Verse. 1123 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَخَلَفَ مِنْۢ بَعْدِہِمْ خَلْفٌ وَّرِثُوا الْكِتٰبَ يَاْخُذُوْنَ عَرَضَ ہٰذَا الْاَدْنٰى وَيَقُوْلُوْنَ سَيُغْفَرُ لَنَا۝۰ۚ وَاِنْ يَّاْتِہِمْ عَرَضٌ مِّثْلُہٗ يَاْخُذُوْہُ۝۰ۭ اَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْہِمْ مِّيْثَاقُ الْكِتٰبِ اَنْ لَّا يَقُوْلُوْا عَلَي اللہِ اِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوْا مَا فِيْہِ۝۰ۭ وَالدَّارُ الْاٰخِرَۃُ خَيْرٌ لِّلَّذِيْنَ يَتَّقُوْنَ۝۰ۭ اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ۝۱۶۹
Fakhalafa min baAAdihim khalfun warithoo alkitaba yakhuthoona AAarada hatha aladna wayaqooloona sayughfaru lana wain yatihim AAaradun mithluhu yakhuthoohu alam yukhath AAalayhim meethaqu alkitabi an la yaqooloo AAala Allahi illa alhaqqa wadarasoo ma feehi waalddaru alakhiratu khayrun lillatheena yattaqoona afala taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فخلف من بعدهم خَلْفٌ ورثوا الكتاب» التوراة عن آبائهم «يأخذون عرض هذا الأدنى» أي حطام هذا الشيء الدنيء أي الدنيا من حلال وحرام «ويقولون سيغفر لنا» ما عملناه لنا «و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه» الجملة حال، أي يرجون المغفرة وهم عائدون إلى ما فعلوه مصرون عليه، وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار «ألم يؤخذ» استفهام تقرير «عليهم ميثاق الكتب» الإضافة بمعنى في «أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ ودرسوا» عطف على يؤخذ قرءوا «ما فيه» فلم كذبوا عليه بنسبة المغفرة إليه مع الإصرار «والدَّار الآخرة خير للَّذين يتقون» الحرام «أفلا يعقلون» بالياء والتاء أنها خير فيؤثرونها على الدنيا.

169

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } ظاهره أن الأول ممدوح. والثاني مذموم، وإذا كان كذلك، فيجب أن يكون المراد: فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف. قال الزجاج: الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف، ويقال فيه أيضاً خلف، وقال أحمد بن يحيى: الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء، وخلف للسوء لا غير. وحاصل الكلام: أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الرديء، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد:شعر : وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : ومنهم من يقول: الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف، وهو الفساد، يقال للردىء من القول خلف، ومنه المثل المشهور سكت ألفاً ونطق خلفاً، وخلف الشيء يخلف خلوفاً وخلفاً إذا فسد وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته. وقوله: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً، والمراد بقوله: {عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وفي قوله: {هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } تخسيس وتحقير، و {ٱلأَدْنَىٰ } إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها. والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام. ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا. ثم قال: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها. ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي التوراة {أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة، وقيل: المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار، وذلك قول باطل. فإن قيل: فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له. قلنا: أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران، ونقول: إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم. ثم قال تعالى: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه. ثم قال: {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به، وقرأ أبو بكر عن عاصم {يُمَسِّكُونَ } مخففة والباقون بالتشديد. أما حجة عاصم فقوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } تفسير : [البقرة: 229] وقوله: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ }تفسير : [الأحزاب: 37] وقوله: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } تفسير : [المائدة: 4] قال الواحدي: والتشديد أقوى، لأن التشديد للكثرة وههنا أريد به الكثرة، ولأنه يقال: أمسكته، وقلما يقال أمسكت به. إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } قولان: القول الأول: أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ } والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } تفسير : [الكهف: 30] وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به. والقول الثاني: أن يكون مجروراً عطفاً على قوله: {ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ } ويكون قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ } زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله. فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر؟ قلنا: إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} يعني أولاد الذين فرّقهم في الأرض. قال أبو حاتم: «الخَلْف» بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجميع فيه سواء. و «الخلَف» بفتح اللام البَدَل، ولداً كان أو غريباً. وقال ٱبن الأعرابيّ: «الْخَلَفُ» بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح. قال لَبِيد:شعر : ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهم وبقيْتُ في خلْف كجِلْد الأجْرَبِ تفسير : ومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْف. ومنه المثل السائر «سَكَت ألْفاً ونطق خَلْفاً». فخلفٌ في الذَّم بالإسكان، وخَلَفٌ بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَحمِل هذا العلم مِن كل خَلَف عدولُه»تفسير : . وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت:شعر : لنا القَدَمُ الأُولَى إليك وخَلْفُنا لأوّلنا في طاعة اللّه تابع تفسير : وقال آخر:شعر : إنا وجدنا خَلَفاً بئس الخلَفْ أغلق عنا بابَه ثم حلف لا يُدخل البوابُ إلا من عرف عبداً إذا ما ناء بالحِمل وَقَفْ تفسير : ويروى: خَضَف؛ أي رَدَم. والمقصود من الآية الذّمّ. {وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ} قال المفسرون: هم اليهود، ورِثوا كتاب الله فقرؤوه وعلموه، وخالفوا حكمه وأتَوْا محارمه مع دراستهم له. فكان هذا توبيخاً لهم وتقريعاً. {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدّة حرصهم ونهمهم. {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} وهم لا يتوبون. ودلّ على أنهم لا يتوبون. قوله تعالى: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} والعَرَض: متاع الدنيا؛ بفتح الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. والإشارة في هذه الآية إلى الرَشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمّهم بٱغترارهم في قولهم «سَيُغْفَرُ لَنَا» وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ٱرتكبوها، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصِرّون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقْلَع وندم. قلت: وهذا الوصف الذي ذمّ الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند الدارمِيّ أبو محمد: حدّثنا محمد بن المبارك حدّثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يُكْنَى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سَيَبْلَى القرآنُ في صدور أقوام كما يَبْلَى الثّوب فيتهافَت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يَلْبَسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالُهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصّروا قالوا سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئاً. وقيل: إن الضمير في «يَأْتِهِمْ» ليهود المدينة؛ أي وإن يأت يهودَ يَثْرِبَ الذين كانوا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم عَرَضٌ مثْلُه يأخذوه كما أخذه أسلافهم. قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فيه مسألتان. الأُولى: قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ} يريد التوراة. وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام، وألاّ يميل الحكام بالرُّشَا إلى الباطل. قلت: وهذا الذي لزم هؤلاء وأُخذ عليهم به الميثاق في قول الحق، لازم لنا على لسان نبيّنا صلى الله عليه وسلم وكتابِ رَبِّنا، على ما تقدّم بيانه في «النساء». ولا خلاف فيه في جميع الشرائع، والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} أي قرؤوه، وهم قَرِيبُو عهد به. وقرأ أبو عبد الرحمن «وٱدّارسوا ما فيه» فأدغم التاء في الدال. قال ٱبن زيد: كان يأتيهم المُحِقّ بِرشوة فيُخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له. وقال ٱبن عباس: «أَلاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْحَقَّ» وقد قالوا ٱلباطل في غُفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به. وقال ابن زيد يعني في الأحكام التي يحكمون بها؛ كما ذكرنا. وقال بعض العلماء: إن معنى «وَدَرَسُوا مَا فِيهِ» أي مَحَوْه بترك العمل به والْفَهْم له؛ من قولك: درستِ الريح الآثار، إذا مَحَتْها. وخط دارس ورَبْع دارس، إذا ٱمّحى وعفا أثره. وهذا المعنى مواطىء ـ أي موافق ـ لقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} الآية. وقوله: {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 187] حسب ما تقدّم بيانه في «البقرة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة عن آبائهم {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } أي حطام هذا الشيء الدنيء أي الدنيا من حلال وحرام {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } ما فعلناه {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } الجملة حال، أي يرجون المغفرة وهم عائدون إلى ما فعلوه مصرون عليه، وليس في التوراة وَعْدُ المغفرة مع الإِصرار {أَلَمْ يُؤْخَذْ } استفهام تقرير {عَلَيْهِم مِّيثَٰقِ ٱلْكِتَٰبِ } الإِضافة بمعنى في {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ } عطف على «يؤخذ» قرؤوا {مَا فِيهِ } فلِمَ كذبوا عليه بنسبة المغفرة إليه مع الإِصرار؟ {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الحرام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالياء والتاء. أنها خير فيؤثرونها على الدنيا؟

ابن عطية

تفسير : {خلف} معناه حدث خلفهم و {بعدهم خلْف} بإسكان اللام يستعمل في الأشهر في الذم ومنه قول لبيد: [الكامل] شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : وقد يستعمل في المدح ومنه قول حسان: [الطويل] شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : والخلَف بفتح اللام يستعمل في الأشهر في المدح، قال أبو عبيدة والزجاج: وقد يستعمل في الذم أيضاً ومنه قول الشاعر: شعر : الا ذلك الخلف الأعور تفسير : وقال مجاهد: المراد بـ "الخلف" هاهنا النصارى وضعفه الطبري وقرأ جمهور الناس {ورثوا الكتاب} وقرأ الحسن بن أبي الحسن البصري "وُرّثوا الكتاب" بضم الواو وشد الراء، وقوله {يأخذون عرض هذا الأدنى} إشارة إلى الرشا والمكاسب الخبيثة و "العرض" ما يعرض ويعن ولا يثبت، و"الأدنى" إشارة إلى عيش الدنيا، وقوله: {ويقولون سيغفر لنا} ذم لهم باغترارهم وقولهم: {سيغفر} مع علمهم بما في كتاب الله من الوعيد على المعاصي وإصرارهم عليهم وأنهم إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها فهؤلاء عجزة كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، فهؤلاء قطعوا بالمغفرة وهم مصرون وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم . تفسير : وقوله تعالى: {ألم يؤخذ عليهم} الآية، تشديد في لزوم الحق على الله في الشرع والأحكام بين الناس وأن لا تميل الرشا بالحكام إلى الباطل، و {الكتاب} يريد به التوراة وميثاقها الشدائد التي فيها في هذا المعنى، وقوله: {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} يمكن أن يريد بذلك قولهم الباطل في حكومة مما يقع بين أيديهم، ويمكن أن يريد قولهم سيغفر لنا وهم قد علموا الحق في نهي الله عن ذلك، وقرأ جمهور الناس: "يقولوا" بياء من تحت وقرأ الجحدري: "تقولوا" بتاء من فوق وقوله: {ودرسوا} معطوف على قوله: {ألم يؤخذ} الآية بمعنى المضي، يقدر: أليس قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه وبهذين الفعلين تقوم الحجة عليهم في قولهم الباطل، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، "وادارسوا" ما فيه وقال الطبري وغيره، قوله: {ودرسوا} معطوف على قوله: {ورثوا الكتاب}. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر لبعد المعطوف عليه لأنه قوله: {ودرسوا} يزول منه معنى إقامة الحجة بالتقدير الذي في قوله: {ألم} ثم وعظ وذكر تبارك وتعالى بقوله: {والدار الآخرة خير للذين يتقون} وقرأ جمهور الناس: "أفلا تعقلون" بالتاء من فوق وقرأ أبو عمرو وأهل مكة: "يعقلون" بالياء من أسفل. وقوله: {والذين} عطف على قوله: {للذين يتقون} وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأبو عمرو والناس: "يَمَسّكون" بفتح الميم وشد السين وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو العالية وعاصم وحده في رواية أبي بكر. "يمْسِكون " بسكون الميم وتخفيف السين، وكلهم خفف {أية : ولا تمسكوا بعصم الكوافر} تفسير : [الممتحنة:10] إلا أبا عمرو فإنه قرأ: "ولا تمَسّكوا " بفتح الميم وشد السين، وقرأ الأعمش "والذين استمسكوا" وفي حرف أبيّ "والذين مسكوا" يقال أمسك ومسك وهما لغتان بمعنى واحد، قال كعب بن زهير: [البسيط] شعر : فما تمسك بالعهد الذي زعمت إلا كما تمسك الماء الغرابيل تفسير : أما أن شد السين يجري مع التعدي بالباء.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَلْفٌ} وخَلَف واحد، أو بالسكون للذم، وبالفتح للحمد، وهو الأظهر، والخلف: القرن، أو جمع خالف، وهم أبناء اليهود ورثوا التوراة عن آبائهم، أو النصارى خلفوا اليهود وورثوا الإنجيل لحصوله معهم. {عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى} الرشوة على الحكم إجماعاً، سمي عرضاً لقلة بقائه، الأدنى: لأنه من المحرمات الدنية، أو لأخذه في الدنيا الدانية. {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} عبّر به عن إصرارهم على الذنوب، أو أراد لا يشبعهم شيء فهم لا يأخذونه لحاجة، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} تركوه، أو تلوه وخالفوه على علم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فخلف من بعدهم} يعني من بعد هؤلاء الذين وصفناهم قوله تعالى: {خلف} يعني خلف سوء يعني حدث من بعدهم وتبدل منهم بدل سوء يقال منه هو خلّف صدق بفتح اللام وخلف سوء بسكونها فأكثر ما يقال في المدح بفتح اللام وفي الذم بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان بن ثابت في المدح: شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلْفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : فسكن اللام في قوله وخلفنا وهو يريد المدح وقال لبيد في الذم: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خَلَف كجلد الأجرب تفسير : ففتح اللام وهو يريد الذم وأصله من الفساد. يقال: خلف اللبن إذا فسد وتغير في السقاء ويقال للرديء من القول: خلف وخلف الشيء تغيره، ومنه خلوف فم الصائم والمعنى جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم خلف والخلف القرن الذي يجيء بعد قرن كان قبله {ورثوا الكتاب} يعني انتقل إليهم الكتاب عن آبائهم والمراد بالكتاب التوراة {يأخذون عرَض هذا الأدنى} العرض بفتح الراء جميع متاع الدنيا كما يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، والعرْض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير والمعنى أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام على تبديل الكلام وتغييره وذلك الذي يأخذونه من حطام الدنيا هو الشيء التافه الخسيس الحقير لأن الدنيا بأسرها فانية حقيرة والراغب فيها أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ما فيها وضيعوا العمل بما فيها وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون أنها حرام ثم إنهم مع إقدامهم على هذا الذنب العظيم يصرون عليه {ويقولون سيغفر لنا} يعني ذنوبنا فيتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني"تفسير : أخرجه الترمذي وقال في قوله عليه الصلاة والسلام دان نفسه يعني حاسبها في الدنيا قبل أن يحاسَب يوم القيامة وموضع الاستشهاد من الحديث على الآية، قوله وتمنى على الله الأماني لأن اليهود كانوا يقدمون على الذنوب ويقولون سيغفر لنا وهذا هو التمني بعينه قوله تعالى: {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} وهذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، والمعنى أنهم إذا أتاهم شيء من الدنيا أخذوه حلالاً كان أو حراماً ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. قال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم فيقال له ما بالك ترتشي فيقول: سيغفر لي فيطعن عليه الآخرون فإذا مات أو نزع من الحكم وجعل مكانه آخر فمن كان يطعن عليه ارتشى أيضاً يقول الله عز وجل وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} يعني ألم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في أحكامهم العهود والمواثيق في الكتاب وهو التوراة {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} يعني إنّا أخذنا عليهم الميثاق على أن يقولوا الحق فقالوا الباطل وخالفوا أمر الله وهو قولهم سيغفر لنا والمراد من هذا التوبيخ والتقريع لليهود في ادعائهم على الله الباطل قال ابن عباس: هو ما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها {ودرسوا ما فيه} يعني ما في الكتاب والمعنى أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في الكتاب لأنهم دارسون له لم يتركوه ولكن درسوه وضيعوا العمل به {والدار الآخرة} يعني وما في الدار الآخرة مما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته العاملين بما أمرهم الله به من كتابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا ولم يرتشوا في الأحكام {خير للذين يتقون} يعني يتقون الله ويخافون عقابه {أفلا يعقلون} يعني أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة خير وأبقى لأنها دار المتقين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآية: خَلَفَ معناه: حَدَثَ خَلْفَهم وبعدهم، و{خَلْفٌ} - بإِسكان اللام - يستعمل في الأشهر: في الذَّمِّ. وقوله سبحانه: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} إشارةٌ إِلى الرُّشَاوالمكاسب الخبيثة، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ وَيعنُّ، ولا يثبُتُ، والأَدنَى: إِشارةٌ إِلَى عيشِ الدنيا، وقولهم: {سَيُغْفَرُ لَنَا} ذمٌّ لهم بٱغترارهم، وقولهِمْ {سَيُغْفَرُ لَنَا }، مع علمهم بما في كتاب اللَّهِ، مِنَ الوعيد على المعاصي، وإِصرارِهِم، وأنَّهم بحالٍ إِذا أمكنَتْهم ثانيةً ٱرتكبوها، فهؤلاء عَجَزَةٌ؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّىٰ عَلَى اللَّهِ »تفسير : ، فهؤلاءِ قطعوا بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإِنما يقول: {سَيُغْفَرُ لَنَا } مَنْ أقلع ونَدِمَ. وقوله سبحانه: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية: تشديدٌ في لزوم قول الحقِّ على اللَّه في الشَّرْع والأحكام، وقوله: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } معطوفٌ على قوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ}؛ لأنه بمعنى المُضِيِّ، والتقديرُ: أَلَيْسَ قد أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتابِ، ودَرَسُوا ما فيه، وبهذَيْنِ الفعْلَيْنِ تقومُ الحجَّة عليهم في قولهم الباطَل، وقرأ أبو عبد الرحمٰن السُّلَمِيُّ: «وَٱدَّارَسُوا مَا فِيه». ثم وعظ وذكَّر تبارَكَ وتعالىٰ بقوله: {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، وقرأ أبو عمرو: «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» - بالياء - من أسْفَلُ. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ} عطْفٌ على قوله: {لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ}، وقرأ عاصمٌ وحْده؛ في رواية أبي بَكْرٍ «يُمْسِكُونَ» - بسكون الميم، وتخفيف السين، وقرأ الأعمش: «والَّذينَ ٱسْتَمْسَكُوا».

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية ‏ {‏فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى‏} ‏ قال‏:‏ أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون‏:‏ سيغفر لنا، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، ويقولون‏:‏ سيغفر لنا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فخلف من بعدهم خلف‏} ‏ قال‏:‏ النصارى ‏ {‏يأخذون عرض هذا الأدنى‏} ‏ قال‏:‏ ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا آخر مثله يأخذونه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏فخلف من بعدهم خلف‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاؤوا من حلال أو حرام، ويقولون سيغفر لنا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏فخلف من بعدهم خلف‏} ‏ قال‏:‏ خلف سوء ‏ {‏ورثوا الكتاب‏}‏ بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله الكتاب وعهد إليهم ‏ {‏يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا‏} ‏ قال‏:‏ آمانيٌّ تمنوها على الله وغرة يغترون بها ‏{‏وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه‏} ‏ ولا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه ولا يبالون حلالاً كان أو حراماً‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب، عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يعملون بالذنوب، ويقولون‏:‏ سيغفر لنا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في قوله ‏ {‏يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا‏}‏ قال‏:‏ يأخذون ما عرض لهم من الدنيا، ويقولون‏:‏ نستغفر الله ونتوب إليه‏. ‏ وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال‏:‏ كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له يقول‏:‏ سيغفر لي‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجلد قال‏:‏ يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم، لا يجدون لهم حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أُمروا به قالوا‏:‏ إن الله غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا‏:‏ سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً أمرهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضان على قلوب الذئاب أفضلهم في نفسه المدهن‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال‏:‏ المؤمن يعلم أن ما قال الله كما قال الله، والمؤمن أحسن عملاً وأشدَّ الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً وبرّاً وعبادة إلا ازداد فرقاً يقول‏:‏ ألا أنجو‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ والمنافق يقول‏:‏ سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس عليَّ، فيسيء العمل ويتمنى على الله‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ‏ {‏ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق‏} ‏ فيما يوجهون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏ودرسوا ما فيه‏} ‏ قال‏:‏ علموا ما في الكتاب لم يأتوه بجهالة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏والذين يمسكون بالكتاب‏} ‏ قال‏:‏ هي لأهل الأيمان منهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏والذين يمسكون بالكتاب‏} ‏ قال‏:‏ من اليهود والنصارى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏والذين يمسكون بالكتاب‏} ‏ قال‏:‏ الذي جاء به موسى عليه السلام‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد المذكورين {خَلْفٌ} أي بدلُ سوءٍ، مصدرٌ نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: جمع وهو شائعٌ في الشر والخَلَفُ بفتح اللام في الخير، والمرادُ به الذين كانوا في عصر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراةَ من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتِهم إياه أي يأخذون حُطامَ هذا الشيءِ الأدنى أي الدنيا من الدنو أو الدناءة، والمرادُ به ما كانوا يأخذونه من الرِّشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام وقيل: حال من واو ورثوا {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} ولا يؤاخذُنا الله تعالى بذلك ويتجاوز عنه، والجملةُ تحتمل العطفَ والحالية، والفعلُ مسندٌ إلى الجار والمجرور، أو مصدر يأخذون {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} حال من الضمير في لنا أي يرجون المغفرةَ والحال أنهم مُصِرّون على الذنب عائدون إلى مثله غيرَ تائبـين عنه {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي الميثاقُ الواردُ في الكتاب {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} عطفُ بـيانٍ للميثاق أو متعلقٌ به أي بأن لا يقولوا الخ، والمرادُ به الردُّ عليهم والتوبـيخُ على بتّهم القولَ بالمغفرة بلا توبةٍ والدِلالةُ على أنها افتراءٌ على الله تعالى وخروجٌ عن ميثاق الكتاب {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} عطفٌ على ألم يؤخذ من حيث المعنى فإنه تقريرٌ أو على ورِثوا وهو اعتراض {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ما فعل هؤلاء، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتعلموا ذلك فلا تستبدلوا الأدنى المؤدّي إلى العقاب بالنعيم المخلّد، وقرىء بالياء وفي الالتفات تشديدٌ للتوبـيخ. {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ} أي يتمسكون في أمور دينهم، يقال: مسَك بالشيء وتمسّك به. قال مجاهد: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأصحابِه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام فلم يحرّفوه ولم يكتُموه ولم يتخذوه مأكلةً، وقال عطاء: هم أمةُ محمد عليه الصلاة والسلام وقرىء يُمْسِكون من الإمساك وقرىء تمسّكوا واستمسكوا موافقاً لقوله تعالى: {وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ} ولعل التغيـيرَ في المشهورة للدلالة على أن التمسّك بالكتاب أمرٌ مستمرٌ في جميع الأزمنة بخلاف إقامةِ الصلاة فإنها مختصةٌ بأوقاتها، وتخصيصُها بالذكر من بـين سائر العبادات لإنافتها عليها، ومحلُّ الموصولِ إما الجرُّ نسقاً على الذين يتقون ـ وقولُه: أفلا تعقلون اعتراضٌ مقرر لما قبله ـ وإما الرفعُ على الابتداء والخبر قوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} والرابطُ إما الضميرُ المحذوفُ كما هو رأيُ جمهورِ البصْريـين، والتقديرُ أجرُ المصلحين منهم، وأما الألفُ واللامُ كما هو رأيُ الكوفيـين فإنه في حكم مُصلحيهم كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ }تفسير : [النازعات: 41] أي مأواهم وقوله تعالى: {أية : مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ }تفسير : [ص: 50] أي أبوابُها، وأما العمومُ في مصلحين فإنه من الروابط، ومنه نعم الرجلُ زيدٌ على أحد الوجوه. وقيل: الخبرُ محذوفٌ, والتقديرُ: والذين يمسّكون بالكتاب مأجورون أو مثابرون وقوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} الخ، اعتراضٌ مقرر لما قبله.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ}[169] أي تركوا العمل به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} [الآية: 169]. قيل: ألم يبين لهم على لسان الوسائط فى الكتب المنزلة أن لا يصفوا الحق إلا بنفاد المشيئة وعلو القدرة. قال سهل فى قوله {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} تركوا العمل به.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا}. استوجبوا الذم بقوله - سبحانه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} لأنهم آثروا العَرَض الأدنى، وركنوا إلى عاجل الدنيا، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا: {سَيُغْفَرُ لَنَا}. ويقال من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزلة، والاغترارُ بزمان المُهْلة، وحَمْلُ تأخيرِ العقوبة على استحقاق الوصلة. قوله جلّ ذكره: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}. أخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى، وإيثار متابعة الهوى. قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}. استفهام في معنى التقرير، أي أُمِروا ألا يَصِفُوا الحقَّ إلا بنعت الجلال، واستحقاق صفات الكمال، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأتِ منه خبر، ولم يشهد بصحته برهانٌ ولا نظر. قوله جلّ ذكره: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. يعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان. يعني التعرضُ لنفحات فضله - سبحانه - خيرٌ لمن أَمَّلَ جودَه من مقاساة التعب ممن بَذَلَ - في تحصيل هواه - مجهودَه.

البقلي

تفسير : {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} لما ادعوا اقرب الله والانبساط بين يديه وانه تعالى لا يؤخذهم بما كسبوا فضحهم الله باظهاره كذبهم بما قالوا على الله ما لم يعرفوا منه وكذا حال المدعين الى يوم القيامة وثق الحق سبحانه فى كلامه فى الصديقين ان لا يقولوا على الله الا ما وصف به نفسه من التنزيه التقديس من اوصاف الحدثان وان من العرش الى الثرى تجرى على مقاديره السابقة ومشيته القديمة قيل الم يبين هلم على لسان الوسائط وفى الكتب المنزلة ان لا يصف الحق الا بنفاذ المشية وعلوم القدرة ثم بين سبحانه انهم علموا بميثاق الله فى كتاب الله وتركوا ما ندبوا اليه من سنى المعاملات ورفيع المقامات بقوله {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} درسوا ما عرفوا حقائقه ولو ذاقوا طعم الخطاب تابعوه ببذل المهجة قال سهل تركوا العمل به.

اسماعيل حقي

تفسير : {فخلف من بعدهم} من بعد المذكورين {خلف} اى بدل سوء وهم الذين كانوا فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم الذين خلفوا من اليهود الذين فرقهم الله فى الارض امما موصوفين بانهم منهم الصالحون ومنهم دون ذلك. والخلف مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع يقال خلف فلان فلانا اذا كان خليفته وخلفه فى قومه خلافة اى قام مقامه فى تدبير احوال قومه. قال ابن الاعرابى الخلف بفتح اللام الصالح وباسكان اللام الطالح ومنه قيل لرديئ الكلام خلف. وقال محمد بن جرير اكثر ما جاء فى المدح بفتح اللام وفى الذم بتسكينها وقد يحرك فى الذم ويسكن فى المدح قال واحسبه فى الذم مأخوذا من خلف اللبن اذا حمض من طول تركه فى السقاء حتى يفسد ومنه قولهم خلف فم الصائم اذا تغيرت ريحه وفسدت فكان الرجل الفاسد مشبه به والحاصل ان كليهما يستعملان فى الشر والخير الا ان اكثر الاستعمال فى الخير بالفتح كذا فى تفسير الحدادى {ورثوا الكتاب} اى التوراة من اسلافهم يقرأونها ويقفون على ما فيها. والميراث ما صار للباقى من جهة الهالك وهو فى محل الرفع على انه نعت لقوله خلف {يأخذون عرض هذا الادنى} استئناف اى يأخذون حطام هذا الشيء الادنى يعنى الدنيا وهو من الدنو اى القرب سميت هذه الدار وهذه الحياة دنيا لدنوها وكونها عاجلة يقال دنوت منه دنوا اى قربت والدانى القريب او من الدناءة يقال دنا الرجل دناء اى صار دنيئا خسيسا لا خير فيه والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشى فى الحكومات وعلى تحريف الكلام. قال الحدادى سمى متاع الدنيا عرضا لقلة بقائه كأنه يعرض فيزول قال الله تعالى {أية : هذا عارض ممطرنا} تفسير : [الأحقاف: 24]. يريدون بذلك السحاب {ويقولون سيغفر لنا} لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه يقال غفر الله له ذنبه غطى عليه وعفا عنه. قوله سيغفر اما مسند الى الجار والمجرور بعده وهولنا واما الى ضمير الاخذ فى يأخذون كقوله {أية : اعدلوا هو أقرب} تفسير : [المائدة: 8]. اى سيغفر لنا اخذ العرض الادنى. وفى التأويلات النجمية من شأن النفوس ان يجعلوا المواهب الربانية والكشوف الروحانية ذريعة العروض الدنيوية ويصرفها فى تحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات والشهوات ويقولون سيغفر لنا لانا وصلنا الى مقام ورتبة يغفر لنا مثل الزلات والخطيآت كما هو مذهب اهل الاباحة جهالة وغرورا منهم وفيه معنى آخر وهوانهم يقولون سيغفر لنا اذا استغفرنا منها وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب {وان يأتهم عرض مثله يأخذوه} حال من فاعل يقولون اى يأخذون الرشى فى الاحكام وعلى تحريف الكلم للتسهيل على العامة ويقولون انه تعالى لا يؤاخذنا باخذ ما اخذناه من عرض الدنيا ويتجاوز عنه والحال انهم مصرون على اخذه عائدون الى مثله غير تائبين عنه {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} اى العهد المذكور فى التوراة {ان لا يقولوا على الله الا الحق} عطف بيان للميثاق اى لا تفتروا على الله مثل القطع على المغفرة مع الاصرار على الذنب {ودرسوا ما فيه} [وخوانده اند آنجه دروست واين حكم دروى نديده اند] وهو معطوف على ألم يؤخذ من حيث المعنى فانه تقرير اى اخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه ولك ان تقول درسوا عطف على لم يؤخذ فالاستفهام التقريرى متعلق بهما {والدار الآخرة} [ورستكارى سراى ديكركه عقابست {خير} بهترست از عرض دنيا] {للذين يتقون} المعاصى والشرك واكل الحرام والافتراء على الله تعالى {أفلا تعقلون} تعلمون ذلك فلا تستبدلوا الادنى المؤدى الى العقاب بالنعيم المخلد.

الطوسي

تفسير : معنى الآية ان الله اخبر انه خلف - بعد القوم الذين كانوا فرقهم في الارض - خلف، وهم قوم نشؤوا بعدهم من اولادهم ونسلهم، يقال للقرن الذي يجيء في اثر قرن خلف، والخلف ما اخلف عليك بدلا مما اخذ منك. ويقال في هذا خلف ايضاً. فأما ما اخلف عليك بدلا مما ذهب منك، فهو - بفتح اللام - افصح. قال الفراء: يقال: اعطاك خلفاً مما ذهب لك، فأنت خلف صدق وخلف سوء، قال الله تعالى {أية : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} تفسير : واكثر ما يجيء في المدح - بفتح اللام - وفي الذم بتسكينها - وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، فمن ذلك في تسكين اللام في المدح قول حسان بن ثابت: شعر : لنا القدم الاولى اليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : ويقال: خلف اللبن إذا حمض من طول تركه من السقاء حتى يفسد، فالرجل الفاسق مشبه به، ومنه خلوف فم الصائم وهو تغيره. وأما بتسكين اللام في الذم فقول لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الاجرب تفسير : وقيل ان الخلف الذين ذكرهم الله في هذه الآية أنهم خلفوا من قبلهم هم النصارى - ذهب اليه مجاهد - وهذا الذي قاله جائز، وجائز أيضاً أن يكون المراد به قوم خلفوهم من اليهود. وقوله تعالى {ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى} قال قوم: كانوا يرتشون على الأحكام، ويحكمون بجور. وقال آخرون: كانوا يرتشون ويحكون بحق، وكل ذلك عرض خسيس، ومعنى {هذا الأدنى} هذا العاجل, و {يقولون سيغفر لنا} معناه إذا فعلوا ذلك يقولون الله يغفر لنا ذلك تمنياً منهم للاباطيل كما قال تعالى {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}. تفسير : وقوله تعالى {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} دليل على اصرارهم وأنهم تمنوا أن يغفر لهم مع الاصرار، لان المعنى وان جاءهم حرام من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستحلوه، ولم يرتدعوا عنه - وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن عباس وقال الحسن: معناه لا يشبعهم شيء. وقوله {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه} معناه الم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في الاحكام القائلين سيغفر لنا هذا اذا عوتبوا على ذلك و {ميثاق الكتاب} هو ما أخذ الله على بني اسرائيل من العهود باقامة التوارة والعمل بما فيها، فقال تعالى لهؤلاء الذين قصهم توبيخاً لهم على خلافهم امره ونقضهم عهده وميثاقه: ألم يأخذ الله عليهم الميثاق في كتابه ان لا يقولوا على الله الا الحق، ولا يضيفوا اليه الا ما انزله على رسوله موسى في التوراة ولا يكذبوا عليه وانما احتج عليهم بميثاق الكتاب، ولم يحتج عليهم بالعقل، ليعلمنا ما لا نعلمه مما هو في كتبهم من ادلة تؤكد ما في العقل. وقوله تعالى: {ودرسوا ما فيه} المعنى قرؤوا ما فيه ودرسوه فضيعوه، وتركوا العمل به. والدرس تكرر الشيء يقال درس الكتاب اذا كرر قراءته، ودرس المنزل: اذا تكرر عليه مرور الأمطار والرياح حتى يمحى اثره. وقوله تعالى {والدار الآخرة خير للذين يتقون} أي ما اعده الله تعالى لاوليائه في دار الآخرة من النعيم والثواب وذخره للعاملين بطاعته الحافظين لحدوده {خير للذين يتقون} يعني يجتنبون معاصي الله ويحذرون عقابه. وقوله: {أفلا تعقلون} فمن قرأ بالياء معناه أفلا تعقل هذه الطائفة التي تقدم ذكرها وهم الذين يأخذون عرض هذا الأدنى على أحكامهم ويقولون سيغفر لنا. ومن قرأ بالتاء قال: معناه قل لهم: افلا تعقلون ان الامر على ما اخبر الله به. وحكي ان طياً تقول في جمع ميثاق: مياثيق، وفي جمع ميزان: ميازين، وحكي عن غيرهم من اهل الحجاز أيضاً ذلك وانشد بعض الطائيين: شعر : حمى لا يحل الدهر الا باذننا ولا نسل الاقوام عقد المياثيق

الجنابذي

تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} ذوو شرّ على ما قيل انّه بالتّسكين لذوى الشّرور وبالتّحريك لذوى الخيرات، وهو تعريض بامّة محمّد (ص) حيث كانوا فى عهده امّا صالحين وامّا دون ذلك وبعده صاروا آخذين بعرض مغترّين بغرور النّفس مع انّه (ص) اخذ عليهم الميثاق بان لا يستبدّوا بآرائهم ولا يقولوا على الله الاّ الحقّ ولا يفارقوا الكتاب وعترته (ص) {وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ} اى كتاب النّبوّة واحكامها او التّورية على تنزيله وظاهره {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} من الدنّو او الدّنائة يعنى العرض الّذى هو عبارة عن متاع الدّنيا فانّه عارض وزائل لا محالة والجملة امّا صفة بعد صفة والاختلاف مع الاولى للاشارة الى استمرارهم فيه، او حال من خلف لاختصاصه بالصّفة، او من فاعل ورثوا، او جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل: ما فعلوا بوراثة الكتاب؟ - فقال: يأخذون وعلى اىّ تقديرٍ فالمقصود ذمّهم على انّهم جعلوا الكتاب الّذى هو سبب لاخذ النّعيم الابدىّ والفوز بخير دار البقاء وسيلة لعرض الدّنيا الزّائل لحمقهم، فانّ اسناد الاخذ الى الخلف المقيّد بوراثة الكتاب يشعر باعتبار الحيثيّة؛ فالويل ثمّ الويل لمن انتحل الاحكام النّبويّة وجعلها وسيلة الى الاعراض الدّنيويّة كاكثر العاّمة الّذين ادّعوا العلم والفقاهة وانتحلوا الشّرع والوراثة {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} فانّ النّفس فى توسّلها الى مشتهياتها تستدعى وجهاً لاطمينانها فيها فتارةً تقول: لا ثواب ولا عقاب ولا آخرة ان هى الاّ حيوتنا الدّنيا، وتارةً تقول: انّ الله كريم، وتارةً تقول: ليس العذاب الاّ ايّاماً معدودة، وتارةً تقول: من انتسب الى نبىّ (ع) لا يعّذب ولو جاء بذنوب اهل الدّنيا، وتارةً تقول: محبّ علىّ (ع) لا يدخل النّار وحبّ علىّ (ع) حسنة لا تضر معها سيّئة ولا تدرى انّها كلّها غرور ما توّهمته انتساباً الى نبىٍّ او محبّةٍ لعلىّ (ع) انتساب الى الشّيطان ومحبّة له؛ اعاذنا الله من شبهات انفنسنا {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} يعنى ليس قولهم سيغفر لنا الاّ عن غرور النّفس فانّ راجى المغفرة يرعوى عمّا ينافيها {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} يعنى انّ وراثة الكتاب تستدعىالخوف من الله لا الاغترار به فانّ ميثاق الكتاب أي العهود الّتى تؤخذ عليهم بالبيعة العامّة النّبويّة ان لا يغترّوا بالدّنيا ولا يقولوا على الله الاّ الحقّ {وَدَرَسُواْ} تعلّموا وتعاهدوا {مَا فِيهِ} من الوعد والوعيد {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} يعنى انّ الافتتان باعراض الدّنيا يتصوّر لغفلتهم عن مفاسدها وسكوتنا عن بيانها وقد بيّناها ونبّهناهم عليها، او لرجحانها على متاع الآخرة وليس كذلك، او للحمق وعدم العقل واليه اشار بقوله {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} او لانّ التّمسّك باحكام الكتاب والاتّعاظ بمواعظها يصير ضائعاً عندنا.

الهواري

تفسير : قال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد الماضين {خَلْفٌ} والخلْف هو الخلف السوء، والخلَف الصالح. قال بعضهم: الخلف: اليهود، وقال مجاهد: النصارى بعد اليهود، وقال بعضهم: الخلف من كل، وهو الخلف السوء من جميع الخلق. قال: {وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَّأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}. [قال مجاهد: يعني ما أشرف لهم في اليوم من حلال أو حرام أخذوه ويتمنّون المغفرة، وإن يجدوا الغد غيره يأخذوه]. وقال الحسن: لو عرضت لهم الدنيا ومثلها معها لاصطلموها ولتمنوا المغفرة بعد ذلك. قوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} أي وقرأوا ما فيه، أي ما في هذا الكتاب بخلاف ما يقولون وما يعملون. {وَالدَّارُ الأَخِرَةُ} يعني الجنة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} والتقوى اسم جامع لخصال الإِيمان. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقول: أفلا تعقلون ما تدرسون؛ ينبههم لكي ينتبهوا. قوله: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُصْلِحِينَ} قال الحسن: هؤلاء أهل الإِيمان منهم. وقال مجاهد: من آمن من اليهود والنصارى. قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} أي بجِدّ. {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي واحفظوا ما فيه، أي: من الأمر والنهي فاعملوا به. قال بعضهم: اقتلع الجبل من أصله، فأشرف به عليهم فقال: لتأخذنّ أمري أو لأرمينّكم به.

اطفيش

تفسير : {فَخَلفَ مِنْ بَعْدهم} أى من بعد اليهود الموصوفين، والمراد من بعد من تقدم منهم، ويدل على هذه الإرادة أن الكلام المذكور على العموم إلى يوم القيامة {خَلْفٌ} هو من جملة العموم السابق، ورجح بعضهم بقوله: {فخلف من بعدهم خلف} قول الطبرى أن المراد بالصالحين من كان قبل بعث عيسى ثابتا على الدين، وإن قلت: إذا كانت هذه الهاء شاملة لغير المؤمنين، فما فائدة الكلام؟ قلت: فائدته التنبيه على فعل سوء من أفعالهم إعظاما له، وهو أخذ الرشوة، وإذا جعلنا قوله: {ومنهم دون ذلك} فيمن آمن وعمل ولم يصل درجة الصالحين المذكورين، فلا إشكال أصلا، والخلف بإسكان اللام بدل سوء، قال لبيد: شعر : ذهبَ الَّذين يُعاش فى أكنافهم وبَقيتُ فى خَلفٍ كجلْد الأجرب يتحدثون مخانة وملاذة ويعاب قائلهم إن لم يشغب تفسير : يقال ولد خلف وقوم خلف، أى أردياء، والخلف بفتح اللام بدل خير يقال: ولد خلف وقوم خلف أى صالحون، وفى الحديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" ذكر ذلك فى السؤالات، وأصل الخلف بالإسكان الفساد والتغيير، خلف اللين فسد، وخلف فم الصائم تغير، وذلك هو الأشهر، وقد تسكن فى المدح كقول حسان: شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لا ولنا فى طاعة الله تابع تفسير : وليس ضرورة، وقد تفتح فى الذم قاله أبو عبيدة والزجاج، ويجوز قراءة بيت لبيد بالفتح، وكلاهما يطلق على الواحد والجمع، لأنه مصدر، وقيل: جمع، والمراد به فى الآية من يأخذ الرشوة من اليهود قبل سيدنا محمد أو بعد بعثه، وقيل: المراد الذين فى عصره، وقال مجاهد: النصارى، وضعفه الطبرى، وقيل: بدل السوء من أى ناس جاءوا مفسدين بعد صلاح من صلح من اليهود. {وَرِثُوا الكِتابَ} التوراة عمرة قبلهم يقفون على ما فيها، ولا يعملون به، وقرأ الحسن بن أى الحسن البصرى بضم الواو وتشديد الراء، فالكتاب مفعول ثان لتعديه بالتضعيف إلى اثنين، والأول الواو النائب {يأخُذونَ عَرَض هَذا الأدْنى} متاع هذا الشئ الأدنى الذى هو الدنيا وعرضها متاعها، والمراد به الرشا على الحكم، وعلى تبديل كلام الله تسهيلا على الضعفاء والعامة، وسمى متاع الدنيا عرضا لأنه لا يبقى ولا سيما الحرام كالرشوة، وفى الحديث: "حديث : الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر" تفسير : وحقره وخسسه بقوله: {هذا الأدنى} حيث أشار إليه إشارة قرب إشارة بعد المنزلة وعلوها، ووصفه بأنه أدنى أى قريب عاجل يعقبه زوال أو دنى ساقط، والجملة صفة ثابتة لخلف، والأولى ورثوا أو حال منه أو من الواو. {ويقُولُون سيُغْفر لنا} نائب يغفر أو نائبه ضمير مستتر عائد إلى الأخذ المدلول عليه بيأخذون، و القول قول بألسنتهم، أو اعتقاد أو ظن ورجاء، وعلى الأول فإنما نطقوا بذلك رجاء وظنا أو اعتقادا، والواو عاطفة أو حالية بتقدير المبتدأ، أو قد أو بلا تقدير، وقولهم: {سيغفر لنا} داخل فى جملة الذم من حيث إنهم يقولون: {سيغفر لنا} وهم مصرون على ذلك العرض شديد أو الحرص عليه كما قال {وإنْ يأتِهِم عَرضٌ مثْلُه} على الارتشاء أو التبديل بعد أخذ العرض قبله وبعد قولهم سيغفر لنا {يأخُذُوه} وهذه الواو حالية، وصاحب الحال فاعل، يقول: أو استئنافية، والهاء فى مثله عائدة إلى العرض المدلول عليه بقولهم: {سيغفر لنا} لأن المراد يغفر لنا أخذ عرض خاص أخذناه، وهو جميع ما أخذوا، أو إلى العرض المذكور قبل، لأنه مراد به الحقيقة، فهذا الضمير إلى حصة منها. وقال السدى: المعنى أنه إن يأتهم عرض مثل العرض الذى أخذه الحكام المتقدمون عليهم، أخذوه وكانوا لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى، فيقال له: مالك ترتشى؟ فيقال: سيغفر لى، وإذا استقضى من كان يظعن عليه ارتشى أيضا. {ألَم يؤخذْ عَليهم ميثاقُ الكتَابِ} المذكور وهو التوراة {أن لا يقُولُوا} إن مصدرية، والمصدر بدل ميثاق أو عطف بيان عليه، أو مقدر بالباء أو بلام التعليل متعلقة بيؤخذ أو بميثاق، ولا نافية، ويجوز كونها ناهية، فأن مفسرة أو مصدرية على الأوجه المذكورة، بناء على جواز دخولها على الأمر والنهى، وقرأ الجحدرى: أن لا تقولوا بالفوقية على طريق الالتفات، وإن روعى جانب معنى القول فيما قبلها فلا التفات، كأنه قيل ألم تقل لهم لا تقولوا. {عَلَى اللهِ إلا الحقَّ} وهو ما فى التوراة لا يملككم الهوى وحب العرض عنه، ومعنى أخذ الميثاق عليهم إلزام الله إياهم العمل بما فى التوراة، وكأنهم قالوا: نعم نعمل، لأنه لا اختيار لهم فى فرض الفرائض أو أخذه إذ خرجوا ذرًّا من ظهر آدم، فالكتاب ما يحكم الله به، أو قالوا لموسى: لو أنزل الله عليك كتابا نعمل بما فيه، أو قال لهم موسى: ينزل الله كتابا، فقالوا: نعم نعمل به. {ودَرسُوا ما فيهِ} عطف على ما بعد همزة الإنكار أو التقرير، فيتسلط عليه الإنكار أو التقرير، وكأنه قيل: لستم غير دارسين، أو قيل: أقروا بالدرس، أو عطف على ورثوا، فيكون {ألم يؤخذ} الخ معترضا، ولا يضعف هذا بالبعد كما قال بعض، لأنه بعد غير مفرط، ولا بأن قوله: {ودرسوا ما فيه} ليست فيه إقامة الحجة كما قال البعض، بل إقامتها وزيادة ذم، كأنه قيل: ورثوا الكتاب ودرسوه، ومع ذلك كله خالفوه، ولا يضعف بزوال إقامة الحجة بالتقرير بالهمزة قبله، لأنه لا ضير فى زوالها عن هذا الكلام. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى وادارسوا، الأصل تدارسوا أبدلت التاء دالا وسكنت وأدغمت فجئ بهمزة الوصل، وقد خالفوا التوراة رضاء لأكابرهم وسلاطينهم، واتباعا للهوى، وحبا للعرض، ومن مخالفتهم قولهم: سيغفر لنا، مع أنهم لم يتوبوا، وفى التوراة أن من ارتكب ذنبا عظيما لا يغفر له إلا بالتوبة وقد درسوه، وفى الحديث: "حديث : الكيس - أى الحاذق المشمر - من دان نفسه - أى ذللها للأوامر والنواهى أو حاسبها - وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" تفسير : فهؤلاء اليهود عاجزون إذ خالفوا كتاب الله، وتمنوا الغفران، وهم لم يتوبوا، والمرجئة إخوانهم فى ذلك إذ قصروا عما أمروا به قالوا: سيغفر لنا، لأنا لم نشرك بالله شيئا، كل أمرهم إلى الطمع خيارهم فيه المداهنة كما قاله مالك بن دينار رحمه الله، قال الحسن: لو عرضت لليهود الدنيا ومثلها معها لاصطلموها ولتمنوا المغفرة مع ذلك. {والدَّارُ الآخرةُ} الجنة {خيرٌ للَّذين يتَّقُون} المحارم مما يأخذ هؤلاء {أفلا تعْقِلونَ} أنها خير فيتقوا بترك العرض وغيره من المحارم، وهو بالتاء الفوقية على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرأ غير نافع وابن عامر وحفص ويعقوب بالتحتية.

اطفيش

تفسير : {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ} فيه تجريد خلف عن بعض معناه وهو البعدية، واستعمل فى باقيه وهو مطلق المجئَ حتى صح مجئ لفظ بعد بعده وأَصله المجئ بعد حتى لا تحتاج إِلى ذكر لفظ بعد {خَلْفٌ} شهر فى خلف السوءِ وهو المراد فى الآية، وذلك على الغالب، وقد يستعمل فى الخير كقول حسان: شعر : لنا القدم الأُولى إِليك وخلفنا لأَولنا فى طاعة الله تابع تفسير : وقد يقال: سكنه للضرورة، وأَما عقب الخير فبفتح اللام، وقد يستعمل فى الشر، وكلاهما مصدر يستعمل بمعنى الوصف، وقيل فى المسكن أَنه جمع خليف، ويرده أَنه لا يثبت جمع فعيل على فعل وأَنه يطلق أَيضاً على الواحد، فاسم الجمع أَولى به، وقيل: جمع لخالف كراكب وركب، وتاجر وتجر والمراد أَسلاف ولو أَجانب، {وَرِثُوا الكِتَابَ} التوراة، أَخذوه عمَّن قبلهم، وأَل للعهد لأَن الكلام فى اليهود والتوراة كتابهم، يقرءَونها ويقفون على ما فيها، وذكر ذلك بالإِرث لأَن الإِرث أَبلغ ما به الملك لأَنه لا يفسخ ولا يسترجع ولا يبطل برد ولا إِسقاط مع ما فيه من السهولة لكونه بلا علاج، ولا يحتاج لقبول أَو قبض، والمراد علماء اليهود على عهده صلى الله عليه وسلم، لا مطلقهم، وذلك حكم على المجموع لأَن الجهال أَبعد عن أَن يعتبروا بإِرثه ولو وجب عليهم العمل به، ولقوله {يَأْخذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى} هذا المال الأَدنى أَى القريب الزوال، قيل: أَو المال الدنئ أَى الخسيس، والخسة بالقلة والتكدر، ويرده أَن هذا مهموز وما فى الآية غير مهموز، وادعاء قلب الهمزة أَلفاً تكلف، وذلك مال الدنيا وعرضه ما تيسر لهم أَخذه من حلال أَو حرام، وسمى عرضاً لعدم ثباته، ومنه سمى المتكلمون ما يقابل الجوهر عرضا لأَنه لا يبقى، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر"تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا عرض حاضر وظل زائل" تفسير : وصفهم بالرغبة فى المال حلالا وحراما بما تقدم، وبين الحرام بقوله {وَيَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنَا} وعلى تحريف التوراة وعلى كتمها وعلى تفسيرها بغير معناها، وعلى محو ما أَرادوا وعلى كتمانه، ويتمنون أَو يرجون مغفرة ذلك، بلا توبة مع إصرار كما قال {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ} فى الحرمة {يَأْخُذُوهُ} بل ظاهر يقولون الجزم بالمغفرة مع الإِصرار وهو أَشد قبحاً عليهم، ويأخذون مستأَنف لبيان حالهم، أَو حال من واو ورثوا، ونائب فاعل يغفر هو لنا، أَو مستتر عائد إِلى الأَخذ المعلوم من يأخذون والإِسناد إِلى نائب الفاعل ولو ظرفاً أَو مصدر حقيقة لا مجاز كما قيل، وقررهم ووبخهم بقوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الكِتَابِ} أَى الميثاق فى التوراة، أو ضيف إِلى الكتاب لأَنه فيه، أَو لأَنه متعلقه، أَن علق به كمكر الليل، أَى استيثاق فى التوراة {أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الْحَقَّ} فإِذا طمعوا فى الغفران مع الإِصرار، أَو طلبوا مع الإِصرار، أَو اعتقدوا إِمكانه فقد قالوا على الله غير الحق، فإِن فيها من ارتكب ذنباً عظيماً لا يغفر إِلا بالتوبة، وأَلا يقولوا فى تأويل المصدر عطف بيان للميثاق، أَو بدل، أَو متعلق به على إِضمار الباء، أَى بأَلا يقولوا.. إِلخ... أَو متعلق بيؤخذ على إِضمار لام التعليل، أَو أَن تفسير لأخذ الميثاق فتكون لا ناهية {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} عطف على ورثوا والجامع عقلى لأَن إِرث الكتاب سبب لدرسه، وفسره بعض بضيعوا فى هذا الوجه، أَو عطف على أَلم يؤخذ، باعتبار معناه الخبرى المأخوذ من التقرير كأَنه قيل قد أَخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه، عقلى أَيضاً لأَن الدراسة سبب للاطلاع على الميثاق الوارد فى الكتاب، وذلك كعطف وضعنا على أَلم نشرح، ولبثت على أَلم نربك، وأُجيز عطف على أَلم يؤخذ فينسحب عليه الاستفهام التقريرى، أَى قد ثبت درسهم له فلم لا يعملون به {والدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ} نفع أَو أَفتن بالنسبة إِلى ما فى الدنيا من فضل فإِن ما يأخذون من نحو الرشا فيه فضل دنيوى على عدم أَخذه {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الحرام والقول على الله بغير الحق {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أَتدرسون فلا تعقلون، خطاب للذين يأخذون عرض هذا الأَدنى على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب، ويبعد أَن يكون الخطاب لهذه الأُمة فى ذلك العصر، إِذا لم تظهر الرشوة على عهد نزول الآية، اللهم إِلا إِن اعتبر ما يصير بعد، أَو يراد أَفلا تعقلون حال اليهود فتحتجوا عليهم.

الالوسي

تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} أي المذكورين، وقيل: / الصالحين {خَلْفٌ} أي بدل سوء مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: هو اسم جمع وهو مراد من قال: إنه جمع وهو شائع في الشر، ومنه سكت ألفاً ونطق خلفاً، والخلف بفتح اللام في الخير وادعى بعضهم الوضع لذلك، وقيل: هما بمعنى وهو من يخلف غيره صالحاً كان أو طالحاً، ومن مجيء الساكن في المدح قول حسان:شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : ومن مجيء المتحرك في الذم قول لبيد:شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : وعن البصريين أنه يجوز التحريك والسكون في الردي وأما الجيد فبالتحريك فقط ووافقهم أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة، واشتقاقه إما من الخلافة أو من الخلوف وهو الفساد والتغير ومنه خلوف فم الصائم، وقال أبو حاتم: الخلف بالسكون الأولاد الواحد والجمع فيه سواء والخلف بالفتح البدل ولداً كان أو غريباً؛ والأكثرون على أن المراد بهؤلاء الخلف الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا يصح تفسير الصالحين بمن آمن به عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنهم من اليهود وعن مجاهد أنهم النصارى وليس بذاك. {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة والوراثة مجاز عن كونها في أيديهم وكونهم واقفين على ما فيها بعد أسلافهم. وقرأ الحسن {وَرِثُواْ} بالضم والتشديد مبنياً لما لم يسم فاعله والجملة على القراءتين في موضع الصفة لخلف وقوله سبحانه: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} استئناف مسوق لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه. وقال أبو البقاء: حال من الضمير في {وَرِثُواْ} واستظهره بعضهم ويكفي مقارنته لبعض زمان الوراثة لامتداده، والغرض ما لا ثبات له ومنه استعار المتكلمون العرض لمقابل الجوهر. وفي «النهاية» ((العرض بالفتح متاع الدنيا وحطامها))، وقال أبو عبيدة: هو غير النقدين من متاعها وبالسكون المال والقيم، و {ٱلأَدْنَىٰ} صفة لمحذوف أي الشيء الأدنى والمراد به الدنيا وهو من الدنو للقرب بالنسبة إلى الآخرة، وكونها من الدناءة خلاف الظاهر وإن كان ذلك ظاهراً فيها لأنه مهموز، والمراد بهذا العرض ما يؤخذونه من الرشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام. {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} ولا يؤاخذنا الله تعالى بذلك ويتجاوز عنا، والجملة عطف على ما قبلها واحتمال الحالية يحتاج إلى تقدير مبتدأ من غير حاجة ظاهرة والفعل مسند إلى الجار والمجرور؛ وجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير {يَأْخُذُونَ} {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} في موضع الحال قيل من ضمير {يَقُولُونَ}، والقول بمعنى الاعتقاد أي يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه، وقيل: من ضمير {لَنَا} والمعنى على ذلك والأول أظهر، والقول بأن تقييد القول بذلك لا يستلزم تقييد المغفرة به والمطلوب الثاني والثاني متكفل به لا يخلو عن نظر. واختار الحلبـي والسفاقسي أن الجملة مستأنفة لا لأن الجملة الشرطية لا تقع حالاً إذ وقوعها مما لا شك في صحته بل لأن في القول بالحالية نزغة اعتزالية ولا يخفى أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن الحالية أبلغ لأن رجاءهم المغفرة في حال يضادها أوفق بالإنكار عليهم فافهم. {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي الميثاق المذكور / في التوراة فالإضافة على معنى في، ويجوز أن تكون اختصاصية على معنى اللام ويؤول المعنى إلى ما ذكر، وال في الكتاب للعهد، وقوله سبحانه: {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} عطف بيان للميثاق، وقيل: بدل منه، وقيل: إنه مفعول لأجله، وقيل: إنه متعلق بميثاق بتقدير حرف الجر أي بأن لا يقولوا، وجوز في {أَن} أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة لميثاق لأنه بمعنى القول، وفي {لاَّ} أن تكون ناهية وأن تكون نافية واعتبار كل مع ما يصح معه مفوض إلى ذهنك، والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على ما هم عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم وبخوا على إيجابهم على الله تعالى غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها، وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وقد عَرَّضَ الزمخشري عامله الله تعالى بعدله في تفسير هذه الآية بأهل السنة، وزعم أن مذهبهم هو مذهب اليهود بعينه حيث جوزوا غفران الذنب من غير توبة، ونقل عن التوراة من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة، وأنت تعلم أن اليهود أكدوا القول بالغفران وأهل السنة لا يجزمون في المطيع بالغفران فضلاً عن العاصي بما هو حق الله تعالى فضلاً عمن عصاه سبحانه فيما هو من حقوق العباد فالموجبون على الله تعالى وإن كان بالنسبة إلى التائب أقرب إليهم فهل ما ادعاه إلا من قبيل ما جاء في المثل ـ رمتني بدائها وانسلت ـ وما نقله عن التوراة إن كان استنباطاً من الآية فلا تدل على ما في «الكشف» إلا على تحريفهم ما في التوراة من نعت النبـي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ونحو ذلك من تسهيلاتهم على الخاصة وتخفيفاتهم على العامة يأخذون الرشا بذلك والتقول على الله عظيمة وإن كان قد قرأ التوراة التي لم تحرف وأنها هي تعين الحمل على الشرك بقواطع من كتاب الله تعالى الكريم أو يكون ذلك لهم وهذا لهذه الأمة المرحومة خاصة، وقد سلم هو نحواً منه في قوله سبحانه: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } تفسير : [الأحقاف: 31] وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمني على الله، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنيهم على الله سبحانه»،تفسير : ومن هنا قيل: إن القوم ذُموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وإتباع أنفسهم هواها وتمنيهم على الله سبحانه ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي غيروها وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها فكأنه قيل: الم يؤخذ عليهم الميثاق المذكور في كتابهم أن لا يقولوا على الله تعالى في وقت من الأوقات إلا الحق الذي تضمنه الكتاب؟ فلم حكموا بخلافه وقالوا: هو من عند الله وما هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً؟ وفيه مع مخالفته لما روي عن الحبر مخالفة للظاهر. وقرأ الجحدري {أن لا تقولوا} بالخطاب على الالتفات. {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} أي قرأوه فهم ذاكرون لذلك، وهو عطف على {أَلَمْ يُؤْخَذْ} من حيث المعنى وإن اختلفا خبراً وإنشاءاً إذ المعنى أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا الخ، وجوز كونه عطفاً على {أَلَمْ يُؤْخَذْ} والاستفهام التقريري داخل عليهما وهو خلاف الظاهر أو على {وَرِثُواْ} وتكون جملة {أَلَمْ يُؤْخَذْ} معترضة وما قبلها حالية أو يكون المجموع اعتراضاً كما قيل ولا مانع منه خلا ان الطبرسي نقل عن بعضهم تفسير درسوا على هذا الوجه من العطف بتركوا وضيعوا وفيه بعد. وقيل: إن الجملة في موضع الحال من ضمير يقولوا بإضمار قد أي أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلا الحق الذي تضمنه كتابهم في حال دراستهم ما فيه وتذكرهم له وهو كما ترى. وقرأ السلمي {ادارسوا} بتشديد الدال وألف بعدها وأصله تدارسوا فادغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل. {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الله تعالى ويخافون عقابه فلا يفعلون ما فعل {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتعلموا ذلك ولا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العذاب بالنعيم المقيم، وهو خطاب لأولئك المأخوذ عليهم الميثاق الآخذين لعرض هذا الأدنى؛ وفي الالتفات تشديد للتوبيخ، وقيل: هو خطاب للمؤمنين ولا التفات فيه. وقرأ جمع بالياء على الغيبة وبالتاء وقرأ نافع وابن عامر وابن ذكوان وأبو جعفر وسهل ويعقوب وحفص. وهذه الآية ظاهرة في التوبيخ على الأخذ، وجعل بعضهم قوله سبحانه: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم} الخ توبيخاً على ذلك القول ففي الآية ما هو من قبيل ما فيه اللف والنشر.

ابن عاشور

تفسير : جملة {فخلف} تفريع على قوله: {أية : وقطّعناهم}تفسير : [الأعراف: 168] إن كان المراد تقطيعهم في بلاد أعدائهم وإخراجهم من مملكتهم، فتكون الآية مشيرة إلى عودة بني إسرائيل إلى بلادهم في عهد الملك (كورش) ملك الفرس في حدود سنة 530 قبل الميلاد، فإنه لما فتح بلاد أشور أذن لليهود الذين أسرهم (بختنصر) أن يرجعوا إلى بلادهم فرجعوا، وبنوا بيت المقدس بعد خرابه على يد (نحميا) و(عزرا) كما تضمنه سفر نحميا وسفر عزرا، وكان من جملة ما أحيوه أنهم أتوا بسفر شريعة موسى الذي كتبه عزرا وقرأوه على الشعب في (أورشليم) فيكون المراد بالخلْف ما أوّله ذلك الفلّ من بني إسرائيل الذين رجعوا من أسر الآشوريين. والمراد بإرث الكتاب إعادة مزاولتهم التوراة التي أخرجها إليهم (عزرا) المعروف عند أهل الإسلام باسم عُزَير، ويكون أخذهم عرض الأدنى أخذَ بعض الخلف لا جميعه، لأن صدر ذلك الخلف كانوا تائبين وفيهم أنبياء وصالحون. وإن كان المراد من تقطيعهم في الأرض أمماً تكثيرَهم والامتنانَ عليهم، كان قوله: {فخلف من بعدهم خلف} تفريعاً على جميع القصص المتقدمة التي هي قصص أسلافهم، فيكون المراد بالخلْف من نشأ من ذرية أولئك اليهود بعد زوال الأمة وتفرقها، منهم الذين كانوا عند ظهور الإسلام، وهم اليهود الذين كانوا بالمدينة، وإلى هذا المعنى في (الخلْف) نحا المفسرون. والخلْف ــــ بسكون اللام ــــ من يأتي بعد غيره سابِقِه في مكان أو عمل أو نسل، يُبينه المقام أو القرينة، ولا يغلب فيمن يخلف في أمر سيء، قاله النضر بن شُميل، خلافاً لكثير من أهل اللغة إذ قالوا: الأكثر استعمال الخلْف ــــ بسكون اللام ــــ فيمن يخلف في الشر، وبفتح اللام فيمن يخلف في الخير، وقال البصريون: يجوز التحريك والإسكان في الرديء، وأما الحسن فبالتحريك فقطْ. وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي خَالِف، والخَلْف مأخوذ من الخَلَفْ ضد القدّام لأن من يجيء بعد قوم فكأنه جاء من ورائهم، وَلاَ حَد لآخر الخلف، بل يكون تحديده بالقرائن، فلا ينحصر في جيل ولا في قرن، بل قد يكون الخلف ممتداً، قال تعالى بعد ذكر الأنبياء {أية : فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات}تفسير : [مريم: 59] فيشمل من خلفهم من ذرياتهم من العرب واليهود وغيرهم، فإنه ذكر من أسلافهم إدريسَ وهو جد نوح. و{ورثوا} مجازٌ في القيام مقام الغير كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها} تفسير : في هذه السورة (43) وقوله فيها: {أية : أو لم يهد الذين يرثون الأرض من بعد أهلها}تفسير : [الأعراف: 100] فهو بمعنى الحلفية، والمعنى: فخلف من بعدهم خلف في إرث الكتاب، وهذا يجري على كلا القولين في تخصيص الخلف، لأنه بيان للفعل لا لاسم الخلف. وجملة: {يأخذون عرض هذا الأدنى} حال من ضمير {ورثوا}، والمقصود هو ذم الخلف بأنهم يأخذون عرض الأدنى ويقولون سيغفر لنا، ومهد لذلك بأنهم ورثوا الكتاب ليدل على أنهم يفعلون ذلك عن علم لا عن جهل، وذلك أشد مذمة، كما قال تعالى: {أية : وأضله الله على علمٍ}تفسير : [الجاثية: 23]. ومعنى الأخذ هنا الملابسة والاستعمال فهو مجاز أي: يلابسونه، ويجوز كونه حقيقة كما سيأتي. والعَرَض ــــ بفتح العين وفتح الراء ــــ الأمر الذي يزول ولا يدوم. ويراد به المال، ويراد به أيضاً ما يعرض للمرء من الشهوات والمنافع. والأدنى الأقرب من المكان، والمراد به هنا الدنيا، وفي اسم الإشارة إيماء إلى تحقير هذا العرض الذي رغبوا فيه كالإشارة في قول قيس بن الخطيم:شعر : متى يات هذَا الموت لا يُلَفِ حاجة لنفسيَ إلاّ قد قضيت قضاءَها تفسير : وقد قيل: أَخذ عرض الدنيا أريد به ملابسة الذنوب، وبذلك فسر سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والطبري، فيشمل كل ذنب، ويكون الأخذ مستعملاً في المجاز وهو الملابسة، فيصدق بالتناول باليد وبغير ذلك، فهو من عموم المجاز، وقيل عرض الدنيا هو الرّشا وبه فسّرالسّدي، ومعظمُ المفسرين، فيكون الأخذ مستعملاً في حقيقته وهو التناول، وقد يترجح هذا التفسير بقوله {وإن يأتهم عَرَض} كما سيأتي. والقول في: {ويقولون} هو الكلام اللساني، يقولون لمن ينكر عليهم ملابسة الذنوب وتناول الشهوات، لأن (ما) بعد يقولون يناسبه الكلام اللفظي، ويجوز أن يكون الكلام النفساني، لأنه فرع عنه، أي قولهم في أنفسهم يعللونها به حين يجيش فيها وازع النهي، فهو بنمزلة قوله تعالى: {أية : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول}تفسير : [المجادلة: 8] وذلك من غرورهم في الدين. وبناء فعل «يُغفر» على صيغة المجهول لأن الفاعل معروف، وهو الله، إذ لا يصدر هذا الفعل إلاّ عنه، وللدلالة على أنهم يقولون ذلك على وجه العموم لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم، أو الذي تلبَّسُوا به حين القول، ونائب الفاعل محذوف لعلمه من السياق، والتقدير: سيُغفر لنا ذلك، أو ذُنوبنا، لأنهم يحسبون أن ذنوبهم كلها مغفورة {أية : وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة} تفسير : كما تقدم في سورة البقرة (80)، أي يغفر لنا بدون سبب المغفرة، وهو التوبة كما يعلم من السياق، وهو جزمهم بذلك عقب ذكر الذنب دون ذكر كفارة أو نحوها. وقوله {لنا} لا يصلح للنيابة عن الفاعل، لأنه ليس في معنى المفعول، إذ فعل المغفرة يتعدّى لمفعول واحد، وأما المجرور بعده باللام فهو في معنى المفعول لأجله، يقال: غفر الله لك ذنبك، كما قال تعالى: {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1] فلو بُني شُرح للمجهول لما صح أن يجعل {لك} نائِباً عن الفاعل. وجملة: {ويقولون سيُغفر لنا} معطوفة على جملة، {يأخذون} لأن كِلا الخبرين يوجب الذم، واجتماعهما أشد في ذلك. وجملة: {وَإنْ يأتهم عرض مثلُه يأخذوه} معطوفة على التي قبلها، واستعير إتيان العرْض لبذله لهم إن كان المراد بالعرض المالَ، وقد يُراد به خطور شهوته في نفوسهم إن كان المراد بالعرض جميع الشهوات والملاذ المحرمة، واستعمال الإتيان في الذوات أنسب من استعماله في خطور الأعراض والأمور المعنوية، لقرب المشابهة في الأول دون الثاني. والمعنى: أنهم يعصون، ويزعمون أن سيّئاتهم مغفورة، ولا يُقلعون عن المعاصي. وجملة: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} جواب عن قولهم: {سيُغفر لنا} إبطالاً لمضمونه، لأن قولهم: {سيغفر لنا} يتضمن أنهم يزعمون أن الله وعدهم بالمغفرة على ذلك، والجملة معترضة في أثناء الإخبار عن الصالحين وغيرهم، والمقصود من هذه الجملة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ليحجهم بها، فهم المقصود بالكلام. كما تشهد به قراءة {أفلا تعقلون} بتاء الخطاب. والاستفهام للتقرير المقصود منه التوبيخ، وهذا التقرير لا يسعهم إلاّ الاعتراف به، لأنه صريح كتابهم، في الإصحاح الرابع من السفر الخامس «لا تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب» ولا يجدون في الكتاب أنهم يغفر لهم، وإنما يجدون فيه التوبة كما في الإصحاح من سفر التثنية، وكما في سفر الملوك الأول في دعوة سليمان حين بنى الهيكل في الإصحاح الثامن، فقولهم: {سيغفر لنا} تقوّل على الله بما لم يقله. والميثاق: العهد، وهو وصية موسى التي بلّغها إليهم عن الله تعالى في مواضع كثيرة، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى (في) أو على معنى اللام أي الميثاق المعروف به، والكتاب توراة موسى، وأن لا يقولوا هو مضمون ميثاق الكتاب فهو على حذف حرف الجر قبل (أن) الناصبة، والمعنى: بأن لا يقولوا، أي بانتفاء قولهم على الله غيرَ الحق، ويجوز كونه عطف بيان من ميثاق، فلا يقدر حرف جر، والتقدير: ميثاق الكتاب انتفاءُ قولهم على الله الخ. وفعل {درسوا} عطف على {يؤخذ}،. لأن يؤخذ في معنى المضي، لأجل دخول لم عليه، والتقدير: ألم يؤخذ ويدرسوا، لأن المقصود تقريرهم بأنهم درسوا الكتاب، لا الإخبار عنهم بذلك كقوله تعالى: {أية : ألم نجعل الأرض مهاداً والجبالَ أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سُباتاً} تفسير : [النبإ: 6 ـــ 9] ــــ إلى قوله ــــ {أية : وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً} تفسير : [النبإ: 14] والتقدير: ومخلقكم أزواجاً ونجعل نومكم سباتاً، إلى آخر الآية. والمعنى: أنهم قد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلاّ الحق، وهم عالمون بذلك الميثاق، لأنهم درسوا ما في الكتاب فبمجموع الأمرين قامت عليهم الحجة. وجملة: {والدارُ الآخرة خير للذين يتقون} حالية من ضمير {يأخذون} أي: يأخذون ذلك ويكذبون على الله ويصرون على الذنب وينبذون ميثاق الكتاب على علم في حال أن الدار الآخرة خير مما تعجّلوه، وفي جعل الجملة في موضع الحال تعريض بأنهم يعلمون ذلك أيضاً فهم قد خيّروا عليه عرض الدنيا قصداً، وليس ذلك عن غفلة صادفتهم فحرمتهم من خير الآخرة، بل هم قد حَرموا أنفسهم، وقرينة ذلك قوله: {أفلا تعقلون} المتفرع على قوله: {والدار الآخرة خير للذين يتقون} وقد نُزلوا في تخيرهم عرض الدينا بمنزلة من لا عقول لهم، فخوطبوا بــ {أفلا تعقلون} بالاستفهام الإنكاري، وقد قريء بتاء الخطاب، على الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب. ليكون أوقع في توجبه التوبيخ إليهم مواجهة، وهي قراءةَ نافع، وابن عامر، وابن ذكوان، وحفص عن عاصم، ويعقوب، وأبي جعفر، وقرأ البقية بياء الغيبة، فيكون توبيخهم تعريضياً. وفي قوله: {والدارُ الآخرة خير للذين يتقون} كناية عن كونهم خَسروا خير الآخرة بأخذهم عرض الدنيا بتلك الكيفية، لأن كون الدار الآخرة خيراً مما أخذوه يستلزم أن يكون ما أخذوه قد أفات عليهم خيرَ الآخرة. وفي جعل الآخرة خير للمتقين كناية عن كون الذين أخذوا عَرض الدنيا بتلك الكيفية لم يكونوا من المتقين، لأن الكناية عن خسرانهم خيرَ الآخرة مع إثبات كون خير الآخرة للمتقين تستلزم أن الذين أضاعوا خير الآخرة ليسوا من المتقين، وهذه معان كثيرة جمعها قوله: {والدارُ الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} وهذا من حَد الإعجاز العجيب. ووقعت جملة: {والذين يمسِكون بالكتاب} إلى آخرها عقب التي قبلها: لأن مضمونها مقابلَ حكمَ التي قبلها إذ حصل من التي قبلها أن هؤلاء الخلف الذين أخذوا عرض الأدني قد فرطوا في ميثاق الكتاب، ولم يكونوا من المتقين، فعُقب ذلك ببشارة من كانوا ضد أعمالهم، وهم الآخذون بميثاق الكتاب والعاملون ببشارته بالرسل، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأولئك يستكملون أجرهم لأنهم مصلحون. فكني عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة، لأن الصلاة شعار دين الإسلام، حتى سمي أهل الإسلام أهلَ القبلة، فالمراد من هؤلاء هم من آمن من اليهود بعيسى في الجملة وإن لم يتبعوا النصرانية، لأنهم وجدوها مبدّلة محرّفة فبقوا في انتظار الرسول المخلّص الذي بشرت به التوراة والإنجيل، ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بُعث: مثل عبد الله بن سَلاَم. ويحتمل أن المراد بالذين يمسكون بالكتاب: المسلمون، ثناء عليهم بأنهم الفائزون في الآخرة وتبشيراً لهم بأنهم لا يسلكون بكتابهم مسلك اليهود بكتابهم. وجملة: {إنا لا نضيع أجر المصلحين} خبر عن الذين يمسكون، والمصلحون هم، والتقدير: إنّا لا نضيع أجرهم لأنهم مصلحون، فطوي ذكرهم اكتفاء بشمول الوصف لهم وثناء عليهم على طريقة الإيجاز البديع.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} الآية. هذا الميثاق المذكور يبينه قوله تعالى: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}تفسير : [آل عمران: 187].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {مِّيثَاقُ} {ٱلْكِتَابِ} (169) - فَجَاءَ جيلٌ جَديدٌ - بَعْدَ ذَلِكَ الجِيلِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ الصَّالِحُونَ وَمَنْ هُمْ دُونَ ذَلِكَ - وَقَفُوا عَلَى مَا فِي التَّورَاةِ، وَكَانُوا عَالِمِينَ بِأحْكَامِها وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ حُطَامَ الدُّنيا وَمَتَاعَهَا، عَلَى بَذْلِ الحَقِّ وَنَشْرِهِ، فَكَانُوا يَأكُلُونَ السُحْتَ وَالرُّشَا، وَيُتَاجِرُونَ بالدِّينِ، وَيُحَابُونَ فِي الأَحْكَامِ وَإِقَامَةِ العَدْلِ، وَيُسَوِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيَعِدُونَهَا بالتَّوبَةِ، وَكُلَّما لاَحَ لَهُمْ مَجَالٌ لِلاحْتِيَالِ عَلَى شَرْعِ اللهِ قَارَفُوهُ (كَمَا فَعَلَ المَعْتَدُونَ فِي السَّبْتِ)، وَيَأمُلُونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وَأنْ لاَ يُؤَاخِذَهُمْ عَلى أَفْعَالِهِم القَبِيحَةِ. وَيُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ ضِيقَهُمْ هذا، وَنِسْيَانَهُمْ أَنَّهُ أوْجَبَ عَلَيهِمْ فِي المِيثَاقِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُوهُ، وَأنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إلا الحَقَّ، فَقَالُوا البَاطِلَ، وَكَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبِعْثَتَهُ وَرِسَالَتَهُ التِي جَاءَتْ فِي التَّورَاةِ. ثُمَّ يُرَغِّبُهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي جَزِيلِ ثَوَابِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ وَثَوَابِهِ، خَيْرٌ للمُتَّقِينَ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا الفَانِيَةِ الذِي يُؤْخَذُ بِالرِّبَا، وَبِأكْلِ السُحْتِ، أفَلا يَعْقِلُ هَؤلاءِ الذِينَ اعْتَاضُوا بِعَرَضِ الدُّنْيَا عَنْ ثَوَابِ رَبِّهِمْ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخَلَف أو الخَلْف أو الخليفة هو من يأتي بعد ذلك، ويقال: فلان خليفة فلان، ومن قبل قرأنا أن سيدنا موسى قال لسيدنا هارون: {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي...} تفسير : [الأعراف: 142] أي كن خليفة لي، إلا أنك حين تسمع "خَلْفُ" بسكون اللام، فاعلم أنه في الفساد، وإن سمعتها "خَلَفٌ" بفتح اللام فاعلم أنه في الخير، ولذلك حين تدعو لواحد تقول: اللهم اجعله خير خَلَف لخير سلف. وهنا يقول الحق: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}. والحديث هنا عن أنهم هم الفاسدون والمفسدون، والشاعر يقول: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب تفسير : الشاعر هنا يبكي موت الكرماء وأهل السماحة، فلم يعد أحد من الذين كان يعيش في رحاب كرمهم وسماحتهم؛ فقد ذهب الذين يُعاش في أكنافهم أي جوارهم؛ لأن هذا الجوار كان نعمة أيضاً. وحين يجاور رجل ضُيِّق وقُدِر عليه رزقه رجلاً طيباً عنده نعمة، فتنضح عليه نعمة الرجل الطيب. والشاعر هنا قال: "وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب" أي أن جلده قريب ولاصق لكنه جلد أجرب. وعرفنا قصة "أبودلف" وكان رجلاً كريماً في بغداد. يعيش في نعمته كل الناس ومن يحتاج يعطيه. وطرأ طارئ على جار فقير له، وأراد أن يبيع داره، فعرض الدار للبيع، وسألوه عن الثمن الذي يرتضيه، فقال: داري بمائة دينار. لكن جواري لأبي دلف بألف دينار، فبلغ هذا الكلام أبا دلف فقال: إن رجلاً قدر جوارنا بعشرة أمثال ما قدر به داره لحقيق ألا يفرّط فيه. قالوا له: فليبق جاراً لنا وليأخذ ما يريد من مال. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ}. والكتاب هو التوراة، والخَلْف أخذوه ميراثاً، والشيء لا يكون ميراثاً إلا إذا حمله السابق بأمانة وأدّاه للاحق، ولكن لأنهم أهل إفساد فلنر ماذا فعلوا في الكتاب؟ لقد ورثوه. وبُلِّغ إليهمُ وعرفوا ما فيه. {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ...} [الأعراف: 169] أي لا حجة لهم في ألاّ يكونوا أصحاب منهج خير، لكنهم لم يلتفتوا إلى ما في الكتاب - التوراة - من المواثيق، والحلال، والحرام، وافعل كذا ولا تفعل كذا؛ لم يلتفتوا لكل هذا؛ لأنهم قالوا لأنفسهم: إن هذا الكتاب يعطي النعيم البعيد في الآخرة، وهم يريدون النعيم القريب، فمنهم من قبل الرشوة واستغلال النفوذ. وبذلك أخذوا عَرَضَ الحياة الأدنى وهو عرض الدنيا. ولم يأخذوا إدارة الدنيا بمنهج الله، والدنيا فيها جواهر أو أعراض، والجوهر هو الشيء الذاتي، فالإِنسان بشحمه ولحمه "جوهر" أما لونه إن كان أسمر أو أبيض فهذا عَرَض، قصيراً أو طويلاً، صحيحاً أو مريضاً، وغنيًّا أو فقيراً فهذا عرض. إذن فالأعراض هي ما توجد وتزول، والجواهر هي التي تبقى ثابتة على قدر ما كتب لها من بقاء، وكما يقول علماء المنطق: الجوهر ما قام بنفسه، والعَرَض ما قام بغيره. وهم قد أخذوا العرض من الحياة الدنيا، وعرض الدنيا قد يتمثل في المال الحرام، وأن يغشوا ويستحلوا الرشوة. ونعلم أن الإِنسان - حتى المؤمن - قد تحدث منه معصية ولا يمنع ربنا هذا؛ لأن المشرع الأعلى حين يشرع عقوبة لجريمة، فهذا إذْنٌ بأنها قد تحدث، وحين يقول الحق: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...} تفسير : [المائدة: 38] إنَّ معنى هذا القول أن المؤمن قد تسول له نفسه أَنْ يسرق مثلاً، ولم يترك الحق هذا الجرم بدون عقوبة. وإن رأينا مسلماً يسرق، نقل له هذا فعل مُجَرَّم من الإِسلام، وله عقوبة، والمُجْرَم لا يمكن أن يرتكب الجُرْم وهو ملتزم بالدِّين، بل هو منسوب للدين فقط، وعندما يرتكب مسلم ذنباً أو معصية ثم يندم ويتوب ويعزم على أنه لن يعود تصح توبته، وكذلك لو ألحَّت عليه معصيته فيعود إليها، ثم تاب، المهم أنه في كل مرة لا يصر على الفعل، ثم يقول: سوف أتوب. وهم كانوا يصرون على المعصية ويقولون: سبغفر الله لنا، بل إنهم لم يفكروا في التوبة، ووجدنا منهم من يقول: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ...} تفسير : [المائدة: 18] ويأتي الرد: {أية : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ...} تفسير : [المائدة: 18] إذن هم يأخذون عرض هذا الأدنى، ويحكمون في أخذهم بهذا العرض أنه سبحانه سوف يَغْفِر لهم. وبذلك استحلوا الحرام وانتقلوا من منطقة المعصية إلى منطقة الكفر؛ لأن هناك فرقاً بين أن تفعل الشيء وتقول هو معصية. لكن أن يرتكب الإِنسان المعصية ويقول: ليست بمعصية، فهذا انتقال من العصيان إلى الكفر، ومثال ذلك الربا حين نجد من يحلله، نقول له: اقْبَلْ أن تكون عاصيًّا ولا تدخل نفسك في الكفر؛ لأنك إن حللت ما حرم الله يقع عليك الكفر وتوصف به والعياذ بالله، أما إن قلت: هو حرام ولكن ظروفي صعبة ولا أقدر على نفسي فقد يغفر الله لك. لكن قوم موسى كانوا يصرون على المعصية ويقولون: سيغفر الله لنا: ويقول الحق: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}. وهم بعد ذلك تركوا الأعلى وأخذوا عرض الحياة الأدنى ويتمادون في غيهم ويرتكبون المعاصي تلو المعاصي دون أن يدقوا باب التوبة. لذلك ينبههم الحق سبحانه: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ...} [الأعراف: 169] لقد ورثوا الكتاب، وفي الكتاب قد أُخذ عليهم عهدٌ موثقٌ ألا يقولوا على الله إلا الحق، لكن هل يعدل الفاسق عن الباطل ويعود إلى الحق؟. طبعاً لا، هم إذن تجاهلوا ما في هذا الكتاب، رغم أنهم قد درسوا ما فيه مصداقاً لقوله الحق: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} وكلمة "دَرَسَ" تدل على تكرار العمل، فيقال: "فلان درس الفقه" أي تعلمه تعلما متواصلاً ليصير الفقه عنده ملكة. وهو مختلف عمن قرأ الكتاب مرة واحدة، هنا لا يصبح الفقه عنده ملكة. وحتى نفهم الفرق بين "العلم" و"الملكة"، نقول: إن العلم هو تلقي المعلومات، أما من درس المعلومات وطبقها وصارت عنده المسألة آلية، فهذا هو من امتلك ناصية العلم حتى صار العلم عنده ملكة. إذا التقى صائم - مثلا - بفقيه وسأله عن فتوى في أمر الصيام يجيبه فوراً؛ لأنه علم كل صغيرة وكبيرة في الفقه. لكن إن تسأل تلميذاً مبتدئاً في الأزهر فقد يرتبك وقد يطلب أن يرجع إلى كتبه ليعثر على الإجابة؛ لأن الفقه لم يصبح لديه ملكه. والملكة في المعنويات هي مقابل الآلية في الماديات التي تحتاج إلى دُرْبة، فمن يمسك النول لينسج النسيج ويتقن تمرير المكوك بين الفتلتين لا يفعل ذلك إلا عن دُرْبة. إنه قد تعلم ذلك بصعوبة وتكرار تدريب. إذن فقوله: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} اي تكررت دراسة الكتاب حتى عرفوا ما فيه من علم. ونحن أخذنا "درس العلم" من مسألة حسية هي "درس القمح"، ويعلم من تربى في الريف كيف ندرس القمح، حين يدور النورج على سنابل القمح فيخرج لنا الحب من أكمامه، ويقطع لنا العيدان، وهذه العملية تسمى "درس القمح". إن ما فعلوه من عصيان ليس عن غفلة عن هذا الميثاق في ألاّ يقولوا على الله إلا الحق، لأنهم درسوا ما في الكتاب المنزل عليهم وهو التوراة دراسة مستوعبة، لكنهم أخذوا العرض الأدنى. وكان لابد أن يأتي بمقابل العرض الأدنى فيوضح لنا أنّ مصير من يريد الدار الآخرة هو الثواب الدائم ولذلك يقول الحق: {... وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] وهذا يعني التنبيه بأنه من الواجب قبل أن تفعلوا الفعل أن تنظروا ما يعطيه من خير، وأن تتركوه إن كان يعطي الكثير من الشر، وزنوا المسألة بعقولكم، وساعة أن تَزنوا المسألة بعقولكم ستعرفون أن عمل الخير راجح. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} والعَرَضُ: الطَّمعُ. والأَدنى: الأَقربُ.

همام الصنعاني

تفسير : 950- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ}: [الآية: 169]، قال: يأخذونه إن كانَ حلالاً، وإن كان حَرَاماً. قال: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ}: [الآية: 169]، قا ل: إنْ جاءهم حَلالٌ أو حَرَامٌ أَخَذُوهُ. 952- حدثنا عبد الرزاق، عن فضيل، عن منصور، عن سَعيد بن جبير في قوله تعالى: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ}: [الآية: 169]، قال: يعملون بالمعاصي ويقولون: سَيُغْفَر لنا.