‏ فكان أبو هريرة يقول‏:‏ نسي آدم ونسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته‏‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن جويبر قال‏:‏ مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام، فقال‏:‏ إذا وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحل عقده، فإن ابني مجلس ومسؤول‏.‏ فقلت‏:‏ عمَّ يسأل‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ عن الميثاق الذي أقرَّ به في صلب آدم، حدثني ابن عباس‏:‏ أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأوّل، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة‏. وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال‏:‏ إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارىء إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر‏. وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ خلق الله الخلق وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى - وكلتا يدي الرحمن يمين - فقال‏:‏ يا أصحاب اليمين‏.‏ فاستجابوا له، فقالوا‏:‏ لبيك ربنا وسعديك‏.‏ قال ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ قال‏:‏ يا أصحاب الشمال‏.‏ فاستجابوا له، فقالوا‏:‏ لبيك ربنا وسعديك‏.‏ قال ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم‏:‏ رب لم خلطت بيننا‏؟‏‏!‏ قال {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون‏} [‏المؤمنون الآية 63‏].‏ ‏{‏أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‏}‏ ثم ردهم في صلب آدم، فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها، فقال قائل‏:‏ يا رسول الله فما الأعمال‏؟‏ قال‏: "يعمل كل قوم لمنازلهم‏"‏‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏:‏ إذا نجتهد‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال‏:‏ أي رب من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء ذريتك‏.‏ فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال‏:‏ أي رب من هذا‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود‏.‏ قال‏:‏ أي رب وكم جعلت عمره‏؟‏ قال‏:‏ ستين سنة قال‏:‏ أي رب زده من عمري أربعين سنة‏.‏ فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال‏:‏ أو لم يبق من عمري أربعون سنة‏؟‏ قال‏:‏ أو لم تعطها ابنك داود‏؟‏ قال‏:‏ فجحد فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الشكر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن الحسن قال‏:‏ لما خلق الله آدم عليه السلام، وأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصم والأبرص والمقعد والمبتلى بأنواع البلاء، فقال آدم‏:‏ يا رب ألا سويت بين ولدي‏؟‏ قال‏:‏ يا آدم إني أردت أن أشكر ثم ردهم في صلبه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن قتادة والحسن قالا‏:‏ لما عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض قال‏:‏ أي رب أفهلا سوّيت بينهم‏؟‏ قال‏:‏ إني أحب أن أشكر، يرى ذو الفضل فضله فيحمدني ويشكرني‏. وأخرج أحمد في الزهد عن بكر‏.‏ مثله‏. وأخرج ابن جرير والبزار والطبراني والآجري في الشريعة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن هشام بن حكيم ‏"‏حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أَتُبتدأ الأعمال أم قد قضي القضاء‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه فقال‏:‏ هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار‏.‏ فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاوية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه حتى ملأوا الأرض وكانوا هكذا، فضم إحدى يديه على الأخرى ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : سألت ربي فأعطاني أولاد المشركين خدماً لأهل الجنة، وذلك أنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك، وهم في الميثاق الأوّل ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة‏:‏ أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا أن تشرك بي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن علي بن حسين‏.‏ أنه كان يعزل ويتأوّل هذه الآية ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏} ‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل‏؟‏ فقال "‏لا عليكم أن لا تفعلوا، إن تكن مما أخذ الله منها الميثاق فكانت على صخرة نفخ فيها الروح" ‏‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال ‏"حديث : ‏لو أن الماء الذي يكون منه الولد صب على صخرة لأخرج الله منها ما قدر، ليخلق الله نفساً هو خالقها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود‏.‏ أنه سئل عن العزل‏؟‏ فقال‏:‏ لو أخذ الله ميثاق نسمة من صلب رجل ثم أفرغه على صفا لأخرجه من ذلك الصفا، فإن شئت فأعزل وإن شئت فلا تعزل‏. وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ إن النطفة التي قضى الله فيها الولد لو وقعت على صخرة لأخرج الله منها الولد‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو الشيخ عن فاطمة بنت حسين قالت‏:‏ لما أخذ الله الميثاق من بني آدم جعله في الركن، فمن الوفاء بعهد الله استلام الحجر. وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال‏:‏ كنت مع أبي محمد بن علي فقال له رجل‏:‏ يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن‏؟‏ فقال‏:‏ إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم ‏ {‏ألست بربكم‏؟‏ قالوا بلى‏} ‏ فأقروا، وأجرى نهراً أحلى من العسل وألين من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الإِستلام الذي ترى إنما هو بيعه على إقرارهم الذي كانوا أقروا به‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ ضرب الله متن آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال‏:‏ هؤلاء أهل الجنة، وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء فقال‏:‏ هؤلاء أهل النار أمثال الخردل في صور الذر، فقال‏:‏ يا عباد الله أجيبوا الله‏:‏ يا عباد الله أطيعوا الله‏.‏ قالوا‏:‏ لبيك اللهم أطعناك، اللهم أطعناك، اللهم أطعناك‏.‏ وهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏.‏ فأخذ عليهم العهد بالإِيمان به، والإِقرار والمعرفة بالله وأمره‏. وأخرج الجندي في فضائل مكة وأبو الحسن القطان في الطوالات والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال‏:‏ إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك، ثم قبله فقال له علي بن أبي طالب‏:‏ يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع قال‏:‏ بم‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ بكتاب الله عز وجل قال‏:‏ وأين ذلك من كتاب الله‏؟‏ قال الله ‏ {‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏بلى‏} ‏ خلق الله آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وإنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له، افتح فاك‏.‏ ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، فقال‏:‏ أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد‏"‏ تفسير : فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع‏.‏ فقال عمر‏:‏ أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ أخذ ربك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أخذهم في كفه كأنهم الخردل الأولين والآخرين، فقلبهم في يده مرتين أو ثلاثاً، يرفع ويطأطئها ما شاء الله من ذلك، ثم ردهم في أصلاب آبائهم حتى أخرجهم قرناً بعد قرن، ثم قال بعد ذلك ‏{أية : ‏وما وجدنا لأكثرهم من عهد‏}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 102‏]‏ الآية‏.‏ ثم نزل بعد ذلك ‏{أية : ‏واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 7‏]‏‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ لما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخر منه مثل النغف، فقبض منه قبضتين فقال لما في اليمين‏:‏ في الجنة، وقال لما في الأخرى‏:‏ في النار‏. وأخرج ابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال‏:‏ هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي‏‏. فقال رجل‏:‏ يا رسول الله فعلى ماذا نعمل‏؟‏ قال‏: على مواقع القدر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحممة، فقال للذي في يمينه‏:‏ إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى‏:‏ إلى النار ولا أبالي ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البزار والطبراني والآجري وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله جل ذكره يوم خلق آدم قبض من صلبه قبضتين، فوقع كل طيب في يمينه وكل خبيث بيده الأخرى، فقال‏:‏ هؤلاء أصحاب الجنة ولا أبالي وهؤلاء أصحاب النار ولا أبالي، ثم أعادهم في صلب آدم فهم ينسلون على ذلك إلى الآن ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين ‏"‏حديث : هذه في الجنة ولا أبالي ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين ‏"‏حديث : هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه‏.‏ قال‏:‏ فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والآجري عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لما خلق الله آدم ضرب بيده على شق آدم الأيمن، فأخرج ذرأ كالذر فقال‏:‏ يا آدم هؤلاء ذريتك من أهل الجنة، ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر فأخرج ذرأ كالحمم، ثم قال‏:‏ هؤلاء ذريتك من أهل النار ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي نضر‏.‏ فإن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له أبو عبد الله، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا له‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله يقول ‏"‏حديث : إن الله قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى، فقال‏:‏ هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي، فلا أدري في أي القبضتين أنا‏؟‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله قبض قبضة فقال‏:‏ للجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال‏:‏ إلى النار ولا أبالي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال‏:‏ إن الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى يوم القيامة، فأخرجهم مثل الذر ثم قال ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏} ‏ قالت الملائكة‏:‏ شهدنا‏.‏ ثم قبض قبضة بيمينه فقال‏:‏ هؤلاء في الجنة‏.‏ ثم قبض قبضة أخرى فقال‏:‏ هؤلاء في النار ولا أبالي‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ‏{‏أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‏} ‏ قال‏:‏ عن الميثاق الذي أخذ عليهم ‏{‏أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل‏}‏ فلا يستطيع أحد من خلق الله من الذرية ‏{‏أن يقولوا إنما أشرك آباؤنا‏} ‏ ونقضوا الميثاق ‏{‏وكنا (نحن) ذرية من بعدهم أفتهلكنا‏} ‏ بذنوب آبائنا وبما فعل المبطلون‏.‏ والله تعالى أعلم‏.

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}[172] قال: إن الله تعالى أخذ الأنبياء من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام، ثم أخذ من ظهر كل نبي ذريته كهيئة الذر، لهم عقول، فأخذ من الأنبياء ميثاقهم، كما قال: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب:7] وكان الميثاق عليهم أن يبلغوا عن الله تعالى أمره ونهيه، ثم دعاهم جميعاً إلى الإقرار بربوبيته لقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}[172] وأظهر قدرته حتى {قَالُواْ بَلَىٰ}[172]، فجمع الله مراده من خلقه، وما هم عليه من الابتداء والانتهاء في قولهم: "بلى"، إذ هو على جهة الابتلاء، وقد قال الله تعالى: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ}تفسير : [هود:7] وأشهد الأنبياء عليهم حجة كما قال: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}[172] ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام، ثم بعث الأنبياء ليذكرهم عهده وميثاقه، وكان في علمه يوم أقروا بما أقروا به من يكذب به ومن يصدق به، فلا تقوم الساعة حتى تخرج كل نسمة قد أخذ الميثاق عليها، ثم تقوم الساعة. فقيل: ما علامة السعادة والشقاوة؟ قال: إن من علامات الشقاوة إنكار القدرة، وإن من علامة السعادة أن تكون واسع القلب بالإيمان، وأن ترزق الغنى في القلب والعصمة في الطاعة والتوفيق في الزهد، ومن ألهم الأدب فيما بينه وبين الله تعالى طهر قلبه ويرزق السعادة، وليس شيء أضيق من حفظ الأدب. فقيل له ما الأدب؟ قال: اجعلوا طعامكم الشعير، وحلواكم التمر، وإدامكم الملح، ودسمكم اللَبن، ولباسكم الصوف، وبيوتكم المساجد، وضياءكم الشمس، وسراجكم القمر، وطيبكم الماء، وبهاكم النظافة، وزينتكم الحذر، وعملكم الارتضاء، أو قال: الرضا، وزادكم التقوى، وأكلكم بالليل، ونومكم بالنهار، وكلامكم الذكر، وصمتكم وهمتكم التفكر، ونظركم العبرة، وملجأكم وناصركم مولاكم، واصبروا عليه إلى الممات. وقال: ثلاث من علامات الشقاوة: أن تفوته الجماعة وهو بقرب من المسجد، وأن تفوته الجماعة وهو في المدينة، وأن يفوته الحج وهو بمكة. قال سهل: والذرية ثلاث: أول وثاني وثالث: فالأول: محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى لما أراد أن يخلق محمداً صلى الله عليه وسلم أظهر من نوره نوراً، فلما بلغ حجاب العظمة سجد لله سجدة، فخلق سبحانه من سجدته عموداً عظيماً كالزجاج من النور، أي باطنه وظاهره فيه عين محمد صلى الله عليه وسلم، فوقف بين يدي رب العالمين بالخدمة ألف ألف عام بطبائع الإيمان، وهو معاينة الإيمان ومكاشفة اليقين ومشاهدة الرب، فأكرمه الله تعالى بالمشاهدة قبل بدء الخلق بألف ألف عام. وما من أحد في الدنيا إلاَّ غلبه إبليس لعنه الله فأسره، إلاَّ الأنبياء صلوات الله عليهم، والصديقون الذين شاهدت قلوبهم إيمانهم في مقاماتهم، وعرفوا اطلاع الله عليهم في جميع أحوالهم، فعلى قدر مشاهدتهم يعرفون الابتلاء، وعلى قدر معرفتهم الابتلاء يطلبون العصمة، وعلى قدر فقرهم وفاقتهم إليه يعرفون الضر والنفع، ويزدادون علماً وفهماً ونظراً. ثم قال: ما حمل الله على أحد من الأنبياء ما حمل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الخدمة، وما من مقام خدمة خدم الله تعالى بها من ولد آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إلاَّ وقد خدم الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد سئل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لست كأحدكم إن ربي يطعمني ويسقيني" تفسير : فقال: ما كان معه طعام ولا شراب، ولكنه كان يذكر خصوصيته عند الله تعالى، فيكون كمن أكل الطعام وشرب الشراب، ولو كان معه شراب أو طعام لآثر أهله وأهل الصفة على نفسه. الثاني: آدم صلوات الله عليه، خلقه من نور، قال عليه السلام: "حديث : وخلق محمداً صلى الله عليه وسلم، يعني جسده، من طين آدم عليه السلام ". تفسير : والثالث: ذرية آدم. وإن الله عزَّ وجلَّ خلق المريدين من نور آدم، وخلق المرادين من نور محمد صلى الله عليه وسلم، فالعامة من الخلق يعيشون في رحمة أهل القرب، وأهل القرب يعيشون في رحمة المقرب، {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}تفسير : [الحديد:12].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [الآية: 172]. قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية قال: تراءى لأهل الإيمان بالسكون فعرفوه وسكنوا واطمأنوا، وتراءى لأهل الكفر بالتعظيم فطاشت عقولهم وتفرقوا عنه. وقال يوسف فى هذه الآية: قد أخبر أنه خاطبهم ربهم وهم غير موجودين إلا بإيجاده لهم، إذ كانوا واجدين للحق من غير وجودهم لأنفسهم، كان الحق بالحق فى ذلك موجود بالمعنى الذى لا يعلمه غيره ولا يجده سواه. قال بعضهم فى قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} من غير مشاهدة، ثم كوشفوا فشهدوا ما خوطبوا به، فقالوا {شَهِدْنَآ} أى شاهدنا حقائق حقك وقال الحسين: أنطق الذر بالإيمان طوعًا. وكرهًا أنطقتهم بركة الآخذ أحدهم عنهم، ثم أشهدهم حقيقته فأنطقت عنهم القدرة من غير شركة كان لهم فيه. وقيل: إن توحيد الخاص أن يكون العبد قائمًا بسره بين يدى ربه، يجرى عليه تصاريف تدبيره وأحكام تقديره فى بحار توحيده، بالفناء عن نفسه وذهاب نفسه بقيام الحق به فى مراد منه، فيكون كما كان قبل أن يكون، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} الآية. قال النصرآباذى رحمه الله فى هذه الآية: مؤيل الأكبر ومالف الأعظم، معافون من السلالة والطين وما بعده من النطف والمضغ أفأنتم فى حملة للأخذ الأول، أم مردودون إلى ميعاد الأخذ فى السلالات والمضغ والنطف، فإن أخذ للأول بأول للأول وهو بأول للأول أول. وقال النصرآباذى: أخذ ربك تلطفًا وتكرمًا بل أخذه جلالة وعظمة، بل أخذه غنى واستغناءً. وقال أيضًا: أخذ لا للحاجة بل للحجة فمنع الخلق حاجتهم أن يَرَوا ذرة من معانى الحجة. وقال أبو عثمان المغربى: وسُئل عنه ما الخلق؟ قال: قوالب تجرى عليها أحكام القدرة، وقال: أخذ ربك من معدن إلى معدن ومن معدن للمعدن. وقال الجريري فى قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قال: تعرف إلى كل طائفة من الطوائف بما منحها من معرفته فقال: {بَلَىٰ} وكلٌ أقر بما مخ ثم أخرجهم من صلب آدم فقال: { أية : كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 103] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { أية : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [الأنفال: 62]. قال أبو سعيد الخراز فى قوله {بَلَىٰ} قال: من قال حين قال: ومن أين أجابوا عنهم إلا القدرة والنافذة والمشيئة التامة وهل كانوا إلا رسمًا لأحكام مليك. وهل هم الآن إلا أشباح تختلف عليهم تصاريف تدبيره. وقال بعضهم: خطب منصوب القدرة فى عين العدم. قال ابن بنان فى هذه الآية: قد أخبرك أنه قد خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كان واجد الخليقة بغير معنى وجودها لأنفسها بالمعنى الذى لا يعلمه غيره ولا يجده سواه، فقد كان واجدًا مخاطبًا شاهدًا عليهم بديًا فى حال فنانهم عن بقائهم الذى كانوا به، كذلك هو الوجود الربانى والإدراك الإلهى الذى لا ينبغى إلا له. وقال فى قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} خوطبوا بهذا الكلام وأيش كانوا فقال: كانوا موجودين فى القدرة مغيبين عن شهود التوحيد. قيل: إنما أجيب عنهم على حسب الاستسلام فهذا مقام الفناء، وقد تقدمت الستلة الإجابة فالعالم يجرى فى التسخير من حيث التمكين فى قبضة الحق. قال الحسين: لا يعلم أحد من الملائكة المقربين ما أظهر الخلق وكيف الانتهاء والابتداء، إذ الألسنة ما نطقت والعيون ما أبصرت والآذان ما سمعت، كيف أجاب من هو عن الحقائق غائب وإليها آيب فى قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فهو المخاطب وهو المجيب. وقال الحسين فى قوله: {بَلَىٰ}: القائل عنكم سواكم والمجيب غيركم، فسقطتم أنتم وبقى من لم يزل كما لم يزل. وسُئل على بن عبد الرحيم عن قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} قال: كانوا موجودين فى القدرة مغيبين عن شهود الوجود. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قالوا بلى: "قال: هو تقرير فى صورة السؤال. وقال بعضهم: القدرة أجابت القدرة. وقيل فى قوله {بَلَىٰ} قالوا: سمعوا كلامه أن { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } تفسير : [الشورى: 11] وخلق حياتهم من ذلك النور وجعل قوام جميعهم بتلك الكلمة. وأنشد: شعر : لَو يَسمَعون كَما سَمعت كلامَه خَرُّوا لِعِزَّةِ رُكَّعًا وسُجُودًا تفسير : قال ابن بنان: لله خالصة من خلقه، انتخبهم للولاية واستخلصهم للكرامة وأفردهم به له، فجعل أجسادهم دنياوية وأرواحهم نورانية وأذهانهم روحانية وأوطان أرواحهم غيبية، وجعل لهم فسوحًا فى غوامض غيوب الملكوت الذين أوجدهم لديه فى كون الأزل، ثم دعاهم فأجابوا سراعًا، أجاب تركيبهم حين أوجدهم لديه في كون الأزل، ثم دعاهم فأجابوا الدعوة منَّةً منه، وعرفهم نفسه حين لم يكونوا فى صدرة الإنسية، ثم أخرجهم بمشيئته خلقًا فأودعهم صلب آدم، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فأخبر أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا غير واجدين للحق إلا بإيجاده لهم فى غير وجودهم لأنفسهم، وكان الحق بالحق فى ذلك موجودًا.

القشيري

تفسير : أخبر بهذه الآية عن سابق عهده، وصادق وعده، وتأكيد عناج ودِّه، بتعريف عبده، وفي معناه أنشدوا: شعر : سُقياً لليْلَى والليـالي التـي كُنَّا بَلَيْلَى نلتقي فيها أفديكِ بل أيامُ دهري كلها يفدين أياماً عَرَفْتُكِ فيها تفسير : ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بَصَرٌ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أَثَرٌ، أو كان لهم من حميمٍ أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفي معناه أنشدوا: شعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى وصَادَفَ قلبي فارغاً فتمكنَّا تفسير : ويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقهم في الحال. وطائفةٌ خاطبهم بوصف القربة فعرَّفهم في نفس ما خاطبهم، وفِرْقةٌ أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم. ويقال أقوام لاطَفَهم في عين ما كاشَفَهم فأقروا بنعت التوحيد، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود. ويقال وَسَمَ بالجهل قوماً فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد، وآخرين أشهدهم واضِحَ الحجة (...). ويقال تجلَّى لقوم فتولَّى تعريفهم فقالوا: "بلى" عن حاصل يقين، وتَعَزَّزَ عن آخرين فأثبتهم في أوطان الجحد فقالوا: "بلى" عن ظنٍ وتخمين. ويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب؛ فَجَذَبَ قلوبَ قومٍ إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبَارِّ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار. ويقال فرقةٌ ردَّهم إلى الهيبة فهاموا، وفِرْقَةٌ لاطفَهم بالقربة فاستقاموا. ويقال عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتخليصهم، ولَبَّسَ على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم. ويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكامَ التكليف وكان - سبحانه - لهم مُكَلِّفاً، وعلى ما أراده مُصَرِّفاً، وبما استخلصهم له مُعَرِّفاً، وبما رقاهم إليه مُشَرّقاً. ويقال كاشف قوماً - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه، فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم؛ فإِذا سمعوا - اليومَ - سماعاً تجددت تلك الأحوال، فالانزعاجُ الذي يَظْهَرُ فيهم لِتَذَكُّرِ ما سَلَفَ لهم من العهد المتقدم. ويقال أسمع قوماً بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق، وأَسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود. ويقال أظهر آثارَ العناية بدءاً حين اختصَّ بالأنوار التي رشت عليهم قوماً، فَمَنْ حَرَمَه تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة، ومَنْ أصابَته تلك الأنوارُ أَفْصَحَ بما خُصَّ به من غير مقاساة كَلَفَة.

البقلي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} اخبر سبحانه عن سر تقدير الازل الذى فى نفسه فى اول الاول قبل كل قبل لا تغائر الزمان وتواتر الملو ان وذلك ارادة سابقة ازلية ذاتية صافتية احدية يكون بوجود ايجاده بظهور وجوده تعالى له فتقاضت الارادة من العلم والعلم من القدرة من جيمع الصفات والصفات من الذات بغير تفرقه ولا جمع بل الوحدانية فاجابت الصفات للذات والذات للصفات من غير حاجة ولا وحشة والا انس بالحدثان بل الوجود اهل العرفان فمضى ادهار الازلية بلا زمان ولا مكان بل قدم فى القدم وازل فى الازل اخبر عن علم القديم لا من الوقت الا ترى الى قوله واذا وليس عنده صباح ومساء لما تم ادهار الاولية التى هو دهر الدهاء المنزهة عن المكان والزمان وتمامها وقت ايجاد الاكوان والحدثان وابراز اهل العرفان من معدن العيان تجلت انوار الذات لانوار الصفات وتجلت انوار الصفات لانوار الذات ثم تجلى الذات بجميعا للارادة والمحبة ثم تجب الارادة والمحبة لفعل الخاص ثم تجلى الفعل ثم كساها نور فعل الخاص ثم احضرها مشارب المحبة والارادة فسقاها من عين المحبة شراب العشق ومن عين الارادة شراب التوحدي فاشتاقت من شراب المحبة وسكرت من هذه العشق وبهجت الى معدن الصفة وطارت باجنحة التوحدي فى انوار الصفات ثم طارت بنور الصفات فى انوار الذات ففنيت فى القدم برؤية القدم وبقيت فى البقاء برؤية البقاء فترفرفت كل واحدة على مورد من موارد الصفات وسكنت فى العيون الصفات الارواح فبضعها فى عين العظمة وبعضها فى عين الجلال وبعضها فى عين الجمال وبعضها فى عين الكبرياء وبعضها فى عين القدم وبعضها فى عين البقاء وبعضها فى عين البهاء وبعضها فى عين الحسن وبعضها عين القدس وبعضها فى نور الانس وبعضها فى سنا وبعضها فى نور الاسماء والنعوت وبعضها فى عين الحياة وبعضها فى نور السمع وبعضها فى نور البصر وبعضها فى نور الكلام وبعضها فى نور الوجه وبعضها فى نور القدوة ---- فى نور العلم وبعضها فى نور المشية والارادة وبعضها فى صفات الخاصة من الاستواء وغيره من الصفات وبعضها الى نور العطاء وبعضها فى نورا للطف وبعضها فى عين القهر وكل احدة منها قويت لسجية موردها وقوة شربها ولك واحدة اشتاقت فيها الى معدنا لذلك طباعها مختلفة فى المقامات والحالات والمكاشفات والمشاهدات فوقعت اهل الالطاف فى عيون المعرفة فبقيت فى المعرفة ابدا ووقعت اهل القهريات فى النكرة فبقيت فى النكرة ابدا الا ترى الى مناهجهما من الكفر والايمان فلما اراد سبحانه عبوديتها اخرجها من الغيب الى صورة البشرية بنعت الامتحان والعبودية وكساها لباس الصلصالية بقوله واذ اخذ ربك من بنى ادم من ظهروهم ذريتهم اخرجهم جميعا بظهور وجوده لهم فخرجوا جميعا بنور ظهره وتجلى صفاته وذاته اخذهم بمباشرة الصفة فى الفعل فوصل بركته اخذه الى اهل معرفته لان اخذه لهم اخذ لطف ووصل وقهر اخذه الى اهل النكرة لانهم اهل قهر فمن خرج بلباس اللطف شاهد الحق مشاهدة عيان ومن خرج بنعت القهر شاهد قهر الحق مشاهدة امتاع وحجاب لذلك بعضهم حجدوه اشهدهم على انفسهم ليغيبوا عن مشاهدته ولو اشهدهم مشاهدته ما احتاجوا الى تعريف الخطاب بقوله الست بربكم كانوا فى الاول شاهدين ثم كانوا غائبين فلما صاروا غائبين عرفهم تلك المواريد والمشارب فى زمان الاول حين خرجوا من العدم بنور القدم الست بربكم خطاب ترعيف وتكذير معاهد الاولية وانشد فى معناه شعر : سقيا لمعهدك الذى لو لم يكن ما كان قلبى للصبابة معهدا وهل الى لى ارض الحبيب رجوع سلام على سلمى وان شطدارها سلام على ارض قديم بها العهد تفسير : فى الاول كانوا غائبين عنه فادركهم نور محبته فاولهم قبل ظهورهم فى لباس أدم فلما عرفم تلك الحلاوة ذكروا ما وجدوا وانشدوا شعر : انانى هواها قبل ان عرف الهوى فصادف قلبا فارعا فتمكنا تفسير : الست بربكم لاهل اللطف خطاب تعطف ولاهل القهر خطاب تعظم خاطب العارفين بتعريف المشاهدات وخاطب الجاهلين بالقهر والامتحانات فاعرفوا جميعا بواحدانيته طوعا وكرها طوا لاهل العرفان وكرها لاهل العميا والطغيان ولولا خطابه وانطاقة بالقدرة الازلية ما قالوا جميعهم بلى الا اهل شهود جماله فلما خاطبهم فرح اهل محبته فطاروا باجنحة توحيده فى هواء وحدانيته فرحا وسروا بجماله وتحير اهل الحجاب فبهتوا وتاهوا فى اودية قهره ثم عظم ميثاقه تعالى معهم بشهوده اياهم بقوله شهدنا اخبرعن كشف نقاب الازلية عن وجه السرمدية لاهل المرعفة لئلا تنسوه طرفة عين الى ابدا الابدين وان كانوا فى حجب الامتحان لان العاشق يرى معشوقه فى رؤية جميع البلاء وكيف يحتجب المحب عن محبوبه ومحبته محيطة بجميع وجوه شعر : اريد لانسى ذكرها فكانما تمثل الى ليلى بكل سبيل تفسير : قال ابو سعيد الخراز فى قوله واذا اخذ ربك من بنى أدم ترابا لاهل الايمان بالسكون فعرفوه وسكنوا واطمأنوا وترابا لاهل الكفر بالتعظيم فطاشت عقولهم فتفرقوا عنه وقال يوسف قد اخبر انه خاطبهم ربهم وهم غير موجودين الا بايجاده لهم اذا كانوا واجدين الحق من غير وجودهم لانفسهم كان الحق بالحق فى ذلك موجود بالمعنى الذى لا يعلمه غيره ولا يجده سواه قال بعضهم فى قوله الست بربكم قالوا بلى من غير مشاهدة ثم كوشفوا فشهد واما خوطبوا به قالوا شهدنا اى شهدنا حقائق حقك وقال الحسين الحق انطق الذر بالايمان طوعا وكرها انطقهم بكرة الاخذ اخذهم عنهم وانطقهم لابهم بل اخذهم عنهم ثم اشهدهم حقيقة فانطقت عنهم القدرة من غير شركة كانت لهم فيه قال النصر ابادى فى هذه الأيات موئل الاكبر وما الف الا عظم معافون من السلالة والطين وما عبده من النطف والمصنغ افانتم فى جملة اخذ الاول او مردودون الى معتاد الاخذ فى السلالات والنطف فان اخذا لاول اول باول الاول وهو باو الاول اول قال النصر ابادى اخذ ربك تلطفا وتكرما بل اخذه جلالا وعظمة بل اخذه عز واستغناء وقال ايضا اخذلا للحاجة فمنع الخلق حاجتهم ان يروا ذرة من معانى الحجة وقال اخذ ربك من معدن الى معدن ومن معدن لمعدن قال الجريد فى قوله الست بربكم قال تعرف الى كل طائفة من الطوائف وبما منحها من معرفته فقالت بلى وكل امر بما منح ثم اخرجهم من صلب أدم فقال كنتم اعداء فالف بين قلوبكم وقال لبينه لو انفقت ما فى الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم وقال بعضهم خاطب منصوب القدرة عى فين القدم وسئل عبد الرحيم عن قوله واذا اخذ ربك من بنى ادم قال كانوا موجودين فى القدرة مغبين فى شهود الوجود وقال الواسطى فى قوله الست بربكم قالوا بلى قال هو تقرير فى صورة السوال وقال عبضهم القدرة اجابت عن القدرة وقيل فى قوله قالوا بلى قال سمعوا كلامه ان ليس كمثله شئ وخلق حياتهم من ذلك النور وجعل قوام جميعهم بتلك الكلمة وانشد شعر : لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا العزة ركعا سجود تفسير : قال ابن بنان لله خالصة من خلقه انجيتهم للولاية واستخلصهم للكرامة وافردهم به فجعل اجسادهم دنيائية وارواحهم نورانية واذهانهم روحانية واوطان ارواحهم غيبية وجعلهم فسوحا فى غوامض غيوب الملكوت للذين اوجدهم لديه فى كون الازل ثم دعاهم فاجابوا سراعا اجاب تركيبهم حين اوجهم بعد الدعوة منه وعرفهم نفسه حين لم يكونوا فى صورة الانسية ثم اخرجهم بمشيته خلقا فاودعهم صلب أدم فقال واذا اخذ ربك من بنى أدم من ظهورهم ذريتخم فاخبر انه خاطبهم وهم غير موجودين الا بوجوده لهم اذا كانوا واجدين للحق فى عين وجودهم لانفسهم وكان الحق بالحق فى ذلك موجود قال الاستاد اخبر بهذه الأية عن سابق عهده وصادق عقده تاكيده وده بتعريف عبده وفى معناه انشدوا شعر : سقيا لليلى والليالى التى كنا بليلى يلتقى فيها افديك فى ايام دهرى كلها يفدين اياما عرفتك فيها تفسير : معهم فى الخطاب لكنهم فرقهم فى الحال فطائفة خطابهم بوصف --- فعرفهم نفس ما خاطبهم وفرقة ابقاهم فى اواطن الغيبة فاقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم ويقال لو --- لاطفهم فى عين ما كاشفهم فاقرا بنعت التوحيد وأخرون ابعدهم فى نفس ما اشهدهم فاقروا من راس الجحود ويقال تجلى القلوب قوم فتولى تعريفهم فقالوا بلى عن حاصل اليقين وتعزز على الأخرين فاثبتهم فى اوطان الحجة فقالوا بلى عن ظن وتحمين ويقال جمع المؤمنين فى السماع ولكن غائر بيهم فى الربت فجذب قلوب قوم الى الاقرار بما اطمعها فيه من المبار وانطق أخرين بصدق الاقرار بما اشهده من العيان كاشفهم به من الاسرار ويقال فرقة ردهم الى الهيبة فها مواد فرقته لاطفهم بالقربة فاستقاموا ويقال كاشف قوما فى حال الخطاب بجماله فطوحهم فى هيجان حبه فاسكنت محابهم فى كوامن اسرارهم فاذا سمعوا اليوم سماعا تجدد لهم تلك الاحوال والانزعاج الذى يظهر فيهم لتذكروا ما سلف لهم من العهد المتقدم.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ أخذ ربك} اى واذكر يا محمد لبنى اسرائيل وقت اخذ ربك {من بنى آدم} اى آدم واولاده كأنه صار اسما للنوع كالانسان والبشر والمراد بهم الذين ولد لهم كائنا من كان نسلا بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب من الاسباب كالعقم وعدم التزوج والموت صغيرا {من ظهورهم} بدل من بنى آدم بدل البعض اى من اصلابهم وفيه تنبيه على ان الميثاق قد اخذ منهم وهم فى اصلاب الآباء ولم يستودعوا فى ارحام الامهات {ذريتهم} مفعول اخذ اى نسلهم قرنا بعد قرن يعنى اخرج بعضهم من بعض كما يتوالدون فى الدنيا بحسب الاصلاب والارحام والادوار والاطوار الى آخر ولد يولد {واشهدهم على انفسهم} اى اشهد كل واحد من اولئك الذريات المخصوصين المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسه لا على غيره تقريرا لهم بربوبيته التامة وما تستتبعه من العبودية على الاختصاص وغير ذلك من احكامها {ألست بربكم} على ارادة القول اى قائلا ألست بربكم ومالك امركم ومربيكم على الاطلاق من غير ان يكون لاحد مدخل فى شأن من شؤونكم {قالوا} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا {بلى شهدنا} اى على انفسنا بانك ربنا والهنا لا رب لنا غيرك والفرق بين بلى ونعم ان بلى اثبات لما بعد النفى اى انت ربنا فيكون ايمانا ونعم لتقرير ما سبق من النفى اى لست بربنا فيكون كفرا وهذا تمثيل وتخييل نزل تمكينهم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل الآفاقية والانفسية وخلق الاستعداد فيهم منزلة الاشهاد وتمكينهم من معرفتها والاقرار بها منزلة الاعتراف فلم يكن هناك اخذ واشهاد وسؤال وجواب وباب التمثيل باب واسع وارد فى القرآن والحديث وكلام البلغاء قال الله تعالى {أية : فقال لها وللأرض إتينا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11]. {ان تقولوا} مفعول له لما قبله من الاخذ والاشهاد اى فعلنا ما فعلنا كراهة ان تقولوا {يوم القيامة} عند ظهور الامر [انا كنا عن هذا} اى عن وحدانية الربوبية واحكامها {غافلين} لم ننبه عليه بدليل فانهم حيث جبلوا على الفطرة ومعرفة الحق فى القوة القريبة من الفعل صاروا محجوبين عاجزين عن الاعتذار بذلك ولو لم تكن الآية على طريقة التمثيل بل لو اريد حقيقة الاشهاد والاعتراف وقد انسى الله تعالى بحكمته تلك الحال لم يصح قوله ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين كما فى حواشى سعدى جلى المفتى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {من ظهورهم}: بدل من {بني آدم}، أي: من ظهور بني آدم، و {ذريتهم}: مفعول به، و {بلى}: حرف جواب، يُجاب بها عن الهمزة إذا دخلت على منفي، فخرجت عن الاستفهام إلى التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، نحو: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }تفسير : [الشّرح:1]، فيجاب ببلى، أي: شرحت، وكذا نظائرها، ومنه: {إلست بربكم...} الآية. وقد يجاب بها الاستفهام المجرد عن النفي، كما في الحديث: "حديث : أتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قالوا: بلى"تفسير : . ولكنه قليل، فلا يُقاس عليه، بل يوقف على ما سمع، والكثر: أنها جواب للنفي، ومعناها: إثبات ما نفي، ورفع النفي، لا إثباته وتقريره، بخلاف "نعم"؛ فإنها تقرر ما قبلها من إثبات أو نفي، ولذا قال ابن عباس: (ولو قالوا: نعم، لكفروا)، وقد تقدم الفرق بينهما في سورة البقرة، ثم الكثير: مراعاة صورة النفي، فيجاب ببلى، وقد ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكاري من نفيه للنفي، فيصير الكلام إيجابًا، فيصح الجواب بنعم في الجملة، لكن لمَّا كان محتملاً امتنع في الآية: انظر المغني. وقوله: {أن تقولوا}: مفعول من أجله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكروا {إِذْ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم}؛ من ظهور بني آدم {ذريَّتهم}؛ وذلك أن الله تعالى لَمَّا خلق آدم، وأهبطه إلى الأرض، أخرج من صلبه نسيم بنيه، بعضهم من صلب بعض، على نحو ما يتوالدون، قرنًا بعد قرن كالذر، وكان آدم بنَعمان، وهو جبل يواجه عرفة، وقال لهم حين أخرجهم: {ألستُ بربكم}؟ فأقروا كلهم، و {قالوا بلى} أنت ربنا، {شهِدْنا} بذلك على أنفسنا، لأن الأرواح حينئذٍ كانت كلها على الفطرة، علاّمة دَرَّاكة، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة، فبعث اللهُ الأنبياءَ والرسل يُذكِّرون الناس ذلك العهد، فمن أقرّ به نجا، ومن أنكره هلك، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن أيجادهم في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال: {ألست بربكم}؟ وكأنهم قالوا بلسان الحال: أنت ربنا. والأول هو الصحيح؛ لتواتر الأخبار به، فقوله: {شَهِدنا}: هو من تمام الجواب، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك، فينبغي أن يوقف عليه، وقيل: إنَّ {شهدنا}: من قول الله أو الملائكة، فيوقف على {بلى}، لكنه ضعيف. ثم ذكر حكمة هذا الأخذ، فقال: {إن تقولوا} أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا {يوم القيامة إِنا كنا عن هذا غافلين}، أو كراهية أن تقولوا: {إنما أشرك آباؤنا من قبلُ وكنا ذرية من بعدهم} فاقتدينا بهم، {أفتُهلكنا بما فعل المبطِلُون}، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الححجة، والتقدير: أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح، كراهة أن تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً...} تفسير : [الإسرَاء:15] الآية. وقوله: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ } تفسير : [النساء:165]، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة؛ لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح، فلا تهتدي إليه إلا بدليل يُذكرها ذلك. قال البيضاوي: والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا: إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال تعالى: {وكذلك نفصل الآيات} الدالة على وحدانيتنا سمعاً وعقلاً، {ولعلهم يرجعون} عن التقليد واتباع الباطل. الإشارة: أَخَذَ الحقّ جلّ جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتُوحده مرتين، أحدهما: قبل ظهور الكائنات، والثاني: بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية، والثاني تجديدًا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم: أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح، كما نبهت عليه الآية والأحاديث. وقال ابن الفارض في تائيته: شعر : وَسَابِقِ عَهْدٍ لَمْ يَحُل مُذ عَهِدتُهُ ولا حِقِ عَقدٍ جَلَّ عَنْ حَلِّ فتْرَهِ تفسير : قال القاشاني: أراد بالعهد السابق: ما أخذه الله على الأرواح والإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعضم، الذي هو آدم الكبير، في صور المثل، قبل تعلقها بالأشباح، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب، في قوله سبحانه: {وإذ أخذ ربك...} الآية. وبالعهد اللاحق: ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان، وهو توكيدٌ للعهد الأول، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. هـ. وقال في الحاشية: كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول، الروحاني، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني، وهو ظاهر الآية. هـ. قلت: وفيه نظر، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معًا، الروحاني في الشطر الأولى، والنفساني في الشطر الثاني. والحاصل مما تقدم: أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات، أحدها: حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير، وهو معنى القبضة النورانية، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني: حينن استخرجت من صلب آدم الأصغر، كالذر، والثالث: حيث دخلت في عالم الأشباح، على ألسنة الرسل، ومن ناب عنهم، فالمذكور في الآية هو الثاني، وهو أحسن من حَملِ القاشاني الآية على الأول. فالحاصل: أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل، بإقرارها إقرار النفوس، لا إقرار الألسنة، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية، من سمع وبصر ولسان وغيرها، في عالم المثال، بصور مقالية؛ لتُبصر بها ظهور الرب، وتسمع خطابه، وتجيب سؤاله، بإقرارها حينئذٍ إقرار الألسنة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية. وأما العهد الذي أخذه بواسطة الأنبياء في ظهور عالم الأشباح فإنما هو تذكير للعهدين وتجديد لهما وهو الذي تقوم به الحجة عليها، فلا بد من انضمامه إِلى الأوَّلَين في قيام الحجة، كما تقدم. فالموجدات ثلاث: علمي، ثم خيالي مثالي، ثم نوعي حسي. فَأُخِذَ على كل واحد عهد؛ من الأَوَّلَيْنِ بلا واسطة، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من نقض هذا العهد، مع تمكنه من العلم به، فقال: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وأهل الكوفة {ذريتهم} على التوحيد. الباقون ذرياتهم على الجمع. وقرأ ابو عمرو "وأن يقولوا، أو يقولوا" بالياء فيهما. الباقون بالتاء. و (الذرية) قد يكون جمعاً نحو قوله تعالى {وكنا ذرية من بعدهم} وقوله تعالى {أية : ذرية من حملنا مع نوح} تفسير : وقد يكون واحداً كقوله: {أية : هب لي من لدنك ذرية طيبة.. فنادته الملائكة.. أن الله يبشرك بيحيى} تفسير : فهو مثل قوله: {أية : فهب لي من لدنك ولياً يرثني} تفسير : فقال الله: {أية : يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى}. تفسير : فمن أفرد جعله اسماً واستغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع. ومن جمع قال: لانه إن كان واقعاً على الواحد فلا شك في جواز جمعه وإن كان جمعاً فجمعه أيضاً حسن، لأنه قد وردت الجموع المكسرة وقد جمعت نحو الطرقات وصواحبات يوسف. وحجة من أفرد قال: لا يقع على الواحد والجميع. فأما وزن {ذرية} فانه يجوز أن تكون (فعلولة) من الذر، فابدلت من الراء التي هي لام الفعل الأخيرة ياء كما أبدلت من دهرية، يدلك على البدل فيه قولهم: دهرورة، ويحتمل ان تكون فعلية منه فأبدلت من الراء الياء، كما تبدل من هذه الحروف في التضعيف وإن وقع فيها الفصل. ويحتمل أن تكون (فعليه) نسبة إلى الذر وأبدلت الفتحة منها ضمة كما أبدلوا في الاضافة إلى الدهر دهري والى سهل سهلي ويجوز أن تكون (فعلية) من ذرأ الله الخلق، أجمعوا على تخفيفها كما أجمعوا على تخفيف البرّية. ويجوز ان تكون من قوله {أية : تذروه الرياح} تفسير : ابدلت من الواو الياء لوقوع ياء قبلها. وحجة أبي عمرو في قراءته بالياء ان ما تقدم ذكره من الغيبة وهو قوله عز وجل {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} كراهية أن يقولوا أو لئلا يقول، ويؤكد ذلك ما جاء بعد من الاخبار عن الغيبة وهو قوله: {قالوا بلى}. وحجة من قرأ بالتاء انه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} وكلا الوجهين حسن لأن الغيب هم المخاطبون في المعنى. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله قال الله تعالى له: واذكر أيضاً الوقت الذي اخذ الله فيه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟. واختلفوا في معنى هذا الأخذ فيه وهذا الاشهاد: فقال البلخي والرماني اراد بذلك البالغين من بني آدم واخراجه اياهم ذرية قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر واشهاده إياهم على انفسهم تبليغه إياهم وإكماله عقولهم، وما نصب فيها من الأدلة الدالة بأنهم مصنوعون وان المصنوع لا بد له من صانع، وبما اشهدهم مما يحدث فيهم من الزيادة والنقصان والآلام والأمراض الدال بجميع ذلك على ان لهم خالقاً رازقاً تجب معرفته والقيام بشكره، وما اخطر بقلوبهم من تأكيد ذلك والحث على الفكر فيه، ثم إرساله الرسل وإنزاله الكتب، لئلا يقولوا إذا صاروا إلى العذاب: إنا كنا عن هذا غافلين، لم ينبه علينا ولم تقم لنا حجة عليه ولم تكمل عقولنا فنفكر فيه، او يقول قوم منهم: إنما أشرك آباؤنا حين بلغوا وعقلوا فأما نحن فكنا أطفالا لا نعقل ولا نصلح للفكر والنظر والتدبير. وقال الجبائي: أخذه ذرياتهم من ظهورهم انه خلقهم نطفاً من ظهور الآباء، ثم خلقهم في ارحام الامهات، ثم نقلهم من خلقة إلى خلقة، وصورة إلى صورة، ثم صاروا حيواناً بأن احياهم الله في الأرحام، واتم خلقهم، ثم اخرجهم من الارحام بالولادة وقوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم} يعني عند البلوغ وكمال العقل وعندما عرفوا ربهم فقال لهم على لسان بعض انبيائه {ألست بربكم}؟ فقالوا: بلى شهدنا بذلك واقررنا به لأنهم كانوا بالله عارفين انه ربهم. وقوله تعالى {أن تقولوا... إنا كنا عن هذا غافلين} معناه لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فأراد بذلك اني انا قررتكم بهذا لتواظبوا على طاعتي وتشكروا نعمتي ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. وقوله تعالى {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} فنشأنا على شركهم فتحنجوا يوم القيامة بذلك، فبين انى قد قطعت بذلك حجتكم هذه بما قررتكم به من معرفتي واشهدتكم على انفسكم باقراركم وبمعرفتكم إياي. وقوله {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} من آبائنا. وهذا يدل على انها مخصوصة في قوم من بني آدم وانها ليست في جميعهم، لأن جميع بني آدم لم يؤخذوا من ظهور بني آدم لان ولد آدم لصلبه لا يجوز ان يقال: إنهم اخذوا من ظهور بني آدم فقد خرج ولد آدم لصلبه من ذلك وخرج ايضاً اولاد المؤمنين من ولد آدم الذين لم يكن آباؤهم مشركين، لانه بين ان هؤلاء الذين اقروا بمعرفة الله واخذ ميثاقهم بذلك كان قد سلف لهم في الشرك آباء. فصح بذلك انهم قوم مخصوصون من اولاد آدم. فأما ما روي ان الله تعالى اخرج ذرية آدم من ظهره واشهدهم على انفسم وهم كالذر، فان ذلك غير جائز لان الاطفال فضلا عمن هو كالذر لا حجة عليهم، ولا يحسن خطابهم بما يتعلق بالتكليف، ثم ان الآية تدل على خلاف ما قالوه. لأن الله تعالى قال {وإذ أخذ ربك من بني آدم} وقال {من ظهورهم} ولم يقل من ظهره. وقال {ذريتهم} ولم يقل ذريته، ثم قال {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} فأخبر ان هذه الذرية قد كان قبلهم آباء مبطلون وكانوا هم بعدهم. على ان راوي هذا الخبر سليمان بن بشار الجهني، وقيل مسلم بن بشار عن عمر بن الخطاب وقال يحيى بن معين: سليمان هذا لا يدري اين هو. وايضاً فتعليل الآية يفسد ما قالوه. لأنه قال: فعلت هذا لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين والعقلاء اليوم في دار الدنيا عن ذلك غافلون. فان قيل نسوا ذلك لطول العهد او لأن الزمان كان قصيراً كما يعلم الواحد منا اشياء كثيرة ضرورة ثم ينساها كما ينسى ما فعله في امسه وما مضى من عمره. قلنا: إنما يجوز ان ينسى ما لا يتكرر العلم به ولا يشتد الاهتمام به، فأما الامور العظيمة الخارقة للعادة، فلا يجوز ان ينساها العاقل. الا ترى ان الواحد منا لو دخل بلاد الزنج وراى الأفيلة ولو يوماً واحداً من الدهر لا يجوز ان ينسى ذلك حتى لا يذكره اصلا مع شدة اجتهاده واستذكاره؟! ولو جاز ان ينساه واحد لما جاز ان ينساه الخلق بأجمعهم. ولو جوزنا ذلك للزمنا مذهب التناسخ وان الله كان قد كلف الخلق فيما مضى واعادهم، إما لينعمهم او ليعاقبهم. ونسوا ذلك. وذلك يؤدي إلى التجاهل. على ان أهل الآخرة يذكرون ما كان منهم من احوال الدنيا ولم يجب ان ينسوا ذلك لطول العهد، ولا المدة التي مرت عليهم وهم اموات وكذلك اصحاب الكهف لم ينسوا ما كانوا فيه قبل نومهم لما انتبهوا مع طول المدة في حال نومهم، فعلمنا ان هؤلاء العقلاء لما كانوا شاهدوا ذلك وحضروه وهم عقلاء لما جاز ان يذهب عنهم معرفة ذلك لطول العهد، ولوجب أن يكونوا كذلك عارفين. وقال قوم وهو المروي في أخبارنا إنه لا يمنع ان يكون ذلك مختصاً بقوم خلقهم الله وأشهدهم على أنفسهم بعد ان أكمل عقولهم واجابوه بـ {بلى}، وهم اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه، ولا يكون ذلك عاماً في جميع العقلاء وهذا وجه ايضاً قريب يحتمله الكلام. وحكى أبو الهذيل في كتابة الحجة: أن الحسن البصري واصحابه كانوا يذهبون إلى ان نعيم الاطفال في الجنة ثواب عن إيمانهم في الذر. وحكى الرماني عن كعب الاحبار: انه كان يخبر خبر الذر غير انه يقول ليس تأويل الآية على ذلك. وإنما فعل ليجروا على الاعراف الكريمة في شكر النعمة والاقرار لله بالوحدانية، كما روي انهم ولدوا على الفطرة. ويدل على فساد قولهم قوله تعالى {أية : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} تفسير : فهم لو كانوا أخرجوا من ظهر آدم على صورة الذر كانوا بعد من ان يعلموا او يعقلوا ومتى قالوا أكمل الله عقولهم فقد مضى الكلام عليهم. وذكر الأزهري وروي ذلك عن بعض من تقدم ان قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} تمام الكلام. وقوله {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة} حكاية عن قول الملائكة انهم يقولون شهدنا لئلا تقولوا. وهذا خلاف الظاهر وخلاف ما عليه جميع المفسرين لأن الكل قالوا {شهدنا} من قول من قال {بلى} وان اختلفوا في كيفية الشهادة على ان الملائكة لم يجر لها ذكر، فكيف يكون ذلك إخباراً عنهم.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} وقرئ ذرّيّاتهم، اعلم، انّ آدم قد يقال على آدم ابى البشر وقد يقال على معنى موجود فى كلّ بشرٍ وقد يقال على معنىً اعمّ منهما وبهذا المعنى يقال: آدم الملكىّ، وآدم الملكوتىّ وآدم الجبروتىّ، وآدم اللاّهوتىّ، وبهذا المعنى ورد فى بعض خطب مولانا أمير المؤمنين (ع): انا آدم الاوّل، وذلك لانّ كلّ ما فى عالم الطّبع وعالم الكثرة فله صورة ومثال بنحو الكثرة والتّفصيل فى عالم المثال بحيث لو رآه راءٍ لقال: هو هو بعينه من غير فرق وتميز وله حقيقة فى عالم العقول العرضيّة وارباب الانواع وله حقائق فى عوالم العقول الطّوليّة بنحوٍ اتمّ وابسط ممّا فى هذا العالم ويعبّر عمّا فى تلك العوالم بالذّرّ، وكلّ ما وجد فى ما فوق عالم الطّبع فكلّه علم وشعور وسمع بصر ونطق، بخلاف ما فى هذا العالم فانّ شعوره وسمعه وبصره ونطقه بآلات متمايزةٍ ليس فى موضع السّمع بصر ولا فى موضع البصر سمع ونطق. ثمّ اعلم، انّ المراتب النّازلة كلّ بالنّسبة الى ما فوقه رقائق وذرار وظهور له بنحو الكثرة والتّفصيل لكنّه فى عين التّفصيل اخفى منه واضعف والعالى فى عين اجماله اتمّ واشدّ واظهر واحقّ بالاسم المطلق عليه، فآدم اللاّهوتىّ الّذى يعبّر بالحقيقة المحمّديّة (ص) والحقّ المخلوق به والاضافة الاشراقيّة اشدّ ظهوراً واحقّ باسم آدم من آدم الجبروتىّ وهكذا الى آدم النّاسوتىّ وبنو آدم فى كلّ مقام هم المنتسبون اليه بلا واسطة مثلاً بنو آدم اللاّهوتىّ ما فى عالم العقول الطّوليّة من التعيّنات الآدميّة، وبنو آدم الجبروتىّ ما فى العقول العرضيّة وبنو آدم فى تلك المرتبة الصّور المثاليّة، وبنو آدم المثالىّ الملكوتىّ الصّور الملكيّة البشريّة، وبنوا آدم البشرىّ المنسوبون اليه بلا واسطة او بواسطة، وبنو آدم فى العالم الصّغير المدارك والقوى البشريّة وذرّيّة بنى آدم فى كلّ مرتبة ما يليق بتلك المرتبة كما لا يخفى على البصير، والتّعبير بظهر بنى آدم دون ظهر آدم كما فى الاخبار، لانّ آدم اللاّهوتىّ لبساطته ووحدته له وحدة حقّة ظلّيّة لا يتصوّر فيه كثرة حتّى يتصوّر له ذرار ولا جهة وجهة حتّى يتصوّر له ظهر وبطن وايضاً الاقتصار على ظهر آدم يوهم الاختصاص بآدم ابى البشر ولمّا كان سلسلة النّزول بمنطوق صحيحة ما ورد: انّ الله خلق العقل ثمّ قال له: أقبل اى الى الدّنيا والدّار السّفلى؛ فأقبل، متوجّهاً عن الحقّ الاوّل تعالى الى العالم الاسفل كان المنظور اليه والمترائى فيه فى كلّ مرتبة هو ظهرها، وايضاً لمّا كان كل مرتبة بالنّسبة الى دانيها ظهوره بنحو اتمّ واشدّ قال: من ظهور بنى آدم بخلاف سلسلة الصّعود فانّها بحكم قوله ثمّ قال له: أدبر اى عن الدّنيا فأدبر كان المنظور فيه منها هو البطن منها، وايضاً كلّ دان بالنّسبة الى العالى بطن ومحلّ اختفاء ولذا اطلق البطن فى سلسلة الصّعود اخرجناكم من بطون امّهاتكم؛ والسّعيد سعيد فى بطن امّه، والتّعبير بأخذنا فى النّزول واخرجنا فى الصّعود لا يخفى وجهه {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} وبعد ما علمت انّ الاشياء كلّها خصوصاً ما فوق عالم الطّبع بالنّسبة الى الله تعالى كلّها علم وشعور وسمع وبصر ونطق لا يبقى لك التّأمّل فى انّ الاشهاد والاسماع والاقرار كلّها على حقائقها اللّغويّة بل الاحقّ بحقائقها هو ما فيما فوق عالم الطّبع ولا حاجة لك الى تأويلات المفسّرين وتكلّفاتهم ومجازاتهم {أَن تَقُولُواْ} كراهة ان تقولوا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعنى اشهدناكم وحملناكم على الاقرار هناك لكي تستقلّوا بالتّكليف وتتنبّهوا بالرّبوبيّة فلا تكونوا غافلين ههنا ولا تابعين ولا معلّقين سوء فعالكم على غيركم.

فرات الكوفي

تفسير : {وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ172} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الأودي [أ: الأزدي] معنعناً: عن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: متى سمي [علي. أ، ب] أمير المؤمنين؟ قال: قال لي: أو ما تقرء القرآن؟ قال: قلت: بلى. قال: فاقرء. قال: قلت: وما أقرء؟ قال: إقرء {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} فقال لي: هبه والى ايش! ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين، فثم سمّاه يا جابر أمير المؤمنين. فرات قال: حدثنا علي بن عتاب معنعناً: عن ابي جعفر عليه السلام قال: لو أنّ الجهال من هذه الأمة يعرفون متى سمي أمير المؤمنين لم ينكروا، إن الله [تبارك و. أ، ب] تعالى حين أخذ ميثاق ذرية آدم [عليه الصلاة والسلام. ر] وذلك فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه، قال الله! فنزل به جبرئيل [عليه السلام. ر، ب] كما قرأناه يا جابر ألم تسمع الله يقول [أ: بقول الله] في كتابه: {وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى} وإن محمداً رسول الله وإن علياً أمير المؤمنين. فوالله لسماه الله تعالى أمير المؤمنين في الأظلة حيث أخذ ميثاق ذرية آدم [ر: أخذ من ذرية آدم ميثاق!]. فرات قال: حدثني أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة الخراساني معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: يا ابن رسول الله متى سمّي [علي] أمير المؤمنين؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى حيث أخذ ميثاق ذرية ولد آدم وذلك فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أقرأتكه [ب: قرأناه]: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} وأن محمداً عبدي ورسولي وأن علياً أمير المؤنين فسماه الله أمير المؤمنين حين [ب: حيث] أخذ ميثاق ذرية بني آدم. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو أن الجهال من هذه الأمة يعلمون متى سمي على أمير المؤمنين [لم ينكروا ولايته وطاعته. قال: فسألته: ومتى سمي علي أمير المؤمنين. ب،ر]؟ قال: حيث أخذ الله ميثاق ذرية آدم وكذا [ب: هكذا] نزل [به. ب] جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك. أ]: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} وأن محمداً عبدي ورسولي وأن علياً أمير المؤمنين قالوا: بلى. ثم قال أبو جعفر [عليه السلام. ب]: والله لقد سماه الله باسم ما سمى باسمه [ب: به] أحداً قبله. فرات قال: حدثني عثمان بن محمد معنعناً: عن [أبي. ب] خديجة قال: [قال] محمد بن على [عليهما السلام. ب]: لو علم الناس متى سمّي [علي. ب] أمير المؤمنين ما اختلف فيه اثنان. قال: قلت: متى؟ قال: فقال لي: في الأظلة حين [ب: حيث] أخذ الله الميثاق من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. محمد نبيكم علي أمير المؤمنين وليكم. فرات قال: حدثنا إسماعيل [بن إسحاق. ر، ب] بن إبراهيم الفارسي معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك. ر]: حديث : يا علي. قال: لبيك! قال له [أتى. ر، أ: الشيطان الوادي. أ. فأت الوادي فانظر من فيه فأتـى. ب. الوادي. ب، ر] فدار فيه فلم ير أحداً حتى إذا صار على بابه لقي شيخاً فقال: ما تصنع هنا؟ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: تعرفني؟ قال: ينبغي [ب: لا ينبغي] أن تكون أنت هويا ملعون. قال: [نعم. قال:] فما [ب: لا] بد من أن أصارعك، قال: لا بد منه، فصارعه فصرعه علي [عليه السلام. ب] قال: قم عني يا علي حتى أبشرك، فقام عنه فقال: بم تبشرني يا ملعون؟ قال: إذا كان يوم القيامة صار الحسن عن يمين العرش والحسين عن يسار العرش يعطون شيعتهم الجوائز من النار. قال: فقام إليه فقال: [ألا.خ] أصارعك [قال. أ]: مرة أخرى، قال: نعم، فصرعه أمير المؤمنين [عليه السلام. ب]. قال: قم عني حتى أبشرك فقام عنه فقال: لما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام خرجوا [ب: أخرج] ذريته من ظهره مثل الذر، قال: فأخذ ميثاقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: فأشهدهم على أنفسهم فأخذ ميثاق محمد وميثاقك فعرف وجهك الوجوه وروحك الأرواح، فلا يقول لك أحدٌ أحبك إلاّ عرفته، ولا يقول لك أحد أبغضك إلا عرفته. قال: قم صارعني، قال: ثالثة؟ قال: نعم، فصارعه فأعرقه ثم صرعه أمير المؤمنين [عليه السلام. أ، ب]، فقال [أ، ب: قال]: يا علي لا تبغضني قم عني حتى أبشرك، قال: بلى وأبرء منك وألعنك، قال: والله يا ابن أبي طالب ما أحدٌ يبغضك إلاّ أشركت في رحم أمه وفي ولده فقال [له. ب، ر]: أما قرأت كتاب الله: {وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً} تفسير : [64 / الإسراء]. فرات قال: حدثنا [ر: حدثني. محمد. ب] بن القاسم معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم [من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم. أ، ب. قالوا: بلى. ب] إلى آخر الآية قال: أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم نفسه وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحدٌ ربه قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: فإن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبدي ورسولي وأن عليا أمير المؤمنين خليفتي وأميني. وقال رسول الله [ر: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : كل مولود يولد على المعرفة [و. ر] أن الله تعالى خالقه وذلك قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} تفسير : [87/الزخرف]. فرات قال: حدثني [ر: ثنا] محمد بن عيسى بن زكريا معنعناً: عن منهال بن عمرو قال: دخلنا على علي بن الحسين بن علي عليهم السلام بعد ما قتل الحسين [عليه السلام. أ] فقلت له: كيف أمسيت؟ قال: ويحك يا منهال أمسينا كهيئة آل موسى في آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمداً منها وأمست قريش تفتخر على العرب بأنّ محمداً منها، وأمسى آل محمد [عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام ورحمة الله وبركاته. ر] مخذولين مقهورين مقبورين، فالى الله نشكو غيبة نبينا [محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ر] وتظاهر [ر: نظام] الأعداء علينا.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}. ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أهبط الله آدم بالهند بأرض يقال لها بجنا ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}. ثم أعادهم في صلب آدم. وقال الكلبي: مسح ظهر آدم فأخرج منه كل خلق هو خالقه إلى يوم القيامة ثم قال: ألست بربكم قالوا بلى، فقال للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا. قوله: {أَن تَقُولُوا} أي لئلا تقولوا: {يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}. قال: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ، ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} [وجدناهم على ملة فاتبعناهم] {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ}. قال الله: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي هكذا نبين الآيات {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي إلى الإِيمان. قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا} أي كفر {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} أي الضالّين. ذكروا عن مجاهد قال: هو بلعام بن بعران. وقال بعضهم هو بلعم آتاه الله علماً فتركه وكفر. وبعضهم يقول: هو أمية بن أبي الصلت. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أمية بن أبي الصلت: حديث : آمن شعره وكفر قلبه .

اطفيش

تفسير : {وإذْ} عطف على إذ قبله {أخذَ ربُّكَ} أخرج {مِنْ بَنى آدمَ} فى زمانك وقبله اليهود وغيرهم، أو المراد اليهود الماضية الذين أشركوا بقتل الأنبياء، وقولهم: عزير ابن الله، وغير ذلك، لأن الكلام قبل وبعد فى اليهود، والذرية ذريتهم مطلقا، وقيل: ذريتهم فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم {مِنْ ظُهُورهم} بدل بعض، لأن ظهر الإنسان بعضه لا بدل اشتمال كما قال السيوطى {ذُرِّيَّاتهم} وقرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائى ذريتهم بالإفراد وفتح التاء، والمعنى أخرج من أصلابهم نسولهم فى الأوقات التى علم الله بها فى الأزل أنهم يخرجون فيها. {وأشْهَدهم عَلَى أنفُسِهِم} أظهر لهم دلائل الوحدانية والربوبية، وأوضحهما حتى شهدت بهما عقولهم، فهذا إشهاد حقيق، أو ركب فى عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بهما، حتى كأنه أشهدهم إشهادا ولقوة الإظهار والإيضاح صاروا بمنزلة من قيل لهم {ألسْتُ بربِّكُمْ} وبالمنفرد بالألوهية، ونزل شهادة عقولهم أو تركيب ما يدعوهم إلى الإقرار فيها منزلة القول فقال: {قالُوا بَلَى} أى أنت ربُّنا وإلهنا وقوله: {شَهدْنا} إنك ربنا وإلهنا، تأكيد لمعنى بلى، فذلك كله مجاز مركب استعارة تمثيلية، وهى أن تؤخذ أمور متعددة من المشبه، وتجمع فى الخاطر، وكذا من المشبه به، ويجعل المجموعان متشاركين فى مجموع متنزع يشملهما، وذلك فى الكلام العربى شائع كقوله سبحانه: {إنما قولنا لشئ} الخ {فقال لها} إلى {طائعين} إذ قلنا إنه لا قول، ثم وقول الشاعر: شعر : وقالت الأنساع للبطن الحق قالت له ريح الصباء قرقار تفسير : وهذا تحقيق المقام، وفسره بعضهم بل الجمهور بأنه لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر متحركة، السعداء بيض، والأشقياء سود، وروى كالخردل، وعن محمد بن كعب: أنها الأرواح جعلت بصورة ذلك، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس" تفسير : وعن ابن عباس: أخرجها بعد هبوطه بدهناء أرض الهند، وعنه: بنعمان وهو عرفة، وقيل: عرفة وما يليها، وقيل: جبل وراءها. وقال السدى: إن ذلك فى السماء بعد دخول الجنة، وأنه مسح صفحة ظهره اليمنى فخرج كهيئة الذر بيضا، وقال: إلى الجنة برحمتى، وهم أصحاب اليمين، وبعمل أهلها يعملون، ثم على اليسرى فخرج كهيئة الذر سودا، وقال: إلى النار ولا أبالى، وبعمل أهلها يعملون كما فى الحديث: "حديث : إن السعيد يختم له بعمل أهل الجنة والشقى بعمل أهل النار فهم أصحاب الشمال" تفسير : وأعادهم فى صلبه وقد عرفه أنهم ذريته، ولم يبق واحد منهم لم يخرج. وروى: ضرب على منكبه، وفى رواية مسح بيمينه على ظهره، وكل من المسح والضرب ونحوه عبارة عن إيجاد الذرية منه فى الخارج، واليمين القدرة أو الماسح، والضارب ملك بأمر الله، وأصل الحديث رواه عمر وابن عباس رضى الله عنهم، وفسرا به الآية مع أنه ليس فى الآية ذكر آدم، ووجه بعضهم ذلك بأن الإخراج من ظهر آدم الذى هو الأصل إخراج من ظهور بنيه الذين هم الفرع، وهذا رد للآية إلى الحديث، وبعضهم بأن المخرج من ظهورهم مخرج من ظهره، لأن بنى آدم من ظهره، وهذا رد الحديث إلى الآية، وعلى كل حال فذرياتهم مفعول أخذ، وقيل: بدل اشتمال من بنى آدم بدل البعض، ومفعول أخذ محذوف أى عهدا أو ميثاقا، وهذا رد للآية إلى الحديث، ولا يلزم من كون الأخذ من الذرية عدم الأخذ من الآباء، بل أخذ من الكل كما بينه الحديث، ولو لم يذكر فى الآية إلا الذرية. ووجه الاقتصار عليها فى الآية على هذا أن المراد إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد إلزامهم بالميثاق الخاص بهم والمذكور فى الآية قبل، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، والتحقيق تفسير الآية بما فسرتها به الاستعارة التمثيلية، وأشار إليه الزجاج، ونسبه لقوم، وزعم بعضهم أنه ضعيف مناف للحديث، وأقول: إنه لا يخفى أنه غير مناف له، لأن الحديث فى حال خروجهم كالذر، والآية فى زيادة ميثاق آخر مذكر للأول، فلا يقولون: إن الأول إن كان فقد نسيناه، وقد ثبت أنه لما أخرجهم كالذر أشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم فيما قيل: السماوات، قيل: والأرض، وأشهد الملائكة وقيل: أنفسهم والملائكة، وقيل: أشهد بعضهم على بعض، وأنه المراد فى الآية. وقرأ السعداء رضى، والأشقياء تقية وسأرسل إليكم رسلا بكتب تذكركم عهدى وميثاقى، وكتب أرزاقهم وآجالهم، وما يصيبهم، ومنهم غنى وفقير، وحسن وقبيح، وأبيض وأسود، وغير ذلك، فقال آدم: هلاَّ سويت بينهم؟ فقال: أحب أن أشكر، ومن بلغ وصح عقله فقد أدرك الميثاق الأول والثانى، ومن لا فهو إلى الجنة، ولو كان ولد مشرك أو منافق على ما صحح، ولو كان المشهور الوقف وذر الأنبياء بين الذر كالمصابيح، وبين عينى كل إنسان وبيص أى لمع وبرق، فأعجب آدم وبيص إنسان منهم فقال: يا رب من هذا؟ فقال: نبى من ذريتك اسمه داود. وفى العرائس: أنه عرض على آدم ذريته حين خرجت، فرأى قوما عليهم نور فسأل فقيل: أنبياء، ورأى داود أشدهم نورا فسأل عنه كما مر، وهو مشكل، فإن نبينا أولى بأن يكون أعظم نورا، فقال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، فقال: يا رب زده من عمرى أربعين، وكان عمر آدم ألفا، ولما مضى له تسعمائة وستون أتاه ملك الموت فقال: بقى لى أربعون سنة، فرجع إلى الله فقال: قل له ألم تعطها ابنك داود؟ فقال: لا، وذلك منه نسيان، فكنا ننسى، وأكل من الشجرة التى نهى عنها فكنا نخطئ، وأحضر الله الملائكة شهودا بالإعطاء، ومن ذلك أمر له بالكتابة والشهادة، وأكمل الله له ألفا ولداود مائة، وقد علم الله فى الأزل مال الأمر إلى ذلك، وقيل قوله: {شهدنا} من قول الملائكة لما أشهدهم الله، وقال السدى: من قول الله والملائكة، وعليهما فالوقف على بلى. {أنْ تقُولُوا} مفعول لأجله لأشهدهم، أو لفعلنا ذلك محذوفا على حذف مضاف، أى حذر أن تقولوا أو كراهة أن تقولوا، أو مقدر بلام التعليل ولا النافية على ضعف عند ابن هشام، ويعلق بأشهدهم أى لئلا تقولوا، والخطاب التفات من الغيبة، وإن جعلناه مفعولا لأجله لشهدنا أو مقدرا بلام متعلقة به، على أن شهدنا من قول الملائكة، أو من قولهم وقول الله، فلا التفات، وقرأ أبو عمرو، وابن عباس، و ابن جبير، وابن محيصن بالتحتية {يَومْ القيامةِ إنَّا كنَّا} فى الدنيا {عَنْ هَذا} أى عن هذا العهد المتضمن للإيمان والطاعة، الذى عهدناه أولا {غَافِلينَ} لم ننبه عليه برسول ولا كتاب..

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} فى بطن نعمان، زاد جنب عرفة، أَو بسرنديب جبل فى هند نزل آدم فيه من الجنة، أَو بين مكة والطائف، أَو فى الجنة، وعبر بالأَخذ عن الإِخراج لأَن فيه اختيار الله أَخوذا، وهو أَنسب فى الإِسناد إِلى الرب على طريق الالتفات السكاكى فقط، لأَن هذا منقطع عن الخطاب قبله الذى فى بنى إِسرائيل، والإِضافة إِلى الكاف تشريف له صلى الله عليه وسلم، ومقتضى الظاهر، وإِذ أَخذت {مِنْ بَنِى آدَمَ} الذين فى صلبه قبل أَن يلدهم، سماهم أَبناءَ لأَنهم سيولدون، فهو من مجاز الأَول {مِنْ ظُهُورِهِمْ} بدل بعض {ذُرِّيَّتَهُمْ} مفعول أَخذ، والإِخراج من ظهورهم فرع إِخراجهم من ظهره ولازم له، فأَفادت الآية إِخراج أَولاده الذين من صلبه والإِخراج من صلبهم وهم بنو آدم كلهم، وقيل: هم مائة وعشرون كما تلدهم حواء بعد، تلد كل سنة ولدين ابناً وبنتاً، وأَخرج مما أَخرج منهم نسلا، ومن هذا النسل ذرية، ومن الذرية ذرية، وهكذا، ثم ردهم فى ظهر آدم أَحياءَ وأَماتهم فى داخله، والله قادر أَن يشملهم جسد آدم، واستحالوا لحماً ودماً حتى يخرجوا نطفاً، وهم صور إِنسان دقاق أَودعها الحياة والعقل، وأَخرجها السعيد أَبيض والشقى أَسود، أَو على صور الذر كذلك، والإِخراج من مسام ظهره أَى ثقبه أَو شق ظهره، أَو من ثقوب رأسه، ونص القرآن الظهر، والأَول أَصح، وأَولى منه أَن يخرجهم الله بقدرته بلا توسط شق أَو ثقب كما خلق حواءَ منه، وما روى من أَنه مسح بيمناه على ظهر آدم فخرج السعداء، ويسراه فخرج الأَشقياء، كناية عن التعظيم والإِهانة إِذ لا اتصال بين الحادث والقديم، أَو المسح التقدير، أَو مسح الملك، وذلك فى الجنة، وقيل فى نعمان بعد الخروج، وقيل قبل الدخول، {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} قال: احملوا لى عليكم شهادة، وليشهد أَيضاً بعضكم على بعض، وشهادة المرء على نفسه إِقرار {أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ} أَى قائلا:{أَلست بربكم}، أَو محَلى بأَشهد لأَنه فى معنى القول، قال لهم: اعلموا أَنه لا إِله غيرى، ولا رب لكم غيرى، وسأَنتقم ممن أَشرك بى، وأرسل إِليكم من يذكركم هذا الميثاق، وأَنزل كتباً، وقد علم الله أَنهم ينسونه لطول الأَزمنة وتغير الأَطوار، وكثرة التنقلات، وعن على الإِمام، أَى لم أَنس، ولم أَنس قولى: بلى، وكذا عبد الله التسترى، وزاد أَنه يعرف تلامذته من ذلك اليوم، وأَنه لم يزل يربيهم فى الأَرحام حتى وصلوا إِليه، والعهدة عليه، {قَالُوا بَلَى} أَى أَنت ربنا لا غيرك، وكتب إِقرارهم وأَلقمه الحجر الأَسود، وكتب أَجلهم ورزقهم وبليتهم، وآدم مشاهد للخروج والإِقرار والإِدخال، فرأَى غنياً وفقيراً، أَو حسناً وغيره، وصحيحاً ومريضاً، فقال: يا رب لو سويت بينهم؟ فقال: إِنى أحب أَن أَشكر. والأَشقياء قالوا: بلى، خوف هيبة منه فلم ينفعهم. والسعداء قالوه باختيارهم فنفعهم، وجاءَ التقرير بأَلست بربكم لإِظهار جلاله. وأَمارة نافعة، وقيل: بالتربية، والإِخراج المشاهد، فقالوا كلهم: بلى، ولا دليل لمن قال إِن الوقف على بلى. وفيه ثم كلام الذرية. وشهدنا من كلام الملائكة وقيل: الآية استعارة تمثيلية بأَن أَخرجهم، ونصب لهم دلائل ربوبيته، وركب فى عقولهم ما يدعوهم إِلى الإِقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَلست بربكم؟ فقالوا: بلى. نزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإِشهاد والاعتراف. {شَهِدْنَا} بذلك تأكيد فى المعنى لبلى، لا كما زعموا أَن الجمل مقدرة بعد بلى ونعم. فإِن ما يقدرون هو نفس معناهما، وأَما لا فتقدر بعدها الجمل لأَنها وضعت لا تنفى ما بعدها من جملة أَو مفرد {أَنْ تَقُولُوا} حذر أَن تقولوا، أَو لئلا تقولوا، وهو تعليل لأَشهدهم، والخطاب على طريق الالتفات إِليه من الغيبة، كأَنه قيل لئلا يقولوا، أَو حذراً أَن يقولوا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا} أَى عن الميثاق الذى أَخذ علينا فى التوحيد {غَافِلِينَ} لا نعرفه، لا يكون لهم حجة لأَنهم قد أَخذ عنهم وقيل لهم: ستنسونه ونبعث إِليكم كتبنا ورسلنا به.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} منصوب بمضمر على طرز ما سلف في نظائره وهو معطوف على ما قبل مسوق لإلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام فإن منهم من أشرك فقال: عزير بن الله عز اسمه بعد إلزامهم بالميثاق المخصوص بهم والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي ومنعهم عن التقليد، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص المدلول عليه بقوله سبحانه: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ } تفسير : [الأعراف: 171] لقوله جل وعلا: {أية : وَإِذَا أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ } تفسير : في سورة البقرة: [63]، وعليه فلا عطف وهو أظهر من التذييل نظراً إلى ظاهر اللفظ وأولى منه إذا خص العام بالمشركين كما قيل، وقد يقال: إن الآية مسوقة لبيان أخذ ميثاق سابق من جميع الخلق مؤمنهم / وكافرهم قبل هذه النشأة بما هو أهم الأمور والأصل الأصيل لجميع التكليفات على وجه خال مما يشبه الإكراه متضمن لإلزام المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم ورفع احتجاجهم ما كانوا بعد الإشارة إلى أخذ ميثاق من قوم مخصوصين في هذه النشأة على وجه هو أشبه الأشياء بالإكراه بما الظاهر فيه أنه من الأعمال لأن القوم إذ ذاك كانوا مقرين بالربوبية بل بها وبرسالة موسى عليه السلام فلم يكن حاجة إلى نتق الجبل فوقهم لذلك ولو قال قائل: إن ذكر ذلك خلال الآيات المتعلقة باليهود من باب الاستطراد والمناسبة فيه ظاهرة لم يبعد لكن الأول وهو الذي جرى عليه أكثر متأخري المفسرين أي واذكر لهم أو للناس إذ أخذ ربك. {مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} المراد بهم الذين ولد لهم مؤمنين كانوا أو كفاراً نسلاً بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب من الأسباب وتخصيصهم بأسلاف اليهود الذين أشركوا بالله تعالى حيث قالوا ما قالوا مما لا يكاد يلتفت إليه. وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الأنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده في اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي، وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل: إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج، والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية، واستأنس بعضهم بمغايرة أسلوب هذا الكلام بما فيه من الالتفات لما قبله من قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا } تفسير : [الأعراف: 171] ولما بعده من قوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} تفسير : [الأعراف: 175] لكونه استطرادياً. وقوله تعالى: {مِن ظُهُورِهِمْ} بدل من {بَنِيۤ ءَادَمَ} بدل البعض من الكل بتكرير الجار كما في قوله سبحانه وتعالى: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ} تفسير : [الأعراف: 75] وقيل: بدل اشتمال وإليه ذهب أبو البقا،ء وبينه بعضهم بأن بدل الاشتمال ما يكون بينه وبين المبدل منه ملابسة بحيث توجب النسبة إلى المتبوع النسبة إلى التابع إجمالاً نحو أعجبني زيد علمه فإنه يعلم ابتداء أن زيداً معجب باعتبار صفاته لا باعتبار ذاته وتتضمن نسبة الإعجاب إليه نسبته إلى صفة من صفاته إجمالاً، ونسبة الأخذ الذي هو بمعنى الإخراج هنا إلى بني آدم نسبة إلى ظهورهم إجمالاً لأنه يعمل ابتداء أن بني آدم ليسوا مأخوذين باعتبار ذواتهم بل باعتبار أجسادهم وأعضائهم وتتضمن نسبة الأخذ إليهم نسبته إلى أعضائهم إجمالاً، وادعى أن القول به أولى من القول ببدل البعض لأن النسبة إلى المبدل منه الكل تكون تامة وتحصل بها الفائدة بدون ذكر البدل نحو أكلت الرغيف نصفه فإن النبسة تامة لو لم يذكر النصف ولا شك أن النسبة هنا ليست تامة بدون ذكر البدل. وأيضاً أن الظهور ليس بعض بني آدم حقيقة بل بعض أعضائهم ولا يخفى ما في ذلك من النظر. و {مِنْ } في الموضعين ابتدائية، وفيه مزيد تقرير لابتنائه على البيان بعد الإبهام والتفصيل غب الإجمال، قيل: وتنبيه على أن الميثاق قد أخذ منهم وهم في أصلاب الآباء ولم يستودعوا في أرحام الأمهات. وقوله تعالى: {ذُرِّيَّتَهُمْ} مفعول {أَخَذَ} أخر عن المفعول بواسطة الجار لاشتماله على ضمير راجع إليه فيلزم بالتقديم رجوع الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة وهو لا يجوز إلا في مواضع ليس هذا منها ولمراعاة أصالته ومنشئيته ولما مر غير مرة من التشويق إلى المؤخر. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب {ذرياتهم} والمراد أولادهم على العموم، ومن خص بني آدم بأسلاف اليهود على ما مر خص هذا بأخلافهم وفيه ما فيه، والإشكال المشهور وهو أن كل الناس يصدق عليه بنو آدم وذريته فيتحد المخرج والمخرج منه مدفوع بظهور أن المراد إخراج / الفروع من الأصول حسب ترتب الولاد ولا يتوقف التخلص عنه على القول بذلك التخصيص. {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي أشهد كل واحد من أولئك الذرية المأخوذين من ظهور آبائهم على أنفسهم لا على غيرهم تقريراً لهم بربوبيته سبحانه وتعالى التامة قائلاً لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} أي مالك أمركم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤنكم {قَالُواْ} في جوابه سبحانه وتعالى {بَلَىٰ شَهِدْنَا} أي على أنفسنا بأنك ربنا لا رب لنا غيرك والمراد اقررنا بذلك، وجاء أن القاضي شريح قال لمقر عنده شهد عليك ابن أخت خالتك، ومن هنا قال الجلال السيوطي: إن هذه الآية أصل في الإقرار و {بَلَىٰ} حرف جواب وألفها أصلية عند الجمهور، وقال جمع: الأصل بل والألف زائدة وبعض أولئك يقول: إنها لتأنيث الكلمة كالتاء في ثمت وربت لأنها أميلت ولو لم تكن للتأنيث لكانت زائدة لمجرد التكثير كألف قبعثرى وتلك لا تمال، وتختص بالنفي فلا تقع إلا في جوابه فتفيد إبطاله سواء كان مجرداً أو مقروناً بالاستفهام حقيقياً كان أو تقريرياً، وقد أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى كما في هذه الآية، ولذلك قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم لكفروا. ووجهه أن نعم تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقهاء: لو قال أليس لي عليك ألف؟ فقال: بلى لزمته؛ ونعم لا. وقال آخرون: تلزمه فيهما وجروا فيه على مقتضى العرف لا اللغة. ونازع السهيلي وجماعة في المحكي عن الحبر وغيره متمسكين بأن الاستفهام التقريري موجب ولذلك امتنع سيبويه من جعل {أَمْ} متصلة على ما قيل في قوله تعالى: {أية : أَفلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ} تفسير : [الزخرف: 51-52] فإنها لا تقع بعد الإيجاب وإذا ثبت أنه إيجاب فنعم بعد الإيجاب تصديق له، قال ابن هشام: ويشكل عليهم أن بلى لا يجاب بها الإيجاب وذلك متفق عليه و {أية : بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} تفسير : [الزمر: 59] متقدم فيه ما يدل على النفي لكن وقع في الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ففي «صحيح البخاري» «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى»تفسير : وفي «صحيح مسلم» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب: بلى» تفسير : وليس لهؤلاء أن يحتجوا بذلك لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل انتهى. وأجاب البدر الدماميني بأنه لا إشكال في الحقيقة فإن هؤلاء راعوا صورة النفي المنطوق به فيجاب ببلى حيث يراد إبطال النفي الواقع بعد الهمزة وجوزوا الجواب بنعم على أنه تصديق لمضمون الكلام جميعه الهمزة ومدخولها وهو إيجاب كما سلف ودعواه الاتفاق مناقش فيها أما إن أراد الإيجاب المجرد من النفي بالمرة فقد حكى الرضىّ الخلاف فيه، وذكر أن بعضهم أجاز استعمالها بعده تمسكاً بقوله:شعر : وقد بعدت بالوصل بيني وبينها بلى إن من زار القبور ليبعدا تفسير : وإن أراد ما هو الأعم حتى يشمل التقرير المصاحب للنفي فالخلاف فيه موجود مشهور ذكره هو في حرف النون انتهى، ولا يخفى أن البيت شاذ كما صرح به الرضيّ، والمذكور في بحث النون أن جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم الشلوبين قالوا: إنه إذا كان قبل النفي استفهام فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفي المجرد وإن كان مراداً به التقرير فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعياً للفظه، ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به الإيجاب رعياً لمعناه وعلى ذلك قول الأنصار للنبـي صلى الله عليه وسلم نعم وقد قال لهم: «ألستم ترون لهم ذلك» وقول جحدر:شعر : أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فداك بنا تداني نعم وأرى الهلال كما تراه ويعلوها النهار كما علاني تفسير : وعلى ذلك جرى كلام سيبويه، وقال ابن عصفور: أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجاباً في المعنى فإذا قيل: ألم أعطك درهماً قيل في تصديقه: نعم وفي تكذيبه بلى، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك فإذا قال: نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطني على اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى فلذلك أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى. وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور وهو ما قدره اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو وجاز ذلك لأمن اللبس لعلمه أن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه مع أن عمرو، أو هو جواب لقوله: وأرى الهلال قدم عليه وأما قول الأنصار: فجاز لأمن اللبس لأنه قد علم أنهم يريدون نعم يعرف لهم ذلك، وعلى هذا يحمل استعماله سيبويه لها بعد التقرير انتهى. والأحسن أن تكون نعم في البيت جواباً لقوله: فذاك بنا تداني، ثم قال ابن هشام: ويتحرر على هذا أنه لو أجيب {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} بنعم لم يكف في الإقرار لأنه سبحانه وتعالى أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية ما لا يحتمل غير المعنى المراد من المقر، ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله لا إله إلا الله برفع إله لاحتماله لنفي الوحدة، ولعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما قال: إنهم لو قالوا: نعم لم يكن إقراراً وافياً، وجوز الشلوبين أن يكون مراده رضي الله تعالى عنه أنهم لو قالوا نعم جواباً للملفوظ على ما هو الأفصح لكان كفراً إذ لأصل تطابق السؤال والجواب لفظاً، وفيه نظر لأن التكفير لا يكون بالاحتمال، والكلام عند جمع تمثيل لخلقه تعالى الخلق جميعاً في مبدأ الفطرة مستعدين للاستدلال بالأدلة الآفاقية والأنفسية المؤدية إلى التوحيد كما نطق به قوله صلى الله عليه وسلم: «شعر : كل مولود يولد على الفطرة» تفسير : الحديث مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من تعريضه سبحانه وتعالى إياهم لمعرفة ربوبيته ووحدانيته بعد تمكينهم منها بما ركز فيهم من العقول والبصائر ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكيناً تاماً ومن تمكنهم منها تمكناً كاملاً وتعرضهم لها تعرضاً قوياً بهيئة منتزعة من حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلاً من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب، ونظير ذلك في قول ما في قوله سبحانه وتعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] ومن ذلك سائر ما يحكى عن الحيوان والجماد كقوله:شعر : شكا إليَّ جملي طول السرى مهلاً رويداً فكلانا مبتلى تفسير : وقوله:شعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلاً رويداً قد ملأت بطني تفسير : وجعلوا قوله سبحانه وتعالى: {أَن تَقُولُواْ} من تلوين الخطاب وصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديداً في الإلزام أو إليهم إلى متقدميهم بطريق التغليب وهو مفعول له لما قبله من الأخذ والإشهاد أو لمقدر يدل عليه ذلك، والمعنى على ما يقول البصريون: فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا وعلى ما يقول الكوفوين: لئلا تقولوا {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} عند ظهور الأمر وإحاطة العذاب بمن أشرك {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} أي وحدانية الربوبية {غَـٰفِلِينَ} لم ننبه عليه، وإنما لم يسعهم هذا الاعتذار / حينئذ على ما قيل لأنهم نبهوا بنصب الأدلة وجعلوا متهيئين تهيأ تاماً لتحقيق الحق وإنكار ذلك مكابرة فكيف يمكنهم أن يقولوا ذلك.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير. فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم؛ وهم بعد في عالم الذر!.. إن الاعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى، فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل؛ وأن يبعث إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل! ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطاً شتى حول هذه القضية الكبرى. منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق! ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان لله العهود لئن آتاهما خلفاً صالحاً ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان لله شركاء فيما آتاهما! ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب! ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون! ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره: {الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين}.. ولقد كانت نهاية الدرس السابقة في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع! {وإذ أخذ ربك من بني آدم - من ظهورهم - ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل. وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟.. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون}.. إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة - وإنه لمشهد فريد.. مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تؤخذ في قبضة الخالق المربي، فيسألها: {ألست بربكم؟}.. فتعترف له - سبحانه - بالربوبية؛ وتقر له - سبحانه - بالعبودية؛ وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية؛ وهي منثورة كالذر؛ مجموعة في قبضة الخالق العظيم! إنه مشهد كوني رائع باهر، لا تعرف اللغة له نظيراً في تصوراتها المأثورة! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى، وهي تجمع وتقبض. وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد؛ ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب! وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد. وهو يتمثل الذر السابح. وفي كل خلية حياة. وفي كل خلية استعداد كامن. وفي كل خلية كائن إنسان مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول، ويقطع على نفسه العهد والميثاق، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم! لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود.. عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرناً من الزمان، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة. فإذا "العلم" يقرر أن الناسلات، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل "الإنسان" وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب.. أن هذه الناسلات التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر، وتكمن فيها خصائصهم كلها - لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة!.. كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال! وصدق الله العظيم:{أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق }.. تفسير : أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال: "مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.. فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى}.. وروي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عباس. وقال ابن كثير: إن الموقوف أكثر وأثبت.. فأما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم؟ وكيف خاطبهم: {ألست بربكم} وكيف أجابوا: {بلى شهدنا}؟.. فالجواب عليه: أن كيفيات فعل الله - سبحانه - غيب كذاته. ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال الله ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات الله. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية. وكل فعل ينسب لله سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى:{أية : ثم استوى إلى السماء وهي دخان...} {أية : ثم استوى على العرش} {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت} {أية : والسماوات مطويات بيمينه} {أية : وجاء ربك والملك صفاً صفا} {أية : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم}تفسير : إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل الله سبحانه، لا مناص من التسليم بوقوعه، دون محاولة إدراك كيفيته.. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا.. والله ليس كمثله شيء فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله. إذ أنه. لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء، ما دام أن ليس كمثله شيء.. وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه، هي محاولة مضللة، لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه. وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه.. وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال الله، وخلطوا خلطاً شديداً! على أن هناك تفسيراً لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة.. فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده. أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه، حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها، ويميل بها عن فطرتها. قال ابن كثير في التفسير: قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد - كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر الحسن الآية بذلك. قالوا: ولهذا قال: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} ولم يقل: من آدم.. {من ظهورهم}.. ولم يقل من ظهره.. {ذرياتهم} أي جعل نسلهم جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، كقوله تعالى:{أية : وهو الذي جعلكم خلفاء الأرض}تفسير : وقال:{أية : ويجعلكم خلفاء الأرض}تفسير : وقال:{أية : كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}تفسير : ثم قال: {وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى!} أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له.. حالاً.. وقالوا: والشهادة تارة تكون بالقول كقوله:{أية : قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}تفسير : وتارة تكون حالاً كقوله تعالى:{أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر}تفسير : أي حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك.. وكذلك قوله تعالى:{أية : وإنه على ذلك لشهيد}تفسير : كما أن السؤال تارة يكون بالمقال وتارة يكون بالحال. كقوله:{أية : وآتاكم من كل ما سألتموه}تفسير : قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك. فلو كان قد وقع هذا، كما قال من قال، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. ولهذا قال: {أن تقولوا}.. أي لئلا تقولوا {يوم القيامة إنا كنا عن هذا}. أي التوحيد.. {غافلين، أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا}... الآية). أما الأحاديث التي أشار إليها في أول هذه الفقرة فهي: في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية. "على هذه الملة" - فأَبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". تفسير : وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ". تفسير : وقال الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتد عليه، ثم قال:"حديث : ما بال أقوام يتناولون الذرية؟"تفسير : . فقال رجل: يا رسول الله. أليسوا أبناء المشركين؟ فقال:"حديث : إن خياركم أبناء المشركين! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة. فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها"تفسير : ..قال الحسن: لقد قال في كتابه: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم}... الآية. ونحن لا نستبعد أن يكون قول الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم.. الآيات} على وجهه لا على سبيل الحال. لأنه في تصورنا يقع كما أخبر عنه الله سبحانه. وليس هناك ما يمنع أن يقع حين يشاؤه.. ولكنا كذلك لا نستبعد هذا التأويل الذي اختاره ابن كثير، وذكره الحسن البصري واستشهد له بالآية.. والله أعلم أي ذلك كان.. وفي أي من الحالين يخلص لنا أن هناك عهداً من الله على فطرة البشر أن توحده. وأن حقيقة التوحيد مركوزة في هذه الفطرة؛ يخرج بها كل مولود إلى الوجود؛ فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلال. وهو استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز الوجود ملابسات وظروف. إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة "الإنسان" وحده؛ ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله. موصولة به غير منقطعة عنه، محكومة بذات الناموس الذي يحكمه - بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة.. إن ناموس التوحيد الذي يحكم هذا الوجود، واضح الأثر في شكل الكون، وتنسيقه، وتناسق أجزائه، وانتظام حركته، واطراد قوانينه، وتصرفه المطرد وفق هذه القوانين.. وأخيراً - حسب العلم القليل الذي وصل إليه البشر - وحدة الجوهر الذي تتألف منه ذراته، وهو الإشعاع الذي تنتهي إليه المواد جميعاً عند تحطيم ذراتها وإطلاق شحناتها.. ويوماً بعد يوم يكشف البشر أطرافاً من ناموس الوحدة في طبيعة هذا الكون، وطبيعة قوانينه التي تحكم تصرفاته - في غير آلية حتمية ولكن بقدر من الله مطرد متجدد وفق مشيئة الله الطليقة - ولكننا نحن لا نعتمد على هذا الذي يكشفه علم البشر الظني - الذي لا يمكن أن يكون يقينياً بحكم وسائله البشرية - في تقرير هذا الناموس. إنما نحن نستأنس به مجرد استئناس. واعتمادنا الأول في تقرير أية حقيقة كونية مطلقة، على ما قرره لنا الخالق العليم بما خلق. والقرآن الكريم لا يدع مجالاً للشك في أن الناموس الذي يحكم هذا الكون هو ناموس الوحدة، الذي أنشأته المشيئة الواحدة للخالق الواحد سبحانه. كما أنه لا يدع مجالاً للشك في عبودية هذا الكون لربه، واعترافه بوحدانيته، وعبادته له بالكيفية التي يعلمها الله ولا نعرف عنها إلا ما يخبرنا به؛ وما نراه من آثارها في انتظامه ودأبه واطراده. هذا الناموس الذي يصرف الكون كله - بقدر الله المطرد المتجدد وفق مشيئة الله الطليقة - سارٍ كذلك في كيان الإنسان - بوصفه من كائنات هذا الكون - مستقر في فطرته، لا يحتاج إلى وعي عقلي للإحساس به؛ فهو مدرك بالفطرة، مستقر في صميمها، تستشعره بذاتها، وتتصرف وفقه، ما لم يطرأ عليها الخلل والفساد، فتنحرف عن إدراكها الذاتي له، وتدع للأهواء العارضة أن تسيرها، بدلاً من أن تسير وفق قانونها الداخلي القويم. هذا الناموس - بذاته - هو ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها. ميثاق مودع في كيانها، مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات. وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد، ذي المشيئة الواحدة، المنشئة للناموس الواحد الذي يحكمها ويصرفها. فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها - سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار - لا سبيل إلى أن يقول أحد: إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد. وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد. أو يقول: إنني خرجت إلى هذا الوجود، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل لمعرفة التوحيد. إنما ضل آبائي فضللت فهم المسؤولون وحدهم ولست بالمسؤول! ومن ثم جاء هذا التعقيب على تلك الشهادة: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟}. ولكن الله - سبحانه - رحمة منه بعباده، - لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أُضلوا، وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الانحراف - كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفعل شياطين الجن والإنس؛ الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط الضعف!.. رحمة من الله بعباده قدر ألا يحاسبهم على عهد الفطرة هذا؛ كما أنه لا يحاسبهم على ما أعطاهم من عقل يميزون به؛ حتى يرسل إليهم الرسل، ويفصل لهم الآيات، لاستنقاذ فطرتهم من الركام والتعطل والانحراف، واستنقاذ عقلهم من ضغط الهوى والضعف والشهوات. ولو كان الله يعلم أن الفطر والعقول تكفي وحدها للهدى دون رسل ولا رسالات؛ ودون تذكير وتفصيل للآيات لأخذ الله عباده بها. ولكنه رحمهم بعلمه فجعل الحجة عليهم هي الرسالة: {وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون}.. يرجعون إلى فطرتهم وعهدها مع الله؛ وإلى ما أودعه الله كينونتهم من قوى البصيرة والإدراك. فالرجعة إلى هذه المكنونات كفيلة بانتفاض حقيقة التوحيد في القلوب؛ وردها إلى بارئها الوحيد، الذي فطرها على عقيدة التوحيد. ثم رحمها فأرسل إليها بالآيات للتذكير والتحذير. وكمثل للانحراف عن سواء الفطرة، ونقض لعهد الله المأخوذ عليها، ونكوص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها.. ذلك الذي آتاه الله آياته، فكانت في متناول نظره وفكره؛ ولكنه انسلخ منها، وتعرى عنها ولصق بالأرض، واتبع الهوى؛ فلم يستمسك بالميثاق الأول، ولا بالآيات الهادية؛ فاستولى عليه الشيطان؛ وأمسى مطروداً من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن ولا يسكن إلى قرار.. ولكن البيان القرآني المعجز لا يصوغ المثل هذه الصياغة! إنما يصوره في مشهد حي متحرك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات؛ يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعة، إلى جانب إيقاعات العبارة الموحية. {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب.. إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث.. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون!}.. إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات.. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع.. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه؛ فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه.. أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان؟.. ها هو ذا ينسلخ من آيات الله؛ ويتجرد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي؛ وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى؛ ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم؛ فيصبح غرضاً للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام؛ فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه.. ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد.. إذا نحن بهذا المخلوق، لاصقاً بالأرض، ملوثاً بالطين. ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد.. كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى؛ والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر..فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها.. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع.. سمع التعليق المرهوب الموحي، على المشهد كله: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون}.. ذلك مثلهم! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان "الإنسان" إلى مكان الحيوان.. مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين.. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين؛ وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين! {ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون!}.. وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً؟ وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى؟وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟ وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يعريها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبداً!!! وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد؛ إلا هذا القرآن العجيب الفريد!! وبعد.. فهل هو نبأ يتلى؟ أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لأنه يقع كثيراً. فهو من هذا الجانب خبر يروى؟ تذكر بعض الروايات أنه نبأ رجل كان صالحاً في فلسطين - قبل دخول بني إسرائيل - وتروي بالتفصيل الطويل قصة انحرافه وانهياره؛ على نحو لا يأمن الذي تمرس بالإسرائيليات الكثيرة المدسوسة في كتب التفاسير، أن يكون واحدة منها؛ ولا يطمئن على الأقل لكل تفصيلاته التي ورد فيها؛ ثم إن في هذه الروايات من الاختلاف والاضطراب ما يدعو إلى زيادة الحذر.. فقد روي أن الرجل من بني إسرائيل (بلعام بن باعوراء)، وروي أنه كان من أهل فلسطين الجبابرة. وروي أنه كان من العرب (أمية بن الصلت). وروي أنه كان من المعاصرين لبعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - (أبو عامر الفاسق) وروي أنه كان معاصراً لموسى عليه السلام. وروي أنه كان بعده على عهد يوشع بن نون الذي حارب الجبارين ببني إسرائيل بعد تيه الأربعين سنة على إثر رفض بني إسرائيل الدخول، وقولهم لموسى - عليه السلام - ما حكاه القرآن الكريم: {أية : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} تفسير : كذلك روي في تفسير الآيات التي أعطيها أنه كان (اسم الله العظيم) الذي يدعو به فيجاب؛ كما روي أنه كتاب منزل وأنه كان نبياً.. ثم اختلفت تفصيلات النبأ بعد ذلك اختلافات شتى.. لذلك رأينا - على منهجنا في ظلال القرآن - ألا ندخل في شيء من هذا كله. بما أنه ليس في النص القرآني منه شيء. ولم يرد من المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه شيء. وأن نأخذ من النبأ ما وراءه. فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها.. وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر؛ ما أكثر الذين يعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به.. هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم - في وهمهم - عرض الحياة الدنيا. وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها. ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعاً! لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله - سبحانه - من ادعاه فقد ادعى الألوهية. ومن ادعى الألوهية فقد كفر. ومن أقر له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضاً!.. ومع ذلك.. مع علمه بهذه الحقيقة، التي يعلمها من الدين بالضرورة، فإنه يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع، ويدّعون الألوهية بادعاء هذا الحق.. ممن حكم عليهم هو بالكفر! ويسميهم "المسلمين"! ويسمي ما يزاولونه إسلاماً لإ إسلام بعده!.. ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً؛ ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر.. ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه.. فماذا يكون هذا إلا أن يكون مصداقاً لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين؟ وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحب النبأ: {ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه. فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث!}.. ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته. ولكنه - سبحانه - لم يشأ، لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يتبع الآيات.. إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله؛ فلم ينتفع بهذا العلم؛ ولم يستقم على طريق الإيمان. وانسلخ من نعمة الله. ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان. ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان! ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع؟ إنه - في حسنا كما توحيه إيقاعات النبأ وتصوير مشاهده في القرآن - ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها. ذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبداً. والذي لا يتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه؛ فهو منطلق فيه أبداً! والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة.. حتى إنه لتمر فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله. فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله، ممن لا ينسلخون من آيات الله، ولا يخلدون إلى الأرض؛ ولا يتبعون الهوى؛ ولا يستذلهم الشيطان؛ ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان!.. فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده؛ وما هو بمحصور في قصة وقعت، في جيل من الزمان! وقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله، كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها. ثم ليبقى من بعده ومن بعدهم يتلى، ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئاً أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة؛ وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبداً؛ وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدو لعدو. فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة! ولقد رأينا من هؤلاء - والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه؛ أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة! فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا! اللهم اعصمنا، وثبت أقدامنا، وأفرغ علينا صبراً، وتوفنا مسلمين.. ثم نقف أمام هذا النبأ والتعبير القرآني عنه وقفة أخرى.. إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته ورغباته فيخلد إلى الأرض لا ينطلق من ثقلتها وجاذبيتها؛ وأن يتبع هواه فيتبعه الشيطان ويلزمه ويقوده من خطام هذا الهوى.. ومن أجل أن العلم لا يعصم يجعل المنهج القرآني طريقه لتكوين النفوس المسلمة والحياة الإسلامية، ليس العلم وحده لمجرد المعرفة؛ ولكن يجعل العلم عقيدة حارة دافعة متحركة لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وفي عالم الحياة أيضاً.. إن المنهج القرآني لا يقدم العقيدة في صورة "نظرية" للدراسة.. فهذا مجرد علم لا ينشئ في عالم الضمير ولا في عالم الحياة شيئاً.. إنه علم بارد لا يعصم من الهوى، ولا يرفع من ثقلة الشهوات شيئاً. ولا يدفع الشيطان بل ربما ذلل له الطريق وعبدها! كذلك هو لا يقدم هذا الدين دراسات في " النظام الإسلامي" ولا في "الفقه الإسلامي" ولا في "الاقتصاد الإسلامي" ولا في "العلوم الكونية" ولا في "العلوم النفسية" ولا في أية صورة من صور الدراسة المعرفية‍. إنما يقدم هذا الدين عقيدة دافعة دافقة محيية موقظة رافعة مستعلية؛ تدفع إلى الحركة لتحقيق مدلولها العملي فور استقرارها في القلب والعقل؛ وتحيي موات القلب فينبض ويتحرك ويتطلع؛ وتوقظ أَجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة فترجع إلى عهد الله الأول؛ وترفع الاهتمامات والغايات فلا تثقلها جاذبية الطين ولا تخلد إلى الأرض أبداً. ويقدمه منهجاً للنظر والتدبر؛ يتميز ويتفرد دون مناهج البشر في النظر، لأنه إنما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم وأخطائها وانحرافها تحت لعب الأهواء، وثقلة الأبدان، وإغواء الشيطان! ويقدمه ميزاناً للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم، وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم وتصوراتهم، فما قبله منها هذا الميزان كان صحيحاً لتمضي فيه؛ وما رفضه هذا الميزان كان خاطئاً يجب الإقلاع عنه. ويقدمه منهجاً للحركة يقود البشرية خطوة خطوة في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة. وفق خطاه هو ووفق تقديراته.. وفي أثناء الحركة الواقعية يصوغ للناس نظام حياتهم، وأصول شريعتهم، وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم. ثم يصوغ الناس بعقولهم المنضبطة به تشريعاتهم القانونية الفقهية، وعلومهم الكونية والنفسية، وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية.. يصوغونها وفي نفوسهم حرارة العقيدة ودفعتها، وجدية الشريعة وواقعيتها؛ واحتياجات الحياة الواقعية وتوجيهاتها. هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة والحياة الإسلامية.. أما الدراسة النظرية لمجرد الدراسة. فهذا هو العلم الذي لا يعصم من ثقلة الأرض ودفعة الهوى وإغواء الشيطان؛ ولا يقدم للحياة البشرية خيراً! ويقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب على ذلك المثل الشاخص في ذلك المشهد، للذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، بأن الهدى هدى الله. فمن هداه الله فهو المهتدي حقاً؛ ومن أضله الله فهو الخاسر الذي لا يربح شيئاً: {من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون}.. والله سبحانه يهدي من يجاهد ليهتدي، كما قال تعالى في السورة الأخرى:{أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}تفسير : وكما قال:{أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}تفسير : وكما قال:{أية : ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها }.. تفسير : كذلك يضل الله من يبغي الضلال لنفسه ويعرض عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان، ويغلق قلبه وسمعه وبصره دونها. وذلك كما جاء في الآية التالية في السياق: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون}.. وكما قال تعالى:{أية : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً}تفسير : وكما قال: {أية : إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليهديهم طريقاً، إلا طريق جهنم خالدين فيها... } تفسير : ومن مراجعة مجموعة النصوص التي تذكر الهدى والضلال، والتنسيق بين مدلولاتها جميعاً يخلص لنا طريق واحد بعيد عن ذلك الجدل الذي أثاره المتكلمون من الفرق الإسلامية، والذي أثاره اللاهوت المسيحي والفلسفات المتعددة حول قضية القضاء والقدر عموماً.. إن مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني، هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال.. وذلك مع إيداع فطرته إدراك الحقيقة الربوبية الواحدة والاتجاه إليها. ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى. ومع إرسال الرسل بالبينات لإيقاظ الفطرة إذا تعطلت وهداية العقل إذا ضل.. ولكن يبقى بعد ذلك كله ذلك الاستعداد المزدوج للهدى والضلال الذي خلق الإنسان به، وفق مشيئة الله التي جرى بها قدره. كذلك اقتضت هذه المشيئة أن يجري قدر الله بهداية من يجاهد للهدى. وأن يجري قدر الله كذلك بإضلال من لا يستخدم ما أودعه الله من عقل وما أعطاه من أجهزة الرؤية والسمع في إدراك الآيات المبثوثة في صفحات الكون، وفي رسالات الرسل، الموحية بالهدى. وفي كل الحالات تتحقق مشيئة الله ولا يتحقق سواها، ويقع ما يقع بقدر الله لا بقوة سواه. وما كان الأمر ليكون هكذا إلا أن الله شاءه هكذا. وما كان شيء ليقع إلا أن يوقعه قدر الله. فليس في هذا الوجود مشيئة أخرى تجري وفقها الأمور، كما أنه ليس هناك قوة إلا قدر الله ينشئ الأحداث.. وفي إطار هذه الحقيقة الكبيرة يتحرك الإنسان بنفسه، ويقع له ما يقع من الهدى والضلال أيضاً.. وهذا هو التصور الإسلامي الذي تنشئه مجموعة النصوص القرآنية مقارنة متناسقة، حين لا تؤخذ فرادى وفق أهواء الفرق والنحل، وحين لا يوضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، على سبيل الاحتجاج والجدل! وفي هذا النص الذي يواجهنا هنا: {من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون}. يقرر أن من يهديه الله - وفق سنته التي صورناها في الفقرة السابقة - فهو المهتدي حقاً، الواصل يقيناً، الذي يعرف الطريق، ويسير على الصراط، ويصل إلى الفلاح في الآخرة.. وأن الذي يضله الله - وفق سنته تلك - فهو الخاسر الذي خسر كل شيء ولم يربح شيئاً.. مهما ملك، ومهما أخذ؛ فكل ذلك هباء أو هواء! وإنه لكذلك إذا نظرنا إليه من زواية أن هذا الضال قد خسر نفسه. وماذا يأخذ وماذا يكسب من خسر نفسه؟! ويؤيد ما ذهبنا إليه في فهم الآية السابقة وأخواتها نص الآية التالية: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس. لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولم آذان لا يسمعون بها.. أولئك كالأنعام، بل هم أضل.. أولئك هم الغافلون}.. إن هؤلاء الكثيرين من الجن والإنس مخلوقون لجهنم! وهم مهيأون لها! فما بالهم كذلك؟ هنالك اعتباران: الاعتبار الأول: أنه مكشوف لعلم الله الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم.. وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم. فعلم الله سبحانه شامل محيط غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث. والاعتبار الثاني: أن هذا العلم الأزلي - الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث - ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم. إنما هم كما تنص الآية: {لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها}.. فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا - ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة - وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية. ولم يفتحوا آذاتهم ليسمعوا آيات الله المتلوة.. لقد عطلوا هذه الأجهزة التي وهبوها ولم يستخدموها.. لقد عاشوا غافلين لا يتدبرون: {أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون}.. والذين يغفلون عما حولهم من آيات الله في الكون وفي الحياة؛ والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير فلا يرون فيها يد الله.. أولئك كالأنعام بل هم أضل.. فللأنعام استعدادات فطرية تهديها. أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة والأذن الملتقطة. فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا. إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها؛ ولا تلتقط أعينهم مشاهدها ودلالاتها؛ ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها.. فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية الهادية.. ثم هم يكونون من ذرء جهنم! يجري بهم قدر الله إليها وفق مشيئته حين فطرهم باستعداداتهم تلك، وجعل قانون جزائهم هذا. فكانوا - كما هم في علم الله القديم - حصب جهنم منذ كانوا! وبعد استعراض مشهد الميثاق الكوني بالتوحيد؛ واستعراض مثل المنحرف عن هذا الميثاق وعن آيات الله بعد إذ آتاه الله إياها.. يعقب بالتوجيه الآمر بإهمال المنحرفين - الذين كانوا يتمثلون في المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام بالشرك - الذين يلحدون في أسماء الله ويحرفونها، فيسمون بها الشركاء المزعومين: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون}.. والإلحاد هو الانحراف أو التحريف.. وقد حرف المشركون في الجزيرة أسماء الله الحسنى، فسموا بها آلهتهم المدعاة.. حرفوا اسم "الله" فسموا به "اللات". واسم "العزيز" فسموا به "العزى".. فالآية تقرر أن هذه الأسماء الحسنى لله وحده. وتأمر أن يدعوه المؤمنون وحده بها، دون تحريف ولا ميل؛ وأن يدعوا المحرفين المنحرفين؛ فلا يحفلوهم ولا يأبهوا لما هم فيه من الإلحاد. فأمرهم موكول إلى الله؛ وهم ملاقون جزاءهم الذي ينتظرهم منه.. وياله من وعيد!.. وهذا الأمر بإهمال شأن الذين يلحدون في أسماء الله؛ لا يقتصر على تلك المناسبة التاريخية، ولا على الإلحاد في أسماء الله بتحريفها اللفظي إلى الآلهة المدعاة.. إنما هو ينسحب على كل ألوان الإلحاد في شتى صوره.. ينسحب على الذين يلحدون - أي يحرفون أو ينحرفون - في تصورهم لحقيقة الألوهية على الإطلاق. كالذين يدّعون له الولد. وكالذين يدّعون أن مشيئته - سبحانه - مقيدة بنواميس الطبيعة الكونية! وكالذين يدعون له كيفيات أعمال تشبه كيفيات أعمال البشر - وهو سبحانه ليس كمثله شيء - وكذلك من يدعون أنه سبحانه إله في السماء، وفي تصريف نظام الكون، وفي حساب الناس في الآخرة. ولكنه ليس إلهاً في الأرض، ولا في حياة الناس، فليس له - في زعمهم - أن يشرع لحياة الناس؛ إنما الناس هم الذين يشرعون لأنفسهم بعقولهم وتجاربهم ومصالحهم - كما يرونها هم - فالناس - في هذا - هم آلهة أنفسهم. أو بعضهم آلهة بعض!.. وكله إلحاد في الله وصفاته وخصائص ألوهيته.. والمسلمون مأمورون بالإعراض عن هذا كله وإهماله، والملحدون موعدون بجزاء الله لهم على ما كانوا يعملون! ثم يمضي السياق يفصل صنوف الخلق.. بعدما ذكر منهم من قبل أولئك الذين ذرأهم الله لجهنم {لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها...} ومنهم هؤلاء الذين يلحدون في أسماء الله ويحرفونها.. ثم إن منهم أمة يستمسكون بالحق، ويدعون الناس إليه، ويحكمون به ولا ينحرفون عنه.. وأمة - على الضد - ينكرون الحق، ويكذبون بآيات الله! فأما الأولون فيقرر وجودهم في الأرض وجوداً ثابتاً لا شك فيه؛ وهم حراس على الحق حين ينحرف عنه المنحرفون، ويزيغ عنه الزائغون؛ وحين يكذب الناس بالحق وينبذونه يبقون هم عليه صامدين. وأما الآخرون فيكشف عن مصير لهم مخيف، وكيد لله إزاءهم متين: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق، وبه يعدلون. والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين}.. وما كانت البشرية لتستحق التكريم لو لم تكن فيها دائماً - وفي أحلك الظروف - تلك الجماعة - التي يسميها الله {أمة} بالمصطلح الإسلامي للأمة وهي: الجماعة التي تدين بعقيدة واحدة وتتجمع على آصرتها؛ وتدين لقيادة واحدة قائمة على تلك العقيدة - فهذه الأمة الثابتة على الحق؛ العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس، التي تقوم بها حجة الله على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل. ونقف لحظة أمام صفة هذه الأمة: {يهدون بالحق. وبه يعدلون}.. إن صفة هذه الأمة - التي لا ينقطع وجودها من الأرض أياً كان عددها - أنهم {يهدون بالحق}.. فهم دعاة إلى الحق، لا يسكتون عن الدعوة به، وإليه، ولا يتقوقعون على أنفسهم؛ ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه. ولكنهم يهدون به غيرهم. فلهم قيادة فيمن حولهم من الضالين عن هذا الحق المتنكرين لذلك العهد؛ ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق؛ إنما يتجاوزه إلى الهداية به والدعوة إليه والقيادة باسمه. {وبه يعدلون}.. فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم، تحقيقاً للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق.. فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس. ولا مجرد وعظ يُهدى به ويعرَّف! إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله. يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وفقه. ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربه. ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة. ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه. ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه... وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق.. وهذا ما تزاوله تلك الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به.. إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس! صلبة لا تقبل التمييع! والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة.. وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهوداً لا تكل، وحملات لا تنقطع، ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته، كل الوسائل وكل الأجهزة، وكل التجارب.. هم يسحقون سحقاً وحشياً كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرضَ وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويحلون ما حرم الله، ويميعون ما شرعه، ويباركون الفجور والفاحشة ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه! وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية، المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع، ورفع شعاراتها، أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها! وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثاً تاريخياً مضى ولا تمكن إعادته، ويشيدون بعظمة هذا الماضي ليخدروا مشاعر المسلمين، ثم ليقولوا لهم - في ظل هذا التخدير-: إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة، لا شريعة ونظاماً، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم! هذا وإلا فإن على هذا الدين أن "يتطور" فيصبح محكوماً بواقع البشر، يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين. وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم - الذي كان إسلامياً - نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين، لتحل محل ذلك الدين القديم! وينزّلون لها قرآناً يتلى ويدرس، ليحل محل ذلك القرآن القديم! وهم يحاولون تغيير طبيعة المجتمعات - كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين - كوسيلة أخيرة، حتى لا يجد هذا الدين قلوباً تصلح للهداية به؛ فيحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والفجور، مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد، كي لا يفيق، بعد اللقمة والجنس، ليستمع إلى هدى، أو يفيء إلى دين! إنها المعركة الضارية مع هذا الدين والأمة التي تهدي به وتحاول أن تعدل به.. المعركة التي تستخدم فيها جميع الأسلحة بلا تحرج، وجميع الوسائل بلا حساب؛ والتي تجند لها القوى والكفايات وأجهزة الإعلام العالمية؛ والتي تسخر لها الأجهزة والتشكيلات الدولية؛ والتي تكفل من أجلها أوضاع ما كانت لتبقى يوماً واحداً لولا هذه الكفالة العالمية! ولكن طبيعة هذا الدين الواضحة الصلبة ما تزال صامدة لهذه المعركة الضارية. والأمة المسلمة القائمة على هذا الحق - على قلة العدد وضعف العدة - وما تزال صامدة لعمليات السحق الوحشية.. والله غالب على أمره. {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين}.. وهذه هي القوة التي لا يحسبون حسابها وهم يشنون هذه المعركة الضارية ضد هذا الدين وضد الأمة المستمسكة به الملتقية عليه المتجمعة على آصرته.. هذه هي القوة التي يغفلها المكذبون بآيات الله.. إنهم لا يتصورون أبداً أنه استدراج الله لهم من حيث لا يعلمون. ولا يحسبون أنه إملاء الله لهم إلى حين.. فهم لا يؤمنون بأن كيد الله متين!.. إنهم يتولى بعضهم بعضاً ويرون قوة أوليائهم ظاهرة في الأرض فينسون القوة الكبرى!.. إنها سنة الله مع المكذبين.. يرخى لهم العنان، ويملى لهم في العصيان والطغيان، استدراجاً لهم في طريق الهلكة، وإمعاناً في الكيد لهم والتدبير. ومن الذي يكيد؟ إنه الجبار ذو القوة المتين! ولكنهم غافلون! والعاقبة للمتقين. الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.. ولقد كان القرآن يواجه بذلك التهديد الرعيب قوماً من المكذبين بآيات الله في مكة - والنص القرآني دائماً أبعد مدى من المناسبة الخاصة - وكان يتوعدهم على موقفهم من الجماعة المسلمة - التي يسميها أمة وفق المصلطح الإسلامي - بالإملاء لهم والاستدراج والكيد المتين.. ثم كان يدعوهم - بعد هذا التهديد - إلى استخدام قلوبهم وعيونهم وآذانهم. فلا يكونوا من ذرء جهنم ولا يكونوا من الغافلين.. كان يدعوهم إلى التدبر في أمر رسولهم الذي يدعوهم إلى الحق ويهديهم به؛ وإلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وآيات الله المبثوثة في هذا الملكوت؛ وكان يوقظهم إلى مرور الوقت وما يؤذن به من اقتراب الأجل المجهول، وهم غافلون: {أو لم يتفكروا؟ ما بصاحبهم من جنة، إن هو إلا نذير مبين. أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء؟ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم؟ فبأي حديث بعده يؤمنون}؟. إن القرآن يهزهم من غفوتهم، ويوقظهم من غفلتهم، ويستنقذ - من تحت الركام - فطرتهم وعقولهم ومشاعرهم.. إنه يخاطب كينونتهم البشرية كلها، بكل ما فيها من أجهزة الاستقبال والاستجابة..إنه لا يوجه إليهم جدلاً ذهنياً بارداً؛ إنما هو يستنقذ كينونتهم كلها وينفضها من أعماقها: {أو لم يتفكروا؟ ما بصاحبهم من جنة، إن هو إلا نذير مبين}.. لقد كانوا يقولون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حرب الدعاية التي يشنها ضده الملأ من قريش يخدعون بها الجماهير: إن محمداً به جنة. وهو من ثم ينطق بهذا الكلام الغريب، غير المعهود في أساليب البشر العاديين! ولقد كان الملأ من قريش يعلمون أنهم كاذبون! وقد تضافرت الروايات على أنهم كانوا يعرفون الحق في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنهم ما كانوا يملكون أن يمنعوا أنفسهم عن الاستماع لهذا القرآن والتأثر به أعمق التأثر.. وقصة الأخنس بن شريق، وأبي سفيان بن حرب، وعمرو بن هشام - أبي جهل - في الاستماع لهذا القرآن خلسة، ليالي ثلاثاً، وما وجدوه في أنفسهم منه معروفة.. وكذلك قصة عتبة بن ربيعة وسماعه سورة فصلت من النبي صلى الله عليه وسلم وهزته أمام إيقاعاتها المزلزلة.. ومثلها قصة تأمرهم قبيل موسم الحج فيما يقولون للناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما معه من القرآن؛ وانتهاء الوليد بن المغيرة إلى أن يقولوا للوفود: إنه سحر يؤثر.. كل هذه الروايات تثبت أنهم ما كانوا جاهلين لحقيقة هذا الأمر؛ إنما هم كانوا يستكبرون عنه؛ ويخشونه على سلطانهم الذي تهدده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ التي تسلب البشر حق تعبيد البشر لغير الله.. وتهدد كل طاغوت بشري على العموم! من ثم كانوا يستغلون تفرد هذا القرآن العجيب وتميزه عن قول البشر المعهود؛ كما يستغلون الصورة التي كانت معهودة فيهم وفيمن قبلهم، عن الصلة بين التنبؤ والجنون! والنطق بكلمات ورموز يؤولها المصاحبون لمن بهم جنة وفق ما يريدون؛ ويزعمون أنها تأتيهم من عالم غير منظور!. كانوا يستغلون هذه الرواسب في التمويه على الجماهير بأن الذي يقوله محمد، إنما يقوله عن جنة به؛ وأنه يأتي بالغريب العجيب من القول، لأنه مجنون! والقرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم الذي عرفوه من قبل وخبروه. فلم يعرفوا عنه من قبل خللاً عن السواء؛ وشهدوا له بالأمانة والصدق، كما شهدوا له بالحكمة؛ وحكموه في الحجر الأسود وارتضوا حكمه واتقوا بهذا الحكم فتنة بينهم كادت تثور. واستأمنوه على ودائعهم وظلت عنده حتى خرج مهاجراً فردها لهم عنه ابن عمه علي كرم الله وجهه! القرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم هذا المعروف لهم ماضيه كله، المكشوف لهم أمره كله.. أفهذا به جنة؟.. أفهذا قول مجنون وفعل مجنون؟.. كلا: {ما بصاحبهم من جنة.. إن هو إلا نذير مبين}.. لا اختلاط في عقله ولا في قوله. إنما هو منذر مفصح مبين. لا يلتبس قوله بقول المجانين. ولا تشتبه حاله بحال المجانين. ثم.. {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء؟}.. وهي هزة أخرى أمام هذا الكون العجيب.. والنظر بالقلب المفتوح والعين المبصرة في هذا الملكوت الواسع الهائل العظيم، يكفي وحده لانتفاض الفطرة من تحت الركام، وتفتح الكينونة البشرية لإدراك الحق الكامن فيه، والإبداع الذي يشهد به، والإعجاز الذي يدل على البارئ الواحد القدير.. والنظر إلى ما خلق الله من شيء - وكم في ملكوت السماوات والأرض من شيء - يدهش القلب ويحير الفكر، ويلجىء العقل إلى البحث عن مصدر هذا كله، وعن الإرادة التي أوجدت هذا الخلق على هذا النظام المقصود المشهور. لماذا كانت الخلائق على هذا النحو الذي كانت به؛ ولم تكن على أي نحو آخر من الإمكانيات التي لا حصر لها في الكينونة؟ لماذا سارت في هذا الطريق ولم تسر في أي طريق آخر من الطرق الممكنة الأخرى؟ لماذا استقامت على طريقها هذا ومن الذي يمسكها على نشأتها؟ ما سر هذه الوحدة السارية في طبيعتها إن لم يكن هذا هو الناموس الواحد، الصادر عن الإرادة الواحدة، التي يجري بها قدر مطرد مقصود؟ إن الجسم الحي. لا بل الخلية الحية. لمعجزة لا ينقضي منها العجب.. وجودها. تركيبها. تصرفها. عمليات التحول الدائمة التي تتم فيها كل لحظة مع محافظتها على وجودها؛ وتضمنها كذلك لوسيلة التجدد في أنسال منها؛ ومعرفتها لوظيفتها ولامتداد هذه الوظيفة في أنسالها!.. فمن ذا الذي ينظر إلى هذه الخلية الواحدة، ثم يطمئن عقله - بل فطرته وضميره - إلى أن هذا الكون بلا إله، أو أن هناك آلهة مع الله؟ إن امتداد الحياة عن طريق الزوجية والنسل ليقوم شاهداً يهتف لكل قلب وكل عقل بتدبير الخالق الواحد المدبر.. وإلا فمن ذا الذي يضمن للحياة وجود الذكر والأنثى دائماً في نسلها بالمقادير التي يتم بها هذا التزاوج؟ لماذا لا يأتي زمن على الحياة تنسل ذكوراً فقط أو إناثاً فقط.. ولو حدث هذا لا نقطع النسل عند هذا الجيل.. فمن ذا الذي يمسك بعجلة التوازن دائماً في الأجيال جميعاً؟ إن التوازن ملحوظ في ملكوت السماوات والأرض جميعاً - لا في هذه الظاهرة الحيوية وحدها - إنه ملحوظ في بناء الذرة كما هو ملحوظ في بناء المجرة! وملحوظ في التوازن بين الأحياء وبين الأشياء سواء.. ولو اختل هذا التوازن شعرة ما ظل هذا الكون قائماً لحظة! فمن الذي يمسك بعجله التوازن الكبرى في السماوات والأرض جميعاً؟ وعرب الجزيرة الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ما كانوا يدركون بعلومهم مدى هذا التوازن والتناسق في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء.. ولكن الفطرة الإنسانية بذاتها تلتقي مع هذا الكون في أعماقها؛ وتتجاوب معه بلغة غير منطوقة إلا في هذه الأعماق. ويكفي أن ينظر الإنسان بالقلب المفتوح والعين المبصرة إلى هذا الكون حتى يتلقى إيقاعاته وإيحاءاته تلقياً موحياً هادياً. ولقد اهتدى الإنسان بفطرته - وهو يتلقى إيقاعات هذا الوجود في حسه - إلى أن له إلهاً. ولم تغب عن حسه قط هذه الحقيقة. إنما كان يخطئ في تحديد صفة الإله الحق، حتى تهديه الرسالات إلى الرؤية الصحيحة.. فأما الملحدون الجدد - أصحاب "الاشتراكية العلمية"! - فهم أمساخ شائهو الفطرة. بل إنهم إنما ينكرون الفطرة، ويعاندون ما يجدونه في أنفسهم من إلحاحها.. وعندما صعد أحدهم إلى الفضاء الجوي، ورأى ذلك المشهد الباهر - مشهد الأرض كرة معلقة في الفضاء - هتفت فطرته: ما الذي يمسكها هكذا في الفضاء؟ ولكنه حين هبط إلى الأرض، وتذكر إرهاب الدولة، قال: إنه لم يجد الله هناك! وكتم إلحاح فطرته وصراخها في أعماقه، أمام شيء من ملكوت السماوات والأرض! إن الله الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان، والذي يعلم فطرة هذا الإنسان! وأخيراً يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم - من قريب - في عالم المجهول المغيب؛ وهم عنه غافلون: {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم}.. فما يدريهم أن أجلهم قريب؟ وما يبقيهم في غفلتهم سادرين؛ وهم عن غيب الله محجوبون؟ وهم في قبضته لا يفلتون؟ إن هذه اللسمة بالأجل المغيب - الذي قد يكون قد اقترب - لتهز القلب البشري هزة عميقة! لعله أن يستيقظ ويتفتح ويرى.. والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلباً غافلاً.. ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر! {فبأي حديث بعده يؤمنون؟}! وما بعد هذه الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين.. إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة؛ لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية.. إنه لا يدع جانباً واحداً منها لا يخاطبه، ولا يدع وتراً منها واحداً لا يوقع عليه؛ إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله؛ ففي الطريق - وهو يهز الكيان البشري كله - يلسمه ويوقظه. إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد، ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق.. وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى الله دائماً.. فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقاً آخر. والقرآن هو القرآن كلام الله الباقي، وخطاب الله لهذا الإنسان لا يتغير.. مهما تعلم ومهما "تطور!".. وهنا يقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب.. يقرر فيها سنة الله الجارية بالهدى والضلال؛ وفق ما أرادته مشيئته من هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه؛ وإضلال من يصرف قلبه عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان. وذلك بمناسبة ما عرضه السياق قبل ذلك من حال أولئك القوم الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن؛ على طريقة القرآن الكريم في عرض القاعدة العامة بمناسبة المثل الفريد؛ ومن بيان السنة الثابتة بمناسبة الحادث العابر: {من يضلل الله فلا هادي له، ويذرهم في طغيانهم يعمهون}.. إن الذين يضلون، إنما يضلون لأنهم غافلون عن النظر والتدبر. ومن يغفل عن النظر في آيات الله وتدبرها يضله الله؛ ومن يضله الله لا يهديه أحد من بعده: {من يضلل الله فلا هادي له}.. ومن يكتب الله عليه الضلال - وفق سنته تلك - يظل في طغيانه عن الحق وعماه عنه أبداً: {ويذرهم في طغيانهم يعمهون}.. وما في تركهم في عماهم من ظلم، فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم، وهم الذين عطلوا قلوبهم وجوارحهم، وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق وأسرار الوجود، وشهادة الأشياء - التي يوجههم إليها في الآية السابقة - وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة، وحيثما فتحت العين وقعت على آية، وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به، لمس الإعجاز في تكوينه وفيما حوله من شيء. فإذا عمه - أي عمي - عن هذا كله، ترك في عماه، وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار: {ويذرهم في طغيانهم يعمهون}.. هؤلاء الغافلون عما حولهم، العميُ عما يحيط بهم.. يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول. كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد! {يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ قل: إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة. يسألونك كأنك حفي عنها! قل: إنما علمها عند الله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قل: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}.. لقد كانت عقيدة الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، تفاجئ المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة.. ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم - عليه السلام - وهو جد هؤلاء المشركين؛ وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم؛ إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد، وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل. حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تماماً من تصوراتهم، فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم. حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت؛ وعن البعث والنشور والحساب والجزاء؛ كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى:{أية : وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل ينبئكم، إذا مزقتم كل ممزق، إنكم لفي خلق جديد؟ أفترى على الله كذباً؟ أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} تفسير : [سبأ: 7 - 8]. ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها - كما هي وظيفة الأمة المسلمة - إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها.. فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا، وحدود هذه الأرض الصغيرة، لا يمكن أن ينشئ أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها! إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور، وسعة في النفس، وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها، لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة.. كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة؛ ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة، عن المضي في التبشير بالخير، وفعل الخير والقيادة إلى الخير، على الرغم من النتائج القريبة، والتضحيات الأليمة.. وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة.. والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس "الإنسان"، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك "الحيوان"! وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية، والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة! لذلك كله كان التوكيد شديداً على عقيدة الآخرة في دين الله كله.. ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح... حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلاً.. وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية، تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني! ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة، تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟} إن الساعة غيب، من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه.. ولكن المشركين يسألون الرسول عنها.. إما سؤال المختبر الممتحن! وإما سؤال المتعجب المستغرب! وإما سؤال المستهين المستهتر! {أيان مرساها؟}.. أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو؟! والرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر لا يدعي علم الغيب، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية، وأنه هو بشر لا يدعي شيئاً خارج بشريته ولا يتعدى حدودها، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء: {قل: إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو}. فهو - سبحانه - مختص بعلمها، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها، ولا يكشف غيره عنها. ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها، وإلى الشعور بهولها وضخامتها.. ألا وإن أمرها لعظيم، ألا وإن عبئها لثقيل. ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين. وهي - بعد ذلك - لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون: {ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة}.. فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة؛ فلا ينفع معها الحذر، ولا تجدي عندها الحيطة، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها، وما لم يستعدوا لها، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية. وما يدري أحد متى تجيء، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع، وألا يضيع بعد ساعة، قد تفجؤه بعدها الساعة! ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة.. إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم. {يسألونك كأنك حفي عنها!} أي كأنك دائم السؤال عنها! مكلف أن تكشف عن موعدها! ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه: {قل: إنما علمها عند الله}.. قد اختص سبحانه به؛ ولم يطلع عليه أحداً من خلقه. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. وليس الأمر أمر الساعة وحده. إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب. لا يطلع على شيء منه إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء، في الوقت الذي يشاء.. لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.. فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم. وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر:{أية : وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم }.. تفسير : والشاعر الذي يقول: شعر : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي! ومن أين والغايات بعد المذاهب تفسير : إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول. ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد، وأمام ستر الغيب المسدل، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب. والرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو من هو؛ وقربه من ربه هو قربه، مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لأنه لا يطلع على الغيب، ولا يعرف الغايات قبل المذاهب، ولا يرى مآل أفعاله؛ ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيراً أقدم، وإن رآها سوءاً أحجم. إنما هو يعمل، والعاقبة تجيء كما قدر الله في غيبه المكنون: {قل: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً - إلا ما شاء الله - ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}.. وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامي كل خصائص التجريد المطلق، من الشرك في أية صورة من صوره. وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها. ولو كان هذا البشر محمداً رسول الله وحبيبه ومصطفاه - عليه صلوات الله وسلامه - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري. وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتتحدد وظيفته: {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}.. والرسول - صلى الله عليه وسلم - نذير وبشير للناس أجمعين. ولكن الذين {يؤمنون} هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به. ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين.. إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره، إلا لقوم يؤمنون. ولقد ورد عن بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن.. وهذا الإيمان هو الذي كان يجعلهم يتذوقون القرآن ذلك التذوق، ويدركون معانيه وأهدافه ذلك الإدراك، ويصنعون به تلك الخوارق التي صنعوها في أقصر وقت من الزمان. لقد كان ذلك الجيل المتفرد يجد من حلاوة القرآن، ومن نوره، ومن فرقانه، ما لا يجده إلا الذين يؤمنون إيمان ذلك الجيل. ولئن كان القرآن هو الذي أخذ بأرواحهم إلى الإيمان، لقد كان الإيمان هو الذي فتح لهم في القرآن ما لا يفتحه إلا الإيمان! لقد عاشوا بهذا القرآن، وعاشوا له كذلك.. ومن ثم كانوا ذلك الجيل المتفرد الذي لم يتكرر - بهذه الكثرة وبهذا التوافي على ذلك المستوى - في التاريخ كله.. اللهم إلا في صورة أفراد على مدار التاريخ يسيرون على أقدام ذلك الجيل السامق العجيب! لقد خلصوا لهذا القرآن فترة طويلة من الزمان، فلم تشب نبعه الرائق شائبة من قول البشر، اللهم إلا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه.. وقد كان من نبع القرآن ذاته كذلك.. ومن ثم كان ذلك الجيل المتفرد ما كان. وما أجدر الذين يحاولون أداء ما أداه ذلك الجيل أن ينهجوا نهجه، فيعيشوا بهذا القرآن ولهذا القرآن فترة طويلة من الزمان، لا يخالط عقولهم وقلوبهم غيره من كلام البشر ليكونوا كما كان! ثم جولة جديدة في قضية التوحيد. تأخذ في أولها صورة القصة، لتصوير خطوات الانحراف من التوحيد إلى الشرك في النفس. وكأنما هي قصة انحراف هؤلاء المشركين عن دين أبيهم إبراهيم. ثم تنتهي إلى مواجهتهم بالسخف الذي يزاولونه في عبادة آلهتهم التي كانوا يشركون بها، وهي ظاهرة البطلان لأول نظرة ولأول تفكير. وتختم بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تحديهم هم وهؤلاء الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وأن يعلن التجاءه إلى الله وحده، وليه وناصره: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين. فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما. فتعالى الله عما يشركون! أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون؟ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون؟} {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم، سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون. إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها؟ أم لهم أيد يبطشون بها؟ أم لهم أعين يبصرون بها؟ أم لهم آذان يسمعون بها؟ قل: ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}.. إنها جولة مع الجاهلية في تصوراتها التي متى انحرفت عن العبودية لله الواحد لم تقف عند حد من السخف والضلال؛ ولم ترجع إلى تدبر ولا تفكير! وتصوير لخطوات الانحراف في مدارجه الأولى؛ وكيف ينتهي إلى ذلك الضلال البعيد! {هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها. فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به. فلما أثقلت دعوا الله ربهما: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين}.. إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. أن يتوجهوا إلى الله ربهم، معترفين له بالربوبية الخالصة، عند الخوف وعند الطمع.. والمثل المضروب هنا للفطرة يبدأ من أصل الخليقة، وتركيب الزوجية وطبيعتها: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها}.. فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها، وإن اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى. وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجه ويستريح إليها.. وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان. ووظيفة الزوجية في تكوينه. وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرناً. يوم أن كانت الديانات المحرفة تعد المرأة أصل البلاء الإنساني، وتعتبرها لعنة ونجساً وفخاً للغواية تحذر منه تحذيراً شديداً، ويوم أن كانت الوثنيات - ولا تزال - تعدها من سقط المتاع أو على الأكثر خادماً أدنى مرتبة من الرجل ولا حساب له في ذاته على الإطلاق. والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار. ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين. ويؤهل فيه الجيل الناشيء لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما أنه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً، وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف، أو تكراراً للاختصاصات والوظائف؛ كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء! وبعد ذلك تبدأ القصة.. تبدأ من المرحلة الأولى.. {فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به}.. والتعبير القرآني يلطف ويدق ويشف عند تصوير العلاقة الأولية بين الزوجين.. {فلما تغشاها}.. تنسيقاً لصورة المباشرة مع جو السكن؛ وترقيقاً لحاشية الفعل حتى ليبدو امتزاج طائفين لا التقاء جسدين. إيحاء "للإنسان" بالصورة "الإنسانية" في المباشرة. وافتراقها عن الصورة الحيوانية الغليظة!.. كذلك تصوير الحمل في أول أمره.. {خفيفاً}.. تمر به الأم بلا ثقلة كأنها لا تحسه. ثم تأتي المرحلة الثانية: {فلما أثقلت دعوا الله ربهما: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين}.. لقد تبين الحمل، وتعلقت به قلوب الزوجين، وجاء دور الطمع في أن يكون المولود سليماً صحيحاً صبوحاً. إلى آخر ما يطمع الآباء والأمهات أن تكون عليه ذريتهم، وهي أجنة في ظلام البطون وظلام الغيوب.. وعند الطمع تستيقظ الفطرة، فتتوجه إلى الله، تعترف له بالربوبية وحده، وتطمع في فضله وحده، لإحساسها اللدني بمصدر القوة والنعمة والإفضال الوحيد في هذا الوجود. لذلك {دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين}.. {فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما. فتعالى الله عما يشركون!}.. إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء.. إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين. فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها "عبد الحارث".. والحارث اسم لإبليس. ليولد صحيحاً ويعيش؛ ففعلت وأغرت آدم معها! وظاهر ما في هذه الرواية من طابع إسرائيلي.. ذلك أن التصور الإسرائيلي المسيحي - كما حرفوا ديانتهم - هو الذي يلقي عبء الغواية على حواء، وهو مخالف تماماً للتصور الإسلامي الصحيح. ولا حاجة بنا إلى هذه الإسرائيليات لتفسير هذا النص القرآني.. فهو يصور مدارج الانحراف في النفس البشرية.. ولقد كان المشركون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبله، ينذرون بعض أبنائهم للآلهة، أو لخدمة معابد الآلهة! تقرباً وزلفى إلى الله! ومع توجههم في أول الأمر لله، فإنهم بعد دحرجة من قمة التوحيد إلى درك الوثنية كانوا ينذرون لهذه الآلهة أبناءهم لتعيش وتصح وتوقى المخاطر! كما يجعل الناس اليوم نصيباً في أبدان أبنائهم للأولياء والقديسين. كأن يستبقوا شعر الغلام لا يحلق أول مرة إلا على ضريح ولي أو قديس. أو أن يستبقوه بلا ختان حتى يختن هناك. مع أن هؤلاء الناس اليوم يعترفون بالله الواحد. ثم يتبعون هذا الاعتراف بهذه الاتجاهات المشركة. والناس هم الناس! {فتعالى الله عما يشركون!}. وتنزه عن الشرك الذي يعتقدون ويزاولون! على أننا نرى في زماننا هذا صنوفاً وألواناً من الشرك؛ ممن يزعمون أنهم يوحدون الله ويسلمون له، ترسم لنا صورة من مدارج الشرك التي ترسمها هذه النصوص. إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها "القوم" ويسمونها "الوطن"، ويسمونها "الشعب".. إلى آخر ما يسمون. وهي لا تعدو أن تكون أصناماً غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون. ولا تعدو أن تكون آلهة تشارك الله - سبحانه - في خلقه، وينذر لها الأبناء كما كانوا ينذرون للآلهة القديمة! ويضحون لها كالذبائح التي كانت تقدم في المعابد على نطاق واسع! إن الناس يعترفون بالله ربا. ولكنهم ينبذون أوامره وشرائعه من ورائهم ظهرياً، بينما يجعلون أوامر هذه الآلهة ومطالبها "مقدسة". تخالف في سبيلها أوامر الله وشرائعه، بل تنبذ نبذاً. فكيف تكون الآلهة؟ وكيف يكون الشرك؟. وكيف يكون نصيب الشركاء في الأبناء.. إن لم يكن هو هذا الذي تزاوله الجاهلية الحديثة!! ولقد كانت الجاهلية القديمة أكثر أدباً مع الله.. لقد كانت تتخذ من دونه آلهة تقدم لها هذه التقدمات من الشرك في الأبناء والثمار والذبائح لتقرب الناس من الله زلفى! فكان الله في حسها هو الأعلى. فأما الجاهلية الحديثة فهي تجعل الآلهة الأخرى أعلى من الله عندها. فتقدس ما تأمر به هذه الآلهة وتنبذ ما يأمر به الله نبذاً! إننا نخدع أنفسنا حين نقف بالوثنية عند الشكل الساذج للأصنام والآلهة القديمة، والشعائر التي كان الناس يزاولونها في عبادتها واتخاذها شفعاء عند الله.. إن شكل الأصنام والوثنية فقط هو الذي تغير. كما أن الشعائر هي التي تعقدت، واتخذت لها عنوانات جديدة.. أما طبيعة الشرك وحقيقته فهي القائمة من وراء الأشكال والشعائر المتغيرة.. وهذا ما ينبغي ألا يخدعنا عن الحقيقة! إن الله - سبحانه - يأمر بالعفة والحشمة والفضيلة. ولكن "الوطن" أو "الإنتاج" يأمر بأن تخرج المرأة وتتبرج وتغري وتعمل مضيفة في الفنادق في صورة فتيات الجيشا في اليابان الوثنية! فمن الإله الذي تتبع أوامره؟ أهو الله سبحانه؟ أم إنها الآلهة المدعاة؟ إن الله - سبحانه - يأمر أن تكون رابطة التجمع هي العقيدة.. ولكن "القومية" أو "الوطن" يأمر باستبعاد العقيدة من قاعدة التجمع؛ وأن يكون الجنس أو القوم هو القاعدة!.. فمن هو الإله الذي تتبع أوامره؟ أهو الله - سبحانه - أم هي الآلهة المدعاة؟! إن الله - سبحانه - يأمر أن تكون شريعته هي الحاكمة. ولكن عبداً من العبيد - أو مجموعة من "الشعب" - تقول: كلا! إن العبيد هم الذين يشرعون وشريعتهم هي الحاكمة.. فمن هو الإله الذي تتبع أوامره؟ أهو الله سبحانه أم هي الآلهة المدعاة؟! إنها أمثلة لما يجري في الأرض كلها اليوم؛ ولما تتعارف عليه البشرية الضالة.. أمثلة تكشف عن حقيقة الوثنية السائدة، وحقيقة الأصنام المعبودة، المقامة اليوم بديلاً من تلك الوثنية الصريحة، ومن تلك الأصنام المنظورة! ويجب ألا تخدعنا الأشكال المتغيرة للوثنية والشرك عن حقيقتها الثابتة!!! ولقد كان القرآن يحاور أصحاب تلك الوثنية الساذجة، وتلك الجاهلية الصريحة؛ ويخاطب عقولهم البشرية لإيقاظها من تلك الغفلة التي لا تليق بالعقل البشري - أياً كانت طفولته - فيعقب على ذلك المثل الذي ضربه لهم، وصور فيه مدارج الشرك في النفس: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون؟ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون}.. إن الذي يخلق هو الذي يستحق أن يعبد! وآلهتهم المدعاة - كلها - لا تخلق شيئاً بل هي تخلق! فكيف يشركون بها؟ كيف يجعلون لها شركاً مع الله في نفوسهم وفي أولادهم؟ وإن الذي يملك أن ينصر عباده بقوته ويحميهم هو الذي ينبغي أن يعبد. فالقوة والقهر والسلطان هي خصائص الألوهية وموجبات العبادة والعبودية.. وآلهتهم المدعاة - كلها - لا قوة لها ولا سلطان؛ فهم لا يستطيعون نصرهم، ولانصر أنفسهم؛ فكيف يجعلون لها شركاً مع الله في نفوسهم وفي أولادهم؟ ومع أن برهان الخلق والقدرة هذا كان يوجه إلى أصحاب تلك الجاهلية الساذجة، فهو ما يزال هو هو الذي يحاج به أصحاب الجاهلية الحاضرة! إنهم يقيمون لهم أصناماً أخرى يعبدونها ويتبعون ما تأمر به؛ ويجعلون لها شركاً في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم.. فمن منها يخلق من السماوات والأرض شيئاً؟ ومن منها يملك لهم أو لنفسه نصراً؟ إن العقل البشري - لو خلي بينه وبين هذا الواقع - لا يقره، ولا يرضاه! ولكنها الشهوات والأهواء والتضليل والخداع.. هي التي تجعل البشرية بعد أربعة عشر قرناً من نزول هذا القرآن ترتد إلى هذه الجاهلية - في صورتها الجديدة - فتشرك ما لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون! إن هذه البشرية لفي حاجة اليوم - كما كانت في حاجة بالأمس - إلى أن تخاطب بهذا القرآن مرة أخرى. في حاجة إلى من يقودها من الجاهلية إلى الإسلام؛ ومن يخرجها من الظلمات إلى النور؛ ومن ينقذ عقولها وقلوبها من هذه الوثنية الجديدة؛ بل من هذا السخف الجديد الذي تلج فيه؛ كما أنقذها هذا الدين أول مرة! إن صيغة التعبير القرآنية توحي بأنه كان يعني كذلك تقريعهم على اتخاذ آلهة من البشر: {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون؟ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون؟}.. فهذه الواو والنون تشير إلى أن من بين هذه الآلهة على الأقل بشراً من "العقلاء" الذين يعبر عنهم بضمير "العاقل"!.. وما علمنا أن العرب في وثنيتهم كانوا يشركون بآلهة من البشر - بمعنى أنهم يعتقدون بألوهيتهم أو يقدمون الشعائر التعبدية لهم - إنما هم كانوا يشركون بأمثال هؤلاء من ناحية أنهم يتلقون منهم الشرائع الاجتماعية والأحكام في النزاعات - أي الحاكمية الأرضية - وأن القرآن يعبر عن هذا بالشرك، ويسوي بينه وبين شركهم الآخر بالأوثان والأصنام سواء. وهذا هو الاعتبار الإسلامي لهذا اللون من الشرك. فهو شرك كشرك الاعتقاد والشعائر لا فرق بينه وبينه، كما اعتبر الذين يتقبلون الشرائع والأحكام من الأحبار والرهبان مشركين. مع أنهم لم يكونوا يعتقدون بألوهيتهم ولم يكونوا يقدمون لهم الشعائر كذلك.. فكله شرك وخروج عن التوحيد الذي يقوم عليه دين الله؛ والذي تعبر عنه شهادة أن لا إله إلا الله. مما يتفق تماماً مع ما قررناه من شرك الجاهلية الحديثة! ولما كان الحديث عن قصة الانحراف في النفس - ذلك المتمثل في قصة الزوجين - هو حديث كل شرك! والمقصود به هو تنبيه أولئك الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، إلى سخف ما هم عليه من الشرك، واتخاذ تلك الآلهة التي لا تخلق شيئاً بل هي تخلق، ولا تنصر عبادها بل لا تملك لأنفسها نصراً، سواء أكانت القصة ومن أسلوب الحكاية في الفقرة السابقة، إلى مواجهة مشركي العرب وإلى أسلوب الخطاب انتقالاً مباشراً، كأنه امتداد للحديث السابق عليه عن تلك الآلهة! {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم، سواء عليكم أَدعوتموهم أم أنتم صامتون. إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم. فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها؟ أم لهم أيد يبطشون بها؟ أم لهم أعين يبصرون بها؟ أم لهم آذان يسمعون بها؟}.. لقد كانت وثنية مشركي العرب وثنية ساذجة - كما أسلفنا - سخيفة في ميزان العقل البشري في أية مرحلة من مراحلة! ومن ثم كان القرآن ينبه فيهم هذا العقل؛ وهو يواجههم بسخافة ما يزاولونه من الشرك بمثل هذه الآلهة. إن أصنامهم هذه الساذجة بهيئتها الظاهرة: ليس لها أرجل تمشي بها، وليس لها أيد تبطش بها. وليس لها أعين تبصر بها، وليس لها آذان تسمع بها.. هذه الجوارح التي تتوافر لهم هم. فكيف يعبدون ما هو دونهم من هذه الأحجار الهامدة؟ فأما ما يرمزون إليه بهذه الأصنام من الملائكة حيناً، ومن الآباء والأجداد حيناً.. فهم عباد أمثالهم من خلق الله مثلهم. لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون! والازدواج في عقائد مشركي العرب بين الأصنام الظاهرة، والرموز الباطنة هو - فيما نحسب - سبب مخاطبتهم هكذا عن هذه الآلهة: مرة بضمير العاقل ملحوظاً فيها ما وراء الأصنام من الرمز، ومرة بالإشارة المباشرة إلى الأصنام ذاتها، وأنها فاقدة للحياة والحركة! وهي في مجموعها ظاهرة البطلان في منطق العقل البشري ذاته، الذي يوقظه القرآن، ويرفعه عن هذه الغفلة المزرية! وفي نهاية هذه المحاجة يوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يتحداهم ويتحدى آلهتم العاجزة - كلها - وأن يعلن عن عقيدته الناصعة في تولي الله - وحده - له: {قل: ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون.. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}.. إنها كلمة صاحب الدعوة، في وجه الجاهلية.. ولقد قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أمره ربه؛ وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة: {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون}.. لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي.. وقال لهم: ألا يألوا جهداً في جمع كيدهم وكيد آلهتهم؛ بلا إمهال ولا إنظار! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه، ويحتمي به من كيدهم جميعاً: {إن وليي الله، الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين}.. فأعلن بها عمن إليه يرتكن. إنه يرتكن إلى الله.. الذي نزل الكتاب. فدل بتنزيله على إرادته - سبحانه - في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه؛ كما قدر أن يعلي هذا الحق على باطل المبطلين.. وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه. وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى الله - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في كل مكان وفي كل زمان: {قل: ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون}.. {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين}. إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من أسناد الأرض؛ وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض.. إنها في ذاتها واهية واهنة، مهما بدت قوية قادرة:{أية : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب!} {أية : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون! }.. تفسير : وصاحب الدعوة إلى الله يرتكن إلى الله. فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن؟ وماذا تساوي في حسه؛ حتى لو قدرت على أذاه؟! إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاه. لا عجزاً من ربه عن حمايته من أذاها - سبحانه وتعالى! - ولا تخلياً منه سبحانه عن نصرة أوليائه.. ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب. واستدراجاً لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين! لقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يردد، والمشركون يتناولونه بالأذى؛ ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين!.. كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! رب ما أحلمك!.." كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه! لقد كان واثقاً أن ربه لا يعجز عن التدميرعلى أعدائه؛ كما كان واثقاً أن ربه لا يتخلى عن أوليائه! ولقد كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول، وقد تناوله المشركون بالأذى - لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة - حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته!.. كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله: "والله ما كانوا أهون عليّ منهم حينذاك!".. كان يعرف أنهم يحادون الله - سبحانه - وكان يستيقن أن الذي يحاد الله مغلوب هين على الله. فينبغي أن يكون مهيناً عند أولياء الله. ولقد كان عبد الله بن مظعون - رضي الله عنه - يقول، وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك، لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فيكف عنه الأذى، وإخوان له في الله يؤذون في سبيل الله. وقد تجمع عليه المشركون - بعد خروجه من جوار عتبة - فآذوه حتى خسروا عينه.. كان يقول لعتبة وهو يراه في هذا الحال فيدعوه أن يعود إلى جواره: "لأنا في جوار من هو أعز منك!".. وكان يرد على عتبة إذ قال له: "يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عمَّا أصابها!".. يقول: "لا والله وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله!".. كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد. وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه، ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب: "لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله".. هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد - صلى الله عليه وسلم - في ظلال ذلك التوجيه الرباني الكريم: {قل: ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين}.. ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين. وهذا الاعتصام بالله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين؟ كان ما يعرفه التاريخ! كانت الغلبة والعزة والتمكين لأولياء الله، وكانت الهزيمة والهوان والدثور للطواغيت الذين قتلهم الصالحون. وكانت التبعية ممن بقي منهم - ممن شرح الله صدره للإسلام - لهؤلاء السابقين، الذين احتملوا الأذى بثقة في الله لا تتزعزع، وبعزمة في الله لا تلين! إن صاحب الدعوة إلى الله - في كل زمان وفي كل مكان - لن يبلغ شيئاً إلا بمثل هذه الثقة، وإلا بمثل هذه العزمة، وإلا بمثل ذلك اليقين: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين}.. لقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدى المشركين. فتحداهم. وأمر أن يبين لهم عجز آلهتهم وسخف الشرك بها فبين لهم: {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون}.. {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}.. وإذا كان هذا التقرير ينطبق على آلهة الوثنية الساذجة في جاهلية العرب القديمة.. فإنه ينطبق كذلك على كل الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة.. إن هؤلاء المشركين الجدد يدعون من دون الله أولياء من أصحاب السلطان الظاهر في الأرضَ ولكن هؤلاء الأولياء لا يستطيعون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون. حين يجري قدر الله بما يشاء في أمر العباد في الموعد المرسوم. وإذا كانت آلهة العرب الساذجة لا تسمع، وعيونها المصنوعة من الخرز أو الجوهر تنظر ولا تبصر! فإن بعض الآلهة الجديدة كذلك لا تسمع ولا تبصر.. الوطن. والقوم. والإنتاج. والآلة. وحتمية التاريخ! إلى آخر تلك الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة! والذي يبصر منها ويسمع - وهي الآلهة المدعاة من البشر، التي تعطى خصائص الألوهية فتشرعٍ بأمرها وتحكم - هي كذلك لا تسمع ولا تبصر.. هي من الذين يقول الله فيهم: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها.. أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون}! إن صاحب الدعوة إلى الله، إنما يصادف حالة واحدة من الجاهليات المتعددة.. وإنما ينبغي أن يقول ما أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {قل: ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}.. فإنما هم هم.. في كل أرض وفي كل حين!!!

ابن عاشور

تفسير : هذا كلام مصروف إلى غير بني إسرائيل، فإنهم لم يكونوا مشركين والله يقول {أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل} فهذا انتقال بالكلام إلى محاجة المشركين من العرب، وهو المقصود من السورة ابتداء ونهاية، فكان هذا الانتقال بمنزلة رد العجز على الصدر. جاء هذا الانتقال بمناسبة ذكر العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل في وصية موسى، وهو ميثاق الكتاب، وفي يوم رفع الطور. وهو عهد حصل بالخطاب التكويني أي بجعل معناه في جبلة كل نسمة وفطرتها، فالجملة معطوفة على الجمل السابقة عطف القصة على القصة. والمقصود به ابتداءهم المشركون. وتَبَدُّل أسلوب القصة واضح إذ اشتملت هذه القصة على خطاب في قوله: {أن تقولوا يوم القيامة} إلى آخر الآية. وإذ صرح فيها بمعاد ضمير الغيبة وهو قوله {من بني آدم} فعموم الموعظة تابع لعموم العظة. فهذا ابتداء لتقريع المشركين على الإشراك، وما ذكر بعده إلى آخر السورة مناسب لأحوال المشركين. و{إذ} اسم للزمن الماضي، وهو هنا مجردٌ عن الظرفية، فهو مفعول به لفعل «اذكرْ» محذوف. وفعل {أخذ} يتعلق به {من بني آدم} وهو معدَّى إلى ذرياتهم، فتعين أن يكون المعنى: أخذ ربك كلَّ فرد من أفراد الذرية. من كل فرد من أفراد بني آدم، فيحصل من ذلك أن كل فرد من أفراد بني آدم أقر على نفسه بالمربوبية لله تعالى. و(من) في قوله: {من بني آدم} وقوله: {من ظهورهم} ابتدائية فيهما. والذُرّيات جمع ذُرَيّةَ، والذّريّة اسمُ جمع لما يتولد من الإنسان، وجمعُه هنا للتنصيص على العموم. وأخذُ العهد على الذرية المخرَجين من ظهور بني آدم يقتضي أخذَ العهد عى الذرية الذين في ظهر آدم بدلالة الفحوى، وإلا لكان أبناء آدم الأدْنَون ليسوا مأخوذا عليهم العهد مع أنهم أولى بأخذ العهد عليهم في ظهر آدم. ومما يثبت هذه الدلالة أخبار كثيرة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جمع من أصحابه، متفاوتة في القوة غيرُ خاللٍ واحدٌ منها عن مُتكلَّم، غير أن كثرتها يؤيد بعضُها بعضاً، وأوضحها ما روى مالك في «الموطأ» في ترجمة «النهيُ عن القول بالقدر» بسنده إلى عمر بن الخطاب قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن هذه الآية {وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون وساق الحديث بما لا حاجة إليه في غرضنا، ومحمل هذا الحديث على أنه تصريح بمدلول الفحوى المذكور، وليس تفسيراً لمنطوق الآية، وبه صارت الآية دالة على أمرين، أحدهما: صريح وهو ما أفاده لفظها، وثانيهما: مفهوم وهو فحوى الخطاب. وجاء في الآية أن الله أخذ على الذريات العهد بالإقرار بربوبية الله، ولم يُتعرض لذلك في الحديث، وذُكر فيه أنه ميز بين أهل الجنة وأهل النار منهم، ولعل الحديث اقتصار على بيان ما سأل عنه السائِلُ فيكون تفسيراً للأية تفسيرَ تكميل لما لم يذكر فيها، أو كان في الحديث اقتصار من أحد رواته على بعض ما سمعه. والأخذ مجاز في الإخراج والانتزاع قال الله تعالى: {أية : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم}تفسير : [الأنعام: 46] الآية. وقوله: {من ظهورهم} بدل {من بني آدم} أبدل بعض من كل، وقد أعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ومن النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ} تفسير : في سورة الأنعام (99). والإشهاد على الأنفس يطلق على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه، وهو هنا الحمل على الإقرار، واستعير لحالة مغيبة تتضمن هذا الإقرار يعلمها الله لاستقرار معنى هذا الاعتراف في فطرتهم. والضمير في {أشهدهم} عائد على الذرية باعتبار معناه، لأنه اسم يدل على جمعَ. والقول في {قالوا بلى} مستعار أيضاً لدلالة حالهم على الإعتراف بالربوبية لله تعالى. وجملة {ألستُ بربكم} مقولٌ لقول محذوف هو بيان لجملة {أشهدهم على أنفسهم} أي قررهم بهذا القول وهو من أمر التكوين. والمعنى واحد، لأن الذرية لما أضيف إلى ضمير بني آدم كان على معنى التوزيع. والاستفهام في {ألست بربكم} تقريري، ومثله يقال في تقرير من يُظن به الإنكار أو يُنزل منزلة ذلك، فلذلك يقرر على النفي استدراجاً له حتى إذا كان عاقداً قلبه على النفي ظن أن المقّرر يطلبه منه، فأقدم على الجواب بالنفي، فأما إذا لم يكن عاقداً قلبه عليه فإنه يجيب بإبطال النفي، فيتحقق أنه بريء من نفي ذلك، وعليه قوله تعالى: {أية : ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق}تفسير : [الأحقاف: 34] تنزيلاً لهم منزلة من يظنه ليس بحق، لأنهم كانوا ينكرونه في الدنيا، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : يا معشر الجن والإنس ألم ياتكم رسلٌ منكم} تفسير : في سورة الأنعام (130). والكلام تمثيل حال من أحوال الغيب، من تسلط أمر التكوين الإلهي على ذوات الكائنات وأعراضها عند إرادة تكوينها، لا تبلغ النفوس إلى تصورها بالكُنْه، لأنها وراء المعتاد المألوف، فيراد تقريبها بهذا التمثيل، وحاصل المعنى: أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها. وجملة: {قالوا بلى} جواب عن الاستفهام التقريري، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : في سورة البقرة (30). وأطلق القول إما حقيقة فذلك قول خارق للعادة، وإمّا مجازاً على دلالة حالهم على أنهم مربوبون لله تعالى، كما أطلق القول على مثله في قوله تعالى: {أية : فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}تفسير : [فصلت: 11] أي ظهرت فيهما آثار أمر التكوين. وقال أبو النجم:شعر : قالت له الطيرُ تقّدم راشداً إنك لا ترجع إلا حامداً تفسير : فهو من المجاز الذي كثر في كلام العرب. و{بلى} حرف جواب لكلام فيه معنى النفي، فيقتضي إبطال النفي وتقرير المنفي، ولذلك كان الجواب بها بعد النفي أصرح من الجواب بحرف (نَعم)، لأن نعم تحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي، وهذا معنى ما نقل عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: «لو قالوا نعم لكفروا» أي لكان جوابهم محتملا للكفر، ولما كان المقام مقام إقرار كان الاحتمال فيه تفصيا من الاعتراف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: {ذرياتهم}، بالجمع، وقرأ الباقون {ذُريتهم}، بالإفراد. وقولهم: {شهدنا} تأكيد لمضمون {بلى} والشهادة هنا أيضاً بمعنى الإقرار. ووقع {أن تقولوا} في موقع التعليل لفعل الأخذ والإشهاد، فهو على تقرير لام التعليل الجارة، وحذفُها مع أنْ جار على المطرد الشائع. والمقصود التعليل بنفي أن يقولوا {إنا كنا عن هذا غافلين} لا بإيقاع القول، فحذف حرف النفي جريا على شيوخ حذفه مع القول، أو هو تعليل بأنهم يقولون ذلك، إن لم يقع إشهادهم على أنفسهم كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب} تفسير : في سورة الأنعام (156). وقرأ الجمهور: أن تقولوا بتاء الخطاب وقد حول الأسلوب من الغيبة إلى الخطاب، ثم من خطاب الرسول إلى خطاب قومه، تصريحاً بأن المقصود من قصة أخذ العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحيد، وهذا الأسلوب هو من تحويل الخطاب عن مخاطب إلى غيره، وليس من الإلتفاف لاختلاف المخاطبين. وقرأه أبو عمرو، وحده: بياء الغيبة، والضمير عائد إلى ذريات بني آدم. والإشارة {بهذا} إلى مضمون الاستفهام وجوابه وهو الاعتراف بالربوبية لله تعالى على تقديره بالمذكور. والمعنى: أن ذلك لمَّا جُعل في الفطرة عند التكوين كانت عقول البشر منساقة إليه، فلا يغفل عنه أحد منهم فيعتذرَ يوم القيامة، إذا سئل عن الإشراك، بعذر الغفلة، فهذا إبطال للاعتذار بالغفلة، ولذلك وقع تقدير حرف نفي أي أنْ لا تقولوا إلخ. وعُطف عليه الاعتذار بالجهل دون الغفلة بأن يقولوا إننا اتبعنا آباءنا وما ظننا الإشراك إلا حقاً، فلما كان في أصل الفطرة العلمُ بوحدانية الله بطل الاعتذار بالجهل به، وكان الإشراك إما عن عمد وإما عن تقصير، وكلاهما لا ينهض عذراً، وكل هذا إنما يصلح لخطاب المشركين دون بني إسرائيل. ومعنى: {وكنا ذرية من بعدهم} كنا على دينهم تبعاً لهم لأننا ذرية لهم، وشأن الذرية الاقتداء بالآباء وإقامة عوائدهم فوقع إيجاز في الكلام وأقيم التعليل مقام المعلل. و{من بعدهم} نعت لذرية لما تؤذن به ذرية من الخلفية والقيام في مقامهم. والاستفهام في {أفتهلكنا} إنكاري، والإهلاك هنا مستعار للعذاب، والمبطلون الآخذون بالباطل، وهو في هذا المقام الإشراك. وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان بالإله الواحد مستقر في فطرة العقل، لو خُلي ونفسه، وتجرد من الشبهات الناشئة فيه من التقصير في النظر، أو الملقاة إليه من أهل الضلالة المستقرة فيهم الضلالة، بقصد أو بغير قصد، ولذلك قال الماتريدي والمعتزلة: أن الإيمان بالإله الواحد واجب بالعقل، ونسب إلى أبي حنيفة وإلى الماوردي وبعضضِ الشافعية من أهل العراق، وعليه أنبتت مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك، وقال الأشعري: معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل تمسكاً بقوله تعالى: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : [الإسراء: 15] ولعله أرجع مؤاخذة أهل الفترة على الشرك إلى التواتر بمجيء الرسل بالتوحيد. وجملة: {وكذلك نفصل الآيات} معترضة بين القصتين، والواو اعتراضية، وتسمى واو الاستئناف أي مثل هذا التفصيل نفصل الآيات أي آيات القرآن، وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} تفسير : في سورة الأنعام (55). وتفصيلها بيانها وتجريدها من الإلتباس. وجملة: {ولعلهم يرجعون} عطف على جملة: {وكذلك نفصل الآيات} فهي في موقع الاعتراض، وهذا إنشاء ترجّي رجوععِ المشركين إلى التوحيد، وقد تقدم القول في تأويل معنى الرجاء بالنسبة إلى صدوره من جانب الله تعالى عنه قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} تفسير : في سورة البقرة (21). والرجوع مستعار للإقلاع عن الشرك، شُبه الإقلاع عن الحالة التي هم متلبسون بها بترك من حل في غير مقره الموضع الذي هو به ليرجع إلى مقره، وهذا التشبيه يقتضي تشبيه حال الإشراك بموضع الغُربة، لأن الشرك ليس من مقتضى الفطرة فالتلبس به خروج عن أصل الخلقة كخروج المسافر عن موطنه، ويقتضي أيضاً تشبيه حال التوحيد بمحل المرء وحيّه الذي يأوي إليه، وقد تكرر في القرآن إطلاق الرجوع على إقلاع المشركين عن الشرك كقوله: {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه لعلهم يرجعون}تفسير : [الزخرف: 26 ـــ 28] أي يرجعون عن الشرك، وهو تعريض بالعرب، لأنهم المشركون من عقب إبراهيم، وبقرينة قوله: {أية : بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسولٌ مبينٌ}تفسير : [الزخرف: 29]، فإني استقريْتُ من اصطلاح القرآن أنه يشير بهؤلاء إلى العرب.

الشنقيطي

تفسير : في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء: أحدهما: أن معنى أخذه ذرية بني آدم من ظهورهم: هو إيجاد قرن منهم بعد قرن، وإنشاء قوم بعد آخرين كما قال تعالى: {أية : كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} تفسير : [الأنعام: 133]، وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر:39] {أية : وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ} تفسير : [النمل: 62]، ونحو ذلك من الآيات: وعلى هذا القول فمعنى قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} أن إشهادهم على أنفسهم إنما هو بما نصب لهم من الأدلة القاطعة بأنه ربهم المستحق منهم لأن يعبدوه، وحده، وعليه فمعنى قالوا بلى، أي قالوا ذلك: بلسان حالهم لظهور الأدلة عليه ونظيره من إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 17] أي بلسان حالهم على القول بذلك، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}تفسير : [العاديات: 6-7] أي بلسان حاله أيضاً على القول بأن ذلك هو المراد في الآية أيضاً. واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن الله جل وعلا جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك به جل وعلا في قوله: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ}، قالوا: فلو كان الإشهاد المذكور الإشهاد عليهم يوم الميثاق، وهم في صورة الذر لما كان حجة عليهم، لأنه لا يذكره منهم أحد عند وجوده في الدنيا، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه. فإن قيل إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته قلنا: قال ابن كثير في تفسيره: "الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد، ولهذا قال: {أَن تَقُولُوا} الآية اهـ منه بلفظه. فإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية، وما استدل عليه قائله به من القرآن. فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية: أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده. قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الوجه الأخير يدل له الكتاب والسنة. أما وجه دلالة القرآن عليه، فهو أن مقتضى القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله. الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من القطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتيهم نذير والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15] فإنه قال فيها: حتى نبعث رسولاً، ولم يقل حتى نخلق عقولاً، وننصب أدلة، ونركز فطرة. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165] الآية، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم: هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة. وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بينها في "طه" بقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} تفسير : [طه: 134]، وأشار لها في "القصص" بقوله: {أية : وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [القصص: 47]، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} تفسير : [الملك: 8-9]، وقوله تعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71]، ومعلوم أن لفظة كلما في قوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} صيغة عموم، وأن لفظة الذين في قوله: {{وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} صيغة عموم أيضاً، لأن الموصول يعم كلما تشمله صلته. وأما السنة: فإنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن الله أخرج ذرية آدم في صورة الذر فأخذ عليهم الميثاق كما ذكر هنا، وبعضها صحيح قال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر - لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود، وعلي بن ابي طالب، وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم اهـ. محل الحاجة منه بلفظه، وهذا الخلاف الذي ذكرنا هل يكتفي في الإلزام بالتوحيد بنصب الأدلة، أو لا بد من بعث الرسل لينذروا؟ هو مبنى الخلاف المشهور عند أهل الأصول في أهل الفترة. هل يدخلون النار بكفرهم؟ وحكى القرافي عليه الإجماع وجزم به النووي في (شرح مسلم)، أو يعذرون بالفترة وهو ظاهر الآيات التي ذكرناها، وإلى هذا الخلاف أشار في (مراقي السعود) بقوله: شعر : ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع تفسير : وقد حققنا هذه المسألة مع مناقشة أدلة الفريقين في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]، ولذلك اختصرناها هنا.

الواحدي

تفسير : {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} أخرج الله تعالى ذريَّة آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، وجميعُ ذلك أخرجه من صلب آدم مثل الذَّرِّ، وأخذ عليهم الميثاق أنَّه خالقهم، وأنَّهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولاً، وذلك قوله: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} أي: قال: ألستُ بربكم {قالوا بلى} فأقرُّوا له بالربوبيَّة، فقالت الملائكة عند ذلك {شهدنا} أَيْ: على إقراركم {أن} لا {تقولوا} لئلا [تقولوا، أي: لئلا] يقول الكفار {يوم القيامة إنا كنا عن هذا} الميثاق {غافلين} لم نحفظه ولم نذكره، ويذكرون الميثاق ذلك اليوم فلا يمكنهم الإنكار مع شهادة الملائكة، وهذه الآية تذكيرٌ لجميع المكلَّفين ذلك الميثاق؛ لأنَّها وردت على لسان صاحب المعجزة، فقامت في النُّفوس مقام ما هو على ذكرٍ منها. {أو تقولوا} أَيُّها الذُّريَّة محتجِّين يوم القيامة: {إنما أشرك آباؤنا من قبل} أَيْ: قبلنا، ونقضوا العهد {وكنا ذرية من بعدهم} صغاراً فاقتدينا بهم {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أَفَتُعَذَّبنا بما فعل المشركون المكذِّبون بالتَّوحيد، وإَّنما اقتدينا بهم، وكنا في غفلةٍ عن الميثاق، وهذه الآية قطعٌ لمعذرتهم، فلا يمكنهم الاحتجاج بكون الآباء على الشِّرك بعد تذكير الله بأخذ الميثاق بالتَّوحيد على كلِّ واحدٍ من الذُّريَّة. {وكذلك} وكما بيَّنا في أمر الميثاق {نفصل الآيات} نبيِّنها ليتدبَّرها العباد {ولعلهم يرجعون} ولكي يرجعوا عمَّا هم عليه من الكفر. {واتل عليهم} واقرأ واقصص يا محمَّد على قومك {نبأ} خبر {الذي آتيناه آياتنا} علَّمناه حجج التَّوحيد {فانسلخ} خرج {منها فأتبعه الشيطان} أدركه {فكأن من الغاوين} الضَّالين. يعني: بلعم من باعوراء. أعان أعداء الله على أوليائه بدعائه، فَنُزِعَ عنه الإِيمان.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 172- بيَّن اللَّه هنا هداية بنى آدم بنصب الأدلة فى الكائنات، بعد أن بيَّنها عن طريق الرسل والكتب، فقال: واذكر - أيها النبى - للناس حين أخرج ربك من أصلاب بنى أدم ونسلهم وما يتوالدون قرنا بعد قرن، ثم نصب لهم دلائل ربوبيته فى الموجودات، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها من معرفتنا، والاستدلال بها على التوحيد والربوبية، حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بل أنت ربنا شهدنا بذلك على أنفسنا، لأن تمكينهم من العلم بالأدلة وتمكنهم منه فى منزلة الإقرار والاعتراف. وإنما فعلنا هذا لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا التوحيد غافلين لا نعرفه. 173- أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبلنا، وكنا ذرية لهم فاقتدينا بهم، أفتؤاخذنا يا رب فتهلكنا بما فعل المبطلون من آبائنا بتأسيس الشرك الذى جرونا إليه.. فلا حجة لكم. 174- ومثل ذلك البيان الحكيم نُبيِّن لبنى آدم الدلائل على وجود الله، ليرجعوا عن مخالفتهم وتقليد المبطلين. 175- ثم ضرب الله مثلا للمكذبين بآياته المنزلة على رسوله، فقال: واقرأ - أيها النبى - على قومك خبر رجل من بنى إسرائيل آتيناه علما بآياتنا المنزلة على رسلنا، فأهملها ولم يلتفت إليها، فأتبعه الشيطان خطواته، وسلط عليه بإغوائه فصار فى زمرة الضالين.

القطان

تفسير : الظهور:جمع ظهر وهو معروف. الذرية: سلالة الانسان من ذكور واناث. بيّن الله هنا هداية بين آدم بنصْب الأدلّة في الكائنات، بعد ان بينها عن طريق الرسل والكتب، فقال: واذكر ايها النبيّ للناس حين أخرج ربُّك من أصلاب بني آدم ما يتوالدون قرنا بعد قرن، ثم نصب لهم دلائل روبيّته في الموجودات، وركّز فيهم عقولاً وبصائر يتمكّنون بها من معرفتها، والاستدلال بها على التوحيد والربوبية، فقال لهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى انت ربنا شهِدنا بذلك على أنفِسنا. وإنما فعل الله هذا لئلا يقولوا يوم القيامة: إنّا كمنّا عن هذا التوحيد غافلين. وقد اكثرَ المفسرون الكلام في تفسير هذه الآية وأوردوا عدداً من الاحاديث والأقوال، لكنه من الصعب الوثوق بها، كما أنها غير صحيحة الإسناد. وأحسنُ ما يقال: إن هذه الآية تعرِض قضية الفطرة في صورة مشهدٍ تمثيلي على طريقة القرآن الكريم. وإن مشهدَ الذرية المستكنّة في ظهور بني آدم قبل ان تظهر الى العالم المشهود لمشهدٌ فريد حتى في عالَم الغيب. وهذه الذرية هي التي يسألها الخالق المربي: ألستُ بربكم، فتعترف له بالربوبية وتقرّ له بالعبودية. أما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدَهم على أنفسهم، وكيف خاطبهم - فكل هذه الأمور من المغيَّبات التي تخالف حياتنا الدنيا. وأقربُ تفسير لأفهامنا ان هذا العهد الذي اخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة، فقد انشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولود إلا يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه او ينصرّانه او يمجّسِانه" تفسير : اخرجه البخاري ومسلم. وفي سورة [الروم الآية: 30] {أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }. تفسير : {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا}. او تقولوا إنما أشرَك آباؤنا من قبلنا. ولقد خرجنا إلى هذا الوجود فوجدنا آباءنا على دينِ فاتّبعنهم، فهل تؤاخذنا يا ربّ بما فعل السابقون من آبائنا، فتجعل عذابنا كعذابهم فلا حجّة لكم أبدا. {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. يرجعون الى فطرتهم وعهِدها مع الله، فاللهُ لا يقبل الاعتذار من أي إنسان بانه يقلّد آباءه واجداده، وقد بين له الرسل الكرام الطريق الى الهدى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ءَادَمَ} {ٱلْقِيَامَةِ} {غَافِلِينَ} (172) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ: أَنَّهُ أقَامَ الأدِلَّةَ عَلَى وُجُودِهِ وَعَظَمَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَقَدْ أقَامَ هَذِهِ الأدِلَّةَ عَنْ طِرِيقِ مَا بَثَّهُ فِي الكَوْنِ مِنْ أَسْبَابِ الهِدَايَةِ. كَمَا أقَامَهَا عَنْ طَرِيقِ الكُتُبِ وَالرُّسُلِ. فَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِباً رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم: اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ، حِينَ اسْتَخْرَجَ اللهُ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ أصْلابِهِمْ لِيَشْهَدُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ، أنَّ اللهَ رَبُّهُمُ وَمَلِيكُهُمْ، وَأنَّهُ لاَ إلهَ إِلاَّ هُوَ، كَمَا أنَّهُ فَطَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَلَهُمْ عَلَيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللهَ تَعَالَى مَسَحَ صُلْبَ آدَمَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نَسْمَةٍ خَلَقَهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَأخَذَ مِنْهُمْ المِيثَاقَ أنْ يَعْبُدُوهُ، وَلاَ يَشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالأرْزَاقِ، ثُمَّ أعَادَهُمْ فِي صُلْبِهِ، فَلَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يُولَدَ مَنْ أعْطى المِيثَاقَ يَوْمَئِذِ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. قال المفسّرون: لمّا خلق الله عزّ وجلّ آدم مسح ظهره وأخرج منه ذريته كلهم وهي الذرية واختلفوا في موضع الميثاق. فقال ابن عباس: يسكن نعمان واد إلى جنب عرفة، وروي فيه أيضاً أنّ ذلك [برهبا] أرض بالهند وهو الموضع الذي أهبط الله فيه آدم صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: بين مكّة والطائف. وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنّة ولم يهبط من السماء ثمّ مسح ظهره وأخرج ذريته. قالوا: فأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وأصحاب المنامة. وقال لهم: جميعاً أعلموا أن لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئاً فإنّي مرسل إليكم رجالاً يذكرونكم بعهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتباً فتكلّموا وقالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا ولا رب لنا غيرك، فأقرّوا يومئذ كلهم طائفة طائعين. وطائفة على وجه التقدير تقيّة، فأخذوا بذلك مواثيقهم وسُمّيت آجالهم وأرزاقهم وحسابهم فنظر إليهم آدم، ورأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم، فقال: إنّي [أحببت أن] أشكر. قالوا: وفيهم الأنبياء يومئذ أمثال السرج فرأى آدم نوراً ساطعاً فقال: من هذا؟ فقال: هذا داود نبي من ذريتك قال: كم عمره؟ قال: ستّون سنة قال: رب زده. قال: جرى القلم بآجال بني آدم، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، فأثبت لداود أربعين وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكمل آدم تسعمائة وستين سنة جاء ملك الموت، فلما رآه آدم قال: مالك؟ قال: استوفيت أجلك، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، قال: أليس قد وهبتها لداود؟ قال: لا فجحد آدم، فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطأ فخطئت ذريته، فرجع الملك إلى ربه فقال: إن آدم يدعي أنه بقي من عمره أربعون سنة، قال: أخبر آدم أنه وهبها لابنه داود (عليه السلام) والأقلام بطيئة فأثبتت لداود، فلما قررهم بتوحيده وآثر بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه ولا يزداد فيهم ولا ينقص عنهم، فذلك قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} ونظم الآية: وإذا أخذ ربّك من ظهر بني آدم ذريتهم، ولم يذكر أمر آدم فإنما أعرجوا يوم الميثاق في ظهره، لأن الله عزّ وجلّ أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم بقوله (من بني آدم) فلما علم أنهم كلهم بنوه و[خرجوا] من ظهره ترك ذكر ظهر آدم وذكر ظهور بنيه. وقوله: {ذُرِّيَّتَهُمْ} قرأ أهل مكة والكوفة: ذريتهم بغير ألف على الواحد، وقرأ الباقون على الجمع بالألف {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} وقال لهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} سؤال تقرير {قَالُواْ} جميعاً {بَلَىٰ} أنت ربّنا {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ} قرأ ابن عباس وابن محيصن وأبو عمرو: (يقولوا) بالباء، والباقون بالتاء كقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، واختلفوا في قوله: (شهدنا) فقال السدي: خبر من قوله تعالى عن نفسه وعن ملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم، وقال الآخرون: بل ذلك على إقرار بني آدم حين أشهد بعضهم على بعض أن يقولوا يعني أن لا يقولوا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} الميثاق والإقرار {غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} فاتبعناهم {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعني المشركين وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن التوحيد {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} لقومك يامحمد {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} اختلفوا فيه. فقال عبد الله بن مسعود: هو بلعم بن ابرة. وقال ابن عباس: هو بلعم بن باعورة. وقال مجاهد: هو بلعام بن باعر. وقال مقاتل: هو بلعام بن باعور بن ماث بن لوط. عطية عن ابن عباس: هو من بني إسرائيل. وقال عليّ بن أبي طلحة: هو من الكنعانيين من مدينة الجبارين، وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا، وسميت بلقا لأن ملكها كان رجلاً يقال له: بالق وكانت وصيته على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم: إن موسى (عليه السلام) لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم وكان عنده اسم الله الأعظم. فقالوا: إن موسى رجل شديد ومعه جنود كثيرة وإنّه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل وأنا قومك وبنو عمك وليس لنا قول وأنت رجل مجاب الدعوة فأخرج وادع الله تعالى أن يرد عنا موسى وقومه فقال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي. وقالوا ما لنا من [نزل] وراجعوه في ذلك قال: حتى أُءامر ربّي، وكان لا يدعو حتّى ينظر ما يؤمر في المنام فيأمرني الدعاء عليهم. فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد أُمرت ربّي في الدعاء عليهم وإنّي قد نُهيت، فهدوا له هدية، فقبلها ثمّ راجعوه وقالوا: أدع عليهم، فقال: حتّى أؤمر فلما أُمّر لم يجيء إليه شيء. فقال: قد أُمّرت فلم يجيء إليّ شيء، فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى. فلم يزالوا به [يروقونه] ويتضرعون إليه حتّى فتنوه فافتن فركب [أتاناً] له متوجهاً إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له جسبان. فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتّى إذا أذاقها قامت فركبها فلم تسر به كثيراً حتّى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيراً حتّى ربضت فضربها حتّى إذا أذاقها أذن الله لها بالكلام فتكلمت حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا لنذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم، فلم ينزع عنها فخلّى الله سبيلها فانطلقت حتّى إذا أشرقت به على جبل جسبان جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشيء إلاّ صرف به لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلاّ صرف مسألته إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: أتدري يابلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبقَ إلاّ المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، اجملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ثمّ أرسلوهن إلى العسكر يتعدوا فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنهم إن زنا رجل واحد منهم يفتنوهم ففعلوا. فلمّا دخل النساء العسكر مرَّت امرأة بين الكنعانيين اسمها بشتي بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل يُقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليه السلام) فقام إليها فأخذ بيدها حين أَفْتنه جمالها ثمّ أقبل حتّى وقف على موسى فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها قال: فوالله لا نطيعك في هذا ثمّ دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت. وكان لفنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى رجلٌ قد أعطى بسطة في الخلق وقوة في البطش وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون [يمجّس] في بني إسرائيل وأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلّها ثمّ دخل عليه القبة وهما متضاجعان [فاستقبلها] بحربته ثمّ خرج بهما رافعاً بهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته. وكان [يكره العيزار] وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك فرفع الطاعون. فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجوده قد هلك منهم سبعون ألفاً في ساعة من نهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص كل ذبيحة ذبحوها الفشة والذراع واللحى، لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وبإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنّه كان [بكراً] لعيزار بن هارون وفي بلعم أنزل الله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا } الآية. وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: أدعُ على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه فنصبت خشبة ليصلب فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليهم، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها فقالت: لم تضربني إني مأمورة فلا تظلمني وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى بالاسم الأعظم ألا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه فقال موسى: يارب [بأي] ذنب وقعنا في التيه قال: بدعاء العالم، قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله تعالى {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. وقال عبد الله بن عمر بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: حديث : نزلت هذه الآية في أُميّة بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصّته أنّه كان في ابتداء [أمره] قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولاً في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو ذلك الرسول. فلما أرسل محمد (عليه السلام) حسده وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مرَّ على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل قتلهم محمد فقال: لو كان نبياً ما قتل أقرباءه. فلمّا مات أميّة أتت أخته فارعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو قد [أتانا فنام على سريري فأقبل طائران] ونزلا فقعد أحدهما عند رجله والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: أَدُعي؟ قال: دُعي، قال: أزكّي؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك. قال: خيراً زيدي، فصرف عني ثمّ غشي عليه فلما أفاق قال: كل عيش وإن تطاول دهراً * صائر أمره إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما بدا لي * في قلال الحبال أرعى الوعولا يوم الحساب يوم عظيم * شاب فيه الصغير نوماً ثقيلاً ثمّ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني شعر أخيك. فأنشدته: لك الحمد والنعماء والفضل ربنا * ولا شيء أعلى منك جداً وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد وهي قصيدة طويلة حتّى أتت على آخرها. وأنشدته قصيدته: وقف الناس للحساب جميعاً * فشقي معذب وسعيد ثمّ أنشدته قصيدته التي فيها عند ذي العرش يعرضون عليه * يعلم الجهر والسرار الخفيا يوم يأتي الرحمن وهو رحيم * إنّه كان وعده مأتياً يوم يأتيه مثل ما قال فرد * ثم لابد راشداً أو غوياً أو سعيداً سعادة أنا أرجو * أو مهاناً لما اكتسبت شقياً إن أوءاخذ بما أجرمت فإني * سوف ألقى في العذاب قويا ورب إن تعفو فالمعافاة ظنّي * أو تعاقب فلم تعاقب بريّاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن شعره وكفر قلبه . تفسير : وأنزل الله عزّ وجلّ: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} الآية. ومنهم مَنْ قال: إنها نزلت في البسوس. وكان رجلاً قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات. وكانت له امرأة وكان له منها ولد فقالت له: اجعل منها دعوة واحدة لي. فقال: لك منها واحدة، فما تريدين؟ فقالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الرجل. ودعا عليها فصارت كلبة نبّاحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا قرار دعوت على أمّنا فصارت كلبة نبّاحة والناس يُعيروننا أدعو الله أن يردها على الحال التي كانت عليها، فدعا الله عزّ وجلّ فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات. وقال سعيد بن المسيب: حديث : نزلت في أبي عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الذي سمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم الفاسق. وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوخ فقدم المدينة وقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي جئت به. قال: "جئت بالحنفية دين إبراهيم"، فقال: أنا جئتها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "لست عليها ولكنك أدخلت إبليس فيها"، فقال أبو عامر: أمات الله كاذباً منا طريداً وحيداً فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا القوّة والسلاح وابنوا إلي مسجداً ثمّ أتى الراهب قيصر وأتى بجند ليُخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة فذلك قوله: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 107] يعني انتظاراً لمجيئه فمات بالشام طريداً وحيداً . تفسير : وقال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش أتاهم الله الآيات فانسلخوا منها فلم يقبلوها، فقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيّ صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. وقال عمرو بن دينار: سُئل عكرمة عن هذه الآية فقال: هذا وهذا ليست في خاصة. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله فذلك قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا}. وقال ابن عباس والسدي: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه. وقال ابن عباس في رواية أُخرى: أعظم أنها كتاباً من كتب الله. مجاهد: هو نبي من بني إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه. {فَٱنْسَلَخَ} [خرج] {مِنْهَا} كما تنسلخ الحيّة من جلدها {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لحقه وأدركه {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي فضلناه وشرفناه ورفعنا منزلته بالآيات. وقال ابن عباس: رفعناه بها. وقال مجاهد وعطاء: يعني لرفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} قال سعيد بن جبير: ركن الى الأرض. مجاهد: سكن. مقاتل: رضي بالدنيا. أبو عبيدة: لزمها وأبطأ، والمخلد من الرجال هو الذي يبطئ شيبه ومن الدواب التي تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه. قال الزجاج: خلد وأخلد واحد وأجعله من الخلود وهو الدوام والمقام يقال خلد فلان بالمقام إذا أقام به. ومنه قول زهير: شعر : لمن الديار غشيتها بالغرقد كالوحي في حجر المسيل المخلد تفسير : يعني: المقيم. وقال مالك بن نويرة: شعر : فما نبأ حيّ من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا تفسير : {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} قال الكلبي: يتبع [خسيس] الأمور ويترك معاليها. وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال ابن زيد: كان هواه مع [القدم] قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه، وقال يمان: واتبع هواه أي امرأته لأنّها حملته على الخيانة. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به، وقال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع. وروى معمر عن بعضهم قال: هو الكافر ضال إن وعظته أو لم تعظه. قال ابن عباس: معناه إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تتركه لم يهتدِ بخير كالكلب إن كان [رابضاً] لهث وإن طرد لهث. وقال الحسن: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أو لم يدع وعظ أو لم يوعظ [كالكلب] يلهث طرد أو ترك، قال عطاء: ينبح إن يحمل عليه وإن لم يحمل، وقال القتيبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش إلاّ الكلب، فإنّه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة وحال المرض، وحال [الجوع] وحال العطش فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته. فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته لهث ونظيره قوله {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} روى محمد بن إسحاق عن سالم [أبي الخضر] قال: يعني مثل بني إسرائيل أي إن جئتهم بخبر ما كان فيهم ما غاب عنك (لعلهم يتفكرون). فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلاّ نبي يأتيهم خبر السماء {سَآءَ مَثَلاً} أي بئس المثل مثلاً حال من المثل المضمر. كما قال جرير: شعر : فنعم الزاد زاد أبيك زاداً تفسير : هذا إذا جعلت (ساء) من فعل المثل ورفعت القوم بدلاً من الضمير فيه. وإن حولت فعله إلى القوم ورفعتهم به كان [انتهاء] به على التمييز، يريد سأمثل القوم فلما حولته إليهم خرج المثل مفسّراًكما يقال: قربه عيناً وضاق ذرعاً، متى ما سقط التنوين عن المميز [المخفض] بالإضافة دليله قراءة [الجحدري] والأعمش سأمثّل القوم بالاضافة، وقال أبو حاتم: يريد بها (مثلاً) مثل القوم فحذف مثل. وأقام القوم [به أُمّة] فرفعهم كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} إلى قوله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} وإنما قال ذلك لنفاد علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم ويُسمّي بعض أهل المعاني هذه اللام لام [الصيرورة] فيه كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. وأنشدوا: شعر : أموالنا لذوي الميراث نجمعها [ودورنا] لخراب الدهر نبنيها تفسير : وقال الآخر: شعر : فللموت تغدو الوالدات سخالها كمالخراب الدهر تبنى المساكن تفسير : وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: "أية : إن الله تعالى كما ذرأ لجهنم ما ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم"تفسير : ، ثمّ وصفهم فقال {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} ولا يعلمون الخير والهدى {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} طريق الحق والرشاد {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} مواعظ الله والقرآن فيفكرون ويعتبرون بها فيعرفون بذلك توحيد الله ثمّ يعملون بتحقيق [النبوّة] فآتينا بهم ثمّ ضرب لهم مثلاً في الجهل والاقتصاد على الشرب والأكل وبعدهم من موجبات العمل. وقال عز من قائل {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره ويطيعوه والكافرون لا يعرفون ربهم ولا يطيعونه وفي الخبر: "كل شيء أطوع لله من ابن آدم". {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذ تنصرف إلى الزمن، أي اذكر وقت أن أخذ الله من بني آدم، والآخذ هو الله، والمأخوذ منه بنو آدم، والشيء المأخوذ هو ذريتهم، هذه هي العناصر. ولنتأمل ذلك بدقة، إن الرب هنا هو الآخذ، وبنو آدم مأخوذ منهم، والمأخوذ هو الذرية. وبنو آدم هم أولاد آدم من لدنه إلى أن تقوم الساعة، وهنا اتحد المأخوذ والمأخوذ منه، ولابد أن نرى تصريفاً في هذا النص؛ لأنه يشترط أن يكون المأخوذ منه كلاً، والمأخوذ بعضه. والمثال: إن أنا أخذتُ منك شيئاً، فالمأخوذ منه هو الكل، والمأخوذ بنفسه هوالبعض. لكننا هنا نجد المأخوذ هو عين المأخوذ منه، وأزال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإشكال في هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه: (حديث : لما خلق الله أدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وميضاً من نور ثم عرضهم على آدم، فقال: أيْ رَبَّ. من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلاً منهم. فأعجبه وميض ما بين عينيه. فقال: أي رب. من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قُضي عُمُر آدم جاءه ملك الموت. فقال: أو لم يَبْقَ من عُمُري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدمُ فجحدتُ ذُريته، ونسي فنسيت ذريته. وخطئ آدم فخطئت ذريته ). تفسير : إذن ذرية آدم أُخذت من ظهر آدم. وعرفنا من قبل أنّ كُلاً منا قبلَ أن تحملَ به أمّه كان ذَرَّةً في ظهر أبيه، وأبوه كان ذرّة في ظهر أبيه حتى آدم. وهكذا نجد أنَّ كل واحد مأخوذ من ظهره ذرية، هناك أناس يؤخذون - كذرية - ولا يؤخذ منهم، مثًل من فرض عليهم الله أن يكون الواحد منهم عقيماً، وكذلك آخرُ جيل تقومُ عليه الساعة، ولن ينجبوا. وآدم مأخوذ منه لأنه أول الخلق، وهو غير مأخوذ من أحد. وما بين الأب آدم وآخر ولد؛ مأخوذ ومأخوذ منه. وبذلك يكون كل واحد مأخوذ ومأخوذ منه، وهكذا يستقيم المعنى. والمأخوذ منه آدم ثم كل ولد من أول أولاد آدم إلى الجيل الأخير الذي سينقطع عن النسل. وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم: أن ربنا سبحانه وتعالى مسح بيده على ظهر آدم وأخرج منه الذرية، وقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. وبهذا عَلمْنا أنَّ كل ذرّة من الذرات قد أُخذت مما قبلها، وأُخذ منها ما بعدها؛ وكلها مأخوذ ومأخوذ منه، اللهم إلا القوسين؛ القوس الأول: آدم لأنه مأخوذ منه وليس مأخوذاً من شيء، والقوس الثاني: آخر ولد من أولاده مأخوذ وليس مأخوذاً منه؛ لأن الإنسان منا وُجد من حيوان أبيه المنويّ. ولو أن الحيوانَ المَنَويَّ أصابه موت لما أنجب الأب. ومن وُلد من حيوان مَنَوِيَّ لأب، هذا الأب مأخَوذ من حيوان مَنَوِيَّ حيّ من الجد أيضاً، وسلسلها إلى آدم؛ ستجد أن كل واحد منا فيه جزيء حَيّ من لدن آدم لن يدركه موت أبداً. لذلك يقول ربنا: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ...} [الأعراف: 172] ولا تقل إن الكل سيكون في ظهره؛ لأن المأخوذ منه هو الأساس الموجود في ظهره، ومادام كل شيء يتكاثر فهو قد وجد من أقل شيءٍ ونعلم أن الأقل يوجد فيه الأكثر مطموراً. وقد أخذ ربنا من ظهور بني آدم الذرية وخاطب الذرية بقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }؟. وهنا قد يقول قائل: أكان لهذه الذرية القدرة على النطق؛ إنها ذرية تنتظر التكوين الآخر؛ لتتحد مثلاً بـ"البويضة" في رحم الأم؟ فنرد عليه ونقول: لماذا تظن أن مخاطبة ربنا لهم أمرُ صعب؟ إن الواحد من البشر يستطيع أن يتَعلَّم عَشْرَ لغاتٍ، ويتزوجَ من أربع سيدات، وكل سيدة ينجب منها ذرية، ويقعد يوماً عند سيدة وذريتها ويعلمهَا اللغة الإنجليزية مثلا، ويجلس مع الأخرى ويعلمها اللغة الألمانية، ويعلم الثالثة وأولادها اللغة العربية وهكذا، بل يستطيع أن يتفاهم حتى بالإشارة معَ من لا يعرف لغته، وإذا كان الإنسانُ يستطيع أن يعدد وسائل الأداء، ألاَ يقدر أن يعدد وسائل الأداء لمخلوقاته؟ إنه قادر على أن يعدد ويخاطب، ألم يقل الحق تبارك وتعالى للجبال: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ...} تفسير : [سبأ: 10] كيف إذن لا يتسع أفق الإنسان لأن يدرك أن الله قادر على أن يخاطب أيّاَّ من مخلوقاته؟. إنه قادر على أن يخاطب كل مخلوق له بلغة لا يفهمها الآخر. وهو القائل سبحانه: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ...} تفسير : [الأنبياء: 79] ونعلم أن القرآن الكريم كذلك أن الجبال تسبح أيضاً من غير داود، شأنها شأن المخلوقات جميعها مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ...} تفسير : [الإسراء: 44] وحتى ذرات يد الكافر تسبح، وإن كان تسبيحها لا يوافق إرادته. وقول الحق سبحانه: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} يبين لنا أن الجبال كانت تردد تسبيح داوود وتلاوته للزبور، ولا يقتصر أمر الحق إلى الجبال بل إلى كل مخلوق، فنحن - على سبيل المثال - نقرأ في القرآن الكريم أن ربنا اوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً من الشجر ومما يعرشون. إذن فلله مع خلقه أدوات خطاب؛ لأنه هو الذي خلق الكون والمخلوقات، وله سبحانه خطاب بألفاظ، وخطاب إشارات، وخطاب بإلهام، وخطاب بوحي، فإذا قرأنا أن الحق تبارك وتعالى قال لذرية آدم: ألست بربكم؟ فهذا يعني أنه قالها لهم باللغة التي يفهمونها، لأنه هو سبحانه الذي قال للسماء والأرض: {أية : ...ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] ولقد تكلمت النملة وفهم سليمان كلامها، ولو لَمْ يُعْلِم اللهُ سليمانَ كيف يفهم كلامها لما عرفنا أنها تكلمت: {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ...} تفسير : [النمل: 18] إنها تفهم ما يفعله البشر حين يدوسون على كائنات صغيرة دون أن يروها، ولكن سليمان نبي من أنبياء الله، ولن يعتدي على خلق الله، والنملة التي تكلمت كانت تحرس بقية النمل. وكذلك تكلم الهدهد ليخبر سيدنا سليمان عن مملكة سبأ وحالة بلقيس وقومها. إذن فالله عز وجل يخاطب جميعَ خلقه، ويجيبُه جميعُ خلقه، فلا تقل: كيف خاطب المولى سبحانه الذر، والذَر لم يكن مكلفاً بعد؟ ولم يحاول العلماء أن يدخلوا في هذه المسألة؛ لأنها في ظاهرها بعيدة عن العقل، ويكفي أن ربنا الخالق القادر قد أبلغنا أنه قد خاطب الذرات قائلا: ألست بربكم؟. قالوا: بلىَ. ويبدو من هذا القول أن المسألة تمثيل للفطرة المودعة في النفس البشرية. وكأنه سبحانه قد أودع في النفس البشرية والذات الإنسانية فطرةً تؤكد له أنَّ وراءَ هذا الكونِ إلهاً خالقاً قادرا مدبرا. وقديماً قلنا: هب أنَّ طائرةً وقعت في صحراء، وحين أفقت من إغماءة الخوف؛ فكرّت في حالك وكيف أنك لا تجد طعاماً أو شراباً أو أنيساً، وأصابك غمٌّ من هذه الحالة فنمت، ثم استيقظت فوجدت مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، ألا تتلفت لتسأل من الذي أقام لك هذه المأدبة قبل أن تمد يدك إلى أطايب الطعام؟. كذلك الإنسان الذي طرأ على هذا الكون الحكيم الصنع؛ البديع التكوين؛ ألا يجدرُ بهِ أن يسأل نفسه من خلق هذا الكون؟. إننا نعلم أن المصباح الكهربي احتاج لصناعته إلى علماء وصناع مهرة كثيرين وإلى إمكانات لا حصر لها لينير هذا المصباح حجرة محدودة، وحين نرى الشمس تنير الكون كله، ولا يصيبها كللٌ أو تعبٌ ولا تحتاج منا إلى صيانة، ألا نسأل من صنعها؟ وخصوصاً أنَّ أحداً لم يدَّع أنه قد صنعها، وقد أبلغنا المولى سبحانه وتعالى بأنه هو الذي خلق الأرض وخلق الشمس وخلق القمر، فإما أن يكون هذا الكلام صحيحاً؛ فنعبده، وإما لا يكون الكلام صحيحاً فنبحث عمن صنع وخلق الكون لنعبده. وبما أن أحداً لم يَدَّعِ لنفسه صناعة هذه الكائنات، فهي تسلم لصاحبها وأنه لا إله إلا الله. إذن فالفطرة تهدينا أن وراء هذا الكون العظيم قدرةً تناسب هذه العظمة؛ قدرة تناسب الدقة؛ هذه الدقة التي أخذنا منها موازين لوقتنا؛ فقد أخذنا من الأفلاك مقياساً للزمن؛ ولولا حركة الأفلاك التي تنظم الليل والنهار؛ لما قسمنا اليوم إلى ساعات، ولولا أن حركة الأفلاك مصنوعة بدقة متناهية؛ لما استطعنا أن نَعُدَّها مقياساً للزمن. وحينما نستعرض قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] نجد أن كلمة "بحسبان" وردت مرتين، فقد أبلغنا الحق سبحانه وتعالى: أنه جعل الشمس والقمر بحسبان، أو حسبانا، وهما من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه ولم يخلقهما عبثا بل لحكمة عظيمة. {أية : لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ...} تفسير : [يونس: 5] فقد أخذنا من دورة الشمس والقمر مقياساً، ولم نكن لنفعل ذلك إلا أن كانت مخلوقة بحساب؛ لأن الكون مصنوع ومخلوق على هذه الدرجة من الدقة والإحكام لهذا يجب أن نلتفت إلى أن هناك قدرة وراء هذا العالم تناسب عظمته. لكن أنعرف ماذا تريد هذه القوة بالعقل؟ إن أقصى ما يهدينا العقل هو أن نعرف أنَّ هناك قوةً ولا يعرف العقل اسم هذه القوة، وكذلك لم يعرف العقل مطلوبات هذه القوة، وكان لابد أن يأتي لنا رسولٌ من طرف تلك القوة ليقول لنا مرادَها، وجاء الموكب الرسالي فجاءت الرسل ليبلغ كلُّ رسولٍ مرادَ الحق من الخلق، فقال كلُّ رسول: إن اسم القوة التي خلقتكم هو الله، وله مطلق التصرف في هذا الكون، ومراد الحق من الخلق تعمير هذا الكون في ضوء منهج عبادة الحق الذي خلق الإنسان والكون. وكل هذه الأمور ما كانت لتدرك بالعقل. وهكذا نعلم أن منتهى حدود العقل هو إيمانٌ بقوةٍ خالقه وراءَ هذا الكون، وتستوي العقول الفطرية في هذه المسألة. أما اسم القوة والمنهج المطلوب لهذا الاله فلابد له من رسول. وأرهق الفلاسفة أنفسهم في البحث عن هذه القوة ومرادها. وسموها مجال البحث "الميتافيزيقا" أي "ماوراء الطبيعة" وعادة ما يقابل الفلاسفة من يسألهم من أهل الإيمان: ومن الذين قال لكم إن وراء المادة قوة يجب أن تبحثوا عنها؟. وغالباً ما يقول الفيلسوف منهم: إنها الفطرة التي هدتني إلى ذلك. وتشعبت الفلسفة إلى مدارس كثيرة. وحاول أهل الفلسفة أن يتصوروا هذه القوة، وهذا هو الخلل؛ لأن الإنسان يمكنه أن يعقل وجود القوة الخالقة، ولا يمكن له أن يتصورها. وغرق الكثيرون من الفلاسفة في القلق النفسي المدمَّر. وأنقذ بعضهم نفسه بالإيمان. وكان يجب على كل فيلسوف أن يرهف أذنه ويسمع ما قاله الرسل ليحلّوا لنا هذا اللغز، بدلاً من إرهاق النفس بالخلط بين تعقل وجود قوة وراء المادة، وبين تصور هذه القوة. وإنني في هذا الصدد أضرب هذا المثل وأرجو آلا تنسوه أبداً: إننا إذا كنا قاعدين في حجرة، والحجرة مغلقة الأبواب. ودق الجرس وكلنا يجمع على أن طارقاً بالباب؛ وهذا الشيء المجمع عليه من الكل يَعدُّ تعقلاً، لكن أنستطيع أن نتصور من الطارق؟ رجل؟ امرأة؟ شاب؟ شيخ؟. المؤكد أننا سنختلف في التصور وإن اتحدنا في التعقل. ونقول للفلاسفة: أنتم أولى الناس بأن ترهفوا آذانكم لمجيء رسول يحل لكم لغز هذا الكون، واسم القوة التي وراء هذا الكون، ومطلوب هذه القوة منا. والحق سبحانه وتعالى يهدينا إلى هذا عبر الرسل، ويقول هنا: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ...} [الأعراف: 172] وهذه شهادة الفطرة، ونحن نرى أن الفطرة تكون موجودة في الطفل المولود الذي يبحث بفمه عن ثدي أمه حتى ولو كانت نائمة ويمسك الثدي ليرضع بالفطرة وبالغريزة، وهذه الفطرة هي التي تصون الإنسان منا في حاجات كثيرة، وفي رد فعل الانعكاسي؛ مثال ذلك حين تقرب أصبعك من عين طفل، فيغمض عينيه دون أن يعلمه أحد ذلك. وقد أشهدنا الحق على وحدانيته ونحن في عالم الذر: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} ويقال "أشهدته" أي جعلته شاهداً، والشهادة على النفس لَوْنٌ من الإقرار، والإقرار سيد الأدلة؛ لأنك حين تُشهد إنساناً على غيره؛ فقد يغيّر الشاهد شهادته، ولكن الأمر هنا أن الخلق شهدوا على أنفسهم وأخذ الله عليهم عهد الفطرة خشية أن يقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} فحين يأتي يوم الحساب، لا داعي أو يقولَن أحد إنني كنت غافلاً. ويتابع المولى سبحانه: وتعالى قوله: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن. { و } حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم { أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم. قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم. فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا { قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم. أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: { إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ } فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم. { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } فقد أودع اللّه في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه. نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج اللّه وبيناته، وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون، ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق، هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات. وقد قيل: إن هذا يوم أخذ اللّه الميثاق على ذرية آدم، حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة، ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة اللّه تعالى، والواقع شاهد بذلك. فإن هذا العهد والميثاق، الذي ذكروا، أنه حين أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر، لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدمي، فكيف يحتج اللّه عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر؟" ولهذا لما كان هذا أمرا واضحا جليا، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نبينها ونوضحها، { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى ما أودع اللّه في فطرهم، وإلى ما عاهدوا اللّه عليه، فيرتدعون عن القبائح.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} [172] 210- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، عن مسلم بن يسار الجُهني، إن عمر بن الخطاب سُئل عن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسئَل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عزَّ وجل خلق آدم، فمسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "[إن الله عزَّ وجل] إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة، فيُدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل أهل النار، فيُدخله به النار ". تفسير : 211- أنا محمد بن عبد الرحيم، أنا الحسين بن محمد، أنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جَبر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بنَعْمَن - يعني عرفة - فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأَها، فنثرهم بين يديه كالذَّر، ثم كلمهم فتلا قال {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ}"تفسير : إلى آخر الآية./ [قال النسائي: وكلثوم هذا ليس بالقوي، وحديثه ليس بالمحفوظ].

همام الصنعاني

تفسير : 954- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}: [الآية: 172]، قال: مَسَحَ الله على صلب آدَم فأخرج من صلبه ما يكون مِنْ ذريته إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وأخذ ميثاقهم أنه رَبُّهُم فأعطوهُ ذلِكَ. فلا يسأل أحد كافراً وَلاَ غيره مَنْ ربك؟ إلاّ قال: الله. وقال معمر، وكان الحسن يقول مثل ذلك.