Verse. 1116 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَبَدَّلَ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا مِنْہُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِيْ قِيْلَ لَہُمْ فَاَرْسَلْنَا عَلَيْہِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاۗءِ بِمَا كَانُوْا يَظْلِمُوْنَ۝۱۶۲ۧ
Fabaddala allatheena thalamoo minhum qawlan ghayra allathee qeela lahum faarsalna AAalayhim rijzan mina alssamai bima kanoo yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فبدَّل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم» فقالوا: حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم «فأرسلنا عليهم رجزا» عذابا «من السماء بما كانوا يظلمون».

162

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} مضى تفسيره فيها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ } فقالوا: (حبة في شعرة) ودخلوا يزحفون على أستاههم {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا } عذاباً {مّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ }.

القشيري

تفسير : جاء في التفسير أنهم زادوا حرفاً في الكلمة التي قيلت لهم فقالوا: حنطة بدل "حِطَّة" فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفاً أن الزيادةَ في الدِّين، والابتداعَ في الشرع عظيمُ الخَطَرَ، ومجاوزةُ حدِّ الأمر شديدُ الضرر. ويقال إذا كان تغييرُ كلمةٍ هي عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب - فما الظنُّ بتغيير ما هو خبرٌ عن صفات المعبود؟ ويقال إنَّ القولَ أَنْقَصُ من العمل بكلِّ وجهٍ - فإذا كان التغيير في القول يُوجِبُ كلَّ هذا.. فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {فبدل الذين ظلموا منهم} ما امروا به من التوبة والاستغفار حيث اعرضوا عنه ووضعوا موضعه {قولا} آخر مما لا خير فيه - روى - انهم دخلوا زاحفين على استاههم وقالوا مكان حطة حنطة استخفافا بامر الله تعالى واستهزاء بموسى عليه السلام وعدولا عن طلب عفو الله تعالى ورحمته الى طلب ما يشتهون من اعراض الدنيا الفانية الدنية {غير الذى قيل لهم} نعت لقولا صرح بالمغايرة مع دلالة التبديل عليها قطعا تحقيقا للمخالفة وتنصيصا على المغايرة من كل وجه {فارسلنا عليهم} اى على الذين ظلموا اثر ما فعلوا من غير تأخر والارسال من فوق كالانزال {رجزا من السماء} عذابا كائنا منها والمراد الطاعون -روى- انه مات منهم فى ساعة واحدة اربعة وعشرون ألفا {بما كانوا يظلمون} بسب ظلمهم المستمر السابق واللاحق لا بسبب التبديل فقط كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء ليجرى عليه احكام القضاء فامتحن بانواع المحن والوباء. واعلم ان الذين ظلموا من بنى اسرائيل افسدوا عليهم النعمتين نعمة الدنيا وهى المن والسلوى وغيرهما ونعمة العقبى وهى المغفرة والاثابة وبعد فوت زمان التدارك لا ينفع نفسا ايمانها ولا تحسرها وندمها - حكى - ان اخوين فى الجاهلية خرجا مسافرين فنزلا فى ظل شجرة تحت صفاة فلما دنا الرواح خرجت لهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته اليهما فقالا ان هذا لمن كنز فاقاما عليه ثلاثة ايام كل يوم تخرج لهما دينارا فقال احدهما للآخر الى متى ننتظر هذه الحية الا نقلتها ونحفر عن هذا الكنز فنأخذه فنهاه اخوه فقال ما تدرى لعلك تعطب ولا تدرك المال فابى عليه فاخذ فأسا معه ورصد الحية حتى خرجت وضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها فبادرت الحية فقتلته ورجعت الى حجرها فدفنه اخوه واقام حتى اذا كان الغد خرجت الحية معصوبا رأسها ليس معها شيء فقال يا هذه انى والله ما رضيت بما اصابك ولقد نهيت اخى عن ذلك فهل لك ان نجعل الله بيننا لا تضرينى ولا اضرك وترجعين الى ما كنت عليه فقالت الحية لا فقال ولم قالت لانى اعلم ان نفسك لا تطيب لى ابدا وانت ترى قبر اخيك ونفسى لا تطيب لك وانا اذكر هذه الشحة كذا فى حياة الحيوان: قال فى المثنوى شعر : بركذشته حسرت آوردن خطاست باز نايد رفته ياد آن هباست تفسير : اللهم اجعلنا من المتيقظين قبل طلوع صبح الآخرة ولا تجعلنا غافلين عما يهمنا من الامور الباطنة والظاهرة ووفقنا كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا انك كنت بنا بصيرا وعن بواطننا خبيرا.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين امرهم بدخول القرية متواضعين، وان يقولوا حطة لذنوبنا، انهم بدلوا قولا غير الذي قيل لهم. والتبديل تغيير الشيء برفعه إلى بدل، فقال الحسن قالوا حنطة بدل حطة. وقال قوم: قالوا قولا ينافي الاستغفار ويخالف التوبة. وقالوا ما يدل على الاصرار. واخبر تعالى انه ارسل عليهم عند ذلك رجزاً وهو العذاب والعقوبة جزاء بما كانوا يفعلونه من معاصي الله تعالى ويظلمون بها انفسهم. واصل الرجز الميل عن الحق فمنه الرجازة وما يعدل به الحمل اذا مال عن خفة والرجز عبادة الوثن والناقة الرجزاء التي تميل في احد شقيها لداء يعرض لها في عجزها.

الجنابذي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً..} مضى الآيات وتفسيرها مفصّلاً فى اوّل البقرة.

اطفيش

تفسير : {فبدَّل الَّذينَ ظلَمُوا} أنفسهم {منْهُم} أى من بنى إسرائيل وهذا زيادة بيان {قَولاً غَير الَّذى قِيلَ لَهم} وذلك قيل لهم: قولوا حطة فقالوا: حنطة فى شعيرة، أو حبة فى شعرة {فأرْسَلنا عَلَيهم} أى أنزلنا بدليل على، فهو مثل أنزلنا عليهم فى البقرة، وقيل الإنزال إلقاء بنحو عدد أو كيل مما يدل على تقدير، فهو مشعر بالقلة، والإرسال الإلقاء جزافا، فهو للكثرة، فهو إما مستعمل بمعنى الإرسال فى البقرة، أو إشار إلى أن العذاب ينزل أولا قليلا، ثم يرسل كثيرا. {رجْزاً} طاعونا مات منه فى يوم واحد سبعون ألفا {مِنَ السَّماءِ بما كانُوا يظْلمُونَ} بسبب كونهم يظلمون، أو بسبب الظلم الذى كانوا يظلمونه، وهذه الهاء مفعول مطلق، والمراد ظلم أنفسهم بالتبديل، وذلك خروج عن الطاعة، فهو فسق، فذلك مثل قوله سبحانه فى البقرة: {أية : بما كانوا يفسقون }.

اطفيش

تفسير : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} بالذى قيل لهم قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ من للتبعيض فمنهم من لم يبدل، وتبديل القول قولهم: حبة فى شعيرة، أَو حنطة فى شعيرة، وكذلك بدلوا الفعل إِذ بدلوا السجود الانحناءَ بالزحف على أَستاههم، أمروا أَن يطلبوا الغفران بأَى لفظ لا بلفظ الحط فقط، وجعلوا مكانه طلب الدنيا، وقد قيل: قالوا بالنبطية حطا سمعوقا، أَى حنطة حمراءَ، وقيل: قالوا ذلك التبديل استهزاء وكذا الزحف {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} بالتبديل المذكور {رِجْزًا مِنً السَّمَاءِ} عذابا بالطاعون فمات فى يوم واحد سبعون أَلفا وقيل: أَحد وعشرون أَلفا، {بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} أَعاد ذكر تسبب الرجز عن الظلم مع علمه من تسليط الإِرسال على الذين ظلموا لزيادة تقبيح الظلم والزجر عنه، قيل: قال هنا: اسكنوا، وفى سورة البقرة: ادخلوا؛ لأَنه لا بد لساكن موضع من دخوله، وهنا وكلوا، وهناك، فكلوا؛ لأَن للدخول حالة مقتضية للأَكل عقب الدخول فكان بالفاء، وللسكنى حال مستمر فكان بالواو متى شاءُوا وأَكلوا، وهناك رغد لأَن الأَكل عقب الدخول أَلذ والأَكل مع السكنى والاستمرار دون ذلك فى الجملة، ولا يدفع هذا الاعتبار قوله فى آدم رغدا، وهناك تقديم لدخول السجود على قول الحطة لأَن المقصود تعظيم أَمر الله عز وجل، فاستوى التقديم والتأخير، وهنا: خطيئاتكم، بلفظ القلة، وهناك: خطاياكم إِشعارا بأَن هذا الدعاء يسقط القليل من الذنوب والكثير، وهناك: وسنزيد بالواو، بيانا للوعد بشيئين، وهنا كأَنه قيل: ما بعد الغفران؟ فقال: سنزيد، وهناك: أَنزلنا، وهنا: أَرسلنا، لأَن الإِنزال لا يشعر بكثرة، فكأَنه أنزل أَولا قليل، ثم كثر كثرة عبر عنها بالإِرسال. كما قيل: انبجست للقلة، وانفجرت للكثرة ثانيا، أَو أَجمل بالإِنزال وفصل بالإِرسال، وأَيضا الإِرسال من فوق كما دلت عليه على، هو إِنزال فتساويا، وهنا يظلمون وهناك يفسقون وصفا لهم بظلم أَنفسهم وبفسقهم أَى خروجهم عن الطاعة، وذكر الظلم والفسق فى الموضعين دلالة حصولهما منهم، والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} لزيادة البيان أي بدل الذي ظلموا من هؤلاء بما أمروا به من التوبة والاستغفار حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعه {قَوْلاً} آخر مما لا خير فيه {غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ} وأمروا بقوله و {غَيْرَ} نعت للقول وصرح بالمغايرة مع دلالة التبديل عليها تحقيقاً للمخالفة وتنصيصاً على المغايرة من كل وجه {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} إثر ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير {رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآء} عذاباً كائناً منها وهو الطاعون في رواية. {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي بسبب ظلمهم المستمر السابق واللاحق، وهذا بمعنى ما في البقرة [59] لأن ضمير {عَلَيْهِمُ} للذين ظلموا والإرسال من فوق إنزال، والتصريح بهذا التعليل لما أن الحكم هٰهنا مرتب على المضمر دون الموصول بالظلم كما في البقرة، وأما التعليل بالفسق بعد الإشعار بعلية الظلم هناك فللإيذان بأن ذلك فسق وخروج عن الطاعة وغلو في الظلم وأن تعذيبهم بجميع ما ارتكبوا من القبائح كما قيل. وقال القطب في وجه المغايرة: إن الإرسال مشعر بالكثرة بخلاف الإنزال فكأنه أنزل العذاب القليل ثم جعل كثيراً وإن الفائدة في ذكر الظلم والفسق في الموضعين الدلالة على حصولهما فيهم معاً، وقد تقدم لك في وجوه المغايرة بين آية البقرة وهذه الآية ما ينفعك تذكره فتذكر.

د. أسعد حومد

تفسير : (162) - فَلَمْ يَدْخُلِ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بَابَ البَلَدِ سُجَّداً خَاشِعِينَ كَمَا أَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ، بَلْ دَخَلُوهُ زَاحِفِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ (أَيْ أَدْبَارِهِمْ)، وَبَدَّلُوا قَوْلَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا (حِطَّةٌ) وَإِنَّمَا قَالُوا سَاخِرِينَ حِنْطَةٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية تدل على أنهم افترقوا فرقتين؛ لأن الحق سبحانه مادام قد قال: {مِنْهُمْ} فهذا يعني أن بعضهم قالوا وفعلوا المطلوب، وبعضهم ظلموا وبدلوا القول، فقد أمرهم الحق أن يقولوا: "حطة" وطلب منهم أن يدخلوا سجداً. والتغيير منهم جاء في القول؛ لأن القول قد يكون بين الإِنسان وبين نفسه بحيث لا يسمعه سواه. لكن الفعل مرئي مما يدل على أن بعضهم يرائي بعضاً، ففي القول أرادوا أن يهذروا ويتكلموا بما لا ينبغي ولا يليق، فبدلاً من أن يقولوا: "حطة" قالوا: "حنطة" استهزاءً بالكلمة. وهكذا نرى أن التبديل جاء في القول، لكن الفعل لم يأت فيه كلام، وإن قال بعضهم: إن التبديل أيضاً حدث من بعضهم في الفعل. فبدلاً من أن يدخلوا ساجدين دخلوا زاحفين على مقعداتهم، كنوع من التعالي، لكن الحق لم يذكر شيئاً من ذلك؛ لأن سلوكهم في الفعل قد يكون السبب فيه أن بعضهم لا قدرة له على الفعل. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ...} [الأعراف: 162] وكأن الحق يذكرنا بما فعله معهم من رعايتهم في أثناء التيه وكيف ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، واستسقى لهم موسى فجاءت المياه. لكن غريزة التبديل والتمرد لم تغادرهم. وما داموا قد بدَّلوا في كلمات الله، فعليهم أن ينالوا العقاب: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. وهناك آية ثانية في سورة البقرة يقول فيها الحق: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 59] . والفارق بين "الإِنزال" وبين "الإِرسال" أن الإِنزال يكون مرة واحدة. أما الإِرسال فهو مسترسل ومتواصل. ولذلك يقول الحق سبحانه في المطر: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً}. لأن المطر لا ينزل طوال الوقت من السماء. لكن في الإِرسال استمرار، اللهم إلا بعضاً من تأثير الهواء. ولذلك يقول الحق: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}. فالذي يحتاج إلى استمرارية في الفعل يقول فيه الحق: "أرسل" بدليل أن الله حينما أراد أن يجيء بالطوفان ليغرق المكذبين بموسى قال: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ...} تفسير : [الأعراف: 133] وعندما أراد أن يرغب عاداً قوم سيدنا هود في الاستغفار والتوبة والرجوع عما كانوا عليه من الكفر والآثام قال لهم: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً...} تفسير : [هود: 52] إذن فالإِرسال يعني التواصل، أما الإِنزال فهو لمرة واحدة، وأراد الحق سبحانه من قصة بني إسرائيل أن يأتي لنا بلقطة فجاء بكلمة "أنزلنا"، ولقطة أخرى جاء فيها بـ"أرسلنا"؛ لأن العقوبة تختلف باختلاف المذنبين، والمذنبون مقولون بالتشكيك، فهذا له ذنب صغير، وآخر ذنبه أكبر، وكل إنسان يأخذ العذاب على قدر ذنبه؛ فمن أذنب ذنباً صغيراً أنزل الله عليه عقاباً على قدر ذنبه. ومن تمادى أرسل الله عليه عذاباً يستمر على قدر ذنوبه الكبيرة. وهنا يقول الحق: {...فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 162] و "رجزاً" أي عذاباً، وهناك رِجْز، ورُجْز، والرِّجز يُولد من الرُّجز؛ وينشأ مثل قوله الحق: {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ}. أي اهجر الرُّجز.. أي المآثم والمعاصي والذنوب لتسلم من الرِّجز.. أي من العذاب. وهنا يبين الحق أنهم تلقوا العذاب بسبب ظلمهم، وهناك في الآية الأخرى قال: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}. والفسق يسبق الظلم؛ لأن الإِنسان لا يمكن أن يظلم نفسه بمخالفة منهج إلا إذا فسق أولاً، ولذلك جاء الحق بالمسبَّب وجاء السبب، وهكذا نتأكد أن كل كلمة في القرآن جاءت لمعنى أساسي تؤديه ولا تكرار إلا لمجموع القصة في ذاتها، أما لقطات القصة هنا، ولقطات القصة هناك فأمور جاءت تأسيساً في كل شيء لتعطي معاني ولقطات جديدة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أفسدوا هذه النعمة على أنفسهم بتبديل القول، كما قال تعالى: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [الأعراف: 162] فاستحقوا الرجز والهلاك بظلمهم، كما قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 162] وقد مرَّ تحقيق هذه الآية في سورة البقرة. ثم أخبر عن بعض مقالاتهم وسوء حالاتهم بقوله تعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} [الأعراف: 163] إلى قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166] يشير إلى أن القرية الجسد الحيواني على شاطئ بحر البشرية وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية، وهي ثلاث أصناف: منها: صنف روحاني: كصفات الروح. وصنف ما هو قلبي: كصفات القلب. وصنف: نفساني: كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فصنف أمسك عن الصيد ونهي عنه وهو: الصفات الروحانية، وصنف أمسك ولم ينه وهو: الصفات القلبية، وصنف يحرمه وهو: الصفات النفسانية. {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} [الأعراف: 163] إذ يعدون في سبت المحارم، {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} [الأعراف: 163] بعد الدواعي البشرية عند هيجان ظهور المحارم، وإغواء الشيطان في تزينها فيتوفر الداعي فيما حرم الله تعالى؛ لأن الإنسان حريص على ما منع، {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} [الأعراف: 163] فيما لم يحرم الله لا نهيج لهم حسان الدواعي ولا يتوفر، {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} [الأعراف: 163]؛ أي الصنف الذي هو الصفات النفسانية، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163]؛ أي: بما كانوا من طبيعة النفس وصفاتها الخروج من أمر الله وطاعته وأنها أمارة بالسوء، {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ} [الأعراف: 164]؛ أي: صنف هو من صفات القلب لصنف من صفات الروح، {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً} [الأعراف: 164] أي: صنفاً من صفات النفس، {ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} [الأعراف: 164]؛ أي: مهلكهم بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات، {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} [الأعراف: 164] وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية. {قَالُواْ} [الأعراف: 164]؛ يعني: الصفات الروحانية، {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 164]؛ أي: لتكونوا معذورين عند ربكم، فيما خلقنا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فإنا فعلنا ما كان علينا، وما تغيرنا عن أوصاف الروحانية الملكية، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164]؛ أي: ولعل النفس وصفاتها يتقون عن الأمارية وتصفون بالمأمورية والظلمانية إلى ذكر الله وطاعته فإنها قابلة لها، {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} الأعراف: 165]؛ أي: تركوا النصيحة والمواعظ الروحانية، {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} [الأعراف: 165]؛ يعني: الروح وصفاتها، فإنهم كانوا ينهون النفس عن الأمارية بالسوء، المعنى: أن من كان القلب عليه صفات الروح وقهر النفس وبذل صفاتها بالتزكية والتخلية، فإنه من أهل النجات وأرباب الدرجات وأصحاب القربات. {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [الأعراف: 165]؛ يعني: النفس وصفاتها، فإن الظلم من شيم النفس، ومن كان الغالب عليه النفس صفاتها، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] وهو عذاب إبطال الاستعداد؛ لقبول الفيض الإلهي وعذاب البعد عن حوار الخلق، {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] بشؤم ما كانوا يخرجون من أنوار الصفات الروحانية إلى ظلمات الصفات النفسانية الحيوانية، {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} [الأعراف: 166]؛ أي: فلما بلغوا في اليم الطبعي والأوصاف السبعية والبهيمية، {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166]؛ يعني: بدلنا صفاتهم الروحانية المكية بالصفات القردية والخنزيرية بأمر التكوين، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ}تفسير : [النحل: 40] خاسئين؛ أي: فانطين بعد فساد الاستعداد الفطري عن إصلاحه، كما قال تعالى تقنيطاً لأهل النار: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108].