Verse. 1120 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَّا نُہُوْا عَنْہُ قُلْنَا لَہُمْ كُوْنُوْا قِرَدَۃً خٰسِـِٕـيْنَ۝۱۶۶
Falamma AAataw AAan ma nuhoo AAanhu qulna lahum koonoo qiradatan khasieena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما عَتَوا» تكبروا «عن» ترك «ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين» صاغرين فكانوها، وهذا تفصيل لما قبله، قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكنة وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه، وقالت: لم تعظون إلخ، وروى الحاكم عن ابن عباس: أنه رجع إليه وأعجبه.

166

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مباحث: البحث الأول: العتو عبارة عن الإباء والعصيان، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا، لأنهم أبوا عما نهوا عنه، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار، والتقدير: فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه، ثم حذف المضاف، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهى. البحث الثاني: من الناس من قال: إن قوله: { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً } ليس من المقال، بل المراد منه: أنه تعالى فعل ذلك. قال: وفيه دلالة على أن قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [النحل: 40] هو بمعنى الفعل لا الكلام. وقال الزجاج: أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ. واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادراً عليه، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة. البحث الثالث: قال ابن عباس: أصبح القوم وهم قردة صاغرون، فمكثوا كذلك ثلاثاً فرآهم الناس ثم هلكوا. ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن شباب القوم صاروا قردة، والشيوخ خنازير، وهذا القول على خلاف الظاهر. واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا، وانقطع نسلهم، ولا دلالة في الآية عليه، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ} أي فلما تجاوزوا في معصية الله. {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يقال: خسأته فخسأ؛ أي باعدته وطردته. وقد تقدّم في «البقرة». ودلّ على أن المعاصي سبب النقمة: وهذا لا خفاء به فقيل: قال لهم ذلك بكلام يُسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوّناهم قردة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا عَتَوْاْ } تكبروا {عَنْ } ترك {مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِئِينَ } صاغرين فكانوها، وهذا تفصيل لما قبله. قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكنة؟ وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه وقالت: (لم تعظون)؟ الخ. وروى الحاكم عن ابن عباس: أنه رجع إليه وأعجبه.

القشيري

تفسير : إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال، وإذا سقط العبدُ من عين الله لم ينتعشْ بعده أبداً، فمن أسقطه حكمُ الملوك فلا قبول له بعد الردِّ، وفي معناه أنشدوا: شعر : إذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تكَدْ إليه بوجهٍ آخرَ الدهرِ تُقْبَلُ

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء العصاة الذين عصوا بصيد السمك في السبت، ونهوا فلم ينتهوا ووعظوا فلم يتعظوا، وأنه أنزل عليهم العذاب الشديد، فلما عتوا عما نهى الله وتمردوا في معصيته مسخهم الله قردة خاسئين. والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة. والعتو الخروج إلى الجرأة على أفحش الذنوب. وقوله "خاسئين" معناه مبعدين من قولهم خسأت الكلب إذا أقصيته فخسأ أي بعد. وقال الحسن معناه صاغرين، وقال: إن أهل المسخ يتناسلون. وقال ابن عباس: لا يتناسلون، وأجاز الزجاج كلا الامرين. وسئل ابو مالك: أكانت القردة والخنازير قبل ان يمسخوا؟ قال: نعم وكانوا فيما خلق الله من الأمم. وقول ابن عباس أصح، لان المعلوم أن القردة ليست من ولد آدم كما أن الكلاب ليست من ولد آدم. قال قتادة: صاروا قردة لها أذناب تعاوي بعد ما كانوا نساء ورجالا. وقوله تعالى: {كونوا قردة} صيغته صيغة الامر والمراد به الاخبار: من أنه جعلهم قردة على وجه يسهل عليه ولم يتعب به ولم ينصب كما قال تعالى: {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}.تفسير : وقال {أية : ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} تفسير : ولم يكن هناك أمر لانه تعالى لا يأمر المعدوم، وإنما هو إخبار عن تسهيل الفعل، وأجاز الزجاج أن يكون قيل لهم ذلك بكلام سمعوه فيكون ذلك أبلغ في الآية النازلة بهم لما يدل على وقوع الأول الذي تبعه الثاني. وليس كذلك إذا قلت: لما جاء المطر خرج النباب، وقوله تعالى {ولو ردوا لعادوا} فلا يقع الرد أصلا.

الجنابذي

تفسير : {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} من عطف التّفصيل على الاجمال {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} مطرودين عن كلّ خيرٍ، عن علىّ بن الحسين (ع) انّه قال: كان هؤلآء قوم يسكنون على شاطئ بحرٍ نهاهم الله تعالى وانبياؤه (ع) عن اصطياد السّمك فى يوم السّبت فتوصّلوا الى حيلةٍ ليحلّوا بها لانفسهم ما حرّم الله، فخدّوا اخاديد وعملوا طرقاً تؤدّى الى حياض يتهيّئ للحيتان الدّخول فيها من تلك الطّرق ولا يتهيّئ لها الخروج اذا همّت بالخروج، فجائت الحيتان يوم السّبت جارية على امانٍ لها فدخلت الاخاديد وحصلت فى الحياض والغُدران، فلمّا كانت عشيّة اليوم همّت بالرّجوع منها الى اللّجج لتأمن من صائدها، فرامت الرّجوع فلم تقدر وبقيت ليلها فى مكان يتهيّئ اخذها بلا اصطياد لاسترسالها فيه وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها، وكانوا يأخذون يوم الاحد يقولون: ما اصطدنا فى السّبت انّما اصطدنا فى الاحد، وكذب اعداء الله بل كانوا آخذين لها باخاديدهم الّتى عملوها يوم السّبت، حتّى كثر من ذلك مالهم وثراهم وتلقّموا بالنّساء وغيرهنّ لاتّساع ايديهم به، وكانوا فى المدينة نيّفاً وثمانين الفاً فعل هذا منهم سبعون الفاً انكر عليهم الباقون كما قصّ الله، {أية : وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ}تفسير : {الأعراف: 163} وذلك انّ طائفة منهم وعظوهم وزجروهم ومن عذاب الله خوّفوهم ومن انتقامه وشدائد بأسه حذّروهم فأجابوهم من وعظهم: لم تعظون قوماً الله مهلكهم بذنوبهم هلاك الاصطلام او معذّبهم عذاباً شديداً، اجاب القائلون هذا معذرة الى ربّكم هذا القول منّا لهم معذرة الى ربّكم اذا كلّفنا الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم وكراهتنا لفعلهم قالوا ولعلّهم يتّقون، ونعظهم ايضاً لعلّهم ينجع فيهم المواعظ فيتّقوا هذه الموبقة ويحذروا عقوبتها، قال الله تعالى فلمّا عتوا حادوا واعرضوا وتكبّروا عن قبول الزّجر عمّا نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين، مبعدين من الخير مبغضين، فلمّا نظر العشرة الالاف والنّيف انّ السّبعين الفاً لا يقبلون لو اعظهم ولا يخافون بتخويفهم ايّاهم وتحذيرهم لهم اعتزلوهم الى قرية اخرى وانتقلوا الى قرية من قراهم، وقالوا نكره ان ينزل بهم عذاب الله ونحن فى خلالهم، فأمسوا ليلة فمسخهم الله كلّهم قردة وبقى باب المدينة مغلقاً لا يخرج منه احد ولا يدخله احد، وتسامع بذلك اهل القرى فقصدوهم وسموا حيطان البلد فاطّلعوا عليهم فاذا هم كلّهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم فى بعضٍ، يعرف هؤلاء النّاظرون معارفهم وقراباتهم وخلطائهم يقول المطّلع لبعضهم: انت فلان وانت فلانة فتدمع عينه ويومى برأسه او بفمه بلا او نعم؛ فما زالوا كذلك ثلاثة ايّام ثمّ بعث الله تعالى مطراً وريحاً فحرفهم الى البحر وما بقى مسخ بعد ثلاثة ايّام؛ وانّما الّذين ترون من هذه المصوّرات بصورها فانّما هى اشباهها لا هى بأعيانها ولا من نسلها.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا عَتوْا} أفسدوا وعصوا، وعداه بعن لأنه خروج عن الحد وتكبر عنه {عَنْ ما نهُوا عنْهُ} من ترك الصيد فى يوم السبت {قُلْنا لَهم كُونوا قِردةً خَاسِئينَ} مبعدين عن الخير، وخاسئين خبر ثان أو حال من الواو أو نعت قردة، وضعفه أبو الفتح قيل: لأن القصد ليس التشبيه بقردة مبعدات، فالعذاب البئيس هو المسخ، فالفاء لتفصيل مجمل، أو العذاب البئيس عذاب أصابهم ولم ينتهوا، وجاء بعده المسخ كذا ظهر لى، ثم رأيته والحمد لله فى الكشاف لكنه اختار الاحتمال الثانى، حكى الأول قولا. وروى ابن الكلبى أنهم كانوا فى زمان داود عليه السلام، ولعنهم بعد ما نهاهم أشد النهى، فأجاب الله دعاءه فمسخهم قردة، ومعنى قوله: {قلنا لهم كونوا قردة} قضينا عليهم بذلك فكانوا، أو خلق كلمة كن فكانوا عقبها قردة، أصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد بعد ارتفاع النهار فقالوا: إن لهم شأنا، لعل الخمر غلبتهم فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة تتعاوى، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها والناس لا يعرفه منها، وقيل: كل يعرف الآخر فتأتى تشمهم وتتمسح بثيابهم ويبكون، يفعلون ذلك بأنسابهم فيقولون: ألم ننهكم فيقول برءوسها: بلا، وقال ابن عباس، وقتادة: مسخ الشاب قردا والشيخ خنزيرا، وكذا ما فوق الشاب، وروى أن مسخهم كان بعد المعصية فى صيد البحر بعامين، وبقوا ثلاثة أيام ينظر الناس إليهم وهلكوا جميعا. وقال الزجاج: قال قوم: يجوز أن تكون هذه القردة من نسلهم، وأجازوا بقاء الممسوخ أكثر من ثلاثة ايام متعلقين بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أمة فقدت ولا أراها إلا الفأر" تفسير : قال الحسن أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها وأثقلها خزيا فى الدنيا، وأطولها عذابا فى الآخرة، وايم الله ما حوت، أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل مسلم، ولكن الله جعل موعدا والساعة أدهى وأمر. وزعم مجاهد أنه مسخت قلوبهم لا ابدانهم وذكر فى عرائس القرآن: أنه سئل الحسن بن فضيل: هل تجد فى كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا، والحرام يأتيك جرفا أو جزافا؟ قال: نعم فى قصة داود وآياته {أية : إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم}تفسير : وأن الحوت لم يطق الخروج من الحياض التى حفروها لعمقها وقلة الماء، وأنه قيل: كانوا ينصبون الحبال يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد، وأنهم مغرمون بحب الحوت، وأن أهل القرية كانوا أكثر من سبعين ألفا، وأن المعتدين قالوا: إنما حرم الصيد يوم السبت على آبائنا لأنهم قتلوا أنبياءهم، وإن الناهين والساكتين قالوا: والله لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، ومكثوا سنتين، فلعنهم داود عليه السلام لإصرارهم، وأن الممسوخين برزوا من المدينة وهاموا على وجوههم متحيرين، وهلكوا لما تمت ثلاثة ايام، وبعث الله عليهم ريحا ومطرا فقذنفاهم فى البحر، ويعودون يوم القيامة إلى صورهم البشرية ويدخلون النار.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْه} تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، من الصيد وسائر الفسق {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} وهم نحو اثنى عشر أَلفا، أَو نحو سبعين أَلفا، أَخذ رجل سمكة يوم السبت وربطها إِلى وتد على الساحل فى الماءِ وأَخذها يوم الأَحد فلاموه، وفى السبت الآخر حوتين كذلك، وأَخذهما فى الأَحد فلما لم يروا العذاب شرعوا فى أَخذه يوم السبت وبيعه وأَكله فصار أَهل القرية ثلاثا: معتدين، وناهين، مستمرين أَو غير مستمرين، وغير ناهين ولا مكتفين بنهى الناهى، بل هانت عليهم المعصية، ويجوز أَن يكون العذاب البئيس هو هذا المسخ، والفاء خرجت عن أَصلها إِلى بيان المجمل، ومعنى القول توجيه الإِرادة الأَزلية إِلى تصييرهم قردة، ولا كلام فى ذلك، والأَمر بالكون تهوين إِذ لا قدرة لهم على مسخ أَنفسهم، ولو كان لهم قدرة على ذلك لم يفعلوا، فليس ثَمَّ أَمر ولا مأمور ولا تكليف بكون ولا لفظ حقيقة، شبه تأثير قدرته تعالى فى مسخهم بلا توقف ولا امتناع ولا عمل ولا آلة بقول المطاع لمطيعه: افعل كذا، فيفعله، بلا توقف، ففى الآية استعارة تمثيلية، وخاسئين أَذلاء مهانين، والمسخ قردة على حقيقته، لا كما قيل: مسخت قلوبهم حتى لا يفهموا حقا كالقردة، قدر عليهم الناهون لقلتهم، بالنسبة للناهين، ولالقاءِ الذل عليهم من الله عز وجل، أَو لعذاب شديد أَصابهم فضعفوا فعزلوهم لمخالفتهم جانبا، وجعلوا إِليهم بابا، وقيل: بابا للناهين وبابا للعاصين، وأَصبحوا يوما ولم يخرج إِليهم أَحد. فدخلوا عليهم، أَو علوا الجدار عليهم، وإِذ هم قردة لا يعرفونهم والقردة تعرفهم وتدور حول أَقاربها وأَصحابها باكية، وتشم ثيابهم فيقولون: أَلم ننهكم؟ فتقول برأسها: بلى، وماتوا عن ثلاثة أَيام، قال الحسن: قلما رأَيت أَحدا أَكثر الاهتمام بالمعصية إِلا فعلها، وتقدم تحقيق كلام فيمن نجا مختصرا آنفا. وعن ابن عباس: ما أَدرى ما فعل بالفرقة الساكتة، وبكى، فقال عكرمة: جعلنى الله فداءَك لم تهلك، قد أَنكروا وكرهوا، وقالوا: "أية : لم تعظون"تفسير : [الأَعراف: 164] إِلخ. وروى أَنه قال أَيضا عكرمة: إِن لم يقل الله عز وجل "أية : أَنجينا" تفسير : [الأَعراف: 165] فإِنه لم يقل: أَهلكتهم، ورجع إِلى قوله، وكساه بردين، رواه الحاكم، وهو قول الحسن، وروى أَنه رجع إِليه بعد ما جزم بهلاكها، وقال ابن زيد: هلكت، وهذه أَشد آية فى ترك النهى عن المنكر، وأَنت خبير أِن النهى على الكفاية، فإِذا سكت الساكت لقيام غيره بالنهى لا لرضى أَو إِعانة، وقد أَنكر بقلبه فلا بأس، ويبعد أَن يكون النهى فرض عين عند هؤلاءِ.

الالوسي

تفسير : { فَلَماَّ عَتَوْاْ} أي تكبروا {عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} أي عن ترك ذلك ففي الكلام تقدير مضاف إذ التكبر والإباء عن المنهي عنه لا يذم {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} صاغرين أذلاء مبعدين عن كل خير والأمر تكويني لا تكليفي لأنه ليس في وسعهم حتى يكلفوا به، وهذا كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40] في أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل، والظاهر أن الله تعالى أوقع بهم نكالاً في الدنيا غير المسخ فلم يقلعوا عما كانوا عليه فمسخهم قردة. وجوز أن يكون المراد بالعذاب البئيس هو المسخ وتكون هذه الآية تفصيلاً لما قبلها. روي عن ابن عباس أن اليهود إنما افترض عليهم اليوم الذي افترض عليكم وهو يوم الجمعة فخالفوا إلى يوم السبت واختاروه فحرم عليهم الصيد فيه وابتلوا به فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً حتى لا يرى الماء من كثرتها فمكثوا ما شاء الله تعالى لا يصيدون ثم أتاهم الشيطان فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض والشبكات فكانوا يسوقون الحيتان إليها فيه ثم يأخذونها يوم الأحد، وفي رواية أن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه فيه وتركه في الماء فلما كان الغد جاء فأخذه وأكله فلاموه على ذلك فلما لم يأته العذاب أخذ في السبت القابل حوتين وفعل ما فعل ولم يصبه شيء فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم تجاسروا فأخذوا وملحوا وباعوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً أو من سبعين ألفاً فصار أهل القرية أثلاثاً كما قص الله تعالى فقال المسلمون للمعتدين نحن لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب وكانت القصة في زمن داود عليه السلام فلعنهم فأصبح المسلمون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا: إن لهؤلاء لشأناً لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار فإذا القوم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الإِنس ولم تعرف الإنس أنسابهم منها فجعلت تأتي إلى نسيبها فتشم / ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم ثم ماتوا بعد ثلاث. وعن قتادة أن الشبان صاروا قردة والشيوخ خنازير، وعن مجاهد أنه مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفهم الحق. وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال: كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك فكان يأتيهم في اليوم الذي حرمه الله تعالى عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الاهتمام بالذنب إلا واقعة حتى أخذوه فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة وأيم الله تعالى ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله تعالى من قتل رجل مؤمن وللمؤمن أعظم حرمة عند الله سبحانه من حوت ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان على شاطىء البحر الذي هم عنده صنمان من حجارة مستقبلان الماء يقال لأحدهما لقيم وللآخر لقمانة فأوحى الله تعالى إلى السمك إن حج يوم السبت إلى الصنمين وأوحى إلى أهل القرية إني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تتعرضوه فيه فإذا ذهب اليوم فشأنكم به فصيدوه فابتلي القوم ووقع منهم ما مسخوا به قردة وفي القلب من صحة هذا الأثر شيء ولعله لا صحة له كما لا يخفى على من يعرف معنى الحج من المصلين، ويشبه هذين الصنمين عين حق لان قرب جزيرة الحديثة من العراق وهي قريبة من شاطىء الفرات فإن السمك يزورها في أيام مخصوصة من السنة حتى يخيل أنه لم يبق في بطن الفرات حوت إلا قذف إليها فيصيد أهل ذلك الصقع منه ما شاء الله تعالى وينقلونه إلى الجزائر والقرى القريبة منهم كألوس وحبة وعانات وهيت ثم ينقطع فلا ترى سمكة في العين بعد تلك الأيام إلى مثلها من قابل وسبحان الفعال لما يريد، واستدل بعض أهل العلم بقصة هؤلاء المعتدين على حرمة الحيل في الدين، وأيد ذلك بما أخرجه ابن بطة عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل».

الواحدي

تفسير : {فلما عتوا} أَيْ: طغوا واستكبروا {عن مَّا نهوا عنه} أَيْ: عن ترك ما نُهوا عنه من صيد الحيتان يوم السَّبت {قلنا لهم} الآية مُفسَّرة في سورة البقرة. {وإذ تأذَّن ربك} قالَ وأعلم ربُّك {ليبعثنَّ} ليرسلنَّ {عليهم} على اليهود {مَنْ يسومهم} أَيْ: يذيقهم {سوء العذاب} إلى يوم القيامة. يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم وأُمَّته يقاتلونهم أو يعطون الجزية {إنَّ ربك لسريع العقاب} لمن استحقَّ تعجيله. {وقطعناهم في الأرض أمماً} فرَّقناهم في البلاد، فلم يجتمع لهم كلمة {منهم الصالحون} وهم الذين آمنوا {ومنهم دون ذلك} الذين كفروا {وبلوناهم} عاملناهم معاملة المختبر {بالحسنات} بالخِصب والعافية {والسيئات} الجدب والشَّدائد {لعلهم يرجعون} كي يتوبوا. {فَخَلَفَ من بعدهم خلف} من بعد هؤلاء الذين قطَّعناهم خلفٌ من اليهود. يعني: أولادهم {ورثوا الكتاب} أخذوه عن آبائهم {يأخذون عرض هذا الأدنى} يأخذون ما أشرف لهم من الدُّنيا حلالاً أو حراماً {ويقولون سيغفر لنا} ويتمنَّون على الله المغفرة {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} وإن أصابوا عرضاً، أيْ: متاعاً من الدُّنيا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه. وهذا إخبارٌ عن حرصهم على الدُّنيا {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لاّ يقولوا على الله إلاَّ الحق} وأكَّد الله عليهم في التوراة ألا يقولوا على الله إلاَّ الحق فقالوا الباطل، وهو قولهم: {سيغفر لنا} وليس في التَّوراة ميعاد المغفرة مع الإِصرار {ودرسوا ما فيه} أَيْ: فهم ذاكرون لما أخذ عليهم الميثاق؛ لأنَّهم قرؤوه. {والذين يمسكون بالكتاب} يؤمنون به ويحكمون بما فيه. يعني: مؤمني أهل الكتاب {وأقاموا الصلاة} التي شرعها محمد صلى الله عليه وسلم {إنا لا نضيع أجر المصلحين} منهم. {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} رفعناه باقتلاع له من أصله. يعني: ما ذكرنا عند قوله: {أية : ورفعنا فوقكم الطور... } تفسير : الآية. {وظنوا} وأيقنوا {أنَّه واقع بهم} إن خالفوا، وباقي الآية مضى فيما سبق.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَاسِئِينَ} {عَن مَّا} (166) - فَلَمّا اسْتَمَرُّوا فِي عُتُوِّهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، قَالَ اللهُ لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ، فَكَانُوا. خَاسِئِِينَ - ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأخذهم بعذاب يدل على أنه لم يزهق حياتهم ويميتهم؛ لأن العذاب هو إيلام من يتألم، والموت ليس عذاباً لأنه ينهي الإِحساس بالألم، ولنتعرف على الفارق بين الموت والعذاب حين نقرأ قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، يقول سيدنا سليمان حين تنبه لغياب الهدهد عندما وجد مكانه خاليا: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذْبَحَنَّهُ...} تفسير : [النمل: 20-21] هكذا نرى الفارق بين العذاب وبين الموت. وهنا يقول الحق: {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} و"عتوا" تعني أبْوا وعصوْا واستكبروا فحق عليهم عذاب الله الذي أوضحه قول الحق: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. لأن "العتو" كبرياء وإباء؛ فيعاقبهم الله بأن جعلهم كأخس الحيوانات فصيرهم أشباه القرود، كل منهم مفضوح السوءة، يسخر الناس منهم ويستهزئون بهم. فهل انقلبوا قردة؟. نعم؛ لأنك حين تأمر إنساناً بفعل.. أَلاَ تُقَدِّر قبل الأمر له بالفعل أنه صالح أن يفعل وألا يفعل؟. وحين يقول الله: {كُونُواْ قِرَدَةً} فهل في مكنتهم أن يصنعوا من أنفسهم قردة؟. ونقول: إن هذا اسمه "أمر تسخيري" أي اصبحوا وصُيرِّوا قردة. وقد رأوهم على هذه الهيئة من وعظوهم، وهي هنا مقولة "خبر" نصدقه بتوثيق من قاله، وكان هذا الخبر واقعاً لمن شاهده. ولذلك نجد المعجزات التي حدثت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن الذي وصلنا ككتاب منهج ومعجزة وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، لكن ألم ينبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم؟ لقد حدث ذلك وغيره من المعجزات وشاهده أصحابه صلى الله عليه وسلم، وأخبرونا بالخبر، وكان ذلك آية تُثبِّت يقينهم وإيمانهم. وتثبت لنا خبراً، فإن اتسع لها ذهنك فأهلاً وسهلاً، وإن لم يتسع لها فلا توقف إيمانك؛ لأنها آية لم تأت من أجلك أنت، وكل معجزة كونية حدثت لرسول الله فالمراد بها من شاهدها، ووصلتك أنت كخبر، إن وثقت بالخبر صدقته، وإن لم تثق به ووقفت عنده فلن ينقص إيمانك. غير أنه يجب على من وصل إليه الخبر بطريق مقطوع به، أن يصدق ويذعن. وقد أخبر الحق هنا بالأمر بقوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} بأنه أوقع عليهم عذاباً بأن جعلهم قردة خاسئين، فهذا عقاب للذين عتوا عمَّا نهوا عنه. والذين وعظوهم أو عاصروهم هم من شاهدوا وقوع العذاب. وهل الممسوخ يظل ممسوخاً؟. إن الممسوخ قرداً أو خنزيراً، يظل فترة كذلك ليراه من رآه ظالماً، ثم بعد ذلك يموت وينتهي. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ...}