٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
168
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن قوله: {وَقَطَّعْنَـٰهُمْ } أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله: {أية : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ }تفسير : [الأعراف: 167] المراد جملة اليهود، ومعنى {قطعناهم} أي فرقناهم تفريقاً شديداً. فلذلك قال بعده: { فِي ٱلأَرْضِ أُمَمًا } وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة، وهذا هو الغالب من حال اليهود، ومعنى قطعناهم، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم. ثم قال: {مّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ } قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق. وقال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ } أي ومنهم قوم دون ذلك، والمراد من أقام على اليهودية. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ } من يكون صالحاً إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب. قلنا: أن قوله بعد ذلك: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح. أما قوله: {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات، وهي النعم والخصب والعافية، والسيئات هي الجدب والشدائد، قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، وأما النقم فلأجل الترهيب. وقوله: {يَرْجِعُونَ } يريد كي يتوبوا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} أي فرّقناهم في البلاد. أراد به تشتيت أمرهم، فلم تُجمع لهم كلمة. {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ} رفع على الابتداء. والمراد من آمن بمحمد عليه السلام، ومن لم يبدّل منهم ومات قبل نسخ شرع موسى. أو هم الذين وراء الصين؛ كما سبق. {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} منصوب على الظرف. قال النحاس: ولا نعلم أحداً رفعه. والمراد الكفار منهم. {وَبَلَوْنَاهُمْ} أي ٱختبرناهم. {بِٱلْحَسَنَاتِ} أي بالخصْب والعافية. {وَٱلسَّيِّئَاتِ} أي الجدب والشدائد. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ليرجعوا عن كفرهم.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمماً، أي: طوائف وفرقاً؛ كما قال: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَٰءِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} تفسير : [الإسراء: 104] {مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ} أي: فيهم الصالح وغير ذلك؛ كقول الجن: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً } تفسير : [الجن: 11] {وَبَلَوْنَـٰهُمْ} أي: اختبرناهم {بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ} أي: بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ثم قال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} الآية، يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح خلف آخر لا خير فيهم، وقد ورثوا دراسة الكتاب، وهو التوراة. وقال مجاهد: هم النصارى، وقد يكون أعم من ذلك {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسوفون أنفسهم، ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه، ولهذا قال: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} وكما قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله منه، ويعترفون لله، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه. وقال مجاهد في قوله تعالى: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، حلالاً كان أو حراماً، ويتمنون المغفرة {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}، وقال قتادة في الآية: إي والله لخلف سوء {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} بعد أنبيائهم ورسلهم، أورثهم الله، وعهد إليهم، وقال الله تعالى في آية أخرى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ} الآية، قال: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} تمنوا على الله أماني وغرة يغترون بها {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} لا يشغلهم شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من الدنيا أكلوه، لا يبالون حلالاً كان أو حراماً، وقال السدي: قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} إلى قوله: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر لي، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه، قال الله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} الآية، يقول تعالى منكراً عليهم في صنيعهم هذا، مع ما أخذ عليهم من الميثاق؛ ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه؛ كقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}تفسير : [آل عمران: 187] وقال ابن جريج: قال ابن عباس: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} قال: فيما يتمنون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها، ولا يتوبون منها، وقوله تعالى {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يرغبهم في جزيل ثوابه، ويحذرهم من وبيل عقابه، أي: وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقول: أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير؟ ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما هو مكتوب فيه، فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ} أي: اعتصموا به، واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَطَّعْنَٰهُمُ } فرقناهم {فِي ٱلأَرْضِ أُمَمًا } فرقاً {مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ } ناس {دُونِ ذَلِكَ } الكفار والفاسقون {وَبَلَوْنَٰهُمْ بِٱلْحَسَنَٰتِ } بالنعم {وَٱلسَّيِّئَاتِ } النقم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن فسقهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً...} أي فرقناهم فيها فرقاً. وفي تفريقهم فيها ثلاثة أوجه: أحدها: زيادة في الانتقام منهم. والثاني: ليذهب تعاونهم. والثالث: ليتميز الصالح من المفسر لقوله تعالى: {مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دَونَ ذَلِكَ} ثم قال: {وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالثواب والعقاب. والثاني: بالنعم والنقم. والثالث: بالخصب والجدب. قوله عز وجل: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} معناه فخلفهم خلف، والخلف بتسكين اللام مستعمل في الذم. وبفتح اللام مستعمل في الحمد. وقال أبو عبيدة. معناها [واحد] مثل الأثر والإثر، والأول أظهر وهو في قول الشعراء أشهر، قال بعضهم: شعر : خــلفت خــلفـــاً لـــيـــت بــهــم كــان، لا بِكَ الــتـــلف تفسير : وفي الخلف وجهان: أحدهما: القرن، قاله الفراء. والثاني: أنه جمع خالف. {وَرِثُواْ الْكِتَابَ} يعني انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف وفيهم قولان: أحدهما: أنهم من خلف اليهود من أبنائهم. والكتاب الذي ورثوه التوراة لانتقالها لهم. والثاني: أنهم النصارى: لأنهم خلف من اليهود. والكتاب الذي ورثوه: الإنجيل لحصوله معهم، قاله مجاهد. {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى} يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع وسماه عرضاً لقلة بقائه. وفي وصفه بالأدنى وجهان: أحدهما: لأخذه في الدنيا الدانية. والثاني: لأنه من المحرمات الدنية. {وَيَقُولُونَ: سَيُغْفرُ لَنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخذ به. والثاني: أنه ذنب لكن الله قد يغفره لنا تأميلاً منهم لرحمته. {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم أهل إصرار على الذنوب، قاله مجاهد وقتادة والسدي. والثاني: أنهم لا يشبعهم شيء، فهم لا يأخذونه لحاجة، قاله الحسن. {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} يحتمل وجهين: أحدهما: ألا يقولوا على الله إلا الحق في تحريم الحكم بالرشا. والثاني: في جميع الطاعات والمعاصي والأوامر والنواهي. {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} فيه تأويلان: أحدهما: تركوا ما فيه أن يعملوا به حتى صار دارساً. والثاني: أنهم قد تلوه ودرسوه فهم لا يجهلون ما فيه ويقومون على مخالفته مع العلم به.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمْ} فرقناهم ليذهب تعاونهم، أو ليتميز الصالح من المفسد، أو انتقاماً منهم. {بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} الثواب والعقاب، أو النعم والنقم، أو الخصب والجدب.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} الآية. هذه الآية تدلُّ على أن المراد بقوله: {أية : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الأعراف: 167] جملة اليهود، ومعنى "قَطَّعناهُم" أي: فرقناهم في الأرض، وهذا يدلُّ على أنَّهُ لا أرض مسكونة إلاَّ وفيها منهم أمة، وهذا هو الغالبُ. وقوله: "أمَماً" إمَّا حالٌ من مفعول "قطَّعْنَاهُم"، وإمَّا مفعولٌ ثانٍ على ما تقدَّم من أنَّ "قطَّع" تضمَّن معنى: صَيَّر. و "مِنْهُمُ الصَّالحُون" صفة لـ "أمم". وقال أبو البقاء: "أو بدل منه، أي: من أمم". يعني: أنَّهُ حالٌ من مفعول: "قطَّعناهُمْ" أي: فرَّقناهُم حال كونهم منهم الصَّالحون. قيل: المرادُ بـ "الصَّالحينَ" الذين كانوا في زمن موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لأنَّهُ كان فيهم قوم يهدون بالحق. وقال قتادةُ: هم الذين وراء نهر وداف من وراء الصِّين. وقال ابنُ عباس ومجاهد: هم الذين آمنوا بالنَّبيِّ صلى الله الله عليه وسلم كـ: عبد الله بن سلام وغيره. وقوله: {وَمِنهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ} أي: من أقام على اليهوديِّةِ. فإن قيل: لم لا يجُوزُ أن يكون قوله: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ} من يكون صالحاً إلاَّ أنَّ صلاحَهُ دون صلاح الأولين؛ لأنَّهُ أقرب إلى الظاهرِ؟ فالجوابُ: أن قوله بعد ذلك: "لَعَلَّهُمْ يرجعُونَ" يدُل على أنَّ المراد من ثَبَتَ على اليَهُوديَّةِ. قوله: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} "منهم" خبرٌ مقدم، و "دُون ذلك": نَعْتٌ لِمنعُوتٍ محذوف هو المبتدأ، والتقدير: ومنهم ناسٌ أو قومٌ دون ذلك. قال الزمخشري: معناه: ومنهم ناسٌ منحطُّون عن الصَّلاح، ونحوه: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات: 164]. بمعنى: مَا منَّا أحدٌ إلاَّ له مقامٌ معلومٌ. يعني في كونه حذف الموصوفُ وأقيم الجملة الوصفية مقامهُ، كما قام مقامه الظرفُ الوصفيُّ، والتفصيل بـ "مِنْ" يجوزُ فيه حذفُ الموصوف وإقامةُ الصِّفة مقامه كقولهم: منَّا ظَعَنَ ومنَّا أقَامَ.؟ وقال ابنُ عطيَّة: فإن أريدَ بالصَّلاح الإيمانُ فـ "دُونَ" بمعنى "غير" يُراد به الكفرة. قال أبُو حيان: إن أراد أنَّ دُونَ ترادفُ "غيراً"، فليس بصحيحٍ، وإن أراد أنَّهُ يلزم أنَّ من كان دون شيء أن يكون غيراً له فصحيح، وذلك إمَّا أن يُشارَ به إلى الصَّلاح وإمَّا أن يُشار به إلى الجماعة، فإن أشير به إلى الصلاح؛ فلا بد من حذفِ مضاف، ليصحَّ المعنى، تقديره: ومنهم دُون أهل ذلك الصلاح، ليعتدلَ التقسيم، وإن أُشير به إلى الجماعة، أي: ومنهم دون أولئك الصالحين، فلا حاجة إلى تقدير مضافٍ؛ لاعتدال التقسيم بدونه. وقال أبو البقاء: دُون ذلِكَ ظرفٌ أو خبر على ما ذكرنا في قوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام: 94] وفيه نظر من حيث إن "دُونَ" ليس بخبر. قوله: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ} أي: عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسناتِ، وهي: النِّعمُ والخصبُ، والعافيةُ، والسَّيِّئاتِ وهي الجدب، والشَّدائدُ. قال أهل المعاني: وكُلُّ واحدةٍ من الحسناتِ والسيئاتِ تدعُو إلى الطَّاعة، أمَّا النعم فللترغيب، وأمَّا النِّقَمُ فللترهيب. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: لكي يندموا ويتوبوا ويرجعوا إلى طاعةِ ربِّهم. قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية. الخَلَف والخَلْف - بفتح اللام وإسكانها - هل هما بمعنًى واحد؟ أي: يُطلقُ كل منهما على القرن الذي يَخْلُف غيره صالحاً أو طالحاً، أو أنَّ السَّاكن اللام في الطَّالح، والمفتوح في الصَّالح؟ خلافٌ مشهور بين اللُّغويين. قال الفرَّاءُ: يُقال للقرنِ "خَلْف" يعني ساكناً ولمن استخلفته: خَلَفاً، يعني: متحرك اللاَّم. وقال الزجاج: الخلفُ ما أخلْفَ عليك بدلاً مِمَّا أخذ منك؛ فلهذا السبب يقالُ للقرنِ يجيء بعد القرنِ "خَلْفٌ". وقال ثعلبُ: النَّاسُ كلُّهم يقولون "خَلَفُ صدْقٍ" للصَّالح، و "خَلْفُ سوء" للطَّالح؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 2606 - ذَهَبَ الذينَ يُعَاشُ في أكْنافِهِمْ وبقيتُ في خلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ تفسير : وقالوا في المثل: سَكَتَ ألفاً ونطق خَلْفاً ويُعْزَى هذا إلى الفرَّاءِ؛ وأنشد: [المنسرح] شعر : 2607- خَلَّفْتَ خَلْفاً ولمْ تدعْ خَلَفَا لَيْتَ بِهِمْ كانَ لا بِكَ التَّلَفَا تفسير : وقال بعضهم: قد يجيء في الرَّديء "خَلَفَ" بالفتح، وفي الجيد "خَلْف" بالسُّكُون، فمن مجيء الأول قوله: [المتقارب] شعر : 2608 -...................... إلى ذلِك الخَلَفِ الأعوَرِ تفسير : ومن مجيء الثاني قول حسان: [الطويل] شعر : 2609 - لَنَا القدَمُ الأولى عليْهِمْ وخَلْفُنَا لأوَّلِنَا في طاعةِ اللَّهِ تَابِعُ تفسير : وقد جمع بينهما الشَّاعِرُ في قوله: [الرجز] شعر : 2610 - إنَّا وَجدْنَا خَلْفنَا بِئْسَ الخَلَفْ عَبْداً إذا ما نَاءَ بالحِمْلِ خَضَفْ تفسير : فاستعمل السَّاكن والمتحرك في الرَّديء. ولهذا قال النَّضْرُ: يجوزُ التَّحريم والسُّكونُ في الرَّديء، فأمَّا الجيدُ فبالتحريك فقط ووافقه جماعةٌ من أهْلِ اللُّغة، إلاَّ الفرَّاء وأبا عبيدٍ، فإنَّهُمَا أجازا السكون في الخلف المراد به الصالح، و "الخَلْف" بالسُّكون فيه وجهان، أحدهما: أنَّهُ مصدر، ولذلك لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤنَّث، وعليه ما تقدَّم من قوله: شعر : 2611 - إنَّا وَجَدْنَا خَلْفَنَا بئس الخَلَفْ تفسير : وإمَّا اسم جمع "خالِف" كـ: رَكْب لراكب، وتَجْر لِتَاجِرٍ. قاله ابنُ الأنباري: ورَدُّه عليه، بأنَّهُ لو كان اسمَ جمع لم يَجْرِ على المفرد، وقد جرى عليه واشتقاقه إمَّا من الخلافةِ، أي كُلُّ خلفٍ يَخْلُفُ من قبله، وإمَّا من خلفَ النبيذ يَخْلُفُ أي: فَسَدَ. يقال: خَلَفَ النَّبيذُ يَخْلُفُ خَلْفاً وخُلُوفاً، وكذلك الفَمُ إذا تغيَّرت رائحتُهُ ومن ذلك الحديث "لَخُلُوفُ فمِ الصَّائم". وقوله: "وَرِثُوا" في محل رفع نعتاً لـ "خَلْف" ويَأخُذُونَ حال من فاعل وَرِثُوا. وقرأ الحسنُ البصري: وُرِّثُوا بضمِّ الواو وتشديد الرَّاءِ مبنيّاً لما لم يُسَمَّ فاعله، والمعنى انتقل إليهم الكتابُ من آبائهم وهو التَّوراةُ، ويجوز أن يكون: يَأخُذُونَ مستأنفاً أخبر عنهم بذلك. وقوله: عَرَضَ هذَا الأدْنَى. قال أبُو عبيدٍ: جميع متاعِ الدُّنْيَا عرض بفتح الرَّاء. يقال: "الدُّنيا عرضٌ حاضرٌ يأكل منها البرُّ والفاجِرُ". وأما العَرْض بسكون الرَّاء فما خالف الثَّمين، أعني الدَّراهم والدَّنانير وجمعه عروض، فكان العَرْضُ من العَرَض وليس كل عَرَضٍ عَرْضاً. والمعنى: حُطَامُ هذا الشَّيء الأدْنَى يريد الدُّنْيَا، والمرادُ منه: التَّخسيس والتَّحقير، والأدْنَى إمَّا من الدُّنوِّ بمعنى القرب؛ لأنَّهُ عاجل قريب، وإمَّا من دنوِّ الحالِ وسقوطها. وتقدَّم الكلامُ عليه. قوله ويَقُولُونَ نسقٌ على يَأخذُونَ بوجهيه، وسَيُغْفَرُ معموله، وفي القائم مَقَام فاعله وجهان: أحدهما الجَارُّ بعده وهو "لَنَا" والثاني: أنَّهُ ضمير الأخْذِ المدلول عليه بقوله يَأخُذُونَ أي: سيغفرُ لنا أخذُ العرض الأدْنَى. قوله: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ} هذه الجملة الشَّرطية فيها وجهان: أظهرهما: أنَّها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. والثاني: أنَّ الواوَ للحال، وما بعدها منصوبٌ عليها. قال الزمخشري: الواو للحال، أي: يَرْجُون المغفرة وهم مُصِرُّون عائدون إلى فعلهم غير تائبين، وغفرانُ الذُّنُوب لا يصحُّ إلاَّ بالتَّوبةِ، والمُصِرُّ لا غفران له انتهى. وإنَّما جعل الواو للحال لهذا الغرض الذي ذكره من أن الغُفران شرطه التَّوبة، وهو رأي المعتزلة وأمَّا أهْلُ السُّنَّة: فيجوز مع عدم التوبة، لأنَّ الفاعل مختار. والعَرَض - بفتح الراء - ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون: العَرَض المقابل للجوهر. وقال أبو عبيدة: العَرَضُ - بالفتح - جميعُ متاعِ الدُّنيا غير النقدين. كما تقدَّم. قال المفسِّرون: المراد بالكلامِ: الإخبارُ عن إصرارهم على الذُّنُوبِ. وقال الحسنُ: هذا إخبارٌ عن حِرصِهِمْ على الدُّنْيا، وأنهم "يستمتعون" منها. ثم قال تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ} أي: التَّوراة: {أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} والمرادُ منعهم عن تحريف الكتاب، وتغيير الشَّرائع، لأجل أخذ الرشوةِ. قوله: {أَن لاَّ يِقُولُواْ} فيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنَّ محله رفع على البدل من "مِيثَاقُ"؛ لأن قول الحقّ هو ميثاق الكتاب. والثاني: أنَّهُ عطفُ بيان له وهو قريب من الأوَّلِ. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله. قال الزمخشريُّ: وإنْ فُسِّرَ ميثاق الكتاب بما تقدَّم ذكره كان: "ألاَّ يقُولُوا" مفعولاً من أجله ومعناه: لئلا يقولوا وكان قد فسَّر ميثاق الكتاب بقوله في التوراة: "من ارتكب ذَنْباً عَظِيماً فإنَّه لا يُغفر له إلا بالتَّوبة"، و "أنْ" على هذه الأقوالِ الثلاثة مصدرية. الرابع: أنَّ "أنْ" مفسرة لـ "مِيثَاقُ الكتابِ"؛ لأنَّهُ بمعنى القولِ، و "لا" ناهية، وما بعدها مجزوم بها، وعلى الأقوال المتقدِّمة "لا" نافية، والفعلُ منصوبٌ بـ "أنْ" المصدرية و "الحَقَّ" يجوز أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مصدراً، وأضيفَ الميثاقُ للكتابِ؛ لأنَّهُ مذكورٌ فيه. قوله: "ودَرَسُوا" فيه ثلاثةُ أوجه، أظهرُها ما قاله الزمخشريُّ: وهو كونُه معطوفاً على قوله: "ألَمْ يُؤخَذْ"؛ لأنَّهُ تقرير. فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا، نظيره قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 18] معناه: قد رَبَّيْنَاك ولَبِثْتَ. والثاني: أنَّهُ معطوف على "وَرِثُوا". قال أبُو البقاءِ: ويكونُ قوله ألَمْ يُؤخَذْ معترضاً بينهما وهذا الوجه سبقه إليه الطَّبري وغيره. الثالث: أنه على إضمار "قَدْ" والتقدير: وقد درسوا. فهو على هذا منصوب على الحال نسقاً على الجملة الشرطية، أي: يقولون: سَيُغْفَرُ لنا في هذه الحال، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل: "يَأخُذُوهُ" أي يأخذون العرضَ في حال دَرْسِهم ما في الكتاب المانع من أخذ الرِّشَا وعلى كلا التقديرين فالاستفهامُ اعتراض. وقرأ الجحدري: أن لا تقُولُوا بتاء الخطابِ، وهو التفاتٌ حسنٌ. وقرأ علي - رضي الله عنه - وأبو عبد الرحمن السلمي وادَّارَسُوا بتشديد الدَّالِ، والأصلُ: تَدَارَسُوا وتصريفه كتصريف {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 72] وقد تقدم. ثم قال تعالى: {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي: من تلك الرَشوة الخبيثة المحقرة "أفلا تَعْقِلُونَ". وقد تقدَّم الكلام على هذه الهمزة والفاء غير مرة. وقرأ ابنُ عامرٍ ونافعٌ وحفصٌ تَعْقِلُونَ بالخطابِ، والباقون بالغيبة، فالخطابُ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، والمرادُ بالضَّمائر حينئذٍ شيءٌ واحد. والثاني: أنَّ الخطابَ لهذه الأمَّةِ، أي: أفلا تعقلون أنتم حال هؤلاء وما هم عليه وتتعَجَّبُونَ من حالهم. وأمَّا الغيبةُ فجرى على ما تقدَّم من الضَّمائر، ونقل أبو حيان أنَّ قراءة الغيبة لأبي عمرو وأهل مكَّة، وقراءة الخطاب للباقين. قوله: "والَّذينَ يُمَسِّكُون": فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مبتدأ، وفي خبره حينئذ وجهان: أحدهما: الجملة من قوله {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} وفي الرَّابط حينئذ أقوال: أحدها: أنَّهُ ضميرٌ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: المُصْلحين منهم، وهذا على قواعد جمهور البصريين، وقواعد الكوفيين تقتضي أنَّ "ألْ" قائمةٌ مقام الضمير، تقديره: أجْرَ مَصْلحيهمْ؛ كقوله: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات: 41] أي: مَأواهُ، وقوله {أية : مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ}تفسير : [ص: 50] أي: أبوابُها، وقوله: {أية : فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ}تفسير : [الروم: 3] أي: أرضهم، إلى غير ذلك. والثاني: أنَّ الرَّابطَ تكرُّرُ المبتدأ بمعناه، نحو: زيد قام أبو عبد الله، وهو رأي الأخفش، وهذا كما يُجيزه في الموصول، نحو: أبُو سعيدٍ الذي رويتُ عنه الخُدريُّ، والحجَّاجُ الذي رأيْتُ ابنُ يُوسُفَ، وقد تقدَّم من ذلك شواهدُ. الثالث: أنَّ الرَّابط هو العموم في "المُصْلحينَ" قاله أبُو البقاء. قال: "وإن شئْتَ قلت: لمَّا كان المصلحون جنساً والمبتدأ واحد منه استغنيت عن ضمير". قال شهاب الدين: العمومُ ربطٌ من الروابط الخمسة؛ وعليه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2612 - ألاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ إلَى أمِّ سالمٍ سَبِيلٌ؟ فأمَّا الصَّبْرُ عَنْهَا فَلاَ صَبْرا تفسير : ومنه: نعم الرجلُ زيدٌ، على أحد الأوجه: والوجه الثاني - من وجهي الخبر -: أنَّهُ محذوف، تقديره: والذين يمسكون مأجورون، أو مثابُونَ ونحوه. وقوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} جملة اعتراضية، قاله الحوفيُّ. ولا ضرورة تدعو إليه. الثاني من وجْهَيْ "الذينَ يُمَسِّكُون": أنَّه محل جر نسقاً على: "الَّذين يَتَّقُونَ" أي: والدّار الآخرةُ خير للمتقين، وللمتمسكين، قاله الزمخشريُّ. إلاَّ أنه قال: ويكون قوله: {إنَّا لا نُضيعُ} اعتراضاً سيق لتأكيد ما قبله. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لَمْ يقعْ بين شيئين متلازمين ولا بين شيئين بينهما تعلُّقٌ معنويُّ، فكان ينبغي أن يقول: ويكون على هذا مستأنفاً. وقرأ العامَّةُ "يُمَسِّكُونَ" بالتشديد مِنْ "مَسَّك" بمعنى "تَمَسَّكَ" حكاه أهلُ التصريف أي: إنَّ: "فَعَّلَ" بمعنى "تفَعَّل"، وعلى هذا فالباءُ للآلة، كهي في "تَمَسَّكْتُ بالحبل". يقال: مَسَّكْتُ بالشَّيء، وتَمَسَّكْتُ، واسْتَمْسَكْتُ به، وامتسَكْتُ به. وقرأ أبو بكر عن عاصم، ورويت عن أبي عمرو وأبي العالية "يُمْسِكُونَ" بسكون الميم وتخفيف السين من "أمْسَكَ" وهما لغتان يقال: مَسَكْتُ، وأمْسَكْتُ. وقد جمع كعبُ بنُ زهير بينهما في قوله: [البسيط] شعر : 2613 - ولا تُمَسِّكُ بالعهدِ الذي زَعَمَتْ إلاَّ كَمَا تُمْسِكُ الماءَ الغَرَابِيلُ تفسير : ولكن "أمْسَك" مُتعدٍّ. قال تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ}تفسير : [الحج: 65] فعلى هذا مفعوله محذوف، تقديره: يُمسِكون دينهم وأعمالهم بالكتاب، فالباء يجوزُ أن تكون للحال وأن تكون للآلة أي مصاحبين للكتابِ، أي: لأوامره ونواهيه. وحجة عاصم قوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [البقرة: 229]، وقوله: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}تفسير : [الأحزاب: 37]، وقوله: {أية : فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [المائدة: 4]. قال الواحديُّ: والتشديدُ أقوى؛ لأنَّ التشديد للكثرة، وههنا أريد به الكثرة؛ ولأنَّهُ يقال: أمسكته، وقَلَّمَا يقال: أمسكت به. وقرأ عبد الله والأعمش: "اسْتَمْسَكُوا"، وأبي: "تَمَسَّكُوا" على الماضي، وهو جيّد لقوله تعالى: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} إذ قل ما يعطف على مستقبل إلاَّ في المعنى. فصل أراد والذين يعملون بما في الكتاب. قال مجاهدٌ: هم المؤمنون من أهل الكتاب كـ: عبد الله بن سلام وأصحابه تمسَّكوا بالكتاب الذي جاء به موسى، فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلةً. وقال عطاء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أجرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} أي: لا نضيع أجرهم، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 30]. فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردها بالذِّكر؟ فالجوابُ: أفردها لعلو مرتبتها، فإنَّهَا أعظم العبادات بعد الإيمان.
البقاعي
تفسير : ذكر شيء مما هددوا به التوارة على العصيان والبغي والعدوان غير ما تقدم في المائدة عند {أية : من لعنه الله وغضب عليه}تفسير : [المائدة: 60] وغيرها من الايات - قال في السفر الخامس: وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتق الله ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها، ويبتلي نسلك من بعدك وتدوم عليك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين الشعوب، وتعبدون هنالك الآلهة الأخرى التي عملت من الحجارة والخشب، ولا تسكنون أيضاً بين تلك الشعوب، ولكن يصير الله قلوبكم هناك فزعة مرتجفة بالغداة تقولون: متى نمسي؟ وبالعشيّ تقولون: متى نصبح؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى ارض مصر في الوف في الطريق الذي قال الرب: لا تعودوا أن تروه، وتباعون هناك عبيداً وإماء، ولا يكون من يشتريكم - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض مؤاب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب؛ ثم دعا موسى جميع بني إسرائيل وقال لهم: قد رأيتم ما صنع الله بأرض مصر بفرعون وجميع عبيده وكل شعبه والبلايا العظيمه التي رأت أعينكم والآيات والأعاجيب التي شهدتموها، ولم يعطكم الرب قلوباً تفهم وتعلم، ولا أعيناً تبصر ولا آذاناً تسمع إلى يومنا هذا، ودبركم في البرية أربعين سنة، لم تبل ثيابكم عليكم ولم تخلق خفافكم أيضاً ولم تأكلوا خبزاً، لتعلموا أني أنا الله ربكم، وأنا الذي أتيت بكم إلى هذه البلاد، فاحفظوا وصايا هذه التوارة واعملوا بها وأتموا جميع الأعمال في طاعة الله وأكملوها، لأنكم قد عرفتم جميعاً أن كنا سكاناً بأرض مصر وجزنا بين الشعوب، ورأيتم نجاستهم وأصنامهم، لعل فيكم اليوم رجلاً أو امرأة أو قبيلة أو سبطاً يميل قلبه عن عبادة الله ربنا ويطلب عبادة آلهة تلك الشعوب، فيسمع هذا العهد فيقول: يكون لي السلام فاتبع مسرة قلبي، هذا لا يريد الرب أن يغفر له، ولكن هناك يشتد غضب الرب وزجره عليه وينزل به كل اللعن الذي في هذا الكتاب، ويستأصل الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب من جميع أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين يقومون من بعدكم والغرباء، وينظرون إلى ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله بها ويقول الشعب: لماذا صنع الرب هكذا؟ ولماذا اشتد غصبة على هذا الشعب العظيم؟ ويقولون: لأنهم تركوا عهد الله إله آبائهم، فاشتد غضب الرب على هذه الأمة وأمر أن ينزل بها كل اللعن الذي كتب في هذا الكتاب، ويجليهم الرب عن بلادهم بغضب وزجر شديد ويبعدهم إلى أرض غريبة كما ترى اليوم، فأما الخفايا والسرائر فهي لله ربنا، والأمور الظاهرة المكشوفة هي لنا. ولما أخبر سبحانه بالتأذن، كان كأنه قيل: فأسرعنا في عقابهم بذنوبهم وبعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي، فعطف عليه قوله: {وقطعناهم} أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب بما لنا من العظمة تقطيعاً كثيراً بأن أكثرناًُ تفريقهم {في الأرض} حال كونهم {أمماً} يتبع بعضهم بعضاً، فصار في كل بلدة قليل منهم ليست لهم شوكة ولا يدفعون عن أنفسهم ظلماً. ولما كان كأنه قيل: فهل أطبقوا بعد هذا العذاب على الخير؟ قيل:لا، بل فرقتهم الأديان نحو فرقة الأبدان {منهم الصالحون} أي الذين ثبتوا على دينهم إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالاً لدعوة كتابهم {ومنهم دون ذلك} أي بالفسق تارة وبالكفر أخرى {وبلوناهم} أي عاملناهم معاملة المبتلى ليظهر للناس ما نحن به منهم عالمون {بالحسنات} أي النعم {والسيئات} أي النقم {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن غيه رغبة أو رهبة. ولما كان العذاب الذي وقع التأذن بسببه ممتداً إلى يوم القيامه، تسبب عنه قوله: {فخلف} أي نشأ، ولما كانوا غير مستغرقين لزمان البعد، أتى بالجار فقال: {من بعدهم خلف} أي قوم هم أسوأ حالاً منهم {ورثوا الكتاب} أي الذي هو نعمة، وهو التوراة، فكان لهم نقمة لشهادته عليهم بقبح أفعالهم، لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤونه ولا يعملون بما فيه؛ قال ابن فارس: والخلف ما جاء من بعد، أي سواء كان محركاً أو ساكناً، وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين: ويقال:؛ خلف سوء - أي بالسكون - وخلَف صدق، وقال الزبيدي في مختصر العين: والخلف: خلف السوء بعد أبيه، والخلَف: الصالح، وقال ابن القطاع في الأفعال: وخَلَفَ خَلَفُ سوء: صاروا بعد قوم صالحين، وخَلَف سوء، قال الأخفش: هما سواء، أي بالسكون، منهم من يسكن ومنهم من يحرك فيهما جميعاً، ومنهم من يقول: خلف صدق - أي بالتحريك - وخلف سوء - أي بالسكون - يريد بذلك الفرق بينهما، وكل إذا أضاف، يعني فإذا لم يضف كان السكون - للفساد، والتحريك للصلاح؛ وقال في القاموس: خلف نقيض قدام، والقرن بعد القرن، ومنه: هؤلاء خلف سوء، والرديء من القول، وبالتحريك الولد الصالح، فإذا كان فاسداً أسكنت اللام، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر، يقال: هو خلف صدق من أبيه - إذا قام مقامه، أو الخلف بالسكون وبالتحريك سواء، الليث: خلف للاشرار خاصة، وبالتحريك ضده. والمادة ترجع إلى الخلف الذي هو نقيض قدام، كما بنيت ذلك في فن المضطرب من حاشيتي على شرح ألفية العراقي. ولما كان المظنون بمن يرث الكتاب الخير، فكان كأنه قيل: ما فعلوه من الخير فيما ورثوه؟ قال مستأنفاً: {يأخذون} أو يجددون الأخذ دائماً، وحقر ما أخذوه بالإعلام بأنه مما يعرض ولا يثبت بل هو زائل فقال: {عرض} وزاده حقارة بإشارة الحاضر فقال {هذا} وصرح بالمراد بقوله: {الأدنى} أي من الوجودين، وهو الدنيا {ويقولون} أي دائماً من غير توبة. ولما كان النافع الغفران من غير نظر إلى معين، بنوا للمفعول قولهم: {سيغفر لنا} أي من غير شك، فأقدموا على السوء وقطعوا بوقوع ما يبعد وقوعه في المستقبل حكماً على من يحكم ولا يحكم عليه، وصرح بما افهمه ذلك من إصرارهم معجباً منهم في جزمهم بالمغفرة مع ذلك بقوله: {وإن} أي والحال أنه إن {يأتهم عرض مثله} أي في الدناءة والخسة - والحرمة كالرشى {يأخذوه}. ولما كان هذا عظيماً، أنكر عليهم مشدداً - للنكير بقوله مستأنفاً: {ألم يؤخذ عليهم} بناه للمفعول إشارة إلى أن العهد يجب الوفاء به على كل حال، ثم عظمه بقوله: {ميثاق الكتاب} أي الميثاق المؤكد في التوارة {أن لا يقولوا} أي قولاً من الأقوال وإن قل {على الله} أي الذي له الكمال العظمة {إلا الحق} أي المعلوم ثباته، وليس من المعلوم ثباته إثبات المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب. ولما كان ربما وقع في الوهم أنه أخذ على أسلافهم ولم يعلم هؤلاء به، نفى ذلك بقوله: {ودرسوا ما فيه} أي ما في ذلك الميثاق بتكرير القراءة للحفظ {والدار الأخرة} أي فعلوا ما تقدم من مجانبة التقوى والحال أن الآخرة {خير} أي مما يأخذون {للذين يتقون} أي وهم يعلمون ذلك بإخبار كتابهم، ولذلك أنكر عليهم بقولة: {أفلا تعقلون*} أي حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدلاً مما يسعدهم ويبقى، وعلى قراءة نافع وابن عامر وحفص بالخطاب يكون المراد الإعلام بتناهي الغضب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ} [الآية: 168]. قال: اختبرناهم بالنعم طلبًا للشكر، واختبرناهم بالمحن طلبًا للصبر فأبى الجميع فلا هم عند النعم شاكرون ولا هم عند المحن صابرون.
القشيري
تفسير : أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد، ومَعَاصٍ وفساد. ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محنٍ أزاحها، ومن مِنَنٍ أتاحها، وطالبهم بالشكر على ما أسدى، والصبرِ على ما أبلى، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرَهم في الخلاف والوفاق، والإخلاص والنفاق؛ فأمَّا الحسناتُ فهي ما يُشْهِدهم المُجْرِي، ولا يُلْهِيهم عن المُبْدي، وأمَّا السيئاتُ فالتردد بين الإنجاز والتأخير، والإباحة والتقصير. ويقال الحسنة أن يُنْسِيَكَ نفسك، والسيئة أَنْ يُشْهِدَكَ نفسك. ويقال الحسنات بتيسير وقتٍ عن الغفلات خالٍ، وتسهيل يومٍ عن الآفات بائن. والسيئاتُ التي ابتلاهم بها خذلانٌ حاصل وحرمانٌ متواصل.
البقلي
تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} فرق الاولياء والاعداء فى الارض ليعيش كل طائفة بما خلق لها من الطاعة والمعصية منهم الصالحون خلفاء الانبياء ومنهم دون ذلك يعنى المستبدين بأرانهم غير مقتدرين بالاولياء والصديقين {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ} جلعناهم جميعا فى درك الامتحان لان المولى مقهور القهر ومعطوف اللطف فقهره يورث المعصية والحجاب ولطفه يورث الطاعة والكشف ففى العقوبة مطالبون بالصبر وفى النعمة مطالبون بالشكر فالصبر منهم محال الا بمعرفة الله والشكر منهم محال لا بكشف جمال الله لهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} من البلاء لاى ميليتهم قيل اختبرناهم بالنعم طلبا للشكر واختبرناهم بالمحن طلبا الصبر فابوا الجميع فلا هم عند النعم شاكرين ولا هم عن المحن صابرين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقطعناهم} اى فرقنا بنى اسرائيل {فى الارض} وجعلنا كل فرقة منهم فى قطر من اقطارها بحيث لا تخلو ناحية منها منهم تتميما لجزاء ادبارهم واعراضهم عن الحق حتى لا يكون لهم شوكة بالاجتماع ابدا {امما} حال من مفعول قطعناهم اى حال كونهم جماعات او مفعول ثان لقطعنا باعتبار تضمنه معنى صيرنا {منهم الصالحون} صفة لامما وهم المتدينون بدين موسى {ومنهم دون ذلك} تقديره ومنهم ناس دون ذلك على ان دون ذلك صفة لموصوف محذوف مرفوع على الابتداء. وقوله منهم خبر قدم عليه. قال التفتازانى قد شاع فى الاستعمال وقوع المبتدأ والخبر ظرفين واستمر النحاة على جعل الاول خبرا والثانى مبتدأ بتقدير موصوف دون العكس وان كان ابعد من جهة المعنى والتأخير بالخبر اولى وكأنهم يرون المصير الى ان الحذف فى اوانه اولى انتهى وذلك اشارة الى الصلاح المدلول عليه بقوله الصالحون بتقدير المضاف ليصح المعنى اى ومنهم دون اهل ذلك الصلاح منحطون عنهم وهم كفرتهم وفسقتهم وجوز بمعنى اولئك فالاشارة الى الصالحين وقد ذكر النحويون ان اسم الاشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع كذا فى حواشى سعدى جلبى {وبلوناهم} اى عاملناهم معاملة المبتلى المختبر {بالحسنات والسيآت} بالنعم والنقم حيث فتحنا عليهم تارة باب الخصب والعافية وتارة باب الجدب والشدائد {لعلهم يرجعون} ينتهون فيرجعون عما كانوا عليه من الكفر والمعاصى فان كل واحد من الحسنات والسيآت يدعو الى الطاعة اما الحسنات فللترغيب فيها واما السيآت فللترهيب عن المعصية. قال الكاشفى [ايشانرا درنعمت شكر بايست كرد بطر واستغنا ظاهر كردند وكفتند ان الله فقير ونحن اغنياء ودر محنت صبرى بايست كرد آغاز ناسزا كردند وكفتند يد الله مغلولة برمحك اختبار تمام عيار بيرون نيامدند] شعر : خوش بود كرمحك تجربة آيدبميان تاسيه روة شودهر كه دروغش باشد تفسير : وفى التأويلات النجمية {وبلوناهم بالحسنات} اى بكثرة الطاعات ورؤيتها والعجب بها كما كان حال ابليس {والسيآت} اى المعاصى ورؤيتها والندامة عليها والتوبة منها والخوف والخشية من ربهم كما كان حال آدم عليه السلام ورجع الى الله تعالى {أية : وقال ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : [الأعراف: 23].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أُمَمًا}: مفعول ثانٍ لقطَّعنا، أو حال، وجملة {منهم الصالحون}: صفة، وجملة {يأخذون}: حال من فاعل ورثوا، و {يقولون} عطف على {يأخذون}، أو حال، والفعل من {سيغفر}: مسند إلى الجار والمجرور، أو إلى مصدر {يأخذون}، و {أن لا يقولوا}: عطف بيان من {ميثاق الكتاب}، أو تفسير له، أو متعلق به، أي: لأن لا يقولوا، و {درسوا}: عطف على {ألم يُؤخذ} من حيث المعنى، أي: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ولم يدرسوا ما فيه، أو حال، أي: وقد درسوا، و {الذين يُمَسِّكُون}: مبتدأ، وجملة: {إنا لا نضيع أجر المصلحين}: خبر، والرابط: ما في المصلحين من العموم، فوضع موضع الضمير؛ تنبيهًا على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، أو حذف العائد، أي: منهم، ويحتمل أن يكون عطفًا على {الذين يتقون} أي: خير للمتقين والذين يتمسكون بالكتاب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقطَّعناهم} أي: فرقناهم {في الأرض أُممًا}: فرقًا، ففي كل بلد من البلدان فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه، تتمةً لإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة قط، {منهم الصالحون} وهو من تمسك بدين التوراة، ولم يحرف، ولم يفرق، أو من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه وبعده، {ومنهم دون ذلك} أي: ومنهم ناس دون ذلك، أي: منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم، {وبلوناهم} أي: اختبرناهم {بالحسنات والسيئات} أي: بالنعم والنقم، {لعلهم يرجعون}؛ ينتبهون فينزجرون عمًّا هُم عليه. {فخلَفَ من بعدهم خلفٌ} أي: فخلف، من بعد الأولين، خلف، أي: بدل سوء، وهو مصدر نعت به، فالخلف، بالسكون، شائع في الشر، يقال: جعل الله منك خلفًا صالحًا. والمراد بالخلف في الآية: اليهود الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، {وَرِثوا الكتابَ}؛ التوراة، من أسلافهم، يقرؤونها ويقفون على ما فيها، {يأخذون عَرَضَ هذا الأدنى}؛ حطام هذا الشيء الحقير، من الدنو، أو من الدناءة، وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الأحكام، وعلى تحريف الكلام، {ويقولون سيُغفرُ لنا}؛ لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، اغترارًا وحمقًا. {وإن يأتهم عَرَضٌ مثلُه يأخذوه} أي: يرجون المغفرة، والحال أنهم مصرون على الذنب، عائدون إلى مثله، غير تائبين منه، {ألم يُؤخذْ عليهم ميثاقُ الكتاب} أي: في الكتاب، وهو التوراة، {أن لا يقولوا على الله إِلا الحق}، وهو تكذيب لهم في قولهم: {سيُغفر لنا}، والمراد: توبيخهم على القطع بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب، {ودَرَسُوا ما فيه} أي: وقد درسوا ما فيه، وعلموا ما أُخذ عليهم فيه من المواثيق، ثم تجرأوا على الله، {والدارُ الآخرة خير للذين يتقون} مما يأخذ هؤلاء من العرض الفاني. {أفلا يعقلون} فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب، ومن قرأ بالخطاب فهو لهم، من باب التلوين في الكلام. {والذين يُمَسِّكُون بالكتاب} أي: يتمسكون بالتوراة، {وأقاموا الصلاة} المفروضة عليهم، {إنا لا نضيع أجر المصلحين} منهم. وهذا فيمن مات قبل ظهور الإسلام، أو: والذين يمسكون بالقرآن، {وأقاموا الصلاة} مع المسلمين، {إن لا نضيع أجر المصلحين}. الإشارة: تفريق النسب في البلدان، إن كان في الذل والهوان، فهو من شؤم المخالفة والعصيان، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة، فقد يكون لقصد الخير والبركة، أراد الله أن يُنمي تلك البلاد، بنقل ذلك إليها، كأولاد الصالحين والعلماء وأهل البيت. ويؤخذ من قبوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}، أن العبد مأمور بالرجوع إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالتسليم والصبر. ويؤخذ من مفهوم قوله: {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه}، أن من عقد التوبة وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار. وفي قوله: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب...} الآية، تحذير لعلماء السوء. وقوله: {والذين يُمسكون بالكتاب...} الآية، أي: والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح، {إنا لا نضيع أجر المصلحين} مع عامة أهل اليمين، والذين يمسكون بباطن الكتاب وأقاموا صلاة القلوب ـ التي هي العكوف في الحضرة ـ حضرة الغيوب ـ إنا لا نضيع أجر المصلحين لقلوبهم، وهو شهود رب العالمين مع المقربين، في حضرة الأنبياء والمرسلين، جعلنا الله منهم وفي حزبهم، آمين. ولمَّا ذكر من تمسك بالكتاب طوعاً، ذكر من تمسك به كرهاً من أسلاف اليهود، فقال: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه قطع بني اسرائيل يعنى فرقهم فرقاً في الارض {أمماً} يعني جماعات شتى متفرقين في البلاد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعلى اي وجه فرقهم؟ قيل فيه قولان: احدهما - فرقهم حتى تشتت امرهم وذهب عزهم عقوبة لهم. الثاني - فرقهم على ما علم انه اصلح لهم في دينهم. ثم اخبر عنهم فقال: من هؤلاء الصالحون يعني من بني اسرائيل الصالحون، وهم الذين يؤمنون بالله ورسله، ومنهم دون ذلك يعني دون الصالح، وإنما وصفهم بذلك لما كانوا عليه قبل ارتدادهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل ان يبعث فيهم عيسى عليه السلام. وقوله: {وبلوناهم بالحسنا والسيئات} معناه اختبرناهم بالرخاء في العيش والحفض في الدنيا والدعة والسعة في الرزق، وهي الحسنات. ويعني بالسيئات الشدائد في الحبس والمصائب في الأنفس والأموال {لعلهم يرجعون} اي لكي يرجعوا الى طاعته وينيبوا إلى إمتثال امره. فان قيل كيف قال: لكي يرجعوا الى الحق. وهم لم يكونوا عليه قط؟! قلنا عنه جوابان: احدهما - انهم مارون على وجوههم إلى جهة الباطل فدعوا الى الرجوع الى جهة الحق لأن الانصراف عن الباطل رجوع إلى الحق. الثاني - انهم ولدوا على الفطرة وهي دين الحق الذي يلزمهم الرجوع اليه.
الجنابذي
تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} متفرّقين بحيث لا يخلو مملكة منهم والاغلب انّهم اذلاّء عند غير مذهبهم {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ} جملة مستأنفة او وصفيّة او حاليّة ومنهم مبتدء سواء كان من اسماً او قائماً مقام الموصوف المبتدء او خبر مقدّم {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} منهم مبتدء كما سبق او منهم خبر مقدّم والمبتدء محذوف اى منهم ناس دون ذلك اى منحطّون عن الصّلاح سواء لم يكونوا كافرين او كانوا كافرين، ويكون المراد بقوله فخلف من بعدهم خلف انّهم صاروا بعد جميعاً كافرين او المراد بمن دون ذلك من لم يبلغ درجة الكفر {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ} السّعة والدّعة والامن والصّحة {وَٱلسَّيِّئَاتِ} ضدّ ذلك المذكور {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} من غيّهم كما هو ديدننا فى هداية من اردنا هدايته.
اطفيش
تفسير : {وقطَّعْناهُم} فرَّقناهم {فى الأرْضِ أمماً} جماعات لا بلد إلا وفيه من اليهود طائفة قليلة أو كثيرة تحت الذمة، وذلك كسر لشوكتهم، ولا تقوم لهم راية، ولا ينفردون بمدينة أو قرية أو محلة، وأمما حال أو مفعول ثان لقطع لتضمنه معنى صير {مِنْهم الصَّلحُون} وهم من وراء الصين، منهم ومن لم يكفر بنبى أو كتاب {ومنْهُم دُونَ ذَلكَ} أى قوم ثابتون دون ذلك، فدون ظرف متعلق بمحذوف نعت لمبتدأ محذوف وهو منصوب على الاستقرار، قيل ومحله رفع لأنه نائب عن مرفوع، والإشارة إلى الصلاح أو إلى المذكور من هو الصالحون، فالذى دون ذلك هو النفاق والشرك، والمنافقون والمشركون قبل نبينا أو فى عصره أو بعده، فهم منحطون رتبة عن الصالحين، وقوله: {منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} استئناف فى معنى غير ما قبله، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة فى بيان تفريقهم أمما، فيكون معنى تفريقهم أمما جعلهم صالحا وطالحا، وعلى هذا يجوز أن تكون نعتا لأمما أو بدلا من قطعناهم أمما. واعلم أن من كان منهم مؤمنا بالأنبياء والكتب كلها فهو المراد بالصالحين، ومن كان كافرا فهو المراد بدون ذلك فى أى زمان كانوا، ولا يشترطون فى تقطيعهم أمما وجود الفريقين فى كل عصر، ولا سيما إذا فسرنا التقطيع بالتفريق فى البلاد، فلا حاجة إلى قول بعض: إن المراد ما قبل عيسى لوجود المؤمن والكافر فيه، ولأن من بعده كفار لكفرهم به، ولا إلى قول بعضهم المراد بالصالحين ودون ذلك من كان منهم بعد بعث نبينا، ويجوز أن يراد بقوله: {ومنهم دون ذلك} منهم قوم آمنوا وعملوا لكن لم يصلوا درجة هؤلاء. {وبلَوْناهُم بالحَسَنات} كالصحة والرزق الواسع {والسَّيئات} ضد ذلك {لعلَّم يرْجعُونَ} عن الكفر والمعاصى، فإن النعمة مرغبة فى طاعة المنعم، والشدة زاجرة عن معصيته.
اطفيش
تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمْ} فرقناهم أَو صيرناهم فرقا، والهاء لليهود مطلقا، وخص المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم بعد دخولهم فى العموم بقوله {أية : فخلف من بعدهم}تفسير : [الأَعراف: 165] ولقلة الصالحين فيهم، على عهده صلى الله عليه وسلم جدا، خص بعضهم الهاءَ هنا بمن قبله صلى الله عليه وسلم، لكن لا مانع من إِرادة الحكم على المجموع فى ذكر أَن منهم الصالحين {فِى الأَرْضِ} فهم فى كل أَرض، أَرض العرب وأَرض العجم، فى هذه الأَرض ومن وراءِ البحر وفى الجزائر أَذلاءَ لا شوكة لهم ولا سلطان، ولا قرية سكنوها وحدهم {أُمَمَا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ} الجملة نعت أُمما، والهاء لأُمما والصالحون قبله صلى الله عليه وسلم فى المدينة وغيرها، والصالحون المؤمنون به على عهده، ولما بعث صلى الله عليه وسلم كفر به من أَدركه إِلا قليلا، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} أَى قوم دون ذلك، أَو ناس دون ذلك فى الصلاح، آمنوا واتقوا بعض التقوى، ولم يبلغوا مبلغ هؤلاءِ، وقيل: المراد المشركون منهم، وقيل: المشركون والفاسقون، وأَجاز بعضهم حذف الموصول ولو لم يذكر مثله، أَى من دون ذلك - بفتح الميم - والإِشارة إِلى الصلاح المعلوم من {الصالحون} أَو إِلى {الصالحون} بتأويل من ذكر، وهذا أَنسب بالتقسيم لأَن مناسب الصالحين الكافرون والفاسقون، والإِشارة للصلاح تناسب أَنه قيل منهم الصلاح ولم يقل ذلك، وإِن قدر ومنهم دون ذلك الصلاح ناسب، وقيل إِن بعض العرب تطلق ذا للتثنية والجمع كالفرد، ومعنى الدونية الانحطاط إِلى الشرك وإِلى الفسق {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ} النعم والخصب والعافية جلبا وترغيبا {وَالسَّيِّئَاتِ} الجدب والأَمراض والشدائد زجرا {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن شركهم وفسقهم.
الالوسي
تفسير : {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ} أي فرقنا بني اسرائيل أو صيرناهم {فِى ٱلأَرْضِ} وجعلنا كل فرقة منهم في قطر من أقطارها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تكملة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة وهذا من مغيبات القرآن كالذي تضمنته الآية قبل، وقوله سبحانه: {أُمَمًا} إما مفعول ثان لقطعنا وإما حال من مفعوله {مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ} وهم كما قال الطبري من آمن بالله تعالى ورسوله وثبت على دينه قبل بعث عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل هم الذين أدركوا النبـي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ونسب ذلك إلى ابن عباس ومجاهد، وقيل: هم الذين وراء الصين وهو عندي وراء الصين، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم و{ٱلصَّـٰلِحُونَ} مبتدأ، وجوز أن يكون فاعلاً للظرف والجملة في موضع النصب صفة لأمم على الاحتمالين، وجوز أن تكون في موضع الحال وهي بدل من أمم على الاحتمال الثاني وأن تكون صفة موصوف مقدر هو البدل على الأول أي قوماً منهم الصالحون {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} أي منحطون عن أولئك الصالحين غير بالغين منزلتهم في الصلاح وهم الذين امتثلوا بعض الأوامر وخالفوا بعضاً مع كونهم مؤمنين، وقيل: هم الكفرة منهم بناءً على أن المراد بالصلاح الإيمان، وقيل: المراد بهم ما يشمل الكفرة والفسقة، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم و {دُونَ} على ما ذكره الطبرسي مبتدأ إلا أنه بقي مفتوحاً لتمكنه في الظرفية مع إضافته إلى المبنى، ومثله على قول أبـي الحسن {بَيْنِكُمْ} في قوله سبحانه: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94] أو المبتدأ محذوف والظرف صفته أي ومنهم أناس أو فرقة دون ذلك، ومن المشهور عند النحاة أن الموصوف بظرف أو جملة يطرد حذفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه كما في منا أقام ومنا ظعن، ومحط الفائدة الانقسام إلى أن هؤلاء منقسمون إلى قسمين، ومن الناس من تكلف في مثل هذا التركيب لجعل الظرف الأول صفة مبتدأ محذوف، وجعل الظرف الثاني خبراً لما ظنه داعياً لذلك وليس بشيء، والإشارة للصالحين، وقد ذكروا أن اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع وقد مرت الإشارة إليه، وقيل: أشير به إلى الصلاح كما يقتضيه ظاهر الإفراد ويقدر حينئذ مضاف وهو أهل مثلاً {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ} الخصب والعافية {وَٱلسَّيِّئَاتِ} الجدب والشدة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي يتوبون عما كانوا عليه مما نهوا عنه.
ابن عاشور
تفسير : عطف قصة على قصة، وهو عود إلى قصص الإخبار عن أحوالهم، فيجوز أن يكون الكلام إشارة إلى تفرقهم بعد الاجتماع، والتقطيع التفريق، فيكون محموداً مثل {أية : وقطّعناهم اثنتي عشرة أسباطاً}تفسير : [الأعراف: 160]، ويكون مذموماً، فالتعويل على القرينة لا على لفظ التقطيع. فالمراد من الأرض الجنس أي في أقطار الأرض. و{أمماً} جمع أمّة بمعنى الجماعة، فيجوز أن يكون المراد هنا تقطيعاً مذموماً أي تفريقاً بعد اجتماع أمتهم فيكون إشارة إلى أسر بني إسرائيل عندما غزا مملكة إسرائيل (شلمناصرُ) مَلك بابل. ونقلهم إلى جبال انشور وأرض بابل سنة 721 قبل الميلاد. ثم أسر (بُخْتنصّر) مملكة يهوذا وملكها سنة 578 قبل الميلاد، ونقل اليهود من (أرشليم) ولم يبق إلاّ الفقراء والعجّز. ثم عادوا إلى أرشليم سنة 530، وَبَنوْا البيت المقدس إلى أن أجلاهم (طيطوس) الروماني، وخرّب بيت المقدس في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد، فلم تجتمع أمتهم بعد ذلك فتمزقوا أيدي سبأ. ووصف الأمم بأنهم {منهم الصالحون} إيذان بأن التفريق شمل المذنبين وغيرهم، وأن الله جعل للصالحين منزلة إكرام عند الأمم التي حلّوا بينها، كما دل عليه قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيّئات}. وشمل قوله: {ومنهم دون ذلك} كل من لم يكن صالحاً على اختلاف مراتب فقدان الصلاح منهم. و{الصالحون} هم المتمسكون بشريعة موسى والمصدقون للأنبياء المبعوثين من بعده والمؤمنون بعيسى بعد بعثته، وأن بني إسرائيل كانوا بعد بعثة عيسى غير صالحين إلاّ قليلاً منهم: الذين آمنوا به، وزادوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إيمانهم به، بُعداً عن الصلاح إلاّ نفراً قليلاً منهم مثل عبد لله بن سَلام، ومخيريق. وانتصب {دونَ ذلك} على الظرفية وصفاً لمحذوف دل عليه قوله: {منهم} أي ومنهم فريق دون ذلك، ويجوز أن تكون (مِن) بمعنى بعض اسماً عند من يجوّز ذلك، فهي مبتدأ، و{دون} خبر عنه. ويحتمل أن تكون الآية تشير إلى تفريقهم في الأرض في مدة ملوك بابل، وإنهم كانوا في مدة إقامتهم ببابل {منهم الصالحون} مثل (دانيال) وغيره، ومنهم دون ذلك، لأن التقسيم بمِنهم مشعر بوفرة كلا الفريقين. وقوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} أي أظهرنا مختلف حال بني إسرائيل في الصبر والشكر، أو في الجزع والكفر، بسبب الحسنات والسيئات، فهي جمع حسنة وسيئة بمعنى التي تَحسن والتي تَسوء، كما تقدم في قوله: {أية : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئةٌ يطيّروا بموسى ومن معه}تفسير : [الأعراف: 131] وعلى هذا يكون الحسنات والسيئات تفصيلاً للبلوى، فالحسنات والسيئات من فعل الله تعالى، أي بالتي تحسن لفريق الصالحين وبالتي تسوء فريق غيرهم، توزيعاً لحال الضمير المنصوب في قوله: {بلوناهم}. وجملة: {لعلهم يرجعون} استئناف بياني أي رجاء أن يتوبوا أي حين يذكرون مدة الحسنات والسيئات، أو حين يرون حسن حال الصالحين وسوء حال من هم دون ذلك، على حسب الوجهين المتقدمين. والرجوع هنا الرجوع عن نقض العهد وعن العصيان، وهو معنى التوبة. هذا كله جري على تأويل المفسرين الآية في معنى {قَطّعناهم}. ويجوز عندي أن يكون قوله: {وقطعناهم في الأرض أمماً}، عوداً إلى أخبار المنن عليهم، فيكون كالبناء على قوله: {أية : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}تفسير : [الأعراف: 160]، فيكون تقطيعاً محموداً، والمراد بالأرض: أرض القدس الموعودة لهم أي لكثرناهم فعمروها جميعها، فيكون ذكر الأرض هنا دون آية {أية : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}تفسير : [الأعراف: 160] للدلالة على أنهم عمروها كلها، ويكون قوله: {منهم الصالحون} إنصافاً لهم بعد ذكر أحوال عدوان جماعاتهم وصم آذانهم عن الموعظة، وقوله: {وبلوناهم} إشارة إلى أن الله عاملهم مرة بالرحمة ومرة بالجزاء على أعمال دهمائهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 168- وقد فرقناهم فى الأرض جماعات: منهم الصالحون، وهم الذين آمنوا واستقاموا، ومنهم أناس منحطون عن وصف الصلاح، وقد اختبرناهم جميعا بالنعم والنقم ليتوبوا عما نهوا عنه. 169- فجاء من بعد الذين ذكرناهم وقسمناهم إلى القسمين، خلف سُوءٍ ورثوا التوراة عن أسلافهم ولكنهم لم يعملوا بها، لأنهم يأخذون متاع الدنيا عوضا عن قول الحق، ويقولون فى أنفسهم: سيغفر اللَّه لنا ما فعلناه. يرجون المغفرة. والحال أنهم إن يأتهم شئ مثل ما أخذوه يأخذوه. فهم مصرون على الذنب مع طلب المفغرة، ثم وبخهم الله على طلبهم المغفرة مع إصرارهم على ما هم عليه، فقال: إنا أخذنا عليهم العهد فى التوراة، وقد درسوا ما فيها، أن يقولوا الحق، فقالوا الباطل، وإن نعيم الدار الآخرة للذين يتقون المعاصى خير من متاع الدنيا. أتستمرون على عصيانكم فلا تعقلون أن ذلك النعيم خير لكم، وتؤثرون عليه متاع الدنيا؟ 170- والذين يتمسكون بالتوراة، وأقاموا الصلاة المفروضة عليهم، إنا لا نضيع أجرهم، لإصلاحهم وإحسانهم الأعمال. 171- رد اللَّه على اليهود فى قولهم: إن بنى إسرائيل لم تصدر منهم مخالفة فى الحق، فقال: واذكر لهم - أيها النبى - حين رفعنا الجبل فوق رؤوس بنى إسرائيل كأنه غمامة، وفزعوا لظنهم أنه واقع عليهم، وقلنا لهم - فى حالة الرفع ورهبتهم - خذوا ما أعطيناكم من هدى فى التوراة بجد وعزم على الطاعة، وتذكروا ما فيه لعلكم تعتبرون وتتهذب نفوسكم بالتقوى.
القطان
تفسير : قطعناهم: فرقناهم. امما: جماعات. دون ذلك: منحطون عنهم. بلوناهم: امتحناهم. خلْف بسكون اللام: نسل شرير. الكتاب: التوراة. العرض بفتح الراء: متاع الدنيا وحطامها. الادنى: الدنيا. نتقنا الجبل: رفعناه وابرزناه فوقهم. الظُّلَّة: كل ما يظلل الناس. تأتي بقية الآيات المدنية الواردة هنا تكملةً لقصة بين اسرائيل بعد موسى، إذ تفرّق اليهود في الأرض جماعاتٍ مختلفة المذاهب، مختلفة المشارب والمسالك، فكان منهم الصالحون وكان منهم دون ذلك، وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات تارة، وبالنعماء أخرى، علّهم يرجعون الى ربهم ويستقيمون. وقد فصّل سبحانه عقابهم فذكر بدء إذلالهم بإزالة وحدتهم وتمزيق جمعهم فقال: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً....}. وقد فرّقناهم في الأرض جماعات وجعلنا كل فرقة منهم في قطر، منهم الصالحون وهم الذين آمنوا واستقاموا، ومنهم اناس منحطُّون عن الاتصاف بالصلاح. لقد اختبرناهم جميعا بالنعم والنقم ليتوبوا عما نهوا عنه. فجاء من بعد الّذين ذكرناهم خَلْفُ سوءٍ ورِثوا التوراةَ من أسلافهم، لكنهم لم يعملوا بها، ولم تتأثّر قلوبهم ولا سلوكهم، وكلما رأَوا عَرَضاً من أعراض الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا: "سيُغفرُ لنا"، فهم مصرون على الذنْب مع طلب المغفرة. ثم وبَّخهم الله على طلبهم المغفرةَ مع إصرارهم على ما هو عليه فقال: إنّا انفَذْنا عليهم العهدَ في التوراة - وقد درسوا ما فيها - أن يقولوا الحق، فقالوا الباطل.. لم يعقِلوا بعدُ ان نعيم الدار الآخرة الدائم خير من متاع الدنيا الفاني، فقل لهم يا محمد: من العجب ان تستمروا على عصيانكم، افلا تعقلون ان ذلك النعيم خير لكم!؟ وفي هذه إيماء الى ان الطمع في متاع الدنيا هو الذي افسد على بني إسرائيل امرهم. وفيه عبرة للمسلمين الذي سرى إليهم كثير من الفساد، وغلب عليهم حبُّ الدنيا وعرضها الزائل، والقرآن الكريم بين أيديهم لكنهم لا يعملون به بل هم عنه غافلون. {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ...}. والذين يتمسّكون بالتوراة وأقاموا الصلاة المفروضة عليهم، ويعتصمون بحبله في جميع شئونهم - لن يضيع اجرهم عند الله، لأنهم قد اصحلوا اعمالهم. ثم ختم الله هذه القصة مذكِّراً بِبَدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم عقب بيان مخالفتهم لأمور دينهم حتى بعد أَنْ أخذ الله عليهم الميثاق. وقد ردّ عليهم في قولهم: إن بين اسرائيل لم تصدر منهم مخالفة في الحق، فقال جلّ وعلا: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ...}. اذكر لهم أيها النبيّ حين رفعنا الجبل فوق رؤوسهم كأنه غمامة، يؤمئذٍ فزِعوا مما رأوا، إذ ظنوا ان الجبل واقع عليهم، فقلنا لهم: خذوا ما أعطيناكم من هدى التوراة بجد وعزم على الطاعة، وتذكّروا ما فيه لعلّكم تعتبرون وتتهذب نفوسكم بالتقوى. لكن اليهود هم اليهود، فقد نقضوا العهد، ونسوا الله، ولجّوا في العصيان حتى استحقوا غضب الله ولعنته، وحقَّ عليهم القول.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمْ} {ٱلصَّالِحُونَ} {وَبَلَوْنَاهُمْ} {بِٱلْحَسَنَاتِ} (168) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ فَرَّقَ بَني إسْرَائِيلَ فِي الأرْضِ فَكَانُوا طَوَائِفَ وَفِرَقاً (أُمَما)، مِنْهُم الصَّالِحُونَ الذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأرْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنَّهُ اخْتَبَرَهُمْ (بَلَوْنَاهُمْ) جَمِيعاً بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَبِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَبِالعَافِيَةِ وَالبَلاَءِ، لَعَلَّهُمْ يَثُوبُونَ إِلَى الحَقِّ، وَيَرْجِعُونَ إلى أَمْرِ اللهِ، فَيَعُودَ إِلَيْهِمْ فَضْلُ اللهِ وَإِحْسَانُهُ وَرَحْمَتُهُ. بَلَوْنَاهُمْ - اخْتَبَرْنَاهُم. أُمماً - جَماعَاتٍ وَفِرَقاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد قال سبحانه قبل ذلك أيضاً: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً...} تفسير : [الأعراف: 160] ولكن القول هنا يجيء لمعنى آخر: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ}. وقد قطعهم الحق حتى لا يبقى لهم وطن، ويعيشون في ذلة؛ لأنهم مختلفون غير متفقين مع بعضهم منذ البداية، كانوا كذلك منذ أن كانوا أسباطاً وأولاد إخوة على خلاف دائم. وهنا يقول الحق: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً}. ومعنى {وَقَطَّعْنَاهُمْ } أي أن كل قطعة يكون لها تماسك ذاتي في نفسها، وأيضاً لا تشيع في المكان الذي تحيا فيه، ولذلك قلنا: إنهم لا يذوبون في المجتمعات أبداً،- كما قلنا - فعندما تذهب إلى أسبانيا مثلاً تجد لهم حيًّا خاصًّا، كذلك فرنسا، وألمانيا، وكل مكان يكون لهم فيه تجمع خاص بهم، لا يدخل فيه أحد، ولا يأخذون أخلاقاً من أحد، وشاء الحق بعد ذلك أن قال لهم: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ...} تفسير : [المائدة: 21] فبعد أن مَنَّ عليهم بأرض يقيمون فيها، قالوا: {أية : ...إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] فحرم الله عليهم أن يستوطنوا وطنا واحداً يتجمعون فيه، ونشرهم في الكون كله لأنهم لو كانوا متجمعين لعم فسادهم فقط في دائرتهم التي يعيشون فيها. ويريد الله أن يعلن للدنيا كلها أن فسادهم فساد عام. ولذلك فهم إن اجتمعوا في مكان فلابد أن تتآلب عليهم القوى وتخرجهم مطرودين أو تعذبهم، وأظن حوادث هتلر الأخيرة ليست بعيدة عن الذاكرة، وقد أوضحنا ذلك من قبل في شرح قوله الحق: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ...} تفسير : [الإِسراء: 104] لقد قلنا: إن السكن في الأرض هو أن يتبعثروا فيها؛ لأنه - سبحانه - لم يحدد لهم مكانا يقيمون فيه، فإذا جاء وعد الآخرة ينتقم الله منهم بضربة واحدة، ويأتي الحق بهم لفيفاً تمهيداً للضربة القاصمة: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ}. وهناك فريق منهم جاء إلى المدينة المنورة ووسعتهم المدينة وصاروا أهل العلم وأهل الكتاب، وأهل الثراء وأهل المال، وأهل بنايةٍ للحصون، وحين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد معهم معاهدة. فالذي دخل منهم في الإِيمان استحق معاملة المؤمنين، فلهم ما لهم وعليهم ما عليهم، والحق قد قال: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159] وقلنا إن هذه تسمى صيانة الاحتمال لمن يفكرون في الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ}. و"دون" أي غير، فالمقابل للصالحين هم المفسدون. أو منهم الصالحون في القمة، ومنهم من هم أقل صلاحاً. فهناك أناس يأخذون الأحسن، وأناس يأخذون الحسن فقط. ويتابع الحق سبحانه: {...وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الاعراف: 168] كلمة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} هي التي جعلتنا نفهم أن قول الحق سبحانه وتعالى: أن منهم أناساً صالحين، ومنهم دون ذلك، أي كافرون؛ لأنهم لو كانوا قد صنعوا الحسن والأحسن فقط، لما جاء الحق بـ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. أو هم يرجعون إلى الأحسن. و"بلونا" أي اختبرنا؛ لأن لله في الاختبارات مطلق الحرية، فهو يختبر بالنعمة ليعلم واقعاً منك لأنه - سبحانه - عالم به، من قبل أن تعمل، لكن علمه الأزلي لا يُعتبر شهادة منا. لذلك يضع أمامنا الاختبار لتكون نتيجة عملنا شهادة إقرار منا علينا: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ}. وسبحانه وتعالى يختبر بالنعمة ليرى أتغزنا الأسباب في الدنيا عن المُسبِّب الأعلى الذي وهبها: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] فالواجب أن نشكر النعمة ونؤديها في مظان الخير لها. فإن كان العبد سيؤديها بالشكر فقد نجح، وإن أداها على عكس ذلك فهو يرسب في الاختبار. إذن فهناك الابتلاء بالنعم، وهناك الابتلاء بالنقم. والابتلاء بالنقم ليرى الحق هل يصبر العبد أو لا يصبر، أي ليراه ويعلمه واقعاً حاصلاً، وإلا فقد علمه الله أزلاً. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16] إننا نجد من يقول: {رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ}. ومَن يقول: {رَبِّيۤ أَهَانَنِ} والحق يوضح: أنتما كاذبان. فليست النعمة دليل الإِكرام، ولا سلب النعمة دليل الإِهانة. ولكن الإِكرام ينشأ حين تستقبل النعمة بشكر، وتستقبل النقمة بصبر. إذن مجيء النعمة في ذاتها ليس إلا اختبارا. وكذلك إن قَدَر الله عليك رزقك وضيقه عليك، فهذا ليس للإِهانة ولكنه للاختبار أيضاً. ويوضح الحق جل وعلا: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 17-20] أنتم لا تطعمون في مالكم يتيماً ولا تحضون على طعام مسكين. فكيف يكون المال نعمة؟ إنه نقمة عليكم. وهنا يقول الحق: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. ولله المثل الأعلى، نقول: إن فلاناً أتعبني، لقد قلبته على الجنبين، لا الشدة نفعت فيه، ولا اللين نفع فيه، ولا سخائي عليه نفع فيه، ولا ضنى عليه نفع فيه، وقد اختبر الله بني إسرائيل فلم يعودوا إلى الطاعة مما يدل على أن هذا طبع تأصل فيهم. ويقول الحق بعد ذلك: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} معناهُ فَرّقنَاهُم فِرقاً. تفسير : وقوله تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ} فالحَسَناتُ: الخِصْبُ. والسَّيِّئاتُ: الجَدبُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):