Verse. 1118 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِذْ قَالَتْ اُمَّۃٌ مِّنْہُمْ لِمَ تَعِظُوْنَ قَوْمَۨاۙ اللہُ مُہْلِكُہُمْ اَوْ مُعَذِّبُہُمْ عَذَابًا شَدِيْدًا۝۰ۭ قَالُوْا مَعْذِرَۃً اِلٰى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّہُمْ يَتَّقُوْنَ۝۱۶۴
Waith qalat ommatun minhum lima taAAithoona qawman Allahu muhlikuhum aw muAAaththibuhum AAathaban shadeedan qaloo maAAthiratan ila rabbikum walaAAallahum yattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ» عطف على إذ قبله «قالت أمَّة منهم» لم تصد ولم تنهَ لمن نهى «لم تعظون قوما الله مُهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا» موعظتنا «معذرة» نعتذر بها «إلى ربِّكم» لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي «ولعلَّهم يتقون» الصيد.

164

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَإِذْ قَالَتْ } معطوف على قوله: {إِذْ يَعْدُونَ } وحكمه حكمه في الإعراب وقوله: {أُمَّةٌ مِّنْهُمْ } أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم. وقوله: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } لتماديهم في الشر، وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله: {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ } فيه بحثان: البحث الأول: قرأ حفص عن عاصم {مَعْذِرَةً } بالنصب والباقون بالرفع، أما من نصب {مَعْذِرَةً } فقال الزجاج معناه: نعتذر معذرة، وأما من رفع فالتقدير: هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف. البحث الثاني: المعذرة مصدر كالعذر، وقال أبو زيد: عذرته أعذره عذراً ومعذرة، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره، وقيل: عذره، يقال: من يعذرني أي يقوم بعذري، وعذرت فلاناً فيما صنع أي قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ } أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر. قلنا: قد فعلنا فنكون بذلك معذورين، وقال الأزهري: المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار. كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا. فأقيم الاسم مقام الاعتذار، ويقال: اعتذر فلان اعتذاراً وعذراً ومعذرة من ذنبه فعذرته، وقوله: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب. إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية قولان: القول الأول: أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين: منهم من وعظ الفرقة المذنبة، وزجرهم عن ذلك الفعل، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم: لم تعظوهم، مع العلم بأن الله مهلكهم أو معذبهم؟ يعني: أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر، فوجب تركه. والقول الثاني: أن أهل القرية كانوا فرقتين: فرقة أقدمت على الذنب، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ } بزعمكم؟ قال الواحدي: والقول الأول أصح، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ } خطاباً من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا: وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أما قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } يعني: أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية. واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت، والفرقة الناهية عن المنكر نجت. أما الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ } فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا؟ فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه. ونقل عنه أيضاً: هلكت الفرقتان ونجت الناهية، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا، ونحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت ولا نقول شيئاً. قال الحسن: الفرقة الساكتة ناجية، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة. واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ } دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به. فإن قيل: إن ترك الوعظ معصية، والنهي عنه أيضاً معصية، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله: {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }. قلنا: هذا غير لازم، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية. فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره. وقوله: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت: أحدها: {بَئِيسٍ } بوزن فعيل. قال أبو علي: وفيه وجهان: الأول: أن يكون فعيلاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. والآخر: ما قاله أبو زيد، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً وبئيساً إذا افتقر فهو بائس، أي فقير. فقوله: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي ذي بؤس. والقراءة الثانية (بِئْسَ) بوزن حذر. والثالثة: (بيس) على قلب الهمزة ياء، كالذيب في ذئب، والرابعة: (بيئس) على فيعل. والخامسة: (بيس) كوزن ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها. والسادسة:(بيس) على تخفيف بيس كهين في هين، وهذه القراآت نقلها صاحب «الكشاف». ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ} عطف على {إِذْ يَعْدُونَ}. {أُمَّةٌ مّنْهُمْ} جماعة من أهل القرية يعني صلحاءهم الذين اجتهدوا في موعظتهم حتى أيسوا من اتعاظهم. {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} مخترمهم. {أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} في الآخرة لتماديهم في العصيان، قالوه مبالغة في أن الوعظ لا ينفع فيهم، أو سؤالاً عن علة الوعظ ونفعه وكأنه تقاول بينهم أو قول من ارعوى عن الوعظ لمن لم يرعو منهم، وقيل المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعاظهم رداً عليهم وتهكماً بهم. {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ} جواب للسؤال أي موعظتنا إنهاء عذر إلى الله حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر. وقرأ حفص {مَعْذِرَةً} بالنصب على المصدر أو العلة أي اعتذرنا به معذرة ووعظناهم معذرة. {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وفرقة نهت عن ذلك وأنكرت واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} أي: لمَ تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم، قالت لهم المنكرة: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} قرأ بعضهم بالرفع، كأنه على تقدير: هذه معذرة، وقرأ آخرون بالنصب، أي: نفعل ذلك {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يقولون: ولعل لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم. قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي: فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: ارتكبوا المعصية {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} فنص على نجاة الناهين، وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيماً فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم، هل كانوا من الهالكين أو من الناجين؟ على قولين، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} هي قرية على شاطى البحر بين مصر والمدينة يقال لها: أيلة، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها، فمضى على ذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم؟ فلم يزدادوا إلا غياً وعتواً، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} وكانوا أشد غضباً لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ والذين قالوا: معذرة إلى ربكم، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة، وروى العوفي عن ابن عباس قريباً من هذا، وقال حماد بن زيد عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في الآية، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، حدثني رجل عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يوماً وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو منه، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات، قال: وإذا هو في سورة الأعراف، قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم، قال: فإنه كان بها حي من اليهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً بيضاء سماناً، كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نُهِيتُهم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم اللَّهَ اللَّهَ، ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} قال الأيمنون: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: ينتهون، إن ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون: فقد فعلتم يا أعداء الله والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلماً، وأعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم، فقال: أي: عباد الله قردة والله تعادى تعاوى لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس، فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي: نعم، ثم قرأ ابن عباس: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها، قال: قلت: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم؟ وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} قال: فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين، وكذا روى مجاهد عنه. وقال ابن جرير: حدثنا يونس أخبرنا أشهب بن عبد العزيز عن مالك قال: زعم ابن رومان أن قوله تعالى: {تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل خيطاً ووتداً، فربط حوتاً منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوت وجدناه، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال: ربط حوتين، فلما أمسى من ليلة الأحد، أخذه فاشتواه، فوجدوا رائحة فجاؤوا فسألوه فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع، فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك، وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فغدا عليهم جيرانهم ممن كانوا حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا، فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسح به، وقد قدمنا في سورة البقرة من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية، ولله الحمد والمنة (القول الثاني) أن الساكتين كانوا من الهالكين، قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ابتدعوا السبت، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعاً، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إن رجلاً منهم أخذ حوتاً فخزم أنفه، ثم ضرب له وتداً في الساحل، وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه حتى ظهر ذلك في الأسواق، ففعل علانية، قال: فقالت طائفة للذين ينهونهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} فقالوا: نسخط أعمالهم {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } قال ابن عباس: كانوا ثلاثاً: ثلث نهوا، وثلث قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم، وهذا إسناد جيد عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا؛ لأنه تبين حالهم بعد ذلك، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا. وبئيس فيه قراءات كثيرة، ومعناه في قول مجاهد: الشديد، وفي رواية: أليم. وقال قتادة: موجع، والكل متقارب، والله أعلم، وقوله: {خَـٰسِئِينَ} أي ذليلين حقيرين مهانين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ } عطف على «إذ» قبله {قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ } لم تصد ولم تنه: لمن نهى {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ } موعظتنا {مَعْذِرَةً } نعتذر بها {إِلَىٰ رَبِّكُمْ } لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الصيد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ} نسوا يعني تركوا، والذي ذكروا به أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَونَ عَنِ السُّوءِ} وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم الذين تركوا المعروف وفعلوا المنكر. {بِعَذَابٍ بَئِيَس} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: شديد، قاله مجاهد. والثاني: رديء، قاله الأخفش. الثالث: أنه العذاب المقترن بالفقر وهو البؤس. وأما الفرقة الثالثة التي لم تنه ولم تفعل ففيها قولان: أحدهما: أنها نُجِّيَتْ مع الذين نهوا. والثاني: ما قاله ابن عباس: لا أدري ما فعل بها.

ابن عطية

تفسير : قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، فرقة عصت وصادت، وفرقة نهت وجاهرت وتكلمت واعتزلت، وفرقة اعتزلت ولم تعص ولم تنه، وإن هذه الفرقة لما رأت مجاهرة الناهية وطغيان العاصية وعتوها قالت للناهية {لم تعظون قوماً} يريدون العاصية {الله مهلكهم أو معذبهم} على غلبة الظن وما عهد من فعل الله حينئذ بالأمم العاصية، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله، ثم اختلف بعد هذا فقالت فرقة إن الطائفة التي لم تعص ولم تنه هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي، قاله ابن عباس، وقال أيضاً: ما أدري ما فعل بهم، وقالت فرقة بل نجت مع الناهية لأنها لم تعص ولا رضيت قاله عكرمة والحسن وغيرهما، وقال ابن الكلبي فيما أسند عنه الطبري إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين، فرقة عصت وجاهرت وفرقة نهت وغيرت واعتزلت، وقالت للعاصية إن الله يهلكهم ويعذبهم، فقالت أمة من العاصين للناهين على جهة الاستهزاء لم تعظون قوماً قد علمتم أن الله مهلكهم أو معذبهم. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصوب، وتؤيده الضمائر في قوله: {إلى ربكم ولعلهم} فهذه المخاطبة تقتضي مخاطِباً ومخاطباً ومكنياً عنه، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي "معذرةٌ" بالرفع، أي موعظتنا، معذرة أي إقامة عذر، وقرأ عاصم في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف "معذرةً" بالنصب أي وعظنا معذرة، قال أبو علي حجتها أن سيبويه قال: لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا لنصب. قال القاضي أبو محمد: الرجل القائل في هذا المثال معتذر عن نفسه وليس كذلك الناهون من بني إسرائيل فتأمل، ومعنى {مهلكهم} في الدنيا {أو معذبهم} في الآخرة، وقوله: {لعلهم يتقون} يقتضي الترجي المحض، لأنه من قول آدميين. والضمير في قوله: {نسوا} للمنهيين وهو ترك سمي نسياناً مبالغة إذ أقوى منازل الترك أن ينسى المتروك. و {ما} في قوله: {ما ذكروا به} معنى الذي، ويحتمل أن يراد به الذكر نفسه، ويحتمل أن يراد به ما كان فيه الذكر، و {السوء} لفظ عام في جميع المعاصي إلا أن الذي يختص هنا بحسب قصص الآية صيد الحوت، و {الذين ظلموا} هم العاصون، وقوله: {بعذاب بئيس} معناه مؤلم موجع شديد، وقرأ نافع وأهل المدينة أبو جعفر وشيبة وغيرهما "بَيْسٍ" بكسر الباء وسكون الياء وكسر السين وتنوينها، وهذا على أنه فعل سمي به كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنهاكم عن قيل وقال" تفسير : . وقرأ الحسن بن أبي الحسن "بيس" كما تقول بيس الرجل وضعّفها أبو حاتم، قال أبو عمرو: وروي عن الحسن "بئس" بهمزة بين الباء والسين، وقرأ نافع فيما يروي عنه خارجه "بَيْسٍ" بفتح الباء وسكون الياء وكسر السين منونة، وروى مالك بن دينار عن نصر بن عاصم "بَيَس" بفتح الباء والياء منونة على مثل جمل وجيل، وقرأ أبو عبد الرحمن المقري "بَئِس" بفتح الباء وهمزة مكسورة وسين منونة على وزن فعل، ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: [المديد] شعر : ليتني ألقى رقية في خلوة من غير ما بئس تفسير : قال أبو عمرو الداني هي قراءة نصر بن عاصم وطلحة بن مصرف، وروي عن نصر "بِيس" بباء مكسورة من غيرهم، قال الزهراوي وروي عن الأعمش "بئِّسٍ" الباء مفتوحة والهمزة مكسورة مشددة والسين مكسورة منونة، وقرأت فرقة "بئس" كالتي قبل إلا فتح السين، ذكرها أبو عمرو الداني عما حكى يعقوب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع في رواية أبي قرة عنه وعاصم في رواية حفص عنه "بئيسٍ" بباء بعد الهمزة المكسورة والسين المنونة على وزن فعيل، وهذا وصف بالمصدر كقولهم عذير الحي والنذير والنكير، ونحو ذلك، وهي قراءة الأعرج ومجاهد وأهل الحجاز وأبي عبد الرحمن ونصر بن عاصم والأعمش وهي التي رجح أبو حاتم، ومنه قول ذي الأصبع العدواني: [مجزوء الكامل] شعر : حنقاً عليّ ولا أرى لي منهما نشراً بئيسا تفسير : وقرى أهل مكة "بئيس" كالأول إلا كسر الباء على وزن فعيل قال أبو حاتم: هما لغتان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه "بَيْئسَ" بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعَل ومعناه شديد، ومنه قول امرىء القيس بن عابس الكندي: [الرجز] شعر : كلاهما كان رييساً بَيْئَسا يضرب في يوم الهياج القونسا تفسير : فهي صفة كضيغم وحيدر، وهي قراءة الأعمش، وقرأ عيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنه "بَيْئِس" كالتي قبل إلا كسر الهمزة على وزن فيعِل، وهذا شاذ لأنه لا يوجد فعِل في الصحيح وإنما يوجد في المعتل مثل سيد وميت، وقال الزهراوي: روى نصر عن عاصم "بيْس" على مثال ميت وهذا على أنه من البوس لا أصل له في الهمز، قال أبو حاتم زعم عصمة أن الحسن والأعمش قرءا "بِئْيَس" الباء مكسورة والهمزة ساكنة والياء مفتوحة على مثال خِدْيَم، وضعفها أبو حاتم، وقرأ ابن عامر من السبعة "بِئْسٍ" بكسر الباء وسكون الهمزة وتنوين السين المكسورة وقرأت فرقة "بَأْس" بفتح الباء وسكون الألف، وقرأ أبو رجاء "بائِس" على وزن فاعِل، وقرأ فرقة "بَيَسَ" بفتح الباء والياء والسين على وزن فَعَلَ، وقرأ مالك بن دينار "بَأْسَ" بفتح الباء والسين وسكون الهمزة على وزن فَعْلَ غير مصروف، وقرأت فرقة "بأس" مصروفاً، وحكى أبو حاتم "بيس" قال أبو الفتح هي قراءة نصر بن عاصم، وحكى الزهراوي عن ابن كثير وأهل مكة "بِيِس" بكسر الباء وبهمز همزاً خفيفاً. قال القاضي أبو محمد: ولم يبين هل الهمزة مكسورة أو ساكنة، وقوله: {بما كانوا يفسقون} أي لأجل ذلك وعقوبة عليه، و "العتو" الاستعصاء وقلة الطواعية، وقوله: {قلنا لهم} يحتمل أن يكون قولاً بلفظ من ملك أسمعهم ذلك فكان أذهب في الإغراب والهوان والإصغار، ويحتمل أن يكون عبارة عن المقدرة المكونة لهم قردة، و {خاسئين} خبر بعد خبر، هذا اختيار أبي الفتح، وضعف الصفة وكذلك هو، لأن القصد ليس التشبيه بقردة مبعدات. قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن يكون {خاسئين} حالاً من الضمير في {كونوا} ، والصفة أيضاً متوجهة مع ضعفها، وروي أن الشباب منهم مسخوا قردة والرجال الكبار مسخوا خنازير، وروي أن مسخهم كان بعد المعصية في صيد الحوت بعامين وقال ابن الكلبي إن إهلاكهم كان في زمن داود، وروي أن الناهين قسموا المدينة بينهم وبين العاصين بجدار، فلما أصحبوا ليلة أهلك العاصون لم يفتح مدينة العاصين حتى ارتفع النهار فاستراب الناهون لذلك فطلع أحد الناس على السور فرآهم ممسوخين قردة تتوالب، فصاح، فدخلوا عليهم يعرف الرجل قرابته ويعرف القرد أيضاً كذلك قرابته، وينضمون إلى قرابتهم فيتحسرون، قال الزجاج: وقال قوم: يجوز أن تكون هذه القردة من نسلهم. قال القاضي أبو محمد: وتعلق هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمة من الأمم فقدت وما أراها إلا الفأر إذا قرب لها لبن لم تشرب، وبقوله صلى الله عليه وسلم في الضب، وقصص هذا الأمر أكثر من هذا لكن اختصرته واقتصرت على عيونه.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر أن الفسق ديدنهم، أكده بقوله عطفاً على {أية : إذ يعدون} تفسير : [الأعراف: 163] {وإذ} أي واسألهم عن خبرهم حين {قالت أمة منهم} أي جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا لأمة أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ تخويفاً للموعوظين بما يتجاوزون به {لم تعظون قوماً} أي معتمدين على قوتهم {الله} أي الذي له الملك كله {مهلكهم} أي لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ {أو معذبهم عذاباً شديداً} أي بعظيم ما يرتكبونه وتماديهم فيه {قالوا} أي الأمة الأخرى من الواعظين: وعظنا {معذرة إلى ربكم} أي المحسن إليكم بالحفظ عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول: فعلنا في أمرهم جهدنا، هذا إن لم يرجعوا {ولعلهم يتقون*} أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه. ولما تراجعوا بهذا الكلام ليكون زاجراً للعاصين فلم يرجعوا، أخبر أنه صدق ظنهم بإيقاع الأمرين معاً: العذاب الشديد والإهلاك فقال: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي فعلوا في إعراضهم عنه فعل الناسي وتركوه ترك المنسيّ، وهو أن الله لا يهملهم كما أن الإنسان لا يمكن أن يهمل أحداً تحت يده، ليفعل ما يشاء من غير اعتراض {أنجينا} أي بعظمتنا {الذين ينهون} أي استمروا على النهي {عن السوء} أي الحرام {وأخذنا} أي أخذ غلبة وقهر {الذين ظلموا} أي بالعدو في السبت {بعذاب بئيس*} أي شديد جداً {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفسقون*} أي بسبب استمرارهم على تجديد الفسق. ولما ذكر ما هددهم بهمن العذاب الشديد، أتبعه الهلاك فقال: {فلما عتوا} أي تكبروا جلافة ويبساً عن الانتهاء {عن ما نهوا عنه} أي بعد الأخذ بالعذاب الشديد، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عناداً وتكبراً بغاية الوقاحة وعدم المبالاة، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب، من عتا يعتو عتواً - إذا أقبل على الآثام، فهو عات، قال عبد الحق في كتابة الواعي: وقيل إذا أقدم على كل أموره، ومنه هذه الآية، وقيل: العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي، وقيل: المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه، ومنه قوله سبحانه {أية : فعتوا عن أمر ربهم}تفسير : [الذاريات: 44] أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر - انتهى. وحقيقته: جاوزوا الأمر إلى النهي، أو جاوزوا الائتمار بأمره، والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة {قلنا لهم} أي بما لنا من القدرة العظيمة {كونوا قردة} أي في صورة القردة حال كونكم {خاسئين*} أي صاغرين مطرودين بعدين عن الرحمة كما يبعد الكلب. ولما تبين بما مضى من جرأتهم على المعاصي وإسراعهم فيها استحقاقهم لدوام الخزي والصغار، أخبر أنه فعل بهم ذلك على وجه موجب للقطع بأنهم مرتبكون في الضلال، مرتكبون سيىء الأعمال، ما دام عليهم ذلك النكال، فقال: {وإذ} وهو عطف على {وسئلهم} أي واذكر لهم حين {تأذن} أي أعلم إعلاماً عظيماً جهراً معتنى به {ربك} أي المربي لك والممهد لأدلة شريعتك والناصر لك على من خالفك. ولما كان ما قيل جارياً مجرى القسم، تلقى بلامه، فكان كأنه قيل: تاذن مقسماً بعزته وعظمته وعلمه وقدرته: {ليبعثن} أي من مكان بعيد، وأفهم أنه بعث عذاب بأداة الاستعلاء المفهمة لأن المعنى: ليسلطن {عليهم} أي اليهود، ومد زمان التسليط فقال: {إلى يوم القيامة} الذي هو الفيصل الأعظم {من يسومهم} أي ينزل بهم دائماً {سوء العذاب} بالإذلال والاستصغار وضرب الجزية والاحتقار، وكذا فعل سبحانه فقد سلط عليهم الأمم ومزقهم في الأرض كل ممزق من حين أنكروا رسالة المسيح عليه السلام، كما أتاهم به الوعد الصادق في التوارة، وترجمة ذلك موجودة بين أيديهم الآن في قوله في آخر السفر الأول: لا يزول القضيب من آل يهودا، لا يعدم سبط يهودا ملكاً مسلطاً واتخاذه نبياً مرسلاً ختى يأتي الذي له الملك - وفي نسخة: الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحلبة جحشه؛ وقال السمؤال في أوائل كتابه غاية المقصود: نقول لهم: فليس في التوارة التي في أيديكم ما تفسيره: لا يزول الملك من آل يهودا والراسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح فلا يقدرون على جحده، فنقول لهم: إذاً علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح ثم انقضى ملككم - انتهى. ومن أيام رسالة المسيح سلط الله عليهم الأمم ومزقهم في الأرض، فكانوا مرة تحت حكم البابليين، وأخرى تحت أيدي المجوس، وكرة تحت قهر الروم من بني العيص، وأخرى في أسر غيرهم إلى أن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فضرب عليهم الجزية هو وأمته من بعده. ولما كان السياق للعذاب وموجباته، علل ذلك مؤكداً بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بإذلال أعدائك الذين هم أشد الأمم لك ولمن آمن بك عداوة {لسريع العقاب} أي يعذب عقب الذنب بالانتقام باطناً بالنكته السوداء في القلب، وظاهراً - إن أراد - بما يريد، وهذا بخلاف ما في الأنعام فإنه في سياق الإنعام بجعلهم خلائف. ولما رهب، رغب بقوله: {وإنه لغفور} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً لمن تاب وآمن {رحيم*} أي مكرم منعم بالتوفيق لما يرضاه ثم بما يكون سبباً له من الإعلاء في الدينا والآخرة.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ} عطفٌ على إذ يعدون مَسوقٌ لتماديهم في العدوان وعدمِ انزجارِهم عند بعد العظاتِ والإنذارات {أُمَّةٌ مّنْهُمْ} أي جماعةٌ من صلحائهم الذين ركبوا في عِظتهم متن كلِّ صعبٍ وذَلول حتى يئسوا من احتمال القبولِ لآخرين لا يُقلِعون عن التذكير رجاءً للنفع والتأثير مبالغةً في الإعذار وطمعاً في فائدة الإنذار {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} أي مخترِمُهم بالكلية ومطهرُ الأرض منهم {أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} دون الاستئصال بالمرة وقبل مهلكهم مخزيهم في الدنيا أو معذبُهم في الآخرة لعدم إقلاعِهم عما كانوا عليه من الفسق والطغيانِ والترديد لمنع الخلوِّ دون منع الجمعِ فإنهم مهلَكون في الدنيا ومعذَّبون في الآخرة، وإيثارُ صيغةِ اسمِ الفاعل ـ مع أن كلاًّ من الإهلاك والتعذيب مترقَّبٌ ـ للدِلالة على تحققهما وتقرُّرِهما البتةَ، كأنهما واقعان وإنما قالوه مبالغةً في أن الوعظَ لا ينجع فيهم أو ترهيباً للقوم أو سؤالاً عن حكمة الوعظِ ونفعِه، ولعلهم إنما قالوه بمحضر من القوم حثاً لهم على الاتعاظ، فإن بتَّ القولِ بهلاكهم وعذابهم مما يُلقي في قلوبهم الخوفَ والخشيةَ، وقيل: المرادُ طائفةٌ من الفِرقة الهالكةِ أجابوا به وُعّاظَهم رداً عليهم وتهكماً بهم وليس بذاك كما ستقف عليه {قَالُواْ} أي الوعاظُ {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ} أي نعظُهم معذرةً إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب بظاهر قولِهم لمَ تعِظون، أو نعتذر معذرةً على أنه مصدرٌ لفعل محذوفٍ، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، أي موعظتُنا معذرةٌ إليه تعالى حتى لا نُنسَبَ إلى نوع تفريطٍ في النهي عن المنكر، وفي إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطَبـين نوعُ تعريضٍ بالسائلين {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} عطفٌ على معذرةً أي ورجاءً لأن يتقوا بعضَ التقاة، وهذا صريحٌ في أن القائلين: (لمَ تعظون) الخ، ليسوا من الفِرقة الهالكةِ وإلا لوجب الخطاب.

القشيري

تفسير : الحقائق - وإن كانت لازمة - فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذِرةً بل الوجوبُ يُفْترَضُ شرعاً، وإن كان التقدير غالباً بكل وجه.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قالت} عطف على اذ يعدون {امة منهم} اى جماعة من صلحائهم الذين ركبوا فى عظتهم متن كل صعب وذلول حتى يئسوا من احتمال القبول لآخرين لا يقلعون عن التذكير رجاء للنفع والتأثير مبالغة فى الاعذار وطمعا فى فائدة الانذار {لم تعظون} [جرابند ميدهيد] {قوما} [كروهى را كه بى شبهة] {الله مهلكهم} اى مستأصلهم ومطهر الارض منهم {او معذبهم عذابا شديدا} دون الاستئصال بالمرة. والمفهوم من بقية الآية كون المراد عذاب الدنيا قالوه مبالغة فى ان الوعظ لا ينجح فيهم لا انكارا لوعظهم ورضى بالمعصية منهم {قالوا} اى الوعاظ {معذرة الى ربكم} مفعول له اى نعظم معذرة اليه تعالى. والمعذرة اسم مصدر بمعنى العذر وهو بضم فسكون فى الاصل تحرى الانسان بما يمحو به ذنوبه بان يقول لم افعل او فعلت لاجل كذا او فعلت ولا اعود وهذا الثالث التوبة فكل توبة عذر بلا عكس وقيل المعذرة بمعنى الاعتذار يقال اعتذرت الى فلان من جرمى ويعدى بمن والمعتذر قد يكون محقا وغير محق كذا فى تاج المصادر: قال السعدى قدس سره شعر : كر بمحشر خطاب قهر كند انييارا جه جاى معذر تست برده از لطف كوكه بردارد كاشقيارا اميد مغفرتست تفسير : {ولعلهم يتقون} عطف على معذرة اى ورجاء لان يتقوا بعض التقاة ويتركوا المعصية لان قبول الحق الواضح يرجى من العاقل. واليأس لا يحصل الا بالهلاك وهذا صريح فى ان القائلين لم تعظون الخ ليسوا من الفرقة الهالكة والا لوجب الخطاب اى ولعلكم.

الطوسي

تفسير : قرأ حفص وحده عن عاصم {معذرة} بالنصب. الباقون بالرفع. من رفع فعلى تقدير موعظتنا معذرة الى ربكم. ومن نصب فعلى المصدر، كما يقول القائل لغيره: معذرة الى الله واليك من كذا على النصب. والمعنى قالوا نعتذر معذرة واعذاراً. قال ابو زيد عذرته اعذره عذراً ومعذرة وعذرى. والتقدير واذكر اذ قالت امة منهم لطائفة منهم لم تعظون قوماً علمتم انهم هالكون في الدنيا ويعذبهم الله عذاباً شديداً في الآخرة، فقالوا في جوابهم وعظناهم إعذاراً إلى الله اي نعظهم اعتذاراً إلى ربكم لئلا يقول لنا لم لم تعظوهم ولعلهم ايضاً بالوعظ يتقون ويرجعون. وفي ذلك دليل على انه يجب النهي عن القبيح وإن علم الناهي ان المنهي لا ينزجر ولا يقبل، وان ذلك هو الحكمة والصواب الذي لا يجوز غيره. واختلفوا في هذه الفرقة التي قالت: لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ هل كانت من الناجية او من الهالكة عن الاعتداء في السبت. ذهب اليه ابن عباس وقال نجت الطائفتان من الهلاك الناهية والتي قالت لها لم تعظون، وبه قال السدي. وقال قوم الفرقة التي قالت لم تعظون قوماً الله مهلكهم كانت من الفرقة الهالكة ذهب اليه ابن عباس في رواية اخرى عنه. وقال قتادة عن ابن عباس هم ثلاث فرق التي وعظت والموعظة، فنجت الاولى وهلكت الثانية، والله اعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا لم تعظون واختاره الجبائي. وقال الكلبى: هما فرقتان الواعظة والموعظة. وقال الجبائي لم يريدوا بذلك الا نهيهم اياهم عن ذلك القبيح. وانما قالوا ذلك على سبيل الاياس من قبولهم منهم. وقوله {لم} اصله (لما) الا انه حذف الألف مع حرف الجر نحو {عم يتساءلون} ولم يقولوا (عن ما).

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا قَالَتْ} عطف على اذ يعدون او على اذ تأتيهم والمعنى اذ يعدون اذ قالت {أُمَّةٌ مِّنْهُمْ} من النّاهين الواعظين او من السّاكتين الغير الواعظين او من العاصين قالوا استهزاءً او اعتقاداً {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يعنى انّهم وان كانوا منهمكين فى الفسوق والعصيان لكنّا نؤدّى فى موعظتنا ما علينا من النّهى عن المنكر والتّرحّم على العبادة باحتمال القبول وباحتمال نجاتهم من العذاب.

الهواري

تفسير : {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. قوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي ما وعظوا به، أي ما نهاهم عنه المؤمنون الذين نهوهم عما يصنعون، أي ذكروهم الله {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}. قال الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان. {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ} قال مجاهد: بعذاب أليم شديد {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. قوله: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال مجاهد: إلا طائفة منهم لم يفعلوا. قال الحسن: {خَاسِئِينَ}: صاغرين. قال: وهي كقوله: {اخْسَئُوا فِيهَا} أي اصغروا فيها، أي في النار (أية : وَلاَ تُكَلِّمُونِ) تفسير : [المؤمنون:108]. قال بعضهم: فصاروا قردة تَعَاوى لها أذناب بعد أن كانوا رجالاً ونساء. ذكروا أنه دُخِل على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} فقال: قد علمتُ أن الله أهلك الذين أخذوا الحيتان، ونجّى الذين نَهَوْهُم، ولا أدري ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يواقعوا المعصية. وقال الحسن: وأي نهى أشد من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب فقالوا: {لِمَ تَعِظُوْنَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}.

اطفيش

تفسير : {وإذْ} عطف على إذ المضافة إلى يعدون، أو على المضافة إلى تأتيهم حيتانهم، سواء علقت بيعدون أو أبدلت من الأولى، ولا يلزم من عطفها على هذه أن يدخل هؤلاء فى حكم أهل العدوان كما توهم شيخ الإسلام (قالَتْ طائفة) هى الناهبة المنقطعة {منْهُم} من جملة أهل البلد للطائفة التى لم تنقطع {لم تعِظُون قوماً} لا يقبلون الوعظ، ولا ينفع فيهم، والاستفهام حقيق أو تعجب {الله مُهلكَهم} لاعتدائهم وإصرارهم، مستأصلهم بالموت {أو مُعذِّبهُم عَذاباً شَديداً} فى الدنيا، ومن ورائه عذاب الآخرة، أو فى الآخرة، والجملة نعت قوما، أو مستأنفة لبيان أمرهم فتنكيره تحقير، وقالوا ذلك على غلبة الظن، وما عهد من فعل الله فى تلك الأزمان بالأمم العاصية. {قالُوا} أى الطائفة التى لم تنقطع عن النهى {مَعْذرةً} خبر لمحذوف، أى موعظتنا معذرة، أى عذر اعتذار، فهو مصدر ميمى، وقرأ حفص فى رواية عنه، وعيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف بالنصب على أنه مفعول لأجله، وناصبه محذوف، أى نعظهم للمعذرة، أو مفعول مطلق كذلك، أى نعتذر بوعظهم معذرة {إلى ربِّكُم} أيتها الفرقة المنقطعة فلا تنسب إلى بعض تفريط {ولَعلَّهم يتَّقُون} ما هم فيه بالتوبة عنه، أى وأيضا نطمع فى تقواهم لإمكانه ما لم يموتوا.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} عطف على إِذ من قوله {أية : إِذ يعدون}تفسير : [الأَعراف: 163] لا على إِذ من قوله: {أية : إِذ تأتيهم}تفسير : [الأَعراف: 163] إِذ يلزم عليه دخول الطائفة فى أَهل العدوان، وزمان القول بعد زمان العدوان ومغاير له {قَالَتْ} لمن نهى عن الصيد {أُمَّةٌ} جماعة {مِنْهُمْ} لم تصد ولم تنه، أَو نهت وآيست وتركت النهى، أَو طائفة ممن صاد، قالت تهكما، وهم الذين اعتدوا {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا} لا تنفعهم الموعظة، وحكمة الوعظ الانتفاع به، واستأنفوا بقولهم {اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} أَو نعتوا القوم به، والإِهلاك فى الدنيا بالقتل أَو بالمسخ، وقد وقع به، والتعذيب فى الآخرة، أَو الإِهلاك استئصال والتعذيب بدونه، وكلاهما فى الدنيا، وأَو بمعنى الواو، ويجمع لهم بين إِهلاك الدنيا وعذاب الآخرة، أَو للإِضراب، أَو تبقى على أَصلها، والمعنى ينتقم منهم فى الدنيا فقط إِن تابوا، ويعذبهم فى الآخرة إِن لم يتوبوا، فأَو لمنع الخلو لا لمنع الجمع لجواز أَن لا يتوبوا فينقم منهم فى الدنيا، ويعذبهم فى الآخرة، واختار اسم الفاعل فى الموضعين عن المضارع للدلالة على التحقق {قَالُوا مَعْذِرَةً} أَى مقصودنا بالموعظة أَو مداومتها عذر، أَى طلب العذر من الله، وكأَنه قيل: اعتذار، والواو للمقول لهم لم تعظون، والقائلون ليسوا من الفرقة الهالكة {إِلى رَبِّكُمْ} فلا ينسبنا إِلى التقصير بترك النهى، فالأَمر والنهى واجبان فى كل أُمة {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يتركون الصيد، والعطف على المعنى، وكأَنه قيل: للاعتذار، ولطلب التقوى منهم، وهذا مما يبطل القول بأَن الأُمة فى قوله: "وإِذ قالت أُمة" فرقة من القوم الهالكين، إِذ لو كان الأَمر كذلك لقال: ولعلكم تتقون، فالخطاب والجواب بدعوى الالتفات عن خطابهم إِلى الغيبة بعد.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ} عطف على {أية : إِذْ يَعْدُونَ} تفسير : [الأعراف: 163] مسوق لبيان تماديهم في العدوان وعدم انزجارهم عنه بعد العظات والإنذارات. قال العلامتان الطيبي والتفتازاني: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على {أية : إِذْ تَأْتِيهِمْ} تفسير : [الأعراف: 163] وإن كان أقرب لفظاً لأنه إما بدل أو ظرف فيلزم أن يدخل هؤلاء القائلون في حكم أهل العدوان وليس كذلك، وهذا على ما قيل على تقدير الظرفية ظاهر، وأما على تقدير الإبدال فلأن البدل أقرب إلى الاستقلال، واستظهر في بيان وجه ذلك ان زمان القول بعد زمان العدوان ومغاير له واعتبار كونه ممتداً كسنة مثلاً يقع فيه ذلك كله تكلف من غير مقتض، والقول بأن العطف على ذاك يشعر أو يوهم أن القائلين من العادين في السبت لا من مطلق أهل القرية فيه ما فيه {أُمَّةٌ مِّنْهُمْ} أي جماعة من صلحائهم الذين لم يألوا جهداً في عظتهم حين يئسوا من احتمال القبول لآخرين لم يقلعوا عن التذكير رجاء النفع والتأثير. {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} أي مستأصلهم بالكلية ومطهر وجه الأرض منهم {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} دون الاستئصال بالمرة، وقيل مهلكهم في الدنيا أو معذبهم في الآخرة لعدم إقلاعهم عما هم عليه من الفسق والترديد لمنع الخلو على هذا، وإيثار صيغة اسم الفاعل في الشقين للدلالة على تحقق كل من الاهلاك والتعذيب وتقررهما البتة كأنهما واقعان، وإنما قالوا ذلك مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم إذ المقصود لا تعظوا أو أتعظون فعدل عنه إلى السؤال عن السبب لاستغرابه لأن الأمر العجيب لا يدري سببه أو سؤالا عن حكمة الوعظ ونفعه، وقيل: إن هذا تقاول وقع بين الصلحاء الواعظين كأنه قال بعضهم لبعض: لم نشتغل بما لا يفيد؟ ويحتمل على كلا القولين أن ذلك صدر من القائل بمحضر من القوم فيكون متضمناً لحثهم على الاتعاظ فإن بت القول بهلاكهم أو عذابهم مما يلقي في قلوبهم الخوف والخشية، وقيل قائلو ذلك المعتدون في السبت قالوا تهكماً بالناصحين المخوفين لهم بالهلاك والعذاب، وفيه بعد كما ستقف عليه قريباً إن شاء الله تعالى. {قَالُواْ} أي المقول لهم ذلك {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي نعظهم معذرة إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب بظاهر قولهم: لم تعظون أو نعتذر معذرة على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقيل: هو مفعول به للقول وهو وإن كان مفرداً في معنى الجملة لأنه الكلام الذي يعتذر به. والمعذرة في الأصل بمعنى العذر وهو التنصل من الذنب، وقال الأزهري: إنه بمعنى الاعتذار، وعداه بإلى لتضمنه معنى الإنهاء والإبلاغ، وفي إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع تعريض بالسائلين، وهذا الجواب على القولين الأولين ظاهر وعلى الأخير قيل إنه من تلقي السائل بغير ما يترقب فهو من الأسلوب الحكيم، وقرأ من عدا حفص والمفضل {مَعْذِرَةٌ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ / محذوف أي موعظتنا معذرة إليه تعالى حتى لا ننسب إلى نوع تفريط في النهي عن المنكر {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} عطف على {مَعْذِرَةٌ} أي ورجاء أن يتقوا بعض التقاة فإن اليأس المحقق لا يحصل إلا بالهلاك، قال شيخ الإسلام: وهذا صريح في أن القائلين لم تعظون الخ ليسوا من الفرقة الهالكة وإلا لوجب الخطاب ا هـ. وقد يوجه ذلك على ذلك القول بأنه التفات أو مشاكلة لتعبيرهم عن أنفسهم في السؤال بقوم وإما لجعله باعتبار غير الطائفة القائلين إلا أن كل ذلك خلاف الظاهر.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {وإذ قالت أمة منهم} عطف على قوله: {أية : إذ يعدون}تفسير : [الأعراف: 163] والتقدير: واسألَ بني إسرائيل إذ قالت أمة منهم، فإذْ فيه اسم زمان للماضي وليست ظرفاً، ولها حكم {إذْ} [الأعراف: 163] أختها، المعطوفة هي عليها، فالتقدير: واسألهم عن وقت قالت أمة، أي عن زمنَ قول أمة منهم، والضمير المجرور بمن عائِد إلى ما عاد إليه ضمير {أسألهم} [الأعراف: 163] وليس عائداً إلى القرية، لأن المقصود توبيخ بني إسرائيل كلهم، فإن كان هذا القول حصل في تلك القرية كما ذكره المفسرون كان غير منظور إلى حصوله في تلك القرية، بل منظوراً إليه بأنه مظهر آخر من مظاهر عصيانهم وعتوهم وقلة جدوى الموعظة فيهم، وأن ذلك شأن معلوم منهم عند علمائهم وصلحائهم، ولذلك لما عطفت هذه القصة أعيد معها لفظ اسم الزمان فقيل: {وإذْ قالت أمة} ولم يقل: وقالت أمة. والأمة الجماعة من الناس المشتركة في هذا القول، قال المفسرون: إن أمة من بني إسرائيل كانت دائبة على القيام بالموعظة والنهى عن المنكر، وأمة كانت قامت بذلك ثم أيست من إتعاظ الموعوظين وأيقنت أن قد حقت على الموعوظين المصمين آذانهم كلمة العذاب، وأمة كانت سادرة في غلوائها، لا ترعوي عن ضلالتها، ولا ترقب الله في أعمالها. وقد أجملت الآية ما كان من الأمة القائلة إيجازاً في الكلام، اعتماداً على القرينة لأن قولهم: {الله مهلكهم} يدل على أنهم كانوا منكرين على الموعوظين، وإنهم ما علموا أن الله مهلكهم إلاّ بعدَ أن مارسوا أمرهم، وسبروا غورهم، ورأوا أنهم لا تغني معهم العظات، ولا يكون ذلك إلاّ بعد التقدم لهم بالموعظة، وبقرينة قوله بعد ذلك {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} إذ جعل الناس فريقين، فعلمنا أن القائلين من الفريق الناجي، لأنهم ليسوا بظالمين، وعلمنا أنهم ينهون عن السوء. وقد تقدم ذكر الوعظ عند قوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وعظْهم} تفسير : في سورة النساء (63) وعند قوله آنفاً {أية : موعظة وتفصيلاً لكل شيء} تفسير : في هذه السورة (145). واللام في {لمَ تعظون} للتعليم، فالمستفهم عنه من نوع العلل، والاستفهام إنكاري في معنى النفي، فيدل على انتفاء جميع العلل التي من شأنها أن يوعظَ لتحصيلها، وذلك يفضي إلى اليأس من حصول إتعاظهم، والمخاطب بــــ {تعظون} أمة أخرى. ووصف القوم بأن الله مهلكهم: مبني على أنهم تحققتْ فيهم الحال التي أخبر الله بأنه يهلك أو يعذب من تحققتْ فيه، وقد أيقن القائلون بأنها قد تحققت فيهم، وأيقن المقول لهم بذلك حتى جاز أن يصفهم القائلون للمخاطبين بهذا الوصف الكاشف لهم بأنهم موصوفون بالمصير إلى أحد الوعيدين. واسما الفاعل في قوله: {مهلكهم أو معذبهم} مستعملان في معنى الاستقبال بقرينة المقام، وبقرينة التردد بين الإهلاك والعذاب، فإنها تؤذن بأن أحد الأمرين غير معين الحصول، لأنه مستقبل ولكن لا يخلو حالهم عن أحدهما. وفصلت جملة {قالوا} لوقوعها في سياق المحاورة، كما تقدم غير مرة أي قال المخاطبون بِـــ {لمَ تعظون قوماً} الخ. والمعذرة ــــ بفتح الميم وكسر الذال ــــ مصدر ميمي لفعل (اعتذر) على غير قياس، ومعنى اعتذر أظهر العذر ــــ بضم العين وسكون الذال ــــ والعذر السبب الذي تبطل به المؤاخذة بذنب أو تقصير، فهو بمنزلة الحجة التي يبديها المؤاخَذ بذنب؛ ليظهر أنه بريء مما نسب إليه، أو متأول فيه، ويقال: عذَره إذا قبل عذره وتحقق براءته، ويعدّى فعل الاعتذار بإلى لما فيه من معنى الإنهاء والإبلاغ. وارتفع {معذرة} على أنه خبر لمبتدإ محذوف دل عليه قول السائلين {لم تعظون} والتقديرُ موعظتنا معذرة منا إلى الله. وبالرفع قرأه الجمهور، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على المفعول لأجله أي وعظناهم لأجل المعذرة. وقوله: {ولعلهم يتقون} علة ثانية للاستمرار على الموعظة أي رجاء لتأثير الموعظة فيهم بتكرارها. فالمعنى: أن صلحاء القوم كانوا فريقين. فريق منهم أيِس من نجاح الموعظة وتحقق حلول الوعيد بالقوم، لتوغلهم في المعاصي، وفريق لم ينقطع رجاؤُهم من حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار، فأنكر الفريقُ الأول على الفريق الثاني استمرارهم على كلفة الموعظة. واعتذر الفريق الثاني بقولهم: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} فالفريق الأول أخذوا بالطرف الراجح الموجب للظن. والفريق الثاني أخذوا بالطرف المرجوح جمعاً بينه وبين الراجح لقصد الاحتياط، ليكون لهم عذراً عند الله إن سألهم لماذا أقلعتم عن الموعظة ولما عسى أن يحصل من تقوى الموعوظين بزيادة الموعظة، فاستعمال حرف الرجاء في موقعه، لأن الرجاء يقال على جنسه بالتشكيك فمنه قوي ومنه ضعيف. وضمير {نسوا} عائد إلى {قوماً} والنسيان مستعمل في الإعراض المفضي إلى النسيان كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : فلما نسوا ما ذُكروا به} تفسير : في سورة الأنعام (44). والذين ينهون عن السوء} هم الفريقان المذكوران في قوله آنفاً {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً} ــــ إلى قوله ــــ {ولعلهم يتقون}، و{الذين ظلموا} هم القوم المذكورون في قوله: {قوماً الله مُهلكهم} إلخ. والظلم هنا بمعنى العصيان، وهو ظلم النفس، حق الله تعالى في عدم الامتثال لأمره. و{بِيسٍ} قرأه نافع وأبو جعفر ــــ بكسر الباء الموحدة مشبعة بياء تحتية ساكنة وبتنوين السين ــــ على أن أصله بئْس ــــ بسكون الهمزة فخففت الهمزة ياء مثل قولهم: ذِيب في ذِئْب. وقرأه ابن عامر {بئْس} بالهمزة الساكنة وإبقاء التنوين على أن أصله بَئيس. وقرأه الجمهور {بَئيس} ــــ بفتح الموحدة وهمزة مكسورة بعدها تحتية ساكنة وتنوين السين ــــ على أنه مثالُ مبالغة من فعل بَؤُس ــــ بفتح الموحدة وضم الهمزة ــــ إذا أصابه البؤس، وهو الشدة من الضر. أو على أنه مصدر مثل عَذير ونَكير. وقرأه أبو بكر عن عاصم {بَيْئسَ} بوزنَ صَيْقل، على أنه اسم للموصوف بفعل البؤس مبالغة، والمعنى، على جميع القراءات: أنه عذاب شديد الضر. وقوله: {بما كانوا يفسقون} تقدم القول في نظيره قريباً. وقد أجمل هذا العذاب هنا، فقيل هو عذاب غير المسخ المذكور بعده، وهو عذاب أصيب به الذين نَسوا ما ذُكروا به، فيكون المسخ عذاباً ثانياً أصيب به فريق شاهدوا العذاب الذي حل بإخوانهم، وهو عذاب أشد، وقع بعد العذاب البيس، أي أن الله أعذر إليهم فابتدأهم بعذاب الشدة، فلما لم ينتهوا وعتوا، سلّط عليهم عذاب المسخ. وقيل: العذاب البِئس هو المسخ، فيكون قوله: {فلما عتوا عما نهوا عنه} بياناً»جمال العذاب البئس، ويكون قوله: {فلما عتوا} بمنزلة التأكيد لقوله: {فلما نسوا} صيغ بهذا الأسلوب لتهويل النسيان والعتو، ويكون المعنى: أن النسيان، وهو الإعراض، وقع مقارناً للعتو. و{ما ذكّروا به} و{ما نُهوا عنه} ما صْدَقُهما شيء واحد، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: فلما نسوا وَعتوا عما نهوا عنه وذُكروا به قلنا لهم الخ، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى هذا الأسلوب من الإطناب لتهويل أمر العذاب، وتكثير أشكاله، ومقام التهويل من مقتضيات الأطناب، وهذا كإعادة التشبيه في قول لبيد:شعر : فتنازعا سبطاً يطير ظلاله كدخان مُشعَلة يشبّ ضرامها مشمولةٍ غُلِثت بنابت عَرفج كدُخان نار ساطع أسنامها تفسير : ولكن أسلوب الآية أبلغ وأوفر فائدة، وأبعد عن التكرير اللفظي، فما في بيت لبيد كلامٌ بليغ، وما في الآية كلام معجز. و(العتو) تقدم عند قوله تعالى: {أية : فعقروا الناقة وعَتوا عن أمر ربهم} تفسير : في هذه السورة (77). وقوله: {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى: {أية : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين} تفسير : في سورة البقرة (65)، ولأجل التشابه بين الآيتين، وذكر العدْوِ في السبت فيهما، وذكرِه هنا في الإخبار عن القرية، جزم المفسرون بأن الذين نسوا مَا ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه هم أهل هذه القرية، وبأن الأمة القائلة {لم تعظون قوماً} هي أمة من هذه القرية فجزموا بأن القصة واحدة، وهذا وإن كان لا ينبو عنه المقام، كما أنه لا يمنعُ تشابه فريقين في العذاب، فقد بينتُ أن ذلك لا ينافي جعل القصة في معنى قصتين من جهة الاعتبار.

د. أسعد حومد

تفسير : (164) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ صَارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: - فِرْقَةٍ ارْتَكَبَتِ المُحَرَّمَ، وَاحْتَالَتْ فِي صَيْدِ السَّمكِ. - فِرْقَةٍ نَهَتِ المُتَجَاوِزِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا وَاعْتَزَلَتْهُمْ. - فِرْقَةٍ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ شَيْئاً وَلَمْ تَنْهَ، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْفِرْقَةِ المُنْكِرَةِ: لِمَ تَنْهَوْنَ قَوْماً تَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهُمْ لاسْتِحقَاقِهِمْ عُقُوبَتَهُ وَسَخَطَهُ؟ فَلاَ فَائِدَةَ مِنْ نَهْيكُمْ إِيَّاهُمْ. فَرَدَّتْ عَلَيهِمْ الفِرْقَةُ النَّاهِيَةُ قَائِلَةً: إنَّ اللهَ أمَرَنَا بِأنْ نَأمُرَ بِالمَعْرُوفِ، وَنَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَنَحْنُ نُذَكِّرُهُمْ لِنَقُومَ بِأمْرِ اللهِ أوَّلاً (مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ)، ثُمَّ إنَّنا نَرْجُو أنْ يَنْتَهِيَ هَؤُلاءِ المُتَجَاوِزُونَ حُدُودَ اللهِ عَنْ غَيِّهِمْ، وَيَعُودُوا إلى الصَّوابِ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الاعْتِدَاءَ الذي اقْتَرفُوهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحينما تجد أن طائفة قالت قولاً، فلابد أن هناك أناساً قيل لهم هذا القول. إذن ففيه "قوم واعظون"، و"قوم موعوظون"، و"قوم مستنكرون وعظ الواعظين". وهكذا صاروا ثلاث فرق: الذين قالوا وعظاً لهم: لماذا لا تلتزمون بمنهج الله؟ هؤلاء هم المؤمنون حقًّا. وقالوا ذلك لأنهم رأوا من يخالف منهج الله. والذين لاموا الواعظين هم الصلحاء من أهل القرية الذين يئسوا من صلاح حال المخالفين للمنهج. وحين ندقق في الآية: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ...} [الأعراف: 164] نعلم أن القائلين هم من الذين لم يعتدوا، ولم يعظوا وقالوا هذا التساؤل لمن وعظوا؛ لأنهم رأوا الوعظ مع الخارجين على منهج الله لا ينفع. كما قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}. هنا يسأل الحق رسوله: ولماذا تُحزن نفسك وتعمل على إزهاق روحك. وهنا قال بعض بني إسرائيل: لم تعظون هؤلاء المغالين في الكفر، لماذا ترهقون أنفسكم معهم، إنهم يعملون من أجل أن يعذبهم الله. وماذا قال الواعظون؟: {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. وما هي المعذرة إلى الله؟. يقال:" عذرك فلان إذا كنت قد فعلت فعلاً كان في ظاهره أنه ذنب ثم بينت العذر في فعله، كأن تقول: لقد جعلتني انتظرك طويلاً وتأخرت في ميعادك معي. انت تقول ذلك لصديق لك لأنه أتى بعمل مخالف وهو التأخر في ميعادٍ ضربه لك. فيرد عليك: تعطلت مني السيارة ولم أجد وسيلة مواصلات، وهذا عذر. إذن فمعنى "العذر" هو إبداء سبب لأمر خالف مراد الغير. ولذلك يقال: أعذر من أنذر، والحق يقول: {أية : وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ...} تفسير : [التوبة: 90] ونعلم أيضاً أن هناك مُعْذِراً. والمُعَذِّر هو من يأتي بعذر كاذب، والمُعْذِر هو من يأتي بعذر صادق. وقال الواعظون: نحن نعظهم، وأنتم حكمتم بأن العظة لا تنفع معهم لأنهم اختاروا أن يهلكهم الله ويعذبهم ولكنا لم نيأس، وعلى فرض أننا يئسنا من فعلهم، فعلى الأقل قد قدمنا لربنا المعذرة في أننا عملنا على قدر طاقتنا. وكلمة "وَعْظ" تقتضي أن نقول فيها: إن هناك فارقاً بين بلاغ الحكم، والوعظ بالحكم؛ فالوعظ أن تكرر لموعوظ ما يعلمه لكنه لا يفعله. كأن تقول لإِنسان: قم إلى الصلاة، هو يعلم أن الصلاة مطلوبة لكنه لا يقوم بأدائها. إذن فالوعظ معناه تذكير الغافل عن حكم، ومن كلمة الوعظ نشأت الوعَّاظ. وهم من يقولون للناس الأحكام التي يعرفونها، ليعملوا بها، فالوعاظ إذن لا يأتون بحكم جديد. وبعض العلماء قال: إن قول الحق: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} ليس مراداً به الفئة التي لم تفعل الذنب ولم تعظ، إنما يراد به الفئة الموعوظة، كأن الموعوظين قالوا: إن ربنا سيعذبنا فلماذا توعظوننا؟. ونقول: لا؛ لأن عجز الآية ينافي هذا. فالحق يقول: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. ومجيء "لعلهم" يؤكد أن هذا خبر عن الغير لا أنَّه من الموعوظين. ويقول الحق بعد ذلك: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...}

همام الصنعاني

تفسير : 945- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ}: [الآية: 164] قال، قال ابن عباس: هم ثلاث فرق، الفرقة التي وعظت والموعُوظة، قال: والله أَعْلم ما فعلت، الفرقة الثالثة وهم الذين قال الله تعالى عنهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ}. 946- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: هُمَا فرقتان، الفرقة التي وعظت والتي قالت {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً}: هي الموعوظة. 947- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}: [الآية: 165] قال: وجيع. 951- قال ابن جُرَيج في قوله تعالى: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ}: [الآية: 165]، قال: فلمَّا نسوا موعظة المؤمنينَ إيّاهم الذين قال الله تعالى: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} [الآية: 164]. 953- قال عبد الرزاق، قال ابن جُرَيْج: حدَّثَني رَجُلٌ، عن عكرمةَ، قال: جئت ابن عباس يَوْماً، وإذا هُو يبكي والمصحف في حجره - فقال: فأعظمت أن أدْنُو منه، قال: ثم لم أزل عَلَى ذلِكَ حتى تَقَدَّمْتُ فجلستُ فقلت: مَا يُبكيك يا أبا عباس - جعلني الله فِدَاكَ -؟ قال: هَؤُلاَءِ الورقات - وإذا هُوَ في سُورَةِ الأعراف - ثم قال: هَلْ تَعْرِفُ أَيْلَة؟ قال: قلت: نعم. قال: فإنه كان بها حيٌّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يَوْم السبت، ثم غاصت فَلاَ يقدرونَ عليها حتى يغوصوا عليها بعد كدٍّ ومؤونة شديدة، فكانت تأتيهم يوم السبت شُرَّعاً بِيضاً سِمَاناً كأنها الماخضُ. فتَبطِحُ ظُهُوْرُهَا لِبُطُونِهَا، بِأفْنِيَتِهِمْ وبأَبْوابِهِم فكانوا كذلك بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، ثم إنَّ الشيطانَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ فقال: إنَّمَا نهيتم عن أكلها يَوْمَ السبت فخذوها فيه وكُلُوهَا في غيره من الأيام، فالت ذلك طائفة منهم. وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأَخْذِهَا وَصَيْدِهَا في يوْمِ السبت، فكانوا كذلِكَ حَتَّى جاءَت الجمعة المقبلة. فغدت طائفة بأنْفُسِهَا وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين ونهت واعتزلت طائفة ذات الشمال وسَكَنَتْ. فقال الأيمنون: وليكم، الله الله، ننهاكم عن الله، ألاّ تتعرضوا لعقوبة الله. وقَالَ الأيسرون {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}: [الآية: 164] قال الأيمنون: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. إن ينتبهوا، فهو أحَبُّ إلَيْنَا أن لا يصابوا وَلاَ يَهْلَكُوا، وإن لم ينتهوا فَمَعْذِرَةً إلى ربهم. فمضوا على الخطئية فقال الأيْمَنُونَ: يا أعداءَ اللهِ قد فعلتم، والله لتأتينكم الليلةَ في مدينتكم، والله مالا نرى أن تصبحوا حتَّى يُصيبكم الله بخسف أو قذفٍ أو بَعْضِ ما عِنْدَهُ منَ العذاب. فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فَلَمْ يجابوا، فوضعوا سُلَّماً فأعلوا بسور المدينة رَجُلاً، فالْتَفَتَ إليهم فقال: أيْ عبادَ اللهِ قرودٌ والله تعاوَى لها أذناب. قال: ففتحوا أولئك عليهم، فدخلوا عليهم فعرفتِ القُرُودُ أنسباءها من الإِنْس. ولا يعرف الإِنس أنسباءها مِنَ القُرُودِ. فجعلت القُرُودُ تأتي نَسِيبَهَا من الإِنٍ، فتشمْ ثيابه وتبكي. فيقول: أَلَمْ أنهكم عَنْ كَذَا وعن كَذَا؟ فَتَقُولُ بِرُؤوسِهَا: بلى. ألم ننهكم عَنْ كَذَا؟ فَتَقُولُ برؤوسها: بلى. ثم قرأ ابنُ عبَّاسٍ: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}: [الآية: 165]، أليم وَجِيعٍ قال: فأرى الذين نهوا نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، نحن نرى أشياء ننكرها. فلا نقول شيئاً. قال: قلت أيْ جعلني اللهُ فداكَ، قَدْ كَرِهُوا ما هُمْ عليْه، وخَالَفُوهم. قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ}: [الآية: 164]، قال: فأمر بي فكسيت بردَيْن غَلِيظَيْنِ.