٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
170
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} أي بالتوراة، أي بالعمل بها؛ يقال: مسك به وتمسك به أي ٱستمسك به. وقرأ أبو العالِية وعاصم في رواية أبي بكر «يُمْسِكُونَ» بالتخفيف من أمسك يمسك. والقراءة الأُولى أوْلى؛ لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يُمدحون. فالتمسك بكتاب الله والدِّين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك. وقال كعب بن زهير:شعر : فما تَمسّكُ بالعهد الذي زعمتْ إلاّ كما تُمسك الماءَ الغرابيلُ تفسير : فجاء به على طبعه يذمّ بكثرة نقض العهد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ } بالتشديد والتخفيف {بِٱلْكِتَٰبِ } منهم {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } كعبد الله بن سلام وأصحابه {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ } الجملة خبر (الذين). وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي (أجرهم).
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } {يُمَسّكُونَ } أبو بكر والإمساك والتمسيك والتمسك الاعتصام والتعلق بشيء {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } خص الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة لأنها عماد الدين و {ٱلَّذِينَ } مبتدأ والخبر {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ } أي إنا لا نضيع أجرهم. وجاز أن يكون مجروراً عطفاً على {ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ } و {إِنَّا لاَ نُضِيعُ } اعتراض {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ } واذكروا إذا قلعناه ورفعناه كقوله {أية : وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ }تفسير : [البقرة: 63] {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } هي كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب {وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم. فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد على حاجبه الأيسر ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، وقلنا لهم {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم } من الكتاب {بِقُوَّةٍ } وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } من الأوامر والنواهي ولا تنسوه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ما أنتم عليه. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } أي واذكروا إذ أخذ {مِن ظُهُورِهِمْ } بدل من {بَنِى ءادَمَ } والتقدير: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم {ذُرّيَّتُهُم } ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلاب آبائهم {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } هذا من باب التمثيل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الهدى والضلالة، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك {أَن تَقُولُواْ } مفعول له أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول كراهة أن يقولوا {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } لم ننبه عليه {أَوْ تَقُولُواْ } أو كراهة أن يقولوا {إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ } فاقتدينا بهم لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم فلا عذر لهم في الإعراض عنه والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحيد منصوبة لهم {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك وتركه سنة لنا {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك التفصيل البليغ {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } لهم {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن شركهم نفصلها. إلى هذا ذهب المحققون من أهل التفسير، منهم الشيخ أبو منصور والزجاج والزمخشري، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهر آدم مثل الذر وأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم بقوله {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } فأجابوه بـ {بَلَىٰ }. قالوا: وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أخرج الله من ظهر آدم ذريته وأراه أياهم كهيئة الذر وأعطاهم العقل وقال: هؤلاء ولدك آخذ عليهم الميثاق أن يعبدوني. قيل: كان ذلك قبل دخول الجنة بين مكة والطائف. وقيل: بعد النزول من الجنة. وقيل: في الجنة. والحجة للأولين أنه قال {مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } ولم يقل من ظهر آدم، ولأنا لا نتذكر ذلك فأنى يصير حجة. {ذرياتهم} مدني وبصري وشامي { أَن تَقُولُواْ } {أَوْ تَقُولُواْ }: أبو عمرو. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } على اليهود {نَبَأَ ٱلَّذِى ءاتَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا } هو عالم من علماء بني إسرائيل وقيل: هو بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } فخرج من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } فصار من الضالين الكافرين. روي أن قومه طلبوا منه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى فلم يزالوا به حتى فعل وكان عنده اسم الله الأعظم. {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ } إلى منازل الأبرار من العلماء {بِهَا } بتلك الآيات {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } مال إلى الدنيا ورغب فيها {وَٱتَّبِعْ هَوَاهُ} في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة ونعيمها { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ } أي تزجره وتطرده {يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ } غير مطرود {يَلْهَثْ } والمعنى فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به، سواء حمل عليه أي شد عليه وهيج فطرد، أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا حرك، أما الكلب فيلهث في الحالين فكان مقتضى الكلام أن يقال: ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعناه منزلته، فوضع هذا التمثيل موضع فحططناه أبلغ حط. ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين. وقيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب. وقيل: معناه هو ضال وعظ أو ترك. وعن عطاء: من علم ولم يعمل فهو كالكلب ينبح إن طرد أو ترك {ذٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَـٰتِنَا } من اليهود بعد أن قرءوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ } أي قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته {سَاء مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } هي مثل القوم فحذف المضاف، وفاعل {سَاء } مضمر أي ساء المثل مثلاً. وانتصاب {مَثَلاً } على التمييز {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } معطوف على {كَذَّبُواْ } فيدخل في حيز الصلة أي الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، أو منقطع عن الصلة أي وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص أي وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعد إلى غيرها {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى } حمل على اللفظ {وَمَن يُضْلِلِ } أي ومن يضلله {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } حمل على المعنى، ولو كان الهدي من الله البيان كما قالت المعتزلة، لاستوى الكافر والمؤمن إذ البيان ثابت في حق الفريقين فدل أنه من الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن. {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } هم الكفار من الفريقين المعروضون عن تدبر آيات الله، والله تعالى علم منهم اختيار الكفر فشاء منهم الكفر وخلق فيهم ذلك وجعل مصيرهم جهنم لذلك. ولا تنافي بين هذا وبين قوله {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] لأنه إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده، وأما من علم أنه يكفر به فإنما خلقه لما علم أنه يكون منه. فالحاصل أن من علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة، ومن علم منه أن يكون منه الكفر خلقه لذلك، وكم من عامٍ يراد به الخصوص وقول المعتزلة بأن هذه لام العاقبة أي لما كان عاقبتهم جهنم جعل كأنهم خلقوا لها فراراً عن إرادة المعاصي عدول عن الظاهر {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } الحق ولا يتفكرون فيه {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } الرشد {وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } الوعظ {أُوْلَـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ } في عدم الفقه والنظر الاعتبار والاستماع للتفكر {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام لأنهم كابروا العقول وعاندوا الرسول وارتكبوا الفضول، فالأنعام تطلب منافعها وتهرب عن مضارها وهم لا يعلمون مضارهم حيث اختاروا النار، وكيف يستوي المكلف المأمور والمخلى المعذور؟ فالآدمي روحاني شهواني سماوي أرضي، فإن غلب روحه هواه فاق ملائكة السماوات، وإن غلب هواه روحه فاقته بهائم الأرض {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } الكاملون في الغفلة.
الخازن
تفسير : {والذين يمسكون بالكتاب} يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وأمسكت به والمراد بالتمسك بالكتاب العمل بما فيه من إحلال حلاله وتحريم حرامه وإقامة حدوده والتمسك بأحكامه. نزلت هذه الآية في الذين أسلموا من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه لأنهم تمسكوا بالكتاب الأول ولم يحرفوه ولم يغيروه فأداهم ذلك التمسك إلى الإيمان بالكتاب الثاني وهو القرآن {وأقاموا الصلاة} يعني وداوموا على إقامتها في مواقيتها وإنما أفردها بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في التمسك بالكتاب تنبيهاً على عظم قدرها وأنها من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله وبرسوله {إنا لا نضيع أجر المصلحين} قوله عز وجل: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} يعني واذكر يا محمد إذ قلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل كأنه ظلة يعني جعلناه فوقهم كالظلة والظلة كل ما علا الإنسان كالسقف ونحوه {وظنوا} أي علموا وأيقنوا {أنه واقع بهم} يعني الجبل {خذوا} يعني وقلنا لهم خذوا وإضمار القول كثير في القرآن وكلام العرب {ما آتيناكم} يعني التوراة {بقوة} يعني بجد واجتهاد {واذكروا ما فيه} يعني واعملوا بما فيه من الأحكام {لعلكم تتقون} قال أصحاب الأخبار: إن بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لما فيها من التكاليف الشاقة أمر الله عز وجل جبريل فرفع جبلاً عظيماً حتى صار على رؤوسهم كالظلة فلما نظروا إلى الجبل فوق رؤوسهم خرّوا ساجدين فسجد كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفاً أن يسقط عليه ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق وجوههم الأيسر قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} الآية عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن قوله سبحانه وتعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية قال سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار"تفسير : أخرجه مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي، وقال حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلاً. قلت: ذكر الطبري في بعض طرق هذا الحديث الرجل فقال عن مسلم بن يسار عن يعمر بن ربيعة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما خلق الله سبحانه وتعالى آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان وبيصاً من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا قال داود قال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال يا رب زده من عمري أربعين سنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت فقال آدم أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال أو لم تعطها ابنك داود؟ فجحد آدم فجحد ذريته ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وأما تفسير الآية فقوله سبحانه وتعالى: وإذ أخذ ربك، يعني واذكر يا محمد إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم يعني من ظهور بني آدم وإنما لم يذكر ظهر آدم وإن كان الله سبحانه وتعالى أخرج جميع الذرية من ظهره لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهر بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فلذلك قال سبحانه وتعالى من بني آدم من ظهورهم فاستغنى عن ذكر ظهر آدم عليه السلام لما علم أنهم كلهم بنو آدم وأخرجوا من ظهره فترك ذكر ظهر آدم استغناء. ثم للعلماء في تفسير هذه الآية مذهبان: أحدهما وهو مذهب أهل التفسير والأثر وظاهر ما جاءت به الروايات عن السلف فيما روي عن ابن عباس من طرق كثيرة وروايات مختلفة رواها عنه الطبري بأسانيد، فمنها عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً وقال ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين" تفسير : وعن ابن عباس في هذه الآية قال: مسح ربك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة وأخذ ميثاقهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا وعن ابن عباس أيضاً قال: إن أول ما أهبط الله آدم إلى الأرض أهبطه بدهناء أرض الهند فمسح ظهره فأخرج منه كل نسمة هو بارئها إلى يوم القيامة ثم أخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين" زاد في رواية عنه "فجف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" وفي رواية عنه قال "حديث : لما خلق الله آدم أخذ ميثاقه أنه ربه وكتب رزقه وأجله ومصائبه واستخرج ذريته كالذر وكتب أرزاقهم وآجالهم ومصائبهم"تفسير : وفي رواية عنه قال "حديث : إن الله عز وجل مسح صلب آدم فاستخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وتكفّل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد كل من أعطي الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به لم ينفعه الأول ومن مات صغيراً ولم يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الاول على الفطرة" تفسير : وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس" فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى؟ قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة "إنا كنا عن هذا غافلين" تفسير : وقال ابن عباس: أخرج ذرية آدم من ظهره فكلمهم الله وأنطقهم فقال ألست بربكم قالوا بلى ثم أعادها في صلبه فليس أحد من الخلق إلا وقد تكلم فقال ربي الله وإن القيامة لن تقوم حتى يولد من كان يومئذ أشهد على نفسه، وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء ثم إنه مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه كهيئة الذر بيضاء فقال ادخلوا الجنة برحمتي ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه كهيئة الذر سوداء فقال ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجهه التبعية زاد في رواية وذلك حيث يقول "وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً" وقال محمد بن كعب القرظي: أقر له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل خلق أجسادها، وقال مقاتل: مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر يتحركون فقال يا آدم هؤلاء ذريتك ثم قال لهم ألست بربكم قالوا بلى فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق جميعاً. وروى أن الله سبحانه وتعالى قال لهم جميعاً. اعلموا أنه لا إله لكم غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئاً فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي وإني مرسل إليكم رسلاً يذكرونكم عهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتباً فتكلموا جميعاً وقالوا شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك فأخذ بذلك مواثيقهم ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم فنظر إليهم آدم عليه السلام فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب هلا سويت بينهم فقال إني أحب أن أشكر فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعاده إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق" وقال الزجاج وجائز أن يكون الله سبحانه وتعالى جعل لأمثال الذر عقلاً وفهما تعقل به كما قال تبارك وتعالى في النملة {أية : قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}تفسير : [النمل: 18] وكما قال {أية : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير}تفسير : [الأَنبياء: 79] وقال ابن الأنباري مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولادهم وهم صور كالذر وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعه فاعترفوا بذلك وقبلوه وذلك بعد أن ركب فيهم عقولاً عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبال عقولاً حتى خوطبوا بقوله {أية : يا جبال أوبي معه}تفسير : [سبأ: 10] وكم جعل للبعير عقلاً حتى سجد للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الشجرة حتى سمعت لأمره وانقادت ومعنى قوله {ألست بربكم} على هذا التفسير قال الله تعالى للذرية {ألست بربكم} فهو إيجاب للربوبية عليهم قالوا بلى يعني قالت الذرية بلى أنت ربنا فهو جواب منهم له وإقرار منهم له بالربوبية واعتراف على أنفسهم بالعبودية {شهدنا} فيه قولان: أحدهما: أنهم لما أقروا له بالربوبية قال الله عز وجل للملائكة اشهدوا قالوا شهدنا على إقرارهم فعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله سبحانه وتعالى بلى لأن كلام الذرية تم وانقطع وقوله شهدنا كلام مستأنف. والقول الثاني: إن قوله سبحانه وتعالى شهدنا من كلام الذرية والمعنى شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار وعلى هذا لا يحسن الوقف على بلى لتعلقه بما بعده. وقوله سبحانه وتعالى: {أن تقولوا} وقرئ بالتاء على خطاب الذرية ومعناه لئلا تقولوا أيها الذرية {يوم القيامة إنا كنا عن هذا} يعني الميثاق {غافلين} وقرئ أن يقولوا بالياء على الغيبة ومعناه لئلا يقولوا أي الذرية إنا كنا عن هذا غافلين، والمذهب الثاني في معنى هذه الآية وهو مذهب أهل الكلام والنظر أنه سبحانه وتعالى أخرج الذرية وأنشأهم بعد أن كانوا نطفاً في أصلاب الآباء وهم أولاد بني آدم فأخرج الذرية إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود وأشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من العقول وأراهم عجائب خلقه وغرائب صنعه ودلائل وحدانيته فبهذا الإشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وذلك بما أظهر لهم من دلائل آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم وبارئهم وربهم ونافذ الحكم فيهم فلما عرفوا ذلك دعاهم ذلك إلى التصديق بوحدانيته وربوبيته فقالوا بلى شهدنا على أنفسنا أنك أنت ربنا وخالقنا فعلى هذا القول يكون قولهم بلى شهدنا على أنفسنا على المجاز لا على الحقيقة وهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في كلام العرب فكل من بلغ وعقل فقد أخذ عليه الميثاق بما جعل فيه من السبب الذي يؤخذ به الميثاق وهو العقل والتكليف فيكون معنى الآية وإذ يأخذ ربك من بني ويشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من العقل الذي يكون به الفهم والتكليف الذي به يترتب على صاحبه الثواب والعقاب يوم القيامة. فإن قلت: فما المختار من هذين المذهبين في تفسير هذه الآية؟ قلت: المذهب الأول هو المختار لأنه مذهب جمهور المفسرين من السلف وورد الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قلت إذا كانت المختار في تفسير هذه الآية هو مذهب السلف في ذلك وأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهر آدم لأخذ الميثاق عليهم كما ورد في الحديث أيضاً فكيف يحمل تفسير ألفاظ هذه الآية على هذا القول؟ قلت: قد صحَّ الحديث بأن الله مسح ظهر آدم فأخرج ذريته وأخذ عليهم الميثاق ولا منافاة بين الآية والحديث كما تقدم في تفسير ألفاظ الآية من أن الله أخرج ذرية آدم من ظهره على سبيل التوالد بعضهم من بعض كما في الخارج وكلهم بأجمعهم من ظهر آدم الذي هو أصلهم فبهذا الطريق أمكن الجمع بين الآية والحديث، إذ ليس في معنى ألفاظ الآية ما يدل على بطلان ذلك ونفيه وقد ورد الحديث بثبوت ذلك وصحته فوجب المصير إليه والأخذ به جمعاً بين الآية والحديث وحكى الواحدي عن صاحب النظم أنه قال: ليس بين قوله إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وبين الآية اختلاف بحمد الله لأنه تعالى إذ أخرجهم من ظهر آدم فقد أخرجهم من ظهور ذريته لأن ذرية آدم ذرية كذرية بعضهم من بعض قال وتحصل الفائدة بهذا الفصل بأنه تعالى أثبت الحجة على كل منفوس ممن بلغ ومن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم وزاد على من بلغ منهم بالحجة بالآيات والدلائل التي نصبها بالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين وبالمواعظ وقال غيره: فائدة أخذ الميثاق عليها في القدم أن من مات منهم صغيراً أدخل الجنة بإقراره بالميثاق الأول وهذا على قول من يقول إن أطفال المشركين يدخلون الجنة إذا ماتوا صغاراً فأما من لا يحكم لهم بالجنة فإنه يقول من كان من أهل الشقاوة من الذرية السوداء وإنما أقروا بالمعرفة كرهاً فلم يغن عنهم ذلك شيئاً ومن بلغ وعقل لم يغن عنه إقراره بالميثاق الأول شيئاً حتى يؤمن ويصدق عند بلوغه وعقله بأن الله ربه وخالقه ويصدق رسله فيما جاؤوا به من عنده وإنما فعل ذلك لئلا يقول الكفار إنا كنا عن هذا الميثاق أو الإيمان بأن الله ربنا غافلين أو لئلا تقول أخلافهم إنما أشرك آباؤنا ونحن نسير على آثارهم ظناً منهم أن الحق ما كانوا عليه. فإن قلت: إن ذلك الميثاق لا يذكره أحد اليوم فكيف يكون حجة عليهم اليوم أو فكيف يذكرونه يوم القيامة حتى يحتج عليهم به. قلت: لما أخرج الذرية من صلب آدم ركب فيهم العقول وأخذ عليهم الميثاق فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ما ركب فيهم فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق لاقتضاء الحكمة الإلهية نسيانهم له ثم ابتدأهم بالخطاب على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام وأصحاب الشرائع فقام ذلك مقام الذكر، إذ الدار دار تكليف وامتحان ولو لم ينسوه لانتفت المحنة والابتلاء، والتكليف، فقامت الحجة عليهم لإمدادهم بالرسل وإعلامهم بجريان أخذ الميثاق عليهم وبذلك قامت الحجة عليهم أيضاً يوم القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزمتهم الحجة ولم تسقط الحجة عنهم بنسيانهم وعدم حفظهم بعد إخبار الصادق صاحب الشرع والمعجزات الباهرات.
البقاعي
تفسير : ولما بين ما للمفسدين من كونهم قالوا على الله غير الحق فلا يغفر لهم، بين ما للصالحين المذكورين في قوله {أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : [الأعراف: 159] فقال عاطفاً على تقديره: أولئك حبطت أعمالهم فيما درسوا من الكتاب، ولا يغفر لهم ما أتوا من الفساد: {والذين يمسكون} أي يمسكون إمساكاً شديداً يتجدد على كل وجه الا ستمرار، وهو إشارة إلى إن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد {بالكتاب} أي فلا يقولون على الله إلا الحق، ومن جملة تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك الكتاب عند إتيان الناسخ لأنه ناطق بذلك - والله الموفق. ولما كان من تمسيكهم بالكتاب عند نزول هذا الكلام انتقالهم عن دينهم إلى الإسلام كما وقع الأمر به في المواضع التي تقدم بيانها، عبر عن إقامة الصلاة المعهودة لهم بلفظ الماضي دون المضارع لئلا يجعلوه حجة في الثبات على دينهم. فيفيد ضد المراد فقال: {وأقاموا الصلاة} وخصها إشارة إلى أن الأولين توكوها كما صرح به في آية مريم، وتنويهاً بشأنها بياناً لأنها من أعظم شعائر الدين، ولما كان التقدير إخباراً عن المبتدإ: سنؤتيهم أجورهم لإصلاحهم، وضع موضعه للتعميم قوله: {إنا لا نضيع} أي بوجه من الوجوه {أجر المصلحين*}. ولما ذكر الكتاب أنه رهبهم من مخالفته ورغبهم في مؤالفته، وكان عذاب الآخرة مستقبلاً وغائباً، وكان ما هذا شأنه يؤثر في الجامدين، أمره أن يذكرهم بترهيب دنيوي مضى إيقاعه بهم، ليأخذوا مواثيق الكتاب لغاية الجد مع أنه لا يعلمه إلا علماؤهم، فيكون علم الأمي له من أعلام نبوته الظاهرة فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا، فإن لمن يتعظوا اذكر لهم إذ {نتقنا} أي قلعنا ورفعنا، وأتى بنون العظمة لزيادة الترهيب {الجبل} عرفه لمعرفتهم به، وعبر لدلالة لفظه على الصعوبة والشدة دون الطور - كما في البقرة - لأن السياق لبيان نكدهم بإسراعهم في المعاصي الدالة على غلظ القلب. ولما كان مستغرقاً لجميع الجهة الموازية لعساكرهم، حذف الجار فقال: {فوقهم} ثم بين أنه كان أكبر منهم بقوله: {كأنه ظلة} أي سقف، وحقق أنه صار عليهم موازياً لهم من جهة الفوق كالسقف بقوله: {وظنوا} هو على حقيقته {أنه واقع} ولما كان ما تقدم قد حقق العلو، لم يحتج إلى حرف الاستعلاء، فقال مشيراً إلى السرعة واللصوق: {بهم} أي إن لم يأخذوا عهود التوارة، قالوا: ولما رأوا ذلك خر كل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، وصار ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فزعاً من سقوطه، وهي سنة لهم في سجودهم إلى الآن، يقولون: هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما كان كأنه قيل: فقالوا: أخذنا يارب عهودك، قال مشيراً إلى عظمته ليشتد إقبالهم عليه إشارة إلى أنه علة رفع الجبل: {خذوا ما آتيناكم} أي بعظمتنا، فهو جدير بالإقبال عليه وإن يعتقد فيه الكمال، وأكد ذلك بقوله: {بقوة} أي عزم عظيم على احتمال مشاقه؛ ولما كان الأخذ للشيء بقوة ربما نسيه في وقت، قال: {واذكروا ما فيه} أي من الأوامر والنواهي وغيرهما - فلا تنسوه {لعلكم تتقون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى تقواه، فدل سبحانه بهذا على تأكيد المواثيق عليهم في أخذ جميع ما في الكتاب الذي من جملته ألا تقولوا على الله إلا الحق ولا تكتموا شيئاً منه، قالوا: ولما قرأ موسى عليه السلام الألواح وفيها كتاب الله لم يبق على الأرض شجر ولا جبل ولا حجر إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهودياً يسمع التوارة إلا اهتز وأنقض رأسه. ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على هذه الهيئة القاهرة الملجئة القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق في كثير من فصول الكتاب، وكان ذلك كله خاصاً بهم؛ أمره أن يذكر لهم أنه ركب لهم في عموم هذا النوع الآدمي من العقول ونصب من الأدلة الموضحة للأمر إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه والمتهاون به لكان تعذيبه جارياً على المناهج ملائماً للعقول، ولكنه لسبق رحمته وغلبة رأفته لم يؤاخذ بذلك حتى ضم إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب، وأكثر فيها من المواثيق، وزاد في الكشف والبيان، وإلى ذلك الإشارة باسم الرب، فكأن من عنده علم أشد ملامة من الجاهل، فقال: {وإذ} أي واذكر لهم إذ {أخذ} أي خلق بقوله وقدرته {ربك} أي المحسن إليك بالتمهيد لرسالتك كما يؤخذ القمل بالمشط من الرأس. ولما كان السياق لأخذ المواثيق والأخذ بقوة، ذكر أخذ الذرية من أقوى نوعي الآدمي، وهم الذكور فقال: {من بني آدم} وذكر أنه جعلها من أمتن الأعضاء فقال: {من ظهورهم} كل واحد من ظهر أبيه {ذريتهم} إشارة إلى أنه أكد عليهم المواثيق وشددها لهم وأمرهم - بالقوة في أمرها، أعطاهم من القوة في التركيب والمزاج ما يكونون به مطيعين لذلك، فهو تكليف بما في الوسع، وجعل لهم عقولاً عند من قال: هو على حقيقته كنملة سليمان عليه الصلاة والسلام {وأشهدهم على أنفسهم} أي أوضح لهم من البراهين من الإنعام بالعقول مع خلق السماوات والأرض وما فيهما على هذا المنوال الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم والقدرة، ومن إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات ما كانوا كالشهود بأنه لا رب غيره؛ وقد ذكر معنى هذا الإمام حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من باب العلم من الإحياء فإنه قال معنى هذه الآية: والمراد إقرار نفوسهم، لا إقرار الألسنة، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص؛ ثم ذكر أن النفوس فطرت على معرفة الأشياء على ما هي عليه لقرب الاستعداد للإدراك. ولما تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره، وأنه رب فلا أرأف منه ولا أرحم، كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفاً من سطوته ورجاء لرحمته، فكانوا بذلك بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به، فلذلك قال: {ألست بربكم} أي المحسن إليكم بالخلق والتربية بالرزق وغيره {قالوا بلى شهدنا} أي كان علمنا بذلك علماً شهودياً، وذلك لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه الجواب إلا ذلك فكأنهم قالوه؛ فهو - والله أعلم - من وادي قوله تعالى {أية : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} تفسير : [الرعد: 15] - الآية و{أية : لله يسجد ما في السماوات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} تفسير : [النحل: 49]. ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ قيل: دلالة على أن المتقدم إنما هو على طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد، فعله كراهة {أن تقولوا يوم القيامة} أي إن لم ينصب لهم الأدلة {إنا كنا عن هذا} أي وحدانيتك وربوبيتك {غافلين*} أي لعدم الأدلة فلذلك أشركنا {أو تقولوا} أي لو لم نرسل إليهم الرسل {إنما أشرك آباؤنا من قبل} أي من قبل أن نوجد {وكنا ذرية من بعدهم} فلم نعرف لنا مربياً غيرهم فكنا لهم تبعاً فشغلنا اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون*} أي من آبائنا؛ قال أبو حيان: والمعنى أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان: إحدهما "كنا غافلين" والأخرى "كنا تبعاً لأسلافنا" فكيف والذنب إنما هو لمن طرّق لنا وأضلنا - انتهى. ومما يؤيد معنى التمثيل حديث أنس في الصحيح " حديث : يقول الله لأهون أهل النار عذاباً: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك شيئاً، فأبيت إلا الشرك" تفسير : وذلك لأن التصريح بالآباء ينافي كون الإقرار على حقيقته، والأخذ وهو في الصلب إنما هو بنصب الأدلة وتقرير الحق على و جه مهيىء للاستدلال بتركيب العقل على القانون الموصل إلى المقصود عند التخلي من الحظوظ والشوائب، وهذا الذي وقع تأويل الآية به لا يعارضه حديث الاستنطاق في عالم الذر على تقدير صحته، فإنه روي من طرق كثيرة جداً ذكرتها في كتابي سر الروح، منها في الموطأ ومسند أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي وأبي يعلى الموصلي ومستدرك الحاكم وكتاب المائتين لأبي عثمان الصابوني عن صحابة وتابعين مرفوعاً وموقوفاً - منهم عمر وأبيّ بن كعب وأبو هريرة وحكيم بن حزام وعبدالله بن سلام وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي العالية رحمهم الله، وإنما كان لا يعارضه لأن في بعض طرقه عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه سبحانه قال بعد أن استنطقهم: "حديث : فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، فلا تشركوا بي شيئاً، فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، فقالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك" تفسير : فالاستنطاق في الحديث على بابه، عبرة لأبينا آدم عليه السلام ومن حضر ذلك من الخلق، وإيقافاً لهم على بديع قدرته وعظيم علمه، وإشهاد ما أشهد من المخلوقات بمعنى أنه نصب فيها من الأدلة ما يكون إقامة الحجة به عليهم بالنقض إن أشركوا كشهادة الشاهد الذي لا يرد، وليس في شيء من الروايات ما ينافي هذا؛ والحاصل أنه أخذ علينا عهدان: أحدهما حالي تهدى إليه العقول، وهو نصب الأدلة، والآخر مقالي أخبرت به الرسل، كل ذلك للإعلام بمزيد الاعتناء بهذا النوع البشري لما له من الشرف الكريم ويراد به من الأمر العظيم - والله الموفق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}. يمسكون بالكتاب إيماناً، وأقاموا الصلاة إحساناً، فبالإيمان وجدوا الأَمَان، وبالإحسان وجدوا الرضوان؛ فالأَمانُ مُعَجَّل والرضوان مؤجل. ويقال {يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} سبب النجاة، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة. فالنجاة في المآل والمناجاة في الحال. ويقال أفرد الصلاة ها هنا بالذكر عن جملة الطاعات ليُعْلمَ أنها أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات. قوله جلّ ذكره: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}. مَنْ أَمَّلَ سببَ إنعامنا لم تَخْسِرْ له صفقة، ولم تخْفِق له في الرجاء رفقة، ويقال من نقل (...) إلى بابه قَدَمَه لم يَعْدم في الآجل نِعمَهَ، ومَنْ رَفَعَ إلى ساحاتِ جوده هِمَمَه نالَ في الحالِ كرمه. ويقال مَنْ تَوَصَّلَ إليه بجوده نال في الدارين شَرَفَه. ومن اكتفى بجوده كان اللهُ عنه خَلَفَه.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين} اى وخير ايضا للذين {يمسكون بالكتاب} اى يتمسكون به فى امور دينهم يقال مسك بالشيء وتمسك به. قال مجاهد هم الذين آمنوا من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام واصحابه تمسكوا بالكتاب الذى جاء به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة اى وسيلة وسببا لاكل أموال الناس. وقال عطاء هم امة محمد عليه السلام فالمراد بالكتاب القرآن {واقاموا الصلاة} من قبيل ذكر الخاص بعد ذكر العام للتنبيه على شرف الخاص وفضله فان اقامة الصلاة اعظم العبادات وافضلها بعد الايمان فافردت بالذكر لعلو قدرها بالنسبة الى سائر انواع التمسكات شعر : خانه دين خويش راجوخدا بر ستون نماز كردبنا بى شكى تاستون بجاى بود خانه دين حق بباى بود تفسير : {إنا لا نضيع أجر المصلحين} اى نعطيهم اجرهم فى القول والعمل. قال الكاشفى [مزدكار بصلاح آرند كان كردار خودرا بلكه بتمام بديشان رسانيم]. والاصلاح اما اصلاح الظواهر واما اصلاح السرائر وذلك بالتقيد بالاعمال الظاهرة وتربية النفس الى ان تصلح لقبول فيض نور الله. واعلم ان الغالب فى آخر الزمان ترك العمل بالقرآن ولقد خلف من بعد السعداء اشقياء اطمأنوا الى زخارف الدنيا. قال الحسن رأي سبعين بدريا كانوا فيما احل الله لهم ازهد منكم فيما حرم الله عليكم وكانوا بالبلاء اشد منكم فرحا بالرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ولو رأوا اخياركم قالوا ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا اشراركم حكموا بانهم ما يؤمنون بيوم الحساب اذا عرض عليهم الحلال من المال تركوه خوفا من فساد قلوبهم. قال هرم لاويس اين تأمرنى ان اكون فأومأ الى الشأم فقال هرم كيف المعيشة بها قال اويس أف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها العظة قال من قال شعر : خانه بركندم ويك جونفر ستاده بكور غم مركت جوغم برك رمستانى نيست تفسير : وهذا الشك لا يزول الا بالتوفيق الخاص الالهى ولا بد من تربية المرشد الكامل فانه اعرف بمصالح النفس ومفاسدها شعر : زمن اى دوست اين يك بند ببذير بروفتراك صاحب دولتى كير
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر {يمسكون} بتسكين الميم، الباقون بفتحها وتشديد السين. من خفف السين فلقوله تعالى {أية : فإمساك بمعروف} تفسير : وقوله {أية : أمسك عليك زوجك} تفسير : وقوله {أية : فكلوا مما أمسكن }. تفسير : ومن شدد أراد التكثير، وهو اولى لقوله تعالى {أية : وتؤمنون بالكتاب كله} تفسير : اي لا تؤمنون ببعضه وتكفرون ببعضه بل تؤمنون بجميعه. ويقوي التشديد ما روي عن أبي أنه قرأ {مسكوا بالكتاب} ومعنى {يمسكون} اي يأخذون فيه من حلاله وحرامه. أخبر الله تعالى ان الذين يعملون بما في الكتاب ويقيمون الصلاة مع دخولها في التمسك بالكتاب لجلالة موقعها وشدة تأكدها أنه لا يضيع جزاء عملهم، ويثيبهم بما يستحقونه، لاني لا اضيع لاحد - أصلح عمله فعمل بطاعتي - أجر عمله، وهو قول ابن زيد ومجاهد، وجميع المفسرين. والتقدير إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم لان من كان غير مؤمن واصلح فأجره ساقط، لأنه يوقعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب. ويمسكون بالكتاب ويمسكون ويتمسكون ويستمسكون بمعنى واحد أي يعتصمون به ويعملون بما فيه. وخبر {الذين} قوله {إنا لا نضيع أجر المصلحين} فاستغنى بذكر العلة عن ذكر المعلول.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} اى كتاب النّبوّة الاسلاميّة {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} بالبيعة الولويّة {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشارة الى انّ التّمسّك بالكتاب والولاية مصلح لا محالة فعلى هذا قوله تعالى والدّار الآخرة (الى أخرها) جملة حاليّة والّذين يمسّكون بالكتاب عطف عليه والاحتمالات الاخر فى تركيبها بعيدة عن سوق الكلام.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {والذين يمسكون بالكتاب} وهو العمل بما فيه والآية نزلت في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: في اليهود الذين لا يحرفونه ولا يكتمونه مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، يعني الكتاب الذي جاء به موسى لا يحرفونه ولا يكتمونه، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه {وأقاموا الصلاة انا لا نضيع أجر المصلحين}، قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} أي قلعناه ورفعناه كقوله {ورفعنا فوقهم الطور} {كأنه ظلّة} الظلّة كلّ ما أظلك من سفينة أو سحاب {وظنوا أنه واقع بهم} أي ساقط عليهم وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم: اقبلوها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما رأوا الجبل خرّ كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، ويقولون: إنها السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة {خذوا ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} وعزم على احتمال الأوامر والنواهي لا تنسوه {واذكروا ما فيه} من ميثاقه وتكاليفه واذكروا التعرض للثواب العظيم {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} ونظم الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم ذريتهم لأن الله سبحانه أخرج ذرية آدم (عليه السلام) بعضهم من ظهور بعض يعني على نحو ما يتولد الأبناء من الآباء، وقوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}، قال جار الله: هذا من باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وفورهم فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كتاب الله تعالى وفي كلام العرب ونظيره قوله تعالى: {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}تفسير : [النحل: 40] {أية : فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11] وقوله: {قالوا بلى شهدنا} هذا خبر عن بني آدم أنهم قالوا: بلى شهدنا أنك خالقنا وربنا، وهو قول أكثر المفسرين {أن تقولوا يوم القيامة إنَّا كنَّا عن هذا غافلين} أي لئلا تقولوا يوم القيامة إنَّا كنَّا عن هذا غافلين غير عالمين {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنَّا ذرِّيَّة من بعدهم} فنشأنا على طريقتهم احتجاجاً بالتقليد، فقد قطعنا العذر بما بيّنا من الآيات {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي تهلكنا بما فعل آباؤنا المشركون {وكذلك نفصل الآيات} لقومك يا محمد {ولعلهم يرجعون} عن الكفر واتل عليهم يا محمد يعني على اليهود وهو كلام جار الله والذي روي في الحاكم.
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ} مبتدأ {يُمسِّكُون} من اليهود، وقرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأبو العالية، وأبو بكر بإسكان الميم مضارع أمسك، وقرأ أبىّ: والذين مسكوا بالتشديد، والمعنى واحد من حيث إن أمسك بالهمز، ومسَّك بالشد بمعنى، وقرأ ابن مسعود الأعمش والذين استمسكوا {بالكتَابِ} القرآن، آمنوا به وعملوا بما فيه، ككعب وابن سلام {وأقامُوا الصَّلاة} إقامتها داخلة فى التمسك بالكتاب، لكن أفردها بالذكر لشرفها على سائر أنواع التمسكات بعد الإيمان، وقوله: {إنَّا لا نُضيعُ أجْر المصْلحِينَ} خبر المبتدأ والرابط المصلحين، فإنه ظاهر وضع موضع الضمير، أى إنا لا نضيع أجرهم، فهو من الربط بإعادة المبتدأ بمعناه قاله الأخفش، وأنكره غيره. ونكتة وضعه موضع الضمير أن الإصلاح كالمانع من التضييع، وإن فسرت المصلحين بكل مصلح من اليهود أو غيرهم فالرابط العموم، وأجيز كون الخبر محذوفا، أى مأجورون دلت عليه الجملة، ذكره ابن هشام، وأما أن يقدر المصلحون هم المتمسكون المقيمون، ويقدر الرابط محذوفا، أى المصلحين منهم، فلا يصح لأن هؤلاء كلهم مصلحون إلا إن جعلت من المقدرة بيانية لا تبعيضية، ويجوز عطف الذين يمسكون على الذين يتقون، وما بينهما معترض عطف خاص على عام، لأن الذين يتقون شامل للمتقين قبل بعث النبى صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ} بالشد للمبالغة، َو لموافقة يمسك الثلاثى، كما أَنه أَمسك بالهمزة بلا زيادة معنى على مسك بالتخفيف والمعنى: يعملون، وهذا أَولى لأَن الموفين بالدين من الصالحين ولو لم يبالغ، والمضارع للتجدد والاستمرار، لأَن التمسك يعم الأَزمنة بخلاف إِقامة الصلاة فإِنها فى أَوقات، كذا قيل: مع أَن أَوقاتها عامة إِلا أَن عمومها دون ذلك {بِالْكِتَابِ} التوراة {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} ذكر إِقامتها مع دخولها فى قوله "يمسكون بالكتاب" تعظيماً لشأنها وترغيباً، ولأَنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمعنى: أَنه من عمل ذلك من أَهل الكتاب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم أَو بعدها، وعمل بالقرآن والعمل به داخل فى التمسك بالتوراة لأَن فى التوراة الأَمر بطاعته صلى الله عليه وسلم، والمراد من آمن به صلى الله عليه وسلم على عهده كعبد الله بن سلام وأَهله وعمته خالدة بنت الحارث، والنعمان السبائى ومخيرق أَسلم يوم أَحد ومحمد بن يأمن وثعلبة بن سعيه وأسيد بن شعية، وأسيد بن عبيد. قيل: وابن صوريا، أَو المراد مسلمو هذه الأُمة، والكتاب القرآن، ويناسبه مع القول بأَن المراد من أَسلم من اليهود على عهده صلى الله عليه وسلم أَن غيرهم من مؤمنى اليهود تقدم فى قوله: منهم الصالحون والذين مبتدأ خبره قوله تعالى {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} والربط هو قوله المصلحين، لأَنهم نفس من تمسك بالكتاب وأَقام الصلاة. والرابط العموم على أَن المراد الموفون بدين الله مطلقاً أَو محذوف أَى المصلحين منهم على أَن من للبيان، ويجوز أَن تكون للتبعيض وهذا على أَن معنى التمسك بالكتاب الإِيمان به، وعلاج العمل به فقد لا يوفى لعمل كبيرة فخص المصلحين وهم الموفون.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ} أي يتمسكون به في أمور دينهم يقال: مسك بالشيء وتمسك به بمعنى، قال مجاهد وابن زيد: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة وقال عطاء: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من الكتاب القرآن الجليل الشأن، وقرأ أبو بكر وحماد {يمسكون} بالتخفيف من الإمساك، وابن مسعود {استمسكوا}، وأبـي {مسكوا} وفي ذلك موافقة لقوله تعالى: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} ولعل التغيير في المشهور للدلالة على أن التمسك أمر مستمر في جميع الأزمنة بخلاف الإقامة فإنها مختصة بالأوقات المخصوصة، وتخصيصها بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها بالتمسك بالكتاب لإنافتها عليها لأنها عماد الدين، ومحل الموصول إما الجر عطفاً على {أية : لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 169]، وقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 169] اعتراض مقرر لما قبله، والاعتراض قد يقرن بالفاء كقوله:شعر : فاعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا تفسير : وإما الرفع على الابتداء والخبر قوله سبحانه: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} والرابط إما الضمير المحذوف كما هو رأي جمهور البصريين أي أجر المصلحين منهم وإما الألف واللام كما هو رأي الكوفيين فإنها كالعوض عن الضمير فكأنه قيل مصلحيهم، وأما العموم في المصلحين فإنه على المشهور من الروابط ومنه نعم الرجل زيد على أحد الأوجه أو وضع الظاهر موضع المضمر بناء على أن الأصل لا نضيع أجرهم إلا أنه غير لما ذكر تنبيهاً على أن الصلاح كالمانع من التضييع لأن التعليق بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشتقاق فكأنه قيل: لا نضيع أجرهم لصلاحهم. وقيل: الخبر محذوف والتقدير والذين يمسكون بالكتاب مأجورون أو مثابون، وقوله سبحانه: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} الخ حينئذ اعتراض مقرر لما قبله
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْكِتَابِ} {ٱلصَّلاَةَ} (170) - ثُمَّ يُثني اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنِ اسْتَمْسَكَ بِكِتَابِهِ مِنْهُمْ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَأدَّاهَا حَقَّ أدَائِها، وَيُذَكِّرُهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ لاَ يُضِيعُ أجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً مِنَ المُصْلِحِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنّ الكثير من بني إسرائيل ورثوا الكتاب، وأخذوا العرض الأدنى، ولم يزنوا الأمور بعقولهم؛ لذلك لم يتمسكوا بالكتاب، وتركوه، وساروا على هواهم؛ كأنهم غير مقيدين بمنهج افعل كذَا ولا تفعل كذَا، ويقابلهم بعض الذين يتمسكون بالكتاب الذي ورثوه، ولا يقولوا على الله إلا الحق. ومادة الميم والسين والكاف تدل على الارتباط الوثيق؛ فالذي يجعل الانسان متصلاً بالشيء هو ماسكه، وتقول: "مسَكَ" وتقول: "مَسَّكَ"، و"أمسك"، وتقول "استمسك"، و"تماسك"، وكلها مادة واحدة. وقوله الحق: "يمسِّكون" مبالغة في المسك، كُل قطع وقطَّع، ولكن قطَّع أبلغ. و(مسَّك) يعني أن الماسك تمكن مما يمسك، و(استمسك) أي طلب، و(تماسك) أي أنّ هناك تفاعلاًً بين الاثنين؛ بين الماسك والممسوك. ومن رحمة ربنا أنه لا يطلب منا أن نمسك الكتاب. بل يطلب أن نستمسك بالكتاب، ولذلك يوضح لك الحق سبحانه وتعالى: إن أنت ملت إلى القرب مني والزلفىإليّ، فاترك الباقي عنك فالمعونة منّي أنا، ولذلك يدلنا على أن من ينفذ منهج القرآن لا يلقى الهوان أبدا {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} وهنا يستخدم الحق سبحانه كلمة (استمسك) لا كلمة مسَك، فمن وجه نيته في أن يفعل يعطيه الله المعونة، ولذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليَّ بشبر، تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة. " تفسير : فأنت بإيمانك بالله تعزز نفسك وتقويها بمعونه الله لك. فإن أردت أن يذكرك الله فاذكر الله؛ فإن ذكرته في نفسك يذكرك في نفسه، وإن ذكرته في ملأ يذكرك في ملأ خير منه، وإن تقربت إليه شبراً تقرب إليك ذراعاً، فماذا تريد أكثر من ذلك، خاصة أنك لن تضيف إليه شيئاً، إذن فالموقف في يدك، فإذا أردت أن يكون الله معك فسر في طريقه تأت لك المعونة فوراً. وهكذا يكون الموقف معك وينتقل إليك، وذلك بإيمانك بالله وإقبالك على حب الارتباط به. ولذلك قلنا من قبل: إن الانسان إذا أراد أن يلقى عظيماً من عظماء الدنيا وفي يده مصلحة من مصالح الإِنسان فهو يكتب طلباً، فإما أن يوافق هذا العظيم وإما ألاّ يوافق، وحين يوافق هذا العظيم يحدد الزمان ويحدد المكان، ويسألك مدير مكتبه عن الموضوعات التي ستتكلم فيها، وحين تقابله وينتهي الوقت، فهو يقف من كرسيه لينهي المقابلة، هذا هو العظيم من البشر، لكن ماذا عن العظيم الأعظم الأعلى الذي تلتقي به في الإِيمان؟ أنت تلقى الله في أي وقت، وفي أي مكان، وتقول له ما تريد، وأنت الذي تنهي المقابلة، ألا يكفي كل ذلك لتستمسك بالإِيمان؟. {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] والكتاب هنا هو الكتاب الموروث، والمقصود به التوراة وهو الذي درسوا ما فيه، وقد أخذ الله في هذا الكتاب الميثاق عليهم ألا يقولوا على الله إلا الحق، والحق يقول هنا: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} فهل هذا الكتاب ليس فيه إلا الصلاة؟ لا، ولكنه خص الصلاة بالذكر. لأننا نعلم أن الصلاة عماد الدين، وعرفنا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن الصلاة قد فرضت بالمباشرة، وكل فروض الإِسلام - غير الصلاة - قد فرضت بالوحي. لقد قلنا من قبل ولله المثل الأعلى، إن رئيس أي مصلحة حكومية حين يريد أمراً عادياً رُوتينياً، فهو يوقع الورق الذي يحمل هذا الأمر ويكتب عليه: "يعرض على فلان" ويأخذ الورق مجراه، وحين يهتم بأمر أكثر، فهو يتحدث تليفونياً إلى الموظف المختص، وحين يكون الأمر غاية في الأهمية القصوى فهو يطلب من الموظف أن يحضر لديه، وهكذا فرضت الصلاة بهذا الشكل لأنها الإِعلان الدائم للولاء لله خمس مرات في اليوم، وإن شئت أن تزيد على ذلك تنفلا وتهجداً فعلت. إنك بالصلاة توالى الله بكل أحكامه، إنك توالي الله بالزكاة كل سنة، وبالصوم في شهر واحد هو رمضان، وبالحج مرة واحدة في العمر إن استطعت. لكن الصلاة ولاء دائم متجدد، ولأن الصلاة لها كل هذه الأهمية؛ لذلك لا تسقط أبداً. وأركان الإِسلام - كما نعلم - خمسة؛ شهادة أن لا إله إلا اله وأن محمداً. رسول الله، إنها الإِيمان بالله وبالرسول كوحدة واحدة لا تنفصل، ويكفي أن ينطقها الإِنسان مرة لتكتب له، ثم تأتي أركان الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والحج ليس ركناً مفروضاً إلا على من يستطيعون. قد لا يكون للإِنسان مال يخرج عنه الزكاة؛ فلا يجب عليه إخراج شيء حينئذ، وقد يكون الإِنسان مريضاً أو مسافراً فلا يصوم. إذن فبعض فروض الإِسلام قد تسقط عن المسلم، إلا الصلاة فهي لا تسقط أبداً؛ لأن في الصلاة في ظاهر الأمر قطعا لبعض الوقت عن حركة عملك، وإن كان كل فرض يأخذ مثلاً نصف ساعة، فالإِنسان يقتطع من وقته ساعتين ونصف الساعة كل يوم في أداء الصلاة. والوقت عزيز عند الإِنسان. ففي الصلاة بذل لبعض الوقت الذي يستطيع أن يكسب الإِنسان فيه مالاً، وفيها أيضا الصوم عن الأكل والشرب ومباشرة الزوجات، ففيها كل مقومات أركان الإِسلام، لذا فهي لا تسقط أبدا. {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ...} [الأعراف: 170] إذن الاستمساك واضح هنا جداً، وأداء الصلاة تعبير عن الالتزام بالاستمساك بمنهج الإِيمان. ولذلك نسمع من يقول: حين ذهبنا إلى مكة والمدينة عشنا الصفاء النفسي والإِشراق الروحي، وعشنا مع التجلِّي والنور الذي يغمر الأعماق. وأقول لمن يقول ذلك: إن ربنا هنا هو ربنا هناك، فقط أنت هناك التزمت، وساعة كنت تسمع الأذان كنت تجري وتسعى إلى الصلاة، وإذا صنعت هنا مثلما صنعت هناك فسترى التجليات نفسها. إذن إن صرت على ولاء دائم مع الحق سبحانه وتعالى فالحق لن يضيع أجرك كاحد المصلحين. لأنه القائل: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}. وهذه قضية عامة، والحق سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المصلح. وقوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} بعد قوله: {يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} دليل على أن أي إصلاح في المجتمع يعتمد على من يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة؛ لأن المجتمع لا يصلح إلا إذا استدمت أنت صلتك بمن خلقك وخلق المجتمع، وأنزل لك المنهج القويم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ...}
الجيلاني
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ} أي: يتمسكون منهم {بِٱلْكِتَابِ} أي: بما أمرناهم في التوراة ونهينا فيه {وَ} مع ذلك {أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي: داوموا وواظبوا على الميل إلينا علىما بيناهم فيها فعلينا أجرهم {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} ولا نهمل {أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] الذين يصلحون ظواهرهم بالشرائع والأحام المنزلة من عندنا، وبواطنهم بالإخلاص والتوحيد المسقط للإضافات مطلقاً. {وَ} اذكر وقت {إِذ نَتَقْنَا} أي: قطعنا {ٱلْجَبَلَ} من مكانه، ورفعنا {فَوْقَهُمْ} يظل عليهم {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} يسقف فوق رءوسهم {وَظَنُّوۤاْ} من قبح صنيعهم {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} إلى أن قلنا لهم: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} من مأمورات التوراة {بِقُوَّةٍ} عزيمة صادقة وعزم خالص في أوامره وأحكامه {وَٱذْكُرُواْ} أيك اتعظوا وتذكروا {مَا فِيهِ} من الموعظة والتذكيرات {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] تنتهون عن قبائح أعمالكم ورذائل أخلاقكم. {وَ} نقض العهود والمواثيق، والإعراف عن التكاليف والمشاق ليس مما يختص هؤلاء المعرضين، بل من الديدنة القديمة لبني آدم وقت {إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} حيث أخرجهم {مِن ظُهُورِهِمْ} من ظهور آبائهم وأصلابهم على التوليد المتعارف {ذُرِّيَّتَهُمْ} أي: أولادهم بطناً بعد بطن {وَأَشْهَدَهُمْ} أي: أحضرهم وأطلعهم {عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي: أرواحهم الفائظة لهم، المنفوخة فيهم من روحنا، ثمَّ قلنا لهم بعدما شهدوا منشأهم وعلموا أصلهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} الذي أوجدكم وأظهركم من كتم العدم بنفخ روحي فيكم؟ {قَالُواْ} بألسنة استعداداتهم: {بَلَىٰ شَهِدْنَآ} بعدما أشهدتنا أنت ربنا، لا رب لنا سواك، ولا مظهر لنا غيرك فأخذ سبحانه منهم الميثاق حينئذٍ، وإنما أخذ منهم الميثاق على هذا؛ كراهة {أَن تَقُولُواْ} على سبيل المجادلة والمراء حين أخذهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بجرائمهم الصادرة عنهم، المقتضية لنقض العهد: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} أي: عن ربوبيتك واستقلالك فيها {غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] غير عاليمن بها ولا منبهين عليها. {أَوْ تَقُولُوۤاْ} لو لم يأخذ سبحانه العهد من جميعهم: {إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً} ضعافاً {مِّن بَعْدِهِمْ} فنقلدهم {أَفَتُهْلِكُنَا} وتأخذنا يا ربنا {بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] أي: بفعل آبائنا ا لذين أشركوا بك، مع أنَّا لم نكن حينئذٍ من أصحاب الرأي؟! وأخذك بجرائمهم ظلم علينا؛ لذلك أخذ سبحانه الميثاق من جميع بني آدم؛ حتى لا يبقى لهم حجة عليه سبحانه. {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ} نبيٍّن ونوضح على وجه الخصوص والعموم {ٱلآيَاتِ} الدالة على توحيدنا على اليهود {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 174] رجاء أن يتنبهوا فيرجعوا نحونا، ومع ذلك لم يرجعوا ولم يتنبهوا أصلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):