٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
165
Tafseer
القرطبي
تفسير : والنسيان يطلق على الساهي. والعامد: التارك؛ لقوله تعالى: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي تركوه عن قصد؛ ومنه {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67]. ومعنى {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي شديد. وفيه إحدى عشرة قراءة: الأُولى ـ قراءة أبي عمرو وحمزة والكِسائيّ «بئيس» على وزن فعيل. الثانية ـ قراءة أهل مكة «بِئيس» بكسر الباء والوزن واحد. والثالثة ـ قراءة أهل المدينة «بِيْسٍ» الباء مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها سين مكسورة منوّنة، وفيها قولان. قال الكسائي: الأصل فيه «بِيِيس» خفيفة الهمزة، فالتقت ياءان فحذفت إحداهما وكسر أوّله؛ كما يقال: رَغِيف وشهيد. وقيل: أراد «بئس» على وزن فِعل؛ فكسر أوله وخفف الهمزة وحذف الكسرة؛ كما يقال: رَحِم ورِحْم. الرابعة ـ قراءة الحسن، الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها سين مفتوحة. الخامسة ـ قرأ أبو عبد الرحمن المقرىء «بَئِسٍ» الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منوّنة. السادسة ـ قال يعقوب القارىء: وجاء عن بعض القراء «بعذاب بَئِسَ» الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مفتوحة. السابعة ـ قراءة الأعمش «بَيْئسٍ» على وزن فيعل. وروى عنه «بَيْأسٍ» على وزن فيعل. وروى عنه «بَئِسٍ» بباء مفتوحة وهمزة مشددة مكسورة، والسين في كله مكسورة منوّنة، أعني قراءة الأعمش. العاشرة ـ قراءة نصر بن عاصم «بعذاب بَيّس» الباء مفتوحة والياء مشدّدة بغير همز. قال يعقوب القارىء: وجاء عن بعض القراء «بِئيسٍ» الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها ياء مفتوحة. فهذه إحدى عشرة قراءة ذكرها النحاس. قال عليّ بن سليمان: العرب تقول جاء ببنات بِيسٍ أي بشيء رديء. فمعنى «بِعَذَابٍ بِيسٍ» بعذاب رديء. وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، قال: لأنه لا يقال مررت برجل بِئس، حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلاً. قال النحاس: وهذا مردود من كلام أبي حاتم؛ حكى النحويون: إن فعلت كذا وكذا فبِهَا ونِعْمَتْ. يريدون فبها ونعمت الخصلة. والتقدير على قراءة الحسن: بعذاب بئس العذاب.
البيضاوي
تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ} تركوا ترك الناسي. {مَا ذُكّرُواْ بِهِ} ما ذكرهم به صلحاؤهم. {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالاعتداء ومخالفة أمر الله. {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} شديد فعيل من بؤس يبؤس بؤساً إذا اشتد. وقرأ أبو بكر "بيئس" على فيعل كضيغم، وابن عامر «بئس» بكسر الباء وسكون الهمز على أنه بئس كحذر، كما قرىء به فخفف عينه بنقل حركتها إلى الفاء ككبد في كبد، وقرأ نافع "بيس" على قلب الهمزة ياء كما قلبت في ذئب أو على أنه فعل الذم وصف به فجعل اسماً، وقرىء "بيس" كريس على قلب الهمزة ثم ادغامها و"بيس" بالتخفيف كهين وبائس كفاعل. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فسقهم. {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ} تكبروا عن ترك ما نهوا عنه كقوله تعالى: {أية : وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ }تفسير : [الأعراف: 77] {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} كقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى. روي: أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوماً ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا: إن لهم شأناً فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسباءهم ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث. وعن مجاهد مسخت قلوبهم لا أبدانهم. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي أعلم تفعل من الإيذان بمعناه كالتوعد والإِيعاد، أو عزم لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله فأجرى مجرى فعل القسم {كعلم ٱللَّهِ} و {شَهِدَ ٱللَّهُ}. ولذلك أجيب بجوابه وهو: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} والمعنى وإذ أوجب ربك على نفسه ليسلطن على اليهود. {مَن يَسُومُهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ} كالإِذلال وضرب الجزية، بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} عاقبهم في الدنيا. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب وآمن. {وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَمًا} وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة قط و {أُمَمًا} مفعول ثان أو حال. {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ } تقديره ومنهم أناس دون ذلك أي منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم. {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } بالنعم والنقم. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ينهون فيرجعون عما كانوا عليه. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} من بعد المذكورين. {خَلْفٌ} بدل سوء مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع. وقيل جمع وهو شائع في {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} التوراة من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها.{يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} حطام هذا الشيء الأدنى يعني الدنيا، وهو من الدنو أو الدناءة وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الحكومة وعلى تحريف الكلم، والجملة حال من الواو. {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، وهو يحتمل العطف والحال والفعل مسند إلى الجار والمجرور، أو مصدر يأخذون. {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} حال من الضمير في {لَنَا} أي: يرجون المغفرة مصرين على الذنب عائدين إلى مثله غير تائبين عنه. {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي في الكتاب. {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} عطف بيان للميثاق، أو متعلق به أي بأن يقولوا والمراد توبيخهم على البت بالمغفرة مع عدم التوبة والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب. {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} عطف على {أَلَمْ يُؤْخَذْ } من حيث المعنى فإنه تقرير، أو على {وَرِثُواْ} وهو اعتراض. {وَٱلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } مما يأخذ هؤلاء. {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} فيعلموا ذلك ولا يستبدلوا الأدنى الدنيء المؤدي إلى العقاب بالنعيم المخلد، وقرأ نافع وابن عامر وحفص ويعقوب بالتاء على التلوين. {وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } عطف على الذين {يَتَّقُونَ } وقوله: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } اعتراض أو مبتدأ خبره: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} على تقدير منهم، أو وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على أن الإِصلاح كالمانع من التضييع. وقرأ أبو بكر {يُمَسّكُونَ} بالتخفيف وإفراد الإِقامة لإِنافتها على سائر أنواع التمسكات. {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ } أي قلعناه ورفعناه فوقهم وأصل النتق الجذب. {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} سقيفة وهي ما أظلك. {وَظَنُّواْ} وتيقنوا. {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} ساقط عليهم لأن الجبل لا يثبت في الجو ولأنهم كانوا يوعدون به، وإنما أطلق الظن لأنه لم يقع متعلقه وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها فرفع الله الطور فوقهم. وقيل لهم إن قبلتم ما فيها وإلا ليقعن عليكم. {خُذُواْ } على إضمار القول أي وقلنا خذوا أو قائلين خذوا. {مَا ءاتَيْنَـٰكُم} من الكتاب. {بِقُوَّةٍ} بجد وعزم على تحمل مشاقه، وهو حال من الواو. {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق. {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ} أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرناً بعد قرن، و {مِن ظُهُورِهِمْ} بدل {مِن بَنِى ءادَمَ} بدل البعض. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم». {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا } أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: {قَالُواْ بَلَىٰ} فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ويدل عليه قوله: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي كراهة أن تقولوا. {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ} لم ننبه عليه بدليل. {أَوْ تَقُولُواْ} عطف على {أَن تَقُولُواْ}، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة. {إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً. {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك. وقيل لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه، وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح»، والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا الزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال: {وَكَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي عن التقليد واتباع الباطل. {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} أي على اليهود. {نَبَأَ ٱلَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} هو أحد علماء بني إسرائيل، أو أمية بن أبي الصلت فإنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولاً في ذلك الزمان، ورجا أن يكون هو فلما بعث محمد عليه السلام حسده وكفره به، أو بلعم بن باعوراء من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب الله، {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} من الآيات بأن كفر بها وأعرض عنها. {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} حتى لحقه وقيل استتبعه. {فَكَانَ مِنَ الغَاوِين} فصار من الضالين. روي أن قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه فقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا حتى دعا عليهم فبقوا في التيه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ } تركوا {مَا ذُكِّرُواْ } وعظوا {بِهِ } فلم يرجعوا {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالاعتداء {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } شديد {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَسُواْ} تركوا {مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. {ظَلَمُواْ} بترك المعروف وإتيان المنكر. {بَئِيس} شديد، أو رديء، أو عذاب مقترن بالبؤس هو الفقر، هلك المعتدون، ونجا المنكرون، ونجت التي لم تَعْتَدِ ولم تنكر، وقال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: لا أدري ما فعلتْ.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي فلما تركوا ما وعظوا به {أنجينا الذين ينهون عن السوء} وهم الفرقة الناهية {وأخذنا الذين ظلموا} يعني الفرقة المعتدية العاصية {بعذاب بئيس} أي شديد وجميع من البأس وهو الشدة {بما كانوا يفسقون} يعني أخذناهم بالعذاب بسبب فسقهم واعتدائهم وخروجهم عن طاعتنا. روى عكرمة عن ابن عباس قال: أسمع الله يقول أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس فلا أدر ما فعلت الفرقة الساكتة وجعل يبكي قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم، وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم قال فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ببردين فكسانيهما وقال: نجت الساكتة وقال يمان بن رباب: نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون والذين قالوا معذرة وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان وهذا قول الحسن، وقال ابن زيد: نجت الناهية وهلكت الفرقتان وهذه الآية أشد آية في ترك النهي عن المنكر وقوله تعالى: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} قول ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية والعتو عبارة عن الإباء والعصيان والمعنى فلما عتوا عما نهوا يعني عن ترك ما نهوا عنه وتمردوا في العصيان من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله عليهم من صيد السمك في يوم السبت وأكله {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} يعني صاغرين مبعدين من كل خير. قال قتادة: لما عتوا عما نهوا عنه مسخهم الله فصيرهم قردة تتعاوى بعد ما كانوا رجالاً ونساء. وقال ابن عباس: جعل الله منهم القردة والخنازير فزعم أن شبان القوم صاروا قردة وأن المشيخة صاروا خنازير، قيل إنهم بقوا ثلاثة أيام ينظر الناس إليهم ثم هلكوا جميعاً. قوله تعالى: {وإذ تأذن ربك} الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ومعنى تأذن أذن والأذان الإعلام يعني أعلم ربك وقيل معناه قال ربك، وقيل: حكم ربك وقيل آلى ربك بمعنى أقسم أجزما ربك {ليبعثن عليهم} اللام في قوله ليبعثن جواب القسم لأن قوله وإذ تأذن ربك جارٍ مجرى القسم لكونه وجواب القسم ليبعثن عليهم واختلفوا في الضمير في عليهم إلى من يرجع فقيل يقتضي أن يكون راجعاً إلى قوله فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين لكن قد علم أن الذين مسخوا لم يبق منهم أحد فيحتمل أن يكون المراد الذين بقوا منهم فألحق الذل بهم وقيل بأن المراد سائر اليهود من بعدهم لأن الذين بقوا من أهل القرية كانوا صالحين والذي بعثه الله على اليهود هو بختنصر وسخاريب وملوك الروم فساموهم سوء العذاب. وقيل: المراد بقوله ليبعثن عليهم اليهود الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بعثه الله عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته فألزم من لم يسلم منهم الصَّغار والذلة والهوان والجزية لازمة لليهود إلى يوم القيامة وأورد على هذا بأن في آخر الزمان يكون لهم عزة وذلك عند خروج الدجال لأن اليهود أتباعه وأشياعه وأجيب عنه بأن ذلك العز الذي يحصل لهم في نفسه غاية الذلة لأنهم يدعون إلهية الدجال فيزدادون كفراً على كفرهم فإذا هلك الدجال أهلكهم المسلمون وقتلوهم جميعاً فذلك هو الذلة والصغار المشار إليه بقوله تعالى ليبعثن عليهم {إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} وهذا نص في أن العذاب إنما يحصل لهم في الدنيا مستمراً عليهم إلى يوم القيامة ولهذا فسر هذا العذاب بالإهانة والذلة وأخذ الجزية منهم فإذا أفضوا إلى الآخرة؛ كان عذابهم أشد وأعظم وهو قوله تعالى {إن ربك لسريع العقاب} يعني لمن أقام على الكفر ففيه دليل على أنه يجمع لهم مع ذلة الدنيا عذاب الآخرة فيكون العذاب مستمراً عليهم في الدنيا والآخرة، ثم ختم الآية بقوله تعالى: {وإنه لغفور رحيم} يعني لمن آمن منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام. قوله تعالى: {وقطعناهم في الأرض أمماً} يعني وفرقنا بني إسرائيل في الأرض جماعات متفرقة فلا تجد بلداً وفيه من اليهود طائفة وجماعة، قال ابن عباس: كل أرض يدخلها قوم من اليهود {منهم الصالحون} يعني من هؤلاء الذين وصفهم الله من بني إسرائيل صالحون وهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه قبل مبعث عيسى عليه الصلاة والسلام وإنما وصفهم بذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وكفرهم بربهم ذكره الطبري ولم يذكر غيره، وروى البغوي وغيره من المفسرين عن ابن عباس ومجاهد: إن المراد بالصالحين الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود وآمنوا به والصحيح ما ذكره الطبري يدل عليه قوله بعد فخلف من بعدهم خلف والخلف إنما كان بعد هؤلاء الذين وصفهم بالصلاح من بني إسرائيل. وقوله تعالى: {ومنهم دون ذلك} يعني الذين كفروا من بني إسرائيل وبدلوا وغيروا {وبلوناهم} يعني جميعاً الصالح وغيره وهي بلوى اختبار وامتحان {بالحسنات} يعني الخصب والعافية {والسيئات} يعني الجدب والشدة {لعلهم يرجعون} يعني لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه. قال أهل المعاني: كل واحدة من الحسنات والسيئات إذا فسرت بالنعم والشدة تدعو إلى طاعة الله تعالى أما النعمة فيزداد عليها شكراً فيرغب في الطاعة وأما الشدة فيخاف سوء عاقبتها فيرهب منها.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ} أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤُهم تركَ الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً بحيث لم يخطُر ببالهم شيءٌ من تلك المواعظ أصلاً {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء} وهم الفريقان المذكورانِ، وإخراجُ إنجائِهم مُخرجَ الجوابِ الذي حقُّه الترتبُ على الشرط وهو نِسيانُ المعتدين المستتبِعُ لإهلاكهم لما أن ما في حيز الشرط شيآنِ: النسيانُ والتذكيرُ كأنه قيل: فلما تَذَكّرَ المذكورون ولم يتذكر المعتدون أنجينا الأولين وأخذنا الآخَرين، وأما تصديرُ الجواب بإنجائهم فلما مر مراراً من المسارعة إلى بـيان نجاتِهم من أول الأمرِ مع ما في المؤخر من نوع طُول {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالاعتداء ومخالفةِ الأمر {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي شديدٍ وزناً ومعنى، من بَؤُس يبؤُس بأساً إذا اشتد، وقرىء بَـيْئس على وزن فيعل بفتح العين وكسرِها، وبَئِسٍ على تخفيف العين ونقلِ حركتِها إلى الفاء ككَبِد في كبد وبِـيسٍ بقلب الهمزة ياءً كذيب في ذئب وبـيّس كريّس بقلب همزةِ بئيس ياءً وإدغام الياء فيها وبَـيْسٍ على تخفيف بـيّس كهَيْن في هيّن، وتنكيرُ العذاب للتفخيم والتهويل {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} متعلقٌ بأخذنا كالباء الأولى ولا ضيرَ فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب تماديهم في الفسق الذي هو الخروجُ عن الطاعة وهو الظلمُ والعدوانُ أيضاً، وإجراءُ الحكم على الموصول ـ وإن أشعرَ بعلّية ما في حيز الصلة له ـ لكنه صرّح بالتعليل المذكورِ إيذاناً بأن العلةَ هو الاستمرارُ على الظلم والعدوان مع اعتبار كونِ ذلك خروجاً عن طاعة الله عز وجل لا نفسُ الظلم والعدوان، وإلا لما أخّروا عن ابتداء المباشرة ساعة، ولعله تعالى قد عذبهم بعذاب شديد دون الاستئصالِ فلم يُقلعوا عما كانوا عليه بل ازدادوا في الغي فمسخهم بعد ذلك لقوله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} أي تمرّدوا وتكبروا وأبَوا أن يترُكوا ما نُهوا عنه {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ} صاغرين أذلاء بُعَداءَ عن الناس، والمرادُ بالأمر هو الأمرُ التكوينيُّ لا القولي، وترتيبُ المسخِ على العتو عن الانتهاء عما نهوا عنه للإيذان بأنه ليس لخصوصية الحوتِ بل العُمدةُ في ذلك هو مخالفةُ الأمر والاستعصاءُ عليه تعالى. وقيل: المرادُ بالعذاب البئيس هو المسخُ والجملةُ الثانية تقريرٌ للأولى. روي أن اليهودَ أُمروا باليوم الذين أُمرنا به وهو يومُ الجمعة فتركوه واختاروا السبت وهو المعنيُّ بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } تفسير : [النحل: 124] فابتُلوا به وحُرّم عليهم الصيدُ فيه وأُمروا بتعظيمه فكانت الحيتانُ تأتيهم يوم السبت كأنها المخاضُ لا يُرى وجهُ الماء لكثرتها ولا تأتيهم في سائر الأيامِ فكانوا على ذلك برهةً من الدهر ثم جاءهم إبليسُ فقال لهم: إنما نُهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً سهلةَ الورودِ صعبةَ الصدور ففعلوا فجعلوا يسوقون الحيتانَ إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها ويأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل ثم شواه يوم الأحد فوجد جارُه ريحَ السمك فتطلع في تنّوره فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يَرَه عُذّب أخذ في يوم السبت القابلِ حُوتين فلما رأوا أن العذابَ لا يعاجلُهم استمروا على ذلك فصادوا وأكلوا وملّحوا وباعوا وكانوا نحواً من سبعين ألفاً فصار أهلُ القرية أثلاثاً ثلثٌ استمروا على النهي، وثلثٌ ملُّوا التذكير وسئِموه وقالوا للواعظين: لم تعِظون الخ، وثلث باشروا الخطيئة فلما لم ينتهوا قال المسلمون: نحن لا نساكنُكم فقسموا القريةَ بجدار، للمسلمين بابٌ وللمعتدين باب ولعنهم داودُ عليه السلام فأصبح الناهون ذاتَ يوم في مجالسهم ولم يخرُجْ من المعتدين أحد فقالوا: إن لهم لشأناً فعَلَوا الجدارَ فنظروا فإذا هم قردةٌ ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القِردةُ أنسباءَهم من الإنس وهم لا يعرفونها فجعل القردُ يأتي نسيبَه فيشم ثيابه فيبكي فيقول له نسيبُه: ألم ننهَكم؟ فيقول القردُ برأسه: بلى، ثم ماتوا عن ثلاث، وقيل: صار الشبانُ قردةً والشيوخُ خنازير، وعن مجاهد رضي الله عنه: مُسخت قلوبُهم، وقال الحسن البصري: أكلوا والله أوخَمَ أكلةٍ أكلها أهلُها أثقلُها خزياً في الدنيا وأطولُها عذاباً في الآخرة هاه وأيمُ الله ما حوتٌ أخذه قومٌ فأكلوه أعظمُ عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله تعالى جعل موعداً والساعةُ أدهى وأمرّ.
القشيري
تفسير : إذا تمادى العبد في تَهتُّكِه، ولم يُبالِ بطول الإمهال والسَّتْر لم تُهْمِلْ يدُ التقرير عن استئصال العين، ومحو الأثر، وسرعة الحساب، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر. ثم البرءُ في فضاء السلامة، وتحت ظِلِّ الحفظ، ودوام روْح التخصيص وبَرْدِ عيش التقريب.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما نسوا ما ذكروا به} اى تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسى للشيء واعرضوا عنه اعراضا كليا بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ اصلا فيكون من ذكر المسبب وارادة السبب {انجينا الذين ينهون عن السوء} اى خلصنا الذين ينهون عن الاصطياد وهم الفريقان المذكوران. قال ابن عباس رضى الله عنهما نزل والله بالمداهن ما نزل بالمستحل. وقال الحسن نجت فرقتان وهلكت فرقة وانكر القول الذى ذكره عن ابن عباس وقال ما هلك الا فرقة لانه ليس شيء ابلغ فى الامر بالمعروف والوعظ من ذكر الوعيد وقد ذكرت الفرقة الثالثة الوعيد فقالت لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا وقول الحسن اقرب الى ظاهر الآية كذا فى تفسير الحدادى {واخذنا الذين ظلموا} بالاعتداء ومخالفة الامر {بعذاب بئيس} اى شديد وزنا ومعنى {بما كانوا يفسقون} متعلق باخذنا كالباء الاولى ولا ضير فيه لاختلافهما معنى اى اخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب تماديهم فى الفسق الذى هو الخروج عن الطاعة وهو الظلم والعدوان ايضا ولعله تعالى قد عذبهم بعذاب شديد دون الاستئصال فلم يقلعوا عما كانوا عليه بل ازدادوا فى الغى فمسخهم بعد ذلك لقوله تعالى {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} اى تمردوا وتكبروا وابوا عن ترك ما نهوا عنه قدر المضاف اذ التكبر والاباء من نفس المنهى عنه لا يذم فهو كقوله تعالى {أية : فعتوا عن أمر ربهم} تفسير : [الذاريات: 44]. اى عن امتثال امر ربهم والعاتى هو شديد الدخول فى الفساد المتمرد الذى لا يقبل الموعظة {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} صاغرين اذلاء بعداء عن الناس. فى القاموس خسأ الكلب كمنع طرده والكلب بعد. والقردة جمع قرد بالفارسى [بوزينه] والانثى قردة وجمعها قرد مثل قربة وقرب والمراد هو الامر التكوينى لا القولى التكليفى لانهم لا يقدرون على قلب انفسهم قردة وتكليف العاجز غير معقول فليس ثمة قول ولا امر مأمور حقيقة وانما هو تعلق قدرة وارادة بمسخهم نعوذ بالله تعالى - روى - ان اليهود امروا باليوم الذى امرنا به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا يوم السبت وهو المعنى بقوله تعالى {أية : إنما جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فيه} تفسير : [النحل: 124]. فابتلوا به وحرم عليهم الصيد وامروا بتعظيمه فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت كأنها المخاض والكباش البيض السمان تنتطح لا يرى وجه الماء لكثرتها ولا تأتيهم فى سائر الايام فكانوا على ذلك برهة من الدهر ثم جائهم ابليس فقال لهم انما نهيتم عن اخذها يوم السبت فاتخذوا حياضا سهلة الورود صعبة الصدور ففعلوا فجعلوا يسوقون الحيتان اليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج وياخذونها يوم الاحد واخذ رجل منهم حوتا وربط فى ذنبه حيطا الى خشبة فى الساحل ثم شواه يوم الاحد فوجد جاره ريح السمك فتطلع على تنوره فقال له انى ارى الله سيعذبك فلما لم ير عذاب اخذ فى السبت القابل حوتين فلما رأوا ان العذاب لا يعاجلهم استمروا على ذلك فصادوا واكلوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من سبعين الفا فكان اهل القرية اثلاثا. ثلث استمروا على النهى. وثلث ملوا التذكير وشموه وقالوا للواعظين لم تعظون الخ. وثلث باشروا الخطيئة فلم ينتهوا قال المسلمون نحن لا نساكنكم فباعوا الدور والمساكن وخرجوا من القرية فضربوا الخيام خارجا منها او اقتسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود عليه السلام فاصبح الناهون ذات يوم فخرجوا من ابوابهم وانتشروا لمصالحهم ولم يخرج من المعتدين احد فقالوا لعل الخمر غلبتهم او ان لهم شأنا من خسف او مسخ او رمى بالحجارة فعلوا الجدر فنظروا فاذا هم قردة او صار الشبان قردة والشيوخ خنازير ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة انسابهم من الانس وهم لا يعرفونها فجعل القرد يأتى نسيبه فيشم ثيابه فيبكى ويقول له نسيبه ألم ننهكم فيقول القرد برأسه بلى ودموعهم تسيل على خدودهم ثم ماتوا عن مكث ثلاثة ايام كما قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يعش ممسوخ قط اكثر من ثلاثة ايام وعليه الجمهور. واما قوله عليه السلام "حديث : فقدت امة من بنى اسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا اراها الا الفأر الا ترونها اذا وضع لها البان الابل لم تشربها واذا وضع لها البان غيرها شربتها " . حديث : وما روى ان النبى عليه السلام اتى بضب فابى ان يأكله وقال "لا ادرى لعله من القرون التى مسخت" " . تفسير : فالجواب عنهما ان ذلك كان قبل ان يوحى اليه ان الله لم يجعل لممسوخ نسلا فلما اوحى اليه زال عنه ذلك المتخوف وعلم ان الضب والفأر ليسا مما مسخ فعند ذلك "حديث : اخبرنا بقوله صلى الله عايه وسلم لمن ساله عن القردة والخنازير أهى مما مسخ الله فقال "ان الله لم يهلك قوما او يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وان القردة والخنازير كانوا قبل ذلك وثبت النصوص باكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكره" " . تفسير : كذا فى حياة الحيوان. وعن مجاهد انما مسخت قلوبهم فقط وردت افهامهم كافهام القردة وهذا قول تفرد به جميع المسلمين. يقول الفقير مسخ القلب مشترك بين عصاة جميع الامم وعادة الله تعالى فى النبوة الاولى تعجيل عقوبة الدنيا على اقبح وجه وافظعه لا عقوبة ادهى من تبديل الصورة الحسنة الانسانية الى صورة اخس الحيوانات وهى صورة القردة والخنازير القبيحة نعم مسخ القلب والمعنى سبب لمسخ القالب والصورة نعوذ بالله. وعن الحسن وايم الله ما حوت اخذه قوم فأكلوه اعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل ذلك موعدا والساعة ادهى وامر. "حديث : قال انس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سئل هل فى امتك خسف "قال نعم" قيل ومتى ذلك يا رسول الله قال "اذا لبسوا الحرير واستباحوا الزنى وشربوا الخمور وطففوا المكيال والميزان واتخذوا القينات والمعازف وضربوا بالدفوف واستحلوا الصيد فى الحرم" ". تفسير : والاشارة ان القرية هى قرية الجسد الحيوانى على شاطئ بحر البشرية واهل قرية الحس الصفات الانسانية وهى على ثلاث اصناف. منها صنف روحانى كصفات الروح. وصنف قلبى كصفات القلب. وصنف نفسانى كصفات النفس والامارة بالسوء وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعى البشرية فى سبت محارم الله. فصنف امسك عن الصيد ونهى عنه وهو الصفات الروحانية وصنف امسك ولم ينه وهو الصفات القلبية. وصنف انتهك الحرمة وهو الصفات النفسانية. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة يوم طور النفس الامارة بالسوء يوم السبت لانقطاع اهله باتباع الطاغوت والجبت وشهره شهر المحرم لحرمانه من القرية والنيل والوصلة ونجمه القمر وفلكه فلك السماء الدنيا وآيته قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} تفسير : [الحشر: 18]. انتهى وتتوفر الدواعى البشرية فيما حرم الله باغراء الشيطان وتزيينه لان الانسان حريص على ما منع ولا يرغب فيما لم يحرم الله فمن كان الغالب عليه صفات الروح وقهر النفس وتبديل صفاتها بالتزكية والتحلية فانه من اهل النجاة وارباب الدرجات واصحاب القربات. ومن كان الغالب عليه النفس وصفاتها فانه من اهل الهلاك وارباب الدركات واصحاب المباعدات: وفى المثنوى شعر : نفس توتامست وتازه است وقديد دانكه روحت حاسه غيبى نديد كه علاماتست زان ديدار نور التجافى منك عن دار الغرور واى آنكه عقل او ماده بود نفس زشتش نرو آماده بود لا جرم مغلوب باشد عقل او جزسوى خسران نباشد نقل او وصف حيوانى بود بر زن فزون زانكه سوى رنك وبودارد ركون
الطوسي
تفسير : قرأ أبو بكر إلا العليمي "بيئس" بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها همزة مفتوحة على وزن (فيعل) وروي عنه بكسر الهمزة. وقرأ اهل المدينة والداحوني عن هشام بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة من غير همز. وقرأ مثل ذلك ابن عامر الا الداحونى عن هشام إلا أنه همز. الباقون بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن (فعيل). وروى خارجة عن نافع بفتح الباء بعدها ياء بلا همز على وزن (فعل). قال ابو زيد: قد بؤس الرجل يبؤس بأساً إذا كان شديد البأس، وفي البؤس بئس وبيس يبأس بؤساً وبيئساً وباساً والبأساء الاسم. قال أبو علي: من قرأ على وزن (فعيل) يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس إذا كان شديد البأس مثل {أية : من عذاب شديد} تفسير : قال ابو محمد الفقعسي: شعر : أشعث غير حسن اللبوس باق على عيش له بئيس تفسير : أي شديد. والثاني - أن يكون من عذاب ذي بئيس. فوضعه بالمصدر، والمصدر قد يجيء على (فعيل) مثل نكير ونذير وشحيح وعذير الحي، والتقدير من عذاب ذي بئيس أي عذاب ذي بؤس. ومن قرأ بكسر الباء من غير همز فانه جعلها اسماً، فوصفه به مثل قوله صلى الله عليه وآله "حديث : إن الله نهى عن قيل وقال" تفسير : ومثله: منذ شب الى رب. ونظيره من الصفة نقض وبصق. ومن فتح الباء من غير همز فهو أيضاً (فعل) في الاصل وصف به وابدلت الهمزة ياء وحكى سيبوية أنه سمع بعض العرب يقول: بيس فلا يحقق الهمزة ويدع الحرف على الأصل الذي هو (فعل) كأنه يسكن العين كما يسكن من (علم) ويقلب الهمزة ياء الا أنه لما أسكنها لم يجز أن يجعلها بين بين فأخلصها ياء. وقراءة ابن عامر مثل قراءة نافع إلا أن ابن عامر حقق الهمزة. وقراءة ابي بكر على وزن "فيعل" فانه جعله وصفاً كضيغم وحيدر، وهذا البناء كثير في الصفة ولا يجوز كسر العين من بيئس لان "فيعل" بناء اختص به ما كان عينه ياء أو واواً مثل سيد وطيب، ولم يجئ مثل ضيغم وجاء في المعتل حكى سيبويه عين وانشد لرؤبة. شعر : ما بال عيني كالشعيب العين تفسير : فينبغي ان يحمل بيئس على الوهم عمن رواه عن عاصم والاعمش بالكسر وقد أنشد بعضهم: شعر : كلاهما كان رئيساً بيئسا يضرب في يوم الهياج القونسا تفسير : أعلى كل شي قونسه بكسر العين. فمن كسر العين حمله على هذه اللغة. أخبر الله تعالى أنه لما ترك أهل هذه القرية الرجوع عن ارتكاب المعصية بصيد السمك يوم السبت بعد أن ذكرهم الواعظون ذلك ولم ينتهوا عن ذلك أنه انجى الناهين عن ذلك وأخذ الذين ظلموا انفسهم بعذاب شديد جزاء بما كانوا يفسقون ويخرجون عن طاعة الله إلى معصيته. وروي عن عطا أن رجلا دخل على ابن عباس وبين يديه المصحف وهو يبكى وقد أتى على هذه الاية إلى آخرها، فقال ابن عباس قد علمت ان الله اهلك الذين أخذوا الحيتان وانجى الذين نهوهم، ولا ادري ما صنع بالذين لم ينهوهم ولم يواقعوا المعصية وهي حالنا. و {نسوا} في الاية معناه تركوا ويحتمل ان يكون تركهم القبول في منزلة من نسي، ولايجوز أن يكون المراد النسيان الذي هو السهو، لأنه ليس من فعلهم فلا يذمون عليه. وقال الجبائي العذاب الشديد لحقهم قبل ان يمسخوا قردة خاسئين.
الجنابذي
تفسير : {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} تركوا ما ذكّرهم الواعظون من التّحذير من العذاب او ما ذكّرهم الله من حرمة السّبت وحرمة الصّيد فيه {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} يعنى الواعظين لانّهم ما كانوا راضين بفعلهم ولا ساكتين عن نهيهم {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} انفسهم بترك ما عليهم وارتكاب ما ليس لهم فى السّبت {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} شديدٍ {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} بسبب فسقهم الّذى هو سبب من جهة القابل لا الفاعل.
الأعقم
تفسير : {فلما نسوا} يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس}، قيل: كان أهل القرية سبعين ألفاً فصاروا أثلاثاً: ثلث نهوا وكانوا نحو من اثني عشر ألفاً، وثلث قالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم الخ، وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: انَّا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، فلعنهم داوود (عليه السلام) فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحدٌ، فقالوا: ان للناس شأناً، فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الإِنس، والإِنس لم يعرفون أنسابهم من القردة، وجعل القرد يأتي نسبه فيشم ثيابه ويبكي فيقول له: ألم أنهك؟ فيقول برأسه: بلى، وقيل: صارت الشباب قردة والشيوخ خنازير {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} أي صاغرين، وقيل: الخاسئ الذي لا يتكلم، وقيل: مطرودين مبعدين، قيل: مكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا، وقيل: عاشوا سبعة أيام ثم ماتوا، وقيل: عاشوا وتوالدوا عن الحسن والصحيح الأول، قوله تعالى: {وإذ تأذن ربك}، قيل: اعلم، وقيل: أمر {ليبعثن} والمعنى وإذ حتَّم ربك وكتب على نفسه {ليبعثن عليهم} أي على اليهود {من يسومهم سوء العذاب} وكانوا يؤدون الجزية الى المجوس إلى أن بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فضربها عليهم فهي لا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر، والآية تدل على أنهم لا يكون لهم دولة ولا عز {وقطعناهم في الأرض} يعني بني إسرائيل فرقناهم فشتت أمرهم وذهب عزّهم عقوبة لهم {منهم الصالحون} الذين آمنوا بالمدينة والذين وراء الصين {ومنهم} ناس {دون ذلك} الوصف وهم الكفرة والفسقة {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} النعم والنقم {لعلهم يرجعون} فينتهون ويتسننون لهم {فخلف من بعدهم خلف} وهم الذين كانوا في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {ورثوا الكتاب} وهو التوراة يقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم وهم لا يعملون بها {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي حطام هذا الشيء الأدنى، والمراد الدنيا وما يمتع به منها، يريد بما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام وعلى تحريف الكلام للتسهيل على العامة {ويقولون سيغفر لنا} لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، وروي أنهم قالوا ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنَّا بالليل تمنياً على الله الأباطيل {وأن يأتهم عرض مثله يأخذوه}، قيل: وان عرض لهم ذنب آخر عملوا به، وقال مجاهد: ما أشرف لهم في اليوم من شيء من الدنيا من حلال أو حرام أخذوه، وقيل: معناه وان يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غرض مثله يأخذوه {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} يعني قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلاَّ بالتوبة {ودرسوا ما فيه} يعني ما في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والذي عليه المحبرة هو مذهب اليهود بعينه.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا نسُوا ما ذكِّروا بهِ} ما وعظهم به الطائفتان، أى تركوا تركا شبيها بزوال الشئ من الحافظة بالكلية، ويجوز وقوع ما على التذكير {أنجينا الَّذينَ ينْهوْنَ عَنِ السُّوء} من نهى وانقطع، ومن نهى ودام على النهى، والسوء صيد الحوت يوم السبت، أو المعصية مطلقا الشاملة لذلك {وأخَذْنا الَّذين ظَلمُوا} أنفسهم بمخالفة أمر الله {بعَذابٍ بَئيسٍ} أى شديد بكسر الباء وإسكان الياء منقلبة عن الهمزة، وهو وصف بوزن فعل بكسر الفاء وإسكان العين، وقال القاضى: يجوز أن يكون فعل ذم وصف به فجعل اسما مجروراً منونا، وذلك قراءة نافع وأبى جعفر وشيبة وغيرهما من أهل المدينة. وروى خارجة عن نافع أنه فتح الباء وأسكن الياء وكسر السين منونة، وقرأ ابن عامر بكسر الباء وهمزة ساكنة بعدها تخفيفا بالنقل وكسر السين منونة، وقرأ أبو بكر فى رواية عاصم عنه بفتح الباء وإسكان الياء بعدها وهمزة مفتوحة بعد الياء، وكسر السين منونة بوزن فيعل، وبه قرأ الأعمش فى رواية، وقرأ باقى السبعة بفتح الباء وكسر الهمزة بعدها أو ياء ساكنة بعد الهمزة وكسر السين منونة، وهو رواية عن أبى بكر، ورواه ابو قرة أيضا عن نافع، ورواه حفص عن عاصم، وبه قرأ الأعرج ومجاهد، وأهل الحجاز، وأبو عبد الرحمن، ونصر ابن عاصم، والأعمش فى رواية، وهى التى رجح أبو حاتم، وقرأ أبو رجاء بائس كقائل وبائع وسائل. وروى مالك بن دينار، عن نصر بن عاصم بيس بباء وياء مفتوحتين وسين مكسورة منونة، وروى عنه بفتح الباء وكسر الياء وكسر السين منونة، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة بن مصرف بباء مفتوحة وهمزة مكسورة وكسر السين منونة، ونسبها أبو عمرو الدانى إلى نصر بن عاصم، وقرأ الأعمش فى رواية بئس بباء مفتوحة وهمزة مكسورة مشددة وسين مكسورة منونة، وقرأت فرقة بئس بباء مفتوحة وهمزة مكسورة وسين مفتحة، وهو فعل كما روى عن الحسن بيس بباء مكسورة وياء ساكنة وسين مفتوحة، وقرأ أهل مكة بيس بباء مكسورة بعدها ياء ساكنة وسين مكسورة منونة، وكسر الباء تبعا للهمزة. قال أبو حاتم: هو لغة، وقرأ عيسى بن عمر والأعمش فى رواية بئيس بباء مفتوحة فياء ساكنة فهمزة مكسورة، وكسر السين منونة وهو شاذ، لأن فيعلا بكسر العين بابه المعتل كسيد، ولكن بعض يعد الهمزة حرف علة، أو هو من البوس بالواو والباس بالألف بلا همزهما، وروى نصر، عن عاصم بيس بفتح الباء وكسر الياء مشددة، وكسر السين منونة، وفيها ما فى التى قبلها، وعن الحسن والأعمش بئس بكسر الباء وإسكان الهمزة وفتح الياء وكسر السين منونة، وضعفها أبو حاتم، وعن الحسن بأس بفتح الباء وإسكان الهمزة وكسر السين منونة، وقرأت فرقة باس كذلك بألف، وفرقة بيس بالياء بوزن قعد وهو فعل، وكذا فى قراءة مالك بن دينار باس بألف بوزن قال. {بما كانُوا يفْسُقونَ} بسبب كونهم يفسقون، أو بالفسق الذى يفسقونه، وفسقهم الاعتداء فى السبت وغيره من المعاصى. وزعم بعضهم أن القائلين: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا الطائفة العاصية، قالوا للناهين: إذا كان الأمر كما تقولون فلم تعظوننا ونحن قوم مهلكون أو معذبون، والخطاب بالكاف للعاصية، ويرده بقاء قوله: {ولعلهم يتقون} حينئذ متعطلا، إلا أن يقال التفات من الخطاب للغيبة، أو القائلون لم تعظون فرقة من العاصية، والخطاب لها، والغيبة فى لعلهم يتقون لجملة العاصين، وقيل: فرقة عصت وفرقة نهت وهى نحو اثنى عشر الفا، وفرقة لم تنه وهى القائلة لم تعظون الخ. أخبر الله أن الناهين نجوا، والعاصين هلكوا، ولم يخبر عن التى لم تنه، فقال الحسن وعكرمة وغيرهما: إنها نجت ووجه أنهم لم ينهوا لعلمهم أنه لا يقبل عنهم، والنهى ساقط إذا علم ذلك، ويجب الترك إذ كان سببا للتلهى به زيادة عن عدم القبول، أو لم ينهوا لأن النهى على الكفاية، وقد نهاهم غيرهم، وإن قالوا: لم تعظون إلخ بمحضرة العاصين فهو كاف فى النهى عند الحسن إذا ثبتوا لهم الوعيد على فعلهم. ودخل عكرمة على ابن عباس وهو يقرأ فى المصحف هذه الآية ويبكى ويقول: والله ما أدرى ما فعلت الفرقة الساكتة؟ فقال عكرمة: جعلنى الله فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه وقالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم" وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم، فاعجبه قوله، ورضى به، وكساه بردين، وقال نجت الساكتة، وقال ابن زيد: هلكت الساكتة، فهذه أشد آية فى ترك النهى، وما ذكرته من أنهم افترقوا فرقتين نسبه الطبرى لابن الكلبى، واختار بعضهم أنهم افترقوا ثلاثا وبين ذلك العذاب البئيس بقوله: {فلمَّا عَتوْا...}
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا نَسُوْا} تركوا، وهو مجاز لعلاقة اللزوم والتسبب أَو لشبه الترك عمدا بالزوال عن الحافظة الذى لا يراد هنا لأَنه لا يؤاخذ به، ولأَن الترك عن عمد هو الذى يترتب عليه إِنجاء الناهين فى قوله عز وجل أَنجينا {مَا ذُكِّرُوا بِهِ} وعظوا به من عذاب الله وإِهلاكه على من خالفه {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} الصيد والسبت وسائر الفسق. استمروا، أَو نهوا ولما رأَوا أَنه لا ينفع نهيهم سكتوا، وكلا الفريقين يصدق عليه أَنه ينهى ولو كان أَظهر فيمن استمر {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} صادوا وفسقوا أَو رضوا أَو أَعانوا، أَو لم ينهوا قصورا فى الديانة وتهاونا لا اكتفاءَ بنهى الناهين مع الإِنكار بقلوبهم {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} شديد، والياء عن همزة كذيب بياء عن همزة مصدر وصف به، قيل: أَو هو من فعل جامد من باب نعم، صير وصفا ونعت به، وذلك العذاب البئيس عذاب آخر، وهو غير المسخ اَصابهم {وبِمَا كَانُوا يَفْسِقُونَ} بالصيد وغيره، ولما لم ينزجروا عن الفسق بذلك العذاب بل زادوا اعتداءً مسخوا قردة كما دلت عليه الفاء بالأَصالة فى قوله.
الالوسي
تفسير : {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً، فما موصولة وجوز أن تكون مصدرية، وهو خلاف الظاهر. والنسيان مجاز عن الترك، واستظهر أنه استعارة حيث شبه الترك بالنسيان بجامع عدم المبالاة، وجوز أن يكون مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية، ولم يحمل على ظاهره كما قال بعضهم المحققين لأنه غير واقع ولأنه لا يؤاخذ بالنسيان ولأن الترك عن عمد هو الذي يترتب عليه انجاء الناهين في قوله سبحانه وتعالى: { أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} إذ لم يمتثلوا أمرهم بخلاف ما لو نسوه فإنه كان يلزمهم تذكيرهم وظاهر الآية ترتب الإنجاء على النسيان وهو في الحقيقة مرتب على النسيان والتذكير، وما في حيز الشرط مشير إليهما فكأنه قيل: فلما ذكر المذكرون ولم يتذكر المعتدون وأعرضوا عما ذكروا به أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين، وعنوان النهي عن السوء شامل للذين قالوا {أية : لِمَ تَعِظُونَ} تفسير : [الأعراف: 164] الخ وللمقول لهم ذلك، أما شموله للمقول لهم فواضح وأما شموله للقائلين فلأنهم نهوا أيضاً إلا أنهم رأوا عدم النفع فكفوا وذلك لا يضرهم فقد نصوا على أنه إذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه سقط عنه النهي وربما وجب الترك على ما قال الزمخشري لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على الطريق لأخذ أموال الفقراء وغيرهم بغير حق لتعظهم وتكفهم عما هم عليه كان ذلك عبثاً منك ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك، ولم يعرض أولئك كما أعرض هؤلاء لعدم بلوغهم في اليأس كما بلغ إخوانهم أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ } تفسير : [الكهف: 6] وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة وعنى بهم القائلين ومنشأ قوله هذا كما نطقت به بعض الروايات أنه سمع قوله سبحانه: {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} وقوله جل وعلا: {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي بالاعتداء ومخالفة الأمر ولم يغص رضي الله تعالى عنه مع أنه الغواص فقال له عكرمة: جعلني الله فداك ألا تراهم كيف أنكروا وكرهوا ما القوم عليه وقالوا ما قالوا وإن لم يقل الله سبحانه أنجيتهم لم يقل أهلكتهم فأعجبه قوله وأمر له ببردين وقال: نجت الساكتة، ونسب الطبرسي إليه رضي الله تعالى عنه قولين آخرين في الساكتة أحدهما القول بالتوقف وثانيهما القول بالهلاك وبه قال ابن زيد، وروي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه فالمأخوذ حينئذ الساكتون والظالمون. {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي شديد وفسره الحبر بما لا رحمة فيه ويرجع إلى ما ذكر، وهو فعيل إما وصف أو مصدر كالنكير وصف به مبالغة، والأكثرون على كونه وصفاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. / وقال الراغب: البؤس ((البؤس والبأس والبأساء الشدة والمكروه إلا أن البؤس في الفقرة والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية))، وقرأ أبو بكر {بيئس} على فيعل كضيغم وهو من الأوزان التي تكون في الصفات والأسماء، والياء إذا زيدت في المصدر هكذا تصيره اسماً أو صفة كصقل وصيقل وعينه مفتوحة في الصحيح مكسورة في المعتل كسيد، ومن هنا قيل في قراءة عاصم في رواية عنه {بيئس} بكسر الهمزة إنها ضعيفة رواية ودراية ويخففها أن المهموز أخو المعتل، وقرأ ابن عامر {بئس} بكسر الباء وسكون الهمزة على أن أصله بئس بباء مفتوحة وهمزة مكسورة كحذر فسكن للتخفيف كما قالوا في كبد كبد وفي كلمة كلمة، وقرأ نافع {بيس} على قلب الهمزة ياء كما قلبت في ذيب لسكونها وانكسار ما قبلها، وقيل: إن هاتين القراءتين مخرجتان على أن أصل الكلمة بئس التي هي فعل ذم جعلت اسماً كما في قيل وقال، والمعنى بعذاب مذموم مكروه، وقرىء {بيس} كريس وكيس على قلب الهمزة ياء ثم إدغامها في الياء، وقيل: على أنه من البؤس بالواو وأصله بيوس كميوت فأعل إعلاله و {بيس} على التخفيف كهين و {بائس} بزنة اسم الفاعل أي ذو بأس وشدة، وقرىء غير ذلك، وأوصل بعضهم ما فيه من القراءات إلى ست وعشرين، وتنكير العذاب للتفخيم والتهويل. { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} متعلق بأخذنا كالباء الأولى ولا ضير فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب فسقهم المستمر، ولا مانع من أن يكون ذلك سبباً للأخذ كما كان سبباً للابتداء وكذا لا مانع من تعليله بما ذكر بعد تعليله بالظلم الذي في حيز الصلة لأن ذلك ظلم أيضاً، ولم يكتف بالأولى لما لا يخفى.
د. أسعد حومد
تفسير : (165) - فَلَمْ يَهْتَمَّ هَؤُلاءِ بِأمْرِ اللهِ، وَلاَ بِتَذْكِيرِ إِخْوانِهِمْ، فَجَاءَ أَمْرُ اللهِ فَأخَذَهُمْ بِعَذابٍ شَدِيدٍ (بِئَيسٍ) بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَنَجّى اللهُ تَعَالَى الذِينَ قَامُوا مِنْهُمْ بِأمْرِهِ بِالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويخبرنا الحق هنا أن الموعوظين حينما نسوا ما وعظهم به بعض المؤمنين أهلكهم الله بالعذاب الشديد جزاءً لخروجهم وفسوقهم عن المنهج وأنجى الله الفرقة الواعظة. وماذا عن الفرقة الثالثة التي لم تنضم إلى الواعظين أو الموعوظين؟ الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} إن قولهم هذا لون من الوعظ؛ فساعة يخوفونهم بأن ربنا مهلك أو معذب من يخرج على منهجه، فهو وعظ من طرف آخر. وقوله الحق: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} يدل على أنه قد وعظهم غيرهم وذكروهم. ويعذب الحق هؤلاء الذين ضربوا عرض الحائط بمنهجه ولم يسمعوا مَن وعظوهم، وخرجوا على تعاليمه فظلموا أنفسهم واستحقوا العذاب الشديد؛ فالمسألة ليست تعنتاً من الله؛ لأنهم السبب في هذا، إما بفسق، وإمّا بظلم للنفس. ويقول الحق بعد ذلك: {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} معناهُ شَديدٌ. ويقالُ وجيعٌ أليمٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):