٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
161
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة. بقي أن يقال: إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه: الأول: في سورة البقرة {أية : وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [البقرة: 58] وههنا قال: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } والثاني: أنه قال في سورة البقرة {فَكُلُواْ } بالفاء وههنا {وَكُلُواْ } بالواو. والثالث: أنه قال في سورة البقرة {رَغَدًا } وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة. والرابع: أنه قال في سورة البقرة: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وقال ههنا على التقديم والتأخير. والخامس: أنه قال في البقرة {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } وقال ههنا: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ } والسادس: أنه قال في سورة البقرة: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } وههنا حذف حرف الواو. والسابع: أنه قال في سورة البقرة: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [البقرة:59]وقال ههنا: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } والثامن: أنه قال في سورة البقرة: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وقال ههنا: {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة. أما الأول: وهو أنه قال في سورة البقرة: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } وقال ههنا: {ٱسْكُنُواْ } فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولاً، ثم سكونها ثانياً. وأما الثاني: فهو أنه تعالى قال في البقرة: {أية : ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ } تفسير : [البقرة: 58] بالفاء. وقال ههنا: {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ } بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم. فإنه إنما يكون داخلاً في أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولاً. إذا ثبت هذا فنقول: الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار. فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده، فلهذا قال: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } وأما السكون فحالة مستمرة باقية. فيكون الأكل حاصلاً معه لا عقيبه فظهر الفرق. وأما الثالث: وهو أنه ذكر في سورة البقرة {رَغَدًا } وما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله: {رَغَدًا } وأما الأكل حال سكون القرية، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة، فلا جرم ترك قوله: {رَغَدًا } فيه. وأما الرابع: وهو قوله في سورة البقرة: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي سورة الأعراف على العكس منه، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير. وأما الخامس: وهو أنه قال في سورة البقرة: {أية : خَطَـٰيَـٰكُمْ }تفسير : [البقرة: 58] وقال ههنا: {خَطِيئَـٰتِكُمْ } فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع. وأما السادس: وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة: {أية : وَسَنَزِيدُ }تفسير : [البقرة: 58] بالواو وههنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف، والتقدير: كان قائلاً قال: وماذا حصل بعد الغفران؟ فقيل له {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ }. وأما السابع: وهو الفرق بين قوله: {أَنزَلْنَا } وبين قوله: {أَرْسَلْنَا } فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بها، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيراً، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله: {فَٱنبَجَسَتْ } وبين قوله: {فَٱنفَجَرَتْ }. وأما الثامن: وهو الفرق بين قوله: {يَظْلِمُونَ } وبين قوله: {يَفْسُقُونَ } فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} بإضمار اذكروا لقرية بيت المقدس. {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا} مثل ما في سورة «البقرة» معنى غير أن قوله {فَكُلُواْ} فيها بالفاء أفاد تسبب سكناهم للأكل منها، ولم يتعرض له ها هنا اكتفاء بذكره ثمة، أو بدلالة الحال عليه وأما تقديم قوله قولوا على وادخلوا فلا أثر له في المعنى لأنه لا يوجب الترتيب وكذا الواو العاطفة بينهما. {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وعد بالغفران والزيادة عليه بالإثابة، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف للدلالة على أنه تفضل محض ليس في مقابلة ما أمروا به. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب «تغفر» بالتاء والبناء للمفعول، و {خَطِيئَـٰتِكُمْ} بالجمع والرفع غير ابن عامر فإنه وحد وقرأ أبو عمرو «خطاياكم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } بيت المقدس {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ } أمرنا {حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } أي باب القرية {سُجَّدًا } سجود انحناء {نَّغْفِرْ } بالنون، والتاء مبنياً للمفعول {لَكُمْ خَطِيئَٰتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } بالطاعة ثواباً.
ابن عطية
تفسير : المعنى واذكر "إذ قيل لهم "، والمراد من سلف من بني إسرائيل، وذلك أنهم لما خرجوا من التيه قيل لهم {اسكنوا هذه القرية} و "القرية" في كلام العرب المدينة مجتمع المنازل، والإشارة هنا إلى بيت المقدس، قاله الطبري، وقيل إلى أريحا، و {حيث شئتم} أي هي ونعمها لكم مباحة، وقرأ السبعة والحسن وأبو رجاء ومجاهد وغيرهم "حطةٌ" بالرفع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "حطةً" بالنصب، الرفع على خبر ابتداء تقديره طلبنا حطة، والنصب على المصدر أي حط ذنوبنا حطةً، وهذا على أن يكلفوا قول لفظة معناها حطة، وقد قال قوم كلفوا قولاً حسناً مضمنة الإيمان وشكر الله ليكون حطة لذنوبهم، فالكلام على هذا كقولك قل خيراً.. وتوفية هذا مذكور في سورة البقرة. وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي "نغفر" بالنون "لكم خطيئاتكم" بالتاء مهموز على الجمع، وقرأ أبو عمرو "نغفر" بالنون "لكم خطاياكم" نحو قضاياكم وهي قراءة الحسن والأعمش، وقرأ نافع "تُغفر" بتاء مضمومة "لكم خطيئاتُكم" بالهمز وضم التاء على الجمع، ورواها محبوب عن أبي عمرو، وقرأ ابن عامر "تُغفر" بتاء مضمومة "لكم خطيئتُكم" واحدة مهمزوة مرفوعة، قال أبو حاتم: وقرأها الأعرج وفرقة "تُغفر بالتاء وفتحها على معنى أن الحطة تغفر إذ هي سبب الغفران، و"بدل" معناه غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه، وأبدل إذا ذهب به وجاء بلفظ آخر والإشارة بالقول إلى قول بني إسرائيل حبة في شعرة أو حنطة في شعيرة، و "الرجز" الذي أرسل عليهم طاعون يقال مات منه في يوم سبعون ألفاً، وتقدم أيضاً استيعاب تفسير هذه الآية. وقوله تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} الآية، قال بعض المتأولين: إن اليهود المعارضين لمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا إن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به فنزلت هذه الآية موبخة لهم ومقررة ما كان من فعل أهل هذه القرية، فسؤالهم إنما كان على جهة التوبيخ, و {القرية} هنا مدين قاله ابن عباس، وقيل أيلة، قاله ابن عباس وعبد الله بن كثير وعكرمة والسدي والثوري، وقال قتادة هي مقنا بالقاف ساكنة، وقال ابن زيد هي مقناة ساحل مدين، ويقال فيها مغنى بالغين مفتوحة ونون مشددة، وقيل هي طبرية قاله الزهري، و {حاضرة} يحتمل أن يريد معنى الحضور أي البحر فيها حاضر، ويحتمل أن يريد معنى الحضارة على جهة التعظيم لها أي هي الحاضرة في مدن البحر، و {إذ يعدون} معناه يخالفون الشرع من عدا يعدو، وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك "يعَدُّون"، قال أبو الفتح أراد يعتدون فأسكن التاء ليدغمها في الدال ونقل فتحها إلى العين فصار "يعَدُّون" بفتح العين وشد الدال المضمومة، والاعتداء منهم في السبت هو نفس العمل والاشتغال كان صيداً أو غيره إلا أنه كان في هذه النازلة بالصيد وكان الله عز وجل ابتلاهم في أمر الحوت بأن يغيب عنهم سائر الجمعة فإذا كان يوم السبت جاءهم في الماء شارعاً أي مقبلاً إليهم مصطفاً كما تقول أشرعت الرماح إذا مدت مصطفة، وهذا يمكن أن يقع من الحوت بإرسال من الله كإرسال السحاب أو بوحي وإلهام كالوحي إلى النحل أو بإشعار في ذلك اليوم على نحو ما يشعر الله الدواب يوم الجمعة بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة حتى تطلع الشمس فرقاً من الساعة "تفسير : ، ويحتمل أن يكون ذلك من الحوت شعوراً بالسلامة في ذلك اليوم على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة. قال رواة هذا القصص: فيقرب الحوت ويكثر حتى يمكن أخذه باليد فإذا كان ليلة الأحد غاب بجملته وقيل غابت كثرته ولم يبق منه إلا القليل الذي يتعب صيده، قاله قتادة ففتنهم ذلك وأضر بهم فتطرقوا إلى المعصية بأن حفروا حفراً يخرج إليها ماء البحر على أخدود فإذا جاء الحوت يوم السبت وحصل في الحفرة ألقوا في الأخدود حجراً فمنعوه الخروج إلى البحر فإذا كان الأحد أخذوه فكان هذا أول التطرق. وروى أشهب عن مالك قال: زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطاً ويصنع فيه وهقة وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد مضروب، وتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده وقالوا ذهبت حرمة السبت فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت وجاهزت بالنهي واعتزلت، والعامل في قوله: {ويوم لا يسبتون} قوله: {لا تأتيهم} وهو ظرف مقدم، وقرأ عمر بن عبد العزيز "حيتانهم يوم أسباتهم"، وقرأ نافع وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر والناس "يسبِتون" بكسر الباء، وقرأ عيسى بن عمر وعاصم بخلاف "يسبتُون" بضمها، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وعاصم بخلاف "يُسبتون" من أسبت إذا دَخل في السبت، ومعنى قوله: {كذلك} الإشارة إلى أمر الحوت وفتنتهم به، هذا على من وقف على {تأتيهم} ومن وقف على {كذلك} فالإشارة إلى كثرة الحيتان شرعاً، أي فما أتى منها فهو قليل، و {نبلوهم} أي نمتحنهم لفسقهم وعصيانهم. قال القاضي أبو محمد: وفي قصص هذه الآية رواية وتطويل اختصرته واقتصرت منه على ما لا تفهم ألفاظ الآية إلا به.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقَرْيَةَ} لاجتماع الناس إليها، أو الماء، قَرَى الماء في حوضه جمعه، بيت المقدس، أو الشام.
النسفي
تفسير : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } واذكر إذ قيل لهم {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } بيت المقدس {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ } {تَغْفِر لَكُمْ } مدني وشامي {خَطِيئَـٰتِكُمْ } مدني {خَطَـٰيَـٰكُمْ } أبو عمرو {خَطِئتكم} شامي {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } ولا تناقض بين قوله {أية : ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا }تفسير : في هذه السورة وبين قوله في سورة«البقرة» {أية : ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ } تفسير : [البقرة: 85] لوجود الدخول والسكنى. وسواء قدموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون بينهما. وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته، وقوله {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } موعد بشيئين بالغفران وبالزيادة، وطرح الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على قول القائل: وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } وكذلك زيادة {مِنْهُمْ } زيادة بيان و {أَرْسَلْنَا } و {أَنزَلْنَا } و {يَظْلِمُونَ } و {يَفْسُقُونَ } من وادٍ واحد. {وَسْئَلْهُمْ } واسأل اليهود {عَنِ ٱلْقَرْيَةِ } أيلة أو مدين وهذا السؤال للتقريع بقديم كفرهم {ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ } قريبة منه {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ } إذ يتجاورون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه {إِذْ يَعْدُونَ } في محل الجر بدل من {ٱلقَرْيَةِ } والمراد بالقرية أهلها كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت وهو من بدل الاشتمال {إِذْ تَأْتِيهِمْ } منصوب بـ {يَعْدُونَ } أو بدل بعد بدل {حِيتَانُهُمْ } جمع حوت أبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } ظاهرة على وجه الماء جمع شارع حال من الحيتان، والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد، والمعنى إذ يعدون في تعظيم اليوم وكذا قوله {يَوْمَ سَبْتِهِمْ } معناه يوم تعظيمهم أمر السبت ويدل عليه {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } و {يَوْمٍ } ظرف {لاَ تَأْتِيهِمْ } {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بفسقهم {وَإِذْ قَالَتِ } معطوف على {إِذْ يَعْدُونَ } وحكمه كحكمه في الإعراب {أُمَّةٌ مّنْهُمْ } جماعة من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم بعدما ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم لآخرين لا يقلعون عن وعظهم {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ } - معذرة - أي موعظتنا إبلاء عذر إلى الله لئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى التفريط {مَعْذِرَةً } حفص على أنه مفعول له أي وعظناهم للمعذرة {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ولطمعنا في أن يتقوا. {فَلَمَّا نَسُواْ } أي أهل القرية لما تركوا {مَا ذُكّرُواْ بِهِ } ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء } من العذاب الشديد {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } الراكبين للمنكر والذين قالوا لم تعظون من الناجين، فعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة وهم الذين أخذوا الحيتان {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } شديد. يقال: بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد فهو بئيس. {بِئْسَ }: شامي {بيس} مدني {بيئس} على وزن فيعل: أبو بكر غير حماد {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } أي جعلناهم قردة أذلاء مبعدين. وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله {فَلَمَّا نَسُواْ } والعذاب البئيس: هو المسخ. قيل: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمون، والجمهور على أنها ماتت بعد ثلاث. وقيل: بقيت وتناسلت. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي أعلم وأجرى مجرى فعل القسم، ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } أي كتب على نفسه ليسلطن على اليهود {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ } من يوليهم {سُوء ٱلْعَذَابِ } فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } للكفار {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } للمؤمنين {وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } وفرقناهم فيها فلا تخلو بلد عن فرقة {أُمَمًا مّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ } الذين آمنوا منهم بالمدينة أو الذين وراء الصين {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ } ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه وهم الفسقة ومحل {دُونِ ذَلِكَ } الرفع وهو صفة لموصوف محذوف أي ومنهم ناس منحطون عن الصلاح {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } بالنعم والنقم والخصب والجدب {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ينتهون فينيبون {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ } من بعد المذكورين {خَلْفٌ } وهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلف بدل السوء بخلاف الخلف فهو الصالح {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة ووقفوا على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ولم يعملوا بها {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } هو حال من الضمير في {وَرِثُواْ } والعرض: المتاع أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها وهو من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم. وفي قوله {هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ } تخسيس وتحقير {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، والفعل مسند إلى الأخذ أو إلى الجار والمجرور أي لنا {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } الواو للحال أي يرجعون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي الميثاق المذكور في الكتاب {أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } أي أخذ عليهم الميثاق في كتابهم أن لا يقولوا على الله إلا الصدق، وهو عطف لـ {مّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ } {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } وقرءوا ما في الكتاب وهو عطف على {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم } لأنه تقرير فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ } من ذلك العرض الخسيس {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الرشا والمحارم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أنه كذلك وبالتاء: مدني وحفص.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}: القَرْيَةُ هي بيْتُ المَقْدِسِ. وقيل: أَرِيحَاء، «وبَدَّلَ»: معناه غَيَّرَ اللَّفْظَ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} الآيةُ. اعلم أنَّ هذه القصة قد تقدَّمت مشروحة في سورة البقرةِ إلاَّ أنَّ بينهما تفاوتاً من وجوه: أحدها: أنَّهُ عيَّن القائل في سورة البقرة، فقال وإذْ قُلْنا وههنا أبهمه فقال وَإذْ قيلَ. وثانيها: قال في سورة البقرة "ادخلوا" وقال هاهنا "اسكنوا". وثالثها: قال في سورة البقرة فَكُلوا بالفاء، وههنا بالواو. ورابعها: قال هناك رَغَداً وأسقطها ههنا. وخامسها: قدَّم هناك قوله {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} على "وقولُوا حِطَّةٌ" وههنا على العكس. وسادسها: قال في البقرة {أية : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 58] وههنا "خَطِيئَاتِكُمْ". وسابعها: قال هناك "وسَنزِيدُ المُحْسنينَ" بالواو وههنا حذفها. وثامنها: قال في البقرة "فأنزلْنَا" وههنا "فأرْسَلْنَا". وتاسعها: قال هناك {أية : بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}تفسير : [البقرة: 58]. وقال ههنا "يَظْلِمُونَ". وهذه ألفاظٌ لا منافاةَ بينها ألبتة، ويمكن ذكر فوائِدهَا. أما قوله ههنا: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} إعلاماً للسَّامع بأن هذا القائل هو ذاك، وأمَّا قوله هنا "ادْخُلُوا"، وههنا "اسْكُنُوا" فالفرقُ أنَّهُ لا بدَّ من دخول القريَةِ أوَّلاً، ثم سكونها ثانياً. وأمَّا قوله هناك " فَكُلُوا" بالفاءِ وههنا بالواوِ، فالفرق أنَّ الدُّخُولَ حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم، فإنَّهُ إنَّما يكون داخلاً في أوَّل دخوله. وأمَّا بعد ذلك، فيكون سكنى لا دخولاً، وإذا كان كذلك فالدَّخُولُ حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار، فحسن ذكر فاء التعقيب بعده، فلهذا قال {أية : ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ}تفسير : [البقرة: 58] وأمَّا السُّكْنَى فحالة مستمرة باقية فيكون الأكل حاصلاً معها لا عقيبها فحل الفرق. وأمَّا قوله هناك "رغَداً" ولم يذكره هنا؛ لأنَّ الأكْلَ عقيب دخول القرية يكون ألذ؛ لأنَّهُ وقت الحاجةِ الشديدةِ، فلذلك ذكر رَغَداً وأما الأكل حالة السُّكنى، فالظَّاهِرُ أنَّ الحاجة لا تكونُ شديدة. وأمَّا قوله هناك: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ} وههنا على العكس، فالمرادُ التَّنبيهُ على أنَّهُ يحسن تقديم كل واحد منهما على الآخر، لأنَّ المقصُودَ منهما تعظيم اللَّهِ تعالى وإظهار الخُضُوعِ، وهذا لا يتفاوتُ الحال فيه بحسب التَّقديم والتَّأخير. قال الزمخشريُّ: التَّقديمُ والتأخيرُ في وقُولُوا وادخُلُوا سواء قدَّمُوا "الحِطَّة" على دخول الباب، أو أخَّرُوَها فهم جامعون في الإيجادِ بينهما. قال أبُو حيَّان: وقوله: سواءٌ قدَّمُوا أو أخَّرُوها تركيب غير عربي، وإصلاحه سواء أقدَّمُوا أمْ أخَّرُوا، كما قال تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا}تفسير : [إبراهيم: 21]. فصل قال شهابُ الدِّين: يعني كونه أتى بعد لفظ "سواء" بـ "أوْ" دون "أمْ"، ولم يأتي بهمزة التسوية بعد "سواء" وقد تقدَّم أنَّ ذلك جائز، وإن كان الكثيرُ ما ذكره وأنه قد قرىء {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} [البقرة: 6] والرَّدُّ بمثل هذا غير "طائل". وأما قوله في البقرة {خَطَايَاكُمْ} وههنا "خَطِيئَاتِكُم" فهو إشارة على أنَّ هذه الذنوب سواء كانت قليلة، أو كثيرة، فهي مغفورةٌ عند الإتيان بهذا الدُّعاء. وأما قوله هناك "وسَنَزِيدُ" بالواوِ، وههُنَا حذفها ففائدته أنه استئناف، كأنَّ قائلاً قال: وماذا حصل بعد الغُفْرانِ؟ فقيل له: "سَنَزِيدُ المُحْسنينَ". وأما قوله هناك "فأنَزلْنَا"، وههُنَا "فأرْسَلْنَا" فلأنَّ الإنزالَ لا يشعر بالكَثْرَةِ، والإرسَال يشعر بها، فكأنَّهُ تعالى بدأ بإنزال العذابِ القليل، ثمَّ جعله كثيراً، وهو نظيرُ الفرقِ بين قوله {أية : فَٱنبَجَسَتْ}تفسير : [الأعراف: 160] وقوله {أية : فَٱنفَجَرَتْ}تفسير : [البقرة: 60]. وأمَّا قوله هناك {أية : عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [البقرة: 59]، وههُنَا "عَلَيْهِمْ" فهو إيذان بأنَّ هؤلاء المضمرون هم أولئك، وأمَّا قوله هَهُنَا "يَظْلمُونَ" وهناك "يَفْسُقُونَ" فلأنهم موصوفون بأنهم كانوا ظالمينَ لأنَّهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين، لأنَّهُمْ خَرَجُوا عن طاعةِ اللَّهِ. قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ} قد تقدَّم الخلافُ في "نَغْفِر" وأمَّا "خَطِيئَاتِكُمْ" فقرأها ابن عامر "خَطِيئَتُكُم" بالتَّوحيد، والرَّفع على ما لم يُسَمَّ فاعله، والفرض أنه يقرأ "تغفرْ" بالتَّاء من فوق. ونافع قرأ "خَطِيئَاتِكُم" بجمع السَّلامة، رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لأنَّهُ يقرأ "تُغْفرْ لكم" كقراءة ابن عامر. وأبو عمرو قرأ "خَطَايَاكُم" جمع تكسير، ويَقْرأ "نَغْفِرْ" بنون العظمة. والباقون "نَغْفِرْ" كأبي عمرو، "خَطِيئَاتِكُمْ" بجمع السَّلامة منصوباً بالكسرة على القاعدة. وفي سورة نوح قرأ أبو عمرو "خطاياهم" بالتكسير أيضاً، والباقون بجمع التصحيح. وقرأ ابنُ هرمز "تُغْفَرْ" بتاءٍ مضمومة مبيناً للمفعول، كنافع، "خَطَايَاكُم" كأبي عمرو، وعنه "يَغْفِرْ" بياء الغيبة، وعنه "تَغْفِر" بفتح التَّاءِ من فوق، على معنى أنَّ "الحِطَّة" سببٌ للغفران، فنسب الغفران إليها.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} منصوب بمضمر خوطب به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام وإيرادُ الفعلِ على البناء للمفعول مع استناده إليه تعالى ـ كما يفصِحُ عنه ما وقع في سورة البقرة من قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا} تفسير : [البقرة: 34, 58] للجري على سنن الكبرياء والإيذان بالغِنى عن التصريح به لتعين الفاعلِ، وتغيـيرُ النظمِ بالأمر بالذكر للتشديد في التوبـيخ أي اذكر لهم وقت قولِه تعالى لأسلافهم: {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} منصوب على المفعولية، يقال: سكنت الدارَ وقيل: على الظرفية اتساعاً، وهي بـيتُ المقدس وقيل: أريحا وهي قريةُ الجبارين وكان فيها قومٌ من بقية عادٍ يقال لهم: العمالقةُ (على) رأسهم عوجُ بنُ عنقٍ وفي قوله تعالى: {ٱسْكُنُواْ} إيذانٌ بأن المأمورَ به في سورة البقرة هو الدخولُ على وجه السُّكنى والإقامة، ولذلك اكتُفي به عن ذكر رغداً في قوله تعالى: {وَكُلُواْ مِنْهَا} أي من مطاعمها وثمارِها على أن من تبعيضيةٌ أو منها على أنها ابتدائية {حَيْثُ شِئْتُمْ} أي من نواحيها من غير أن يزاحمَكم فيها أحدٌ فإن الأكلَ المستمرَّ على هذا الوجه لا يكون إلا رغداً واسعاً، وعطفُ كلوا على اسكُنوا بالواو لمقارنتها زماناً بخلاف الدخولِ فأنه مقدمٌ على الأكل ولذلك قيل هناك: فكلوا {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتُنا أو أمرُك حِطةٌ لذنوبنا وهي فِعلة من الحَطّ كالجِلسة {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} أي بابَ القرية {سُجَّدًا} أي متطامنين مُخبتين أو ساجدين شكراً على إخراجهم من التيه، وتقديمُ الأمر بالدخول على الأمر بالقول المذكور في سورة البقرة غيرُ مُخلٍّ بهذا الترتيب لأن المأمورَبه هو الجمعُ بـين الفعلين من غير اعتبارِ الترتيبِ بـينهما ثم إن كان المرادُ بالقرية أريحاءَ فقد روي أنهم دخلوها حيث سار إليها موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيلَ أو بذراريهم على اختلاف الروايتين ففتحها كما مر في سورة المائدة، وأما إن كان بـيتَ المقدس فقد رُوي أنهم لم يدخُلوه في حياة موسى عليه السلام فقيل: المرادُ بالباب بابُ القُبة التي كانوا يصلّون إليها {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ} وقرىء خطاياكم كما في سورة البقرة، وتُغفَرْ لكم خطيئاتُكم وخطاياكم وخطيئتُكم على البناء للمفعول {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} عِدةٌ بشيئين بالمغفرة وبالزيادة، وطرحُ الواوا هٰهنا لا يُخِل بذلك لأنه استئنافٌ مترتبٌ على تقدير سؤال نشأ من الإخبار بالغفران كأنه قيل: فماذا لهم بعد الغفرانِ؟ فقيل: سنزيد وكذلك زيادةٌ منهم زيادةَ بـيان. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} بما أمروا به من التوبة والاستغفارِ حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعَه {قَوْلاً} آخرَ مما لا خيرَ فيه. روي أنهم دخلوه زاحفين على أستاههم وقالوا مكانَ حطةٌ: حنطةٌ وقيل: قالوا بالنبطية حطاً شمقاثاً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله تعالى واستهزاءً بموسى عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: {غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ} نعتٌ لقولاً، صرّح بالمغايرة مع دِلالة التبديلِ عليها قطعاً تحقيقاً للمخالفة وتنصيصاً على المغايرة من كل وجه {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} إثرَ ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير، وفي سورة البقرة {أية : عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : والمعنى واحدٌ والإرسالُ من فوق فيكون كالإنزال {رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء} عذاباً كائناً منها والمراد الطاعون. روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعةٌ وعشرون ألفاً {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} بسبب ظلمِهم المستمرِّ السابق واللاحقِ حسبما يفيده الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ لا بسبب التبديلِ فقط كما يُشعر به ترتيبُ الإرسالِ عليه بالفاء، والتصريحُ بهذا التعليل لما أن الحُكم هٰهنا مترتبٌ على المضمر دون الموصولِ بالظلم كما في سورة البقرة، وأما التعليلُ بالفسق بعد الإشعارِ بعلّية الظلمِ فقد مر وجهُه هناك والله تعالى أعلم.
القشيري
تفسير : يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود. وعما ألزمهم من التكليف، ولقَّاهم به من صنوف التعريف، وإكرامه من شاءَ منهم بالتوفيق والتصديق، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفاً، وأذاقهم من سوء الجزاء، حُكْماً - من الله - حتما، وقضاء جزماً.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قيل لهم} اى واذكر لهم يا محمد وقت قوله تعالى لاسلافهم {اسكنوا هذه القرية} منصوبة على المفعولية يقال سكنت الدار وقيل على الظرفية اتساعا وهى بيت المقدس او اريحاء وهى قرية الجبارين بقرب بيت المقدس وكان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة رأسهم عوج بن عنق {وكلوا منها} اى من مطاعمها وثمارها {حيث شئتم} اى من نواحيها من غير ان يزاحمكم فيها احد {وقولوا حطة} اى مسألتنا حطة ذنوبنا عنا فعلة من الحط كالردة من الرد. والحط وضع الشيء من اعلى الى اسفل والمراد هنا بالحط المغفرة وحط الذنوب {وادخلوا الباب} اى باب القرية {سجدا} منحنين متواضعين او ساجدين شكرا على اخراجهم من التيه. ثم ان كان المراد بالقرية اريحاء فقد روى انهم دخلوها حيث سار اليها موسى عليه السلام بمن بقى من بنى اسرائيل او بذرياتهم على اختلاف الروايتين ففتحهما كما مر فى سورة المائدة. وان كان بيت المقدس فقد روى انهم لم يدخلوه فى حياة موسى فقيل المراد بالباب باب القبة التى كانوا يصلون فيها كذا فى الارشاد {نغفر لكم خطيئاتكم} ما سلف من ذنوبكم باستغفاركم وخضوعكم {سنزيد المحسنين} استئناف بيانى كأنه قيل فما ذالهم بعد الغفران فقيل سنزيد المحسنين احسانا وثوابا فالمغفرة مسببة عن الامتثال والاثابة محض تفضل.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكروا {إذ قيلَ} لبني إسرائيل: {اسكنوا هذه القرية}؛ بيت المقدس، {وكُلوا منها حيث شئتم وقولوا}: أمرنا {حِطةٌ وادخلوا الباب سُجّدًا} سجود أنحناء، {نغفر لكم خطيئاتِكم} التي سلفت، {سنزيد المحسنين}؛ وعد بالغفران والزيادة عليه، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف، يعني: سنزيد، ولم يقل: وسنزيد؛ للدلالة على أنه تفضل محض، ليس في مقابلة ما أمروا به، {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم}؛ قالوا: حبة في شعرة، مكان حطة، لأنهم حملوا الحطة؛ على الحنطة. {فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون} قد مر تفسيره، وإشارته، في سورة البقرة. تنبيه: وقع اختلاف كثير في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة، في {انفجرت} و {انبجست}، وقوله: {وإذ قلنا ادخلوا} و {إذا قيل لهم اسكنوا}، وقوله هنا: {وكُلُوا}، وهناك {فكُلُوا}. فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين، إذا لم يكن هناك تناقض. ووجّه بعضهم الفرق بأن ما في هذه السورة سيق في محل الغضب والعقاب على عبادة العجل، وما في سورة البقرة سيق في محل الامتنان، فلذلك عبَّر هنا بانبجست؛ لأنه أقل من انفجرت، وعبَّر هنا بقيل؛ مبنيًا للمجهول؛ تحقيرًا لهم أن يذكر نفسه لهم، وعبَّر هنا بالسكنى؛ لأنه أشق من الدخول ويستلزمه، وعبَّر هنا بالواو؛ لأن السكنى تجامع الأكل، بخلاف الدخول، فإن الأكل مسبب عنه، فعبَّر بالفاء، وزاد في البقرة الواو في: {سنزيد}، كأنه نعمة أخرى، بخلاف هذا، وزاد هنا {منهم}؛ لتقدم ذكرهم في قوله: {وإذ قيل لهم}، وعبّر هنا بالظلم؛ لأنه أعم من الفسق وغيره. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتداءهم في السبت وما ترتب عليه، فقال: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب {يغفر} بالياء وضمها، وفتح الفاء الباقون بالنون وكسر الفاء، وقرأ اهل المدينة ويعقوب {خطيئاتكم} على جمع السلامة ورفع التاء، وقرأ ابن عامر على التوحيد ورفع التاء، وقرأ ابو عمرو {خطاياكم} بغير همز على جمع التكسير، الباقون وهم ابن كثير واهل الكوفة {خطيآتكم}على جمع السلامة وكسر التاء. من قرأ {يغفر} حمله على قوله تعالى {وإذ قيل لهم} ادخلوا... يغفر، والتي في البقرة {نغفر} بالنون، فالنون هناك احسن لقوله {وإذ قلنا} وجاز ها هنا بالنون كأنه قيل لهم ادخلوا... نغفر. أي إن دخلتم غفرنا. ومن قرأ تغفر بالتاء المضمومة فلانه اسند اليها خطيئاتكم وهو مؤنث فأنث وبنى الفعل للمفعول اشبه بما قبله، لان قبله واذ قيل. ومن قرأ بالنون فلقوله {سنزيد المحسنين}. وخطايا جمع خطيئة جمع تكسير {وخطياتكم} مسكناً لأنه يكثر فيه السكون وسميت القرية قرية لأن الماء يقري اليها يقال قريت الماء في الحوض أقريه قرياً إذا جمعته. ويجوز ان يكون مشتقاً من اجتماع الناس اليها. وقد مضى تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى لاعادته. وإنما نذكر جمل ذلك فنقول: هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول اذكر يا محمد اذ قيل لبني اسرائيل اسكنوا هذه القرية وهي بيت المقدس على قول الجبائي وغيره من المفسرين. وقال الحسين هي ارض الشام. وقال قوم غير ذلك. وقد ذكرنا اختلافهم في سورة البقرة لأنه كان امرهم بدخولها واخراج من فيها من الكفار وغيرهم ووعدهم ان يوسع عليهم فيها الزرق ويبيحهم ذلك ليأكلوا من حيث شاؤا ما يريدون من انواع الاغذية والرزق. وقال لهم: {كلوا من حيث شئتم} على كثرة الرزق والغذاء في هذه القرية وفي كل ناحية منها. وقوله تعالى: {وادخلوا الباب سجداً} يعني متواضعين وكانوا امروا بأن يدخلوا باباً منه معينا في هذا الموضع كانوا فيه - في قول الجبائي - وقال ذلك قبل دخلوهم إلى بيت المقدس، قال ولم يرد ان يدخلوا الباب سجداً منحنين. قال ابن عباس كان هناك باب ضيق امروا بان يدخلوه ركعاً فدخلوه على استاههم. وقيل لهم {قولوا حطة} أي مغفرة، فقالوا حنطة. وذكرنا اختلاف الناس في ذلك. وقوله {وقولوا حطة} معناه قولوا حط عنا ذنوبنا وهو بمنزلة الاستغفار والتوبة. وقوله {نغفر لكم خطاياكم} جواب الأمر وفيه معنى الجزاء. والتقدير انكم ان فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم. وقوله {سنزيد المحسنين} معناه سنزيد المحسنين منكم نعماً وفضلا في الدنيا والاخرة، ولا نقتصر لهم على نعم هذه القرية. ورفع حطة على تقدير مسألتنا حطة ومطلوبنا حطة. وان نصب جاز بمعنى حط عنا حطة. وقوله سجداً نصب على الحال من دخول الباب. وقال ابو علي ليس بحال لدخول الباب، لانهم بدلوا في حياة موسى.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ} قال بعضهم: بيت المقدس {وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ} قد فسّرناه في سورة البقرة. قال: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}. وقد فسرناه في سورة البقرة. قوله: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ} ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر يقال لها أيلة. فكان إذا كان السبت أقبلت الحيتان فتنبطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمن الله في الماء. فإذا كان غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فخدعهم الشيطان فقال: إنما نهيتم عن أكله ولم تنهوا عن صيده. فاصطادوها يوم السبت، ثم أكلوها بعد ذلك. وقال الكلبي: هي أيلة، وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، تأتيهم منها [حتى لا يروا الماء وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت] كما تأتيهم في ذلك الشهر. قال: وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وذلك في زمان داود عليه السلام. وقال الكلبي: فإذا جاء السبت لم يمسوا منها شيئاً. فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فأكثروا منها، وملّحوا وباعوا؛ ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: إنا نرى السبت قد حلّ وذهبت حرمته؛ إنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى، ثم استنَّ الأبناء سنة الآباء، وكانوا يخافون العقوبة، ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء. فعملوا بذلك سنين، حتى أثروا منه، وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا: يا قوم، إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيّكم، فانتهوا عن هذا العمل الرديء قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته. قالوا: فلمَ تعظوننا إذ علمتم أن الله مهلكنا، والله لقد عملنا هذا العمل منذ سنين، فما زادنا الله به إلا خيراً؛ وإن أطعتمونا لتفعلن مثل الذي فعلنا؛ فإنما حرم هذا على من قبلنا، وهم الذين نهوا عنه. قالوا: ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله، فإنه كأن قد نزل بكم. قالوا: فـ {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}. قالوا: معذرة إلى ربكم؛ إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر، أو تهلكوا فننجو من معصيتكم. فأنزل الله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ}، أي شديد، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. فأصبح الذين استحلّوا السبت قردة خاسئين. وقال بعضهم: إنهم صاروا ثلاث فرق: فرقة اجترأت على المعصية، وفرقة نهت، وفرقة كفّت فلم تصنع ما صنعوا ولم تنههم؛ فقالوا للذين نهوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، قالوا معذرة إلى ربكم. ولعلهم يتقون. قوله: {إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} أي يعتدون في السبت، وهو من الاعتداء {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} قال الحسن: إن الله حرم عليهم أخذ الحيتان يوم السبت بخطيئة كانت منهم، وأحل لهم الأيام كلها إلا يوم السبت. فإذا كان يوم السبت أتتهم على أبوابهم فتنبطح وتشرع. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي في غير يوم السبت {لاَ تَأْتِيهِمْ}. قال الله: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} أي نبتليهم {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. أي بما تعدوا وأخذوا في السبت.
اطفيش
تفسير : {وإذ} واذكر فى نفسك أو لقومك إذ {قِيلَ لَهم} لبنى إسرائيل حين خرجوا من التيه {اسْكنُوا هذِه القَريةَ} قرية بيت المقدس، وقيل: أريحاء، وقال فى البقرة: {ادخلوا} والمراد ادخلوها للسكون ولا سكون إلا بعد دخول فالمعنى واحد {وكلُوا} وقال فى البقرة: {فكلوا} بالفاء، وقال: {رغدا} لأنه ذكر فيها الدخول، وداخل البلد من صحراء يكون أحوج إلى الطعام يعاجله متصلا بالدخول وهو الذلة، كما تدل لفظة رغدا بخلاف الساكن فيها، ولذا قاله هنا بالواو لذكر السكون مراعاة للفظ، وترك الرغد لا يناقض إثباته أو لما أفادت الفاء هنالك تسبب سكناها للأكل منها، اكتفى عن ذكر ذلك هنا، أو اكتفى بدلالة الحال. {منْها حَيثُ شِئْتُم} ليس موضع منها محجورا عليكم طعامه، ولا محجورا عليكم الأكل فيه من ثمار وحبوب وغيرها {وقُولُوا} أخره فى البقرة عن ادخلوا، ومجرد تقديمه هنا لا يفيد تقدمه فى الوجود، ومجرد تأخيره هنالك لا يفيد تأخير وجوده، وإنما يستفاد ذلك من خارج، والواو لا تفيد الترتيب، أو فعل ذلك إيذانا بأنه سواء قدموا أو أخروا {حِطَّةٌ} خبر لمحذوف، أى مسألتنا أو طلبتنا، أو أمرك حطة، أى محو الذنوب عنا، أو أمرنا حطة أى إقامة فى القرية، وقرأ الحسن بالنصب على المفعولية المطلقة، أى حط عنَّا ذنوبنا حطة فمقول القول مجموع المحذوف والمذكور، أو على المفعولية للقول، أى قولوا هذه اللفظة أى اذكروها مريدين بها حط الذنوب، فهى هنا مفعول به للقول، وفى كلامهم إذا نطقوا بها مفعول مطلق، هذا ما ظهر لى فى تحقيق المقام، ويجوز أن يكون مفعولا به على معنى اذكر لفظة تكون محوا لذنوبكم مثل: لا إله إلا الله هو، فانظر سورة البقرة. {وادْخُلوا البابَ سُجَّداً} أى سجود انحناء حتى تستطيعوا الدخول من الباب {نَغْفر لكُم} بسبب دعائكم {خَطِيئاتكُم} وقرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، و الكسائى: نغفر بالنون مفتوحة وكسر الفاء لكم خطيئاتكم بالياء والهمزة وكسر التاء، وقرأ ابن عمرو: نغفر بالنون كذلك لكم خطاياكم كالقضايا والوصايا، وهى قراءة الحسن والأعمش، وقيل: قراءة أبى عمرو وهى كقراءة نافع ويعقوب بالتاء والبناء للمفعول، وجمع السلامة المؤنث، ورفع تاءه وهى رواية محبوب عنه، وكذا قرأ ابن عامر، لكنه أفرد ولم يجمع، قال أبو حاتم: وقرأ الأعرج بالتاء مفتوحة، وكسر الفاء، ونصب خطيئاتكم بالكسرة إلا أن فى تغفر ضمير الحطة إذ هى سبب الغفران. {سَنزيدُ المحْسِنينَ} نعما فى الدنيا والآخرة، ولم يقرن سنزيد بالواو ليدل على أنه تفضل محض، ليس جزاء مقابلا لما أمروا به، قيل: هو جواب سؤال، كأنه قيل: وماذا بعد الغفران فقيل: سنزيد المحسنين، وقرنه بالواو وفى البقرة لا ينافى ذلك، ولا يدل عليه بل يحتمله.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قِيل لَهُمْ} واذكر يا محمد وقت قيل إِلخ.. لأَجل الواقع فيه من مقولهم لأَسلافهم بعد خروجهم من التيه، أَو اذكر واقعة إِذ قيل على تصرف إِذ بإِضافة واقعة إِليه، أَو اذكر الواقع إِذ قيل، أَى قال الله لهم، أَو قال لهم يوشع، أَو قال موسى قبل الخروج {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} هى أَريحا قرية الجبارين العمالقة بقية عاد، رئيسهم عوج بن عنق، أَو المقدس، وهذه ظرف أو مفعول به، والإِشارة لقرب القرية إِليهم، والدخول فى سورة البقرة لأَجل السكنى المذكور هنا، وسميت القرية قرية لاجتماع الناس، والمقراة حوض يجمع فيه الماء، وقرية النمل لاجتماعه فيها، أَو شبه مجتمعها بقرية الناس {وَكُلُوا مِنْهَا} من ثمارها ومطاعمها، فمن للتبعيض، أَو خذوا منها إِذا سكنتموها فمن للابتداءَ أَفاد من الحال أَن الأَكل منها مسبب لسكناها، وأَفاده فى سورة البقرة من الفاءِ، وأَيضا ما فى سورة البقرة دليل لما هنا {حَيْثُ شِئْتُمْ} لا يزاحمكم أَحد فيها {وَقُولُوا حِطَّةٌ} مسأَلتنا أَو مطلوبنا حطة، أَى أَن تحط عنا ذنوبنا، أَى تغفرها، أَو أَمرك أَو شأنك حطة، أَو مطلوبنا أَن نحط فى هذه القرية أَى نقيم بها، وإِنما أَصابهم التيه لامتناعهم عن قتال الجبارين، وقولهم: فاذهب أَنت وربك فقاتلا إِنا ها هنا قاعدون. {وَادْخُلُوا البَابَ} باب القرية {سُجَّدًا} سجود انحناء كهيئة الراكع {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ} بقول الحطة والسجود {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ثوابا لا يكتنه لإِحسانهم بطاعتهم وهو تفضل محض ليس فى مقابلة ما أُمروا به ولو بنى على الإِحسان، ولذلك لم يعطف بل استؤنف به، ومقتضى الظاهر سنزيدكم، والمراد من لم يبدل قولا قيل لهم، أَو ذلك وعد مشروط على الوفاءِ بالإِحسان، فلم يتم لهم لتبديلهم، أَو المراد مطلق المحسن، والأَول أَظهر وأَنسب بقوله.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} معمول لا ذكر، وإيراد الفعل هنا مبنياً للمفعول جرياً على سنن الكبرياء مع الإيذان بأن الفاعل غني عن التصريح أي اذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} القريبة منكم وهي بيت المقدس أو أريحاء، والنصب مبني على المفعولية كسكنت الدار أو على الظرفية اتساعاً والتعبير بالسكنى هنا للإيذان بأن المأمور به في البقرة [85] الدخول بقصد الإقامة أي أقيموا في هذه القرية {وَكُلُواْ مِنْهَا} أي مطاعمها وثمارها أو منها نفسها على أن من تبعيضية أو ابتدائية {حَيْثُ شِئْتُمْ} أي من نواحيها من غير أن يزاحمكم أحد؛ وجيء بالواو هنا وبالفاء في البقرة [58] لأنه قيل هناك {ٱدْخُلُواْ} فحسن ذكر التعقيب معه وهنا {ٱسْكُنُواْ} والسكنى أمر ممتد والأكل معه لا بعده، وقيل: إنه إذا تفرع المسبب عن السبب اجتمعا في الوجود فيصح الإتيان بالواو والفاء، وفيه أن هذا إنما يدل على صحة العبارتين وليس السؤال عن ذلك، وذكر {أية : رَغَدًا } تفسير : [البقرة: 58] هناك لأن الأكل في أول الدخول يكون ألذ وبعد السكنى واعتباره لا يكون كذلك / وقيل: إنه اكتفى بالتعبير باسكنوا عن ذكره لأن الأكل المستمر من غير مزاحم لا يكون إلا رغداً واسعاً، وإلى الأول ذهب صاحب «اللباب»، ويرد على القولين أنه ذكر {أية : رَغَدًا }تفسير : [البقرة: 35] مع الأمر بالسكنى في قصة آدم عليه السلام، ولعل الأمر في ذلك سهل. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا} مر الكلام فيه في البقرة [58] غير أن ما فيها عكس ما هنا في التقديم والتأخير ولا ضير في ذلك لأن المأمور به هو الجمع بين الأمرين من غير اعتبار الترتيب بينهما، وقال القطب: فائدة الاختلاف التنبيه على حسن تقديم كل من المذكورين على الآخر لأنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى وإظهار الخشوع والخضوع لم يتفاوت الحال في التقديم والتأخير {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَٰتِكُمْ} جزم في جواب الأمر. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب {تغفر} بالتاء والبناء للمفعول و {خطيآتكم} بالرفع والجمع غير ابن عامر فإنه وحد، وقرأ أبو عمرو {خطاياكم} كما في سورة البقرة [58]، وبين القطب فائدة الاختلاف بين ما هناك وبين ما هنا على القراءة المشهورة بأنها الإشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهي مغفور بعد الإتيان بالمأمور به، وطرح الواو هنا من قوله سبحانه وتعالى: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} إشارة إلى أن هذه الزيادة تفضل محض ليس في مقابلة ما أمروا به كما قيل والمراد أن امتثالهم جازاه الله تعالى بالغفران وزاد عليه وتلك الزيادة فضل محض منه تعالى فقد يدخل في الجزاء صورة لترتبه على فعلهم وقد يخرج عنه لأن زيادة على ما استحقوه، ولذا قرن بالسين الدالة على أنه وعد وتفضل، ومفعول نزيد محذوف أي ثواباً وزيادة منهم في قوله تعالى شأنه: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ..}.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية أيضاً نظير ما في سورة البقرة إلاّ أنه عبر في هذه الآية بقوله: {اسكنوا} وفي سورة البقرة (58) بقوله: {أية : ادخلوا}تفسير : لأن القولين قيلا لهم، أي قيل لهم: ادخلوا واسكنوها ففُرّق ذلك على القصتين على عادة القرآن في تغيير أسلوب القصص استجداداً لنشاط السامع. وكذلك اختلاف التعبير في قوله هنا: {وكلوا} وقوله في سورة البقرة (58) {أية : فكلوا} تفسير : فإنه قد قيل لهم بما يرادف فاء التعقيب، كما جاء في سورة البقرة، لأن التعقيب معنى زائِد على مطلق الجمع الذي تفيده واو العطف، واقتصر هنا على حكاية أنه قيل لهم، وكانت آية البقرة أولى بحكاية ما دلت عليه فاء التعقيب، لأن آية البقرة سيقت مساق التوبيخ فناسبها ما هو أدل على المنة، وهو تعجيل الانتفاع بخيرات القرية، وآيات الأعراف سيقت لمجرد العبرة بقصة بني إسرائيل. ولأجل هذا الاختلاف مُيزت آية البقرة بإعادة الموصول وصلته في قوله: {أية : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً} تفسير : [البقرة: 59] وعوض عنه هنا بضمير الذين ظلموا، لأن القصد في آية البقرة بيان سبب إنزال العذاب عليهم مرتين أشير إلى أولاهما بما يومىء إليه الموصول من علة الحكم، وإلى الثانية بحرف السببية، واقتصر هنا على الثاني. وقد وقع في سورة البقرة (59) لفظ {أية : فأنزلنا} تفسير : ووقع هنا لفظ {فأرسلنا} ولما قيد كلاهما بقوله: {من السماء} كان مفادهما واحداً، فالاختلاف لمجرد التفنن بين القصتين. وعبر هنا {بما كانوا يظلمون} وفي البقرة (59) {أية : بما كانوا يفسقون}تفسير : لأنه لما اقتضى الحال في القصتين تأكيدَ وصفهم بالظلم وأدي ذلك في البقرة (59) بقوله: {أية : فأنزلنا على الذين ظلموا}،تفسير : استثقلت إعادة لفظ الظلم هنالك ثالثة، فعُدل عنه إلى ما يفيد مفاده، وهو الفسق، وهو أيضاً أعم، فهو أنسب بتذييل التوبيخ، وجيء هنا بلفظ {يظلمون} لئلا يفوت تسجيل الظلم عليهم مرة ثالثة، فكان تذييل آية البقرة أنسب بالتغليط في ذمهم، لأن مقام التوبيخ يقتضيه. ووقع في هذه الآية {فبدل الذين ظلموا منهم} ولم يقع لفظ {منهم} في سورة البقرة، ووجه زيادتها هنا التصريحُ بأن تبديل القول لم يصدر من جميعهم، وأجمل ذلك في سورة البقرة لأن آية البقرة لما سيقت مساق التوبيخ ناسب إرهابهم بما يوهم أن الذين فعلوا ذلك هم جميع القوم، لأن تبعات بعض القبيلة تحمل على جماعتها. وقدم في سورة البقرة (58) قوله: {أية : وادخلوا الباب سجداً } تفسير : على قوله: {أية : وقولوا حطة} تفسير : [البقرة: 58] وعُكس هنا وهو اختلاف في الإخبار لمجرد التفنن، فإن كلا القولين واقع قُدّم أو أُخّر. وذكر في البقرة (58): {أية : فكلوا منها حيث شئتم رَغَداً} تفسير : ولم يذكر وصف رغداً هنا، وإنما حكي في سورة البقرة، لأن زيادة المنة أدخل في تقوية التوبيخ. وجملة {سنزيد المحسنين} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن قوله: {تُغفرْ لكم} في مقام الامتنان بإعطاء نعم كثيرة مما يثير سؤال سائِل يقول: وهل الغفران هو قصارىَ جزائِهم؟ فأجيب بأن بعده زيادة الأجر على الإحسان، أي على الامتثال. وفي نظير هذه الآية من سورة البقرة (58) ذكرت جملة {أية : وسنزيد المحسنين} تفسير : معطوفة بالواو على تقدير: قلنا لهم ذلك وقلنا لهم سنزيد المحسنين، فالواو هنالك لحكاية الأقوال، فهي من الحكاية لا من المحكي أي قلنا وقلنا سنزيد. وقرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب {تُغفر} ــــ بمثناة فوقية مبنياً للمجهول، و{خطيئاتُكم} ــــ بصيغة جمع السلامة للمؤنث ــــ وقرأه ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: {نَغْفر} ــــ بالنون مبنياً للفاعل ــــ و{خطيئاتِكم} ــــ بصيغة جمع المؤنث السالم أيضاً ــــ وقرأه أبو عمرو {نغفر} ــــ بالنون و{خطاياكم} ــــ بصيغة جمع التكسير، مثل آية البقرة، وقرأ ابن عامر: {تُغفر} ــــ بالفوقية ــــ وخطيئتكم ــــ بالإفراد. والاختلاف بينها وبين آية البقرة في قراءة نافع ومن وافقه: تفنن في حكاية القصة.
القطان
تفسير : تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة الآية رقم (59) والآية رقم (60) وهناك بعض الفروق: (1) قال هنا: "اسكُنوا القريةَ" وفي سورة البقرة قال "ادخُلوا" (2) وقال هنا: "وكُلوا منها حيثُ شئتم" وفي سورة البقرة قال: "فكُلوا من حيث شئتم رغَدا" (3) وقال هنا: "وقولوا حِطّة وادخلوا الباب سُجَّدا" وقال في سورة البقرة "وادخلوا البابَ سجَّدا وقولوا حِطّة" (4) وقال هنا: "سنزيد المحسِنين" وقال في سورة البقرة: "وسنزيد المحسنين" بالعطف والمعنى واحد (5) وقال هنا: "فبدَّلَ الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قِيلَ لهم" فزاد هنا لفظة منهم، وقال في سورة البقرة: "فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم" (6) وقال هنا: "فأرسلْناعليهم رِجْزاً من السماء بما كانوا يظلمون"، وقال في سورة البقرة "وأنزلنا على الّذين ظلموا رِجزاً من السماء بما كانوا يفسقون". والفرق بين الإرسال والانزال فرقٌ لفظيّ. وكذلك بين (عليهم) و (على الذين ظلموا)، ومثله (يظلمون) و (يفسقون).
د. أسعد حومد
تفسير : {خَطِيۤئَاتِكُمْ} (161) - وَبَعْدَ أنْ أَسْكَنَهُمْ رَبُّهُمُ البَلَدَ الذِي دَخَلُوهُ بَعْدَ أنِ انْتَصَروا عَلَى العَمَالِيقِ، أمَرَهُمْ رَبُّهُمْ بِشُكْرِهِ، وَبِدُخُولِ البَابِ (أَيْ بَابِ البَلَدِ) سُجَّداً شُكْراً للهِ، وَبِأنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ - (أَيْ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا) - لِيَسْتَجِيبَ اللهُ إلى دُعَائِهِمْ، فَيَغْفِرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَيَزِيدَ الحَسَنَاتِ لِمُحْسِنِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه القصة مذكورة أيضاً في سورة البقرة، ونعرف أن قوله سبحانه: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ}، ولم يذكر الحق من القائل؛ لأن طبيعة الأمر في الأسباط أنه سبحانه جعل لكل سبط منهم عيناً يشرب منها، وكل سبط له نقيب، وهذا دليل على أنهم لا يأتلفون؛ فلا يكون القول من واحد إلى الجميع، بل يصدر القول من المشرع الأعلى وهو الحق إلى الرسول، والرسول يقول للنقباء، والنقباء يقولون للناس. وبعد أن تلقى موسى القول أبلغه للنقباء، والنقباء قالوه للأسباط، وفي آية أخرى قال الحق: {وَإِذْ قُلْنَا}. وهذا القول الأول وضعنا أمام لقطة توضح أن المصدر الأصيل في القول هو الله، ولأنهم أسباط ولكل سبط مشرب؛ لذلك يوضح هنا أنه أوحى لموسى. وساعة ما تسمع "وإذ" فاعلم أن المراد اذكر حين قيل لهم اسكنوا هذه القرية، لقد قيل إن هذه القرية هي بيت المقدس أو أريحا، لكنهم قالوا: لن ندخلها أبداً لأن فيها قوماً جبارين وأضافوا: {أية : ...فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] والحق لا يبين لنا القرية في هذه الآية؛ لأن هذا أمر غير مهم، بل جاء بالمسألة المهمة التي لها وزنها وخطرها وهي تنفيذ الأمر على أي مكان يكون: {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا}. ويوضح الحق: أنا تكفلت بكم فيها كما تكفلت بكم في التيه من تظليل غمام، وتفجير ماء غماما، وتفجير ماء من صخر، ومَنّ وسلوى. وحين أقول لكم ادخلوا القرية واسكنوها فلن أتخلى عنكم: {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ}. وقديماً كان لكل قرية باب؛ لذلك يتابع سبحانه: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}. والحطة تعني الدعاء بأن يقولوا: يا رب حط عنا ذنوبنا فنحن قد استجبنا لأمرك وجئنا إلى القرية التي أمرتنا أن نسكنها، وكان عليهم أن يدخلوها ساجدين؛ لأن الله قد أنجاهم من التيه بعد أن أنعم عليهم ورفّههم فيه. وإذا ما فعلوا ذلك سيكون لهم الثواب وهو: {... نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 161] وسبحانه يغفر مرة ثم يكتب حسنة، أي سلب مضرة، وجلب منفعة، لكن هناك في سورة البقرة قد جاء النص التالي: {أية : وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [البقرة: 58] فالكيان العام واحد ونجد خلافاً في الألفاظ واللقطات عن الآية التي وردت في سورة الأعراف. أول خلاف {وَإِذْ قُلْنَا}، و{وَإِذْ قِيلَ}، وشاء الحق ذلك ليأتي لنا بلقطة مختلفة كنا أوضحنا من قبل. ففي آية سورة البقرة يقول سبحانه: {ٱدْخُلُواْ} وفي آية سورة الأعراف يقول: {ٱسْكُنُواْ}، ونعلم أن الدخول يكون لغاية وهي السكن أي ادخلوا لتسكنوا، وأوضح ذلك بقوله في سورة الأعراف: {ٱسْكُنُواْ} ليبين أن دخولهم ليس للمرور بل للإِقامة. وأراد سبحانه أن يعطيهم الغاية النهائية؛ لأنه لا يسكن أحد في القرية إلا إذا دخلها. وهكذا نرى أن كلمات القرآن لا تأتي لتكرار، بل للتأسيس وللإِتيان بمعنى جديد يوضح ويبين ويشرح. ويقول الحق هنا في سورة الأعراف: {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ}. وفي آية سورة البقرة يقول: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}. وحين أمرهم الله بالدخول وكانوا جوعى أمرهم الحق أن يأكلوا، على الفور والتوّ بتوسع، لذلك أتى بكلمة "رغداً" لأن حاجتهم إلى الطعام شديدة وملحة، لكنه بعد أن أمرهم بالسكن أوضح لهم أن يأكلوا؛ لأن السكن يحقق الاستقرار ويتيح للإِنسان أن يأكل براحة وتأن. وقال الحق هنا في سورة الأعراف: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}. أي أنه قدم قولهم "حطة" على السجود، وفي آية سورة البقرة قدم السجود فقال: {أية : وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ...} تفسير : [البقرة: 58] جاء الحق بهذا الاختلاف لأنه علم أن انفعالات السامعين تختلف ساعة الدخول، فهناك من ينفعل للقول، فيقول أول دخوله ما أمر به من طلب الحطة وغفران الذنب من الله، وهناك آخر ينفعل للفعل فيسجد من فور الدخول تنفيذاً لأمر الله. وأيضاً قال الحق هنا في سورة الأعراف: {... نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 161] وفي سورة البقرة يقول: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}. ونعلم أن صيغة الجمع تختلف؛ فهناك "جمع تكسير" وجمع تأنيث، ففي جمع التكسير نغير من ترتيب حروف الكلمة، مثل قولنا "قفل" فنقول في جمعها "أقفال". أما في جمع التأنيث فنحن نزيد على الكلمة ألفاً وتاء بعد حذف ما قد يوجد في المفرد من علامة تأنيث، مثل قولنا "فاطمة"، و"فاطمات"، و"أكلة"، و"أكلات" وهذا جمع مؤنث سالم، أي ترتيب حروفه لم يتغير، وجمع المؤنث السالم يدل على القلة. لكن جمع التكسير يدل على الكثرة فجاء- سبحانه- بجمع المؤنث السالم الذي يدل على القلة وبجمع التكسير الذي يدل على الكثرة لاختلاف درجات ونسب الخطايا؛ لأن المخاطبين غير متساوين في الخطايا، فهناك من ارتكب أخطاء كثيرة، وهناك من أخطأ قليلاً. والاختلاف حدث أيضاً في عجز الآيتين، فقال في سورة البقرة: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وجاء عجز سورة الأعراف بدون "واو" فقال: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}. وقد عودنا ودعانا الحق إلى أن نقول: اغفر لنا وأنت خير الغافرين، وارحمنا وأنت خير الراحمين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة. وهنا يوضح سبحانه: أنا لن أكتفي بأن أغفر لكم وأن أرفع عنكم الخطايا. لكني سأزيدكم حسناً، وفي هذا سلب للضرر وجلب للنفع. كأن الله حينما قال: "خطاياكم" بجمع التكسير الذي ينبئ ويدل على كثرة الذنوب والخطايا و"خطيآتكم" التي تدل على القلة انشغلوا وتساءلوا: وماذا بعد الغفران يا رب فقيل؟ لهم: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} هل يغفر لنا فقط، أو أنه سيجازينا بالحسنات أيضاً؟ وكانت إجابة الله أنه سيغفر لهم ويزيدهم ويمدهم بالحسنات. وقد عقدنا هذه المقارنة المفصلة بين آية سورة البقرة وآية سورة الأعراف لنعرف أن الآيات لا تتصادم مع بعضها البعض، بل تتكامل مصداقاً لقول الحق: {أية : ...وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] ويقول الحق بعد ذلك: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...}
الجيلاني
تفسير : {وَ} من جملة ظلمهم على نفوسهم: إنهم {إِذْ قِيلَ لَهُمُ} وأوصي إليهم إصلاحاً لحالهم: {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أي: بيت المقدس {وَكُلُواْ مِنْهَا} أي: من مأكولاتها المتسعة {حَيْثُ شِئْتُمْ} بلا موافقة ومنع {وَقُولُواْ} متضرعين إلينا، متوجهين نحونا: {حِطَّةٌ} أي: سؤالنا منك يا مولانا: حط ما صدر عنا من الآثام وجرى علينا من المعاصي {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} سجداً؛ أي: باب بيت المقدس {سُجَّداً} متذللين واضعين جباهكم على تراب المذلة والهوان؛ تأديباً وتعظيماً {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ} أي: جميعها إن امتثلتهم ما أمرناكم بها؛ بل {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 161] منكم بالرضوان الأكبر منَّا. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} أنفسهم بالخروج عمَّا أمرناهم {قَوْلاً} صداقاً صواباً قلنا لهم؛ لإصلح حالهم {غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} على لسان رسلنا، بل حرفوها لفظاً ومعنى، كما مر بيانه في سورة البقرة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ} بسبب تبديلهم وتحريفهم {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عذاباً نازلاً من جانب السماء {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 162] أي: بشؤم خروجهم عن مقتضى أوامرنا وأحكامنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):