Verse. 1125 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِذْ نَـتَقْنَا الْجَــبَلَ فَوْقَہُمْ كَاَنَّہٗ ظُلَّـۃٌ وَّظَنُّوْۗا اَنَّہٗ وَاقِعٌۢ بِہِمْ۝۰ۚ خُذُوْا مَاۗ اٰتَيْنٰكُمْ بِقُوَّۃٍ وَّاذْكُرُوْا مَا فِيْہِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ۝۱۷۱ۧ
Waith nataqna aljabala fawqahum kaannahu thullatun wathannoo annahu waqiAAun bihim khuthoo ma ataynakum biquwwatin waothkuroo ma feehi laAAallakum tattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» «إذ نتقنا الجبل» رفعناه من أصله «فوقهم كأنه ظُلَّةٌ وظنوا» أيقنوا «أنه واقع بهم» ساقط عليهم بوعد الله إياهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة ن وكانوا أبَوْها لثقلها فقلبوا وقلنا لهم «خذوا ما آتيناكم بقوة» بجد واجتهاد «واذكروا ما فيه» بالعمل به «لعلكم تتقون».

171

Tafseer

الرازي

تفسير : قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء من موضعه، والرمي به. يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبه. وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رمياً فمعنى {نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ } أي قلعناه من أصله وجعلناه فوقهم وقوله: {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } قال ابن عباس: كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط، والجمع ظلل وظلال، وهذه القصة مذكورة في سورة البقرة {وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } قال المفسرون: علموا وأيقنوا. وقال أهل المعاني: قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه، وهذا هو الأظهر في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ثم قال تعالى: {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } أي وقلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } من الأوامر والنواهي، أي واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة، إن كنتم تطيقونه كقوله: {أية : إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ } تفسير : [الرحمٰن: 33] واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ} «نتقنا» معناه رفعنا. وقد تقدّم بيانه في «البقرة». {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي كأنه لارتفاعه سحابة تُظلّ. {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} أي بِجدّ. وقد مضى في «البقرة» إلى آخر الآية.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} يقول: رفعناه، وهو قوله: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} تفسير : [النساء: 154] وقال سفيان الثوري: عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم، وهو قوله: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ} تفسير : [البقرة: 63] وقال القاسم بن أبي أيوب: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ثم سار بهم موسى عليه السلام إلى الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم، وأبوا أن يقروا بها حتى نتق الله الجبل فوقهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم، رواه النسائي بطوله. وقال سنيد بن داود في تفسيره: عن حجاج بن محمد عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب، أتقبلونه بما فيه؟ فإن فيه بيان ما أحل لكم، وما حرم عليكم، وما أمركم، وما نهاكم، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلناها، قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: لا، حتى نعلم ما فيها؛ كيف حدودها وفرائضها، فراجعوه مراراً، فأوحى الله إلى الجبل، فانقلع فارتفع في السماء، حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء، قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي عز وجل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها، لأرمينكم بهذا الجبل. قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل، خر كل رجل ساجداً على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل؛ فرقاً من أن يسقط عليه، فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة. قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده، لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض، صغير ولا كبير، تقرأ عليه التوراة، إلا اهتز ونفض لها رأسه، أي: حرّك؛ كما قال تعالى: {أية : فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 51] والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ } رفعناه من أصله {فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ } أيقنوا {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } ساقط عليهم بوعد الله إياهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة وكانوا أَبَوْها لثقلها فقبلوا وقلنا لهم {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ } بجد واجتهاد {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } بالعمل به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَإِذْ } منصوب بفعل مقدر معطوف على ما قبله، أي واسألهم إذ نتقنا الجبل، أي رفعنا الجبل {فَوْقَهُمُ } و {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } أي: كأنه لارتفاعه سحابة تظلهم، والظلة: اسم لكل ما أظلّ، وقرىء «طلة» بالطاء من أطلّ عليه إذا أشرف {وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } أي: ساقط عليهم. قيل: الظنّ هنا بمعنى العلم. وقيل: هو على بابه {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } هو على تقدير القول، أي وقلنا لهم خذوا، والقوّة: الجدّ والعزيمة، أي أخذاً كائناً بقوّة {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } من الأحكام التي شرعها الله لكم، ولا تنسوه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } رجاء أن تتقوا ما نهيتهم عنه، وتعملوا بما أمرتم به، وقد تقدّم تفسير "ما" هنا في البقرة مستوفى، فلا نعده. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ } يقول: رفعناه، وهو قوله: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ } تفسير : [النساء: 154] فقال: {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } وإلا أرسلته عليكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في الآية قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم، فقيل لهم: {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } فكانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا سمعنا وعصينا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، أيضاً قال: إني لأعلم لم تسجد اليهود على حرف، قال الله {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ } قال: لتأخذنّ أمري أو لأرمينكم به، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم، وكانت سجدة رضيها الله سبحانه فاتخذوها سنة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ } قال: انتزعه الله من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، ثم قال: لتأخذنّ أمري أو لأرمينكم به.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ...} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: زعزعناه، قاله ابن قتيبة، ومنه قول العجاج: شعر : قد جرّبوا أخلاقنا الجلائلا.. ونتقوا أحلامنا الأثاقلا تفسير : والثاني: بمعنى جذبناه، والنتق: الجذب ومنه قيل للمرأة الولود ناتق، قال النابغة: شعر : لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم طفحت عليك بناتقٍ مذكار. تفسير : واختلف في سبب تسميتها ناتقاً، فقيل لأن: خروج أولادها بمنزلة الجذب. وقيل: لأنها تجذب ماء الفحل تؤديه ولداً. والثالث: معناه ورفعناه عليهم من أصله. قال الفراء: رفع الجبل على عسكرهم فرسخاً في فرسخ. قال مجاهد: وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة، فوعظهم موسى فلم يقبلوا، فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: فأخذوه بقوة ثم نكثوا بعد. واختلف في سبب رفع الجبل عليهم هل كان انتقاماً منهم أو إنعاماً عليهم؟ على قولين: أحدهما: أنه كان انتقاماً بالخوف الذي دخل عليهم. والثاني: كان إنعاماً لإقلاعهم به عن المعصية. {...وَظّنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه غلب في نفوسهم انه واقع بهم على حقيقة الظن. والثاني: أنهم تيقنوه لما عاينوا من ارتفاعه عليهم، قاله الحسن. {خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُمْ} يعني التوارة. {بِقُوَّةٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: بجد واجتهاد. والثاني: بنية صادقة وطاعة خالصة.

ابن عطية

تفسير : {نتقنا} معناه اقتلعنا ورفعنا فكأن النتق اقتلاع الشيء، تقول العرب: نتقت الزبدة من فم القربة، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : ونتقوا أحلامنا الأثاقلا تفسير : والناتق الرحم التي تقلع الولد من الرجل، ومنه قول النابغة: شعر : لم يحرموا حسن الغداء وأمهم دحقت عليك بناتق مذكار تفسير : وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عليكم بتزويج الأبكار فإنهن أنتق أرحاماً وأطيب أفواهاً " تفسير : الحديث. وقد جاء في القرآن بدل هذه اللفظة في هذه القصة بعينها رفعنا لكن {نتقنا}، و {فوقَهم} أعطت الرفع بزيادة قرينة هي أن الجبل اقتلعته الملائكة وأمر الله إياه، وروي أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فقال عن الله تعالى هذا كتاب الله أتقبلونه بما فيه؟ فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم، قالوا: انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة قبلناها، قال: قبلوها بما فيها قالوا: لا، فراجعهم موسى فراجعوا ثلاثاً فأوحى الله عز وجل إلى الجبل فانقلع وارتفع فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم ألا ترون ما يقول ربي؟: لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل, قال الحسن البصري: فلما رأوا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً أن يسقط عليه فلذلك ليس في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر يقولون هذه السجدة التي رفعت بها عنا العقوبة، و "الظلة" ما أظل ومنه {أية : من ظلل من الغمام} تفسير : [البقرة:210] ومنه {أية : عذاب يوم الظلة} تفسير : [الشعراء:189] ومنه قول أسيد بن حضير للنبي صلى الله عليه وسلم: قرأت البارحة "فغشي الدار مثل الظلة فيها أمثال المصابيح" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : تلك السكينة تنزلت للقرآن تفسير : فإن قيل فإذا كان الجبل ظلة فما معنى: كأنه؟ فالجواب أن البشر إنما اعتادوا هذه الأجرام الأرضية ظللاً إذا كانت على عمد، فلما كان الجبل على غير عمد قيل {كأنه ظلة} أي كأنه على عمد، {وظنوا} قال المفسرون: معناه أيقنوا. قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك بل هو موضع غلبة الظن مع بقاء الرجاء، وكيف يوقنون بوقوعه وموسى عليه السلام يقول: إن الرمي به إنما هو بشرط أن لا يقبلوا التوراة والظن إنما يقع ويستعمل في اليقين متى كان ذلك المتيقن لم يخرج إلى الحواس, وقد يبين هذا فيما سلف من هذا الكتاب ثم قبل لهم في وقت ارتفاع الجبل: {خذوا ما آتيناكم بقوة} فأخذوها والتزموا جميع ما تضمنته من شدة ورخاء فما وفوا، وقرأ جمهور الناس: {واذكروا} وقرأ الأعمش فيما حكى أبو الفتح عنه: "واذكروا ولعلكم" على ترجيهم وهذا تشدد في حفظها والتهمم بأمرها. وقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك} الآية، التقدير واذكر إذ أخذ وقوله: {من ظهورهم} قال النحاة: هو بدل اشتمال من قوله: {من بني آدم} ، وألفاظ هذه الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم من ظهورهم وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظة وتواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن عباس وغيرهما أن الله عز وجل لما خلق آدم وفي بعض الروايات لما أهبط آدم إلى الأرض في دهناء من أرض السند قاله ابن عباس، وفي بعضها أن ذلك بنعمان وهي عرفة وما يليها قاله أيضاً ابن عباس وغيره، مسح على ظهره وفي بعض الروايات بيمينه وفي بعض الروايات ضرب منكبه فاستخرج منها أي من المسحة أو الضربة نسم بنيه ففي بعض الروايات كالذر وفي بعضها كالخردل وقال محمد بن كعب: إنها الأرواح جعلت لها مثالات، وروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس وجعل الله لهم عقولاً كنملة سليمان وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره تفسير : فأقروا بذلك والتزموه وأعلمهم أنه سيبعث الرسل إليهم مذكرة وداعية، فشهد بعضهم على بعض، قال أبيّ بن كعب وأشهد عليهم السماوات السبع فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد في ذلك اليوم والمقام، وقال السدي أعطى الكفار العهد يومئذ كارهين على وجه التقية. قال القاضي أبو محمد: هذه نخيلة مجموع الروايات المطولة، وكأن ألفاظ هذه الأحاديث لا تلتئم مع ألفاظ الآية، وقد أكثر الناس في روم الجمع بينهما فقال قوم: إن الآية مشيرة إلى هذا التناسل الذي في الدنيا، و {آخذ} بمعنى أوجد على المعهود وأن الإشهاد هو عند بلوغ المكلف وهو قد أعطي الفهم ونصبت له هذه الصنعة الدالة على الصانع، ونحا إلى هذا المعنى الزجّاج، وهو معنى تحتمله الألفاظ لكن يرد عليه تفسير عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما الآية بالحديث المذكور، وروايتهما ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وطوّل الجرجاني في هذه المسألة ومدار كلامه على أن المسح وإخراج الذرية من أظهر آدم حسب الحديث، وقيل في الآية أخذ من ظهورهم إذ الإخراج من ظهر آدم الذي هو الأصل إخراج من ظهور بنيه الذين هم الفرع إذ الفرع والأصل شيء واحد، إلى كلام كثير لا يثبت للنقد، وقال غيره: إن جميع ما في الحديث من مسح بيمينه وضرب منكبه ونحو هذا إنما هي عبارة عن إيجاد ذلك النسم منه، و "اليمين" عبارة عن القدرة أو يكون الماسح ملكاً بأمر الله عز وجل فتضمن الحديث صدر القصة وإيجاد النسم من آدم، وهذه زيادة على ما في الآية، ثم تضمنت الآية ما جرى بعد هذا من أخذ العهد، والنسم حضور موجودون هي تحتمل معنيين أحدهما ن يكون أخذ عاملاً في عهد أو ميثاق تقدره بعد قوله {ذرياتهم} ويكون قوله {من ظهورهم} لبيان جنس النبوة إذ المراد من الجميع التناسل ويشركه في لفظة بني آدم بنوه لصلبه وبنوه بالحنان والشفقة ويكون قوله: {من ذرياتهم} بدلاً من {بني آدم}، والمعنى الآخر أنه لما كانت كل نسمة هنالك لها نسبة إلى التي هي من ظهرها كأن تعيين تلك النسبة أخذ من الظهر إذ ستخرج منه فهي المستأنف فالمعنى وإذ عينوا بهذه النسبة وعرفوا بها فذلك أخذ ما و {أخذ} على هذا عامل في {ذرياتهم} وليس بمعنى مسح وأوجد بل قد تقدم إيجادهم كما تقدم الحديث المذكور، فالحديث يزيد معنى على الآية وهو ذكر آدم وأول إيجاد النسم كيف كان. وقال الطرطوشي إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وهو قد نسيه إلى غير هذا مما ليس بتفسير ولا من طريقه. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: "ذرياتهم" جمع جمع وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: "ذريتهم" والإفراد هنا جمع وقد تقدم القول على لفظ الذرية في سورة آل عمران. وروي في قصص هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام كانوا بين تلك النسم أمثال السرج وأن آدم عليه السلام رأى داود فأعجبه فقال: من هذا؟ فقيل: نبي من ذريتك فقال: كم عمره؟ فقيل ستون سنة، فقال زيدوه من عمري أربعين سنة فزيدت قال: وكان عمر آدم ألفاً فلما أكمل تسعمائة وستين جاء ملك الموت فقال له آدم بقي لي أربعون سنة فرجع ملك الموت إلى ربه فأخبره فقال له قل له إنك أعطيتها لابنك داود فتوفي عليه السلام بعد أن خاصم في الأربعين، قال الضحاك بن مزاحم: من مات صغيراً فهو على العهد الأول ومن بلغ فقد أخذه العهد الثاني يعني الذي في هذه الحياة المعقولة الآن، وحكى الزجاج عن قوم أنهم قالوا إن هذه الآية عبارة عن أن كل نسمة إذا ولدت وبلغت فنظرها في الأدلة المنصوبة عهد عليها في أن تؤمن وتعرق وتعرف الله، وقد تقدم ذكر هذا القول وهو قول ضعيف منكب عن الأحاديث المأثورة مطرح لها. وقوله: {شهدنا} يحتمل أن يكون من قول بعض النسم لبعض أي شهدنا عليكم لئلا تقولوا يوم القيامة غفلنا عن معرفة الله والإيمان به فتكون مقالة من هؤلاء لهؤلاء، ذكره الطبري، وعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله: {بلى} ويحتمل أن يكون قوله {شهدنا} من قول الملائكة فيحسن الوقف على قوله {بلى} ، قال السدي: المعنى قال الله وملائكته شهدنا، ورواه عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ السبعة غير أبي عمرو: "أن تقولوا" على مخاطبة حاضرين، وقرأ أبو عمرو وحده، "أن يقولوا" على الحكاية عن غائبين وهي قراءة ابن عباس وابن جبير وابن محيصن والقراءتان تتفسر بحسب المعنيين المذكورين، و {أن} في موضع نصب على تقدير مخافة أن.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَتَقْنَا} زحزحنا، أو جذبنا، النتق: الجذب، والمرأة الولود ناتق لاجتذابها ماء الفحل، أو لأن ولادها كالجذب، أو رفعناه عليهم من أصله لما أبوا قبول فرائض التوراة لمشقتها، وعظهم موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلم يقبلوا فرفع الجبل فوقهم، وقيل: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا أُلقي عليكم، فأخذوه بجد ثم نكثوا بعده، وكان نتقه نقمة بما دخل عليهم من رعبة وخوفه، أو نعمة لإقلاعهم عن المعصية. {وَظَنُّواْ} على بابه، أو أيقنوا {مَآ ءَاتَيْنَاكُم} التوراة.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}، {نَتَقْنَا }: معناه: ٱقتلَعْنَا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في «البقرة»، وقوله سبحانه: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ}، أي: تدبَّروه وٱحْفَظُوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا. وقوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا...} الآية، قوله: {مِن ظُهُورِهِمْ } قال النُّحاة: هو بدلُ ٱشتمالٍ من قوله: {مِن بَنِي آدَمَ }، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طُرُقٍ: « حديث : أن اللَّه عزَّ وجلَّ ٱسْتَخْرِجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عليه السلام نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها: كالخَرْدَلِ ». تفسير : وقال محمد بن كَعْب: إِنها الأرواحُ جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: « حديث : أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ؛ كَمَا يُؤْخَذُ بالمُشْطِ مِنَ الرَّأْس، وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولاً كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إِلٰهَ غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَٱلْتَزَمُوهُ؛ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم علىٰ بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته » تفسير : قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: من مات صَغيراً، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ. وقوله {شَهِدْنَا } يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله: {بَلَىٰ }، ويحتمل أن يكون قوله: {شَهِدْنَا } من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ عَلَىٰ قوله: {بَلَىٰ }. قال السديُّ: المعنى: قال اللَّه وملائكته: شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ...} الآية: المعنَىٰ: لِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنَىٰ في هذه الآية: أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان: إحداهما: أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين. والأخرىٰ: كنا تباعاً لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عَلَيْهمِ، لتنقطع لهم هذة الحجةُ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ} الآية. قال أبو عبيدة: النَّتْقُ: قلعُ الشيء من موضعه، والرَّمْيُ به، ومنه: نَتَقَ ما في الجراب إذا نفضه فرمى ما فيه، وامرأة ناتِقٌ، ومِنْتَاقٌ: إذا كانت كثيرة الولادة، وفي الحديث: "عليْكُمْ بزواج الأبْكارِ، فإنَّهُنَّ أطْيَبُ أفواهاً، وأنْتَقُ أرْحاماً، وأرضى باليسَيرِ". وقيل: النَّتق: الجَذْبُ بشدة. ومنه: نتقْتُ السِّقَاء إذا جذبْتَهُ لتقتلعَ الزُّبدْةَ من فم القرية. قال الفرَّاءُ: "هو الرفعُ" وقال ابن قتيبة: الزَّعْزَعَةُ، وبه فَسَّرَهُ مجاهد. وقال النَّابغة: [الكامل] شعر : 2614 - لَمْ يُحْرَمُوا حُسنَ الغذَاءِ وأمُّهُمْ طَفَحَتْ عليْكَ بِنَاتِقٍ مِذْكَارِ تفسير : وكلُّها معانٍ متقاربة. قوله: "فَوقَهُمْ" فيه وجهان: أحدهما: هو متعلِّقٌ بمحذوف، على أنَّه حال من الجَبَل وهي حالٌ مقدرة؛ لأنَّ حالةَ النَّتْق لم تكن فوقهم، لكن بالنَّتْق صار فوقهم. والثاني: أنه ظرفٌ لـ: نَتَقْنَا قاله الحوفيُّ وأبو البقاءِ. قال أبو حيان: ولا يمكن ذلك، إلاَّ أن يُضَمَّن معنى فِعْلٍ يمكن أن يعمل في فَوقَهُمْ أي: رفعنا بالنَّتْقِ الجبل فوقهم، فيكون كقوله: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ}تفسير : [النساء: 154]. فعلى هذا يكون فَوقَهُمْ منصوباً بـ "نتق" لا بمعنى رفع. قوله: "كأنَّهُ ظُلَّةٌ" في محل نصبٍ على الحالِ من "الجَبَل" أيضاً فتتعدَّد الحال. وقال مكيٌّ: هي خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كأنه ظُلَّة وفيه بُعد. والظُّلَّة: كل ما أظلك. قال عطاءٌ: سقيفة. قوله وَظَنُّوا فيه أوجه: أحدها: أنَّهُ في محل جرٍّ نسقاً على نَتَقْنَا المخفوض بالظَّرف تقديراً. والثاني: أنه حال و "قد" مقدرةٌ عند بعضهم، وصاحبُ الحالِ إمَّا: الجبل أي: كأنَّهُ ظُلَّةٌ في حال كونه مظنوناً وقوعه بهم، ويضعف أن يكون صاحبُ الحال: هُمْ في: فَوْقَهُمْ. الثالث: أنه مستأنف، فلا محلَّ له، والظنُّ هنا على بابه. قال أهل المعاني: قوي في نفوسهم ويجوز أن يكون بمعنى اليقين. قال المفسِّرُون: علموا وأيقنوا أنَّهُ واقع بهم والباء على بابها أيضاً. قيل: ويجوز أن تكون بمعنى "على". قوله: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} أي: وقلنا لهم خذوا ما أتيناكم بقوة بجد واجتهاد. روي أنهم لمَّا أبوا قبول أحكام التوراة لثقلها رفع الله الطور على رءوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ. وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلاَّ ليقعن عليكم، فلمَّا نظروا إلى الجبل خَرَّ كل واحد منهم ساجداً على جانبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهوديًّا سجد إلا على جانبه الأيسر، ويقولون: هي السَّجدة التي رفعت عنَّا بها العقوبة. قوله واذكُرُوا العامَّةُ على التخفيف أمْراً من: ذَكَرَ يَذْكُرُ والأعمش واذَّكَرُوا بتشديد الذال من الأذّكار، والأصل: اذتكرُوا، والاذتكار، تقدم تصريفه. وقرأ ابن مسعود تذكَّرُوا من: "تذكَّر" بتشديد الكاف. وقرىء وتذَّكَّروا بتشديد الذال والكاف والأصل: ولتتذكَّرُوا فأدغمت التاء في الذال، وحُذِفَتْ لامُ الجزم كقوله: [الوافر] شعر : 2615 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ .......................... تفسير : فصل قال ابنُ عبَّاس وغيره: لمَّا أخذ موسى الألواح وأتى بها إلى بني إسرائيل، وفيها التوراة أمرهم بقبولها، والأخذ بها بقوة. فقالوا: انشرها علينا، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها. فقال: بل اقبلوها بما فيها فراجعوه مراراً، فأمر اللَّهُ الملائكة، فرفعوا الجبل على رءوسهم حتى صار كأنَّهُ ظُلَّةٌ أي: غمامة فوق رءوسهم. وقيل لهم إن لم تقبلوها بما فيها وإلاَّ سقط هذا الجبلُ عليكم؛ فقبلوها، وأمروا بالسُّجود؛ فسجدوا وهم ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم فصارت سنة اليهودِ إلى اليوم. ويقولون: لا سَجْدَةَ أعظم من سجدةٍ رفعت عنا العذاب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏{‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة‏}‏ يقول‏:‏ رفعناه وهو قوله ‏{أية : ‏ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 154‏]‏ فقال ‏ {‏خذوا ما آتيناكم بقوة‏} ‏ وإلا أرسلته عليكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وإذ نتقنا الجبل‏} ‏ قال‏:‏ رفعته الملائكة فوق رؤوسهم فقيل لهم ‏ {‏خذوا ما آتيناكم بقوة‏} ‏ فكانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا‏:‏ سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا‏:‏ سمعنا وعصينا‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ إني لأعلم لم تسجد اليهود على حرف قال الله ‏{‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم‏} ‏ قال‏:‏ لتأخذن أمري أو لأرمينكم به، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم، فكانت سجدة رضيها الله تعالى فاتخذوها سنة. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال‏:‏ أتى ابن عباس يهودي ونصراني فقال لليهودي‏:‏ ما دعاكم أن تسجدوا بجباهكم‏؟‏ فلم يدر ما يجيبه، فقال‏:‏ سجدتم بجباهكم لقول الله ‏ {‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة‏} ‏ فخررتم لجباهكم تنظرون إليه، وقال للنصراني‏:‏ سجدتم إلى الشرق لقول الله ‏{أية : ‏انتبذت من أهلها مكانا شرقياً‏ً}‏ ‏تفسير : [‏مريم : 16‏]‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ إن هذا الجبل، جبل الطور، هو الذي رفع على بني إسرائيل‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏وإذ نتقنا الجبل‏} ‏ قال‏:‏ كما تنتق الزبدة أخرجنا الجبل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ثابت بن الحجاج قال‏:‏ جاءتهم التوراة جملة واحدة، فكبر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتى ظلَّل الله عليهم الجبل، فأخذوه عند ذلك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ‏{‏وإذ نتقنا الجبل‏} ‏ قال‏:‏ انتزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم، ثم قال‏:‏ لتأخذن أمري أو لأرمينكم به‏. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن الكلبي قال‏:‏ كتب هرقل ملك الروم إلى معاوية يسأله عن الشيء ولا شيء، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل شيء، وعن أربعة فيهم الروح ولم يركضوا في اصلاب الرجال ولا ارحام النساء، وعن رجل لا أب له، وعن رجل لا قوم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت بغير ماء، وعن شيء يتنفس لا روح له، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام، وعن الرعد والبرق وصوته، وعن المجرة، وعن المحو الذي في القمر‏؟‏ فقيل له‏:‏ لست هناك وإنك متى تخطىء شيئاً في كتابك إليه يغتمزه فيك، فاكتب إلى ابن عباس‏. فكتب إليه فأجابه ابن عباس‏:‏ أما الشيء‏:‏ فالماء، قال الله ‏ {‏وجعلنا من الماء كل شيء حي‏} ‏ واما لا شيء‏:‏ فالدنيا تبيد وتفنى، وأما الدين الذي لا يقبل الله غيره‏:‏ فلا إله إلا الله، وأما مفتاح الصلاة‏:‏ فالله أكبر، وأما غرس الجنة‏.‏ فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأما صلاة كل شيء‏:‏ فسبحان الله وبحمده، وأما الأربعة التي فيها الروح ولم يرتكضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء‏:‏ فآدم، وحواء، وعصا موسى، والكبش الذي فدى الله به إسحق، واما الرجل الذي لا أب له‏:‏ فعيسى ابن مريم، وأما الرجل الذي لا قوم له‏:‏ فآدم، وأما القبر الذي جرى بصاحبه‏:‏ فالحوت حيث سار بيونس في البحر، وأما قوس قزح‏:‏ فأمان الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها‏:‏ فالبحر حيث انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن الذي ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها‏:‏ فجبل طور سيناء، كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله بجناحين من نور فيه ألوان العذاب، فأظله الله عليهم وناداهم مناد إن قبلتم التوراة كشفته عنكم وإلا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معذورين فرده الله إلى موضعه، فذلك قوله ‏ {‏وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء‏:‏ فاليقطينة التي أنبتت على يونس، وأما الذي تنفس بلا روح فالصبح‏.‏ قال الله ‏{أية : ‏والصبح إذا تنفس‏}‏ ‏تفسير : [‏التكوير: 18‏]‏، وأما اليوم‏:‏ فعمل، وأما أمس‏:‏ فمثل، وأما غد‏:‏ فأجل وبعد غد فأمل، وأما البرق‏:‏ فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد‏:‏ فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأما المجرة‏:‏ فأبواب السماء ومنها تفتح الأبواب، وأما المحو الذي في القمر فقول الله ‏{‏أية : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل‏}‏ تفسير : ‏[‏الإِسراء: 12‏]‏ ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل‏.‏ فبعث بها معاوية إلى قيصر، وكتب إليه جواب مسائله‏.‏ فقال قيصر‏:‏ ما يعلم هذا إلا نبي أو رجل من أهل بيت نبي‏.‏ والله تعالى أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} أي قلعناه من مكانه ورفعناه عليهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي سقيفةٌ وهي كلُّ ما أظلك {وَظَنُّواْ} أي تيقنوا {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} ساقطٌ عليهم لأن الجبلَ لا يثبُت في الجو لأنهم كانوا يُوعَدون به، وإطلاقُ الظنِّ في الحكاية لعدم وقوعِ متعلَّقِه وذلك أنهم أبَوْا أن يقبلوا أحكامَ التوراة لثقلها فرفع الله تعالى عليهم الطورَ وقيل لهم: إن قبِلتم ما فيها وإلا ليقعَنَّ عليكم {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم} أي وقلنا أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب {بِقُوَّةٍ} بجد وعزيمة على تحمل مشاقِّه وهو حالٌ من الواو {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} بالعمل ولا تتركوه كالمنسيِّ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} بذلك قبائحَ الأعمالِ ورذائلَ الأخلاق أو راجين أن تنتظموا في سلك المتقين. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} منصوبٌ بمضمر معطوفٌ على ما انتصب به إذ نتقنا مَسوقٌ للاحتجاج على اليهود بتذكير الميثاقِ العام المنتظمِ للناس قاطبةً وتوبـيخِهم بنقضه إثرَ الاحتجاج عليهم بتذكير ميثاقِ الطورِ، وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مر بـيانُه مراراً أي واذكر لهم (وقتَ) أخذ ربُّك {مِن بَنِى ءادَمَ} المرادُ بهم الذين وَلدَهم كائناً من كان نسلاً بعد نسلٍ سوى مَنْ لم يولدْ له بسبب من الأسباب كالعُقم وعدمِ التزوج والموتِ صغيراً، وإيثارُ الأخذ على الإخراج للإيذان بالاعتناء بشأن المأخوذِ لما فيه من الإنباء عن الاجتباء والاصطفاءِ وهو السببُ في إسناده إلى اسم الربِّ بطريق الالتفاتِ مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي، وإضافتُه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف وقوله تعالى: {مِن ظُهُورِهِمْ} بدلٌ من بني آدمَ بدلَ البعضِ بتكرير الجار كما في قوله تعالى: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ }تفسير : [الأعراف: 75] و(من) في الموضعين ابتدائيةٌ وفيه مزيدُ تقريرٍ لابتنائه على البـيان بعد الإبهامِ، والتفصيلُ غِبَّ الإجمالِ تنبـيهٌ على أن الميثاقَ قد أُخذ منهم وهم في أصلاب الآباءِ ولم يُستودَعوا في أرحام الأمهات، وقوله تعالى: {ذُرّيَّتُهُم} مفعولُ أخذَ أُخِّر عن المفعول بواسطة الجارِّ لاشتماله على ضمير راجعٍ إليه، ولمراعاة أصالتِه ومنشئيّتِه، ولما مرّ مراراً من التشويق إلى المؤخّر، وقرىء ذرّياتِهم والمرادُ بهم أولادُهم على العموم فيندرج فيهم اليهودُ المعاصِرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اندراجاً أولياً كما اندرج أسلافُهم في بني آدم كذلك، وتخصيصُهما باليهود سلفاً وخلفاً مع أن ما أريد بـيانُه من بديع صنعِ الله تعالى عز وجل شاملٌ للكل كافة مُخِلٌّ بفخامة التنزيلِ وجزالةِ التمثيل {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي أشهد كل واحدةٍ من أولئك الذرياتِ المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسها لا على غيرها تقريراً لهم بربوبـيته التامةِ وما تستتبعه من المعبودية على الاختصاص وغيرِ ذلك من أحكامها وقوله تعالى: {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} على إرادة القولِ، أي قائلاً: ألست بربكم ومالكَ أمرِكم ومربـيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخلٌ في شأن من شؤونكم؟ فينتظم استحقاقُ المعبودية ويستلزم اختصاصَه به تعالى. {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا قالوا حينئذ؟ فقيل: قالوا: {بَلَىٰ شَهِدْنَا} أي على أنفسنا بأنك ربُّناوإلٰهُنا لا ربَّ لنا غيرُك كما ورد في الحديث الشريف وهذا تمثيلٌ لخلقه تعالى إياهم جميعاً في (مبدأ) الفطرةِ مستعدين للاستدلال بالدلائل المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ المؤدية إلى التوحيد والإسلامِ كما ينطِق به قوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة" تفسير : الحديث، مبنيٌّ على تشبـيه الهيئةِ المنتزَعَةِ من تعريضه تعالى إياهم لمعرفة ربوبـيتِه بعد تمكينِهم منها بما رَكَّز فيهم من العقول والبصائر ونصبَ لهم في الآفاق والأنفسِ من الدلائل تمكيناً تاماً، ومن تمكّنهم تمكناً كاملاً وتعرّضِهم لها تعرضاً قوياً بهيئة منتزعةٍ من حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمرِ ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلاً من غير أن يكون هناك أخذٌ وإشهادٌ وسؤالٌ وجواب كما في قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }تفسير : [فصلت: 11]. وقوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ} بالتاء على تلوين الخطاب وصرفِه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديداً في الإلزام، أو إليهم وإلى متقدّميهم بطريق التغليبِ لكن لا من حيث إنهم مخاطَبون بقوله تعالى: {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} فإنه ليس من الكلام المحكي، وقرىء بالياء على أن الضمير للذرية، وأياً ما كان فهو مفعولٌ له لما قبله من الأخذ والإشهاد أي فعلنا ما فعلنا كراهةَ أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرةُ أو يقولوا هم {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} عند ظهور الأمرِ {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} عن وحدانية الربوبـيةِ وأحكامِها {غَـٰفِلِينَ} لم ننبِّه عليه، فإنهم حيث جُبلوا على ما ذكر من التهيؤ التامِّ لتحقيق الحقِّ والقوة القريبةِ من الفعل صاروا محجوبـين عاجزين عن الاعتذار بذلك إذ لا سبـيل لأحد إلى إنكار ما ذُكر من خلقهم على الفطرة السليمةِ.

التستري

تفسير : وقوله: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ}[171] قال: يعني فتقنا وقد زعزعنا. كما قال العجاج: [من الرجز] شعر : قد ربَّبوا أحلامَنا الجلائلا وفتقوا أحلامنا الأثاقلا

القشيري

تفسير : ليس من يأتي طوعاً كمن يأتي جَبْراً، فإن الذي يأتي قهراً لا يعرف للحق - سبحانه - قدراً، وفي معناه أنشدوا: شعر : إذا كان لا يرضيك إلا شفاعة فلا خير في ود يكون لشافعِ تفسير : وأنشدوا: شعر : إذا أنا عاتبتُ الملولَ فإنَّما أَخُطُّ بأقلامي على الماء أَحْرُفَا وَهَبْهُ ارْعَوَى بعد العتـاب ألم يكن تودده طبعاً، فصار تكلُّفا؟ تفسير : ويقال قصارى من أتى خيراً أن ينكص على عقبيه طوعاً، كذلك لمَّا قابلوا الكتاب بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} النتق قلع الشيء من موضع الجبل وهو الطور الذى سمع موسى كلام الله واعطى الالواح وهو عليه او جبل من جبال فلسطين او الجبل الذى كان عند بيت المقدس وفوقهم منصوب بنتقنا باعتبار تضمنه لمعنى رفعنا كأنه قيل رفعنا الجبل فوق بنى اسرائيل بنتقه وقلعه من مكانه فالنتق من مقدمات الرفع وسبب لحصوله {كأنه ظلة} اى سقيفة وهى كل ما اظلك بالفارسية [سايبان] {وظنوا} اى تيقنوا {انه واقع بهم} اى ساقط عليهم لان الجبل لا يثبت فى الجو ولانهم كانوا يوعدون به على تقدير عدم قبولهم احكام التوراة - روى - ان موسى عليه السلام لما اتى بنى اسرائيل بالتوراة وقرأها عليهم وسمعوا ما فيها من التكاليف الشاقة ابوا ان يقبلوها ويتدينوا بما فيها فامر الله الجبل فانقلع من اصله حتى قام على رؤوسهم بحيث حاذى معسكرهم جميعا ولم يبق منهم احد الا والجبل فوقه وكان معسكرهم فرسخا فى فرسخ وقيل لهم ان قبلتموها بما فيها والا ليقعن عليكم فلما نظروا الى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على جانبه الايسر وهو ينظر بعينه اليمنى الى الجبل خوفا من سقوطه فلذلك لا ترى يهوديا يسجد الاعلى جانبه الايسر ويقولون هى السجدة التى رفعت عنا العقوبة فقبلوها جبرا قيل كل من اتى بشيء جبرا ينكص على عقبيه حين يجد فرصة كذلك اهل التوراة لما قبلوها جبرا ما لبثوا حتى شرعوا فى تحريفها {خذوا} على اضمار القول اى قلنا خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} بجد وعزم على تحمل مشاقه وهو حال من الواو {واذكروا ما فيه} بالعمل ولا تتركوه كالمنسى {لعلكم تتقون} بذلك قبائح الاعمال ورذائل الاخلاق. وفى الآية اشارة الى ان الانسان لو وكل الى نفسه وطبيعته لا يقبل شيا من الامور الدينية طبعا ولا يحمل اثقاله قطعا الا ان يعان على القبول والحمل بامر ظاهر او باطن فيضطر الى القبول والحمل فالله تعالى اعان ارباب العناية حتى حملوا اثقال المجاهدات والرياضات واخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقزتهم وارادتهم: وفى المثنوى شعر : جشمها وكوشهارا بسته اند جزمر آنهارا كه از خود رسته اند جز عنايت كه كشايد جشم را حر محبت كه نشايد خشم را جهد بى توفيق خود كس را مباد درجهان والله اعلم بالرشاد تفسير : قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره مخاطبا لحضرة الهدايى ان كثيرا قد اجتهدوا ثلاثين سنة فلم يتيسر ما حصل لك فقال الهدايى ان بابنا الذى نخدم فيه اعلى مما خدموا فينبغى ان تكون لنا العناية بهذا القدر فتبسم حضرة الشيخ - يحكى - ان ابا يزيد البسطامى لم يأكل البطيخ الاخضر زمانا لعدم وقوفه على ان النبى عليه السلام بأى وجه قطعه والشمس التبريزى قال ان البسطامى كان فى الحجاب بسبب قصة البطيخ. قال افتاده افندى كأنه اراد ان قوة زهد البسطامى جعلته محجوبا ولكن التحقيق ان كلا منهما على الكمال غايته ان ابا يزيد البسطامى وصل من طريق الرياضة والشمس التبريزى وصل من طريق المعرفة والطرق الى الله كثيرة ولكن طريق الرياضة احكم واثبت فصاحب الزهد الغالب وان لم ينفتح له الطريق زمانا ولكنه اذا انفتح يكون دفعة وبذلك لم يقدر الحلاج على ضبطه لكماله فى الشريعة والطريقة فظهر حقيقة الحال على الاسلوب المذكور فعناية الله تعالى تهدى اولا الى القبول ثم الى الزهد والرياضة ثم الى العشق والحالة ثم الى عالم الحقيقة ولطرق الى الله تعالى بعدد انفاس الخلائق فكل احد يصل الى الله تعالى من طريق وهى غير متعينة وليس هى كما يزعمها الناس اذ ليست على الاسلوب الظاهر قال الله تعالى {أية : وأَتوا البيوت من أبوابها} تفسير : [البقرة: 189]. فالمراد بها الطريق المناسب لكل احد وطريق الوصول هو التقوى والذكر. واعلم ان الكتب الالهية انما جاءت رحمة من عند الله تعالى وعناية وكذا الانبياء عليهم السلام فمن اتبعهم وقبل ما جاءوا به فقد نجا من العقبات وخرج من محبس هذا العالم وطار الى الملكوت الاعلى وللهمة تأثير عظيم -ذكر- ان فى الهند قوما اذا اهتموا بشيء اعتزلوا عن الناس وصرفوا همتهم الى ذلك الشيء فيقع على وفق اهتمامهم. ومن هذا القبيل ما ذكر ان السلطان محمود غزا بلاد الهند وكانت فيها مدينة كلما قصدها مرض فسأل عن ذلك فقيل له ان عندهم جمعا من الهند اذا صرفوا همتهم الى ذلك يقع المرض على وفق ما اهتموا فاشار اليه بعض اصحابه بدق الطبول ونفخ البوقات الكثيرة لتشوش همتهم ففعل ذلك فزال المرض واستخلصوا المدينة فأنت ايها السالك بضرب طبول الذكر وجهره وتشوش همّ النفس وخواطرها الفاسدة وتخلص مدينة القلب من يدها بعناية الله تعالى "حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سلم من صلاته قال بصوته الاعلى "لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" ". تفسير : قال الشيخ ابو المنجيب السهروردى المراد بقوله تعالى {أية : إن تبدوا الصدقات فَنِعِمَّا هى} تفسير : [البقرة: 271] الجهر بالذكر. وقال عمر النسفى والامام الواحدى فى تفسيريهما الذكر من جملة الفرائض واعلان الفرائض اولى واحب دفعا للتهمة والجهر يوقظ قلب الذاكر ويجمع همه الى الفكر ويصرف سمعه اليه ويطرد النوم ويزيد فى النشاط: وفى المثنوى شعر : يادهان خويشتن را باك كن روح خودرا جابك وجالاك كن ذكر حق باكست جون باكى رسيد رخت بربندد برون آيد بليد مى كريزد ضدها از ضدها شب كريزد جون برافروزدضيا جون در آيد نام باك اندر دهان نى بليدى ماندو نى اندهان تفسير : قوله تعالى {واذكروا ما فيه} يتناول الذكر اللفظى والحفظ الظاهرى وان كان العمدة هى العمل كما قال سعدى قدس سره [مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سوره مكتوب عامئ متعبد بياده رفتست وعالم متهاون سوار خفته] ايقظنا الله واياكم من منام الغفلة والجهالة وختم عواقب امورنا باحسن الخاتمة والحالة آمين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة {خُذوا}: محكية، أي: وقولنا لهم: خذوا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إِذْ نَتقْنا} أي: قلعنا ورفعنا {الجبلَ فَوقَهم} أي: فوق بني إسرائيل، {كأنه ظُلّة} أي: سقيفة، والظلة: كل ما أظلك، {وظنّوا} أي: تيقنوا {أنه واقع بهم} أي: ساقط عليهم بسبب عصيانهم؛ لأن الجبل لا يثبت في الجو؛ لأنهم كانوا يوعدون به، وإنما عبَّر بالظن؛ لأنه لم يقع بالفعل حين الظن، وسبب نتق الجبل أنهم امتنعوا من أحكام التوراة، فلم يقبلوها؛ لثقلها، فرفع الله الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم ما فيها وإلاَّ ليقعن عليكم، فقلنا لهم حين الرفع: {خُذُوا ما آتيناكم} من الأحكام {بقوةٍ واذكروا ما فيه} بالعمل به، ولا تتركوه كالمنسى، {لعلكم تتقون} قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق. الإشارة: من لم ينقد إلى الله بملاطفة الإحسان، قيد إليه بسلاسل الامتحان، عجب ربك من قوم يُساقون إلى الجنة بالسلاسل. ولما ذكر الميثاق الخاص، ذكر الميثاق العام، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وآله يقول الله له: اذكر يا محمد الوقت الذي نتقنا فيه الجبل اي رفعناه فوقهم حتى صار كأنه ظلة. وقيل: إنه رفع الجبل على عسكرهم فرسخاً في فرسخ. وامرأة منتاق وناتق كثيرة الولد. وقال ابن الاعرابي الناتق الرافع، والناتق الفاتق، الناتق الباسط، وقال العجاج: شعر : ينتق انتقاق الشليل نتقا تفسير : يعني يرفعه عن ظهره. وقال الآخر: شعر : ونتقوا أحلامنا الاثاقلا تفسير : وقال النابغة: شعر : لم يحرموا حسن الغذاء وامهم دحقت عليك بناتق مذكار تفسير : ويروى طفحت عليك بناتق. ويقال: تتق السير اذا حركه، ويقال: ما ينتق برجله ولا يركض، والنتق نتق الدابة صاحبها حين تعدوبه وتتبعه حتى تربو فذلك النتق. وقال بعضهم: معنى {نتقنا الجبل فوقهم} فرفعناه بنتقه نتقاً. قال ابو عبيدة: سمعت من يقول: أخذ الجراب فنتق ما فيه إذا نثر ما فيه والاصل نتقت كل شيء وقوله عز وجل {كأنه ظلة} يعني به غماماً من الظلال وقوله {وظنوا أنه واقع بهم} قال الحسن معناه علموا. وقال الجبائي والرماني: هو الظن بعينه، لأنه قوي في نفوسهم ذلك. وقوله {خذوا ما آتيناكم بقوة} أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد يعني ما ألزمناكم من احكام كتابنا وفرائضه فاقبلوه باجتهاد منكم في اوانه من غير تقصير ولا توان. وقال الجبائي: معناه خذوه بالقدرة التي آتاكم الله وأقدركم بها لأنهم لو لم يكونوا قادرين لما كلفهم الله ذلك، وذلك يفسد مذهب من قال القدرة مع الفعل. وقوله {واذكروا ما فيه} معناه ما في كتابه من العهود والمواثيق التي أخذناها عليكم، بالعمل بما فيه لكي تتقوا ربكم فتخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتم ما اخذ عليكم فيه من مواثيق. وكان سبب رفع الجبل عليهم ان موسى عليه السلام لما اتاهم بالتوراة ووقفوا على ما فيها من الاحكام والحدود والتشديد في العبادة ابوا أن يقبلوا ذلك وان يتمسكوا به وان يعملوا بما فيه. وقالوا: إن ذلك يغلظ علينا، فرفع الله الجبل كالظلة عليهم، وعرفهم موسى انهم إن لم يقبلوا التوراة ولم يعملوا بما فيها وقع عليهم فأخذوا بالتوراة وقبلوا ما فيها وصرف الله نزول الجبل عليهم. قال ابن عباس فلذلك صارت اليهود تسجد على قرنها الأيسر، لأنهم سجدوا كذلك ينظرون إلى الجبل وكأنها سجدة نصبها الله. وإنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لأن مريم عليها السلام اتخذت مكاناً شرقياً حين حملت بعيسى. وقال مجاهد: معناه إن أخذتموه بجد وحسن نية وإلا القي الجبل عليكم. وقال ابو مسلم إن رفع الجبل كان ليظلهم من الغمام، وذلك خلاف اقوال المفسرين وما يقتضيه سياق الكلام.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ} رفعناه بالقلع {فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} سقف يظلّلهم {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} استعمال الظّنّ مع انّهم كانوا متيقّنين لوقوعه لكونه معلّقاً وليس من عادة الاثقال ان تقف معلّقة لانّهم كانوا اصحاب النّفس وليس من صفة النّفس الاّ الظّنّ وان كان متيقنة او لانّهم لمّا علموا انّه كان باعجاز احتملوا ان يقف باعجاز ايضاً ولا يقع عليهم {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} على تقدير القول يعنى قائلين خذوا التّوارة واحكامها بقوّة وعزم من قلوبكم وامتثلوا احكامها بقوّة من ابدانكم {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} من العبر والاحكام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} موبقات النّفس، عن الصّادق (ع) لمّا انزل الله التّوارة على بنى اسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى (ع) ان لم تقبلوا وقع عليكم الجبل فقبلوه وطأطأوا رؤسهم وقد مضى فى سورة البقرة.

اطفيش

تفسير : {و} اذكر يا محمد {إذْ نَتَقنا} رفعنا كما فى الآية الأخرى، وأصل النتق الجذب واقتلاع الشئ، واناتق الرحم التى تجلب الولد من الرجل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بتزوج الأبكار فإنهن انتقى أرحاما وأطيب أفواها" تفسير : {الجَبَل} قال ابن عباس فى رواية عطاء: هو جبل الطور كما ذكر فى الآية الأخرى بلفظ الطور، لكن ليست نصا فيه، لأن الجبل مطلقا يسمى طورا فقيل: هو جبل الطور، وقيل: جبل من الجبال لا ندرى ما هو، وقيل: جبل من فلسطين، وعليه أبو العالية عن ابن عباس {فَوقَهم} بينهم وبين رءوسهم قامة الرجل. {كأنهُ ظُلَّة} هى كل ما أظلك وأشرف عليك من سقف أو سحاب أو غيرهما، فإنما شبهه بالظلة مع أنه ظلة، لأن الجبل ليس مما يكون ظلة فى العادة، فشبه بالظلة التى اعتادوها كسقف وسحاب، أو المراد الظلة التى هى أشهر وأشد اعتيادا وهى السقف المعتمد على نحو جدار فصح التشبيه، فيكون شبه بظلة كانت عمدا، وقرئ طلة بالطاء المهملة، والمعنى واحد {وظَنُّوا} رجحوا، وقيل: أيقنوا، وعليه الجمهور ولا وجه له إلا إن علق الإيقان بعدم قبول التوراة، ثم رأيت شيخ الإسلام وجهه بهذا، والحمد لله، و عليه فإنما عبر بالظن ليناسب عدم وقوع الجبل، فإنه لم يقع {أنَّه واقعٌ بِهِم} أى عليهم أو الباء بلإلصاق. {خُذُوا} قلنا لهم خذوا، فالكلام مفعول لقول محذوف على الاستئناف، أو قدر بعاطف، أى وقلنا أو فقلنا، أو يقدر حال من نا فى قوله: {نتقنا} أى قائلين خذوا الخ، والقائل الملك أو موسى بأمر الله {مَا آتيْناكُم} وهو التوراة {بقوَّةٍ} متعلق بخذوا، أو بمحذوف حال من الواو، والقوة الجد والعزم على تحمل مشاقه {واذكُرُوا ما فيهِ} من الأمر والنهى والقدرة، وغير ذلك ولا تنسوه، واعملوا به، أو اذكروه بالعمل ولا تتركوه، أو اذكروا ما فيه من الثواب العظيم فترقبوا، وزعم جار الله أنه يجوز أن يكون ذلك تعجيزا كقوله: {فانفذوا} وقرأ الأعمش فيما حكى عنه أبو الفتح: واذكروا بتشديد الذال وكسر الكاف، الأصل اذتكروا بوزن افتعلوا، قلبت التاء ذالا وأدغمت فيها الذال، وقيل عنه: إنه قرأ واذكروا بفتح الكاف وهو أيضا بهمزة الوصل، وقد قرأ ابن مسعود: وتذكروا على هذا الأصل. {لعلَّكُم تتَّقُونَ} قبائح الأعمال والأخلاق، ولعل الترجى بالنسبة إليهم، أو للتعليل، وفى عرائس القرآن: كانت التوراة شريعة ثقيلة فأبوا أن يعملوا بها، فأمر الله جبريل فقلع جبلا على قدرهم، وكان فرسخا فى فرسخ، ورفعه فوقهم، قال عطاء، عن ابن عباس: وبعث نارا من قبل وجوههم، و البحر من خلفهم، وقيل لهم: {خذوا ما آتيناكم بقوة} فإن قبلتموه وفعلتم به، وإلا رضختكم بهذا الجبل، وغرقتكم فى هذا البحر، وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنة اليهود ألا يسجدوا إلا على نصف وجوههم، ولما زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا، ولولا الجبل ما أطعناك اهـ. وروى: أنهم لما نظروا إلى الجبل خروا سُجداً على الخد الأيسر الحاجب الأيسر ناظرين بالعين اليمنى للجبل خوف السقوط، فلذا لا ترى يهوديا يسجد إلا على الخد والحاجب الأيسرين، ويقولون لعنهم الله: هى السجدة التى رُفعت عنا بها العقوبة، ولما نشر موسى الألواح لم يبق شجر ولا حجر إلا اهتز لما كتب فيها، فلا ترى يهوديا يقرأ التوراة إلا اهتز ورفع رأسه وخفضه. وروى: أن موسى لما جاء بالتوراة قال عن الله: هذا كتاب الله أتقبلونه بما فيه؟ فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم، وما أمركم به وما نهاكم عنه؟ قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة، وحدودها خفيفة، قبلناها، قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: لا، فراجعهم موسى فراجعوه ثلاثا، فأوحى الله إلى الجبل فانقلع وارتفع فوق رءوسهم، فقال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربى، لئن لم تقبلوا بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل، فلما رأوه خروا سُجداً على الحاجب والخد الأيسرين، ناظرين إليه بالعين اليمنى مخافة السقوط.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ} رفعناه من أَصله قلعاً له كقوله تعالى {أية : ورفعنا فوقهم الطور}تفسير : [النساء: 154] أَو جبدْناه بشدة أَو زعزعناه، وهذا رد على اليهود إِذ قالوا: لم تعص أَسلافنا على حد ما مر فى قوله: واسأَلهم، والجبل الطور الذى سمع موسى فيه كلام الله، وأَخذ فيه الأَلواح، أَو جبل من جبال فلسطين، أَو هو الجبل عند بيت المقدس لما أَتى موسى بالتوراة، وقرأَها عليهم، امتنعوا من قبولها لما فيها من التغليظ فقلع الجبل وأَقامه على رءُوسهم بينه وبينهم قدر القامة بقدرهم فرسخاً فى فرسخ، فخروا ساجدين على خدودهم وحواجبهم اليسرى ناظرين بعيونهم اليمنى خوف أَن يسقط عليهم فلذلك لا تسجد اليهود إِلا كذلك. وكان أَحب السجود إِليهم، يقولون: لأَنه أدفع عنا العذاب به {فَوْقَهُمْ} حال مقدرة إِذ الجبل حال نتقه ليس فوقهم، أَو متعلق بنتقنا على تضمين معنى أَثبتنا، قيل أَو المعنى رفعنا بالنتق الجبل {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} سحابة أَو سقيفة، والجملة حال من الجبل {وَظَنُّوا} رجحوا أَو أَيقنوا الآن رفعه على أَن يقع عليهم إِن لم يقبلوا التوراة {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} عطف على نتقنا، أَو حال ثان أَى ساقط عليهم إِن لم يقبلوا التوراة فقبلوها، والباء بمعنى على أَو للإِلصاق، روى: أَنه لما نشر موسى عليه الصلاة والسلام أَلواح التوراة بينهم لم يبق شجر ولا جبل ولا حجر، إِلا اهتز، ولذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إِلا اهتز وحرك رأسه. وقوله تعالى {خُذُوا مَا آتِيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} مفعول لقول محذوف حال من ضمير نتقنا، أَى قائلين: خذوا.. إِلخ.. أَو لقول معطوف على نتقنا حذف هو وعاطفه، أَى وقلنا: خذوا.. إِلخ.. وما آتيناكم: الكتاب، والقوة: الاجتهاد بالدرس والعمل، وذكر ما فيه نشره بين الناس وحملهم عليه، أَو خذوه بالقبول والدرس، واذكروا ما فيه بالعمل، ولا تجعلوه كشئ نسى ولا يعمل به، والاتقاء ترك قبائح الأَعمال وأَخلاق السوء والاعتقاد الزائغ أَو الأَخذ بقوة القبول والعمل، وذكر ما فيه قراءَته.

الالوسي

تفسير : {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} عطف على ما قبل بتقدير اذكر والنتق الرفع كما روي عن ابن عباس، وإليه ذهب ابن الأعرابي، وعن أبـي مسلم أنه الجذب، ومنه نتقت الغرب من البئر، وعن أبـي عبيدة أنه القلع وما روي عن الحبر أوفق بقوله سبحانه: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ } تفسير : [النساء: 154] وعلى القولين الأخيرين يضمن معنى الرفع ليتطابق الآيتان، والمراد بالجبل الطور أو جبل غيره وكان فرسخاً في فرسخ كمعسكر القوم فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام لما توقفوا عن أخذ التوراة وقبولها إذ جاءتهم جملة مشتملة على ما يستثقلونه فقلعه من أصله ورفعه عليهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي غمامة أو سقيفة؛ وفسرت بذلك مع أنها كل ما علا وأظل لأجل حرف التشبيه إذ لولاه لم يكن لدخوله وجه و فوق ظرف لنتقنا أو حال / من الجبل مخصصة على ما قيل للرفع ببعض جهات العلو، والجملة الإسمية بعد في موضع الحال أيضاً أي مشابهاً ذلك. {وَظَنُّواْ} أي تيقنوا {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي ساقط عليهم إن لم يقبلوا فإنهم كانوا يوعدون بذلك بهذا الشرط والصادق لا يتخلف ما أخبر به لكن لما لم يكن المفعول واقعاً لعدم شرطه أشبه المظنون الذي قد يتخلف فلهذا سمي ذلك ظناً. وقيل: تيقنوا ذلك لأن الجبل لا يثبت في الجو، واعترض بأن عدم ثبوته فيه لا يقتضي التيقن لأنه على جري العادة وأما على خرقها فالثابت الثبوت والواقع عدم الوقوع ويكون ذلك كرفعه فوقهم ووقوفه هناك حتى كان ما كان منهم، والحق أن المتيقن لهم الوقوع إن لم يقبلوا لكونه المعلق عليه، ففي الأثر أن بني إسرائيل أبوا أن يقبلوا التوراة فرفع الجبل فوقهم، وقيل: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فوقع كل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة وامتثلوا ما أمروا به ولا يقدح في ذلك احتمال الثبوت على خرق العادة كما لا يقدح فيه عدم الوقوع إذا قبلوا، ألا ترى إلى أنه يتيقن احتراق ما وقع في النار مع إمكان عدمه كما في قصة الخليل عليه الصلاة والسلام، وذهب الرماني والجبائي إلى أن الظن على بابه، والمراد قوي في نفوسهم أنه واقع، واختاره بعض المحققين، والجملة مستأنفة، وجوز أن تكون معطوفة على {نَتَقْنَا} أو حالاً بتقدير قد كما قال أبو البقاء. {خُذُواْ} أي وقلنا خذوا أو قائلين خذوا {مَا ءَاتَيْنَـٰكُم} من الكتاب {بِقُوَّةٍ} أي بجد وعزم على تحمل مشاقه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الواو، والمراد خذوا ذلك مجدين {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي اعملوا به ولا تتركوه كالمنسي وهو كناية عن ذلك أو مجاز. وقرأ ابن مسعود {وتذكروا} وقرىء واذكروا بمعنى وتذكروا {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} بذلك قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أو راجين أن تنتظموا في سلك المتقين. وجوز أن يراد بما آتيناكم الآية العظيمة أعني نتق الجبل أي خذوا ذلك إن كنتم تطيقونه كقوله تعالى {أية : إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ }تفسير : [الرحمن: 33] واذكروا ما فيه من القدرة الباهرة والإنذار، وعلى هذا فالمراد من نتق الجبل إظهار العجز لا غير، والكلام نظير قولك لمن يدعي الصرعة والقوة بعد ما غلبته: خذه مني، وحاصله إن كنتم تطلبون آية قاهرة وتقترحونها فخذوا ما آتيناكم إن كنتم تطيقونه، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر والآثار على خلافه.

ابن عاشور

تفسير : عاد الكلام إلى العبرة بقصص بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، لأن قصة رفع الطور عليهم من أمهات قصصهم، وليست مثل قصة القرية الذين اعتدوا في السبت، ولا مثلَ خبر إيذانهم بمن يسومهم سوء العذاب. فضمائر الجمع كلها هنا مراد بها بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى، بقرينة المقام. والجملة معطوفة على الجمل قبلها. و{إذْ} متعلقة بمحذوف تقديره: واذكر إذ نتقنا الجبل فوقهم. والنتق: الفصل والقلع. والجبل الطور. وهذه آية أظهرها الله لهم تخويفاً لهم، لتكون مُذَكرة لهم، فيعقب ذلك أخذُ العهد عليهم بعزيمة العمل بالتوراة، فكان رفع الطور معجزة لموسى عليه السلام تصديقاً له فيما سيبلغهم عن الله من أخذ أحكام التوراة بعزيمة ومداومة والقصة تقدمت في سورة البقرة (63) عند قوله تعالى: {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور}.تفسير : والظلة السحابة، وجملة: {خذوا ما آتيناكم} مقولة لقول محذوف يدل عليه نظم الكلام، وحذفُ القول في مثله شائع كثير، وتقدم نظيرها في سورة البقرة. وعُدّي {واقع} بالباء: للدلالة على أنهم كانوا مستقرين في الجبل فهو إذا ارتفع وقع ملابساً لهم ففتتهم، فهم يرون أعلاه فوقهم وهم في سفحه، وهذا وجه الجمع بين قوله {فوقهم} وبين باء الملابسة. وجعل بعض المفسرين الباء بمعنى (على). وجملة: {خُذوا ما آتيناكم بقوة} مقول قول محذوف. وتقدم تفسير نظيرها في سورة البقرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذ نتقنا الجبل: أي رفعناه من أصله فوق رؤوسهم. واقع بهم: أي ساقط عليهم. خذوا ما آتيناكم بقوة: أي التزموا بالقيام بما عهد إليكم من أحكام التوراة بقوة. واذكروا ما فيه: أي لا تنسوا ما التزمتم به من النهوض بأحكام التوراة. من ظهورهم ذريتهم: اي أخذهم من ظهر آدم عليه السلام بأرض نعمان من عرفات. أشهدهم على أنفسهم: أي بأنه تعالى ربهم وإلههم ولا رب لهم غيره ولا إله لهم سواه. المبطلون: العاملون بالشرك والمعاصي إذ كلها باطل لا حق فيه. نفصل الآيات: نبينها ونوضحها بتنويع الأساليب وتكرار الحجج وضرب الأمثال وذكر القصص. معنى الآيات: الآية الأولى في هذا السياق هي خاتمة الحديث على اليهود إذ قال تعالى لرسوله {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي اذكر لهم أيها الرسول إذ نتقنا أي رفعنا فوقهم جبل الطور من أصله وصار فوقهم كأنه ظلة {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي ساقط عليهم وقلنا لهم {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} والمراد مما آتاهم أحكام التوراة وما تحمل من الشرائع وأخذها العمل بها والالتزام بكل ما أمرت به ونهت عنه وقوله تعالى {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} أي في الذي آتيناكم من الأوامر والنواهي، ولا تنسوه فإن ذكره من شأنه أن يعدكم للعمل به فتحصل لكم بذلك تقوى الله عز وجل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى وهي خاتمة سياق الحديث عن اليهود. أما الآية الثانية [172] وهي قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فإنها حادثة جديرة بالذكر والاهتمام لما فيها من الاعتبار، إن الله تعالى أخرج من صلب آدم ذريته فأنطقها بقدرته التي لا يعجزها شيء فنطقت وعقلت الخطاب واستشهدها فشهدت، وخاطبها ففهمت وأمرها فالتزمت وهذا العهد العام الذي أخذ على بني آدم، وسوف يطالبون به يوم القيامة، وهو معنى قوله تعالى {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} أي أنك ربنا {أَن تَقُولُواْ} يوم القيامة {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} والعبرة من هذا أن الإِنسان سرعان ما ينسى، ويعاهد ولا يفي، وما وجد من بني إسرائيل من عدم الوفاء هو عائد إلى أصل الإِنسان، وهناك عبرة أعظم وهي أن التوحيد أخذ به العهد على كل آدمي، ومع الأسف أكثر بني آدم ينكرونه، ويشركون بربهم وقوله تعالى {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وكهذا التفصيل الوارد في هذه السورة وهذا السياق وهو تفصيل عجيب نفصل الآيات تذكيراً للناس وتعليماً ولعلهم يرجعون إلى الحق بعد إعراضهم عنه، وإلى الإِيمان والتوحيد بعد انصرافهم عنهما تقليداً واتباعاً لشياطين الجن والإِنس. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان نفسيات اليهود وأنها نفسية غريبة وإلا كيف وهم بين يدي الله يتمردون عليه ويعصونه برفضهم الالتزام بما عهد إليهم من أحكام حتى يرفع فوقهم الطور تهديداً لهم، وعندئذ التزموا ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى نقضوا عهدهم وعصوا ربهم. 2- عجيب تدبير الله تعالى في خلقه. 3- الكافر كفر مرتين كفر بالعهد الذي أخذ عليه وهو في عالم الذَّر، وكفر بالله وهو في عالم الشهادة، والمؤمن آمن مرتين، فلذا يضاعف للأول العذاب ويضاعف للثاني الثواب. 4- تقرير مبدأ الخليقة، ومبدأ المعاد الآخر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ءَاتَيْنَٰكُم} (171) - لَمّا أبْلَغَهُمْ مُوسَى عَليهِ السَّلاَمُ مَا فِي الألْواحِ المُنَزَّلَةِ مِنْ عِندْ اللهِ، لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيها، ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِهَا حَتَّى رَفَعَ اللهُ تَعَالَى الجَبَلَ فَوْقَهُمْ حَتَّى أظَلَّ رُؤُوسَهُمْ، وَظَنُّوا أنّهُ وَاقِعٌ عَلَيهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكُمْ: لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّورَاةَ بِمَا فِيها لأرْمِينَّكُمْ بِهذا الجَبَلِ. فَوَقَعُوا عَلى الأرْضِ سُجَّداً، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ بِطَرَفِ أعْيُنِهِمْ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا مَا أَعْطَيْنَاكُمْ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِعَزْمٍ، وَاحْتِمَالٍ لِلْمِيثَاقِ وَالتَّكَالِيفِ، وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ مِنَ الأوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَإنَّ ذَلِكَ يُعِدُّكُمْ لِلتَّقْوى، وَيَجْعَلُها مُرْجُوَّةً لَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والجبل معروف أنه من الأحجار المندمجة في بعضها والمكونة لجرم عالٍ قد يصل إلى ألف متر أو أكثر، والحق يقول عن الجبال: {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} ولا يقال أرساها إلا إذا كان وجد شيء له ثقل، فأنت لا تقول: "أرسيت الورقة على المكتب"، ولكنك تقول:" أرسيت لوح الزجاج علىالمكتب ليحميه"، وأنت بذلك ترسي شيئاً له وزن وثقل. وقد أرسى ربنا الجبال وجعلها في الأرض أوتادا، والوَتِد - كما نعلم - ممسوك من الموتود والمثبت فيه، بدليل أنه لو تخلخل في مكانه نضع له ما نسميه "تخشينة" لتلصقه وتربطه بما يثبت فيه، وهنا يقول الحق: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ} "نتقنا" أي قلعنا، وهناك قول آخر: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ...} تفسير : [النساء: 154] وقال الحق أيضا: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ...} تفسير : [البقرة: 63] وهنا اختلاف بين "نتق" و"رفع"؛ لأن الجبل راسٍ في الأرض، وممسوك كالوتد؛ لذلك يحتاج قبل أن يرفع إلى عملية نزع واقتلاع من الأرض، ثم يأتي من بعد ذلك الرفع، و"نتقا" تعني نزعنا الجبل من مكان إرسائه حتى نرفعه، وقد رفعه الله ليجعل منه ظلة عليهم، أي أن هناكَ ثلاث عمليات: نتق أي نزع وخلع، ثم رفع، ثم جعله سبحانه ظلة لهم، وهذا يحتاج إلى اتجاه في المرفوع إلى جهة ما. والحق يقول: "وإذ" أي اذكر إذ نتقنا الجبل، أي نزعناه وخلعناه من الأرض، ولا ننزعه ونخلعه من الأرض إلا لمهمة أخرى أي نجعله ظلة، وكان تظليل الغمام رحمة لهم من قبل، وصار الجبل ظلة "عذاب"؛ لأن الحق أنزل لهم التوراة على موسى فقالوا له: إن أحكام هذه التوراة شديدة. وللإِنسان أن يتساءل: لماذا كل هذا التلكؤ مع التشريعات التي جاءت لمصلحة البشر؟. وجاء لهم العقاب من الحق بأن رفع فوقهم الجبل كظلة تحمل التهديد كأنه قد يقع فوقهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ}. لذلك نجد أن كل يهودي يسجد على حاجبه الأيسر، على الرغم من أن السجود يقتضي تساوي وضع الجبهة على الأرض، ولكنهم يسجدون بميل إلى الحاجب الأيسر لأن السابقين لهم رأوا الجبل فوقهم وتملكهم الخوف من سقوط الجبل، وكانوا يسجدون وفي الوقت نفسه يرقبون الجبل، وبقيت هذه المسألة لازمة فيهم، وصاروا لا يسجدون إلا على حاجبهم الأيسر، بسبب حكاية الجبل الذي نتقه الله وقلعه فصار فوقهم. {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ}. والظن هو رجحان قضية، وقد يأتي ويراد به أنه رجحان قوى قد يصل إلى درجة اليقين، مثل قوله الحق: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} وحين بقيت الحالة هذه، وخافوا من الجبل أن يقع عليهم، ولأن هناك كتابا قد أنزل إليهم وهو التوراة وهم يعصون ويتمردون على ما فيه؛ لذلك قال لهم الحق: {...خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] و"خذوا" فعل أمر، والأمر يقتضي آمرا، ولابد له من شيء يأمر به. وكلمة "القوة" هذه هي الطاقة الفاعلة، والأصل في الكون كله أن نقبل على كل شيء بقوة؛ لأن الكون الذي تراه مسخراً ليس له رأي في أن يفعل أو لا يفعل، بل هو فاعل دائما إذا أمُر، وكما قلنا من قبل: لم تغضب الشمس على الناس وقالت: لن أطلع هذا اليوم، وكذلك لم يمتنع الهواء، وأيضاً لا يرفض الحمار مثلاً أن يحمل الروث، أو أن ينظفه صاحبه ويأتي له بـ "البرذعة" ليجعله ركوبة متميزة، الحمار إذن لا يعصي هنا ولا يعصي هناك، والكون كله مسخر بقوانين مادية ثابتة. {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] وقد وضع الحق هذا النظام للكون نظراً لأنه مقهور وليس له تكليف، والمحكوم بالغريزة الكونية صالح للحياة عن المحكوم بالاختيار الفعلي، ومع هذا الاختيار فالإنسان له أشياء تفعل فعلها فيه ولا يَدْرِي عنها شيئاً مع أن بها قوام حياته، فلا أحد يمسك قلبه ويضبطه ويقول له: دق، والرئة كذلك وحركة التنفس، والحركة الدودية في الأمعاء، والحالب، ويرغب الإنسان في دخول دورة المياه عندما تمتلئ المثانة بالبول، كل هذه مسائل رتيبة لا اختيار للإنسان فيها أبدا، والأمور المحكومة بالغرائز ليس لنا فيها اختيار، كأن يأكل الإنسان ويتكلم في أثناء تناول الطعام فتنزل حبة أرز في القصبة الهوائية فيحاول الإنسان أن يطردها بالسعال، هذا اسمه "غريزة" أي أمر غير محكوم بالفعل الاختياري. وكذلك الحيوان إذا أحضرت له طعاما فهو لا يأكل أكثر من طاقته حتى لو ضربه صاحبه. أما الإنسان فقد يأكل بعد أن يشبع، وحين يقول له مُضيفه - على سبيل المثال -: أنت لم تذق هذا اللون من اللحم، فيأكل. ولهذا نجد أن الأمراض في الانسان أكثر من الأمراض في الحيوان؛ لأن اختيار الإنسان يمتد إلى مجالات متعددة متفرقة قد تضر به وتؤذيه. ونعرف جميعاً هذا المثال للفارق بين الإنسان والحيوان، نجد الإنسان يغلي النعناع ويشربه، ويطبخ الملوخية ليأكلها، وقد فعل ذلك لأنه اختبر الاثنين، فلم يأكل النعناع وأكل الملوخية، رغم تشابه أوراقهما. لكن هات شجرة النعناع أمام الجاموسة أو الحمار، وهات النجيل الناشف وضع الاثنين أمام الجاموسة أو الحمار، ستجد الجاموسة والحمار يتجهان إلى النجيل الناشف ويتركان نبات النعناع الأخضر الرطب، وهما يفعلان ذلك بالغريزة، فالمحكوم بالغريزة له نظام، ولو كان الحيوان مختارا لارْتَبَكت حركة الحياة كلها واختلطت واشتد على الناس شأنها. وهكذا نعرف أن مقومات الحياة تقوم على قوانين الغريزة، وهذه القوانين موجودة في الكون لتخدمنا نحن بني البشر. فالكهرباء مثلاً كانت موجودة قبل أن ننتفع بها، لكن بعد ذلك انتفعنا بها، وكذلك الجاذبية، كانت موجودة في الكون منذ الأزل، لكنا لم ننتبه لها، وحين اكتشفناها زادت قدراتنا على الاستفادة منها، وهكذا نرى أن الإنسان واحد من هذا الكون، إلا أنه يتميز بأن له جهة اختيار في بعض الأمور، وله جهة قهر في البعض الآخر، فهو يشارك الكون في القهر، ويتميز عن بقية المخلوقات - عدا الجن - بالاختيار في أمور أخرى. ونجد على سبيل المثال أن الإنسان الذي يعاني قلبه من ضعف ما، عندما يصعد هذا الإنسان سلماً ينهج ويتتابع نَفَسه من الإعياء وكثرة الحركة، لأنّ غريزته المحكوم بها تُنبه الجسد إلى ضرورة أن تعمل الرئة أكثر لتعطي الأوكسجين الذي يساعد على الصعود. ومثال آخر، نجد الذكر في الحيوانات يقترب من أنثاه ليشمها، فإن وجدها حاملاً لا يقربها، والحيوان في هذا الأمر مختلف عن الإنسان؛ لأن الحيوان تحركه الغريزة التي تبين له أن العملية الجنسية بين الذكر والأنثى لحفظ النوع، ومادامت الأنثى قد حملت، فالذكر لا يقربها، فاختلف الإنسان عن الحيوان في هذا الأمر؛ فلذة الإنسان في الجنس أعلى من لذة الحيوان؛ لأنها في الحيوان ترضخ للغريزة فحسب، أما في الإنسان فإنها مع الغريزة ترضخ أيضا للاختيار الذي منحه الله للإنسان. ومن رحمة الله - إذن - أن يكون الإنسان مقهوراً في بعض الأشياء ومختاراً في أشياء أخرى، بـ "افعل" و"لا تفعل" حتى يختار بين البديلات. وهنا يقول الحق: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّة} أي خذوا ما آتاكم في الكتاب بجد واجتهاد. وكان هذا القول مقدمة لما جاء به العلم في شرح معنى القوة. وقد وصل إلينا خبر العلم قبل أن يصل لنا واقعه المادي، فصرنا نرى الطاقة التي تعطي القوة. وجاء نيوتن ليكشف لنا قانون الجاذبية، القانون الأول والثاني والثالث، واكتشف أن كل جسم يظل على ما هو عليه، فإن كان ساكناً يبق على سكونه إلى أن يأتي محرك يحركه. وإن كان الجسم متحركاً فهو لا يتوقف إلى أن يصدمه صادم أو يمسكه ماسك. وسمّى العلماء هذا التأثير بالقصور الذاتي. أو التعطل، أي أن الساكن يُعَطّلُ عن الحركة إلا أن يحركه محرك، والمتحرك يُعَطّلُ عن السكون إلا أن يوقفه موقف، فأنت إذا ركبت سيارة وأنت قاعد وساكن والسيارة تسير، فإنك تظل ساكناً، إلى أن يوقفها السائق فجأة فتتحرك من مكانك ما لم تمسك بشيء. وفي الأسواق نرى الحواة وهم يؤدون بعض الألعاب ليسحروا أعين الناس فيأتي بمنضدة وعليها مفرش لامع وأملس، ثم يضع عليها أطباقاً وأكواباً، ثم يحرك المفرش بخفة لينزعه بهدوء من تحت الأكواب حتى لا تتحرك بحركة المفرش. وحين جاء نيوتن عقد مقارنة وموازنة بين القوة والحركة والعطالة، وقلنا: إنّ العطالة تعني أن الساكن يتعطل عن الحركة، والمتحرك يتعطل عن السكون، وهذه هي القضية المادية في الكون التي خدمت العلم الفضائي الخاص بسفن الفضاء والصواريخ. ونحن نرى السفن الفضائية ونعتقد أنها تدور في الفضاء بالوقود، رغم أن حجمها لا يسع الوقود الذي يسيرها لسنوات، والحقيقة أنها تسير بقانون القصور الذاتي أو العطالة إنّها بدون وقود، وهي تندفع إلى الفضاء بقوة الصاروخ إلى أن تخرج إلى الفضاء الكوني، وتظل متحركة ما لم يوقفها موقف. ونرى ذلك في التجربة اليسيرة حين يطلق إنسان رصاصة من مسدس فتنطلق الرصاصة بقوة الطلقة مسافة ثم تقع إن لم يوجد حاجز يصدها، وهي تقع بعد مسافة معينة؛ لأن الهواء يقابلها فيصادم الحركة إلى أن تتوقف، أما في الفضاء الخارجي فليس هناك هواء؛ لذلك لا تتوقف سفينة الفضاء، لأنها تسير بقانون القصور الذاتي أو العطالة. وهذه السفن الفضائية تعتمد في صعودها إلى الفضاء على الصواريخ لتصل إلى المدار الخارجي. والصواريخ تسير بالغاز المتفلت الذي أخذ القانون الثالث من قوانين نيوتن، وهو القانون القائل: إن كل فعل له رد فعل يساويه ومضاد له في الاتجاه، وحين يسخن هذا الغاز المتفلت يخرج من خلف الصاروخ بقوة فيندفع الصاروخ للأمام. وهكذا نرى قول الحق: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} في الواقع المادي والواقع القيمي. وانظر إلى غير المتدينين تجدهم ساكنين في بعض الأمور ولا يتحركون عنها ولا يجاوزونها، فالواحد منهم لا يصلي، ولا يزكي، ولا يقول كلمة معروف، وهو في ذلك يحتاج إلى قوة تحرك سكونه عن طاعة الله. ونجد أيضا من غير المتدينين من يشرب خمرة. أو يزني أو يسرق أو يرتشي. وهو هنا يحتاج إلى قوة لتصده عن مثل هذه الحركة. ولذلك نقول: إن الإنسان في أفعاله الاختيارية يحتاج إلى أمرين: الأول إن كان ساكناً عن فعل الخير نأت له بقوة تحركه إلى هذا الخير، وإن كان متحركا إلى الشر نأت له بقوة توقفه عنه، وهذا هو ما يقدمه المنهج الإيماني في "افعل"، و"لا تفعل". فمن يتراخى عن الصلاة وسكن عنها نقول له صلّ. ومن يذهب للقمار ويتحرك إليه لا يمكن أن يقف إلا إذا جاءت له قوة توقفه عن ذلك وتمنعه، إذن فالقوة الشرعية تكون في المنهج بـ "افعل" ليحرك الساكن، و"لا تفعل" ليقف المتحرك شريطة أن يكون كل من السكون والحركة في ضوء المنهج. ولنعرف أن الله سبحانه وتعالى يسخر لنا الكافرين ليبينوا لنا المستغلق علينا في قوانين الكون، فقد اكتشفوا قوانين القوة المادية وفهمناها نحن في إطار الماديات والمعنويات، وليس اكتشاف الكافرين للقوانين في الكون مدعاة للكسل والاعتماد عليهم، بل علينا أن نشحذ الهمم لنتقدم في العلم الذي يُسير أمور الحياة، ولنعلم أنه لا شيء ينشىء فينا فطرة جديدة؛ لأن البشر من قديم مفطورون على الفطرة السليمة التي تلفتهم إلى أن لهذا العالم صانعاً، فكل ذراتنا وكل اتجاهاتنا تؤكد لنا وجود إله واحد. بل إن الفلاسفة حينما بحثوا وارء المادة تأكد لهم ذلك، وأغلب الفلاسفة كانوا غير مؤمنين، وهم ببحثهم وراء المادة إنما يبحثون عن الخالق الأعظم؛ لأن الإنسان لا يبحث عن شيء لا يظن وجوده. ولأنهم جميعا يعلمون أن الإنسان طرأ على كون، وهذا الكون مقام بهندسة حكيمة، ومخلوق بقوة لا تستطيع قوى البشر جميعا أن تأتي بمثلها، إذن لابد لهذا الكون من الخالق. لقد بيّنا أن القوانين التي تظهر لنا في المادة تتماثل مع قوانين القيم، إلا أن الناس يتهافتون على قانون المادة لأنها تحقق لهم خيراً أو تدفع عنهم شرا، فيأخذون ما ينفعهم ويدعون ويتركون ما يضرهم، ولذلك احتاج الإنسان إلى منهج من السماء ليوضح ويبين له قوانين القيم التي تحقق له السعادة العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، أما قوانين المادة في الأرض فتركها الله لنشاط العقل، حتى الذين لا يؤمنون بالله يذهبون إلى قوانين المادة ويصنعونها، ويتهربون من قوانين القيم لأنها تحد من شهوات النفس، وتتعب بمشقة التكليف، فشاء الحق سبحانه وتعالى أن يقول فيها: {...خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطي من قانون المادة ما يقرب لنا قوانين القيم في الفعل ورد الفعل، لنفهم أن كل حركة للشر قد تحبها النفس لأنها تحقق لها شهوة من شهواتها، لكن يجب ألا يغيب عن ذهنك أيها الإنسان أن لكل فعل رد فعل مساوياً له في الحركة ومضاداً له في الاتجاه، فإن كنت ترتاح في هذا العمل وتحبه وتشتهيه فتذكر جيداً رد الفعل الذي يأتيك بالعقاب عليه، وكذلك مشقات التكليف، حين تفعل الطاعة تكون صعبة عليك ولكن يجب أن تذكر رد الفعل فيها وهو الراحة وحسن الثواب، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 24] وفي هذا القول فعل ورد فعل، الفعل هو العمل الصالح في الأيام التي مضت، ورد الفعل هو الطعام والشراب الهنيء في الآخرة. ولمن اغتر واعتز بنفسه وجبروته وقوته يقول له الحق: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً...} تفسير : [التوبة: 82] وهكذا نجد البكاء الكثيف الشديد الكثير نتيجة للضحك القليل. ويأتي الإنسان من هؤلاء يوم القيامة ليقال له: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] إن كنت قد فهمت أنك عزيز كريم فأسأت إلى الناس فلسوف تتلقى العقاب. ولذلك يقول لنا الحق عن المنهج: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وإياكم أن تطرأ عليكم الغفلة من هذه الناحية، فالذي يتعب الناس في مناهج الله أنهم يغفلون عنها؛ لأن الطاعة تكلفهم مشقة وبعض عناء، والمعاصي تكسبهم لذة وشهوة، فأوضح الحق: اذكروا جيدا الفعل ورد الفعل في هذه القيم. ونعلم أن الذِّكْر يحتاج إلى أشياء كثيرة جدا، فالواعظ مثلاً يذكرهم دائماً، وقلنا إن "الوعظ" هو نوع من إعادة التذكير بالإعلام بالحكم، فأنا أعظ من عَلِمَ الحكم؛ لأني أريد أن يفعله، فبعد أن علمه الموعوظ علماً فقط يريد منه الوَاعظ أن ينفذه عملياً. فكلنا نعلم أن الصلاة ركن، وأن الحج ركن، والزكاة ركن من أركان الإسلام، وكلنا جاءنا العلم بذلك، لكن منا من يكسل في تطبيق هذا العلم. ونظل ندق على دماغه بالتذكير والوعظ، وهذا من خيرية أمته صلى الله عليه وسلم: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...} تفسير : [آل عمران: 110] ولماذا هذا التذكير؟. يجيب الحق: {أية : تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...} تفسير : [آل عمران: 110] الأمر بالمعروف عظة قولية، والنهي عن المنكر عظة قولية، ويعددها الرسول صلى الله عليه وسلم لبقاء التذكير، وليأخذ كل مسلم منهج الله بقوة، فيقول في الحديث: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ". تفسير : إذن فقد نقل الرسول المسألة من الأمر وهو القول والنهي وهو قول أيضاً إلى أن نباشرها فعلاً، فإن لم يستطع الإنسان منا تغيير المنكر بلسانه أو بيده فلينكره بقلبه، ونجد القرآن قد جاء بها أمراً ونهياً، والرسول جاء بها فعلاً، لأن هناك فرقاً بين المعلومة التي تدخل الذهن، وحمل النفس على مطلوب المعلومة. ولذلك نحن ندرس الدين في مدارسنا، وندرس فيها أيضا الجبر والهندسة، والكيمياء والطبيعة، والمتعب ليس تدريس الدين، بل الذي يتعب الناس هو حمل النفس على مطلوب الدين. لكن التلميذ حين يتعلم الجبر والهندسة أو الكيمياء، فهذه علوم تعطي الإنسان خير الدنيا فيذهب لها، لكن مسألة الدين مسألة قيم؛ لذلك لا يكفي أن نعلم الدين بل لابد أن تنفذ ذلك العلم، وتنفيذ هذه المسألة يكون بالتطبيق في سلوك من أسوة حسنة وقدوة طيبة. وهب أن الذي يُعلم الدين يدرسه معلومة ويدخلها في نفوس التلاميذ، ثم لا يجدون من أثر هذه المعلومة نضحاً على سلوك مَن علَّمها، ماذا يكون الموقف؟. هنا تضعف ثقة التلميذ في أستاذة، وتضعف ثقته في الدين؛ لأنه لم ير من الدين إلا كلاماً يقال، بدليل أن من يقولونه لا ينفذونه، وفي هذا فشل في تعليم منهج الدين، والخطأ إذن أن الناس يظنون أن منهج الدين يقف عند تعليم المعلومات الدينية، لا. إن تعليم الدين يقتضي تنفيذ ما فيه من معلومات، عكس العلوم الأخرى التي تعطي المعلومة فقط. وإن أراد الإنسان أن ينتفع بها في حياته انتفع، وإن لم يرد فهو حر في ذلك. إذن فالتذكير مرة يكون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، ومرة يكون بالفعل، "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه"، تفسير : وماذا يعني التغيير باللسان؟. يعني أن الإنسان إن كان عنده حسن تأد واستعداد للعظة ومعرفة أدب النصح فله أن يقبل على تناول العظة. وليس كل إنسان صالحا لأن ينصح؛ لأن المنصوح يخالف المنهج، والناصح يقف أمامه حتى لا يخالف المنهج، إنه يخرجه عما ألف وأحب، لذلك يجب أن يتلطف الناصح في النصح. ومثال ذلك نجد الطبيب حين يذهب إليه المريض يصف له الدواء، والدواء قديماً كان كله مرًّا. وكانت الناس تأخذ الدواء بصعوبة، ويمسك الكبار الأطفال ليعطوهم الدواء. وحين ارتقت صناعة الدواء، قام الصيادلة بتغليف جرعة الدواء بغلاف يحجب المرارة. ليتلطفوا مع مريض الجسم، فما بالنا بمريض القيم؟. إنه يحتاج إلى المسألة نفسها. لذلك لابد أن نجعل النصح خفيفاً، ولا نجمع على المنصوح بين أن نخرجه عما ألف وما يكره من الأساليب، ولذلك قلنا: إن النصح ثقيل، لأنك حين تنصح إنسانا فمعنى ذلك أنك افترضت أنك أفضل سلوكاً منه، وهو أقل منك في ذلك، وهذا هو أول مطب، وينظر لك المنصوح على أنك تفهم أحسن منه. ولهذا قالوا في الأثر: النصح ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلاً. وقيل أيضا: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. هكذا يكون التذكير، وإن لم تستطع أن تمنع بالفعل فامنع بالقول؛ لأن التغيير باليد يحتاج إلى سلطة المغيِّر على المغيَّر، وهذا لا يأتي إلا بأن يكون للمغير مقدمة وسابقة مع المغيَّر يثبت فيها المغيِّر أنه يحب مصلحة المغيَّر. وقد يكون ذلك وارداً من غير أن تقول. كأن تكون أباه أو أمه، والأب والأم يقومان برعاية الابن، وتلبية احتياجاته طعاماً ومشرباً ومسكناً ومصروفاً. وكل منهما هو المتولي لمصالح الابن. وإذا كان الناصح ليس له هذه الصلة بالمنصوح، فعليه أن يتلطف له أولاً بما يحب. فحين يطلب منك أمراً تقوم بإجابته إلى طلبه، وتنبهه بعد ذلك إلى ما تريد أن تنصحه إنك قد قدمت له شيئاً من المعروف فيتحمل منك النصح. ومثال آخر: افرض أن ابنك قد طلب منك أن تحضر له ساعة، وبعد ذلك قالت لك أمه: إنه لم يستذكر دروسه حتى الآن. ثم تأتي له بالساعة وتقول له: يا ولد أنت أردت مني ساعة وأحضرتها لك، وتناولها له وتقول: إن أمك قالت لي إنك غير مهتم بدروسك، ولو تذكرت قولها لما أحضرت لك الساعة. وقد توجه له توبيخاً فيضحك لأنك قد حننت قلبه، وبينت له أنك تحبه فيقبل النصح، حتى ولو صفعته قد يقبل لأنه يعلم أنك تحب مصلحته. إذن للتذكير ألوان متعددة: عظة بالقول، وتغيير بالفعل وإنكار بالقلب. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} والأصل في التقوى أن تتقي شيئاً بشيء؛ تتقي مؤلماً بجعل وقاية بينك وبينه، وهي تأتي كما علمنا في المتقابلات؛ فالحق سبحانه يقول: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 131] وهو سبحانه وتعالى يقول: {أية : ...وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [البقرة: 189] [آل عمران: 130] ونجد من يتساءل: كيف يقول: "اتقوا الله"، "واتقوا النار"؟ نقول: نعم؛ لأن اتقوا الله تعني اتقوا غضب الله عليكم، واتقوا عذاب الله لكم بأن تجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية، ولابد أن تجعل بينك وبين النار وقاية؛ لأن الحق سبحانه وتعالىَ كما علمنا لَه صفات جلال وصفات جمال، وصفات الجمال هي التي تسعد الإنسان ككونه - سبحانه - "غفوراً"، و"رحيماً"، "باسطاً"، وكما أن لله صفات جمال تعطيك الرغبة والإقبال عليه - سبحانه - فله صفات جلال تعطيك الرهبة، فهو - جل شأنه - جبار منتقم. فاتق الله حتى تحجب عن نفسك متعلقات صفات الجلال التي منها جبار منتقم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى عن بني إسرائيل عصيانهم وتمردهم على أوامر الله، حكى هنا ما عاقبهم به من اقتلاع جبل الطور وسحقهم به إن لم يعملوا بأحكام التوراة، ثم ذكر تعالى مثلاً لعلماء السَّوْء في قصة الذي انسلخ عن آيات الله طمعاً في حطام الدنيا وضرب له مثلاً بالكلب اللاهث في حالتَيْ التعب والراحة، وكفى به تصويراً لنفسية اليهود في تكالبهم على الدنيا وعبادتهم للمال. اللغَة: {نَتَقْنَا} النتق: الجذب بقوة قال أبو عبيدة: أصل النتق قلعُ الشيء من موضعه والرميُ به {ظُلَّةٌ} الظلةُ: كل ما أظلّك من سقفٍ أو سحابةٍ أو جناح حائط والجمع ظُلَلٌ وظِلاَل {وَظَنُّوۤاْ} علموا أو أيقنوا {ٱنْسَلَخَ} الانسلاخُ: الخروجُ يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه وانسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه {أَخْلَدَ} مال الى الشيء وركن إليه وأصله اللزوم يقال أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإِقامة به ومنه الخلود في الجنة {يَلْهَث} قال الجوهري: لَهَثَ الكلبُ يَلْهَثُ إذا أخرج لسانه من التعب أو العطشِ {ذَرَأْنَا} خلقنا {يُلْحِدُونَ} الإِلحاد: الميلُ عن القصد والاستقامة يقال: ألحد في الدين ولحد فهو ملحد لانحرافه عن تعاليم الدين. التفسِير: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} أي اذكر حين اقتلعنا جبل الطور ورفعناه فوق رءوس بني إسرائيل {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي كأنه سقيفة أو ظلة غمام {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي أيقنوا أنه ساقط عليهم إن لم يمتثلوا الأمر قال المفسرون: روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رءوسهم وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلاّ ليقعنَّ عليكم فلما نظروا إلى الجبل خرَّ كل واحد منهم ساجداً خوفاً من سقوطه ثم قال تعالى {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} أي وقلنا لهم خذوا التوراة بجد وعزيمة {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي اذكروا ما فيه بالعمل واعملوا به لتكونوا في سلك المتقين {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال الطبري: أي واذكر يا محمد إذْ استخرج ربك أولاد آدم من أصلاب آبائهم فقرّرهم بتوحيده وأشهد بعضَهم على بعض بذلك قال ابن عباس: مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه كلَّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة. {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} أي وقرّرهم على ربوبيته ووحدانيته فأقروا بذلك والتزموه {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} أي لئلا تقولوا يوم الحساب إنا كنا عن هذا الميثاق والإِقرار بالربوبية غافلين لم ننبه عليه {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} أي ولكيلا تقولوا يوم القيامة أيضاً نحن ما أشركنا وإنما قلدنا آباءنا واتبعنا منهاجهم فنحن معذورون {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي أفتهلكنا بإشراك من أشرك من آبائنا المضلّين بعد اتباعنا منهاجهم على جهلٍ منا بالحق؟ {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي وكما بينا الميثاق نبيّن الآيات ليتدبرها الناس وليرجعوا عما هم عليه من الإِصرار على الباطل وتقليد الآباء {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي واتل يا محمد على اليهود خبر وقصة ذلك العالم الذي علمناه علم بعض كتب الله فانسلخ من الآيات كما تنسلخ الحية من جلدها بأن كفر بها وأعرض عنها {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} أي فلحقه الشيطان واستحوذ عليه حتى جعله في زمرة الضالين الراسخين في الغَواية بعد أن كان من المهتدين قال ابن عباس: هو "بلعم بن باعوراء" كان عنده اسم الله الأعظم وقال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى إلى ملك "مَدْيَنَ" داعياً إلى الله فرشاه الملك وأعطاه المُلْك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ففعل وأضل الناس بذلك {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} أي لو شئنا لرفعناه إلى منزل العلماء الأبرار ولكنه مال إلى الدنيا وسكن إليها وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة واتبع ما تهواه نفسه فانحط أسفل سافلين {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} أي فمثله في الخسة والدناءة كمثل الكلب إن طردته وزجرته فسعى لَهَث، وإن تركته على حاله لَهَث، وهو تمثيل بادي الروعة ظاهر البلاغة {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي هذا المثل السيء هو مثلٌ لكل من كذّب بآيات الله، وفيه تعريضٌ باليهود فقد أوتوا التوراة وعرفوا صفة النبي عليه الصلاة والسلام فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا من حكم التوراة {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي اقصص على أمتك ما أوحينا إليك لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي بئس مثلاً مثلُ القوم المكذبين بآيات الله {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله لا يتعداها {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي من هداه الله فهو السعيد الموفق، ومن أضله فهو الخائب الخاسر لا محالة، والغرضُ من الآية بيان أن الهداية والإِضلال بيد الله {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} أي خلقنا لجهنم ليكونوا حطباً لها خلقاً كثيراً كائناً من الجن والإِنس، والمراد بهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} أي لهم قلوب لا يفهمون بها الحق {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} أي لا يبصرون بها دلائل قدرة الله بصر اعتبار {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} أي لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، وليس المراد نفي السمع والبصر بالكلية وإنما المراد نفيها عما ينفعها في الدين {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} أي هم كالحيوانات في عدم الفقه والبصر والاستماع هم أسوأ حالاً من الحيوانات فإنها تدرك منافعها ومضارها وهؤلاء لا يميزون بين المنافع والمضار ولهذا يُقْدمون على النار {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} أي الغارقون في الغفلة {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} أي لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها لإِنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها فسمّوه بتلك الأسماء {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ} أي اتركوا الذين يميلون في أسمائه تعالى عن الحق كما فعل المشركون حيث اشتقوا لآلهتهم أسماء منها كاللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومناة من المنّان {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي سينالون جزاء ما عملوا في الآخرة {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أي ومن بعض الأمم التي خلقنا أمة مستمسكة بشرع الله قولاً وعملاً يدعون الناس إلى الحق وبه يعملون ويقضون قال ابن كثير: والمراد في الآية هذه الأمة المحمدية لحديث "حديث : لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خَذَلَهم ولا من خَالَفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" تفسير : وهذه الطائفة لا تختص بزمان دون زمان بل هم في كل زمان وفي كل مكان، فالإِسلام دائماً يعلو ولا يُعلى عليه وإن كثر الفُسَّاق وأهل الشر فلا عبرة فيهم ولا صَوْلة لهم، وفي الحديث بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية بأن الإِسلام في علوّ شرف وأهله كذلك إلى قرب الساعة {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} أي والذين كذبوا بالقرآن من أهل مكة وغيرهم سنأخذهم قليلاً وندنيهم من الهلاك من حيث لا يشعرون قال البيضاوي: وذلك بأن تتواتر عليهم النعم، فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم فيزدادوا بطراً وانهماكاً في الغيِّ حتى تحق عليهم كلمة العذاب {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي وأمهلهم ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر كما في الحديث الشريف "حديث : إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته" تفسير : {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي أخذي وعقابي قوي شديد وإنما سمّاه كيداً لأن ظاهره إحسانٌ وباطنه خذلان {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} أي أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بآيات الله فيعلموا أنه ليس بمحمد صلى الله عليه وسلم جنون بل هو رسول الله حقاً أرسله الله لهدايتهم، وهذا نفيٌ لما نسبه له المشركون من الجنون في قولهم {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6] {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي ليس محمد إلا رسول منذر أمره بيّن واضح لمن كان له لبُّ أو قلبٌ يعقل به ويعي {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي أولم ينظروا نظر استدلال في ملك الله الواسع مما يدل على عظم الملك وكمال القدرة، والاستفهام للإِنكار والتعجب والتوبيخ {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} أي وفي جميع مخلوقات الله الجليل فيها والدقيق فيستدلوا بذلك على كمال قدرة صانعها وعظم شأن مالكها ووحدة خالقها ومبدعها؟ {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} أي وأن يتفكروا لعلهم يموتون عن قريب فينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر والتدبر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أي فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في الظهور والبيان {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} أي من كتب الله عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ويتركهم في كفرهم وتمردهم يترددون ويتحيرون. البَلاَغَة: 1 - {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} فيه التفات من المتكلم إلى المخاطب والأصلُ وإذْ أخذنا والنكتة في ذلك تعظيم شأن الرسول بتوجيه الخطاب له، ولا يخفى أيضاً ما في الإِضافة إلى ضميره عليه السلام {رَبُّكَ} من التكريم والتشريف، وفي الآية البيانُ بعد الإِبهام والتفصيل بعد الإِجمال {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي خرج منها بالكلية انسلاخ الجلد من الشاة قال أبو السعود: التعبير عن الخروج منها بالانسلاخ للإِيذان بكمال مباينته للآيات بعد أن كان بينهما كمال الاتصال {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} فيه تشبيه تمثيلي أي حاله التي هي مثلٌ في السوء كحال أخسّ الحيوانات وأسفلها وهي حالة الكلب في دوام لهثه في حالتي التعب والراحة فالصورة منتزعة من متعدد ولهذا يسمى التشبيه التمثيلي {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ} التشبيه هنا مرسل مجمل. فَائِدَة: روي عن ابن عباس في قوله تعالى {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} أنه قال: لو قالوا نعم لكفروا، ووجهه أن "نَعَمْ" تصديقٌ للمخبر بنفيٍ أو إيجاب فكأنهم أقروا أنه ليس ربهم بخلاف "بلى" فإنها حرف جواب وتختص بالنفي وتفيد إبطاله فالمعنى بلى أنت ربنا ولو قالوا نعم لصار المعنى نعم لستَ ربنا فهذا وجه قول ابن عباس فتنبه له فإنه دقيق. تنبيه: في الحديث الشريف "حديث : إنّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" تفسير : رواه الترمذي قال العلماء: معناه من حفظها وتفكر في مدلولها دخل الجنة وليس المراد حصر أسمائه تعالى في هذه التسعة والتسعين بدليل ما جاء في الحديث الآخر " حديث : اسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" تفسير : وقد ذكر ابن العربي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} معناهُ رَفعناهُ فَوقَهُمْ.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} النتق الجذب بقوة. وفسره بعضهم بغايته وهو القلع. وتقول العرب: نتقت الزبدة من فم القرية، والنات الرحم الذي تقلع الولد من الرجل. وقال النابغة في الذبياني: شعر : لم يحرموا حسن العزاء وأمهم طفحت عليك بناتق مذكار تفسير : وفوقهم العامل فيه نتقنا ضمن معنى رفعنا بالنتق الجبل فوقهم كقوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ}تفسير : [النساء: 154]. {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} في موضع الحال من الجبل والظلة هنا معناها الغمامة. {وَظَنُّوۤاْ} هنا باقية على بابها من ترجيح أحد الجائزين. {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} تقدم تفسير هذه الجملة في البقرة. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} الآية، قال الزمخشري: هذا من باب التمثيل والتخييل ومعنى ذلك أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى فكأنه سبحانه أشهدهم على أنفسهم وقررهم. وقال: ألست بربكم، وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله وفي كلام العرب ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى. "انتهى". ومفعول أخذ ذرياتهم ويحتمل في قراءة الجمع أن يكون مفعول أخذ محذوفاً لفهم المعنى وذرياتهم بدل من ضمير ظهورهم كما أن من ظهورهم بدل من قوله: من بني آدم، والمفعول المحذوف هو الميثاق كما قال: {أية : وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء: 154]. وتقدير الكلام في وإذ أخذ ربك، من ظهور ذريات بني آدم ميثاق التوحيد وإفراده بالعبادة واستعار أن يكون الميثاق من الظهر كان الميثاق لصعوبته وللإِرتباط به والوقوف عنده شىء ثقيل يحمل على الظهر. الست دخلت همزة الاستفهام على النفي فصار معناها التقرير وهذا النوع من التقرير يجاب بما يجاب به النفي الصريح، فإِذا قلت: ألست من بنى فلان؟ أجيب ببلى. ومعناه أنت من بني فلان؟ فكذلك أجيب ببلى، ومعناه أنت ربنا. {شَهِدْنَآ} الظاهر أن الضمير لله تعالى. {عَنْ هَـٰذَا} الإِشارة إلى الميثاق والإِقرار بالربوبية. {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا} وقرىء: أو تقولوا بالتاء والياء، المعنى أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد الله تعالى وعبادته لكانت لهم حجتان أحديهما كنا غافلين والأخرى كنا تبعاً لأسلافنا فكيف تعذب لذلك والذنب إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا فوقعت الشهادة لتنقطع عنهم الحجج. {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} هذا من تمام القول الثاني أي كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك وتقدمهم فيه وتركه سنة لنا. {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي مثل هذا التفصيل الذي فصلنا فيه الآيات السابقة نفصل الآيات اللاحقة. {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن شركهم وعبادة غير الله إلى توحيده وعبادته. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} قال الجمهور: هو بلعام وهو رجل كنعاني أوتي بعض كتب الله تعالى والإِنسلاخ من الآيات مبالغة في البتري والبعد أي لم يعمل بما اقتضته نعمتنا عليه. وقرأ الجمهور: {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} من اتبع رباعياً أي لحقه وصار معه وهي مبالغة في حقه إذ جعل كأنه هو إمام للشيطان يتبعه وكذلك فاتبعه شهاب ثاقب أي عدا ورآه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن طبيعة الإنسان إن وكل إليها بالخذلان بقوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} [الأعراف: 171] يشير إلى أن الإنسان لو وكل نفسه وطبيعته لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية طبعاً، ولا يحمل أثقاله قطعاً؛ إلا أن يعان على القبول والحمل، كما كان حال بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بها رفع الله على رأسهم جبلاً، {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} [الأعراف: 171] فاضطروا إلى القبول، فكذلك أرباب العناية رفع الله تعالى على رؤوسهم جبل رحمة، {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} إن لم يتوجهوا على الطلب ولم يطلبوا أثقال المجاهدات والرياضيات؛ أي: لو وكلوا إلى أنفسهم ما حملوا، وفي قوله تعالى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 171] إشارة إلى أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق تعالى وهو أمر التحويل؛ أي: يحولهم بالقدرة؛ أي: بأن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقوتهم وأرادتهم، {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} [الأعراف: 171]؛ يعني: فيما أتاكم الله من فضله، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] عما سواه به. ثم أخبر عن حال الإنسان أنه ما وكله إلى طبيعة طينته في أصل الخلقة، بل ألزمه التوحيد في حال التجريد بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ} [الأعراف: 172] إلى قوله: {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 174] يشير إلى أن أخذ المخلوقين يكون أخذ الشيء الموجود من الشيء الموجود، وإن أخذ الخالق تارة هو أخذ الشيء المعدوم من العدم، كقوله تعالى: {أية : خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 9]، وتارة هو أخذ الشيء المعدوم من الشيء المعدوم، كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] فكانوا معدومين، فأخذ من كمال قدرته ذرِّيَّتهم المعدومة إلى يوم القيامة من ظهورهم المعدومة من بني آدم المعدومين، فأخذ الله تعالى تلك وأعطاهم وجوداً مناسباً لتلك الحالة، وإنا قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بها الخطاب، وما قال: ربكم ليعلم أن في معنى الآية دقة وغموض لا يطلع عليها غيره ومن أنعم الله به عليه من خواص متابعية. {مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}؛ أي: فاستخرج الذريات المودعة في ظهور بني آدم عليه السلام من ذريته إلى يوم القيامة من ظهر آدم عليه السلام وهو في العدم بعد، {أية : وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 9] فكان هذا الاستخراج قدمياً، وآدم عليه السلام عدمياً فتجلى عليهم بالصفة الربوبية ورباهم لا هُمْ، فبوجوده جعل وجودهم وجوداً هو به؛ أي: أعطاهم شهوداً هو به يشاهدون به بأنفسهم المعدومة، فكانوا يسمعون الخطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] من لسان حال التجلي، وبه أجابوه: {قَالُواْ بَلَىٰ} [الأعراف: 172] أنت ربنا الذي أعطيتنا وجود الأنانية ربانية به سمعنا كلامك وبه أجبنا خطابك، فالمسبحون منهم كانوا على ثلاث طبقات: السابقون وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ}تفسير : [النحل: 78] كما يناسب تلك الحالة، ثم نظر إلى السابقين بنظر المحبة فجعلهم مستعدين لمحبته؛ كقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، ونور سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار المحبة، فلما قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فبالسمع المنور بنور المحبة سمعوا خطابه، وبالأبصار المنورة شاهدوا جماله، وبالقلوب المنورة نظروا لقائه وفهموا خطابه، فأجابوه بلسان المحبة شوقاً وصدقاً وتعبداً ورقاً وإيماناً حقاً؛ لاختصاصهم بنور المحبة، قالوا: بلى أنت ربنا ومحبوبنا ومعبودنا. وأمَّا أصحاب الميمنة: فإن لم يختصوا بنور المحبة فلم يبتلوا بنار المحبة كما ابتلى بها أصحاب المشأمة، فسمعوا الخطاب بالسمع الرباني، وأبصروا الشواهد بالأبصار الربانية؛ وفهموا تعريف الوحدانية بالقلوب الربانية؛ فأجابوه بلسان الإيمان: {قَالُواْ بَلَىٰ} أنت ربنا ومعبودنا. وأمَّا أصحاب المشأمة: فامتحنوا بإظهار العزة والعلا، وحجبوا برداء الكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب وعلى الأبصار غشاوة الاختيار والقلوب في أكنة العزة عن الأغيار، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة، فأجابوه بلسان الإقرار بالاضطرار، وهم في دهشة الوقار ورعشة الافتقار. وأمَّا الاستخراج الفطري: فلمَّا استخرج الله تعالى من ظهر آدم ذرات بيّنة استخرج من ظهورهم ذرات ذرياتهم المودعة فيها إلى يوما القيامة، والأرواح في تلك الحالة جنود مجندة في ثلاث صفوف: الصف الأول: أرواح السابقين. والصف الثاني: أرواح أصحاب الميمنة. والصف الثالث: أصحاب المشأمة. وأمَّا ذرات السابقين في الصف الأول: بحذا أرواحهم. وذرات أصحاب الميمنة في الصف الثاني: بحذا أرواحهم. وذرات أصحاب المشأمة في الصف الثالث: بحذا أرواحهم، فتنورت الذرات بأنوار أرواحها وكسب تلك الذرات الموجودة بالوجود الرباني لباس الوجود الروحاني، وكسب تلك السمع والأبصار والأفئدة الربانية لباساً روحانياً. ثم خاطبهم الحق تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فسمع السابقون بسمع روحاني رباني نوراني خطابه، وشاهدوا بأبصار روحانية ربانية نورانية جماله، وأجابوا بأفئدة روحانية نورانية بنور المحبة لقائه، فأجابوه على المحبة: {قَالُواْ بَلَىٰ} أنت ربنا المحبوب والمعبود، {شَهِدْنَآ} [الأعراف: 172]؛ أي: شاهدنا محبوبيتك؛ فأخذوا مواثيقهم ألاَّ يحبوا ولا يعبدوا إلا أياه، وسمع أصحاب الميمنة بسمع روحاني خطابه، وطالعوا بأبصار روحانية جلاله، وآمنوا بأفئدة ربانية بإلهيته، فأجابوه على العبودية: {قَالُواْ بَلَىٰ} أنت ربنا المعبود و{أية : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}تفسير : [البقرة: 285]، فأخذ مواثيقهم {أية : أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء: 23]، وسمع أصحاب المشأمة خطابه بسمع روحاني من وراء حجاب العزة، وفي آذانهم وقر العزة، وعلى أبصارهم غشاوة الشقاوة، وعلى أفئدتهم ختم المحنة، فأجابوه على الكلفة: {قَالُواْ بَلَىٰ} أنت ربنا سمعاً كرهاً، فأخذ مواثيقهم على العبودية؛ فلهذا يرجع التفاوت بين الخليقة في الكفر والإيمان؛ أي: تفاوت الاستعدادات الروحانية والربانية، فافهم جدّاً. ثم اعلم أننا لا نجد الله تعالى ذكر أنه كل أحداً وهو بعد العدم إلا بني آدم، فإنه كلمهم وهم غير موجودين، فأجبوه وهم معدومون، فجرى بالجود في الوجود ما جرى إلا الوجود، فهذا بدايتهم وإلى هذا ينتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى هو سمعهم وأبصارهم وألسنتهم، كما قال تعالى: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق"،تفسير : وإلى هذا أشار الجنيد - رحمه الله - حين سئل مال النهاية، وإنما أخذ الله عنهم هذا الميثاق في هذه البداية. {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الأعراف: 172]؛ أي: لا تقولوا، {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]؛ أي: كما أغفل عن هذه المرتبة البرية كلها، {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} [الأعراف: 173]؛ أي أشركوا بأن رضوا الأثنينية، وما رجعوا إلى الوحدة بالفناء في الله، {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 173] مقتدياً بهم؛ لأنَّا استخرجنا الذرية من ظهور آبائهم لهذا الميثاق؛ لئلا يقولوا {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] الذي أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة، {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [الأعراف: 174]؛ إي نبينها، والآيات تدلك على الرجوع إلى الله تعالى، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 174] بهذه الآيات التي شرحناها عن البداية إليها في النهاية وهو مقام الوحدة تفهم إن شاء الله تعالى.