٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
163
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة في سورة البقرة. وفيها مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {واسألهم} المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم، لأن هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل الله تعالى، وإنما المقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء: الأول: أن المقصود من ذكر هذا السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح والمعصية الفاحشة تنبيهاً لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبمعجزاته ليس شيئاً حدث في هذا الزمان، بل هذا الكفر والإصرار كان حاصلاً في أسلافهم من الزمان القديم. والفائدة الثانية: أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا؟ ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة، وغير ذاهل عن دقائقها، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أمياً لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كان ذلك جارياً مجرى المعجز. المسألة الثانية: الأكثرون على أن تلك القرية أيلة. وقيل: مدين. وقيل طبرية، والعرب تسمى المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن، وقوله: { كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ } يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ لِمَنْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 196] وقوله: {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ } يعني يجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه، وقرىء {يَعْدُونَ } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و {يَعْدُونَ } من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و {ٱلسَّبْتِ } مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله: {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ } معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، وكذلك قوله: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ } معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، ويدل عليه قوله: {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ } ويؤكده أيضاً قراءة عمر بن عبد العزيز (يوم أسباتهم) وقرىء { لاَ يَسْبِتُونَ } بضم الباء، وقرأ على رضى الله عنه {لاَ يَسْبِتُونَ } بضم الياء من أسبتوا، وعن الحسن {لاَ يَسْبِتُونَ } على البناء للمفعول، وقوله: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ } نصب بقوله: {يَعْدُونَ } والمعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان، وقوله: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة أي دنت من الطريق، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب. وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، قال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل. وذلك بلاء ابتلاهم الله به، فذلك معنى قوله: {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } وقوله: {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم } أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم، وذلك يدل على أن من أطاع الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن ذل الكفر والمعصية. فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا أن رعاية الصلاح والأصلح غير واجبة على الله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} أي عن أهل القرية؛ فعبّر عنهم بها لما كانت مستقراً لهم أو سبب اجتماعهم. نظيره {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا}تفسير : [يوسف: 82]. وقوله عليه السلام: «حديث : ٱهتز العرش لموت سعد بن معاذ»تفسير : يعني أهل العرش من الملائكة، فرحا واسبشاراً بقدومه، رضي الله عنه. أي واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قِردة وخنازير. وهذا سؤال تقرير وتوبيخ. وكان ذلك علامة لصدق النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ أطلعه الله على تلك الأُمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سِبط خليله إبراهيم، ومن سِبط إسرائيل وهم بكر الله، ومن سبط موسى كليم الله؛ ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم. فقال الله عز وجل لنبيه: سلهم يا محمد عن القرية، أما عذبتهم بذنوبهم؛ وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة. وٱختُلف في تعيين هذه القرية؛ فقال ابن عباس وعِكرمة والسُّدِّي: هي أيْلة. وعن ٱبن عباس أيضاً أنها مَدْين بين أيلة والطور. الزُّهْرِيّ: طَبَرِيّة. قتادة وزيد بن أسلم: هي ساحل من سواحل الشأم، بين مَدْين وعَيْنون، يقال لها: مقناة. وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السُّبّة عليهم. {ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي كانت بقرب البحر؛ تقول: كنت بحضرة الدار أي بقربها. {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} أي يصيدون الحِيتان، وقد نُهوا عنه؛ يقال: سَبَت اليهودُ؛ تركوا العمل في سبتهم. وسُبِت الرجل للمفعول سُباتاً أخذه ذلك، مثل الخرس. وأسبت سكن فلم يتحرك. والقوم صاروا في السبت. واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف. وهو من الراحة والقَطْع. ويجمع أسْبُت وسُبُوت وأسبات. وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ٱحتجم يوم السبت فأصابه بَرَص فلا يلومنّ إلا نفسه»تفسير : . قال علماؤنا: وذلك لأن الدّم يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم يجرِ وعاد بَرَصاً. وقراءة الجماعة «يَعْدُون». وقرأ أبو نَهِيك «يُعِدّون» بضم الياء وكسر العين وشد الدال. الأُولى من الاعتداء والثانية من الإعداد؛ أي يهيئون الآلة لأخذها. وقرأ ابن السَّمَيْقَع «في الأسبات» على جمع السبت. {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ} وقرىء «أسباتهم». {شُرَّعاً} أي شوارع ظاهرة على الماء كثِيرة. وقال اللّيث: حيتان شُرّع رافعة رؤوسها. وقيل: معناه أن حيتان البحر كانت ترِد يوم السبت عُنُقاً من البحر فتزاحم أيْلة. ألهمها الله تعالى أنها لا تُصاد يوم السبت؛ لنَهْيِه تعالى اليهود عن صيدها. وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابهم؛ كالكِباش البيض رافعةً رؤوسها. حكاه بعض المتأخرين؛ فتعدّوا فأخذوها في السبت؛ قاله الحسن. وقيل: يوم الأحد، وهو الأصح على ما يأتي بيانه. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي لا يفعلون السبت؛ يقال: سبت يسبِت إذا عظّم السبت. وقرأ الحسن «يُسْبِتون» بضم الياء، أي يدخلون في السبت؛ كما يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي دخلنا في الجمعة والظهر والشهر. {لاَ تَأْتِيهِمْ} أي حيتانهم. {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} أي نشدّد عليهم في العبادة ونختبرهم. والكاف في موضع نصب. {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي بفسقهم. وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتاً، والحرام يأتيك جَزْفاً جَزْفاً؟ قال: نعم، في قصة داود وأيلة {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}. ورُوي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود عليه السلام، وأن إبليس أوْحَى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أخذها يوم السبت، فٱتّخذوا الحياض؛ فكانوا يسوقون الحِيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وروى أشهب عن مالك قال. زعم ابن رُومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطاً ويضع فيه وَهَقة، وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتِد وتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرّق الناس حين رأُوا من صنع هذا لا يُبْتَلى حتى كثُرَ صيد الحوت، ومُشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده؛ فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت، وجاهرت بالنهي واعتزلت. وقيل: إن الناهين قالوا: لا نساكنكم؛ فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا؛ فعلَوْا على الجدار فنظروا فإذا هم قَردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القِردة أنسابَها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القِردة؛ فجعلت القِردة تأتي نسيبها من الإنس فَتَشُم ثيابه وتبكي؛ فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان قردةً والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نَهوْا وهلك سائرهم. فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين. ويكون المعنى في قوله تعالى: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم: إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا؟ فمسخهم الله قردة. {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي قال الواعظون: موعظتنا إياكم معذرةٌ إلى ربكم؛ أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون. أسند هذا القول الطَّبريّ عن ٱبن الكلبيّ. وقال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فِرَق، وهو الظاهر من الضمائر في الآية. فرقة عَصَتْ وصادت، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً. وفرقة نَهَت واعتزلت، وكانوا ٱثنَيْ عشر ألفاً. وفرقة اعتزلت ولم تَنْهَ ولم تَعْص، وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لِم تعظون قوماً ـ تريد العاصية ـ الله مهلكُهم أو معذّبهم على غلبة الظن، وما عُهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية. فقالت الناهية: موعظتنا معذرةٌ إلى الله لعلّهم يتقون. ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون، بالكاف. ثم ٱختُلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تَنْه ولم تَعْص هلكت مع العاصية عقوبةً على ترك النهي؛ قاله ابن عباس. وقال أيضاً: ما أدري ما فُعل بهم؛ وهو الظاهر من الآية. وقال عكْرمة: قلت لابن عباس لمّا قال ما أدري ما فعل بهم: ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم؟ فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نَجَوْا؛ فكسَاني حُلّة. وهذا مذهب الحسن. ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غيرُ قولُه: «وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا». وقولُه: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} تفسير : [البقرة: 65] الآية. وقرأ عيسى وطلحة «معذِرةً» بالنصب. ونصبُه عند الكسائيّ من وجهين: أحدهما على المصدر. والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة. وهي قراءة حَفْص عن عاصم. والباقون بالرفع: وهو الاختيار؛ لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنَفاً من أمر لِيمُوا عليه، ولكنهم قيل لهم: لِم تَعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة. ولو قال رجل لرجل: معذرةً إلى الله وإليك من كذا، يريد اعتذاراً؛ لنصب. هذا قول سيبويه. ودلّت الآية على القول بسدّ الذَّرائع. وقد مضى في «البقرة». ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينْسُل أم لا، مبيّناً. والحمد لله. ومضى في «آل عمران» و«المائدة» الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر. ومضى في «النساء» ٱعتزال أهل الفساد ومجانبتهم، وأن من جالسهم كان مثلهم؛ فلا معنى للإعادة.
البيضاوي
تفسير : {وَاسْئَلْهُمْ} للتقرير والتقريع بقديم كفرهم وعصيانهم، والإِعلام بما هو من علومهم التي لا تعلم إلا بتعليم أو وحي ليكون لك ذلك معجزة عليهم. {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} عن خبرها وما وقع بأهلها. {ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} قريبة منه وهي أيلة قرية بين مدين والطور على شاطىء البحر، وقيل مدين، وقيل طبرية. {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ } يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت، و {إِذْ} ظرف لـ {كَانَتْ} أو {حَاضِرَةَ} أو للمضاف المحذوف أو بدل منه بدل اشتمال. {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ} ظرف لـ {يَعْدُونَ} أو بدل بعد بدل. وقرىء {يَعْدُونَ} وأصله يعتدون ويعدون من الإِعداد أي يعدون آلات الصيد يوم السبت، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة. {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} يوم تعظيمهم أمر السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة. وقيل اسم لليوم والإِضافة لاختصاصهم بإحكام فيه، ويؤيد الأول إن قرىء يوم إسباتهم، وقوله: {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} وقرىء {لاَ يَسْبِتُونَ} من أسبت و {لاَ يَسْبِتُونَ} على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت، و {شُرَّعًا} حال من الحيتان ومعناه ظاهرة على وجه الماء من شرع علينا إذا دنا وأشرف. {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم. وقيل كذلك متصل بما قبله أي لا تأتيهم مثل إتيانهم يوم السبت، والباء متعلق بـ {يَعْدُونَ}.
ابن كثير
تفسير : هذا السياق هو بسط لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ} تفسير : [البقرة: 65] الآية، يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَسْئَلْهُمْ} أي: واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم؛ لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسلفهم، وهذه القرية هي أيلة، وهي على شاطى بحر القلزم، قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} قال: هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور، وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. وقال عبد الله بن كثير القارئ: سمعنا أنها أيلة، وقيل: هي مدين، وهو رواية عن ابن عباس، وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها معتا بين مدين وعينونا. وقوله: {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ} أي: يعتدون فيه. ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} قال الضحاك: عن ابن عباس: أي: ظاهرة على الماء. وقال العوفي عن ابن عباس: ظاهرة من كل مكان. قال ابن جرير: وقوله: {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم} أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده {كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم} نختبرهم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها، وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام. وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة رحمه الله: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» تفسير : وهذا إسناد جيد؛ فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه، ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيراً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَاسْئَلْهُمْ} يا محمد توبيخاً {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ } مجاورة بحر القلزم وهي (أيلة)، ما وقع بأهلها؟ {إِذْ يَعْدُونَ } يعتدون {فِى ٱلسَّبْتِ } بصيد السمك المأمورين بتركه فيه {إِذْ } ظرف لـ(يعدون) {تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } ظاهرة على الماء {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ } لا يعظمون السبت: أي سائر الأيام {لاَ تَأْتِيهِمْ } ابتلاء من الله {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ولما صادوا السمك افترقت القرية أثلاثاً: ثلث صادوا معهم، وثلث نهوهم، وثلث أمسكوا عن الصيد والنهي.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتُ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها أيلة، قاله ابن عباس، وعكرمة، والسدي. والثاني: أنها بساحل مدين، قاله قتادة. والثالث: أنها مدين قرية بين أيلة والطور، حكاه أبو جعفر الطبري. والرابع: أنها قرية يقال لها مقتا بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد. والخامس: ما قاله ابن شهاب أن القرية التي كانت حاضرة البحر طبرية، والقرية التي قال فيها {أية : وَاضْرِبْ لَهَم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} تفسير : [يس: 13]. أنطاكية. وسؤالهم عن هذه القرية إنما هو سؤال توبيخ على ما كان منهم فيها من سالف الخطيئة وقبيح المعصية. {إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} هو تعديهم فيه بفعل ما نهوا عنه. {إِذْ تَأْتِيهِم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِم شُرَّعاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معنى {شُرَّعاً} أي طافية على الماء ظاهرة، قاله ابن عباس، ومنه شوارع البلد لظهورها. والثاني: أنها تأتيهم من كل مكان، قاله عطية العوفي. والثالث: أنها شرّع على أبوابهم كأنها الكباش البيض رافعة رؤوسها حكاه بعض المتأخرين فتعدَّوا فأخذوها في السبت، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} أيلة، أو ساحل مدين، أو مدين، قرية بين إيلة والطور، أو مقنا بين مدين وعينونا، أو طبرية {وَسْئَلْهُمْ} توبيخاً على ما سلف من الذنوب. {شُرَّعًا} طافية على الماء ظاهرة، شوارع البلد لظهروها، أو تشرع على أبوابهم كأنهم الكباش البيض رافعة رؤوسها، أو تأتيهم من كل مكان فتعدَّوا بأخذها في السبت.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك عن حال أهل القرية وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام، لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد علم حال أهل هذه القرية بوحي الله عز وجل إليه وإخباره إياهم بحالهم وإنما المقصود بهذا السؤال تقريع اليهود على إقدامهم على الكفر والمعاصي قديماً وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنكار نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث منهم في زمانه بل إصرارهم على الكفر كان حاصلاً لأسلافهم في قديم الزمان. وفي الإخبار بهذه القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أمياً لا يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار الأولين، ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم أمر الله عز وجل مسخوا قردة وخنازير واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس: هي قرية بين مصر والمدينة والمغرب. وقيل بين مدين والطور على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي طبرية الشام. وفي رواية عن ابن عباس قال: هي مدين وقال وهب: هي ما بين مدين وعيوني يعني القرية التي كانت على ساحل البحر وقريبة منه {إذ يعدون في السبت} يعني يتجاوزون حد الله فيه، وما أمرهم به من تعظيمه فخالفوا أمر الله وصادوا فيه السمك {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً} يعني ظاهرة على الماء كثيرة وقال الضحاك تأتيهم متتابعة يتبع بعضها بعضاً وقيل كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش البيض السمان {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} يعني الحيتان {كذلك نبلوهم} يعني مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم ونحن أعلم بحالهم {بما كانوا يفسقون} يعني أن ذلك الابتداء والاختبار بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله وما أمروا به. قال أهل التفسير: إن اليهود أمروا يوم الجمعة فتركوه واختاروا يوم السبت فابتلوا به وهو أن الله أمرهم بتعظيمه ونهاهم عن العمل فيه وحرم عليهم فيه الصيد، فلما أراد ان يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت ينظرون إليها في البحر فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تُر إلى السبت المقبل فلما ابتلوا به وسوس إليهم الشيطان وقال إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل فاصطادوا وقيل إنه وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ فاتخذوا حياضاً على ساحل البحر وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت فإذا كان يوم الأحد خذوها ففعلوا ذلك زمانا ثم إنهم تجرؤوا على السبت وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا فاصطادوا فيه وأكلوا وباعوا وصار أهل القرية أحزاباً ثلاثة وكانوا نحواً من سبعين ألفاً فثلث نهوا عن الاصطياد وثلث سكتوا ولم ينهوا وقالوا للناهين لم تعظمون قوماً الله مهلكهم وثلث هم أصحاب الخطيئة الذين خالفوا أمر الله واصطادوا وأكلوا وباعوا فلما لم ينتهوا عما هم فيه من المعصية قال الناهون لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بينهم بجدار للناهين باب يدخلون ويخرجون منه وللعاصين باب، ولعنهم داود عليه الصلاة والسلام وكانوا في زمنه فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا إن لهم لَشأناً لعل الخمر قد غلبتهم فعلوا على الجدار الذي بينهم فإذا هم قد مسخوا قردة ففتحوا عليهم الباب ودخلوا إليهم فصار القردة يعرفون أنسابهم من الناس ولم يعرف الناس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتي أنسابها من الناس فتشم ثيابها فيقول لهم أهلوهم ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم فنجا الناهون وهلك سائرهم فذلك قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم} واختلفوا في القائلين هذه المقالة فقال بعض المفسرين إن أهل القرية افترقوا ثلاث فرق فرقة اعتدت وأصابت الخطيئة وفرقة نهتهم عن ذلك الفعل وفرقة أمسكت عن الصيد وسكتت عن موعظة المعتدين. وقالوا للناهين: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، يعني أنهم لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير متعظين ولا منزجرين فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم. معذرة إلى ربكم يعني أن موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب علينا فموعظتنا لهؤلاء عذر لنا عند الله {ولعلهم يتقون} أي: وجائز عندنا أن ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد وقال بعضهم: إن أهل القرية كانوا فرقتين فرقة نهت وزجرت عن السوء وفرقة عملت بالسوء فعلى هذا يكون الذين قالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم الفرقة المعتدية وذلك أن الفرقة الناهية قالوا للفرقة المعتدية انتهوا قبل أن ينزل بكم عذاب شديد إن لم تنتهوا عما أنتم فيه فقالت لهم الفرقة المعتدية: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ والمعنى: لم تعظونا وقد علمتم أن الله مهلكنا أو منزل بنا عذابه، والقول الأول أصح لأنهم لو كانوا فرقتين لكان قولهم معذرة إلى ربكم خطاباً من الناهية للمعتدية.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ...} الآية: قال بعضُ المتأوِّلين: إِن اليهودَ المعاصرينَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: إِنَّ بني إِسرائيل لم يَكُنْ فيهم عصْيانٌ، ولا معاندةٌ لمَا أُمرُوا به، فنزلَتْ هذه الآيةُ موبِّخة لهم، فسؤالهم إِنَّما هو عَلىٰ جهة التوبيخِ، والقريةُ هنا: أَيْلَةُ، قاله ابن عباس وغيره، وقيل: مَدْيَن، و«حاضِرة البَحْر»، أي: البحر فيها حاضرٌ، ويحتملُ أنْ يريد معنى «الحاضرة»؛ على جهة التعظيم لها، أي: هي الحاضرةُ في مُدُن البَحْر، و{يَعْدُونَ}: معناه: يخالفون الشرْعَ؛ مِنْ عَدَا يَعْدُو، و{شُرَّعاً}، أي: مقبلة إِليهم مُصْطَفَّة، كما تقولُ: شُرِعَتِ الرماحُ إِذا مُدَّتْ مصطَفَّة، وعبارةُ البخاري {شُرَّعاً} أيْ: شوارِعَ انتهى. والعامل في قوله: {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ } قولُهُ: {لاَ تَأْتِيهِمْ}، وهو ظرفٌ مقدَّم، ومعنى قوله {كَذَٰلِكَ } الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا عَلَىٰ من وَقَفَ على {تَأْتِيهِمْ}، ومن وقف على {كَذَٰلِكَ }، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يَوْمَ لا يسبتُونَ، فهو قليلٌ، و{نَبْلُوهُم}، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم. وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا}. قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل ٱفترقَتْ ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت وٱعْتَزَلَتْ، وفرقةٌ ٱعتزلَتْ، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً }، يريدونّ: العاصيةَ {ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ}، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنَىٰ {مُهْلِكُهُمْ }، أيُّ: في الدنيا، {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ}، [أي]: في الآخرةِ، والضمير في قوله: {نَسُواْ} للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و«ما» في قوله: {مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} بمعنى الَّذي، و{السُّوءِ} لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صَيْدُ الحوتِ، و{ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }: هم العاصُونَ، وقوله: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تَعْصِ ولم تَنْهَ، فقيل: نَجَتْ مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين. وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ ٱلاستعصاء وقلَّة الطواعية. وقوله سبحانه: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ }، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم؛ فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القُدْرة المكوِّنة لهم قردةً، و{خَـٰسِئِينَ}: معناه مبعَدِين فـــ«خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا ٱختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مُسِخَوا خنازير.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} الآية. المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم؛ لأنَّ الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - قد علمها من قبل الله تعالى، والمقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء: الأول: المقصود منه تقرير أنهم كانوا قد أقْدَمُوا على هذا الذنب القبيح تَنْبِيهاً لهم على إصرارهم على الكفر بمحمد - عليه الصلاة والسلام -. والثاني: أنَّ الإنسان قد يقول لغيره هل الأمر كذا وكذا؟ ليعرف ذلك بأنه محيط بمعرفةِ تلك الواقعة وغير غافل عنها. ولمَّا كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أمياً لم يعلم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثمَّ إنَّه يذكر هذه القصص على وجوهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كان ذلك جارياً مجرى المعجزة. قوله: "عَنِ القَرْيَةِ" لا بُدَّ من مضافٍ محذوفٍ، أي: عن خبر القرية، وهذا المحذوفُ هو النَّاصِبُ لهذا الظرف وهو قوله "إذْ يَعْدُون". وقيل: هو منصوب بـ "حَاضِرَة". قال أبُو البقاءِ: وجوَّزَ ذلك أنها كانت موجودةً في ذلك الوقت ثم خربت. وقدر الزمخشريُّ: المُضاف "أهل" أي: عن أهل القرية، وجعل الظرف بدلاً من "أهل" المحذوف فإنَّهُ قال: "إذْ يَعْدُون" بدل من القرية، والمرادُ بالقرية: أهلُها كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في البيت، وهو من بدل الاشتمال. قال أبُو حيَّان وهذا لا يجوزُ؛ لأن "إذْ" من الظُّرُوف التي لا تتصرَّفُ، ولا يدخل عليها حرفُ جر، وجعلها بدلاً يجَوِّزُ دخول "عن" عليها؛ لأنَّ البدل هو على نِيَّةِ تكرار العامل ولو أَدْخَلْتَ "عن" عليها لم يجز، وإِنَّما يتصرَّفُ فيها بأن تُضيف إليها بعض الظُّروف الزَّمانية نحو: يوم إذ كان كذا، وأمَّا قول من ذهب إلى أنَّها تكونُ مفعولةً بـ "اذكر" فقولُ مَنْ عَجَزَ عن عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً. وقال الحوفيُّ: "إذ" متعلقةٌ بـ "سَلْهم". قال أبُو حيان: وهذا لا يتصوَّر، لأن "إذْ" لما مضى، و "سَلْهم" مستقبلٌ، لو كان ظرفاً مستقبلاً لم يَصِحَّ المعنى؛ لأنَّ العادين - وهم أهل القريةِ - مفقودون فلا يمكن سُؤالهم والمسئول غير أهل القرية العادين. وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك "يَعَدُّون" بفتح العين وتشديد الدَّالِ، وهذه تُشبه قراءة نافع في قوله {لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} [النساء: 154] والأصل: تَعْتَدوا، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها. وقُرىء "يُعِدُّونَ" بضمِّ الياء وكسر العين وتشديد الدال من: أعَدَّ يُعِدُّ إعداداً إذ هَيَّأ آلاته، لما ورد أنهم كانوا مأمورين في السبت بالعبادةِ، فيتركونها ويُهَيِّئُونَ آلاتِ الصَّيد. فصل معنى الآية: واسْأل مُحَمَّد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ عن القرية التي كانت حاضرة البحر أي: بقرية، والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى: {أية : ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 196]. قال ابنُ عباس، وأكثر المفسرين: هي قرية يقال لها: أيْلَة بين مَدْيَن والطُّورِ على شاطىء البحر. وقيل: مدين. وقال الزُّهري: هي طبرية الشَّامِ، والعرب تسمِّي] المدينة قرية وعن أبي عمرو بن العلاء مَا رَأيْتُ قرويين أفصَحَ من الحسين والحجَّاج يعني رجلين من أهل المدنِ، و {يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} يتجاوزون حد اللَّه فيه، وهو اصيطادهم في يوم السَّبت وقد نُهُوا عنه، والسَّبْتُ: مصدر سَبَتَ اليهود إذَا عظَّمت سُنَّتَهَا، إذا تركوا العمل في سبتهم، وسُبِتَ الرجل سُباتاً إذا أخذه ذلك، وهو مثل الخرس، وأسبت سكن فلم يتحرك والقوم صاروا في السَّبت، واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروفُ، وهو من الرَّاحةِ والقطع، ويجمع على أسْبُت وسُبُوت وأسبات، وفي الخبر عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من احْتَجَمَ يوْمَ السَّبْتِ فأصَابَهُ مرضٌ لا يلُومنَّ إلاَّ نَفْسَهُ ". تفسير : قال القرطبي: قال علماؤنا: لأنَّ الدَّمَ يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم يَجْرِ وعَادَ بَرَصاً. قوله: "إذْ تَأتيهم" العامل فيه "تَعْدون" أي: إذَا عَدَوا إذ أتَتْهُمْ؛ لأنَّ الظَّرْفَ الماضي يَصْرِفُ المضارع إلى المضيِّ. وقال الزمخشريُّ: و "إذ تَأتيهم" بدلٌ من "إذ يَعْدُونَ" بدل بعد بدل، يعني: أنه بدلٌ ثانٍ من القريةِ على ما تقدَّم عنه، وقد تقدَّم ردُّ أبي حيان عليه فيعود هنا. و "حِيتَان" جمع "حُوت"، وإنَّما أبدلَت الواوُ يَاءً، لسكونها وانكِسَارِ ما قبلها، ومثلُهُ نُون ونِينَان والنُّونُ: الحُوتُ. قوله "شُرَّعاً" حالٌ من "حِيتَانُهُمْ" وشُرَّعٌ: جمعُ شارع. وقرأ عمر بن عبد العزيز: "يَوْمَ إسباتهم" وهو مصدر "أسبت" إذا دخل في السَّبْت. وقرأ عاصم بخلاف عنه وعيسى بن عمر "لا يَسْبُتُونَ". وقرأ عليٌّ والحسنُ وعاصمٌ بخلاف عنه "لا يُسْبِتُونَ" بضم الياء وكسر الباء، من أسْبَت، أي: دخل في السبت. وقُرىء: "يُسْبَتُونَ" بضمِّ الياء وفتح الباء مبنياً للمفعول، نقلها الزمخشريُّ عن الحسن. قال: أي لا يُدَار عليهم السبت ولا يؤمَرُونَ بأن يَسْبِتُوا، والعاملُ في: "يوْمَ لا يَسْبِتُونَ" قوله: "لا تَأتيهمْ" أي: لا تأتيهم يوم لا يَسْبِتُونَ، وهذا يَدُلُّ على جواز تقديم معمول المنفي بـ "لا" عليها وقد تقدم فيه ثلاث مذاهب: الجواز مطلقاً كهذه الآية، والمنع مطلقاً، والتفصيل بين أن يكون جواب قسم فيمتنع أوْ لا فيجوز. ومعنى شُرَّعاً أي ظاهرة على الماء كثيرة. من شرع فهو شارع، ودار شارعة أي: قريبة من الطريق، ونجوم شارعة أي: دنت من المغيب، وعلى هذا فالحيتان كانت تَدْنُو من القرية بحيث يمكنهم صيدها. وقال الضَّحَّاكُ: متتابعة. فصل قال ابنُ عباس ومجاهد: إنَّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به يوم الجمعة فتركوه، واختاروا السبت، فابتلاهم الله به، وحرم عليهم الصَّيْدَ، وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السَّبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها، فإذا انقضى السَّبت ذهبت عنهم، ولم تعد إلاَّ في السبت المقبل، وذلك بلاء ابتلاهم اللَّه به. فقوله {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} أي لا يَفْعَلُونَ السبت، يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ إذا عظم السبت. والمعنى: يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ، كما يقال: أجْمَعْنَا وأظهرنَا وأشْهَرْنَا، أي: دخلنا في الجمعة، والظهر، والشهر. كما يقال: أصبحنا أي: دخلنا في الصباح. قوله: "كَذلِكَ نَبْلُوهُم". ذكر الزجاجُ، وابن الأنباريِّ في هذه الكاف ومجرورها وجهين: أحدهما: قال الزَّجَّاج: أي: مثل هذا الاختبار الشَّديد نختبرهم، فموضع الكاف نصبٌ بـ "نَبْلُوهُم". قال ابن الأنباري: ذلك إشارةٌ إلى ما بعده، يريد: نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان، وينقطع الكلام عند قوله "لا تَأتيهمْ". الوجه الثاني: قال الزجاج ويحتمل أن يكون - على بُعْدٍ - أن يكون: ويَوْمَ لا يَسبتُون لا تأتيهم كذلك أي لا تأتيهم شُرَّعاً، ويكون "نَبْلُوهُم" مستأنفاً. قال أبو بكر: وعلى هذا الوجه كذلك راجعةٌُ إلى الشُّرُوع في قوله تعالى: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} والتقدير: ويَوْمَ لا يسبتُونَ لا تأتيهم كذلك الإتيانِ بالشّروع، وموضعُ الكاف على هذا نَصْبٌ بالإتيان على الحالِ، أي: لا تأتي مثل ذلك الإتيان. قوله: "بِمَا كَانُوا" الباءُ سببيةٌ و "ما" مصدريةٌ، أي: نَبْلُوهم بسبب فسقهم، ويضعُفُ أن تكون بمعنى "الذي" لتكَلُّفِ حذفِ العائد على التدريج. وقد ذكر مكي هنا مسألةً مختلفاً فيها بين النُّحاةِ، لا تعلُّق لها بهذا الموضع. فقال: وأفصحُ اللغات أن ينتصبَ الظرف مع السبت والجمعة فتقول: اليوم السَّبْتُ، واليوم الجُمعَةُ فتنصب اليوم على الظَّرْفِ، وترفع مع سائر الأيام فتقول: اليومُ الأحدُ واليومُ الأربعاءُ لأنَّهُ لا معنى للفعل فيهما فالمبتدأ هو الخبر فترفع. قال شهابُ الدِّين: هذه المسألة فيها خلافٌ بين النَّحويين، فالجمهورُ كما ذكر يوجبون الرفع؛ لأنَّه بمنزلة قولك: اليومُ الأولُ، اليومُ الثاني. وأجاز الفراء وهشام النَّصبَ، قالا: لأنَّ اليوم بمنزلة: الآن وليست هذه المسألةُ مختصَّةً بالجمعة والسبت بل الضابطُ فيها: أنه إذا ذُكر "اليوم" مع ما يتضمن عملاً أو حدثاً جاز الرفع والنصب نحو قولك: اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى. كأنك قلت: اليوم يحدث اجتماع وفطر وأضحية. فصل قال المفسِّرُون: وسْوَسَ لهم الشَّيطان وقال: إنَّ الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنَّما نهاكم عن الأكْلِ فاصطَادُوا. وقيل: وسوس إليهم أنَّكُمْ إنَّمَا نُهِيتُم عن الأخذ فاتَّخِذُوا حِيَاضاً على شاطىء البَحْرِ، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحدِ، ففعلوا ذلك زماناً، ثمَّ تَجَرَّءُوا على السبت وقالوا ما نرى السبت إلاَّ قد أحِلَّ لنا، فأحذوا، وأكلوا وباعوا فنهاهم بعضهم، وبعضهم فعل، ولم ينته، وبعضهم سكت وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} [الأعراف: 164] فلمَّا لم يَنْتَهُوا قال النَّاهُونَ لا نُسَاكِنُكُمْ، فقسموا القرية بجدارٍ، للمسلمين باب، وللمعتدين بابٌ، ولعنهم داودُ، فأصبح النَّاهُونَ ذات يوم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم شأناً، لعلّ الخمر غلبتهم، فعلوا الجدار، فإذا هم قِرَدَةٌ. فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ الحيل في تحليل الأمور الَّتي حرمها الشارع محرمةٌ؛ كالغيبة، ونكاح المحلِّل، وما أشبههما من الحيلِ، ودلَّت على أنَّه تعالى لا يجب عليه رعايةُ الصَّلاح والإصلاح لا في الدِّين ولا في الدنيا؛ لأنَّهُ تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السَّبْتِ مما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصَّلاح لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية، فلمَّا فعل علمنا أن رعاية الصَّلاح لا تجب على الله تعالى. قوله: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}. اختلفوا في الذين قالوا هذا القول. فقيل: كانوا من الفرقة الهالكة؛ لأنَّهُم لمَّا قيل لهم: انتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنكم إن لم تنتهوا فإنَّ اللَّهَ ينزل بكم بأسه فأجابوا بقولهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ}. فقال النَّاهُونَ {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي موعظتنا {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ}، والأصحُّ أنها من قول الفرقة السَّاكتة جواباً للنَّاهية، قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ... مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ}. ومعناه: أنَّ الأمر بالمعروف واجبٌ علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عُذراً إلى اللَّهِ. "ولعلَّهُم يتَّقُون" أي: يتَّقُوا اللَّهَ ويتركوا المعصية، ولو كان الخطاب مع المعتدين لقال: "ولعلَّكُم تتَّقُونَ". "مَعْذِرَةً" قرأ العامَّةُ: "مَعْذِرَةٌ" رفعاً على أنه خبر ابتداء مضمر، أي: موعظتنا معذرة. وقرأ حفصٌ عن عاصم، وزيد بن علي، وعيسى بنُ عمر، وطلحةُ بنُ مصرف: "مَعْذِرَةً" نصباً وفيها ثلاثةُ أوجه: أظهرها: أنَّهَا منصوبةٌ على المفعول من أجله، أي: "وعَظْنَاهُم لأجل المعذرة". وقال سيبويه: ولو قال رجلٌ لرجلٍ: معذرةً إلى الله وإليك من كذا، لنصب. الثَّاني: أنَّها منصوبةٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها، تقديره: نَعْتَذِرُ مَعْذرةً. الثالث: أن ينصب انتصابَ المفعول به؛ لأن المعذرةَ تتضمَّنُ كلاماً، والمفردُ الثالث: والمفردُ المتضمِّنُ لكلام إذا وقع بعد القولِ نُصِبَ نصب المفعول به، كـ "قلت خطبة". وسيبويه يختارُ الرَّفْعَ. قال: لأنَّهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً. ولكنهم قيل لهم: لِمَ تَعِظُونَ؟ "فَقَالُوا" موعظتنا معذرةً. والمَعْذِرَةُ: اسمُ مصدر وهو العذر. وقال الأزهري: إنَّها بمعنى الاعتذارِ، والعذرُ: التَّنصلُ من الذَّنبِ. قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الضَّميرُ في نَسُوا للْمنهيِّينَ و "ما" موصولةٌ بمعنى "الذي" أي: فلمَّا نسُوا الوعظ الذي ذكَّرَهُم به الصَّالحون. قال ابنُ عطيَّة: ويحتمل أن يُرادَ به الذِّكرُ نفسه، ويحتمل أن يراد به ما كان فيه الذكر. قال أبُو حيان: ولا يظهرُ لي هذان الاحتمالان. قال شهابُ الدِّين: يعني ابنُ عطية بقوله: "الذِّكرُ نفسُهُ" أي: نفسُ الموصول مُرادٌ به المصدر كأنه قال: فلمَّا نسُوا الذِّكْرَ الذي ذُكِّروا به، وبقوله: "مَا كان فيه الذِّكر" نَفَسُ الشيء المذكَّر به الذي هو متعلِّق الذكر؛ لأن ابن عطيَّة لمَّا جعل "ما" بمعنى "الذي" قال: إنَّها تحتملُ الوقوع على هذين الشيئن المتغايرين. فصل النِّسيان يطلق على السَّاهي، والعامد التَّارك لقوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي: تركوه عن قصد، ومنه قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة: 67]. فصل المعنى: فلمَّا تركوا ما وعظوا به، {أنجَينا الذين ينهونَ عن السُّوءِ وأخذنَا الذين ظلمُوا} أي الذين أقدموا على المعصية. واختلف المفسِّرون في الفرقة السَّاكتة. فنقل عن ابن عبَّاسٍ: أنَّهُ توقَّف فيهم، ونقل عنه: هلكت الفرقتان ونجت النَّاهية، وكان ابنُ عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: إنَّ هؤلاء الذين سكتوا عن النَّهي عن المنكر هلكوا، ونحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت، ولا نقول شيئاً. وقال الحسنُ: نجت الفرقتانِ، وهلكت العاصية، لأنهم لما قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ} دلَّ على أنَّهُمْ أنكروا أشد الإنكار، وأنَّهُمْ إنَّما تركوا وعظهم؛ لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظِ. فإن قيل: إن ترك الوعظِ معصية، والنَّهي عنه أيضاً معصية؛ فوجب دخول هؤلاء التَّاركين للوعظ النَّاهين عنه تحت قوله: {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}. فالجوابُ: هذا غير لازمٍ؛ لأنَّ النَّهي عن المنكر إنَّمَا يجب على الكفاية، ولو قام به البعضُ سقط عن الباقين. وروي عن ابن عبَّاس أنه قال: أسمعُ الله يقول: {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}، فلا أدري ما فعلت الفرقة السَّاكتة؟ قال عكرمةُ: قلت له: جعلني اللَّهُ فداك، ألا تراهم قد أنكروا، وكرهوا ما هم عليه وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ}، وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي ورضي به، وأمر لي ببردين فكسانيهما؛ وقال: نَجتِ السَّاكتةُ، وهذا قول يمان بن رباب، والحسن، وابن زيد. قوله: "بعذابٍ بئيسٍ". أي: شديد. قرا نافعٌ، وأبو جعفر، وشيبةٌ بيْسٍ بياء ساكنة، وابن عامر بهمزة ساكنة. وفيهما أربعة أوجه: أحدها: أنَّ هذا في الأصْلِ فعلٌ ماضٍ سُمِّيَ به فأعربَ كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : أنهاكم عن قيل وقال"تفسير : بالإعراب والحكاية، وكذا قولهم: "مُذ شبَّ إلى دبَّ ومُذ شبٍّ إلى دَبٍّ"، فلما نُقل إلى الاسميَّة صار وصفاً كـ: نِضْو ونِقْض. والثاني: أنَّهُ وصف وضع على فعل كـ: حِلْف. الثالث: أن أصله بَئيس كالقراءةِ المشهورة، فخفَّفَ الهمزة؛ فالتقت ياءان، ثم كسر الياء إتباعاً، كرغيف وشهيد فاستثقل توالي ياءين بعد كسرةٍ، فحذفت الياء المكسورة؛ فصار اللَّفظُ "بِيْسٍ" وهو تخريج الكسائيِّ. الرابع: أن أصله بَئِس بوزن "كَتِف" ثم أتبعت الياءُ للهمزة في الكسر ثم سُكِّنت الهمزة، ثمَّ أبدلت يا كـ: بِيرٍ وذِيبٍ. وأمَّا قراءة ابن عامر فتحتمل أن تكون فعلاً منقولاً، وأن تكون وصفاً كـ: حِلْف. وقرأ أبو بكر عن عاصم بَيْئَسٍ بياء ساكنة بين باء، وهمزة مفتوحتين، وهو صفةٌ على فَيْعَل كـ: ضَيْغَم، وصَيْرَف، وصَيْقَل، وهي كثيرةٌ في الأوصافِ. وقرأ امرؤُ القيسِ: [الرجز] شعر : 2602 - كِلاهُمَا كَانَ رَئِيساً بَيْئَسا يَضْرِبُ في يومِ الهِيَاجِ القَوْنَسَا تفسير : وقرأ باقي السبعة "بَئِيسٍ" بزنه "رَئِيسٍ" وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ وصفٌ على "فَعِيلٍ" كـ: شَدِيدٍ، وهو للمبالغة وأصله فاعل. والثاني: أنه مصدرٌ وصف به أي: بعذابٍ ذي بأس بَئِيس، فـ "بَئِيسٍ" مصدر مثل: النكير والقدير، ومثل ذلك في احتمالِ الوجهين قول أبي الأصبع العدواني: [مجزوء الكامل] شعر : 2603 - حَنَقاً عليَّ ولا أرَى لِيَ مِنْهُمَا شَرًّا بَئِيسا تفسير : وهي أيضاً قراءةُ عليٍّ وأبي رجاء. وقرأ يعقوبُ القارىء "بَئِسَ" بوزن "شَهِدَ"، وقرأها أيضاً عيسى بنُ عُمَرَ، وزيد بن علي. وقرأ نصرُ بنُ عاصم "بَأسَ" بوزن "ضَرَبَ" فعلاً ماضياً. وقرأ الأعمش ومالك بنُ دينار "بَأس" فعلاً ماضياً، وأصله "بَئِس" بكسر الهمزة، فسكَّنَهَا تخفيفاً كـ: شَهْدَ في قوله: [الرجز] شعر : 2604- لَوْ شَهْدَ عَاد فِيَ زَمَانِ تُبَّعِ تفسير : وقرأ ابنُ كثير وأهل مكة بِئِسٍ بكسر البَاءِ، والهمز همزاً خفيفاً، ولم يُبَيَّن هل الهمزة مكسورةٌ أو ساكنةٌ؟ وقرأ طلحة وخارجة عن نافع "بَيْسٍ" بفتح الباء، وسكون الياء مثل: كَيْلٍ، وأصله "بَيْئَس" مثل: ضَيْغَم فخفَّف الهمزة بقلبها ياءً، وإدغام الياء فيها ثم خفَّفهُ بالحذف كـ: مَيْت في: مَيِّت. وقرأ عيسى بن عمر والأعمش وعاصم في رواية "بَيْئِسٍ" كقراءة أبي بكر عنه، إلاَّ أنَّهُ كسر الهمزة، وهذه قد ردَّها النَّاسُ؛ لأن "فَيْعِلاً" بكسر العين في المعتلِّ، كما أن "فَيْعَلاً" بفتحها في الصحيح كـ: سَيِّد وضَيْغَم، على أنه قد شذّ "صَيْقِل" بالكسر، و "عَيَّل" بالفتح. وقرأ نصر في رواية مالك بن دينار عنه "بَأسٍ" بفتح الباء والهمزة وجر السِّين، بزنة "جَبَلٍ". وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف "بَئِسٍ" مثل كبد وحذر. قال عبيد الله بن قيس: [المديد] شعر : 2605 - لَيْتَنِي ألْقَى رُقَيَّةَ فِي خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا بَئِسِ تفسير : وقرأ نصر بنُ عاصم في رواية بَيِّسٍ بهمزةٍ مشددة. قالوا: قلب الياء همزةً وأدغمها في مثلها. ورويت هذه عن الأعمش أيضاً. وقرأت طائفة بَأسَ بفتح الثلاثة، والهمزة مشددة، فعلاً ماضياً، كـ "شَمَّرَ"، وطائفة أخرى بَأسَ كالتي قبلها إلاَّ أنَّ الهمزة خفيفةٌ، وطائفة بَائسٍ بألف صريحة بين الباءِ والسِّينِ المجرورة، وقرأ أهل المدينة بِئيسٍ كـ: "رَئِيسٍ"، إلاَّ أنهم كسروا الباء، وهذه لغةُ تميم في فعيل الحلقيِّ العين نحو: بِعِير، وشِعِير، وشِهيد، سواء أكان اسماً أم صفة. وقرأ الحسن والأعمش "بِئْيَسٍ" بياء مكسورة، ثم همزة ساكنة، ثم يا مفتوحة، بزنة "حِذْيَم"، و"عِثْيَر". وقرأ الحسنُ بِئْسَ بكسر الباءِ، وسكون الهمزة وفتح السِّينِ، جعلها التي للذَّمِّ في نحو: بِئْسَ الرجل زيدٌ. ورُويت عن أبي بكر. وقرأ الحسن أيضاً كذلك، إلاَّ أنه بياءٍ صريحة، وتخريجها كالتي قبلها، وهي مرويةٌ عن نافع وقد ردَّ أبو حاتم هذه القراءةَ والتي قبلها بأنَّهُ لا يقالُ: مررت برجلٍ بِئْسَ، حتَّى يقال بِئْسَ الرجل، أو بئس رجلاً. قال النَّحَّاس: وهذا مردودٌ - يعني قول أبي حاتم - حكى النحويون: إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت، أي: ونعمت الخصلة، والتقدير: بِئْسَ العذابُ. قال شهابُ الدِّينِ: أبو حاتم معذورٌ في القراءة، فإنَّ الفاعل ظاهراً غير مذكور، والفاعل عمدةٌ لا يجوز حذفه، ولكنه قد ورد في الحديث مَنْ تَوضَّأ فبها ونعْمتْ، ومن اغتسَلَ فالغُسْلُ أفضلُ ففاعل "نِعْمَتْ" هنا مضمرٌ يفسِّرُهُ سياقُ الكلام. قال أبُو حيَّان: فهذه اثنتانِ وعشرون قراءةً، وضبطُها بالتَّلخيص: أنَّها قُرِئتْ ثلاثية اللَّفْظِ، ورباعَّيتَهُ، فالثُّلاثي اسماً: بِئْسٍ، وَبِيْسٍ، وبَيْسٍ، وبَأْسٍ، وبَأَسٍ، وبَئِسٍ، وفعلاً بِيْسَ وبِئْسَ، وبَئِسَ، وبَأَسَ، وبَأْسَ، وبَيِسَ. والرباعية اسماً: بَيْئَسٍ، وبِيْئِسٍ، وبَيْئِسٍ، وبَيِّسٍ، وبَئِيْسٍ، وبِئَيْسٍ، وبِئْيِسٍ، وبِئْيَسٍ، وفعلاً: بَأَّسَ. وقد زا أبو البقاء أربع قراءات أخر: بَيِس بباء مفتوحة وياء مكسورة. قال: وأصلها همزة مكسورة فأبدلت ياء، وبَيَسٍ بفتحهما. قال: وأصلها ياء ساكنة وهمزة مفتوحة إلاَّ أنَّ حركة الهمزة ألقيت على الياء وحذفت، ولم تقلب الياء ألفاً، لأنَّ حركتها عارضةٌ. وبَأْيَسٍ بفتح الباء، وسكون الهمزة وفتح الياء. قال: وهو بعيد إذ ليس في الكلام "فَعْيَل" وبَيْآس على فَيْعَال. وهو غريب. قوله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} الآية. قال ابنُ عباسٍ "أبَوْا أن يرجعوا عن المعصية" والعُتو: هو الإباء والعصيان. فإن قيل: إذا عتوا عمَّا نُهُوا عنه فقد أطاعوا؛ لأنَّهُم أبوا عمَّا نُهُوا عنه، وليس المراد ذلك. فالجواب: ليس المراد أنهم أبوا عن النهي، بل أبوا عن امثتال ما أمروا به. وقوله: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. قال بعضهم ليس المراد منه القول؛ بل المراد منه أنه تعالى فعل ذلك. قال: وفيه دلالة على أن قوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [النحل: 40] هو بمعنى الفعل لا الكلام. وقال الزجاج أمِرُوا بأن يكُونُوا كذلك بقول سمع، فيكون أبلغ. قال ابنُ الخطيب: وحمل هذا الكلام على الأمر بعيد؛ لأنَّ المأمور بالفعل يجبُ أن يكون قادراً عليه، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ: أصبح القوم قردةً خاسئين؛ فمكثوا كذلك ثلاثة أيَّام تراهم النَّاس ثمَّ هلكوا، ونقل عن ابن عبَّاسٍ: أن شباب القوم صاروا قردة، والشُّيُوخ خنازير، وهذا خلاف الظَّاهر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس وهو يقرأ هذه الآية {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} قال: يا عكرمة، هل تدري أي قرية هذه؟ قلت: لا. قال: هي أيلة . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب {واسألهم عن القرية} قال: هي طبرية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد واسألهم عن القرية قال: هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا . وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {واسألهم عن القرية} قال: هي مدين . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {إذ يعدون في السبت} قال: يظلمون . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {شرعاً} يقول: من كل مكان . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {شرعاً} قال: ظاهرة على الماء . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {شرعاً} قال: واردة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} قال: هي قرية على شاطىء البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة، فحرَّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غيّاً. فقالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} وكانوا أشد غضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالتا: لم تعظون؟ والذين {قالوا: معذرة إلى ربكم} وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {واسألهم عن القرية...} الآية. قال: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظَّموه وتركوا ما أمروا به، فلما ابتدعوا السبت ابتلوا فيه، فحرمت عليهم الحيتان، وهي قرية يقال لها مدين بين أيلة والطور، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى مثله من السبت المقبل، فإذا جاء السبت عادت شرعاً، ثم إن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد جاء فأخذه فأكله سراً، ففعلوا ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقية منهم، فنهوهم حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق علانية قالت طائفة للذين ينهونهم {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} قالوا {معذرة إلى ربكم} في سخطنا أعمالهم {ولعلهم يتقون} فكانوا أثلاثاً . ثلثاً نهى، وثلثاً قالوا {لم تعظون} وثلثاً أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون: إن للناس شأناً فانظروا ما شأنهم، فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وأنه لقرد ، والمرأة بعينها وانها لقردة . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يوماً وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس؟ فقال: هؤلاء الورقات. وإذا في سورة الأعراف قال: تعرف أيلة؟ قلت : نعم. قال: فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعد كد ومؤنة شديدة، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سمانا كأنها الماخض، فكانوا كذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام. فقالت : ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار، وسكتت وقال الأيمنون: ويلكم...؟ لا تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} قال الأيمنون: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} ان ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وأن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء الله، والله لنبايننَّكم الليلة في مدينتكم. والله ما أراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما وعلوا سور المدينة رجلاً ، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله قردة ــ والله ــ تعاوى لها أذناب...! ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولا تعرف الانس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول ألم ننهكم فتقول برأسها: أي نعم. ثم قرأ ابن عباس {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} قال: أليم وجيع. قال: فارى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها. قلت: أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم ، وقالوا {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} قال: فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين . وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كانت قرية على ساحل البحر يقال لها ايلة، وكان على ساحل البحر صنمان من حجارة مستقبلان الماء، يقال لأحدهما لقيم والآخر لقمانة، فأوحى الله إلى السمك، أن حج يوم السبت إلى الصنمين، وأوحى إلى أهل القرية: أني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تعرضوا للسمك يوم لا يمتنع منكم ، فإذا ذهب السبت فشأنكم به فصيدوه، فكان إذا طلع الفجر يوم السبت أقبل السمك شرعاً إلى الصنمين لا يمتنع من آخذ يأخذه ، فظهر يوم السبت شيء من السمك في القرية فقالوا: نأخذه يوم السبت فنأكله يوم الأحد، فلما كان يوم السبت الآخر ظهر أكثر من ذلك ، فلما كان السبت الآخر ظهر السمك في القرية، فقام إليهم قوم منهم فوعظوهم فقالوا: اتقوا الله. فقام آخرون فقالوا {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} فلما كان سبت من تلك الأسبات فشى السمك في القرية، فقال الذين نهوا عن السوء فقالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية. فقيل لهم: لو أصبحتم فانقلبتم بذراريكم ونسائكم . قالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية ، فإن أصبحنا غدونا فاخرجنا ذرارينا وأمتعتنا من بين ظهرانيكم وكان القوم شاتين، فلما أمسوا أغلقوا أبوابهم فلما أصبحوا لم يسمع القوم لهم صوتاً ولم يروا سرجاً خرج من القرية...! قالوا : قد أصاب أهل القرية شر...! فبعثوا رجلاً منهم ينظر إليهم ، فلما أتى القرية إذا الأبواب مغلقة عليهم، فاطلع في دار فإذا هم قرود كلهم، المرأة أنثى والرجل ذكر، ثم اطلع في دار أخرى فإذا هم كذلك الصغير صغير والكبير كبير، ورجع إلى القوم فقال: يا قوم نزل بأهل القرية ما كنتم تحذرون، أصبحوا قردة كلهم لا يستطيعون أن يفتحوا الأبواب، فدخلوا عليه فإذا هم قردة كلهم، فجعل الرجل يومىء إلى القرد منهم أنت فلان، فيومىء برأسه: نعم. وهم يبكون فقالوا: أبعدكم الله قد حذرناكم هذا، ففتحوا لهم الأبواب فخرجوا فلحقوا بالبرية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: والله لئن أكون علمت أن القوم الذين قالوا {لم تعظون قوماً} نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلى ما عدل به. وفي لفظ: من حمر النعم. ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري انجا الذين قالوا لم تعظون قوماً أم لا؟ قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة . وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: مسخوا حجارة الذين قالوا {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {واسألهم عن القرية...} الآية. قال: كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد، فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الأهتمام بالذنب إلا واقعه، فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه فأكلوا بها ــ والله ــ أوخم أكلة أكلها قوم قط أبقاه خزياً في الدنيا وأشده عقوبة في الآخرة، وأيم الله للمؤمن من أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخذ موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، وكان موسى يسبت فصلبه . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: احتطب رجل في السبت، وكان داود عليه السلام يسبت فصلبه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال: كان حفظي عن عاصم " بعذاب بئيس " على معنى فعيل، ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش " بعذاب بئيس " على معنى فعيل . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {بعذاب بئيس} قال: لا رحمة فيه . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {بعذاب بئيس} قال: وجيع . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {بعذاب بئيس} قال: أليم بشدة . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نودي الذي اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات، نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى ، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم {أية : كونوا قردة خاسئين} تفسير : [البقرة: 65] فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: أي بلى . وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وماهان الحنفي قال: لما مسخوا جعل الرجل يشبه الرجل وهو قرد ، فيقال: أنت فلان...؟! فيومىء إلى يديه بما كسبت يداي . وأخرج ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن سفيان قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العمري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تأمر من لا يقبل منك؟ قال: يكون معذرة ، وقرأ {قالوا معذرة إلى ربكم}.
ابو السعود
تفسير : {وَسْئَلْهُمْ} عطف على المقدر في إذ قيل أي واسأل اليهودَ المعاصرين لك سؤالَ تقريعٍ وتقرير كفرَهم وتجاوزَهم لحدود الله تعالى وإعلاماً لهم بأن ذلك مع كونه من علومهم الخفيةِ التي لا يقف عليها إلا من مارس كتبَهم قد أحاط به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام خُبْراً، وإذ ليس ذلك بالتلقي من كتبهم لأنه عليه الصلاة والسلام بمعزل من ذلك تعين أنه من جهة الوحي الصريح {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} أي عن حالها وخبرِها وما جرى على أهلها من الداهية الدهياءِ وهي أَيْلَةُ، قريةٌ بـين مدْيَنَ والطور، وقيل: هي مدينُ وقيل: طبرية، والعرب تسمي المدينةَ قرية {ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي قريبةً منه مشرفةً على شاطئه {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ} أي يتجاوزون حدودَ الله تعالى بالصيد يوم السبت، وإذ ظرفٌ للمضاف المحذوفِ أو بدلٌ منه، وقيل: ظرفٌ لكانت أو حاضرة، وليس بذاك إذ لا فائدةَ في تقيـيد الكونِ أو الحضور بوقت العُدوان، وقرىء يعدّون وأصله يعتدون ويُعِدّون من الإعداد حيث كانوا يُعِدّون آلاتِ الصيدِ يوم السبت وهم منهيّون عن الاشتغال فيه بغير العبادة. {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ} ظرفٌ ليَعْدون أو بدلٌ بعد بدلٍ والأولُ هو الأولى لأن السؤالَ عن عُدوانهم أدخلُ في التقريع، والحيتانُ جمعُ حوتٍ قُلبت الواوُ ياءً لانكسار ما قبلها كنونٍ ونينانٍ لفظاً ومعنى، وإضافتُها إليهم للإشعار باختصاصها بهم لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في سائر أفرادِ الجنس من الخواصّ الخارقةِ للعادة، أو لأن المرادَ بها الحيتانُ الكائنةُ في تلك الناحيةِ وأن ما ذكر من الإتيان وعدمِه لاعتيادها أحوالَهم في عدم التعرّض يوم السبت {يَوْمَ سَبْتِهِمْ} ظرفٌ لتأتيهم أي تأتيهم يومَ تعظيمِهم لأمر السبت وهو مصدرُ سَبَتت اليهودُ إذا عظّمت السبْت بالتجرد للعبادة، وقيل: اسمٌ لليوم، والإضافةُ لاختصاصهم بأحكام فيه ويؤيد الأولَ قراءةُ من قرأ يوم أسباتِهم وقوله تعالى: {شُرَّعًا} جمعُ شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف، وهو حالٌ من حيتانُهم أي تأتيهم يوم سبْتِهم ظاهرةً على وجه الماء قريبةً من الساحل {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي لا يراعون أمرَ السبتِ لكن لا بمجرد عدمِ المراعاةِ مع تحقق يوم السبتِ كما هو المتبادرُ بل مع انتفائهما معاً أي لا سبت ولا مراعاة كما في قوله: شعر : [لا تُفزعُ الأرنبَ أهوالُها] ولا ترى الضبَّ بها ينجحِرُ تفسير : وقرىء لا يُسبتون من أسبت ولا يُسبَتون على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت ولا يُدار عليهم حكمُ السبتِ ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت {لاَ تَأْتِيهِمْ} كما كانت تأتيهم يوم السبت حذار من صيدهم، وتغيـيرُ السبك حيث لم يقل: ولا تأتيهم يوم لا يسبتون لما أن الإخبارَ بإتيانها يوم سبْتهم مظِنةُ أن يقال: فماذا حالُها يوم لا يسبتون؟ فقيل: يوم لا يسبتون لا تأتيهم {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم} أي مثلَ ذلك البلاءِ العجيب الفظيعِ نعاملهم معاملةَ من يختبرهم ليُظهِرَ عداوتَهم ونؤاخذهم به، وصيغةُ المضارع لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتها والتعجيبِ منها {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقِهم المستمرِّ المدلولِ عليه بالجمع بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ لكن لا في تلك المادةِ فإن فسقَهم فيها لا يكون سبباً للبلوى بل بسبب فسقهم المستمر في كل ما يأتون وما يذرون، وقيل: (كذلك) متصلٌ بما قبله أي لا تأتيهم مثلَ ما تأتيهم يوم سبتهم فالجملةُ بعده حينئذ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال عن حكمة اختلافِ حال الحيتانِ بالإتيان تارة وعدمِه أخرى.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ}[163] قال: يعدون في اتباع الهوى في السبت.
القشيري
تفسير : كان دينهم الأخذ بالتأويل، وذلك رَوَغَانٌ - في التحقيق، وإن الحقائق تأبى إلا الصدق، وإنَّ التعريج في أوطان الحظوظ والجنوحَ إلى محتملات الرُّخَص فسْخٌ لأكيد مواثيق الحقيقة، ومن شاب شوِّبَ له، ومن صَفَّى صفي له.
اسماعيل حقي
تفسير : {واسألهم} عطف على واذكر المقدر عند قوله {أية : وإذ قيل} تفسير : [الأعراف: 161]. والضمير البارز عائد الى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس المقصود من السؤال استعلام ما ليس معلوما للسائل لانه عليه السلام كان قد علم هذه القصة من قبل الله تعالى بالوحى بل المقصود منه ان يحملهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ان يقروا بقديم كفرهم وتجاوزهم لحدود الله تعالى ومخالفتهم الانبياء على طريق التوارث من اسلافم وتقريعهم بذلك وان يظهر بذلك معجزة دالة على انه نبى حق اوحى اليه ما لا يعلم الا بتعليم او وحى فانه عليه السلام لما كان اميا ولم يخالط اهل الكتب السابقة وبين هذه القصة على وجهها من غير زيادة ولا نقصان تعيين انه علم ذلك بالوحى فكان بيانها على ما وقعت معجزة ظاهرة من جملة معجزاته عليه السلام {عن القرية} اى عن حالها وخبرها وما يجرى على اهلها من الداهية الدهياء وهى ايلة بين مدين والطور والعرب تسمى المدينة قرية {التى كانت حاضرة البحر} اى قريبة منه مشرفة على شاطئه {اذ يعدون فى السبت} اى يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم السبت وهم منهيون عن الاشتغال فيه بغير العبادة واذ ظرف للمضاف المحذوف {اذ تأتيهم حيتانهم} ظرف ليعدون. والحيتان جمع حوت قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كنون ونينان لفظا ومعنى. وكان على بن ابى طالب يقول سبحان من يعلم اختلاف النينان فى البحار الغامرات واضافتها اليهم لان المراد بالحيتان الكائنة فى تلك الناحية {يوم سبتهم} ظرف لتأتيهم اى تأتيهم يوم تعظيمهم لامر السبت فالسبت هنا مصدر سبتت اليهود اذا عظمت السبت بالتجرد للعبادة. وفى التفسير الفارسى [روز شنبه ايشان] فهو اسم لليوم {شرعا} جمع شارع من شرع عليه اذا دنا واشرف وهو حال من حيتانهم اى تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء قريبة من الساحل {ويوم لا يسبتون} اى لا يراعون امر السبت لكن بمجرد عدم المراعاة مع تحققق يوم السبت كما هو المتبادر بل مع انتفائهما معا اى لا سبت ولا مراعاة {لا تأتيهم} كما كانت تأتيهم يوم السبت حذارا من صيدهم فان الله تعالى قوى دواعيها الى الشروع فى يوم السبت معجزة لنبى ذلك الوقت وابتلاء لتلك التى فصلت بين يوم السبت وغيره من الايام {كذلك نبولهم} الكاف فى موضع النصب بقوله نبلوهم اى مثل ذلك البلاء العجيب الفظيع نعاملهم معاملة من يختبرهم ليظهر عدوانهم ونؤاخذهم به {بما كانوا يفسقون} اى بسبب فسقهم المستمر فى كل ما يأتون وما يذرون.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذ يَعْدُون}: بدل من {القرية}، بدل اشتمال، أو منصوب بكانت، أو بحاضرة و {إذ تأتيهم}: منصوب بيعدون، و {سبتهم}: مصدر مضاف للفاعل، يقال: سبت اليهود سبتًا: إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه، و {شُرَّعًا}: حال، ومعناه: ظاهرة قريبة منهم، يقال: شرع منه فلان إذا دنا منه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واسألهم عن القرية} أي: اليهود، سؤال تقرير وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو وحي، وقد تحققوا أنك أُمي، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم، {عن القرية} أي: عن خبرها وما وقع لها، {التي كانت حاضرةَ البحر} قريبة منه، وهي "إيلة"، قرية بين مدين والطور، على شاطىء البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، {إذ يَعدُون في السّبِت}: يتجاوزون حدود الله بالاصطياد في يوم السبت، وكان حرامًا عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة، {إذ تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهم شُرّعًا}: ظاهرة على وجه الماء، دانية منهم، {ويوم لا يَسبِتُون لا تأتيهم} بل تغوص كلها في البحر، {كذلك} أي: مثل هذا البلاء الشديد {نَبلوهم بما كانوا يفسقون} أي: بسبب فسقهم. وقيل "كذلك": متصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت. ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. {وإذ قالت أُمةٌ منهم}، وهي التي لم تنه ولم تعص. لَمَّا رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية: {لِمَ تَعِظُون قومًا اللهُ مهلكهم} بالموت بصاعقة، {أو معذبهم عذابًا شديدًا} في الآخرة؟ {قالوا}: نهينا لهم {معذرة إلى ربكم} أي: عذرًا إلى الله تعالى، حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، {ولعلهم يتقون} فينزجرون عن العصيان، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك. {فلما نَسُوا ما ذُكِّروا به} أي: تركوا ما وُعظوا به ترك الناسي، {أنجينا الذين ينهون عن السوءِ وأخذنا الذين ظلموا}؛ بالاعتياد ومخالفة أمر الله، {بعذابٍ بئيس}: شديد، من بؤس يبؤس بؤسًا، وقرىء (بيْئَسٍ) على وزن ضيغم، و "بِئْس" بالكسر والسكون، كحذر، وبيس بتخفيف الهمزة، ومعناها واحد، أي: بما عاقبناهم بالمسخ، {بما كانوا يفسقون} أي: بسبب فسقُهم. قال ابن عباس: لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة: لم تهلك؛ لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة، مع قيام الفرقة الناهية به؛ لأنه فرض كفاية. قال تعالى: {فلما عتوا عما نُهوا عنه}؛ تكبرًا عن ترك ما نُهوا عنه، {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} أذلاء صاغرين. قال البيضاوي: {قلنا لهم كونوا}، وهو كقوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل:40]، والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذَّبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك، فمسخهم قردة وخنازير، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرًا وتفصيلاً للأولى. رُوِي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين، كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يومًا ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إن لهم شأنًا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. هـ. الإشارة: المسخ على ثلاثة أقسام: مسخ الأشباح، ومسخ القلوب، ومسخ الأرواح، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل، قيل: إنه مرفوع عن هذه الآمة، والصحيح: أنه يقع في آخر الزمان، ومسخ القلوب يكون بالانهماك في الذنوب، والإصرارعلى المعاصي، وعلامته: الفرح بتيسير العصيان، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان، ومسخ الأرواح: الانهماك في الشهوات، والوقوف مع ظواهر الحسيات، أو تكثيف الحجاب، والوقوف مع العوائد والأسباب، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عقوبة بني إسرائيل في الدنيا، فقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ}.
الطوسي
تفسير : القراء كلهم على فتح الياء في قوله تعالى {لا يسبتون} وروي عن الحسن ضمها. من قال أسبتوا اراد دخلوا في السبت ومن فتح الياء اراد يفعلون السبت اي يقومون بأمره كما يفعل المسلون يوم الجمعة، ومثله أجمعنا اي مرت بنا جمعة، وجمعنا شهدنا الجمعة. قال الفراء: قال لي بعض العرب: أترانا اشهرنا منذ لم نلتق يريد مرّ بنا شهراً. امر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يسأل بني اسرائيل الذين كانوا في وقته عن القرية التي كانت حاضرة البحر، وعن سبب هلاكها، سؤال تقرير وتوبيخ لا سؤال استفهام، كما يقول الرجل لغيره أنا فعلت كذا؟ وانت تعلم أنك لم تفعل، وانما تسأله لتقريره وتوبيخه، فوجه امر النبي صلى الله عليه وآله ان يسأل اهل الكتاب عن اهل هذه القرية مع ما اخبره الله تعالى بقصتها لتقريرهم تقديم كفرهم وتعلمهم ما لا يعلم الا بكتاب او وحي، وهو صلى الله عليه وآله لم يكن ممن قرأ الكتب، فعلموا بذلك ان ذلك وحي انزل عليه. وقوله تعالى {اذ يعدون في السبت} معناه اذ يظلمون في السبت، يقال عدا فلان يعدو عدواناً، وعدا عدواً اذا ظلم. وقوله تعالى {اذ تأتيهم حيتانهم} في موضع نصب بيعدون. والمعنى سلهم اذ عدوا في وقت اتيان الحيتان {شرعاً} اي ظاهرة والحيتان جمع حوت واكثر ما يسمي العرب السمك بالحيتان والنيتان، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بحبسها يوم السبت ثم يأخذونها في يوم الأحد. وقال قوم: جاهروا بأخذها يوم السبت. وقوله تعالى {كذلك نبلوهم} اي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم. وموضع الكاف نصب بقوله: {نبلوهم بما كانوا يفسقون} اي شددت عليهم المحنة بفسقهم. قال الزجاج ويحتمل ان يكون {ويوم يسبتون لا تأتيهم كذلك} اي لا تأتيهم شرعاً ويكون {نبلوهم} مستأنفاً. والأول قول اكثر المفسرين. والوجه في تشديد المحنة التي هي التكليف أن الله تعالى أمر بني اسرائيل بامساك السبت والتفرغ فيه للعبادة وأن لا يتشاغلوا بشيء من أمر الدنيا فيه فتهاون قم ممن كان يسكن هذه القرية وهي (ايلة) في قول قوم من المفسرين. وقال قوم هي مدين. ورويا جميعاً عن ابن عباس، ولم يقوموا بما وجب عليهم فشدد الله على من اخذوه. قال الحسن: كانت تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض فيعدون فيأخذونها وتبعد عنهم في باقي الايام وامرهم ان لا يصطادوا يوم السبت فكان ذلك تشديداً للتكليف وتغليظاً للمحنة والبلوى، وكان ذلك عقوبة على تهاونهم بما أوجب الله عليهم فخالفوا فأرسلوا الشباك يوم السبت واخرجوها يوم الاحد.
الجنابذي
تفسير : {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} حتّى تذكّرهم سوء عاقبة اهلها لسوء صنيعتهم حتّى يكون نصب اعينهم وتذكرة لقومك {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} هو بدل من القرية نحو بدل الاشتمال والمعنى اسئلهم عن حال اهل القرية عن وقت عدوهم والاتيان بالمضارع مع ارادة المضىّ للاشارة الى استمرارهم عليه كانوا يتجاوزون حدود الله فى السّبت، فان السّبت كان عيدهم وكان له حرمة عندهم وكان الاحد عيداً للنّصارى كما كان الجمعة عيداً لمحمّد (ص)، ومن هذا ادّعى الصّابئون انّ انبياء العرب كانوا يعبدون الكواكب، فقالوا انّ محمّداً (ص) كان يعبد الزّهرة ولذا اختار من الدّنيا النّساء والطّيب لانّهما كانتا منسوبتين الى الزّهرة واختار من الايّام الجمعة لانّها منسوبة اليها، وكان موسى (ع) يعبد الزّحل ولذا اختار السّبت، وعيسى (ع) يعبد الشّمس ولذا اختار الاحد {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ} وكانوا منهيّين عن الصّيد يوم السّبت {شُرَّعاً} ظاهرة قريبة التّناول ابتلاءً لهم {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} كانوا مشتاقين الى الصّيد منتظرين تمام الاسبوع ولم يتيسّر لهم فاذا كان يوم سبتهم وكانوا ممنوعين من الصّيد لحرمته وللعبادة فيه تأتيهم الحيتان ظاهرة قريبة بحيث لا يمكنهم الصّبر عن الصّيد؛ أعاذنا الله من امتحانه وابتلائه {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} يعنى انّ هذا الابتلاء كان بسبب فسقهم وعصيانهم، والاتيان بالمستقبل لاحضار الماضى او المراد انّا كما بلوناهم سابقاً نبلوهم فيما يأتى، او المراد كذلك نبلو امّتك.
اطفيش
تفسير : {واسْأَلهم} اسأل بنى إسرائيل الذين فى زمانك يا محمد، سؤال توبيخ وتقريع وإقرار، لا سؤال استخبار، لأنه صلى الله عليه وسلم عالم بما يسألهم عنه من قديم كفرهم وعنادهم ومجاوزتهم حدود الله، وإذا أعلمهم بما لا يعلم إلا بوحى، أو تعليم أو قراءة من كتاب، وليس بمتعلم من أحد ولا بقارئ كتابة كان ذلك معجزة تدل على أنه رسول من الله، إذ ما يسألهم عنه وهو الاعتداء كان من أسلافهم، وعن بعض العلماء: أن اليهود قالوا للنبى محمد صلى الله عليه وسلم: إن بنى إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به، فنزلت الآية موبخة لهم ومقررة. {عَنِ القَرْية التى كانت حاضِرة البَحْر} قريبة منه على شاطئه، غير غائبة عنه، قيل: ويحتمل أن يكون ذلك تعظيما لها بأنها الحاضرة الذكر فى مدن البحر، وهى أيلة بين مدين والطور، وعن ابن عباس: أيلة بين مصر والمدينة، ولا منافاة، وإنما ذكرها بطرفين أبعد. وقال فى رواية: هى مدين، وقال الزهرى: طبرية الشام، وقال وهب: هى مقنى بقاف ساكنة بين مدين وعيونا، وبه قال قتادة، وقال ابن زيد: مقناة كذلك، لكن زاد تاء، ويقال فيها: مغنى بغين معجمة مفتوحة، ونون مشدة، والمشهور أنها أيلة به، وقال السدى، والثورى، وعكرمة: والعرب تسمى المدينة قرية، والقرية عندهم المنازل المجتمعة، قال المعرى: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، قال جار الله: يعنى رجلين من أهل المدن. {إذْ} بدل اشتمال من المضاف المحذوف، لأن الأصل عن أهل القرية، أو عن حالها، وهو اعتداء أهلها، أو متعلق بكانت أو بحاضرة، أو بالمضاف المحذوف إذا قدر هكذا عن خبر القرية، فإنه يوز التعليق بلفظ الخبر ونحوه، مما يدل على حدث، ولو لم يكن مصدرا، ولا اسم مصدر، ولا صفة، ولا فعلا نص عليه الدمامينى {يعْدُونَ فى السَّبْت} يجاوزون حد الله فى اليوم المسمى بالسبت، وذلك أنهم منعوا من الاشتغال فيه بغير الطاعة، ومنعوا من الاصطياد فيه منعا أقوى، ويجوز إبقاء السبت على المصدرية وهو القطع، فإنهم يقطعون الاشتغال عن أنفسهم فى اليوم بعد الجمعة تعظيما له، ويقال: سبت اليهود وعظمت يومها بترك الاشتغال، وقرأ شهر بن حوشب، وأبو نهيد: يعدون بفتح الياء والعين وتشديد الدال، وأصله يعتدون، نقلت فتحة التاء للعين وأبدلت التاء دالا، وأدغمت فى الدال، وقرئ: يعدون بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال مضارع أعد بمعنى هيأ، وكانوا يعدون آلة الصيد يوم السبت. {إذْ} متعلق بيعدون أو بدل من إذ بدل كل، أو بدل ثان بدل اشتمال {تأتيهِم حِيتانُهم} جمع حوت وهو السمك {يَوْم سَبْتهم} مصدر بمعنى القطع أو التعليم، وذلك أنهم يعظمون اليوم بعد الجمعة، ويقطعون فيه أشغال الدنيا كما، ويدل لذلك قراءة عمر بن عبد العزيز إسباتهم بكسر الهمزة مصدر أسبت بمعنى دخل فى القطع، أو التعظيم ولا تحتمل أن يكون المعنى يوم دخولهم فى اليوم المسمى سبتا، إذ لا معنى صحيحا لذلك، لأنه لا يمكن دخول اليوم فى اليوم، ولا سيما دخول يوم فى نفسه، ثم ظهر معنى محتمل، وهو أن يراد باليوم الوقت مطلقا، لا يقيد كونه الموالى للجمعة، ولو كان هو المراد. أو أن يراد أول الوقت من اليوم بعد الجمعة، إذ به يسمعون داخلين فى اليوم يجئ الحوت فى أوله ولا ينقطع حتى يتم وقيل: إذا تم قل ولم ينقطع {شُرَّعا} ظاهرة على وجه الماء قريبة منهم، تنالها اليد، يقال: شرع أى دنا وأشرف، وعن الحسن: تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض، وعن بعض: كأنها المخاض، أو مصطفة ممتدة، وروى لا يرى الماء من كثرتها وهو جمع شارع أو شارعة حال من حيتانهم، والحوت يذكر ويؤنث، يقال: ظهر الحوت وظهرت الحوت، لأنه مثل نخل وشجر، بدل على المصدرية أيضا قوله سبحانه: {ويَومَ لا يسْبتُونَ} لا يعظمون أولا يقطعون الأشغال، وهو غير يوم السبت، وقرأ عيسى بن عمر، وعاصم بخلاف بضم الباء، وقرأ على والحسن وعاصم: بخلاف بضم الياء وكسر الباء من أسبت إذا دخل فى التعظيم أو القطع، وعن الحسن بالبناء للمفعول أى لا يؤمرون بالتعظيم أو القطع، ويحتمل الفعل معنى الدخول فى ذلك اليوم على تلك القراآت، ولكن ما ذكرت من المعنى المصدرى أولى، وإذا جعلنا السبت اسما لليوم فى "ويوم سبتهم" فإضافة يوم إليه إضافة عام لخاص وهى للبيان، وإضافة السبت للهاء لاختصاصهم بأحكام فيه، كما تقول جمعتنا يوم عظيم، وأضيفت الحيتان أيضا إليهم لظهورها لهم، ولأنها فى بحرهم على ساحله، ولأنها بلاء لهم، ويوم الثانى متعلق بقوله: {لا تأتيهِمْ} ولا صدر للا النافية إذا لم تعمل، والمعنى لا تأتيهم لا كثير ولا قليل، وقال قتادة: لا تأتيهم شرعا وتأتيهم قليلا {كَذلكَ} مثل ذلك الاختبار الشديد {نَبْلوهُم} نختبرهم ونحن أعلم بهم، ويجوز أن يكون الوقف على كذلك، فتكون الإشارة إلى إتيانها شرعا أى ويوم لا يسبتون لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان، وهو إتيانها شرعا، بل تأتيهم قليلا وتنقطع وتقل أول ليلة الأحد. {بما كانُوا يفْسُقُون} بكونهم يفسقون أو بالفسق الذى يفسقونه، وزعم بعض أن المراد بيوم سبتهم شهر فى السنة هو وقت تعظيمهم الدين، وترك الأشغال يجعلونه عيدا يجتمع فيه الحوت ما يجتمع فى سائر السنة، وروى أن اليهود أمروا بالجمعة فتركوه واختاروا السبت فأمرهم الله بأن يشتغلوا فيه بالطاعة، وحرم عليهم الصيد فيه، فكان الحوت يكثر ويقل فى غيره حتى لا ينال إلا بتعب، أو ينقطع فى غيره بالكلية كما مر لما اراد الله من بلائهم، وذلك إما أن يرسله الله عز وجل يوم السبت كما يرسل السحاب، أو يوحى إليه بإلهام أو لشعوره بالسلامة فيه، أو لإشعار الله إياه بها، وبقوا على ذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال: إنما نهيتهم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا حياضا يسوقونها إليها يوم السبت، ويأخذونها فى غيره، ولا يقدر على الخروج منها لسدها بالحجر، أو لصنعه وقيل: قال لهم: لم ينهكم عن الاصطياد، بل عن الأكل فاصطادوا. وروى أشهب عن مالك أنه قال: زعم ابن رومان أنه كان الرجل يأخذ خيطا ويصنع منه وهقة وألقاها فى ذنب الحوت، ويعلقون الطرف الآخر من الخيط بوتد، فيأخذه فى الأحد، فبقوا على ذلك الاحتيال مدة، ورآى الناس أنهم لا يبتلون فأكثروا صيده ومشوا به فى الأسواق، وباعوا وملحوا، وأعلن الفسقة بصيده، وقالوا: ذهبت حرمة السبت واستبشروا بذهابها، وقال إنما يعاقب به آباءنا فى زمان موسى، ثم استسن الأبناء سنة الآباء، وخافوا العقوبة ولما فعلوا لم يضرهم شئ، وروى أنهم عملوا بذلك سنين، وكثر مالهم به، وتزوجوا. وروى أن رجلا أخذ سمكة وربط فى ذنبها خيطا إلى خشبة فشواها يوم الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطلع فى تنوره فقال له: إنى أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عذب أخذ فى السبت القابل سمكتين، ولم يروا العقاب عاجلهم فاجترءوا على الصيد، وقد نهاهم الصالحون من بلدهم وغيره فى كل ذلك واجتهدوا، ولم ينتهوا، وكان أهل البلد سبعين ألفا، فقال الصالحون منهم: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار فيه باب، وللمعتدين باب إلى خارج، والمصالحين باب كذلك، فطائفة من الصالحين نهوا بما صعب وما سهل حتى أيسوا من قبولهم فانقطعوا عن النهى، والطائفة الباقية نهوا كذلك، ورجوا القبول أو رغبوا ولم ينقطعوا عنه، فقالت لهم الطائفة المنقطعة: ما ذكر الله عنهم فى قوله: {وَإذْ قالَتْ أُمَةٌ...}
اطفيش
تفسير : {وَاسْأَلْهُمْ} اسأَل يا محمد معاصريك من اليهود {عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتى كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ} سؤال توبيخ وتقريع بكفر قدمائهم إِذ زعموا أَن قدماءَهم لم يخالفوا الله عز وجل، وكانوا يعتقدون أَنه لا يعلم أَحد غيرهم شأن أَهل هذه القرية، وكانوا يخفونه، وهى قرية حاضرة بحر القلزم تسمى أَيلة بين مدين والطور، أَو مدين أَو طبرية، لكن طبرية ليست على بحر القلزم على عهد داود عليه السلام بل بعده بفتح البحر، أَو مغنى بين مدين وعينونا، فأَخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم بها، وبواقعة أَهلها، فبهتوا، والمراد: سلهم عن أَهل القرية، أَو عن خبرها وحالها، وما وقع فيها، وهذه الآيات الثمان، واسأَلهم إِلخ.. مدنيات فى سورة مكية {إِذْ} متعلق بكانت أَو بحاضرة، أَو بواقعة القرية أَو خبرها، قيل: أَو بدل منها لأَن المراد اسأَلهم عن واقعة القرية أَو خبرها، واعترض تعليقه بكانت أَو حاضرة، بأَنه لا فائدة فى تقييد الكون أَو الحضور بوقت العدوان {يَعْدُون} يجاوزون الحد بالاصطياد، وواو يعدلون للأَهل المقدر أَو للقرية بمعنى: أَهلها، أَو إِليهم على الاستخدام {فِى السَّبْتِ} وقد نهوا عنه، تركوا الجمعة وأَخذوا السبت، إِذ خيروا فحرم عليهم الصيد فيها، وناسب أَنهم سبتوا الخير عن أَنفسهم أَى قطعوه {إِذْ} متعلق بيعدون، أَو بدل من إِذ، وتعليقه بيعدون أَولى لأَن السؤال عن عدوانهم أَبلغ فى الرد عليهم {تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ} ياؤُه عن واو بكسر ما قبلها {يَوْمَ سَبْتِهِمْ} والحيتان لله تعالى أَو للبحر وأضيف إِليهم لأَنها بلية عليهم إِذ نهوا عنها وهلكوا بسببها، والسبت اليوم، وإِضافة يوم إِليه للبيان، إِضافة عام لخاص، وأُضيف إِليهم لأَنه عيدهم خصوا بالاشتغال فيه بالعبادة وترك أَشغال الدنيا، وتعريض بهم إِذ اختاروه وهو شر لهم، أَو السبت مصدر بمعنى القطع إِذ يقطعون فيه أَعمال الدنيا، وزعموا أَنه سمى سبتا لأَنه يوم لم يخلق الله عز وجل فيه شيئا، ويدل للمصدرية قراءَة بعض يوم أَسباتهم وقوله تعالى: ويوم لا يسبتون {شُرَّعًا} جمع شارع بمعنى ظهر ودنا فحيتانهم تظهر على الماءِ وتقرب من الساحل للابتلاء من الله عز وجل، ومن الخطأ ما روى أَن الله عز وجل أَمر السمك أَن يحج إِلى صنمين لقيم ولقيمانة، على شاطئ البحر كل يوم سبت، ونهى الله أَهل القرية أَن يأخذوه يوم السبت، فمن قال: دعا الله الحوت إِلى عبادة الصنمين أَشرك، ومن قال: جعلهما كالكعبة فقد دخل شبهة موهمة مظلمة عاملة بما استوجبه من الشر؛ لأَن الله عز وجل لا يضل الناس بتعظيم الصنم {ويَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} يناسب أَن سبتهم مصدر، أَى ويوم لا يقطعون العمل ولا يعظمون السبت لأَنهم فى يوم آخر وهو سائر الأَيام بعد يوم السبت، ولا يتعين ذلك لجواز أَن يكون المعنى يوم لا يدخل السبت، وهو سائر الأَيام، فالمراد انتقاء يوم السبت كقوله: على لاحب لا يهتدى بمناره. أَى لا منار فيه فضلا عن أَن يهتدى به، وفيه جواز تقديم معمول ما بعد لا عليها، إِلا أَنه ظرف أَعنى لا فى قوله {لاَ تَأْتِيهِمْ} للابتلاءِ من الله عز وجل لهم {كَذَلِكَ} أَى لا تأْتيهم مثل ذلك الإِتيان، بل تأْتيهم قليلا غير شارعة، والوقف على كذلك، والإِشارة للإِتيان، واستأنف قوله {نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} بالصيد، وقيل بمعاص أخر أَراد الله إِظهارها وقد أَخفوها، وجمعها مع الصيد لئلا يقولوا: عذبنا بلا ظلم ولا تعد، قلت: لا يظهر ذلك، وأَولى من ذلك الإِشارة للبلاءِ كنظائره من القرآن والوقف علىتأتيهم، أَى نبلوهم مثل ذلك البلاء، والمراد وصفه، أَو نبلوهم بلاء آخر مثل ذلك البلاء، والبلاء متعلق بنبلو أَولى من تعلقه بيعدون لأَن كون الاعتداء بالفسق سبباً لتعذيبهم بارتكاب ما نهوا أَقرب من كونه سببا للابتلاء بذلك البلاءِ.
الالوسي
تفسير : {وَٱسْأَلْهُمْ} عطف على اذكر المشار إليه فيما تقدم آنفاً، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، وضمير الغيبة لمن بحضرته عليه الصلاة والسلام من نسل اليهود أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير بتقدم تجاوزهم لحدود الله تعالى، والمراد إعلامهم بذلك لأنهم كانوا يخفونه، وفي الإطلاع عليه مع كونه عليه الصلاة والسلام ليس / ممن مارس كتبهم أو تعلمه من علمائهم ما يقضي بأن ذلك عن وحي فيكون معجزة شاهدة عليهم {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} أي عن خبرها وحالها وما وقع بأهلها من ثالثة الأثافي، والمراد بالسؤال عن ذلك ما يعم السؤال عن النفس وعن الأهل أو الكلام على تقدير مضاف، والمراد عن حال أهل القرية، وجوز التجوز فيها، وهي عند ابن عباس وابن جبير ـ أيلة ـ قرية بين مدين والطور. وعن ابن شهاب هي طبرية، وقيل: مدين وهي رواية عن الحبر، وعن ابن زيد أنها مقنا بين مدين وعينونا {ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي قريبة منه مشرفة على شاطئه {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ} أي يظلمون ويتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم السبت أو بتعظيمه، و(إذ) بدل من المسؤول عنه بدل اشتمال أو ظرف للمضاف المصدر، قيل: واحتمال كونه ظرفاً لكانت أو حاضرة ليس بشيء إذ لا فائدة بتقييد الكون أو الحضور بوقت العدوان وضمير {يَعْدُونَ} للأهل المقدر أو المعلوم من الكلام، وقيل: إلى {ٱلْقَرْيَةِ} على سبيل الاستخدام، وقرىء {يَعْدُونَ} بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و {يَعْدُونَ} من الإعداد حيث كانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم منهيون عن الاشتغال فيه بغير العبادة {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ} ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل، وإلى الأول ذهب أكثر المعربين، وهو الأولى لأن السؤال عن عدوانهم أبلغ في التقريع، وحيتان جمع حوت أبدلت الواو ياءاً لسكونها وانكسار ما قبلها كنون ونينان لفظاً ومعنى وإضافتها إليهم باعتبار أن المراد الحيتان الكائنة في تلك الناحية التي هم فيها، وقيل: للإشعار باختصاصها بهم لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في سائر أفراد الجنس من الخواص الخارقة للعادة، ولا يخفى بعده {يَوْمَ سَبْتِهِمْ} ظرف لتأتيهم أي تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السبت، وهو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت بترك العمل والتفرغ للعبادة فيه، وقيل: اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه، ويؤيد الأول قراءة عمر بن عبد العزيز {يوم أسباتهم}، وكذا النفي الآتي {شُرَّعًا} أي ظاهرة على وجه الماء كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قريبة من الساحل، وهو جمع شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف، وفي الشرع معنى الإظهار والتبيين، وقيل: حيتان شرع رافعة رؤسها كأنه جعل ذلك إظهاراً وتبييناً، وقيل: المعنى متتابعة ونسب إلى الضحاك، والظاهر أنها ظاهرة وهو نصب على الحال من الحيتان {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي لا يراعون أمر السبت وهو على حد قوله:شعر : على لا حب لا يهتدي بمناره تفسير : إذ المقصود انتفاء السبت والمراعاة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {لا يسبتون} بضم حرف المضارعة من أسبت إذا دخل في السبت كأصبح إذا دخل في الصباح، وعن الحسن أنه قرأ {لا يسبتون} على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت، وقرىء {لاَ يَسْبِتُونَ} بضم الباء والظرف متعلق بقوله سبحانه: {لاَ تَأْتِيهِمْ} أي لا تأتيهم يوم لا يسبتون كما كانت تأتيهم يوم السبت حذراً من صيدهم لاعتيادها أحوالهم وأن ذلك لمحض تقدير العزيز العليم، وتغيير البسك حيث قدم الظرف على الفعل ولم يعكس لما أن الإتيان يوم سبتهم مظنة كما قيل: لأن يقال فماذا حالها يوم لا يسبتون؟ فقيل: يوم لا يسبتون لا تأتيهم. {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم} أي نعاملهم معاملة المختبرين لهم ليظهر منهم ما يظهر فنؤاخذهم به، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها والتعجيب / منها، والإشارة إما إلى الابتلاء السابق أو إلى الابتلاء المذكور بعد كما مر غير مرة؛ وقيل: الإشارة إلى الإتيان يوم السبت، وهي متصلة بما قبل أي لا تأتيهم كذلك الإتيان يوم السبت، والكاف في موضع نصب على الحال عند الطبرسي، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمصدر مقدر أي إتياناً كائناً كذلك، وجملة {نَبْلُوهُم} استئناف مبني على السؤال عن حكم اختلاف حال الحيتان بالاتيان تارة وعدمه أخرى {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقهم المستمر في كل ما يأتون ويذرون، وهو متعلق بماعنده، وتعلق {إِذْ يَعْدُونَ} بنبلوهم وبما يعدون على معنى نبلوهم وقت العدوان بالفسق مما لا ينبغي تخريج كتاب الله تعالى الجليل عليه.
ابن عاشور
تفسير : غُيّر أسلوب الخبر عن بني إسرائيل هُنا: فابتدىءَ ذِكرُ هذه القصة بطلب أن يسأل سائل بني إسرائيل الحاضرين عنها، فنعلم من ذلك أن لهذه القصص الآتية شأناً غير شأن القصص الماضية، ولا أحسب ذلك إلاّ من أجل أن هذه القصة ليست مما كُتب في توراة اليهود ولا في كتب أنبيائهم، ولكنها مما كان مروياً عن أحبارهم، ولذلك افتتحت بالأمر بسؤالهم عنها، لإشعار يهود العصر النبوي بأن الله أْطلع نبيّه عليه الصلاة والسلام عليها، وهم كانوا يكتمونها، وذلك أن الحوادث التي تكون مواعظ للأمة فيما اجترحته من المخالفات والمعاصي تبقي لها عَقب الموعظة أثراً قد تعيّر الأمة به، ولكن ذلك التعيير لا يؤبه به في جانب ما يحصل من النفع لها بالموعطة، فالأمة في خُوَيْصّتها لا يهتم قادتها ونصحاؤها إلاّ بإصلاح الحال، وإن كان في ذكر بعض تلك الأحوال غضاضة عندها وامتعاض، فإذا جاء حكم التاريخ العام بين الأمم تناولتْ الأمم أحوال تلك الأمة بالحكم لها وعليها، فبقيت حوادث فلتاتها مغمزاً عليها ومعرّة تُعير بها، وكذلك كان شَأن اليهود لما أضاعوا مُلكهم ووطنهم وجاوروا ــــ أمماً أخرى فأصبحوا يكتمون عن أولئك الجيرة مَسَاوي تاريخهم، حتى أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم فعلّمه من أحوالهم ما فيه معجزة لأسلافهم، وما بقي معرّة لأخلافهم، وذلك تَحدّ لهم، ووخز على سوء تلقيهم الدعوة المحمدية بالمكر والحسد. فالسؤال هنا في معنى التقرير لتقريع بني إسرائيل وتوبيخهم وَعد سوابق عصيانهم أي ليس عصيانهم إياك ببدع، فإن ذلك شنشنة قديمة فيهم، وليس سؤالَ الاستفادة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلم بذلك من جانب ربه تعالى، وهو نظير همزة الاستفهام التقريري فوزان {وأسألهم عن القرية} وزان: أعدَوْتُم في السَبْت، فإن السؤال في كلام العرب على نوعين أشهرهما أن يسأل السائِل عما لا يعلمه ليعلمه، والآخران يسأل على وجه التقرير حين يكون السائِل يعلم حصول المسؤول عنه، ويعلم المسؤول أن السائل عالم وأنه إنما سأله ليقرره. وجملة: {واسألهم} عطف على جملة: {أية : وإذْ قيل لهم اسكنوا هذه القرية}تفسير : [الأعراف: 161] واقعة معترضة بين قصص الامتنان وقصص الانتقام الآتية في قوله: {أية : وقَطّعنْاهم}تفسير : [الأعراف: 168]، ومناسبة الانتقال إلى هذه القصة إن في كلتا القصتين حديثا يتعلق بأهل قرية من قرى بني إسرائيل. وتقدم ذكر القرية عند قوله تعالى: {أية : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} تفسير : الآية من سورة البقرة (65). وهذه القرية قيل: (أْيلة) وهي المسماة اليوم (العقبة) وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر قرب شبه جزيرة طور سينا، وهي مبدأ أرض الشام من جهة مصر، وكانت من مملكة إسرائيل في زمان داود عليه السلام، ووصفت بأنها حاضرة البحر بمعنى الاتصال بالبحر والقرببِ منه، لأن الحضور يستلزم القرب، وكانت (أيلة) متصلة بخليج من البحر الأحمر وهو القلزم. وقيل هي (طبرية) وكانت طبرية تدعى بحيرة طبرية، وقد قال المفسرون: إن هذه القصة التي أشير إليها في هذه الآية كانت في مدة داود. وأطلقت القرية على أهلها بقرينة قوله: {إذ يعْدُون} أي أهلها. والمراد السؤال عن اعتدائهم في السبت بقرينة قوله: {إذ يعدون في السبت} الخ فقوله: {إذ يعدون في السبت} بدل اشتمال من القرية وهو المقصود بالحكم. فتقدير الكلام: وأسألهم إذ يعدُو أهل القرية في السبت و{إذْ} فيه اسم زمان للماضي، وليست ظرفاً. والعدوان الظلم ومخالفة الحق، وهو مشتق من العدوْ وبسكون الدال وهو التجاوز. والسبت علم لليوم الواقع بعد يوم الجمعة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وقُلنا لهم لا تَعدُوا في السبت} تفسير : في سورة النساء (154). واختيار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم. وتعدية فعل {يعدون} إلى {في السبت} مؤذن بأن العدوان لأجل يوم السبت، نظراً إلى ما دلت عليه صيغة المضارع من التكرير المقتضي أن عدوانهم يتكرر في كل سبت، ونظراً إلى أن ذكر وقت العدوان لا يتعلق به غرض البليغ ما لم يكن لذلك الوقت مزيد اختصاص بالفعل فيعلم أن الاعتداء كان مَنوطاً بحق خاص بيوم السبت، وذلك هو حق عدم العمل فيه، إذ ليس ليوم السبت حق في شريعة موسى سوى أنه يحرم العمل فيه، وهذا العمل هو الصيد كما تدل عليه بقية القصة. وهدف {في} للظرفية، لأن العدوان وقع في شأن نقص حرمة السبت. وقوله: {إذ تأتيهم حيتانهم} ظرف لـــ {يعْدُون} أي يَعْدون حين تأتيهم حيتانهم. والحيتان جمع حوت، وهو السمكة، ويطلق الحوت على الجمع فهو مما استوى فيه المفرد والجمع مثل فُلْك، وأكثر ما يطلق الحوت على الواحد، والجمعُ حيتان. وقوله: {شُرّعاً} هو جمع شارع، صفة للحوت الذي هو المفرد، قال ابن عباس: أي ظاهرة على الماء، يعني أنها قريبة من سطح البحر آمنة من أن تصاد، أي أن الله ألهمها ذلك لتكون آية لبني إسرائيل على أن احترام السبت من العمل فيه هو من أمر الله، وقال الضحاك: {شُرَعاً} متتابعة مصطفة، أي فهو كناية عن كثرة ما يَرد منها يومَ السبت. وأحسب أن ذلك وصف من شَرَعَتْ الإبل نحو الماء أي دخلتْ لتشرب، وهي إذا رعها الرعاة تسابقت إلى الماء فاكتظت وتراكمت وربما دخلت فيه، فمثلت هيئة الحيتان، في كثرتها في الماء بالنعم الشارعة إلى الماء وحسّن ذلك وجود الماء في الحالتين، وهذا أحسن تفسيراً. والمعنى: أنهم يَعْدون في السبت ولم يمتثلوا أمر الله بترك العمل فيه، ولا اتعظوا بآية إلهام الحوت أن يكون آمناً فيه. وقوله: {يوم سبتهم} يجوز أن يكون لفظ سبت مصدَر سبتَ إذا قطع العمل بقرينة ظاهر قوله: {ويوم لا يسبتون} فإنه مضارع سَبت، فيتطابق المثبت والمنفي فيكون المعنى: إنهم إذا حفظوا حرمة السبت، فأمسكوا عن الصيد في يوم السبت، جاءت الحيتان يومئذٍ شُرعاً آمنة، وإذا بعثهم الطمع في ورفة الصيد فأعدُّوا له آلاته، وعزموا على الصيد لم تأتهم. ويجوز أن يكون لفظ {سبتهم} بمعنى الاسم العلم لليوم المعروف بهذا الاسم من أيام الأسبوع، وإضافته إلى ضميرهم اختصاصه بهم بما أنهم يهود، تعريضاً بهم لاستحلالهم حرمة السبت فإن الاسم العلم قد يضاف بهذا القصد، كقول أحد الطائينَ:شعر : عَلاَ زيدْنا يوم النّقا رأسَ زيدِكم بأبيض ماضي الشفرتين يَمانِ تفسير : وقول ربيعة بن ثابت الأسدي:شعر : لشتان ما بين اليزيدين في النّدى يَزيدِ سُليْم والأغَرّ ابنِ حاتم تفسير : وعلى الوجهين يجوز في قوله: {ويوم لا يسبتون} أن يكون المعنى والأيامَ التي لا يحرم العمل فيها، أي أيام الأسبوع، لا تأتي فيها الحيتان، وأن يكون المعنى وأيامَ السبوت التي استحلوها فلم يكفوا عن الصيد فيها يَنقطع فيها إتيان الحيتان، ولا يخفى أن لا يثار هذا الأسلوب في التعبير عن السبت خصوصية بلاغية، ترمي إلى إرادة كلا المعنيين. فالمقصود من الآية الموعظة والعبرة وليست منة عليهم، وقرينته قوله تعالى: {كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} أي نمتحن طاعتهم بتعريضهم لداعي العصيان وهو وجود المشتهى الممنوع. وجملة {كذلك نبلوهم} مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال من يقول: ما فائدة هذه الآية مع علم الله بأنهم لا يَرعوون عن انتهاك حرمة السبت. والإشارة إلى البلوى الدال عليها {نبلوهم} أي مثل هذا الابتلاء العظيم نبلوهم، وقد تقدم القول في نظيره من قوله تعالى:{أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} تفسير : في سورة البقرة (143). وأصل البلوى الاختبار، والبلوى إذا أسندت إلى الله تعالى كانت مجازاً عقلياً أي ليبلَو الناس تمسكهم بشرائِع دينهم. والباء للسببية و(ما) مصدرية، أي بفسقهم، أي توغلهم في العصيان أضراهم على الزيادة منه، فإذا عرض لهم داعِيهِ خفُّوا إليه ولم يرقبوا أمر الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {واسألهم} يعني: سؤال توبيخٍ وتقريرٍ {عن القرية} وهي أيلة {التي كانت حاضرة البحر} مُجاورته {إذ يعدون في السبت} يظلمون فيه بصيد السَّمك {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً } ظاهرة على الماء {ويوم لا يسبتون} لا يفعلون ما يفعل في السَّبت. يعني: سائر الأيام {لا تأتيهم} الحيتان {كذلك} مثل هذا الاختبار الشَّديد {نبلوهم} نختبرهم {بما كانوا يفسقون} بعصيانهم الله، أَيْ: شدَّدتُ عليهم المحنة لفسقهم، ولمَّا فعلوا ذلك صار أهل القرية ثلاث فرق: فرقةٌ صادت وأكلت، وفرقةٌ نهت وزجرت، وفرقةٌ أمسكت عن الصَّيد، وهم الذين قال الله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم} قالوا للفرقة النَّاهية {لم تعظون قوماً الله ملهلكهم} لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنَّهم غير مُقلعين، فقالت الفرقة النَّاهية للذين لاموهم: {معذرة إلى ربكم} أَي: الأمر بالمعروف واجبٌ علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذراً إلى الله {ولعلهم يتقون} فيتركون الصَّيد في السَّبت. {فلما نسوا ما ذكروا به} تركوا ما وُعظوا به {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} اعتدوا في السَّبت {بعذاب بئيس} شديدٍ، وهو المسخ جزاءً لفسقهم وخروجهم عن أمر الله.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 163- واسأل اليهود - استنكارَا لما فعل أسلافهم - عن خبر أهل قرية - أيلة - التى كانت قريبة من البحر، حين كانوا يتجاوزون حدود الله بصيد السمك فى يوم السبت، وحين كانت تأتيهم حيتان الأسماك وتظهر على وجه الماء يوم السبت، وفى غيره لا تأتيهم، ابتلاء من اللَّه. بمثل ذلك البلاء المذكور نبلوهم بلاء آخر بسبب فسقهم المستمر ليظهر منهم المحسن من المسئ. 164- واذكر أيضا لهؤلاء اليهود إذ قالت جماعة من صلحاء أسلافهم - لم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم - لمن يعظون أولئك الأشرار: لأى سبب تنصحون قوما اللَّه مهلكهم بسبب ما يرتكبون أو معذبهم فى الآخرة عذابا شديدا؟! قالوا: وعظناهم اعتذاراً إلى ربكم، لئلا ننسب إلى التقصير، ورجاء أن يتقوا. 165- فلما تركوا ما وعظوا به، أنجينا الذين ينهون عن العمل السئ من العذاب، وأخذنا الذين ظلموا فاعتدوا وخالفوا بعذاب شديد، هو البؤس والشقاء. بسبب استمرارهم على الخروج عن طاعة اللَّه ربهم. 166- فلما قسوا واستمروا على ترك ما نهوا عنه، ولم يردعهم العذاب الشديد، جعلناهم كالقردة فى مسخ قلوبهم وعدم توفيقهم لفهم الحق، مبعدين عن كل خير. 167- واذكر أيضا لهؤلاء اليهود حين أعلم ربك أسلافهم على ألسنة أنبيائهم: ليسلِّطنَّ اللَّه على جماعة اليهود إلى يوم القيامة من يوقع بهم أسوأ أنواع العذاب على ظلمهم وفسقهم، لأن ربك سريع العقاب لأهل الكفر، لأن عقابه واقع لا محالة، وكل آت قريب،، إنه غفور رحيم لمن رجع إليه وتاب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حاضرة البحر: أي على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس. يمدون في السبت: أي يعتدون وذلك بالصيد المحرم عليهم فيه. يوم سبتهم: أي يوم راحتهم من أعمال الدنيا وهو يوم السبت. شرعاً: جمع شارع أي ظاهرة بارزة تغريهم بنفسها. كذلك نبلوهم: أي نمتحنهم ونختبرهم. بما كانوا يفسقون: اي بسبب ما أعلنوه من الفسق وهو العصيان. معذرة إلى ربكم: أي ننهاهم فإن انتهوا فذاك وإلا فنهينا يكون عذراً لنا عند ربنا. فلما نسوا ما ذكروا به: أي أهملوه وتركوه فلم يمتثلوا ما أمروا به ولا ما نهوا عنه. عن السوء: السوء هو كل ما يسيء إلى النفس من سائر الذنوب والآثام. بعذاب بئيس: أي ذا بأس شديد. فلما عتوا عما نهوا عنه: أي ترفعوا وطغوا فلم يبالوا بالنهي. قردة خاسئين: القردة جمع قرد معروف وخاسئين ذليلين حقيرين أخساء. معنى الآيات: ما زال السياق في بني إسرائيل إلا أنه هنا مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ويهود المدينة فالله تعالى يقول لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام أسألهم أي اليهود {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي قريبة منه على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس والشام، أي أسألهم عن أهلها كيف كان عاقبة أمرهم، إنهم مسخوا قردة وخنازير جزاء فسقهم عن أمر ربهم، وفصل له الحادث تفصيلاً للعبرة والاتعاظ فقال {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} أي يعتدون ما أذن لهم فيه إلى ما حرم عليهم، إذن لهم أن يصيدوا ما شاءوا إلا يوم السبت فإنه يوم عبادة ليس يوم لهو وصيد وطرب، {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ} أي أسماكهم {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} ظاهرة على سطح الماء تغريهم بنفسها {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي في باقي أيام الأسبوع {لاَ تَأْتِيهِمْ} إذاً هم مبتلون، قال تعالى {كَذَلِكَ} أي كهذا الابتلاء والاختبار {نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقهم عن طاعة ربهم ورسله، إذ ما من معصية إلا بذنب هكذا سنة الله تعالى في الناس. هذا ما تضمنته الآية الأولى [163] وهي قوله تعالى {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. وأما الآية الثانية [164] فالله تعالى يقول لرسوله اذكر لهم أيضاً إذ قالت طائفة منهم أي من أهل القرية لطائفة أخرى كانت تعظ المعتدين في السبت أي تنهاهم عنه لأنه معصية وتحذرهم من مغبة الاعتداء على شرع الله تعالى قالت {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} وهذا القول من هذه الطائفة دال على يأسهم من رجوع إخوانهم عن فسقهم وباطلهم، فأجابتهم الطائفة الواعظة {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي وعظنا لهم هو معذرة لنا عند الله تعالى من جهة ومن جهة أخرى {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فيتوبوا ويتركوا هذا الاعتداء، قال تعالى {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} وخوفوا منه وهو تحريم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، ومعنى نسوا تركوا ولم يلتفتوا إلى وعظ إخوانهم لهم وواصلوا اعتداءهم وفسقهم، قال تعالى {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} وهم الواعظون لهم ممن ملّوا ويئسوا فتركوا وعظهم، وممن واصلوا نهيهم ووعظهم، {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي شديد البأس {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} عن طاعة الله ربهم، إذ قال تعالى لهم {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فكانوا قردة خاسئين ذليلين صاغرين حقيرين، ثم لم يلبثوا (مسخاً) إلا ثلاثة أيام وماتوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير الوحي والنبوة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذا القصص الذي يذكر لبني إسرائيل لن يتم إلا عن طريق الوحي، وإلا فكيف علمه وذكر به اليهود أصحابه وأهله، وقد مضى عليه زمن طويل. 2- إذا أنعم الله على أمة نعمة ثم أعرضت عن شكرها تعرضت للبلاء أولاً ثم العذاب ثانياً. 3- جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد نجى الله تعالى الناهين عن المنكر وأهلك الذين باشروه ولم ينتهوا منه دون غرهم. 4- إطلاق لفظ السوء على المعصية مؤذن بأن المعصية مهما كانت صغيرة تحدث السوء في نفس فاعلها.
القطان
تفسير : القرية: أيلة. حاضرة البحر: على شاطئه، قريبة منه يعدون في السبت: يخالفون امر الله بالصيد المحرم عليهم يوم السبت. يوم سبتهم: يوم عطلتهم وراحتهم. شُرَّعا: ظاهرة على وجه الماء. نبلوهم: نختبرهم. امة منهم: جماعة منهم. معذرة الى ربكم: اعتذروا الى ربكم. نسوا ما ذكروا به: تركوه. بئيس: شديد. عتَوا: تكبروا وعصوا. خاسئين: اذلاء صاغرين. هذه الآية الى قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ....} الى قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} مدنيّة نزلتْ في المدينة، وقد ضُمت الى هذه السورة المكيّة في هذا الموضع، تكلمةً للحديث عما ورد فيها من قصة بين اسرائيل. وهنا عَدَل في أُسلوب الحكاية عن ماضي بني اسرائيل، إلى أسلوب المواجهة لذراريهم التي كانت تواجه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وتحاروه وتجادله. يأمر الله تعالى رسوله الكريم ان يسأل يهود المدينة المنوَّرة في زمانه عن هذه الواقعة المعلومة لهم من تاريخ أسلافهم، وهو يواجههم بهذا التاريخ باعتبارهم أمةً متصلة الأجيال، ويذكّرهم بعصيانهم القديم، فيقول: اسأل أيها النبي اليهودَ المجاورين لك في المدينة عن فعل اهل القرية التي كانت على شاطئ البحر، كيف كان يفعل أسلافهم فيها فيخالفون أوامر الله بصدد صيد السمك يوم السبت. كانت تأيتهم الحيتانُ ظاهرةً على وجه الماء يوم السبت، مع أنهم مأمورون بالتفرُّغ فيه للعبادة، وأما في غير السبت فلم تكن تأتيهم، كل ذلك ابتلاءٌ واخبتارٌ من الله ليظهر المحسِنَ من المسيء منهم. وقد انقسم سكان القرية الى ثلاث فرق: فرقة كانت تحتال على صيد السمك يوم السبت الذي حُرّم عليهم الصيد فيه، وفرقة كانت تحذِّر هؤلاء العصاة مغبَّة عملهم واحتيالهم وتنكر عليهم ذلك، وفرقة اخرى تقول لهؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة تحذيركم لهؤلاء العصاة - وهم لا يرجعون عن غيِّهم وعصيانهم؟ لقد كتب الله علهيم الهلاك والعذاب! وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً...}. وإذ قالت جماعة من صلَحاء أسلافهم لمن يعظون أولئك الأشرار، لأي سبب تنصحون قوماً سيهلكهم الله بسبب ما يرتكبون من مخالفات، أو يعذّبهم في الآخرة عذابا شديدا؟ لم تعدْ هناك جدوى لنصحهم وتحذيرهم. قالوا: لقد وعظناكم اعتذاراً الى الله، وأدّينا واجبنا نحوه، لئلا نُنسَب الى التقصير، ولعلّ النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فَيَسْتثيرُ فيها وِجدان التقوى. فلمّا تركوا ما ذكّرهم به الصالحون وأعرضوا عنه، أنجينا الذين ينهون عن المنكر من العذاب، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب شديد بسبب تماديهم في الفسق، والخروج عن طاعة الله. {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...}. فلما تمردوا وأبَوا أن يتركوا ما نُهوا عنه، ولم يردعهم العذاب الشديد جعلناهم كالقِرَدة في مسخ قلوبهم، وعدم توفيقهم لفهم الحق، فكانوا قردة مَهينين، وانتكسوا الى عالَم الحيوان حين تخلّوا من خصائص الانسان.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَسْئَلْهُمْ} (163) -اسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ، هَؤُلاءِ اليَهُودَ الذِينَ بِحَضْرَتِكَ عَنْ قِصَّةِ أصْحَابِهِم الذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، فَأصَابَهُمْ بِنَقْمَتِهِ عَلَى اعْتِدَائِهِمْ وَاحْتِيَالِهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ أمْرَ رَبِّهِمْ وَحَذِّرْهُمْ مِنْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأصْحَابِهِمْ، أصْحَابِ القَرِيَةِ التِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ (وَهِيَ أيْلَةُ أوِ العَقَبَةُ اليَوْمَ)، فَقَدْ كَانَ اليَهُودُ فِيهَا يَعْتَدُونَ عَلَى حُرْمَةِ السَّبْتِ، وَيَتَجَاوُزُونَ حُكْمَ اللهِ الذِي يُحَرِّمُ عَلَيهِم الصَّيْدَ فِيهِ، فَقَدْ كَانَتِ الأسْمَاكُ (حِيتَانُهُمْ) تَأتِيهِمْ ظَاهِرَةً عَلَى سَطْحِ المَاءِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الذِي كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، فَلاَ يَصِيدُونَ فِيهِ، أَمَّا فِي اليَوْمِ الذِي لاَ يَسْبِتُونَ، وَلا يُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ السَّبْتِ، فَكَانَتِ الحِيتَانُ لا تَظْهَرُ لَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً مِنَ اللهِ لَهُمْ، فَكَانَ اليَهُودُ المُعْتَدُونَ يَنْصِبُونَ الشِّبَاكَ لِلأَسْمَاكِ لِتَقَعَ فِيهَا، وَيَتْرُكُونَهَا فِي الشِّبَاكِ حَتَّى يَنْتَهِيَ السَّبْتُ فَيَأخُذُوهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ انْتِهَاكاً لِمَحَارِمِ اللهِ التِي فَرَضَهَا عَلَيهِمْ، وَمِنْهَا تَعْظِيمُ حُرْمَةِ السَّبْتِ. فَكَانَ تَصَرُّفُهُمْ هذا احْتِيالاً يُخْفِي نِيَّتَهُمْ فِي الاعْتِدَاءِ عَلَى السَّبْتِ، وَفِسْقاً عَنْ طَاعَةِ اللهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَسْئَلْهُمْ} واسأل يامحمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال تقرير وتوبيخ {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي بقربه وعلى شاطئه، واختلفوا فيها فروى عكرمة عن ابن عباس قال: هي قرية يقال لها ايلديس مدين والطور. وروى عليّ بن أبي طلحة عنه فقال: هي قرية على شاطئ البحر من مصر والمدينة يقال لها: ايله وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنى بين مدين وعينونا، وقيل: هي الطبريّة {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} أي يتجاوزون أمر الله وقرأ أبو نهيك إذ تعدون بضم الياء وكسر العين بتثقيل الدال من الأعداد يريد [يهيبون] الآلة لأخذها. وقرأ ابن السميقع: في الاسبات، على جمع السبت {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} قرأ ابن عبد العزيز يوم إسباتهم شرعاً الى [شراع] ظاهرة على الماء كثيرة، وقال الضحاك: متتابعة {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي لا يفعلون السبت. يقال سبت يسبت سبتاً وسبوتاً إذا أعظم السبت. وقرأ الحسن: يُسبتون بضم الياء أي يدخلون في السبت كما يقال أجمعنا وأشهرنا أي دخلنا في الجمعة والشهر {لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} نختبرهم {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وسمعت الحسن بن محمد بن الحسن سمعت إبراهيم بن [محارب] بن إبراهيم سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل هل تجد في كتاب الله الحلال لا [يأتيك] إلاّ قوتاً والحرام يأتيك جزفاً جزفاً؟ قال: نعم، في قصّة داود وتأويله: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}. قال عكرمة: جئت ابن عباس يوماً فإذا هو يبكي ووضع المصحف في حجرة فقلت: مايُبكيك جعلني الله فداك. قال: هؤلاء الورقات فإذا هو في سورة الأعراف، فقال: تعرف الآية؟ قلت: نعم، قال: فإنّه كان بها حي من اليهود في زمن داود حرم عليهم الحيتان في السبت، وذلك أنّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرتهم به يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد فأمروا بتعظيمه إن أطاعوا لم يؤجروا وإن عصوا عذبوا، وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاء سماناً كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم حتّى لا يرى الماء من كثرتها ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فكانوا كذلك برهة من الدهر. ثمّ إنّ الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فأتّخذوا الحياض وكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة [فتسقي] فيها ولا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد. وقال ابن زيد: كانوا قد قرّبوا بحب الحيتان وكان في غير يوم السبت لا تأتيهم حوت واحد فأخذ رجل منهم حوتاً فربط في ذنبه خيطاً فأخذه وشواه فوجد جار له ريح الحوت. فقال له: يا فلان أنا أجد في بيتك ريح نون، قال: لا فتطلع في تنوره فإذا هو فيه فقال: إني أرى الله سيعذّبك، فلما لم يره عذب ولم يعجل عليهم بالعذاب أخذ في السبت الأُخرى حوتين اثنين. فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أكلوا وملحوا وباعوا وأثروا وكثر مالهم، وكانوا نحواً من سبعين ألف، فصارت أهل القرية [ثلاثاً]: ثلث نُهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً وثلث قالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم، وثلث أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: لا [نسألهم] فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود (عليه السلام) فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأناً لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار فنظروا فإذا بهم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم وعرفت القردة [أنسابها] من الأنس. ولا تعرف الأنس أنسابهم من القرود. فجعلت القردة تأتي نسيبها من الأنس وتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم؟ فتقول برأسها: نعم. قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فما نجا إلاّ الذين نهوا وهلك سائرهم. واختلف العلماء في الفرقة الذين قالوا: (لِمَ تعظون قوماً) كانت من الناجية أو من الهالكة؟ فقال بعضهم: كانت من الناجية لأنّها كانت من الناهية. وقال آخرون: كانت من الفرقة الهالكة، لأنّهم كانوا من الخاطئة وذلك أنهم لما نهوا وقالوا لهم انتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب فإنّا قد علمنا أن الله تعالى منزل عليكم بأسه إن لم تنتهوا قالوا لهم {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} إذ علمتم أنّ الله معذبهم {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي هذه معذرة، وقرأ حفص: معذرة أي يفعل ذلك معذرة {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} صيد الحيتان والصواب أنها كانت من الفرقة الناجية وأن هذا الكلام من قول المؤمنين بعضهم لبعض لأنّه لو كان الخطاب للمعتدين لقالوا: ولعلكم تتّقون يدلّ عليه قول يمان بن رئاب نحن الطائفتان اللذان قالوا {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} والذين قالوا { مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} فأهلك الله أهل المعصية الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة وخنازير. وقال ابن عباس: ليت شعري ما فعل هؤلاء الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} قال عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} فلم أزل به حتّى عرّفته أنهم قد نجوا فكساني حلّة. {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} تركوا ما وعظوا به {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} أي المعصية {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي عاقبنا باعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} شديد وجيع من البأس وهو الشدة والفعل منه بَؤس يبَئوسُ، فاختلف القراء فيها فقرأ أهل المدينة بِيْس بكسر الباء وجزم الياء من غير همزة على وزن فعل، وقرأ ابن عامر كذلك على وزن فِعْل إلاّ أنّه الهمزة. وقرأ عاصم: في رواية أبي بكر: بَيْئس بفتح الباء وجزم الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل ويثرب. كما قال الشاعر: شعر : كلاهما كان رئيساً بيئسا يضرب في الهيجاء منه القونسا تفسير : وقرأ بعضهم: بَيئِس بفتح الباء وكسر الهمزة على وزن فعل مثل [حذر] كقول ابن قيس الرقيات: شعر : ليتني ألقى رقيّة في خلوة من غير ما بيئس تفسير : وقرأ الحسن: بكسر الباء وفتح السين على معنى بيئس العذاب. وقرأ مجاهد: بايئس على وزن فاعل وقرأ أبو أياس بفتح الباء والياء من غير همزة. وقرأ نصر بن عاصم: بيئس بفتح الباء وكسر الياء مشدداً من غير همزة. وقرأ بعض أهل مكة بئيس بكسر الياء والهمزة كما يقال: بعر للبعير. وقال أهل اللغة: كل فعل ثانية أحد حروف الحلق فإنّه يجوز كسر أوّله مثل بِعير وصغير ورحيم و[حميم] وبخيل، وقرأ الباقون بئيس على وزن فعيل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن فعيلاً أشبهه بصفات [التعريف] كقول ذي الاصبع العدواني: شعر : لقد رأيت بني أبيك محمجين إليك شوساً حنقاً عليّ ولن ترى لي فيهم أثراً بئيساً تفسير : وقوله {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} صاغرين. قال سعيد بن جبير: رأى موسى (عليه السلام) رجلاً يحمل قصباً يوم السبت فضرب عنقه، أبو روق: الخاسئون الذين لا يتكلّمون. وقال المؤرخ مبعدين كما بَعُد الكلاب. قال ابن عباس: [مكثوا] ثلاث أيام ينظر إليهم الناس ثمّ هلكوا ولم يتوالدوا ولم يتناسلوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام. قال مقاتل: عاشوا سبعة أيام يعرف الكبير بكبره والصغير بصغره، ثمّ ماتوا. وروى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله لم يمسخ شيئاً فجعل له نسلاً وعاقبه .
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا سؤال عن القرية التي كانت حاضرة البحر، ونعلم أن القرية الأولى التي دخلوها هي "بيت المقدس" ولم تكن على البحر، والقرية التي كانت على البحر هي "أيلة" أو "مدين" أو "طبرية"، المهم أنها كانت "حاضرة البحر" أي قريبة من البحر ومشرفة عليه؛ لأننا نقول فلان حضر، أي كان بعيداً فاقترب. فمثل الإِسكندرية يمكن أن نسميها حاضرة البحر. وقوله: "واسألهم" والسؤال هنا موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوجه السؤال إلى أهل الكتاب، ويطلب منهم أن ينظروا في كتبهم ليعرفوا أن ما يقوله هو وحي من الله إليه؛ لأنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلم، ولم يقرأ في كتاب، وإنما علّمه من أرسله، إنّه صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يَعْلَم منهم، بل يريد أن يُعْلِمَهم أنه يعلم، وهم يعلمون أنه لا مصدر له كعلم سائر البشر؛ لا جلس على معلم ولا قرأ في كتاب ولذلك تجد "ماكُنَّات" القرآن أي قوله الحق: "ما كنت" و"ماكنت" و"ما كنت" و"ما كنت" مثل قوله: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ...} تفسير : [القصص: 44] ومثل قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا...} تفسير : [القصص: 45] ومثل قوله تعالى: {أية : ...وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44] إذن فأنت يا رسول الله لم تكن معهم لتقول ما حدث وحصل لهم، بل إن ذلك موجود عندهم في كتبهم، إذن فالذي علمك هو من أرسلك. كذلك هنا مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48] وفي هذا القول أمر من الله سبحانه وتعالى أن يخبرهم أنه سبحانه قد علمه وأعلمه بما لا يستطيعون إنكاره ليتيقنوا أن الله يعلمه ليؤمنوا به. {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ...} [الأعراف: 163] وكلمة "واسألهم" تحل لنا إشكالات كثيرة، مثال ذلك حديث الإِسراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء بصلاة إبراهيم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كرباً مثله قط، فرفعه الله إليّ أنظر إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى قائم يصلي أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبهاً به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم فالتفت إليه فبدأني بالسلام ". تفسير : وتأتي آية في القرآن تقول: {أية : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...} تفسير : [الزخرف: 45] والأمر لرسول الله عليه الصلاة والسلام أن يسأل رسل الله من قبله، ومتى يسألهم؟ لابد أن توجد فرصة ليلتقوا فيسأل. إذن حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه التقى بالأنبياء وكلمهم وصلى بهم فالخبر مصدق لأنه أدى أمر الله: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْر}. والسؤال هنا سؤال للتقرير والتقريع والتوبيخ: وما قصة القرية التي كانت حاضرة البحر؟ لقد قلنا إن حاضرة البحر أي القريبة من البحر، ونفهم أن ما تتعرض له الآية من سؤالهم يشير إلى أنّ للبحر فيه مدخلاً؛ لأن المسألة متعلقة بالحيتان والسمك والصيد؛ لذلك لابد أن تكون بلدة ساحلية. {...إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] وحيتان جمع حوت، مثلما يجمعون "نُوناً"- وهو الحوت أيضاً - على "نينان"؛ وهو صنف من الأسماك. لقد حرم الله عليهم العمل في يوم معين لينقطعوا فيه للعبادة وهو يوم "السبت"، ومازالت عندهم بعض هذه العادات، حتى إن واحداً منهم زار أمريكا ورفض أن يركب سيارة يوم السبت لأنه يوم عطلة، ورفض كذلك أن يعمل حتى جاء اليوم التالي. وشاء الحق سبحانه أن يؤدبهم حينما ارتكبوا أشياء مخالفة للمنهج، وسلب منهم وقتاً للعمل وقال: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...} تفسير : [النساء: 160] وفي هذه مُثُل وعِبَر لأي منحرف، ولكل منحرف نقول: إياك أن تظن أنك بانحرافك عن منهج الله ستأخذ أشياء من وراء ربنا وتسرقها، لا؛ لأن ربنا قادر أن يبتيله بعقاب يفوق ما أخذ آلاف المرات، فالمرتشي مثلاً يفتح له الله أبواباً من الأمراض ومن العلل ومن المصائب فيضيع عليه كل شيء أخذه. إذن فقد استحل بنو إسرائيل أشياء محرمة، فابتلاهم الله بأن يحرمهم من أشياء كانت حلالاً لهم. وهكذا نرى أن ما وقع عليهم من عقاب كان بظلمهم لأنفسهم؛ لأنهم انشغلوا بالدنيا وبالمادة، فحرم عليهم العمل في يوم السبت، وهؤلاء الذين كانوا يقيمون قريباً من حاضرة البحر يبتليهم الله البلاء العظيم، ويرون السمك في المياه وهو يرفع زعانفه كشراع المركب، وتطل عليهم أشرعة الحيتان وهم في بيوتهم، وهذا ابتلاء من ربهم لهم وعقاب؛ لأنهم ممنوعون من صيده، ويرون هذا السمك أمامهم في يوم السبت، لكن في بقية الأيام التي يباح فيها العمل، كيوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لا تظهر لهم ولا سمكة واحدة: {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. وهنا قالوا: ما دام ربنا قد حرم علينا أن نصطاد يوم السبت فعلينا أن نحتال. وصنعوا كيساً من السلك المضفر والذي نسميه "الجوبية" وهم أول من صنعوا هذه الجوبية بشكل خاص، ويدخل السمك فيها ولا يستطيع الخروج منها، فيأتي السمك يوم السبت في الجوبية ويستخرجونه يوم الأحد. وفي هذا اعتداء. أو يصنعون حوضاً له مدخل وليس له مخرج وفي هذا مكر. وتمكر لهم السماء بحيلة أشد. لقد أراد الله ابتلاءهم لأنهم فسقوا عن المنهج. وخرجوا عن الطاعة، واستحلوا أشياء حرمهما الله؛ لذلك يحرم الله عليهم أشياء أحلها لغيرهم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} [الآية: 163]. قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت فكانت تأْتيهم يوم السبت شرعاً بلاءً ابتلوا به، ولا تأْتيهم في غيره إِلا أَن يطلبوها، بلاءً أَيضاً {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الآية: 163]. فأَخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية لله، عز وجل فقال الله، عز وجل: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الآية: 166]. إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 25و / {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الآية: 165] يعِني أَليماً شديداً. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 168]. يعني: اليهود. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} [الآية: 167]. قال: يعني قال ربك. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} يعني: النصارى {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} [الآية: 169]. يقول: ما أَشرف لهم من شيء من الدنيا حلالاً كان أَو حراماً يشتهونه أَخذوه، ويتمنون المغفرة، وأَن يجدوا الغد مثله يأْخذوه. انبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} [الآية: 170] يعني: اليهود والنصارى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} معناهُ يَتَعدون فيهِ. تفسير : وقوله تعالى: {شُرَّعاً} معناهُ ظاهرٌ. ويقالُ بيضٌ سِمَانٌ.
الأندلسي
تفسير : {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} الآية، الضمير في اسألهم عائد على من بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم من اليهود. وذكر أن بعض اليهود المعارضين للرسول قالوا له: لم يكن من بني إسرائيل عصيان ولا معاندة لما أمروا به فنزلت الآية موبخة لهم ومقررة كذبهم ومعلنة بما جرى على إسلافهم من الإِهلاك والمسخ وكانت اليهود تكتم هذه القصة فهي مما لا يعلم إلا بكتاب أو وحي من الله تعالى فإِذا أغلمهم بها من لم يقرأ كتابهم علم أنه من جهة الوحي. وقوله: عن القرية، فيه حذف أي عن أهل القرية. والقرية هي ايلة. وقيل: طبرية، قاله ابن عباس وجماعة. ومعنى حاضرة البحر أي بغرب البحر مبنية على بشاطئه. ويحتمل أن يريد معنى الحضارة على جهة التعظيم لها أي هي الحاضرة في قرى البحر فالتقدير حاضرة قرى البحر أي تحضر أهل قرى البحر إليها لبيعهم وشرائهم وحاجتهم. {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} أي يجاوزون أمر الله تعالى في العمل يوم السبت وقد تقدم منه تعالى النهي عن العمل فيه والاشتغال بعبيد أو غيره إلا أنه في هذه النازلة كان عصيانهم أي حدث عصيانهم. وقرىء: يعدّون من الاعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير عبادة الله تعالى وإذ ظرف والعامل فيه. قال الحوفي: إذ متعلقة بسلهم. "انتهى". ولا يتصور لأن إذ ظرف لما مضى وسلهم مستقبل ولو كان ظرفاً مستقبلاً لم يصح المعنى لأن العادين وهم أهل القرية متقدمون فلا يمكن سؤالهم والمسؤول غير أهل القرية العادين. وقال الزمخشري في إذ يعدون بدل من القرية والمراد بالقرية أهلها كأنه قيل: وسلهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت وهو من بدل الاشتمال وهذا لا يجوز لأن إذ من الظروف التي لا تتصرف ولا يدخل عليها حرف جر وجعلها بدلاً يجوّز دخول عن عليها لأن البدل هو على نية تكرار العامل ولو أدخلت عن عليها لم يخسر وإنما تصرّف فيها بأن أضيف إليها بعض الظروف الزمانية، نحو: يوم إذ كان كذا. وأما قول من ذهب إلى أنها يتصرف فيها بأن تكون مفعول باذكر فهو قول من عجز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً والعامل في إذ محذوف تقديره وسلهم عن قصة أهل القرية وقت عُدُوِهم. و{إِذْ تَأْتِيهِمْ} العامل في إذ يعدون أي إذ عَدَوْا في السبت إذ أتتهم، لأن إذ ظرف لما مضى يصرف المضارع للمضي. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل. "انتهى". يعني بدل من القرية بعد بدل إذ يعدون، وقد ذكرنا أن ذلك لا يجوز. {شُرَّعاً} ظاهره الواحد شارع والعامل في يوم قوله: لا تأتيهم، وفيه دليل على أن ما بعد لا للنفي يعمل فيما قبلها وفيه ثلاثة مذاهب الجواز مطلقاً والمنع مطلقاً والتفصيل بين أن نكون لا جواب قسم فيمنع أو غير ذلك فيجوز وهو الصحيح. {كَذَلِكَ} أي مثل ذلك البلاء بأمر الحوت. {نَبْلُوهُم} أي بلوناهم وامتحناهم. {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ} أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين جربوا الوعظ فيهم فلم يروه يجدي. والظاهر أن القائل غير المقول لهم. {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً} فيكونون ثلاث فرق فرقةً اعتدوا، وفرقةً وعظت ونهت، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعتد وهذه الطائفة هي القائلة للواعظة لم تعظون قوماً. وقرىء: {مَعْذِرَةً} بالرفع أي موعظتنا إقامة عذر إلى الله تعالى وقرىء: معذرة بالنصب. وقال أبو البقاء: من نصب فعلى المفعول له أي وعظناهم للمعذرة. وقيل: هو مصدر أي يعتذرون معذرة، وقالها الزمخشري: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الضمير في نسوا للمنهيين أي تركوا ما ذكرهم به الصالحون وجعل الترك نسياناً مبالغة إذ أقوى أحوال الترك أن ينسى المتروك وما موصولة بمعنى الذي والسوء عام في المعاصي وبحسب القصص يختص هنا بصيد الحوت. و {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هم العاصون نبه على العلة في أخذهم وهي الظلم. وقرىء: بيس على وزن فعل وبالهمز، وبئيس على وزن فعيل، وبيئس على وزن فيعل هذه المشهورات. وفي البحر ذكر اثنين وعشرين قراءة. {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} أي استعصوا والعتو الاستعصاء والتأنّي في الشىء وباقي الآية تقدم تفسيره في البقرة. والظاهر أن العذاب والمسخ والهلاك إنما وقع بالمعتدين في السبت والأمة القائلة لم تعظون قوماً هم من فريق الناهين الناجين وإنما سألوا إخوانهم عن علة وعظهم وهو لا يجدي فيهم شيئاً البتة.
الجيلاني
تفسير : {وَ} أيضاً من جملة ظلمهم على نفوسهم: حيلهم وخداعهم في نقض العهد، إن شئت أن تعرف {سْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} أي: سلْ خداعهم وحيلهم عن أ÷ل القرية {ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} قريبة منه، قيل: إيلة، وقيل: طبرية الشام، وقيل: مدين، وقت {إِذْ يَعْدُونَ} يتجاوزون عن حدودنا وعهودنا {فِي ٱلسَّبْتِ} أي: العهد الذي عهدوا معنا ألاَّ يصطادوا، بل أخلصوا لعبادتنا والتوبة نحونا فابتليناهم بمحافظة العهد {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ} المعهود المحرم {شُرَّعاً} متابعة متوالية. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} ولا يعهدون فيه {لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ} أي: مثل سبتهم، فاحتالوا بتعليم شياطينهم حياضاً وأخاديد، فأرسلوا الماء عليها في يوم السبت، واجتمعت الحيتان فيها واصطادوها يوم الأحد والإثنين؛ وبسبب خداعهم معنا واختلافهم الحيلة لنقض عهدنا {نَبْلُوهُم} ببلاء المسخ {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] بسبب فسقهم وخروجهم عن مقتضى العهد. {وَ} اذكروا {إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ} أي: جماعة من صلحائهم، حين قال الصلحاء للمحتالين المناقضين على وجه العظة والتذكير: لِمَ تحتالون وتخادعون مع الله كأنكم لم تخافوا من بطشه وانتقامه {لِمَ تَعِظُونَ} أيها المذكرون المصلحون {قَوْماً} منهمكين في الغفلة الضلال {ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي: أراد الله إهلاكهم وتعذيبهم بأشد العذاب بشؤم حيلهم وخداعهم هذا {قَالُواْ} أي: المذكرون المصلحون تذكيرنا ونصحنا إياهم: {مَعْذِرَةً} منَّا {إِلَىٰ رَبِّكُمْ} الذي أمرنا بنهي المنكر على وجه المبالغة {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] أي: ونرجو من كرم الله أن ينتهوا بتذكيرنا عمَّا هم عليه من الغفلة. {فَلَماَّ نَسُواْ} واعرضوا عن {مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي: من العظة والتذكير {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} متعظين بما ذكروا به {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالإعراض عنه {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} شديد فظيع {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] بسبب فسقهم وإعراضهم. {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} أي: فالحاصل أنهم لمَّا تكبروا عن امتثال أوامرنا واجتناب نواهينا {قُلْنَا لَهُمْ} على لسان نبيهم داود: {كُونُواْ} أيها المتكبرون المنهمكون في الغي والضلال {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166] صاغرين مهانين؛ لاستكباركم عن أوامر الله وتكيلفاته، مع أنكم مجبولون على تحمل التكاليف التي هي من أمارات الإنسان فلمَّا امتنعوا أنفسهم عنها مُسخوا لن لوازم الإنسانية بالمرة، ولُحقوا بأخس الحيوانات وأرذل الأعاجم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):