٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
167
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة، قال سيبويه: أذن أعلم. وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الأعراف: 44] وقوله: {تَأَذَّنَ } بمعنى أذن أي أعلم. ولفظة تفعل، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئاً ليس فيه، بل معناه فعل فقوله: {تَأَذَّنَ } بمعنى أذن كما في قوله: {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }تفسير : [يونس: 18] معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } ففيه بحثان: البحث الأول: أن اللام في قوله: {لَيَبْعَثَنَّ } جواب القسم لأن قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ } جار مجرى القسم في كونه جازماً بذلك الخبر. البحث الثاني: الضمير في قوله: {عَلَيْهِمْ } يقتضي أن يكون راجعاً إلى قوله: {أية : فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ }تفسير : [الأعراف: 166] لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف. ثم اختلفوا فقال بعضهم: المراد نسلهم والذين بقوا منهم. وقال آخرون: بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية، وقال الأكثرون: هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته، وهذا أقرب. لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا. البحث الثالث: لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم. أما قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا، وعند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم: هو أخذ الجزية. وقيل: الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } وقيل: القتل والقتال. وقيل: الإخراج والإبعاد من الوطن، وهذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر وبني قريظة والنضير، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز، وأن الذل يلزمهم، والصغار لا يفارقهم. ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة. ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا أخباراً صدقاً عن الغيب، فكان معجزاً، والخبر المروي في أن أتباع الرجال هم اليهود إن صح، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهوداً ثم دانوا بإلهيته، فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة والقهر، وذلك خلاف هذه الآية. واحتج بعض العلماء على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 112] إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال. أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جداً. واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم، فقال بعضهم: الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم. وهذا القائل حمل قوله: {لَيَبْعَثَنَّ } على نحو قوله: {أية : أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [مريم: 83] فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية، وترك المنع، فكذلك البعثة، وهذا القائل. قال: المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب من الكفر واليهودية، ودخل في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم.
القرطبي
تفسير : أي أعلم أسلافهم أنهم إن غيّروا ولم يؤمنوا بالنبيّ الأُميّ بعث الله عليهم من يعذّبهم. وقال أبو عليّ: «آذن» بالمد، أعلم. و «أذّن» بالتشديد، نادى. وقال قوم: آذن وأذّن بمعنى أعلم؛ كما يقال: أيقن وتيقّن. قال زهير:شعر : فقلتُ تَعَلَّمْ إن للصيد غرّةً فإلاّ تُضَيّعها فإنك قاتِلُهْ تفسير : وقال آخر:شعر : تعلّم إن شر الناس حيّ يُنَادَى في شعارهم يَسار تفسير : أي ٱعلم. ومعنى {يَسُومُهُمْ} يذيقهم؛ وقد تقدّم في «البقرة». قيل: المراد بُخْتَنصّر. وقيل: العرب. وقيل: أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وهو أظهر؛ فإنهم الباقون إلى يوم القيامة. والله أعلم. قال ابن عباس: «سُوءَ الْعَذَابِ» هنا أخذ الجِزْية. فإن قيل: فقد مُسِخوا، فكيف تؤخذ منهم الجزية؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم، وهم أذلّ قوم، وهم اليهود. وعن سعيد بن جبير «سُوءَ الْعَذَابِ» قال: الخَراج، ولم يَجْب نبيّ قطّ الخَراج، إلا موسى عليه السلام هو أوّل من وضع الخراج، فجباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك، ونبينا عليه السلام.
ابن كثير
تفسير : {تَأَذَّنَ} تفعل من الأذان، أي: أعلم، قاله مجاهد، وقال غيره: أمر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا أتبعت باللام في قوله: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} أي: على اليهود {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى عليه السلام ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية. قال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم، وقال علي بن أبي طلحة عنه: هي الجزية، والذي يسومهم سوء العذاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلموأمته إلى يوم القيامة، وكذا قال سعيد بن جبير وابن جريج والسدي وقتادة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية، قلت: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصاراً للدجال، فيقتلهم المسلمون مع عيسى بن مريم عليه السلام، وذلك آخر الزمان. وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} أي: لمن عصاه وخالف شرعه {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لمن تاب إليه وأناب، وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة؛ لئلا يحصل اليأس، فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيراً؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ } أعلم {رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } أي اليهود {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ ٱلْعَذَابِ } بالذل وأخذ الجزية فبعث عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية فكانوا يؤدّونها إلى المجوس إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } لمن عصاه {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ } لأهل طاعته {رَّحِيمٌ } بهم.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } معطوف على ما قبله، أي واسألهم وقت تأذن ربك، وتأذن تفعل من الأيذان، وهو الإعلام. قال أبو علي الفارسي: آذن بالمد أعلم، وأذّن بالتشديد نادى. وقال قوم: كلاهما بمعنى أعلم، كما يقال أيقن وتيقن، والمعنى في الآية: واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ربك {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } قيل: وفي هذا الفعل معنى القسم كعلم الله، وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، حيث قال: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } أي: ليرسلنّ عليهم، ويسلطن، كقوله: {أية : بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } تفسير : [الإسراء: 5] {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } غاية لسومهم سوء العذاب ممن يبعثه الله عليهم، وقد كانوا أقمأهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل، وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية، في كل قطر من أقطار الأرض، في الذلة المضروبة عليهم والعذاب والصغار، يسلمون الجزية بحقن دمائهم، ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار. ومعنى {يَسُومُهُمْ }: يذيقهم. وقد تقدّم بيان أصل معناه، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير الغفران والرحمة. {وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلأرْضِ } أي: فرّقناهم في جوانبها، أو شتتنا أمرهم، فلم تجتمع لهم كلمة، و {أُمَمًا } منتصب على الحال، أو مفعول ثان لقطعنا، على تضمينه معنى صيرنا، وجملة {مّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ } بدل من {أمماً}، قيل: هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدّل. وقيل: هم الذين سكنوا وراء الصين كما تقدّم بيانه قبل هذا {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ } أي: دون هذا الوصف الذي اتصفت به الطائفة الأولى وهو الصلاح، ومحل {دُونِ ذَلِكَ } الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ومنهم أناس دون ذلك، والمراد بهؤلاء هم من لم يؤمن، بل انهمك في المخالفة لما أمره الله به. قال النحاس {دُونِ } منصوب على الظرف، ولا نعلم أحداً رفعه {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } أي: امتحناهم بالخير والشرّ رجاء أن يرجعوا مما هم من الكفر والمعاصي. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } المراد بهم: أولاد الذين قطعهم الله في الأرض. قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجمع سواء. والخلف بفتح اللام البدل ولداً كان أو غيره. وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح الصالح، وبالسكون الطالح. قال لبيد:شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : ومنه قيل للرديء من الكلام خلف بالسكون، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، ومنه قول حسان ابن ثابت:شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأوّلنا في طاعة الله تابع تفسير : {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أي: التوراة من أسلافهم يقرءونها ولا يعملون بها {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } أخبر الله عنهم بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدّة حرصهم وقوّة نهمتهم، والأدنى: مأخوذ من الدنوّ، وهو القرب، أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى، وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشاء، وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة، وكتمهم لما يكتمونه منها. وقيل: إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط، أي إنهم يأخذون عرض الشيء الدنيء الساقط. {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } أي: يعللون أنفسهم بالمغفرة، مع تماديهم في الضلالة، وعدم رجوعهم إلى الحق. وجملة {يَأْخُذُونَ } يحتمل أن تكون مستأنفة لبيان حالهم، أو في محل نصب على الحال. وجملة {يَقُولُونَ } معطوفة عليها، والمراد بهذا الكلام: التقريع والتوبيخ لهم، وجملة {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } في محل نصب على الحال، أي يتعللون بالمغفرة، والحال أنهم إذا أتاهم عرض مثل العرض الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة، ولا خائفين من التبعة. وقيل: الضمير في {يَأْتِهِمْ } ليهود المدينة، أي وإن يأت هؤلاء اليهود الذين هم في عصر محمد صلى الله عليه وسلم عرض مثل العرض الذي كان يأخذه أسلافهم، أخذوه كما أخذه أسلافهم. {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي: التوراة {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ الْحَقّ } والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وجملة {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } معطوفة على {يُؤْخَذْ } على المعنى، وقيل: على {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }، والأولى: أن تكون في محل نصب على الحال بتقدير قد. والمعنى: أنهم تركوا العمل بالميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب، والحال أن قد درسوا ما في الكتاب وعلموه، فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل، وذلك أشدّ ذنباً وأعظم جرماً. وقيل: معنى {َدَرَسُوا مَا فِيهِ } أي: محوه بترك العمل به والفهم له، من قولهم درست الريح الآثار: إذا محتها. {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ } من ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الله، ويجتنبون معاصيه {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتعلمون بهذا وتفهمونه، وفي هذا من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره. قوله: {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } قرأ الجمهور {يمسكون} بالتشديد من مسك وتمسك، أي استمسك بالكتاب، وهو التوراة. وقرأ أبو العالية، وعاصم، في رواية أبي بكر، بالتخفيف من أمسك يمسك. وروي عن أبيّ بن كعب أنه قرأ «مسكوا» والمعنى: أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب، ولا يعملون بما فيه، مع كونهم قد درسوه وعرفوه، وهم من تقدّم ذكره. وطائفة يتمسكون بالكتاب، أي التوراة ويعملون بما فيه، ويرجعون إليه في أمر دينهم، فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند الله، والموصول مبتدأ. و {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ } خبره، أي لا نضيع أجر المصلحين منهم، وإنما وقع التنصيص على الصلاة مع كونها داخلة في سائر العبادات التي يفعلها المتمسكون بالتوراة، لأنها رأس العبادات وأعظمها، فكان ذلك وجهاً لتخصيصها بالذكر. وقيل لأنها تقام في أوقات مخصوصة، والتمسك بالكتاب مستمرّ، فذكرت لهذا وفيه نظر. فإن كل عبادة في الغالب تختصّ بوقت معين، ويجوز أن يكون الموصول معطوفاً على الموصول الذي قبله، وهو {للذين يتقون}، وتكون {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } جملة معترضة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {يَسُومُهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } قال محمد وأمته إلى يوم القيامة وسوء العذاب: الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال {سُوء ٱلْعَذَابِ } الخراج. وفي قوله: {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ } قال: هم اليهود بسطهم الله في الأرض، فليس منها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في قوله: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } قال: على اليهود والنصارى {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يأخذون منهم الجزية، وهم صاغرون {وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلأرْضِ أُمَمًا } قال: يهود {مّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ } وهم مسلمة أهل الكتاب {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ } قال: اليهود {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ } قال: الرخاء والعافية {وَٱلسَّيّئَاتِ } قال: البلاء والعقوبة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } بالخصب والجدب. وأخرج أبو الشيخ، عنه، أنه سئل عن هذه الآية {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأدْنَىٰ } قال: أقوام يقبلون على الدنيا، فيأكلونها، ويتبعون رخص القرآن {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } قال: النصارى {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأدْنَىٰ } قال: ما أشرف لهم من شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه، ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا الغد مثله يأخذوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } الآية يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا }. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي زيد، في قوله: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } قال: علموا ما في الكتاب، لم يأتوه بجهالة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } قال: هي لأهل الإيمان منهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } قال: من اليهود والنصارى.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} فيه قولان: أحدهما: أنه تفعُّل من الإذن ومعناه أعلم، قاله الحسن،ومنه قول الأعشى: شعر : أَذَّنَ الْقَوْمُ جِيرَتِي بِخُلُوفِ صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ تفسير : والثاني: معناه نادى وأقسم، قاله الزجاج. {ليَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} يعني على اليهود. {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} والمبعوثون هم العرب، وسوء العذاب هو الذلة وأخذ الجزية، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة. ويقال إن أول من وضع الخراج وجباه من الأنبياء موسى، فجبى الخراج سبع سنين وقيل ثلاث عشرة ثم أمسك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن المسيب: استحب أن أبعث في الجزية الأنباط. ولا أعلم لاستحبابه ذلك وجهاً إلا أن يكون لأنهم من قوم بختنصر فهم أشد انتقاماً، أو لأنها قد كانت تؤخذ منهم على استيفائها لأجل المقابلة أحرص.
ابن عطية
تفسير : بنية تأذن هي التي تقتضي التكسب من أذن أي علم ومكن وآذن أي أعلم مثل كرم وأكرم وتكرم إلا أن تعلم وما جرى مجرى هذا الفعل إذا كان مسنداً إلى اسم الله عز وجل لم يلحقه معنى التكسب الذي يلحق المحدثين، فإنما يترتب بمعنى علم صفة لا بتكسب بل هي قائمة بالذات وإلى هذا المعنى ينحو الشاعر بقوله: شعر : تعلم أبيت اللعن تفسير : لأنه لم يأمره بالتعلم الذي يقتضي جهالة وإنما أراد أن يوقفه على قوة علمه، ومنه قول زهير: شعر : تعلم إن شر الناس حي ينادي في شعارهم يسار تفسير : فمعنى هذه الآية وإذ علم الله ليبعثن عليهم، ويقتضي قوة الكلام أن ذلك العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء، كما تقول في أمر قد عزمت عليه غاية العزم علم الله لأفعلن كذا، نحا إليه أبو علي الفارسي، وقال الطبري وغيره {تأذن} معناه أعلم وهو قلق من جهة التصريف إذ نسبة {تأذن} إلى الفاعل غير نسبة أعلم، وتبين ذلك من التعدي وغيره، وقال مجاهد: {تأذن} معناه قال، وروي عنه أن معناه أمر، وقالت فرقة: معنى {تأذن} تألى. قال القاضي أبو محمد: وقادهم إلى هذا القول دخول اللام في الجواب، وأما اللفظة فبعيدة عن هذا، والضمير في {عليهم} لمن بقي من بني إسرائيل لا للضمير في "لهم". وقوله: {من يسومهم} قال سعيد بن جبير هي إشارة إلى العذاب، وقال ابن عباس هي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. قال القاضي أبو محمد: والصحيح أنها عامة في كل من حال اليهود معه هذه الحال، و {يسومهم} معناه يكلفهم ويحملهم، و {سوء العذاب} الظاهر منه الجزية والإذلال، وقد حتم الله عليهم هذا وحط ملكهم فليس في الأرض راية ليهودي، وقال ابن المسيب فيستحب أن تتعب اليهود في الجزية، ولقد حدثت أن طائفة من الروم أملقت في صقعها فباعت اليهود المجاورة لهم الساكنة معهم وتملكوهم، ثم حسن في آخر هذه الآية لتضمنها الإيقاع بهم والوعيد أن ينبه على سرعة عقاب الله ويخوف بذلك تخويفاً عاماً لجميع الناس ثم رجى ذلك لطفاً منه تبارك وتعالى. {وقطعناهم} معناه فرقناهم في الأرض، قال الطبري عن جماعة من المفسرين: ما في الأرض بقعة إلا وفيها معشر من اليهود، والظاهر في المشار إليهم في هذه الآية أنهم الذين بعد سليمان وقت زوال ملكهم، والظاهر أنه قبل مدة عيسى عليه السلام لأنه لم يكن فيهم صالح بعد كفرهم بعيسى صلى الله عليه وسلم، وفي التواريخ في هذا الفصل روايات مضطربة، و {الصالحون} و {دون ذلك} ألفاظ محتملة أن يدعها صلاح الإيمان فـ {دون} بمعنى غير يراد بها الكفرة، وإن أريد بالصلاح العبادة والخير وتوابع الإيمان فـ {دون ذلك} يحتمل أن يكون في مؤمنين، و {بلوناهم} معناه امتحناهم، و {الحسنات} الصحة والرخاء ونحو هذا مما هو بحسب رأي ابن آدم ونظره، و {السيئات} مقابلات هذه، وقوله: {لعلهم} أي بحسب رأيكم لو شاهدتم ذلك، والمعنى لعلهم يرجعون إلى الطاعة ويتوبون من المعصية.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَأَذَّنَ} أعلم، أو أقسم، قاله الزجاج. {لَيَبْعَثَنَّ} على اليهود العرب، و {سُوءَ الْعَذَابِ} الصغار والجزية، قيل: أول من وضع الخراج من الأنبياء موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ جباه سبع سنين، أو ثلاث عشرة سنة ثم أمسك.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ ٱلْعَذَابِ} معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام؛ أنَّ ذلك العلْمَ منه سبحانه مقترِنٌ بإنفاذٍ وإمِضاء؛ كما تقول في أمر عَزَمْتَ عليه: عَلِمَ اللَّهُ لأَفْعَلَنَّ. وقال الطبريُّ وغيره: {تَأَذَّنَ} معناهُ: أعْلَمَ، وقال مجاهد: {تَأَذَّنَ} معناه: أَمَرَ وقالت فرقة: معنى {تَأَذَّنَ}: تَأَلَّى، والضمير في {عَلَيْهِمْ}، لبني إِسرائيل، وقوله: {مَن يَسُومُهُمْ} قال ابن عباس: هي إشارةٌ إِلى محمَّد صلى الله عليه وسلم وأُمَّتِهِ، يسومُونَ اليهودَ سُوءَ العذاب. قال * ع *: والصحيح أنَّ هذا حالهم في كل قُطْر، ومَعَ كُلِّ مِلَّة، و{يَسُومُهُمْ}: معناه: يكَلِّفهم ويحمِّلهم، و{سُوءَ ٱلْعَذَابِ}: الظاهر منه: أنه الجِزْيَةُ، والإذلالُ، وقد حتم اللَّه علَيْهم هذا، وحَطَّ مُلْكَهم، فليس في الأرض رايَةٌ ليهوديٍّ، ثم حَسُنَ في آخر الآية التنبيهُ علىٰ سرعة العِقَاب، والتخويفُ لجميعِ الناسِ، ثم رَجَّىٰ سبحانه بقوله: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ لطفاً منه بعباده جلَّ وعَلا، {وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ }، معناه: فرَّقناهم في الأرض. قال الطبريُّ عن جماعة من المفسِّرين: ليس في الأرض بقعةً إِلاَّ وفيها مَعْشَرٌ من اليهودِ، والظاهر في المُشَارَ إِليهم بهذه الآية؛ أنهم الذين بعد سُلَيْمَانَ وَقْتَ زوالِ مُلْكهم، والظاهر أنهم قبل مُدَّة عيسَىٰ عليه السلام؛ لأنهم لم يكُنْ فيهم صالحٌ بعد كُفْرهم بعيسَى صلى الله عليه وسلم و{بَلَوْنَـٰهُمْ}، معناه: ٱمتحنَّاهم {بٱلْحَسَنَاتِ}، أي: بالصِّحَّة والرخاءِ، ونحو هذا ممَّا هو بَحَسَب رأي ابْن آدم ونَظَرِه، و{ٱلسَّيِّئَاتِ}: مقابلات، هذه {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إِلى الطاعة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} الآية. لمَّا شرح قبائح أعمال اليهود ذكر هنا حكمه عليهم بالذل والصَّغارِ إلى يوم القيامة، و "تَأذَّنَ" فيه أوجه، أحدها: أنَّهُ بمعنى: "آذَنَ" أي: أعْلَمَ. قال الواحديُّ: وأكثر أهل اللغة على أنَّ: "التَّأذُّنَ" بمعنى الإيذان، وهو الإعلامُ. قال الفارسي: "آذَنَ" أعْلَمَ، و "أذَّنَ" نادى وصاح للإعلام، ومنه قوله {أية : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الأعراف: 44]. قال: وبعض العرب يُجْرِي "آذَنْتُ" مجرى "تَأذَّنْتُ" فيجعل "آذَانَ وتَأذَّنَ" بمعنى فإذا كان "أذَّنَ" أعلم في لغة بعضهم، فـ "أذَّنَ" تفعَّل من هذا. وقيل: معناه: حَتَّمَ وأوْجبَ وهو معنى قول مجاهد: أمر ربك، وقول عطاء: حكم ربّك. وقال الزمخشري: "تأذَّن" عزم ربك، وهو تفعَّل من الإيذانِ وهو الإعلامُ؛ لأنَّ العازمَ على الأمر يُحدِّثُ به نفسه ويؤذنها بفعله، وأجري مُجْرَى فعل القسم كـ: عَلِمَ الله، وشَهِدَ الله، ولذلك أجيب بما يجابُ به القسم وهو: "لَيَبْعَثَنَّ". وقال الطبريُّ وغيره "تَأذَّنَ" معناه "أعْلَمَ"، وهو قلقٌ من جهة التصريف، إذ نسبةُ "تأذَّنَ" إلى الفاعل غيرُ نسبة "أعْلَمَ"، وبين ذلك فرقٌ من التعدي وغيره. وقال ابن عباس: تأذَّنَ ربُّك قال ربُّكَ. قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} فيه وجهان: أصحهما: أنَّهُ متعلقٌ بـ: لِيَبَعْثَنَّ. والثاني: أنَّهُ متعلقٌ بـ: تَأذَّنَ نقله أبو البقاء، ولا جائزٌ أن يتعلق بـ: يَسُومُهُمْ؛ لأن "مَنْ" إمَّا موصولةٌ، وإمَّا موصوفةٌ، والصلةُ والصفة لا يعملان فيما قبل الموصول والموصوف. فصل الضمير في عليهم يقتضي رجوعه إلى الذين: {عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ}، لكنَّهم قد مسخوا، فلم يستمر عليهم التَّكليف؛ فلذلك اختلفوا: فقيل: المراد نسلهم. وقيل: المراد سائر اليهود، فإنَّ أهل القرية كانوا فرقتين، فالمتعدِّي مسخ، وألْحَقَ الذُّلَّ بالبقيَّةِ. وقال الأكثرون: هُمُ اليهُودَ الذين كانُوا في زمن الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلامُ -؛ لأن المقصودَ من الآية تخويفهم وزجرهم، وهذا العذابُ في الدُّنْيَا، لأنه نص على أنَّ ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة ثمَّ اختلفوا فيه: فقيل: هو أخذ الجزيةِ. وقيل: الاستخفافُ والإهانةُ لقوله تعالى {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ}تفسير : [آل عمران: 112] وقيل: القتل والجلاء الذي وقع بأهل خيبر وبني قريظة والنضير. فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ اليهود لا دولة لهم ولا عزَّ، وأن الذُّلَّ والصغار لا يفارقهم، وقد ورد في الحديث: أن أتباع الدَّجَّالِ هم اليهود فإن صحَّ فمعناه، أنهم كانوا قبل خروجه يهوداً، ثم دانوا بإلهيته؛ فذكروا بالاسم الأول، ولولا ذلك لكانوا في وقت اتباعهم الدَّجَّال قد خرجوا عن الذلةِ والقهرِ، وهو خلاف الآيةِ. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} والمراد التَّحذيرُ من عذابه في الآخرة مع الذِّلةِ في الدُّنيا {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب من الكُفْرِ، واليهوديَّةِ، وآمن باللَّهِ وبرسوله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {وإذ تأذن ربك...} الآية. قال: الذين يسومونهم سوء العذاب محمد وأمته إلى يوم القيامة، وسوء العذاب الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {وإذ تأذن ربك} الآية. قال: هم اليهود، بعث عليهم العرب يجبونهم الخراج فهو سوء العذاب، ولم يكن من نبي جبا الخراج إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة ثم كفَّ عنه ولا النبي صلى الله عليه وسلم. وفي قوله {وقطعناهم...} الآية. قال: هم اليهود بسطهم الله في الأرض، فليس في الأرض بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وإذ تأذن ربك} يقول: قال ربك: ليبعثن عليهم قال: على اليهود والنصارى إلى يوم القيامة {من يسومهم سوء العذاب} فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون {وقطعناهم في الأرض أمماً} قال: يهود {منهم الصالحون} وهم مسلمة أهل الكتاب {ومنهم دون ذلك} قال: اليهود {وبلوناهم بالحسنات} قال: الرخاء والعافية {والسيئات} قال: البلاء والعقوبة. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله {وقطعناهم في الأرض أمماً} ما الأمم؟ قال: الفرق، وقال فيه بشر بن أبي حازم: شعر : من قيس غيلان في ذوائبها منهم وهم بعد قادة الأمم تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} قال: بالخصب والجدب.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} منصوب على المفعولية بمضمر معطوفٍ على قوله تعالى: {واسألهم} وتأذّن بمعنى آذن كما أن توعّد بمعنى أوعد أو بمعنى عزم فإن العازمَ على الأمر يحدث به نفسه، وأُجري مُجرى فعل القسمِ كعلم الله وشهد الله فلذلك أجيب بجوابه حيث قيل: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي واذكر لهم وقت إيجابِه تعالى على نفسه أن يسلِّط على اليهود البتة {مَن يَسُومُهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ} كالإذلال وضربِ الجزية وغير ذلك من فنون العذاب وقد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمانَ عليه السلام بُختَ نَصّر فخرّب ديارهم وقتل مقاتِلتَهم وسبىٰ نساءَهم وذرارِيَهم وضرب الجزية على من بقي منهم وكانوا يؤدّونها إلى المجوس حتى بُعث النبـي عليه الصلاة والسلام ففعل ما فعل ثم ضرب الجزيةَ عليهم فلا تزال مضروبةً إلى آخر الدهر {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} يعاقبهم في الدنيا {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب وآمن منهم. {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ} أي فرقنا بني إسرائيلَ {فِى ٱلأَرْضِ} وجعلنا كل فِرقةٍ منهم في قُطر من أقطارها بحيث لا تخلو ناحيةٌ منها منهم تكملةً لأدبارهم حتى لا تكون لهم شوكةٌ، وقوله تعالى: {أُمَمًا} إما مفعولٌ ثانٍ لقطّعنا أو حال من مفعوله {مّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ} صفةٌ لأمماً أو بدلٌ منه وهم الذين آمنوا بالمدينة ومن يسير بسيرتهم {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} أي ناسٌ دون ذلك الوصفِ أي منحطّون عن الصلاح وهم كَفرتُهم وفَسَقتُهم {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ} بالنعم والنقم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عما كانوا فيه من الكفر والمعاصي.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} [الآية: 167]. قال بعضهم: ما كان فى القرآن آية أشد من قوله: {لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} فإنها عقوبة الحجاب بالحجاب عنه.
القشيري
تفسير : إذا الحقُّ - سبحانه - أمضى سُنَتَه بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كلُّ أحد على ما يحصل منه من الآثار إبداءً للعذر - وإنْ جلت رتبته عن كل عذر - فإِنْ يَنْجَعْ فيهم القولُ وإلا دَمَّرَ عليهم بالعذاب.
البقلي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تتابع الاستتار والتجلى فى اقل لمحة احدهما يتابع الاخر لبدا قهر القديم ولطف القديم وخفائهما من معدن الاصل توجبان القبض والبسط والكشف والحجاب قال بعضهم ما كان فى القرأن من قوله سريع العقاب فانها عقوبة الحجاب عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ تأذن ربك} بمعنى آذن مثل توعد بمعنى اوعد. والايذان الاعلام وبمعنى عزم لان من عزم على الامر وصمم نيته عليه يحدث به نفسه ويؤذنها بفعله وعزم الله تعالى على الامر عبارة عن تقرر ذلك الامر فى علمه وتعلق ارادته بوقوعه فى الوقت المقدر له. والمعنى واذكر يا محمد لليهود وقت ايجابه تعالى على نفسه {ليبعثن} البتة {عليهم الى يوم القيمة} متعلق بقوله ليبعثن واللام فيه لام جواب القسم لان قوله {واذ تأذن ربك} جار مجرى القسم كعلم الله وشهد الله من حيث دلالته على تأكد الخبر المؤذن به {من يسومهم} السوم [رنج بخشانيدن] كذا فى تاج المصادر فالمعنى [كسى كه بخشاند ايشانرا] {سوء العذاب} [عذابى سخت] كالاذلال وضرب الجزية وغير ذلك من فنون العذاب. وقد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه السلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقى منهم وكانوا يؤدونها الى المجوس حتى بعث الله محمدا صلى اله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية فلا تزال مضروبة الى آخر الدهر. قال الحدادى وفى هذه الآية دلالة على ان اليهود لا ترفع لهم راية عز الى يوم القيامة {ان ربك لسريع العقاب} يعاقبهم فى الدنيا {وانه لغفور رحيم} لمن تاب وآمن منهم. وفى الآية اشارة الى ان الشيطان وهو المنظر الى يوم القيامة يبعث ليسوم الخلق سوء العذاب وهو الابعاد من القربة والاغراء فى الضلالة والاقعاد عن العبودية والاضلال عن الصراط المستقيم ان ربك لسريع العقاب يعاقبهم فى الدنيا ويملى لهم ليزدادو اثما هذا عقوبة فى الدنيا وهى تورث العقوبة فى الآخرة وانه لغفور يغفر ذنوب من يرجع اليه ويتوب اى الارواح والقلوب لو رجعت عن متابعة النفس وهواها وتابت الى الله واستغفرت لغفر لها لانه رحيم يرحم من تاب اليه وفيه معنى آخر انه لسريع العقاب اى يعاقب المؤمنين فى الدنيا بانواع البلاء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات ويوفقهم الى الصبر على ذلك ليجعله كفارة لذنوبهم حتى اذا خرجوا من الدنيا خرجوا انقياء لا يعذبون فى الآخرة وانه لغفور رحيم لهم فى الآخرة. لقى يحيى عيسى عليهما السلام فتبسم عيسى فى وجه يحى فقال مالى اراك لاهي كأنك آمن فقال الآخر مالى اراك عابسا كانك آيس فقال لا نبرح حتى ينزل علينا الوحى فاوحى الله تعالى احبكما الى احسنكما ظنا بى: قال السعدى شعر : نه يوسف كه جندان بلا ديد وبند جوحكمش روان كشت وقدرش بلند كنه عفو كرد آل يعقوب را كه معنى بود صورت خوب را بكردار بدشان مقيد نكرد بضاعات مزجات شان رد نكرد ز لطفت همى جشم داريم نيز برين بى بضاعت بيخش اى عزيز تفسير : فينبغى للعاقل ان يحسن الظن بربه ولا يتكاسل فى باب العبادة فان السفينة لا تجرى على اليبس. وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال دخلت جبانة البصرة فاذا انا بسعدون المجنون فقلت كيف حالك وكيف انت قال يا مالك كيف يكون حال من امسى واصبح يريد سفرا بعيدا بلا اهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل حاكم بين العباد ثم بكى بكاء شديدا فقلت ما يبكبك قال والله ما بكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلى لكن بكيت ليوم مضى من عمرى لا يحسن فيه عمل ابكانى والله قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكؤود ولا ادرى بعد ذلك اصير الى الجنة ام الى النار فسمعت منه كلام حكمة فقلت ان الناس يزعمون انك مجنون فقال وانت اغتررت بما اغتر به بنوا اسرائيل زعم الناس انى مجنون وما بى جنة ولكن حب مولاى قد خالط قلبى واحشائى وجرى بين لحمى ودمى وعظامى فانا والله من حبه هائم مشغوف فقلت يا سعدون فلم تجالس الناس وتخالطهم فانشا يقول شعر : كن من الناس جانبا وارض بالله صاحبا قلب الناس كيف شئـ ت تجدهم عقاربا تفسير : كذا فى روض الرياحين لليافعى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {تأذن}: أعلم، وهي تفعل، وهي من الإيذان بمعنى الإعلام، كتوعّد وأوعد، أو: عزم، لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله، وأجرى مجرى القسم كعَلِم الله وشهد الله، ولذلك أجيب باللام القسمية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكروا {إذ تأَذَّن ربُّك} أي: أعلم وأظهر ذلك في عالم الشهادة، {ليبعثنَّ} على بني إسرائيل، أي: ليسلطن {عليهم إلى يوم القيامة مَن يسومُهم سُوءَ العذابِ}؛ كالإذلال وضرب الجزية، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بُختنصر، فخرب ديارهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، حتى بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ففعل بهم ما فعل، في بني قريظة والنضير وخبير، ثم ضرب الله عليهم الجزية إلى آخر الدهر، {إن ربك لسريع العقاب} فعاقبهم في الدنيا، {وإنه لغفور رحيم} لمن تاب وآمن، وإنما أكد هنا الخبر باللام دون ما في آخر الأنعام، لأن ما هنا في اليهود، وما في آخر الأنعام في المؤمنين، فأكد ما هنا باللام، فقال: {لسريع العقاب}؛ زيادة في توبيخهم ونكالهم. الإشارة: مواطن الذل والهوان هو الانهماك في المخالفة والعدوان، وقد ينسحب ذلك في الذرية إلى آخر الزمان، فإن الله تعالى يقول: أنا الملك الودود، أعاقب الأحفاد بمعاصي الجدود، ومواطن العز والحرمة والأمان: هو الطاعة والتعظيم والإحسان، ينسحب ذلك على الأحفاد، إلى منتهى الزمان، فإن الله تعالى يحفظ الأولاد ببركة الأجداد. وقد تذاكر بعض التابعين ما يكون في آخر الزمان من الفتن والفساد، فقال بعضهم: يا ليتني كنت عقيمًا أو لم أتزوج، فقال له من هو أكبر منه: ألا أدلك على ما يحفظ الله عقبك؟ قال: نعم، دلني، قال: قوله تعالى: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً... }تفسير : [النِّساء:9] الآية. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى في شأن اليَهود: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً}.
الطوسي
تفسير : التقدير اذكر يا محمد {إن تأذن ربك} ومعنى تأذن: أعلم، والعرب تقول تعلم ان هذا كذا بمعنى إعلم، قال زهير: شعر : تعلم أن شرّ الناس حي ينادي في شعارهم يسار تفسير : ويسار اسم عبد. وقال زهير ايضاً: شعر : فقلت تعلم ان للصيد غرة والا تضيعه فانك قاتله تفسير : وقال الزجاج معنى {تأذن} تألا ربك ليبعثن. وقال قوم: معناه امر من اذن يأذن. وقوله: {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} قسم من الله تعالى انه يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب اي من يوليهم سوء العذاب. قال ابو جعفر عليه السلام وابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن: اراد به امة محمد صلى الله عليه وآله يأخذون منهم الجزية. فان قيل فقد جعلوا قردة كيف يبقون ال يوم القيامة؟ قلنا: إن الذكر لليهود فمنهم من مسخ فجعل منهم القردة والخنازير ومن بقى قمع بذل من الله، فهم اذلاء بالقتل او اذلاء باعطاء الجزية، فهم في كل مكان اذل اهله لقوله تعالى {أية : ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} تفسير : اى إلا ان يعطوا الذمة والعهد. وفي الآية دليل على ان اليهود لا يكون لهم دولة إلى يوم القيامة ولا عز لهم ايضاً وقيل في معنى البعث ها هنا قولان: احدهما - الأمر والاطلاق. والاخر - التخلية، وإن وقع على وجه المعصية، كما قال تعالى: {أية : أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً}. تفسير : وقوله تعالى: {إن ربك لسريع العقاب} معناه إن ربك يا محمد لسريع العقاب لمن يستوجبه على كفره ومعصيته {وإنه لغفور رحيم} اي صفوح عن ذنوب من تاب إليه من معاصيه ورجع إلى طاعته يستر عليهم بعفوه وبفضله رحمة بهم فلا ينبغي لأحد ان يصرّ ويأمن عقابه بل ينبغي ان يجوز سرعة عقابه فيبادر إلى التوبة والاستغفار.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} عطف على اذ يعدون او على اذ تأتيهم او على اذ قالت امّة او عطف على اسئلهم بتقدير اذكر او ذكّر وتأذن واذّن من باب التّفعيل واذنه من الثّلاثىّ المجرّد واذن به بمعنى اعلم وكثر استعمال اذن مخفّف العين بمعنى علم واباح ورخّص وجاء تأذّن بمعنى اقسم {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} على العادين يوم السّبت او على اليهود مطلقاً بفعل العادين {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ} يكلّفهم {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} بالقتل والاذلال بالجزية والاجلاء كما فعل بخت نصّر ومن بعده ومحمّد (ص) {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} فلا ينبغى الاغترار بحلمه {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن ارعوى عن غيّه وتاب اليه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} قال مجاهد: وإذ قال ربك. وقال الحسن: أعلم ربك {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ} أي يذيقهم سوء العذاب، أي شدته. وقال بعضهم: بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة يعني بالجزية والذل، يعني أهل الكتاب. {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ} قال الحسن: إذا أراد الله أن يعذِّب قوماً كان عذابه إياهم أسرَع من الطرف. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيْمٌ} أي لمن تاب وآمن وعمل صالحاً. قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ} [أي فرّقناهم] {أُمَماً} مختلفين. قال الحسن: بني إسرائيل. وقال مجاهد: يعني اليهود. {مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ} يعني المؤمنين {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} يعني المنافقين، ومنهم مشركون. {وَبَلَوْنَاهُم} أي ابتليناهم، أي اختبرناهم {بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} أي بالشدة والرخاء. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لكي يرجعوا إلى الإيمان.
اطفيش
تفسير : {وإذْ} واذكر يا محمد إذ {تأذَّنَ ربُّكَ} ويجوز العطف على إذ، ومعنى تأذَّن علم وهو تفعَّل بمعنى فعل، فكأنه قيل أذن أو معناه أعلم الملائكة أو غيرهم، فكأنه قيل آذن بلد كأوعد وتوعد بمعنى، أو معناه عزم، والعازم على الشئ يؤذن نفسه بفعله، وقال مجاهد: معناه قال، وعنه معناه أمر، وقالت فرقة: معناه أقسم، وعليه فقوله: {ليبعَثنَّ} جواب له، وعلى الأوجه قبله فهو جواب لقسم محذوف، أو لذلك الفعل، لأن علم الله وإعلامه وعزمه، وقوله وأمره متأكدة، وقد نص غير واحد من النحاة أن أفعال التحقيق كعلم وعزم وحتم وكتب على نفسه تجاب كالقسم، لأنها فى التأكيد مثله، لكن وصف الله بالعزم مجاز عبر باللازم وهو الإيذان عن الملزوم وهو العزم، ومعنى عزنه قضاه وحتمه، ولا يخفى بعد كون تأذن بمعنى أقسم عن اللغة إلا إن قيل: إنه مجاز. {عَليْهِم} أى على اليهود مطلقا {إلى يومِ القيَامَةِ} متعلق بيبعثن أى يسلطن، ولذلك عدى بعلى، ويحتمل أن يكون تعدية بإلى لكون المراد به الاستمرار التجددى {مَنْ يَسومُهم سُوء العَذابِ} وقد سامهم بخت نصر وسنحاريب وملوك الروم سوء العذاب، وكذا غيرهم، وما زالوا يعطون الجزية للمجوس حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم واستمرت، ولا يزالون فى ذل، فسوء العذاب يشمل الذل والجزية، وكل إهانة وسبى وغنيمة، ومذ فعل بهم ذلك بخت نصر. قال ابن المسيب: يستحب أن يتعب اليهود فى الجزية، ولقد حدثت أن طائفة من الروم افتقرت فباعت اليهود الساكتة معهم، وأما العزة التى تصيبهم عند الدجال فتدريج إلى إهانة لم تتقدم لهم، وذلك يعتزون عنده فيجتمعون عنده، فيقتل الدجال ويقتلون عن آخرهم، وزعم بعضهم: أن المراد بهؤلاء الذين يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب من فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده من اليهود، يسامون بالذل والهوان والجزية، ونسب هذا لابن عباس، والصحيح أن المراد اليهود مطلقا فى أى زمان، ولو كانوا مؤمنين، لكن من آمن لا يصيبه إلا هذا العذاب الدنيوى، إلا من آمن فى عصر نبينا أو بعده، فلا ذل عليه ولا إهانة ولا جزية، وقيل: المراد من لم ينه. {إنَّ ربَّكَ لسَريعُ العِقابِ} وقد عاجل عقابهم فى الدنيا، ويوصل به عقابهم فى الآخرة {وإنَّه لغفورٌ رَحيمٌ} لمن تاب منهم فلا عقاب عليه فى الآخرة، ولو أصابهم فى الدنيا.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} عطف عامله على اسأَلهم، أَو واذكر إِذ تأَذن، والمعنى: أَعلم ربك أَسلاف اليهود على أَلسنة أَنبيائهم لئن غيروا، أَو لم يؤمنوا بأَنبيائهم، وقيل: بالنبى الأُمى {لَيَبْعَثَنَّ} ليسلطن جواب القسم المقدر المعلق لتأَذن، أَو جواب لتأَذن على أَنه بمعنى حقق أَو حتم أَو عزم، والمريد لفعل شئ يؤذن نفسه به، وأَفعال العزم تجاب كالقسم كعلم ربك وشهد وفسره ابن عباس فقال: هو تفعل بفتحات من الإِذن {عَلَيْهِمْ} على اليهود قبل النبى صلى الله عليه وسلم، وبعد بعثه، وعن ابن عباس: على اليهود الذين فى عصره صلى الله عليه وسلم المرادين فى قوله تعالى "أية : واسأَلهم عن القرية"تفسير : [الأَعراف: 163]، ويجوز عوده على اليهود قبله صلى الله عليه وسلم لعصيانهم فيكون ذلك زجرا لليهود على عهده وبعده، ولا يعود إِلى من عتوا وصادوا لأَنهم مسخوا وهلكوا، ولا ذرية لهم {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} متعلق بيبعثن ويضعف تعليقه بتأَذن {مَنْ يَسُومُهُمْ} يعاملهم {سُوءَ الْعَذَابِ} أَفظعه بالإِذلال وأَخذ الجزية، فبعث عليهم سليمان عليه السلام أَذل عصاتهم وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم، وضرب عليهم الجزية، فكانوا يؤدونها إِلى المجوس إِلى أَن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم. فضربها عليهم، وقتل منهم وسلط عليهم العرب، وقيل: لم يسلط عليهم سليمان بل بختنصر بعده، وبختنصر مفتوح مركب معرب على الراءِ، ويجوز إِعرابه بالإِضافة لأَن بخت عطية، ونصر صنم وجد مطروحا عنده إِذ ولد فأضيف إِليه، ولا تزول عنهم الجزية إِلى نزول عيسى فيقتلهم قتلا، ولا يقبل عنهم الجزية، وإِن صح أَنهم أَتباع الدجال إِذا خرج زال عنهم الذل ولا إِشكال لأَن خروجه كقيام الساعة، أَو إِذا خرج تركوا اليهودية ودانوا بإِلاهيته {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ} على العاصى المصر، كناية عن أَنه لا يرد إِذا جاءَ، ولا يربص، وهو حليم قبل مجيئه، أَو سرعته مجيئه فى الدنيا {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ} للتائبين {رَحِيمٌ} بهم.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} منصوب بمضمر معطوف على قوله سبحانه: {أية : وَسْئَلْهُمْ} تفسير : [الأعراف: 163] وتأذن تفعل من الإذن وهو بمعنى آذن أي أعلم والتفعل يجيء بمعنى الإفعال كالتوعد والإيعاد، وإلى هذا يؤول ما روي عن ابن عباس من أن المعنى قال ربك، وفسره بعضهم بعزم وهو كناية عنه أو مجاز لأن العازم على الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك ثم يجزم فهو يطلب من النفس الإذن فيه، وفي «الكشف» لو جعل بمعنى الاستئذان دون الإيذان كأنه يطلب الإذن من نفسه لكان وجهاً، وحيث جعل بمعنى عزم وكان العازم جازماً فسر عزم بجزم وقضى فأفاد التأكيد فلذا أجري مجرى القسم، وأجيب بما يجاب به وهو هنا {لَيَبْعَثَنَّ} وجاء عزمت عليك لتفعلن، ولا يرد على هذا أنه مقتضي لجواز نسبة العزم إليه تعالى وقد صرح بمنع ذلك لأن المنع مدفوع فقد ورد عزمة من عزمات الله تعالى {عَلَيْهِمْ} أي اليهود لا المعتدين الذين مسخوا قردة إذ لم يبقوا كما علمت، ويحتمل عود الضمير عليهم بناء على ما روي عن الحسن. والمراد حينئذ هم وأخلافهم، وعوده إلى اليهود والنصارى ليس بشيء وإن روي عن مجاهد، والجار متعلق بيبعثن على معنى يسلط عليهم البتة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي إلى انتهاء الدنيا وهو متعلق بيبعث، وقيل: بتأذن وليس / بالوجه ولا يصح كما لا يخفى تعلقه بالصلة في قوله سبحانه: {مَن يَسُومُهُمْ} يذيقهم ويوليهم {سُوء ٱلْعَذَابِ} كالإذلال وضرب الجزية وعدم وجود منعة لهم وجعلهم تحت الأيدي وغير ذلك من فنون العذاب، وقد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه الصلاة والسلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبـي صلى الله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر ولا ينافي ذلك رفعها عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام لأن ذلك الوقت ملحق بالآخرة لقربه منها أو لأن معنى رفعه عليه السلام إياها عنهم أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف فالقوم حينئذ إما مسلمون أو طعمة لسيوفهم فلا إشكال، وما يحصل لهم زمن الدجال مع كونه ذلاً في نفسه غمامة صيف على أنهم ليسوا يهود حين التبعية {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} لما شاء سبحانه أن يعاقبه في الدنيا ومنهم هؤلاء، وقيل: في الآخرة، وقيل: فيهما {وَإِنَّهُ لَغَفُورُ رحيمٌ} لمن تاب وآمن.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : واسألهم}تفسير : [الأعراف: 163] بتقدير اذكر، وضمير {عليهم} عائد إلى اليهود المتقدم ذكرهم بالضمير الراجع إليهم بدلالة المقام في قوله تعالى: {أية : واسألهم}تفسير : [الأعراف: 163] كما تقدم بيان ذلك كله مسستوفى عند قوله: {أية : واسألهم عن القرية}تفسير : [الأعراف: 163] فالمتحدث عنهم بهذه الآية لا علاقة لهم بأهل القرية الذين عَدَوْا في السبت. و{تأذَّنَ} على اختلاف إطلاقاته، ومما فيه هنا مشتق من الإذن وهو العلم، يقال: أذِنَ أي علم، وأصله العلم بالخبر، لأن مادة هذا الفعل وتصاريفه جائية من الأُذْن، اسم الجارحة التي هي آلة السمع، فهذه التصاريف مشتقة من الجامد نحو استحجر الطين أي صار حجراً، واستنسر البُغاث أي صار نَسراً، فتأذن: بزنة تَفعَل الدالة على مطاوعة فَعل، والمطاوعة مستعملة في معنى قوة حصول الفعل، فقيل: هو هنا بمعنى أفْعلَ كما يقال: تَوعد بمعنى أوْعد فمعنى {تأذن ربك} أعلم وأخبر ليبعثن، فيكون فعل أعلم معلقاً عن العمل بلام القسم، وإلى هذا مَال الطبري، قال ابن عطية: وهذا قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم، ويتبين ذلك من التعدي وغيره، وعن مجاهد: {تأذن} تألّىٰ قال في «الكشاف» معناه عزم ربّك، لأن العازم على الأمر يُحدث نفسه به أراد أن إشرابه معنى القسم ناشىء عن مجاز فأطلق التأذن على العزم، لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه، فهو يؤذنها بفعله فتعزمُ نفسه، ثم أجرى مجرى فعل القسم مثل عَلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم. قال ابن عطية: «وقادهم إلى هذا القول دخول اللام في الجواب، وأما اللفظة فبعيدة عن هذا» وعن ابن عباس {تأذن ربك} قال ربك يعني أن الله أعلن ذلك على لسان رسله. وحاصل المعنى: أن الله أعلمهم بذلك وتوعدهم به، وهذا كقوله تعالى: {أية : وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} تفسير : في سورة إبراهيم (7). ومعنى البعث الإرسال وهو هنا مجاز في التقييض والإلهام، وهو يؤذن بأن ذلك في أوقات مختلفة وليس ذلك مستمراً يوماً فيوماً، ولذلك اختبر فعل {ليبعثن} دُون نحو ليلزمنهم، وضمن معنى التسليط فعدي بعلى كقوله: {أية : بعثنا عليكم عباداً لنا}تفسير : [الإسراء: 5] وقوله: {أية : فأرسلنا عليهم الطوفان}تفسير : [الأعراف: 133]. و{إلى يوم القيامة} غاية لما في القسم من معنى الاستقبال، وهي غاية مقصود منها جعل أزمنة المستقبل كله ظرفاً للبعث، لإخراج ما بعد الغاية. وهذا الاستغراق لأزمنة البعث أي أن الله يسلط عليهم ذلك في خلال المستقبل كله، والبعث مطلق لا عام. و{يسومهم} يفرض عليهم، وحقيقة السوم أنه تقدير العوض الذي يستْبدل به الشيءُ، واستعمل مجازاً في المعاملة اللازمة بتشبيهها بالسوم المقَدر للشيء، وقد تقدم في سورة البقرة (49) {أية : وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} تفسير : وتقدم في هذه السورة نظيره، فالمعنى يجعل سوء العذاب كالقيمة لهم فهو حظهم. وسوء العذاب أشده، لأن العذاب كله سوء فسوءهُ الأشد فيه. والآية تشير إلى وعيد الله إياهم بأن يسلط عليهم عدوهم كلما نقضوا ميثاق الله تعالى، وقد تكرر هذا الوعيد من عهد موسى عليه السلام إلى هلُم جرّا، كما في سفر التثنية في الثامن والعشرين ففيه إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس... ويبددُك الله في جميع الشعوب وفي تلك الأمم لا تطمئن وترتعب ليلاً ونهاراً ولا تأمن على حياتك وفي سفر يوشع الإصحاح 23 لتحفظوا وتعملوا كل المكتوب في سفر شريعة موسى ولكن إذا رجعتم ولصفتم ببقية هؤلاء الشعوب اعلموا يقيناً أن الله يجعلهم لكم سَوطاً على جُنوبكم وشوكاً في أعينكم حتى تبيدوا حينما تتعدون عهد الرب إلهكم. وأعظم هذه الوصايا هي العهد باتباع الرسول الذي يُرسل إليهم، كما تقدم، ولذلك كان قوله: ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} معناه ما داموا على إعراضهم وعنادهم وكونهم أتباع ملة اليهودية مع عدم الوفاء بها، فإذا أسلموا وآمنوا بالرسول النبي الأمي فقد خرجوا عن موجب ذلك التأذنُ ودخلوا فيما وعد الله به المسلمين. ولذلك ذيل هذا بقوله: {إن ربك لسريع العقاب} أي لهم، والسرعة تقتضي التحقق، أي أن عقابه واقع وغيرُ متأخر. لأن التأخر تقليل في التحقق إذ التأخر استمرار العدم مدة مّا. وأول من سُلط عليهم «بُخْتنصَّر» ملك (بابل). ثم توالت عليهم المصائب فكان أعظمها خراب (أرشليم) في زمن (إدريانوس) انبراطور (رومة) ولم تزل المصائب تنتابهم ويُنفس عليهم في فترات معروفة في التاريخ. وأما قوله: {وإنه لغفور رحيم} فهو وعد بالإنجاء من ذلك إذا تابوا واتبعوا الإسلام، أي لغفور لمن تاب ورجع إلى الحق، وفيه إيماء إلى أن الله قد ينفس عليهم في فترات من الزمن لأن رحمة الله سبقت غضبه، وقد ألمّ بمعنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفسدُن في الأرض مرتين ولتعلن عُلواً كبيراً فإذا جاء وعدُ أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكّرة عليهم وأمددناكم بأموالٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدْخلوا المسجدَ كما دخلوه أول مرةٍ وليتبروا ما علوا تتبيراً عسى ربكم أن يرحمكم وإن عُدتم عُدنا}تفسير : [الإسراء: 4 ـــ 8].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: تأذن: أعلم وأعلن. ليبعثن: أي ليسلطن. من يسومهم سوء العذاب: أي يذيقهم ويوليهم سوء العذاب كالذلة والمسكنة. وقطعناهم: أي فرقناهم جماعات جماعات. بلوناهم بالحسنات والسيئات: اختبرناهم بالخير والشر أو النعم والنقم. فخلف من بعدهم خلف: الخلف بإسكان اللام خلف سوء وبالتحريك خلف خير. ورثوا الكتاب: أي التوراة. عرض هذا الأدنى: أي حطام الدنيا الفاني وهو المال. يمسكون بالكتاب: أي يتمسكون بما في التوراة فيحلون ما أحل الله فيها ويحرمون ما حرم. معنى الآيات: ما زال السياق في شأن اليهود فقد أمر تعالى رسوله أن يذكر إعلامه تعالى بأنه سيبعث بكل تأكيد على اليهود إلى يوم القيامة من يذلهم ويضطهدهم عقوبة منه تعالى لهم على خبث طواياهم وسوء أفعالهم، وهذا الإِطلاق في هذا الوعيد الشديد يقيد بأحد أمرين الأول بتوبة من تاب منهم ويدل على هذا القيد قوله تعالى في آخر هذه الآية {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لمن تاب والثاني بجوار دولة قوية لهم وحمايتها وهذا مفهوم قوله تعالى من سورة آل عمران {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 112] وهو الإسلام {أية : وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 112]، وهو ما ذكرناه آنفا. هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق [167] وهي قوله تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وأما الآية الثانية [168] فقد تضمنت بيان فضل الله تعالى على اليهود وهو أن الله تعالى قد فرقهم في الأرض جماعات جماعات، وأن منهم الصالحين، وأن منهم دون ذلك وأنه اختبرهم بالحسنات وهي النعم، والسيئات وهي النقم تهيئة لهم وإعداداً للتوبة إن آثروا التوبة على الاستمرار في الإِجرام والشر والفساد. هذا ما تضمنته الآية الثانية وهي قوله تعالى {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وأما الآية الثالثة [169] فقد أخبر تعالى أنه قد خلف من بعد تلك الأمة خلف سوء ورثوا الكتاب الذي هو التوراة ورثوه عن أسلافهم ولم يلتزموا بما أخذ عليهم فيه من عهود على الرغم من قراءتهم له فقد آثروا الدنيا على الآخرة فاستباحوا الربا والرشا وسائر والمحرمات، ويدعون أنهم سيغفر لهم، وكلما أتاهم مال حرام أخذوه ومنوا أنفسهم بالمغفرة كذباً على الله تعالى قال تعالى موبخاً لهم {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } وقد قرأوا هذا في الكتاب وفهموه ومع هذا يجترئون على الله ويكذبون عليه بأنه سيغفر لهم، ثم يواجههم تعالى بالخطاب مذكراً لهم واعظاً فيقول {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ ويفتح الله تعالى باب الرجاء لهم في الآية الرابعة في هذا السياق فيقول {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} أي يعملون بحرص وشدة بما فيه من الأحكام والشرائع ولا يفرطون في شيء من ذلك {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}، ومعنى هذا أنهم مصلحون إن تمسكوا بالكتاب وأقاموا الصلاة، وأن الله تعالى سيجزيهم على إصلاحهم لأنفسهم ولغيرهم أعظم الجزاء وأوفره، لأنه تعالى لا يضيع أجر المصلحين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان موجز لتاريخ اليهود في هذه الآيات الأربع. 2- من أهل الكتاب الصالحون، ومنهم دون ذلك. 3- التنديد بإيثار الدنيا على الأخرة، وبتمني المغفرة مع الإِصرار على الإجرام. 4- تفضيل الآخرة على الدنيا بالنسبة للمتقين. 5- الحث على التمسك بالكتاب قراءة وتعلماً وعملاً بإحلال حلاله وتحريم حرامه. 6- فضل إقام الصلاة.
القطان
تفسير : تأذن: أعلم. ليبعثن: ليسلطن عليهم. يسومهم: يذيقهم. ثم كانت اللعنةُ الأبدية على جميع اليهود إلا الذين يؤمنون بالنبي الأميّ ويتبعونه. وقد بعث الله على اليهود في فتراتٍ من الزمن من يسومهم سوءَ العذاب، وسيظل هذا الأمر نافذا في عمومه الى الأبد، فيبعث الله عليهم بين آونةٍ وأخرى من يسومهم سوء العذاب، وكلّما انتعشوا وطغَوا في الأرض، جاءتهم الضربة ممن يسلّطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية. وقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توفقت، وان اليهود عزُّوا واستطالوا كما هو ظاهر للعيان في فلسطين الآن، لكن ذلك ما هو إلى فترة عارضة من فترات التاريخ، وقد تم ذلك لتنابذ الحكام العرب وفُرقتهم فيما بينهم، تفضيلاً للمصلحة الفردية على المصحلة العامة، حتى على حساب الجميع، وبسبب ما تمدهم به امريكا المتصهينة. وذلك لا يدوم أبدا، ولا يدري الا الله من ذا الذي سيسلَّط عليهم في الجولة التالية، وما بعدها الى يوم القيامة، ونحن بانتظار مواكب المجاهدين الفاتحين، وكل آتٍ قريب مهما طال الزمن. {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والله تعالى يعقّب دائما بعد ذكره العذابَ بالرحمة والمغفرة للمحسنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (167) - وَاذْكُرْ، أيُّها الرَّسُولُ، لَهُمْ، إذْ أعْلَمَ رَبُّكَ هَؤُلاءِ القَوْمَ، مَرَّة إثْرَ مَرَّةٍ، عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيَائِهِمْ، أنَّهُ قَضَى عَلَيهِمْ لَيُسَلِّطَنَّ عَلَيْهُمْ - إلى يَوْمِ القِيَامَةِ - مَنْ يُوقِعُ بِهِم العِقَابَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ طُلْمِهِمْ وَفِسْقِهِمْ وَإِفْسَادِهِمْ فِي الأرْضِ، وَأنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ لِلأُمَمِ التِي تَفْسُقُ عَنْ أمْرِهِ، وَتُفْسِدُ فِي الأرْضِ، وَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ أقْلَعَ عَنْ ذَنْبِهِ، وَأنَابَ إلَيهِ وَأصْلَحَ مَا كَانَ قَدْ أفْسَدَ فِي الأرْضِ، قَبْلَ أنْ يَحِلَّ بِهِ العِقَابُ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أذّن وأعلم ربّك مثل قولهم تعلم بمعنى أعلم. وأنشد المبرّد: شعر : تعلم أن خير الناس حي ينادي في شعارهم يسار تفسير : وقال زهير: شعر : فقلت تعلم أن للصيد غرّة فان لا تضيعها فإنّك قاتله تفسير : وقال ابن عباس: (تأذن ربّك) قال ربّك، وقال مجاهد: أمر ربّك، وقال عطاء: حتم، وقال أبو عبيد: أخبر، وقال قطرب: وعد. {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} هم اليهود بعث الله عليهم محمداً وأمته يقاتلونهم حتّى يسلموا أو يعطوا الجزية، وقال سعيد بن جبير: هم أهل الكتاب بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة فهو سوء العذاب ولم يجب نبي قط الخراج إلاّ موسى (عليه السلام) فهو أول من وضع الخراج فجباه ثلاث عشرة سنة ثمّ أمسك {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} أي حضرت وجاء وتبدل من بعد هؤلاء الذين وصفناهم خلف. قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد والواحد والجميع فيه سواء والخلف بفتح اللام البدل ولداً كان أو غريباً، وقال الآخرون: هم خلف سوء. وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح الصالح و [بالجزم] الصالح. قال لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : ومنه قيل للردئ من الكلام: خلف، ومنه المثل السائر: سكت الفاً وبطن خلفاً. وقال النضر بن شميل: الخلف بجزم اللام واسكانها في غير القرآن السوء واحد، فأمّا في القرآن الصالح [بفتح] اللام لا غير، وأنشد: شعر : إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف عبداً إذا ما ناء بالحمل خضف تفسير : وقال محمد بن جرير الطبري: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام وفي الذم بتسكينها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح ومن ذلك قول حسان بن ثابت: شعر : لنا القدم الأولى وإليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : قال: واحسب أنّه إذا وجّه إلى الفساد مأخوذ من قولهم: خلف اللبن وحمض من طول تركه في السقاء حتى تفسد، ومن قولهم: خلف فم الصائم إذا تغير ريحه وفسد، فكان الرجل الفاسد مشبه به. {وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} والعرض متاع الدنيا أجمع. والعرض بسكون الراء ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. قال المفسّرون: [إن] اليهود ورثوا كتاب الله فقرأوه وعلموه وضيعوا العمل به وخالفوا حكمه يرتشون في حكم الله وتبديل كتاب الله وتغيير صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} ذنوبنا ما عملناه بالليل كُفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل تمنياً على الله الأباطيل. {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}. قال سعيد بن جبير: وإن عرض لهم ذنب آخر عملوه. وقال مجاهد: ما أشرف لهم في اليوم من شيء من الدنيا الحلال أو حرام يشتهونه أخذوه. وكلما وهف لهم شيء من الدنيا أكلوه وأخذوا من الدنيا، ما وهف أي ما سهل، لا يبالون حلالاً كان أو حراماً ويبتغون في المغفرة فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه. قال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلاّ ارتشى في الحكم. وإن خيارهم اجتمعوا فأخذوا منهم بعض العهود أن لا يفعلوا فجعل الرجل منهم إذا استقضى وارتشى يقال له: مالك ترتشي في الحكم، فيقول: سيُغفر لي، فيطعن عليه البقية [عَرَض] من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجلاً ممن كان يطعن فيرتشي فيقول وأن يأتي الآخرين عرض مثله يأخذوه ومعناه: وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذ أسلافهم. والأدنى تذكير الدنيا وعرض هذه الدار الدنيا فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت لتذكير اللفظ. سمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد [....] يقول فيه تقديم وتأخير أي: يأخذون هذا العرض الأدنى {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} وقرأوا ما فيه، وقرأ السلمي: ادّارسوا أي تدارسوا مثل إذا زكّوا أي قرأ بعضهم بعضاً. {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الشرك والحرام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بالياء قرأ أكثر القراء على الخبر. وقرأ الحسن وابن الأشهب بالتاء على الخطاب {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} قرأ عمر بن الخطاب وأبو العالية وعاصم ورواية أبي بكر بسكون خفيفة. وقرأ الباقون بسكون التشديد. قال أبو عبيد وأبو حاتم: لأنه يقال تمسكت بالشيء ولا يقال أمسكت بالشيء: إنما يقال أمسكته ويدل عليه قراءة أُبي ابن كعب (والذين مسكوا الكتاب) على الماضي وهو جيد لقوله: (وأقاموا الصلاة) إذ قال ما يعطف (من) على مستقبل إلاّ في المعنى. وقرأ الأعمش: (والذين استمسكوا بالكتاب) ومعنى الآية: وأن يعملوا بما في كتاب الله قال مجاهد وابن زيد: هم من اليهود والنصارى الذين يمسكون بالكتاب الذي جاء به موسى فلا يحرفونه ولا يكتمونه أحلّوا حلاله وحرموا حرامه ولم يتخذوه [ما كُلُهُ نَزَل] في عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال عطاء: فيهم أنّه محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}. {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} أي قلعنا الجبل. قال مجاهد: كما ينتق الزبد. وقال المؤرخ: قطعنا. وقال أبو عبيدة: زعزعنا. وقال الفراء: خلقنا. وقال بعضهم رفعناه. واحتج بقول العجاج: شعر : ينتقن أقتاد الشليل نتقاً تفسير : يعني يرفعه عن ظهره. وقال آخر: شعر : ونتّقوا أحلامنا الأثاقلا تفسير : وقال بعضهم: أصل النتق والنتوق أن يقلع الشيء من موضعه فيرمى. قال أبان بن تغلب: سمعت رجلاً من العرب يقول لغلامه: فخذ الحجر ألقه فانتقه أي نكسه وانثره. ويقال للمرأة الكثيرة الولد: ناتق ومنتاق لأنها ترمي [صدرها] رمياً قال النابغة: شعر : لم يحرموا حسن الغذاء وأُمهم حقت عليك بناتق مذكار تفسير : وقال بعضهم: هو من التحريك فقال: ينتقي السير أي حَرَكني، يقال: ينتق برجله ويركض إذا حركت رجله على الدابة حين تعدو به. {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} الظلة ما أظلك {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} نازل بهم {خُذُواْ} أي قلنا خذوا {مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} فاعملوا به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بها لتغليظها وكانت شريعة ثقيلة فرفع الله عز وجل جبلاً على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها ليقعن عليكم. قال الحسن البصري: فلما نظروا للجبل خرَّ كل رجل ساجداً على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى على الجبل خوفاً من أن يسقط عليهم فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلاّ على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. نشر موسى الألواح فيها كتاب الله كتب بيده لم يبقَ على وجه الأرض جبل، ولا بحر ولا حجر إلاّ اهتزّ فليس اليوم يهودي على الأرض صغير ولا كبير يقرأ عليه التوراة إلاّ اهتزّ وتعفّر لها رأسه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وتَأَذَّن نجد مادتها من الهمزة والذال والنون، فمنه أُذُن، ومنها أَذَان، وكلها يراد بها الإِعلام، والوسيلة للإِعلام هي الأذن والسمع، حتى الذي سنُعلمه بواسطة الكتابة نقول له ليسمع. ثم يكتب ويقرأ، وما قرأ إلا بعد أن سمع؛ لأنه لن يعرف القراءة إلا بعد أن يسمع أسماء الحروف "ألف"، "باء" إلخ، ثم تهجاها. إذن فلا أحد يقرأ إلا بعد أن يسمع، وهكذا يكون السمع هو الأصل في المعلومات، ونقول في القرآن: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1-2] وأذنت لربها.. أي سمعت لربها، فبمجرد أن قال لها: "انشقي" امتثلت وانشقت. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ} [الأعراف: 167] والكلام هنا بالنسبة لبني إسرائيل، ويبين لنا سبحانه أنهم مع كونهم مختارين في أن يفعلوا، "فإن مواقفهم الإِيمانية ستظل متقلبة مترددة، ولن يهدأ لهم حال في نشر الفساد وإشاعته، ولذلك يسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ولماذا؟. لأنهم منسوبون لدين، والله لا يسوم العذاب للكافر به وللملحد، لأنه بكفره وإلحاده خرج عن هذه الدائرة، إذ لم يبعث الله له رسولا. ولكن المنسوب لله ديانة، والمنسوب لله رسالة، والمنسوب لله كتاباً؛ إذا فسد مع كون الناس ويعلمون عنه أنه تابع لنبي، وأن له كتاباً، حينئذ يكون أسوة سيئة في الفساد للناس، فإذا ما سلط الله عليهم العذاب فإنما يسلط عليهم لا لأجل الفساد فقط، ولكن لأنه فساد لمن هو منسوب إلى الله. وعرفنا أن مادة أذن كلها مناط الإِعلام، وحينما تكلم الله عن خلقنا قال: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ...} تفسير : [النحل: 78] إنّ الحق - سبحانه - يسمي العرب المعاصرين لرسول الله أميين، أي ليس عندهم شيء من أسباب العلم، وسبحانه خلق لنا وسائل العلم. بأن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وهي وسائل العلم التي تبدأ بالسمع ثم بالأبصار ثم الأفئدة. ومن العجيب أنه رتبها في أداء وظيفتها؛ لأن الإِنسان منا إذا كان له وليد - كما قلنا سابقاً - ثم جاء أحد بعد ميلاده ووضع أصبعه أمام عينه فإنه لا يطرف؛ لأنه عينه لم تؤد بعد مهمة الرؤية، وعيون الوليد لا تؤدي مهمة الرؤية إلا بعد مدة من ثلاثة أيام إلى عشرة، ولكنك إذا جئت في أذنه وصرخت انفعل. إن هذا دليل على أن أذنه أدت مهمتها من فور ولادته، بينما عينه لا تؤدي مهمة الرؤية إلا بعد مدة، فأولاً يأتي السمع، ثم يأتي البصر، ومن السمع والبصر تتكون المعلومات، فتنشأ عند الإِنسان معلومات عقلية، ويقولون للطفل مثلاً: إياك أن تقبل على هذه النار حتى لا تحرقك، فلا يصدق، ومنظر النار يجذبه فيلمسها، فتلسعه مرة واحدة، وبعد أن لستعه النار مرة واحدة، لم يعد في حاجة إلى أن يتكرر له القول: بأن النار محرقة. فقد تكونت عنده معلومة عقلية. فأولاً يأتي السمع، ثم الأبصار، ثم تأتي الأفئدة. ولذلك قال سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. تشكرون له سبحانه أن أمدكم بوسائل العلم ليخرجكم مِن أميتكم. وهناك لفتة إعجازية أخرى؛ فحين تكلم الحق عن وسائل العلم، تكلم عن السمع بالإِفراد، وعن الأبصار بالجمع. مع أن هذه آلة، وهذه آلة؛ فقال: (السمع والأبصار) ولم يقل السمع والبصر، ولم يقل الأسماع والأبصار؛ لأن السمع هي الآلة التي تلتقط الأصوات، وليس لها سد من طبيعتها، أما العين فليست كذلك، ففي طبيعة تكوينها حجاب لتغمض. وإذا أنت أصدرت صوتاً من فمك يسمعه الكل، وعلى هذا فمناط السمع واحد، لكن في أي منظر من المناظر قد تكون لديك رغبة في أن تراه، فتفتح عينيك، وإن لم تكن بك رغبة للرؤية فأنت تغمضهما. إذن فالأبصار تتعدد مرائيها، أما السمع فواحد ولا اختيار لك في أن تسمع أو لا تسمع. أما البصر فلك اختيار في أن ترى أو لا ترى، وهذه الأمور رتبها لنا الحق في القرآن قبل أن ينشأ علم وظائف الأعضاء، ورتبها سبحانه فأفرد في السمع، وجمع في البصر مع أنهما في مهمة واحدة، إلا آية واحدة جاءت في القرآن: {أية : ...إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإِسراء: 36] قال الحق ذلك لأن المسئولية هنا هي الفردية الذاتية، وكل واحد مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، وليس مسئولاً عن أسماع وأبصار وأفئدة الناس. ونرى مادة السمع قد تقدمت، وبعدها جاءت مادة البصر إلا في آية واحدة أيضاً، تتحدث عن يوم القيامة: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا...} تفسير : [السجدة: 12] هنا قدّم الحق مادة الإبصار على مادة السمع؛ لأن هول القيامة ساعة يأتي سنرى تغيراً في الكون قبل أن نسمع شيئاً. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ} [الأعراف: 167] وتأذَّن أي أَعْلم الله إعلاماً مؤكداً بأنكم يا بني إسرائيل ستظلون على انحراف دائم، ولذلك سيسلط الله عليكم من يسومكم سوء العذاب، إما من جهة إيمانية، مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني النضير وبني النضير وبني قريظة وبني قينقاع وخيبر، وإما أن يسلط عليهم حاكماً ظالماً غير متدين، مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً...} تفسير : [الأنعام: 129] وكذلك مثلما حدث من بختنصر، وهتلر. إذن {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي أعلم ربك إعلاماً مؤكداً؛ لأن البشر قد يُعْلمون بشيء، ولكن قدرتهم ليست مضمونة لكي يعملوا ما أعلموا به، فإذا أعلمت أنت بشيء فأنت قد لا تملك أدوات التنفيذ، أمّا الله - سبحانه - فهو المالك لأدوات التنفيذ، والإعلام منه مؤكد، ولذلك يُعْلم بالشيء، أما غيره فالظروف المحيطة به قد لا تساعده على أن ينفذ. مثال ذلك: صحابة رسول الله الأول وهم مستضعفون ولم يستطيعوا أن يحموا أنفسهم من اضطهاد المشركين والكافرين، وصار كل واحد يبحث لنفسه عن مكان يأمن فيه؛ منهم من يذهب إلى الحبشة أو يذهب إلى قوي يحتمي به، فينزل الله في هذه الظروف العصيبة آية قرآنية لرسول الله يقول فيها: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] وتساءل البعض كيف يُهزمون ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا. فعندما نزلت هذه الآية قال سيدنا عمر: أي جمع يُهزم، قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدروع وهو يقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}، فعرفت تأويلها يومئذ. إن الله سبحانه وتعالى أَعْلَمَ بالنصر. وهو قادر على إنفاذ ما أعْلَم به على وفق ما أعَلم؛ لأنه لا يوجد إله آخر يصادمه. إذن {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} يعني أعلم إعلاماً مؤكداً، وحيثية الإعلام المؤكد أنه لا توجد قوة أخرى تمنع قدرته ولا تنقض حكمه. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ...} بالأعراف: 167] أي يبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب. وهناك بنص القرآن مبعوث، والله يخلي بينه وبينهم، فلا يمنعهم الله منه، إنما يسلط الله عليهم العذاب باختيار الظالم. مثلما قال الحق: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} تفسير : [مريم: 83] أي أنه - سبحانه - أرسلهم لهذه المهمة وخلّى بينهم وبين الذين يستمعون إليهم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. وكلمة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفيد أن هذا العنصر، المشاكس من اليهود سيبقى في الكون كخميرة (عكننة) إلى أن تقوم الساعة، لماذا؟! هم يقومون بمهمة الشر في الوجود، ولولا أن هذا الشر موجود في الوجود، ويعضُّ الناس بمساوئه وإفساداته، لم يكن من الناس من يتهافت على الحق وعلى الخير. فالشر - إذن - جاء ليعضّ الناس بآلامه وإفساده ليتجه الناس إلى الخير، ولذلك تجد أقوى انفعالات تعتمل في صدور المسلمين وأقوى نزوع حركي إلى الإِسلام حين يجدون مَن يضطهد قضية الإِسلام. إنَ مهمة الشر في الوجود أنه يجمع عناصر الخير في الوجود ومهمة الباطل في الوجود أنه يحفز عناصر الحق ويحضهم على محاربة الشر ومناهضته؛ لأن الباطل حين يعم، ويتضايق منه الناس، ترفع يدها وتقول: يا ناس افعلوا الخير. ولو لم يحدث ذلك فلن تجد من يقبل على الخير بحمية وحرارة. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ...} [الأعراف: 167] (ويسوم) من مادتها سام، ونسمعها في البهائم ونسميها السائمة وهي التي تطلب مقومات حياتها، وليس صاحبها هو الذي يجهز لها مقومات حياتها. أما البهائم التي تُرْبط وليست سائمة التي تجد من يجهز لها طعامها، إذن أصل "سام" أي طلب، وبهيمة سائمة أي تطلب رزقها وأكلها بنفسها. و"سام" أيضاً أي طلب العذاب. ولا يطلب أحد العذاب إلا أن يكون قد أفرغ قوته في التعذيب. فيطلب ممن يقدر على العذاب أن يعذب، أي أن الله يسلط ويبعث عليهم من يقوم بتعذيبهم جهد طاقته، فإذا فترت طاقته أو ضعفت فإنه يستعين على تعذيبهم بغيره. إذن فطلب العذاب معناه أنّه: عَذَّب هو، ولم يكتف بأنه عذَّب بل طلب لهم عذاباً آخر، و{يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي العذاب السيء الشديد. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: {...إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ} [الأعراف: 167] ومعنى سرعة الشيء أن تأخذه زمناً أقل مما يتوقع له؛ لن السرعة هي اختصار الزمن. {لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} هي للدنيا وللآخرة، فساعة يقترفون ذنباً. يسلط عليهم من يعذبهم في الدنيا، أما الآخرة ففيها سرعة عالية؛ لأن مسافة كل إنسان إلى العذاب ليست هي عمر الدنيا، فالإِنسان بمجرد أن يموت تنتهي الدنيا بالنسبة له. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته ". تفسير : إن هناك سرعة لحساب الآخرة. وحتى لو افترضنا أننا سنبقى جميعاً دون حساب إلى أن تنتهي الدنيا، فإن الحساب سيكون سريعاً لأن كل لحظة تمر على أي إنسان تقربه من العقاب، وحتى لو كان عمر الدنيا مليون سنة، فكل يوم يمر سينقص من عمر الدنيا. وحين يقول الحق سبحانه بعد سرعة العقاب {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ} قد نجد من يسأل كيف والحديث هنا عن العقاب؟ ونقول: إنه سبحانه الذي يتكلم. وهو القادر، فإذا قال: أنه لسريع العقاب، فهذا يعني أنه يسرع بعقاب المفسدين والظالمين؛ لأنه غفور رحيم بالمظلومين الذين يُظلمون، إذن فسرعة عقاب الظّلمَة رحمة منه بالمظلومين. أو أن الله كما قال "سريع العقاب" فإنه - سبحانه - يأتي بالمقابل لكي يشجع كل إنسان على الدخول في رحمته. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ...}
الأندلسي
تفسير : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} الآية لما ذكر تعالى قبح أفعالهم واستعصائهم أخبر تعالى أنه حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة تأذن أعلم من الأذن وهو الإِعلام وأجرى مجرى القسم فتلقى بما يتلقى به القسم وهو قوله: ليبعثن. {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} اخبار يتضمن سرعة إيقاع العذاب بهم. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} ترجية لمن آمن منهم ومن غيرهم ووعد لمن تاب منهم وأصلح. {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} أي فرقاً متباينين في أقطار الأرض فقل أرض لا يكون فيها منهم شرذمة وهذا حالهم وهم في كل مكان تحت الصغار والذلة وأمماً حال.. وقال الحوفي: مفعول ثان. وتقدم قوله هذا في وقطعناهم اثنتي عشرة والصالحون من آمن منهم أي بعيسى ومحمد عليهما السلام أو من آمن بالمدينة، وذلك إشارة إلى الصلاح أي ومنهم قوم دون أهل الصلاح لأنه لا يعتدل التقسيم الأعلى هذا التقدير من حذف مضاف أو يكون ذلك المعني به أولئك فكأنه قال: ومنهم قوم دون أولئك. وقد ذكر النحويون أن اسم الإِشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع فيكون ذلك بمعنى أولئك على هذه اللغة ويعتدل التقسيم ودون ظرف في موضع الصفة لمبتدأ محذوف خبره في المجرور قبله أي ومنهم قوم دون ذلك. قال ابن عطية: فإِن أريد بالصلاح الإِيمان فدون بمعنى غير يراد بها الكفرة. "انتهى". ان أراد أن دون ترادف غيرا بهذا ليس بصحيح وإن أراد أنه يلزم ممن كان دون شىء أن يكون غيراً فصحيح. {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ} أي بالصحة والرخاء والسعة. {وَٱلسَّيِّئَاتِ} مقابلاتها. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى الطاعة ويتوبون عن المعصية. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} قال ثعلب: الناس كلهم يقولون خلف صدق للصالح وخلف سوء للطالح. ومنه قول الشاعر: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : {وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ} التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويفتون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ولا يعملون بها. و{عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} هو ما يأخذونه من الرشا والمكاسب الخبيثة. والعرض ما يعرض ولا يثبت. وفي قوله: عرض هذا الأدنى، تخسيس لما يأخذونه وتحقير له. {سَيُغْفَرُ لَنَا} قطع على الله تعالى بغفران معاصيهم أي لا يؤاخذنا الله بذلك ولنا في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله. تقول: غفر لزيد الذنب فتحذف الفاعل والمفعول وتقيم المجرور مقام الفاعل فتقول: لزيد. {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} الظاهر أن هذا استئناف اخبار عنهم بانهماكهم في المعاصي أي وإن أمكنتهم الرشا والمكاسب الخبيثة لم يتوقفوا عن أخذها ثانية ودائماً فهم مصرون على المعاصي. {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ} الآية، هذا توبيخ وتقريع لما تضمنه الكتاب من أخذ الميثاق أنهم لا يكذبون على الله تعالى قال ابن زيد: كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به فإِذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له به. و{أَن لاَّ يِقُولُواْ} في موضع رفع على البدل من ميثاق الكتاب. {وَدَرَسُواْ} معطوف على قوله: ألم يؤخذ، وفي ذلك أعظم توبيخ وتقريع وهو أنهم كرروا على ما في الكتاب وعرفوا ما فيه المعرفة التامة من الوعيد على قول الباطل والافتراء على الله تعالى. {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} أي ولثواب دار الآخرة خير من تلك الرشوة الخبيثة الخسيسة المعقبة خزي الدنيا والآخرة. {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ} قرىء: بالتشديد والتخفيف أي يتمسكون بالكتاب أي بما تضمنه من حلال وحرام وعبادة والتمسك بالكتاب يستلزم إقامة الصلاة لكنها أفردت بالذكر تعظيماً لشأنها لأنها عماد الدين والصلة بين العبد وربه والذين استئناف اخبار وهو مبتدأ خبره انا لا نضيع إلى آخره والرابط بينهما العموم في المصلحين أو ضمير محذوف تقديره المصلحين منهم.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اتل على من تبعك منهم، واذكر لهم يا أكمل الرسل: ويتنبهوا وقت {إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي: عزم وكتب على نفسه، كأنه أقسم {لَيَبْعَثَنَّ} وليسلطنَّ {عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} مستمراً دائماً {مَن يَسُومُهُمْ} يعلمهم {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} لذلك ما ترى يهودياً في أقطار الأرض إلا عليه مذلة وهوان {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} على من أراد عقابه {وَإِنَّهُ} أيضاً {لَغَفُورٌ} لمن تاب وأخلص {رَّحِيمٌ} [الأعراف: 167] يقبل توبته ويمحو معيته. {وَ} من غاية إذلالنا إياهم {قَطَّعْنَاهُمْ} أي: فرقناهم {فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} فرقاً فرقاً {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ} المؤمنون بالله وبملائكته وكتبه ورسله {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} أي: الطالحون الخارجون عن مقتضى الإيمان {وَ} بالجملة: {بَلَوْنَاهُمْ} أي: اختبرناهم وجربناهم {بِٱلْحَسَنَاتِ} أي: بالعطاء والإنعام {وَٱلسَّيِّئَاتِ} بالأخذ والانتقام {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] رجاء أن ينتبهوا بنا فيرجعوا إلينا. وبعدما بلونهام بما بلوناهم {فَخَلَفَ} واستخلف {مِن بَعْدِهِمْ} أي: بعد انقراضهم خلق {خَلْفٌ} خلفاء منهم يدعون أنهم {وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ} أي: علم التوراة منهم، مع أنهم {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} أي: الدنيا مولعين بجمعها {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} لن يأخذنا الله أبداً بأخذها وجمعها {وَ} من غاية حرصهم {إِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ} بل أضعافه وآلافه {يَأْخُذُوهُ} بلا مبالاة؛ اتكاءً على مغفرة الله مع أنهم لم يستغفروا إيه {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ} الله المنزل في {ٱلْكِتَٰبِ} الذي ادعوا علمه ووراثة، بل يؤخذ عليهم الميثاق في كتابهم {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ} ولا ينسبوا إليه {إِلاَّ ٱلْحَقَّ} الصادق الثابت الذي ورد عليه الأمر من عندهز {وَ} كيف لم يعلموا أخذ الله ميثاقه مع أنهم {دَرَسُواْ} من معلمهم {مَا فِيهِ} من الأحكام والمواعظ، والأوامر والنواهي؛؟ {وَ} بالجملة: {ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} من حطام الدنيا، ويجتنبون عن آثامها {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] خيريتها، أولئك المنغمسون في قاذورات الدنيا ولذاتها وشهواتها مع أنها لا مدار لها، ولا قرار للذاتها ومشتهياتها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ابتلاء أهل البلاء الحسنات والسيئات بقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} [الأعراف: 167] إلى قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] يشير بقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} إلى أن الله تعالى حكم بقضائه وقدره في الأزلية أن الأرواح والقلوب اللاتي يتبعن النفس وهواها، {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ} [الأعراف: 167] وهو الشيطان، فإنه هو المنظور إلى يوم يبعثون، وهو يوم القيامة يسومهم، {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [الأعراف: 167] وهو الإبعاد عن العبودية والإضلال عن الصراط المستقيم، فيعذبون بعذاب الفرقة والقطيعة عن الحق، وعذاب الخزية والمذلة للنفس والشيطان، {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} [الأعراف: 167]؛ يعني: عقابهم يزيد في الدنيا، وهي لهم ليزدادوا إنما هذا عقوبة في الدنيا وهو يورث العقوبة في الآخرة. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ} [الأعراف: 167]؛ يعني: يغفر بذنوب من يرجع إليه ويتوب؛ أي: الأرواح والقلوب إن رجعت عن متابعة النفس وهواها وتابت إلى الله واستغفرت لغفرت، فإنه {رَّحِيمٌ} [الأعراف: 167] يرحم من تاب إليه، وفيه معنى آخر: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ}؛ أي: يعاقب المؤمنين في الدنيا بأنواع البلاء، {أية : مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [البقرة: 155]، ويوفقهم الصبر على ذلك؛ ليجعله كفارة لذنوبهم حتى إذا خرجوا أتقياء من الدنيا لا يعذبون في الآخرة ولا يعاقبون ويجدون الله، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لهم في الآخرة، {وَقَطَّعْنَاهُمْ} [الأعراف: 168]؛ يعني: فرقنا الأرواح والقلوب، {فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 168] أرض الأجساد، {أُمَماً} [الأعراف: 168] فرقاً، {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ} [الأعراف: 168]؛ أي: قابلون لفيض نور الله، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} [الأعراف: 168] في المقبول. {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]؛ يعني: جعلنا الحسنات وهي: الطاعات والخيرات، والسيئات وهي: المعاصي والمظالم وسيلة الرجوع إلى الحق وقبول فيض النور، فأما الحسنات فبقدم الطاعات والخيرات يتقرب البعد بها إلى ربه، وأما السيئات فبقدم ترك المعاصي ورد المظالم يتقرب بها إليه، فقال تعالى: "حديث : من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً"،تفسير : وقال: لن يتقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، وعن بعض المشايخ أنه قال: خطوات وقد وصلت، وفيه معنى آخر: وبلوناهم بالحسنات؛ ليرجعوا إلينا بالشكر والسيئات؛ ليرجعوا بقدم الصبر، فبقدمي الشكر والصبر يرجع إلينا الأرواح والقلوب، وأيضاً {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ}؛ أي: بكثرة الطاعات ورؤيتها والعجب بها، كما كان حال إبليس، {وَٱلسَّيِّئَاتِ}؛ أي: بالمعاصي ورؤيتها والندامة عليها والتوبة منها والخوف والخشية من ربه، كما كان حال آدم عليه السلام فرجع إلى الله تعالى وقال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23]. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف: 169]؛ أي: فخلف الأراوح والقلوب من بعدهم لمَّا سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد الصدق، خلف السوء وهم: النفوس الأمارة بالسوء، {وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ} [الأعراف: 169] وهو ما ألهمهم الله به الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار ورثت النفوس، {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} [الأعراف: 169]؛ يعني: من شأن النفوس؛ أي: يجعلون المواهب الربانية والكشف الروحاني ذريعة العروض الدنيوية ويصرفوها في تحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات والشهوات، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169]؛ أي: لأنا وصلنا إلى مقام ورتبة يغفر لنا ويعفو عنا مثل هذه الزلات والخطيئات كما هو مذهب أهل الإباحة جهالة وغروراً منهم، وفيه معنى آخر: وهو أنهم يقولون: سيغفر لنا إذا استغفرنا عنها، وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب. {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف: 169]؛ أي: لم يمنعوا عن مثله بعد الاستغفار، بل يتعرضونه ولا يبالون به، {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ} [الأعراف: 169]؛ يعني: ألم يكن من مقتضيات مواهب الحق والمواعظ والحكم والإلهامات الربانية، {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} [الأعراف: 169]؛ أي: لا ينطقون بما لم يعقلوا ولا يفترون على الله، بل يقولون على الله ما هو الحق، {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} [الأعراف: 169]؛ أي: قرءوا على أنفسهم وعلى غيرهم ما هو الحق والحقيقة لتلك الكشوف الروحانية من خرجها بتسويلات النفس والوساوس الشيطانية، {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 169]؛ يعني: من حقائق تلك الكشوف، وإن الدار الآخرة ونعيمها والسعادة المؤخرة فيها خير من الدنيا وما فيها للذين يتقون بالله عما سواه، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169]؛ يعني: النفوس التي تطلب الدنيا وشهواتها بالدين بعد أن يتمتعوا بمواهب الحق بتبعية الأرواح والقلوب، {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} [الأعراف: 170]؛ يعني: النفوس المتمسكة بتلك المواهب والكشوف والإلهامات. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الأعراف: 170]؛ أي: وأداموا على العبودية والرجوع إلى الله والمناجاة معه، {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170]؛ أي: لا نضيع أجر النفوس القابلة لأنوار الله تعالى مالها بالاقتباس من نور الله من الأرواح والقلوب، فإن النفوس مع أماريتها بالسوء تصير باتباع الأرواح والقلوب وتزكيتها على وفق الشريعة وقانون الطريقة صالحة لأنوار الله لفيضه ورحمته، ولهذا ذكر النفوس بالمصلحين هاهنا، كما ذكر القلوب والأرواح ثمة بالصالحين حين قال تعالى: {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ} [الأعراف: 168] وإنما قال لها الصالحون؛ لأنها خلقت في أصل الخلقة صالحة لقبول فيض نور الله بالتربية والتزكية والتخلية بعد أن لم تكن صالحة له، ولهذا قال تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 7-10].
همام الصنعاني
تفسير : 948- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}: [الآية: 167]، قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. 949- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني عبد الكريم بن مالك الجزري، عن ابن المسيب، أنه كان يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):