Verse. 1114 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَقَطَّعْنٰہُمُ اثْنَـتَيْ عَشْرَۃَ اَسْـبَاطًا اُمَمًا۝۰ۭ وَاَوْحَيْنَاۗ اِلٰي مُوْسٰۗي اِذِ اسْتَسْقٰىہُ قَوْمُہٗۗ اَنِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ۝۰ۚ فَانْۢبَجَسَتْ مِنْہُ اثْنَتَا عَشْرَۃَ عَيْنًا۝۰ۭ قَدْ عَلِمَ كُلُّ اُنَاسٍ مَّشْرَبَہُمْ۝۰ۭ وَظَلَّلْنَا عَلَيْہِمُ الْغَمَامَ وَاَنْزَلْنَا عَلَيْہِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوٰى۝۰ۭ كُلُوْا مِنْ طَيِّبٰتِ مَا رَزَقْنٰكُمْ۝۰ۭ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلٰكِنْ كَانُوْۗا اَنْفُسَہُمْ يَظْلِمُوْنَ۝۱۶۰
WaqattaAAnahumu ithnatay AAashrata asbatan omaman waawhayna ila moosa ithi istasqahu qawmuhu ani idrib biAAasaka alhajara fainbajasat minhu ithnata AAashrata AAaynan qad AAalima kullu onasin mashrabahum wathallalna AAalayhimu alghamama waanzalna AAalayhimu almanna waalssalwa kuloo min tayyibati ma razaqnakum wama thalamoona walakin kanoo anfusahum yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقَطَّعناهم» فّرَّقنا بني إسرائيل «اثنتي عشرة» حال «أسباطا» بدل منه، أي قبائل «أمما» بدل مما قبله «وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه» في التيه «أن اضرب بعصاك الحجر» فضربه «فانبجست» انفجرت «منه اثنتا عشرة عينا» بعدد الأسباط «قد علم كل أُناس» سبط منهم «مشربهم وظللنا عليهم الغمام» في التيه من حر الشمس «وأنزلنا عليهم المن والسلوى» هما الترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر وقلنا لهم «كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون».

160

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل: أحدهما: أنه تعالى جعلهم اثني عشر سبطاً، وقد تقدم هذا في سورة البقرة، و المراد أنه تعالى فرق بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلاً من أولاد يعقوب، فميزهم وفعل بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع فيهم الهرج والمرج. وقوله: {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ } أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض وقرىء {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ } بالتخفيف وههنا سؤالان: السؤال الأول: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعاً، وهلا قيل: اثني عشر سبطاً؟ والجواب: المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة. السؤال الثاني: قال: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا } مع أن السبط مذكر لا مؤنث. الجواب قال الفراء: إنما قال ذلك، لأنه تعالى ذكر بعده {أُمَمًا } فذهب التأنيث إلى الأمم. ثم قال: ولو قال: اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزاً. وقال الزجاج: المعنى {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ } فرقة {أَسْبَاطًا } فقوله: {أَسْبَاطًا } نعت لموصوف محذوف، وهو الفرقة. وقال أبو علي الفارسي: ليس قوله: {أَسْبَاطًا } تمييزاً، ولكنه بدل من قوله: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ }. وأما قوله: {أُمَمًا } قال صاحب «الكشاف»: هو بدل من {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ } بمعنى: وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف. وقرىء {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ } بكسر الشين. النوع الثاني: من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } وهذه القصة أيضاً قد تقدم ذكرها في سورة البقرة. قال الحسن: ما كان إلا حجراً اعترضه وإلا عصاً أخذها. واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر. وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة، وقوله: {فَٱنبَجَسَتْ } قال الواحدي: فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره. يقال: بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر، هذا قول أهل اللغة، ثم قال: والانبجاس والانفجار سواء، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، وطريق الجمع: أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً، ثم صار كثيراً، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم، ذكر ثانياً أنه ظلل الغمام عليهم، وثالثا: أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس. ثم قال: {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } والمراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره. ثم قال تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا } وفيه حذف، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبَّه بقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} عدّد نعمه على بني إسرائيل، وجعلهم أسباطاً ليكون أمر كل سبط معروفاً من جهة رئيسهم؛ فيخف الأمر على موسىٰ. وفي التنزيل: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}تفسير : [المائدة: 12] وقد تقدّم. وقوله: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ} والسبط مذكر لأن بعده «أُمَماً» فذهب التأنيث إلى الأمم. ولو قال: ٱثني عشر لتذكير السبط جاز؛ عن الفرّاء. وقيل: أراد بالأسباط القبائل والفِرق؛ فلذلك أنث العدد. قال الشاعرشعر : وإن قريشاً كلها عشرُ أبْطُن وأنت بريء من قبائلها العَشْر تفسير : فذهب بالبَطْن إلى القَبِيلة والفَصيلة؛ فلذلك أنثها. والبطن مذكّر، كما أن الأسباط جمع مَذكّر. الزجاج: المعنى قطعناهم ٱثنتي عشرة فرقة. {أَسْبَاطاً} بدل من اثنتي عشرة {أُمَماً} نعتٌ للأسباط. وروى المفضّل عن عاصم. «وقَطَّعْنَاهم» مخففاً. «أَسْبَاطاً» الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام. والأسباط مأخوذ من السبط وهو شجر تعلفه الإبل. وقد مضىٰ في «البقرة» مستوفىٰ. وروى مَعْمَر عن همّام بن مُنَبّه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: حديث : {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} قالوا: حَبّة في شعرةتفسير : . وقيل لهم: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} فدخلوا متورّكين على أستاههم. {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} مرفوع؛ لأنه فعل مستقبل وموضعه نصب. و «ما» بمعنىٰ المصدر، أي بظلمهم. وقد مضىٰ في «البقرة» ما في هذه الآية من المعاني والأحكام. والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : تقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة، وهي مدنية، وهذا السياق مكي، ونبهنا على الفرق بين هذا السياق وذاك بما أغنى عن إعادته هنا. و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَطَّعْنَٰهُمُ } فرَّقنا بني إسْرائيل {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ } حال {أَسْبَاطًا } بدل منه، أي قبائل {أُمَمًا } بدل مما قبله {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَٰهُ قَوْمُهُ } في التيه {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } فضربه {فَٱنبَجَسَتْ } انفجرت {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } بعدد الأسباط {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } سبط منهم {مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَٰمَ } في التيه من حر الشمس {وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } هما التُّرَنْجَبِين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر وقلنا لهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ} اختلف في المأخوذ منه تسمية القرية على وجهين: أحدهما: لأن الماء يقرى إليها أي يجمع، من قولهم قرى الماء في حوضه إذا جمعه. والثاني: لأن الناس يجتمعون إليها كما يجتمع الماء فى الحوض. واختلف في هذه القرية على قولين: أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله قتادة. والثاني: هي أرض الشام، قاله الحسن. فإنه قيل: فكيف سمى المأوى مسكناً والإنسان في مسكنه متحرك؟ قيل لأنه يترك فيه التصرف فصار في أكثر أحواله ساكناً وإن كان في بعضها متحركاً.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وقطعناهم} يعني وفرقنا بني إسرائيل {اثنتي عشرة أسباطاً} يعني من أولاد يعقوب لأن يعقوب هو إسرائيل وأولاده الأسباط وكانوا اثني عشر ولداً {أمماً} يعني جماعات وقبائل {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} يعني في التيه {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست} يعني: فانفجرت: وقيل: عرقت وهو الانبجاس {منه} أي من الحجر {اثنتا عشرة عيناً} يعني: لكل سبط عين {قد علم كل أناس مشربهم} يعني لا يدخل سبط على سبط في مشربهم {وظللنا عليهم الغمام} يعني في التيه يقيهم حر الشمس {وأنزلنا عليهم المن} هو الترنجبين {والسلوى} جنس من الطير جعل الله ذلك طعاماً لهم في التيه {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي وقلنا كلوا {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} في الكلام حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما رزقناكم فأجمعوا ذلك وسئموه، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد وسألوه غيره لأن المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصياً بفعله ذلك فلهذا قال: وما ظلمونا يعني وما أدخلوا علينا في ملكنا وسلطاننا نقصاً بمسألتهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يعني بمخالفتهم ما أمروا به وقد تقدم بسط الكلام على هذه الآية في سورة البقرة. وقوله تعالى: {وإذ قيل لهم} يعني: واذكر يا محمد لقومك إذ قيل لهم يعني لبني إسرائيل {اسكنوا هذه القرية} يعني بيت المقدس، وقال في سورة البقرة: ادخلوا هذه القرية، ولا منافاة بينهما لأن كل ساكن في موضع لا بد له من الدخول إليه {وكلوا منها حيث شئتم} يعني وكلوا من ثمار القرية وزروعها وحبوبها وبقولها حيث شئتـم وأين شئتم. وقال في البقرة: فكلوا، بالفاء وهنا بالواو والفرق بينهما أن الدخول حالة مقتضية للأكل عقبه فيحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلاً متى شاؤوا وإنما قال في سورة البقرة: رغداً، ولم يقله هنا لأن الأكل عقب الدخول ألذ وأكمل فأما الأكل مع السكنى والاستمرار فليس كذلك فحسن دخول لفظة رغداً هناك بخلافه هنا {وقولوا حطة} أي حط عنا ذنوبنا {وادخلوا الباب سجداً} وقال في البقرة عكس هذا اللفظ ولا منافاة في ذلك لأن المقصود من ذلك تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال بسبب التقديم والتأخير {نغفر لكم خطيئاتكم} يعني نغفر لكم ذنوبكم ولم نؤاخذكم بها. وإنما قال هنا خطيئاتكم وفي البقرة خطاياكم لأن المقصود غفران ذنوبهم سواء كانت قليلة أو كثيرة إذا أتوا بالدعاء والتضرع {سنزيد المحسنين} وقال في سورة البقرة: وسنزيد، بالواو ومعناه أنه قد وعد المسيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بهذا المعنى لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له: سنزيد المحسنين {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم} يعني فغير الذين ظلموا أنفسهم بمخالفة أمرنا من بني إسرائيل فقالوا قولاً غير الذي قيل لهم وأمروا به وذلك أنهم أمروا أن يقول حطة فقالوا حنطة في شعيرة فكان ذلك تبديلهم وتغييرهم {فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء} يعني بعثنا عليهم عذاباً من السماء أهلكهم، ولا منافاة بين قوله تعالى هنا أرسلنا وبين قوله في سورة البقرة أنزلنا لأنهما لا يكونان إلا من أعلى إلى أسفل، وقيل: بينهما فرق وهو أن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بذلك فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب قليلاً ثم أرسله عليهم كثيراً {بما كانوا يظلمون} يعني أن إرسال العذاب عليهم بسبب ظلمهم ومخالفتهم أمر الله. وقال في البقرة: بما كانوا يفسقون، والجمع بينهما أنهم لما ظلموا أنفسهم بما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله تعالى وقد تقدمت هذه القصة أيضاً في تفسير سورة البقرة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تغفر} بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: بالنون وكسر الفاء {خطاياكم} مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو {خطيئتكم} بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر {خطيئاتكم} بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث. {يسبتون} من الإسبات. زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل. الباقون: بالرفع {يئس} مثل رئم: أبو جعفر ونافع {بيِّس} على فعيل كسيد: ابن عامر {بيئس} على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي. الباقون {بئيس} على فعيل. {تأذن} بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف {تعقلون} بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص. الباقون بياء الغيبة {يمسكون} من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد. الوقوف: {أمماً} ط وإن اتفقت الجملتان لأن {أوحينا} عامل {إذا استسقاه} دون {قطعنا} فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء {الحجر} ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست {عيناً} ط {مشربهم} ط {والسلوى} ط {ما رزقناكم} ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم {وما ظلمونا} ط {يظلمون} ه {خطيئاتكم} ط {المحسنين} ه {يظلمون} ه {البحر} لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله {وأسألهم} فإنه محال {لا تأتيهم} ج لاحتمال تعلق {كذلك} به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت. والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على {كذلك} جائز أيضاً {يفسقون} ه {قوماً} {العذاب} ط {رحيم} ه {وأمماً} ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً {دون ذلك} ز للعطف على {قطعنا} فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض {يرجعون} ه {سيغفر لنا} ج {يأخذوه} ط {يتقون} ه {تعقلون} ه {الصلاة} ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون {ولا نضيع أجر المصلحين}، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين {واقع بهم} ط الحق المحذوف {تتقون} ه. التفسير: إنه سبحانه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم. ومعنى {قطعناهم} أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج. الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟ وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: شعر : بين رماحي مالك ونهشل ولهذا أنث اثنتي عشرة تفسير : وقال الزجاج: المميز محذوف و{أسباطاً} نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً. وقال الفارسي والجوهري: {أسباطاً} بدل من {اثنتي عشرة} والمميز كما قال الزجاج. وقوله {أمماً} بدل من {اثنتي عشرة} لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى. وباقي الآية إلى قوله {بما كانوا يظلمون} قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم. قوله تعالى {واسئلهم عن القرية} أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول صلى الله عليه وسلم من قبل الله تعالى، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أول مناكيرهم. وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟ وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً. والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية. ومعنى {حاضرة البحر} قريبة من البحر وعلى شاطئه {إذ يعدون في السبت} يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت. ومحل {إذ يعدون} مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم. قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله {إذ تأتيهم} منصوب بـ {يعدون} أو مجرور بدلاً بعد بدل. والحيتان جمع الحوت وهو السمكة {شرعاً} ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض. وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله تعالى به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن. قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله تعالى لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور. والنوع الثالث قوله {وإذ قالت} وهو معطوف على {إذ يعدون} وحكمه حكمه في الإعراب {أمة منهم} جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} مدمرهم {أو معذبهم عذاباً شديداً} لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح {قالوا معذرة} من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله. والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين {ولعلهم يتقون} ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت {فلما نسوا} يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله {فلما عتوا} تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً. وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله {فلما نسوا} والعذاب البئيس هو المسخ. عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة. هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر. وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟ فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم} بزعمكم. والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية. والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين {لم تعظون} أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا. بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء. وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى. وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولا نقول شيئاً. وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي. ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين. ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله تعالى أعلم بالسرائر. النوع الرابع: {وإذ تأذن ربك} هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله". فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه {ليبعثن} ومعناه التسليط كقوله {أية : بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد} تفسير : [الإسراء: 5] واختلف في العائد في {عليهم} فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً. وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية. وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية. أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة. وقيل: الاستخفاف والإهانة. وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره. وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير. وإذ قد أخبر الله تعالى بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز. قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين. النوع الخامس: {وقطعناهم في الأرض أمماً} فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة {منهم الصالحون} الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين. وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به. {ومنهم دون ذلك} أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك {لعلهم يرجعون} يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد. ومحل {دون ذلك} رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا {وبلوناهم} عاملناهم معاملة المبتلى المختبر {بالحسنات} الخصب والعافية {والسيئات} بالجدب والشدائد {لعلهم يرجعون} لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب {فخلف من بعدهم خلف} ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم. فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء. قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم. قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ {ورثوا الكتاب} أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها. يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر. وفي الإشارة بقوله {هذا الأدنى} تحقير وتخسيس. وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل. أو دنو الحال وسقوطها وقلتها. والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت {ويقولون سيغفر لنا} يؤاخذنا الله بما أخذنا. وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه {يأخذون}، {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها. ثم بين نكث عهدهم فقال {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} أي التوراة. ومحل {ألا يقولوا على الله إلا الحق} رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران. فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق. ويجوز أن يكون {ألا يقولوا} مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة {ولا يقولوا} نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟ {ودرسوا} عطف على {ألم يؤخذ} لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه. {والدار الآخرة خير} من ذلك العرض الخسيس {للذين يتقون} الرشا والمحرمات. ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراة أتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال {والذين يمسكون} الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين. النوع السادس: {وإذ نتقنا الجبل} قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً. والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه {فوقهم كأنه ظله} وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط {وظنوا أنه واقع بهم} علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم. وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا. روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم. فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه. {خذوا} على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه {واذكروا ما فيه} من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله{أية : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا}تفسير : [الرحمن: 33] واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة {لعلكم تتقون} ما أنتم عليه من الإباء. التأويل: {القرية التي كانت حاضرة البحر} هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً} لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات {بما كانوا يفسقون} أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء {وإذ قالت أمة منها} هي صفات القلب قالوا لصفات الروح {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات {أو معذبهم عذاباً شديداً} وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية {قالوا معذرة إلى ربكم} لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها {يتقون} فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك {بعذاب بئيس} وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي {ليبعثن عليهم} على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها {من يسومهم} وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة {سوء العذاب} عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان {وقطعناهم} فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد {منهم الصالحون} قابلون لفيض نور الله {ومنهم دون ذلك} في القبول {وبلوناهم بالحسنات} وهي الطاعات {والسيئات} وهي المعاصي {لعلهم يرجعون} إلى الحق. وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت. أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم {فخلف} من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء {ورثوا الكتاب} وهو ما ألهم الله تعالى الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات {ويقولون سيغفر لنا} مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب {وإذ نتقنا الجبل} فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن. وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله تعالى بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ}. الظَّاهِرُ أن قَطَّعْنَاهُمُ مُتَعدٍّ لواحد؛ لأنه لمْ يُضَمَّنْ معنى ما يتعدَّى لاثنين، فعلى هذا يكون اثْنَتَيْ حالاً من مفعول: قَطَّعْنَاهُمُ أي: فَرَّقْنَاهم مَعْدُودينَ بهذا العدد. وجوَّز أبُو البقاءِ أن يكون قَطَّعْنَا بمعنى "صَيَّرْنَا"، وأن اثْنَتَيْ مفعولٌ ثانٍ وجزم الحُفِيُّ بذلك. وتمييز: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ محذوف، لفهم المعنى، تقديره: اثْنَتَيْ عشرة فرقةً، و "أسْبَاطاً" بدلٌ من ذلك التمييز. وإنَّما قلتُ إن التَّمييزَ محذوفٌ، ولم أجعل أسْبَاطاً هو المُمَيِّز لوجهين، أحدهما: أنَّ المعدودَ مُذَكَّر؛ لأنَّ أسْبَاطاً جمع "سِبْط" فكان يكون التركيبُ: اثني عشر. الثاني: أنَّ تمييز العدد المركَّبِ، وهو من "أحد عشر" إلى "تِسْعَة عَشَرَ" مفردٌ منصوبٌ وهذا - كما رأيت - جمع، وقد جعله الزمخشريُّ تمييزاً له معتذراً عنه، فقال: فإن قلت: مُمَيِّزٌ ما عدا العشرة مفردٌ، فما وجهُ مجيئه جمعاً؟ وهلاَّ قيل: اثني عشر سِبْطاً!؟ قلتُ لو قيل ذلك، لم يكن تحقيقاً؛ لأن المُرادَ وقطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عشْرَةَ قبيلة، وكلُّ قبيلة أسباط لا سِبْط، فوضع "أسْبَاطاً" موضع "قبيلة"؛ ونظيره قوله: [الرجز] شعر : 2597 - بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ ونَهْشَلِ تفسير : قال أبُو حيان: وما ذهب إليه من أنَّ كلَّ قبيلةٍ أسباط خلافُ ما ذكره النَّاسُ، ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب. وقالوا: الأسْبَاطُ جمع وهم الفرق، والأسباطُ في ولد إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل، ويكون على زعمه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ}تفسير : [البقرة: 136] معناه: والقبيلةُ، وقوله: "وهو نظير قوله: بين رماحي مالكٍ ونهشَلِ" ليس بنظيره، لأنَّ هذا من باب تثنية الجمع، وهو لا يجوزُ إلا في ضرورةٍ، وكأنَّهُ يشيرُ إلى أنه لوْ لمْ يُلْحَظْ في الجمع كونُه أُريد به نوعٌ من الرِّمَاحِ لم تَصِحَّ التثنية، كذلك هنا لُحِظَ في "الأسْبَاط" - وإن كان جمعاً - معنى القبيلة فمُيِّزَ به كَما يُمَيَّزُ بالفرد. وقال الحُوفِيُّ: يجوز أن يكون على الحذفِ، والتقديرُ: اثنتي عشرة فرقةً أسبَاطاً ويكون "أسْبَاطاً" نعتاً لـ "فرقة"، ثم حذف الموصوفُ، وأقيمت الصِّفةُ مقامه و "أمَماً" نعتٌ لأسباط، وأنَّثَ العدد، وهو واقعٌ على الأسباطِ وهو مذكَّرٌ، وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال: [الوافر] شعر : 2598 - ثَلاثَةُ أنْفُسٍ.................. ............................... تفسير : يعني: رجلاً، وقال: [الطويل] شعر : 2599 -............. عَشْرُ أبْطُنٍ ............................ تفسير : بالنَّظَرِ إلى القبيلةِ، ونظيرُ وصف التمييزِ المقرر بالجمعِ مراعاةً للمعنى قول الشَّاعر: [الكامل] شعر : 2600 - فِيهَا اثْنَتَانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُوداً كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأسْحمِ تفسير : فوصف "حَلُوبَةً" وهي مفردة لفظاً بـ "سُوداً" وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع. وقال الفراء: إنَّما قال: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ" والسِّبْطُ مذكر؛ لأنَّ ما بعده "أمم" فذهب التأنيث إلى الامم، ولو كان "اثني عشر" لتذكير السبط لكان جائزاً. واحتج النحويون على هذا بقوله: [الطويل] شعر : 2601 - وإنْ قريشاً هذه عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلهَا العَشْرِ تفسير : ذهب بالبطْن إلى القبيلةِ، والفصيلة، لذلك أنَّثَ، والبطن ذَكَرٌ. وقال الزَّجَّاج: المعنى: وقطَّعْنَاهُمْ اثنتي عشرةَ فرقةً أسْبَاطاً، من نعتِ فرقة كأنَّهُ قال: جَعَلْنَاهُم أسباطاً وفرَّقناهم أسباطاً، وجوَّز أيضاً أن يكون "أسْبَاطاً" بدلا من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ: وتبعه الفارسيُّ في ذلك. وقال بعضهم: تقديرُ الكلامِ: وقطعناهم فرقاً اثْنَتَيْ عشرَةَ، فلا يحتاجُ حينئذٍ إلى غيره. وقال آخرون: جعل كلَّ واحدٍ من الاثنتي عشرةَ أسباطاً، كما تقولُ: لزيد دراهم، ولفلانٍ دراهمُ: فهذه عشرون دراهم يعني أن المعنى على عشرينات من الدَّراهِم. ولو قلت: لفلان، ولفلان، ولفلان عشرون درهماً بإفراد "درهم" لأدَّى إلى اشتراك الكُلِّ في عشرين واحدة، والمعنى على خلافه. وقال جماعةٌ منهم البَغَوِيُّ: "في الكلامِ تقديمٌ وتأخير تقديره: وقطعناهم أسباطاً أمماً اثنتي عشرة". وقوله: أُمماً إمَّا نعتٌ لـ "أسْبَاطاً"، وإمَّا بدل منها بعد بدلٍ على قولنا: إنَّ "أسْبَاطاً" بدلٌ من ذلك التَّمييز المقدَّر. وجعلهُ الزمخشريُّ أنه بدل من "اثْنَتَيْ عَشْرَة"؛ قال: بمعنى: "وقطَّعْنَاهم أمَماً"، لأنَّ كل أسباط كانت أمَّةً عظيمةً وجماعة كثيفة العدد، وكلُّ واحدة تؤمُّ خلاف ما تؤمُّهُ الأخرى فلا تكادُ تأتلف. انتهى. وقد تقدَّم القولُ في "الأسْبَاط". وقرأ أبان بنُ تغلبَ "وقَطَعْنَاهُمْ" بتخفيف العينِ والشَّهيرةُ أحسن؛ لأنَّ المقامَ للتَّكثيرِ، وهذه تحتمله أيضاً. وقرأ الأعمش وابن وثَّابٍ، وطلحة بنُ سليمان "عَشِرَة" بكسر الشِّينِ، وقد رُوي عنهم فَتْحُها أيضاً، ووافقهم على الكسر فقط أبُو حَيْوَةَ، وطلحة بن مصرف. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البقرة [60]، وأنَّ الكسر لغةُ تميم والسُّكُونَ لغةُ الحجاز. قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ}. وتقدمت هذه القصَّةُ في البقرةِ. "أن اضرب" يجوز في "أنْ" أن تكون المفسِّرة للإيحاء، وأن تكون المصدرية. قال الحسنُ: ما كان إلاَّ حجراً اعترضه وإلاَّ عصاً أخذها. وقوله: "فانبجَسَتْ" كقوله: "فانْفَجَرتْ" إعراباً وتقديراً ومعنًى، وتقدَّم ذلك في البقرة. وقيل: الانبجَاسُ: العرق. قال أبو عمرو بنُ العلاءِ: "انبَجَستْ": عَرِقَتْ، وانفَجَرَتْ: سالتْ. ففرَّق بينهما بما ذُكر. قال المفسِّرون: إنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام كان إذا ضرب الحجر ظهر عليه مثلُ ثَدْي المرأة فَيَعْرَقُ ثُمَّ يسيل، وهُمَا قَرِيبَان من الفرقِ المذكور في النَّضْح والنَّضْخ. وقال الرَّاغِبُ: بَجَسَ الماءُ وانبَجَسَ انفَجَرَ، لكنَّ الانبجاسَ أكثرُ ما يقالُ فيما يَخْرج من شيء ضيق، والانفجار يُستعملُ فيه وفيما يخرج من شيء واسع؛ ولذلك قال تعالى: {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}، وفي موضع آخر {أية : فَٱنفَجَرَتْ}تفسير : [البقرة: 60]، فاستُعْمِلَ حيث ضاق المخرجُ اللفظتان. يعني: ففرَّق بينهما بالعُمُوم والخُصُوصِ، فكلُّ انبجاس انفجارٌ من غير عكس. وقال الهَرَوِيُّ: يقالُ: انبَجَسَ، وتَبَجَّسَ، وتَفَجَّرَ، وتَفَّتقَ بمعنى واحدٍ. وفي حديث حذيفة ما منا إلا رجلٌ له آمَّةٌ يَبجُسُهَا الظُّفُر غَيْرَ رَجُلَيْنِ يعني: عمر وعليًّا رضي الله عنهما. الآمَّةُ: الشّجَّة تبلغ أمَّ الرأس، وهذا مثل يعني أَنَّ الآمَّة منا قد امتلأت صديداً بحيث إنه يقدر على استخراج ما فيها بالظفر من غير احتياج إلى آلة حديد كالمبضع فعبَّر عن زَلل الإنسان بذلك، وأنه تفاقم إلى أن صار يشبه شَجَّةً هذه صفتها. قوله: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. قال الزمخشريُّ: "الأناسُ" اسمُ جمع غير تكسير نحو: رخال وثناء وتؤام، وأخواتٍ لها، ويجوز أن يقال: إن الأصل: الكَسْرُ، والتكسيرُ والضَّمة بدلٌ من الكسرةِ لما أبدلت في نحو: سُكَارَى وغُيَارى من الفتحةِ. قال أبُو حيان: ولا يجوز ما قال لوجهين، أحدهما: أنَّهُ لم يُنْطَقْ بـ "إناس" بكسر الهمزة، فيكون جمع تكسير، حتَّى تكون الضمَّةُ بدلاً من الكسرة بخلاف "سُكَارَى" و "غُيَارَى" فإنَّ القياس فيه "فَعَالَى" بفتح فاء الكلمة، وهو مَسْمُوعٌ فيهما. والثاني: أنَّ "سُكَارى" و "عُجَالى" و "غُيارى" وما ورد من نحوها ليست الضَّمَّةُ فيه بدلاً من الفتحة، بل نصَّ سيبويه في كتابه على أنَّه جمعُ تكسيرٍ أصلٌ، كما أنَّ "فَعَالَى" جمعُ تكسيرٍ أصلٌ وإن كان لا ينقاسُ الضَّمُّ كما ينقاسُ الفتح. قال سيبويه - في حَدِّ تكسير الصِّفاتِ -: "وقد يُكَسِّرونَ بعض هذا على "فُعَالى" وذلك قول بعضهم: عُجَالى وسُكَارى". وقال سيبويه - في الأبنيةِ أيضاً -: "ويكون "فُعَالى" في الاسم نحو: حُبَارَى، وسُمَانَى، ولُبَادَى، ولا يكون وصفاً إلاَّ أن يُكَسَّرَ عليه الواحدُ للجمع نحو: سُكارى وعُجَالى". فهذان نَصَّان من سيبويه على أنَّهُ جمعُ تكسير، وإذا كان جمعَ تكسير أصْلاً لم يَسُغْ أن يُدَّعَى أن أصله فَعَالى وأنه أبدلت الحركة فيه. وذهب المُبَرِّدُ إلى أنه اسمُ جمع أعني "فُعَالى" بضم الفاءِ، وليس بجمع تكسير. فالزمخشريُّ لم يذهبْ إلى ما ذهب إليه سيبويه، ولا إلى ما ذهب إليه المُبَرِّدُ؛ لأنَّه عند المبرد اسمُ جمعٍ فالضَّمَّةُ في فائه أصلٌ وليست بدلاً من الفتحة بل أحدث قولاً ثلاثاً. فصل قال المفسِّرُون: إنهم احتاجوا في التيه إلى ماءٍ يشربونه، فأمر اللَّهُ تعالى موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - أن يضرب بعصاه الحَجَرَ، وكانوا يذرءونه مع أنفسهم، فيأخذون منه قدر الحاجة، ولمَّا أن ذكر تعالى كيف كان يستقيمُ، ذكر ثانياً أنَّهُ ظَلَّل الغَمَامَ عليهم في التِّيه تقيهم حرَّ الشَّمْسِ، وثالثاً: أنَّهُ أنزل عليهم المَنَّ والسَّلْوَى، ومجموع هذه الأحوالِ نعمة من اللَّهِ تعالى. ثُمَّ قال: {ٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} والمُرادُ قَصْرُ نفوسهم على ذلك المطعُومِ، وترك غيره. وقلأ عيسى الهَمدانِيُّ مَا رَزَقْتُكُم بالإفراد. ثمَّ قال ومَا ظَلَمُونَا وفيه حذف؛ لأنَّ هذا الكلامَ إنَّمَا يَحْسُنُ ذكره لو أنَّهم تعدوا ما أمرهم اللَّهُ به، إمَّا لكونهم ادَّخَرُوا ما منعهم اللَّهُ منه، أو أقدمُوا على الأكل في وقت منعهم اللَّه منه؛ أو لأنَّهم سألوا عن ذلك مع أنَّ اللَّهَ منعهم منه والمكلف إذَا ارتكبَ المَحْظُورَ فهو ظالم لنفسه، ولذلك وصفهم اللَّهُ بقوله: {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}؛ لأنَّ المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلاَّ نَفْسَهُ.

البقاعي

تفسير : ولما مدحهم، شرع يذكرهم شيئاً مما أسبغ عليهم من النعم لأجل هؤلاء المهتدين من التكثير بعد القلة والإعزاز بعد الذلة بجعلهم ممن يؤم استعطافاً لغيرهم، ويذكر بعض عقوباتهم ترهيباً فقال: {وقطعناهم} أي فرقنا بينهم بالأشخاص بعد أن كانوا ماء واحداً من شخص واحد، وهو إسرائيل عليه السلام؛ وصرح بالكثرة بعد أن لوح بها بالتقطيع بقوله: {اثنتي عشرة} وميزه - موضع المفرد الذي هو مميز العشرة - بالجمع للإشارة إلى أن كل سبط يشتمل لكثرته على عدة قبائل بقوله: {أسباطاً} والسبط - بالكسر: ولد الولد، والقبيلة من اليهود، وهذه المادة تدور على الكثرة والبسط؛ وبين عظمتهم وكثرة انتشارهم وتشعبهم بقوله: {أمماً} أي هم أهل لأن يقصدهم الناس لما لهم من الكثرة والقوة والدين، أو أن كل أمة منهم تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى من غيرهم ديناً. ولما وصفهم بهذه الكثرة، وكان ذلك مجرى لذكر الإنعام عليهم بالكفاية في الأكل والشرب، ذكر نعمة خارقة للعادة في الماء، وبدأ به لأنه الأصل في الحياة، وهي من نوع تقسيمهم من نفس واحدة مشيرة إلى ظلمهم وإسراعهم في المروق فقال: {وأوحينا إلى موسى إذ} أي حين {استسقاه قومه} أي طلبوا منه برية لا ماء بها أن يسقيهم، وذلك في التيه، والتعبير بالقوم إشارة إلى تبكيتهم بكونهم أهل قوة ولم يتأسوا بموسى عليه السلام في الصبر إلى أن يأتي الله الذي أمرهم بهذا المسير بالفرج، بل طلبوا منه ذلك على الوجه المذكور في البقرة من إظهار القلق والدمدمة {أن اضرب بعصاك} أي التي جعلناها لك آية وضربت بها البحر فانفلق {الحجر} أي أيّ حجر أردته من هذا الجنس؛ وبين سبحانه سرعة امتثال موسى عليه السلام وسرعة التأثير عن ضربه بحذف: فضربه، وقوله مشيراً إليه: {فانبجست} أي فانشقت وظهرت ونبعت، وذلك كاف في تعنيفهم وذمهم على كفرهم بعد المن به، وهذا السياق الذي هو لبيان إسراعهم في المروق هو لا ينافي أن يكون على وجه الانفجار، ويكون التعنيف حينئذ أشد {منه اثنتا عشرة عيناً} على عدد الأسباط، وأشار إلى شدة تمايزها بقوله؛ {قد علم كل أناس} أي من الأسباط {مشربهم} ولما لم يتقدم للأكل ذكر ولا كان هذا سياق الامتنان، لم يذكر ما أتم هذه الاية به في البقرة. ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء، أتبعه تبريدها بالظل فقال: {وظللنا} أي في التيه {عليهم الغمام} أي لئلا يتأذوا بالشمس؛ ولما أتم تبريد الأكباد، أتبعه غذاء الأجساد فقال: {وأنزلنا عليهم المن} أي خبراً {والسلوى} أي إداماً؛ وقال السمؤال بن يحيى: وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية، يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله عز وجل أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض. ولما ذكر عظمته في ذلك، ذكر نتيجته فقال: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم تعالجوه نوع معالجة، ودل على أنهم قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم والعدوان بقوله عطفاً على ما تقديره: فعدلوا عن الطبيات المأذون فيها، وأكلوا الخبائث التي حرمناها عليهم بالاصطياد يوم السبت - كما يأتي - وفعلوا غير ذلك من المحرمات، فظلملوا أنفسهم بذلك: {وما ظلمونا} أي بشيء مما قابلوا فيه الإحسان بالكفران {ولكن كانوا} أي دائماً جبلة وطبعاً {أنفسهم } أي خاصة {يظلمون*} وهو - مع كونه من أدلة {سأصرف عن آياتي} الآية - دليل على صحة وصف هذا الرسول بالنبي، فإن من علم هذه الدقائق من أخبارهم مع كونه أمياً ولم يخالط أحداً من أحبارهم، كان صادقاً عن علام الغيوب من غير مؤيد وكذا ما بعده. ولما ذكر ما حباهم في القفار، أتبعه إنعامه عليهم عند الوصول إلى الدار فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في غاية الظلم كأصحاب السبت فيتوقعوا مثل عذابهم، واذكر لهم ما لم تكن حاضره ولا أخذته عنهم، وهو وقت إذ، وعدل عن الإكرام بالخطاب ونو العظمة، لأن السياق للأسراع في الكفر فقال: {قيل لهم اسكنوا} أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة ، ولا يسمى ساكناً إلا بعد التوطن بخلاف الدخول، فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أيّ وجه كان {هذه القرية}. فهو دليل آخر على الأمرين: الصرف والصدق؛ وعبر هنا بالمجهول في {قيل} إعراضاً عن تلذيذهم بالخطاب إيذاناً بأن هذا السياق للغضب عليهم بتساقطهم في الكفر وإعراضهم عن الشكر، من أيّ قائل كان وبأيّ صيغة ورد القول وعلى أيّ حالة كان، وإظهاراً للعظمة حيث كانت، أدنى إشارة منه كافية في سكناهم في البلاد واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة حتى قالوا {أية : إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها} تفسير : [المائدة: 24]. ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة من التعقيب وهو الاستعطاف، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع، وهي لا تنافي تلك، فقال: {وكلوا منها} أي القرية {حيث شئتم} وأسقط الرغد لذلك، وقدم {وقولوا حطة} ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعراً بعظيم ما تحملوه من الآثام، إيذاناً بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة المقام. ولما أمروا بالحطة قولاً، أمروا أن يشفعوها بفعل، لتحط عنهم ذنوبهم، ولا ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة، لأن الواو لا ترتب، فقال: {وادخلوا الباب} أي باب بيت المقدس حال كونكم {سجداً نغفر لكم} ولما كان السياق هنا لبيان إسراعهم في الكفر، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله: {خطاياكم} في قراءة أبي عمرو، وأما قراءة ابن عامر {خطيتكم} بالإفراد وقراءة غيرهما {خطياتكم} جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوة تعالى، وكذا بناء {نغفر} للمجهول تأنيثاً وتذكيراً، كل ذلك ترجيه لهم واستعطافاً إلى التوبة، ولذلك ساق سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه قال: هذا الرجاء قد حصل، فهل مع مع المغفرة من كرامة؟ فقال: {سنزيد} أي بوعد لا خلف فيه عن قريب، وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة {المحسنين*} أي العريقين في هذا الوصف، وللسياق الذي وصفت قيد قوله:{فبدل الذين ظلموا} بقوله: {منهم} لئلا يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم {قولاً غير الذي}. ولما كان من المعلوم أن القائل من له إلزامهم، بناه للمجهول فقال: {قيل لهم} وقال: {فأرسلنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} بالإضمار تهويلاً لاحتمال العموم بالعذاب {رجزاً من السماء} ولفظُ الظلم - في قوله: {بما كانوا يظلمون*} بما يقتضيه من أنهم لا ينفكون عن الكون في الظلام إما مطلقاً وإما مع تجديد فعل فعل من هو فيه - أهول من لفظ الفسق المقتضي لتجديد الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه، كما أن لفظ الإرسال المعدي بـ {على} كذلك بالنسبة إلى لفظ الإنزال. ولما فرغ من هتك أستارهم فيما عملوه أيام موسى عليه السلام وما يليها، أتبعه خزياً آخر أشد مما قبله، كان بعد ذلك بمدة لا يعلمه أحد إلا من جهتهم أو من الله، وإذا انتفى الأول ثبت الثاني، فقال: {وسئلهم} أي بني إسرائيل مبكتاً لهم ومقرراً {عن القرية} أي البلد الجامع {التي كانت حاضرة البحر} أي على شاطئه وهي أيلة، ولعله عبر بالسؤال، ولم يقل: وإذ تعدو القرية التي - إلى آخره، ونحو ذلك، لأن كراهتهم للإطلاع على هذه الفضيحة أشد مما مضى، وهي دليل على الصرف والصدق. ولما كان السؤال عن خبر أهل القرية قال مبدلاً بدل اشتمال من القرية {إذ} أي حين {يعدون} أي يجوزون الحد الذي أمرهم الله به {في السبت إذ} أي العدو حين {تأتيهم} وزاد في التبكيت بالإشارة إلى المسارعة في الكفر بالإضافة في قوله: {حيتانهم} إيماء إلى أنها مخلوقة لهم، فلو صبروا نالوها وهم مطيعون،كما في حديث جابر رضي الله عنه رفعه "حديث : بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن صبر خرج إليه، وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما قدر له"تفسير : {يوم سبتهم} أي الذي يعظمونه بترك الاشتغال فيه بشيء غير العبادة {شرعاً} أي قريبة مشرفة لهم ظاهرة على وجه الماء بكثرة، جمع شارعة وشارع أي دان {ويوم لا يسبتون} أي لا يكون سبت، ولعله عبربهذا إشارة إلى أنهم لو عظموا الأحد على أنه سبت جاءتهم فيه، وهو من: سبتت اليهود - إذا عظمت سبتها {لا تأتيهم} أي ابتلاء من الله لهم، ولو أنهم صبروا أزال الله هذه العادة فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ولما كان هذا بلاء عظيماً، قال مجيباً لسؤال من كأنه قال لشدة ما بهره من هذا الأمر: هل وقع مثل هذا؟ مشيراً إلى أنه وقع، ولم يكتف به، بل وقع لهم أمثاله لإظهار ما في عالم الغيب منهم إلى عالم الشهادة: {كذلك} أي مثل هذا البلاء العظيم {نبلوهم} أي نجدد اختبارهم كل قليل {بما} أي سبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفسقون*} أي يجددون في علمنا من الفسق، وهو الخروج مما هو أهل للتوطن من الطاعات.

ابو السعود

تفسير : {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ} أي قومَ موسى لا الأمةَ المذكورةَ منهم، وقرىء بالتخفيف وقوله تعالى: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ} ثاني مفعولي قطع لتضمّنه معنى التصيـير، والتأنيثُ للحمل على الأمة أو القِطعة، أي صيرناهم اثنتي عشْرةَ أمةً أو قطعةً متميزاً بعضُها من بعض، أو حالٌ من مفعوله أي فرقناهم معدودين هذا العددَ، وقوله تعالى: {أَسْبَاطًا} بدلٌ منه ولذلك جُمع، أو مميزٌ له على أن كل واحدة من اثنتي عشرةَ قطعةً أسباطٌ لا سبطٌ وقرىء عشِرة بكسر الشين وقوله تعالى: {أُمَمًا} على الأول بدلٌ بعد بدل أو نعتٌ لأسباطاً وعلى الثاني بدل من أسباطاً {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ} حين استولى عليهم العطشُ في التيه الذي وقعوا فيه بسوء صنيعِهم لا بمجرد استسقائِهم إياه عليه الصلاة والسلام بل باستسقائه لهم لقوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} تفسير : [البقرة: 60] وقولُه تعالى: {أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} مفسرٌ لفعل الإيحاءِ وقد مر بـيانُ شأنِ الحَجَر في تفسير سورة البقرة {فَٱنبَجَسَتْ} عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلامُ قد حذف تعويلاً على كمال الظهورِ وإيذاناً بغاية مسارعتِه عليه السلام إلى الامتثال وإشعاراً بعدم تأثير الضربِ حقيقةً وتنبـيهاً على كمال سرعةِ الانبجاسِ وهو الانفجارُ كأنه حصل إثرَ الأمر قبل تحقق الضربِ كما في قوله تعالى: {أية : ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ }تفسير : [الشعراء: 63] أي فضرب فانبجست {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} بعدد الأسباطِ وأما ما قيل من أن التقديرَ فإن ضربت فقد انبجست فغيرُ حقيقٍ بجزالة النظمِ التنزيلي، وقرىء عشَرة بكسر الشين وفتحها {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} كلُّ سبطٍ، عبّر عنهم بذلك إيذاناً بكثرة كل واحدٍ من الأسباط {مَّشْرَبَهُمْ} أي عينَهم الخاصةَ بهم {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ} أي جعلناها بحيث تُلقي عليهم ظلَّها تسير في التيه بسيرهم وتسكُن بإقامتهم وكان ينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون بضوئه. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي الترنجين والسُّمانىٰ. قيل: كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعث الجَنوبُ عليهم السُّمانى فيذبح الرجل منهم ما يكفيه {كُلُواْ} أي وقلنا لهم: كلوا {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أي مستلذاته، وما موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا} رجوعٌ إلى سنن الكلامِ الأولِ بعد حكايةِ خطابِهم، وهو معطوفٌ على جملة محذوفةٍ للإيجاز والإشعارِ بأنه أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا بتلك النعم الجليلةِ وما ظلمونا بذلك {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} إذ لا يتخطاهم ضررُه، وتقديمُ المفعولِ لإفادة القصْرِ الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربٌ من التهكم بهم، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدِلالة على تماديهم فيما هم فيه من الظلم والكفر.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [الآية: 160]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الفلسطينى يحكى عن الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليه السلام فى هذه الآية قال: انبجست من المعرفة اثنتا عشرة عينًا، يشرب كل أهل مرتبة فى مقام من عين من تلك العيون على قدرها، فأول عين منها عين التوحيد، والثانية عين العبودية والسرور بها، والثالثة عين الإخلاص، والرابعة عين الصدق، والخامسة عين التواضع، والسادسة عين الرضا والتفويض، والسابعة عين السكينة والوقار، والثامنة عين السخاء والثقة بالله، والتاسعة عين اليقين، والعاشرة عين العقل، والحادية عشر عين المحبة، والثانية عشر عين الأنس والخلوة، وهى عين المعرفة بنفسها، ومنها تنفجر هذه العيون، ومن شرب من عين منها يجد حلاوتها ويطمع فى العين التى هى أرفع منها، من عين إلى عين حتى يصل إلى الأصل، وإذا وصل إلى الأصل تحقق بالحق. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. قال بعضهم: ظهر لكل سالك سلوكه وآثار براهينه وبركات سعيه وأنوار حقائقه.

القشيري

تفسير : فَرَّقهم أصنافاً، وجعلهم في التحزب أخيافاً، ثم كفاهم ما أَهَمهُم، وأعطاهم ما لم يكن لهم بُدٌّ منه فيما نابَهم؛ فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحرِّ والبرد، وأنزلنا عليهم المَنَّ والسَّلوى مما نفى عنهم تعبَ الجوعِ والجهد والسعي والكد، وفجَّرنا لهم العيونَ عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عياناً، وألقينا بقلوبهم من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين، ولكن ليست العِبْرةُ بأفعال الخَلْقِ ولا بأعمالهم إنما المدارُ على مشيئة الحق، سبحانه وتعالى فيما يُمضِي عليهم من فنون أحوالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقطعناهم} اى قوم موسى لا الامة المذكورة منهم {اثنتى عشرة} ثانى مفعولى قطع لتضمنه معنى التصيير والتأنيث للحمل على الامة او القطعة اى صيرناهم اثنتى عشرة امة او قطعة متميزا بعضها من بعض {اسباطا} بدل منه ولذلك جمع لان مميز احد عشر الى تسعة عشر يكون مفردا منصوبا واسباطا جمع فلا يصلح ان يكون مميزا له وهى جمع سبط والسبط من ولد اسحق كالقبيلة من ولد اسماعيل وهو فى الاصل ولد الولد {امما} بدل بعد بدل جمع امة وهى بمعنى الجماعة وانحصر فرق بنى اسرائيل فى اثنتى عشرة فرقة لانهم تشبعوا من اثنى عشر رجلا من اولاد يعقوب فانعم الله عليهم بهذا التقطيع والتمييز لتنظيم احوالهم ويتيسر عيشهم وكانوا اقواما متباغضة متعصبة {واوحينا الى موسى اذ استسقيه قومه} اى طلبوا منه الماء حين استولى عليهم العطش فى التيه الذى وقعوا فيه بسوء صنيعهم {ان} مفسرة لفعل الايحاء {اضرب بعصاك} كان عصاه من آس الجنة وكان آدم حملها معه من الجنة الى الارض فتوارثها الانبياء صاغرا عن كابر حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى {الحجر} قد سبق فى البقرة على الاختلاف الواقع فيه. وقال فى التفسير الفارسى [آن سنك راكه جون بتيه در آمدى باتو بسخن درآمدكه مرابرداركه ترابكار آيم وتوبراشتى وحالا درتوبره دارى موسى عليه السلام عصابران سنك زد] {فانبجست} [بس شكافته شد وكشاده كشت] {منه} [ازآن سنك] {اثنتا عشرة عينا} [دوازده جشمه] بعدد الاسباط. قال الحدادى الا بنجاس خروج الماء قليلا والانفجار خروجه واسعا وانما قال فانبجست لان الماء كان يخرج من الحجر فى الابتداء قليلا يتسع فاجتمع فيه صفة الانبجاس والانفجار {قد علم كل اناس} كل سبط عبر عنهم بذلك ايذانا بكثرة كل واحد من الاسباط {مشربهم} اى عينهم الخاصة بهم وكان كل سبط يشربون من عين لا يخالطهم فيها غيرهم للعصبية التى لا كانت بينهم. قال ابن الشيخ كان فى ذلك الحجر اثنتا عشرة حفرة فكانوا اذا نزلوا وضعوا الحجر وجاء كل سبط الى حفرته فحفروا الجلد اول الى اهلهم فذلك قوله تعالى {قد علم كل اناس مشربهم} اى موضع شربهم {وظللنا عليهم الغمام} اى جعلناها بحيث تلقى عليهم ظلها تسير فى التيه بسيرهم وتسكن باقامتهم لتقيهم حر الشمس فى النهار وكان ينزل بالليل عمود من نار يسيرون بضوئه {وانزلنا عليهم المن} الترنجبين. قال فى القاموس المن كل طل ينزل من السماء على شجر او حجر ويحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ كالشير حشت والترنجبين {والسلوى} قال القزوينى وابن البيطار انه السمانى وقال غيرهما طائر قريب من السمانى. قال فى التفسير الفارسى [مرغى بر شكل سمانى وآن طائر بست در طرف يمن از كنجشك يزركتر وازكبوتر خردتر] وانما سمى سلوى لان الانسان يسلو به عن سائر الادام. وفى الحديث "حديث : اطيب اللحم لحم الطير " . تفسير : وفى الحديث ايضا "حديث : سيد الادام فى الدنيا والآخرة اللحم وسيد الشراب فى الدنيا والآخرة الماء وسيد الرياحين فى الدنيا والآخرة الفاغية " . تفسير : ويدل على كون اللحم سيد الطعام ايضا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " . تفسير : قيل كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر الى الطلوع لكل انسان صاع وتبعث الجنوب عليهم السمانى فيذبح الرجل منه ما يكفيه {كلوا} اى قلنا لهم كلوا {من طيبات ما رزقناكم} اى مستلذاته وما موصولة كانت او موصوفة عبارة عن المن والسلوى. قال فى التفسير الفارسى [از باكيزها آنجه بمحض عنايت روزى كرديم شمارا يعنى هرجه روزى ميرسد بخوريدوبراى خود ذخيره منهيد بس ايشان خرف كرده وذخيره مى نهادند همه متعفن ومتغير ميشد] {وما ظلمونا} عطف على جملة محذوفة للايجاز اى فظلموا بان كفروا بتلك النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} اذ لا يتخطاهم ضرره. قال الحدادى اى يضرون انفسهم باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذى كان ينزل عليهم بلا كلفة ولا مشقة فى الدنيا ولا حساب ولا تبعة فى العقبى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أسباطًا}: بدل لا تمييز؛ لأن تمييز العدد يكون مفردًا، والتمييز محذوف، أي: فرقة أسباطًا. وقال الزمخشري: يصح تمييزًا؛ لأن كل قبيلة أسباطٌ لا سبط. هـ. فكأنه قال: وقطعناهم اثنتي عشر سبطًا سبطا. والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة عند العرب، و {أُممًا}: بدل بعد بدل على الأول، وعلى الثاني بدل من أسباط. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقطَّعناهم} أي: بني إسرائيل: فرقناهم {أثنتي عشر أسباطًا}؛ أثني عشر سبطًا، {أُممًا}: متميزة، كل سبط أمة مستقلة، {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} في التيه، {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجَست}؛ انفجرت، إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار، أي: فضرب فانبجست، وحذفه للإيماء إلى أن موسى لم يتوقف في الامتثال، وأن ضربه لم يكن مؤثرًا يتوقف عليه الفعل ذاته، بل سبب عادي وحكمة جارية، والفعل إنما هو القدرة الإلهية، أي: نبعت {منه اثنتا عشرةَ عينًا قد علم كلُّ أُناس}؛ كل سبط {مشربهم وظلّلنا عليهم الغمام} لتقيهم من حرّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ والسلوى}، وقلنا لهم: {كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} سبق في سورة البقرة، وكذلك الإشارة. ثم قال: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ}.

الطوسي

تفسير : قد مضى تأويل معنى اكثر هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى للتطويل بذكر ما مضى وانما نذكر ما لم يذكر هناك: انما انث قوله اثنتي عشرة اسباطاً لان النية التقديم والتأخير والتقدير وقطعناهم امماً اثنتي عشرة اسباطاً ولم يقل سبطاً لاحد ثلاثة اشياء: احدها - انه بدل ليس بتمييز والمعنى قطعناهم اسباطاً ذكر ذلك الزجاج. الثاني - على ان كل قسم اسباط لان الواحد يقال له سبط، فيجوز على هذا عندي عشرون دراهم على ان كل قسم منها دراهم قال كثير: شعر : علي والثلاثة من بنيه هم الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط ايمان وبر وسبط غيبته كربلا تفسير : الثالث - ان يكون اقام الصفة مقام الموصوف. وتقديره اثنتي عشرة فرقة اسباطاً. والسبط: الجماعة التي تجري في الامر بسهولة لاتفاقهم في الكلمة على انه مأخوذ من السبوط. وقيل انه مأخوذ من السبط ضرب من الشجر، فجعل الاب الذي يجمعهم كالشجرة التي تتفرع عنها الأغصان الكثيرة. وقال ابو علي لانهم كانوا بني اثني عشر رجلا من ولد يعقوب وقيل انما فرقوا اسباطاً لاختلاف رتبتهم. والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، فكان يبتدئ بقلة ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة، فلذلك ذكره ها هنا بالانبجاس وفي البقرة بالانفجار. والظلة السترة التي تقي من الشمس، والأغلب عليها العلو. فجعل الله عز وجل لهم من الغمام ظلة تكنهم لما احتاجوا إلى ذلك في التيه كما اعطاهم المن والسلوى. والمن ضرب من الحلاوة يسقط على الشجر. والسلوى طائر كالسماني. وانما انث {اثنتا عشرة أسباطاً} مع ان السبط ذكر، لاحد ثلاثة اشياء: احدها - اثنتي عشرة فرقة ثم حذف. الثاني - وقطعناهم قطعاً اثنتي عشرة، فحذف على هذا التقدير. الثالث - أن السبط لما وقع على الامة أنث. كما قال الشاعر: شعر : وان كلاباً هذه عشر أبطن وانت بريء من قبائلها العشر تفسير : وقوله تعالى {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} معناه: ما أنقصونا شيئاً ولكن انقصوا أنفسهم تقول العرب: ظلمت سقاك إذا سقيته قبل أن يخرج زبده، ويقال: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما مضى، قال الفراء وانشدني بعضهم: شعر : يكاد يطلع ظلماً ثم يمنعه عن الشواهق فالوادي به شرق تفسير : ويقال هو أظلم من حية. لانها تأتي حجراً لم تحفره فتسكنه ويقال ما ظلمك ان تفعل كذا أي ما منعك. والارض المظلومة التي لم ينلها المطر.

الجنابذي

تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمُ} اى قوم موسى (ع) اى فرّقناهم فرقة فرقة {ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً} السّبط القبيلة من اليهود وولد الولد قيل لا يثنّى ولا يجمع وجمع بعد اثنتى عشرة لانّه جعله بدلاً لا تميزاً، او هو تميز بجعل كلّ واحدة من الفرق اسباطاً، او بتقدير موصوف مفرد مثل الفرقة والقبيلة ويؤيّد جعله تميزاً باحد هذين الوجهين تأنيث اثنتى عشرة {أُمَماً} بدل او صفة وسمّى اولاد يعقوب (ع) بالاسباط لانّهم كانوا اثنتى عشرة قبيلة كلّهم من اولاد ابنائه الّذين كانوا اثنى عشر، كما سمّى اولاد اسمعيل قبائل (ع) {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} فى التّيه {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} فضرب {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} بعدد القبائل حتّى لا يقع بينهم نزاع فى الورد {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} اى فرقة من الاسباط {مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} المنّ التّرنجبين او العسل، والسّلوى طائر يسمّى بالسّمانى قائلين {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا} فى مظاهرنا وخلفائنا بترك القناعة والاستبدار بالّذى هو ادنى {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قِيلَ} عطف على اذ استسقيه او عطف على اضرب بعصاك او على آمنوا او على اتّبعوا بتقدير اذكرا وذكّروا واذكروا، اذ قيل {لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} بيت المقدّس {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} على مغفرة الخطيئات.

اطفيش

تفسير : {وقطَّعْناهم} بالتشديد للتأكيد، أى فرقناهم وقرأ أبو حيوة وابن أبى عبلة بتخفيفه، ورواه إبان عن عاصم {اثْنَتى عَشْرة} بإسكان اثنتين حال من الهاء، أو مفعول ثان لقطعنا، لتضمنه معنى صبرنا، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن سليمان بخلاف فتح الشين قرأت هذه الجماعة أيضا، وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة بكسرها، وهى لغة تميم، مع أن من عادتهم إسكان الوسط المكسور من اللفظ الثالث، والجمهور على الإسكان وهو لغة الحجاز، وليس أصلها عندهم الكسر، فضلا عن أن يقال: ليس من عادتهم إسكان الوسط المذكور، فكيف أسكنوا هنا خلافا لما يتوهمه أبو حاتم. {أسْباطاً} بدل من اثنتى عشرة بدل كل لا تمييز، لأن تمييز العدد المركب مفرد، والأسباط جمع، والتمييز محذوف أى اثنتى عشرة أمة أو فرقة أو قطعة، قاله ابن أبى الربيع، والشلوبين، وابن هشام وغيرهم، لكن قدروا فرقة، وكذا قال ابن مالك فى شرح التسهيل: إنه بدل، وضعف بأن المبدل منه في نية الطرح غالبا، وليس هنا فى نيته، لأنه لو طرح لفاتت الكمية، ولا يحسن حمل القرآن على غير الغالب. قلت: ليس كون المبدل فى نية الطرح بمعنى أنه يصح إسقاطه، بل بمعنى أن المقصود بالذات هو معنى البدل، فالمقصود بالذات هنا كون التقطيع على أسباطا لا كمية الأسباط، وقد يخرج القرآن على غير الغالب، ولتعذير التمييز مؤنثا أنث العدد، لأن ما دون الثلاثة يؤنث مع المؤنث، ويذكر مع المذكر، وكذا عشرة مع ما دون الثلاثة، ولو كان تمييزا لقيل: اثنى عشرة سبطا بتذكير اثنى وعشر، وأفرد سبط، وقال ابن مالك فى شرح الكافية، إن أسباطا تمييز، وإن ذكر أمما رجح حكم التأنيث فى أسباطا، لكونه وصف بأمما جمع أمة، ويرده أن تمييز العدد المركب مفرد، نعم أجاز الفراء جمعه، وظاهر الآية وقول ابن مسعود قضى فى دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض، يشهدان له. وتخريج أبى حبان أن بنى حال عشرين أو نعته، وتقدير التمييز خلاف الأصل، وقال الحوفى: يجوز كون أسباطا نعتا لفرقة، حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه على أن فى الكل فرقة من الأثنتى عشرة أسباط لا سبطا واحدا، وأنث العدد لأن السبط الفرقة والأمة، وفيه أن النعت بالجامد خلاف الكثير، والسبط فى ولد إسحاق كالقبيلة فى ولد إسماعيل، قال الزجاج: السبط فى الأصل اسم شجر، والأظهر أنه عربى عرب، قيل: كانوا اثنتى عشرة قبيلة من اثنى عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام، كل واحدة توءم خلاف ما توءمه الآخر، ولا تكاد تتألف ولذلك قال: {أمماً} جمع أمة بدل ثان، أو بدل من البدل أو نعته، لكنه جامد، أو بدل لم يتقدمه بدل إذا جعلنا أسباطا تمييزا، وبدل من التمييز أو نعته، وكم من تمييز يتم البيان بقيده من تابع أو غيره، فبطل إنكار شيخ الإسلام كونه نعتا للتمييز {وأوْحَينا إلى مُوسَى إذ اسْتَسقاه قَومهُ} طلبوا منه ماء للشرب فى التيه، وعن الحسن أن الآية فى خروجهم من البحر إذ خرجوا فى أرض بيضاء لا ماء ولا بناء ولا طعام {أنِ اضْرِب بعَصَاكَ الحَجَرِ} المعهود عندك الحاضر، قيل: هو حجر واحتمله معه من الطور. {فانْبَجَستْ} انفجرت، والمراد الافتتاح بسعة وكثرة، وزعم بعض أن الانبجاس أخف من الانفجار، ولا تعارض فإنها تسيل أولا قليلا ثم كثيرا، والأصل فضرب فانبجست، وحذف العاطف والمعطوف لعدم اللبس، وليكون الكلام بصورة تسبب الانبجاس عن الإيحاء بالضرب، دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأن ضربه لم يوقف الله الانبجاس عليه بالذات، بل بالعرض لأن يكون معجزة، ويجوز أن يكون التقدير،: فإن ضربت بها فقد انفجرت. {منْهُ اثْنتا عَشْرة عيناً} لكل سبط عين يخرج ماؤه عذبا يضرب الحجر كلما نزلوا {قَدْ عَلم كلُّ أناسٍ} كل سبط وهو اسم جمع أو جمع تكسير لناس، على أن أصله أناس بكسر الهمزة أبدلت الهمزة ضمة {مَشْربهم} موضع شربهم، لا يشرب سبط من مشرب آخر. {وظلَّلْنا عَليهمُ الغَمامَ} جعلناه ظليلا مشرفا عليهم، يقيهم من حر الشمس {وأنْزلنا عَليهم المنَّ} المطر ضعيفا أو دون المطر أو الندى ينعقد لهم حلوا جافا كالصمغ الرطب، أو ينعقد عسلا لكنه أبيض كالثلج {والسَّلْوى} جمع سلوات ككلم وكلمة وهى السمَّان، وهى طائر، ومن كلام فى ذلك فى سورة البقرة. {كلُوا} أى وقلنا لهم كلوا {مِنْ طيِّبات ما رزَقْناكم} وهى المنّ والسلوى، وقرأ الأعمش، وعيسى الهمدانى: ما رزقتكم بالتاء ويطروا النعمة ولم يشكروها، وملوا من طعام واحد {وما ظَلمُونا} ما ضرونا ببطرهم وكفرهم النعمة {ولكنْ كانُوا أنفُسهم يظْلمونَ} يضرون بذلك، لأنه خلاف ما أمروا به.

اطفيش

تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمْ} فرقناهم، والشد للمبالغة {اثْنَتَىَ عَشْرَةَ} حال، أَو قطعنا: صيرنا، فاثنتى عشرة مفعول ثان {أَسْبَاطًا} بدل من اثنتى عشرة أَو من تمييزه المحذوف، أَى اثنتى عشرة فرقة، وقال ابن مالك: تمييز، ولعله أَراد بدل التمييز لأَنه جمع، ولو كان تمييزاً لقال اثنى عشر بإِسقاط التاءَين لأَن السبط ذكر، وقال: يسوغ إِسقاطهما ذكر أمما المؤنث، وأَيضاً جعله تمييزاً لأَنه يجوز إِطلاق الأَسباط على فرقة على أَن كل فرد منها سبط، فلكونه بمعنى فرقة ثبتت التاءَان، والسبط ولد الولد أَو ولد البنت أَو الولد، وأَولاد يعقوب اثنا عشر، وأَولاد كل واحد سبط من بنى إِسرائيل كقبيلة من العرب {أُمَمًا} بدل من أَسباطاً، وقد أَجيز الإِبدال من البدل أَو نعت، وجملة قطعناهم عطفت على ما قبلها عطف قصة على أُخرى إِذ هذه فى شأن التيه، قطعهم اثنتى عشرة ليخف أَمرهم على موسى بجعل عريف لكل سبط، ضبطاً لأَحوالهم ولا يتحاسدوا {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى} فى التيه {إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} فيه حين عطشوا فقالوا: من أَين لنا الشراب؟ {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ} حجراً مخصوصاً خفيفاً مربعاً فى قدر رأس الرجل من رخام أَو كذان يحمله معه فى مخلاته حرصاً عليه، وهو الذى فر بثوبه ليرى أَنه غير آدر {فَانْبَجَسَتْ} فضرب فانبجست، وحذف لأَن موسى لم يتوقف، ولأَن ضربه لم يؤثر بذاته، وذلك كقوله تعالى "أية : وما رميت إِذ رميت" تفسير : [الأَنفال: 17] إِلخ.. والانبجاس خروج الماء، وقيل: بقلة.. وعليه فيكثر بعد، فيجمع بين آيتى الانبجاس والانفجار، الذى هو الكثرة، وزعم بعض أَن التقدير فإِذا ضربت انبجست {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} من كل وجه من أَوجهه الأَربعة ثلاث عيون {قَدْ عَلِمَ} عرف {كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ} موضع شربهم يجعل كل سبط جدولا من عينهم المخصوصة بهم إِلى جهة يخفونها، وذلك بتعيين، وقيل بطبع الله لهم على علم ذلك، وأناس بمعنى ناس، وكلاهما اسم جمع {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ} عن حر الشمس فى التيه {الْغَمَامَ}السحاب يلقى ظله عليهم يسير بسيرهم ويسكن بإِقامتهم، ولهم عمود نور فى السماءِ يسيرون ليلا بضوئه {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ المَنَّ} شئ حلو ينزل كالثلج من الفجر إِلى طلوع الشمس، الترنجين يأخذ كل واحد صاعا {وَالسَّلْوَى} جنس الطائر المسمى بالسمانى بالضم تحشره عليهم ريح الجنوب بالفتح فيأْخذ كل ما يكفيه وهو رخو بإِذن الله عز وجل لا يمتنع {كُلُوا} قائلين لهم: كلوا، أَو مقولا لهم: كلوا، أَو قلنا: كلوا {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} من المن والسلوى والماءِ {وَمَا ظَلَمُونَا} أَى فظلموا بأَن كفروا النعم، "وما ظلمونا" أَى لم يشكروا هذه النعم فى التيه، أَولم يشكروا النعم قبل التيه فوقعوا فيه بكفرها، وما ظلمونا بذلك، ودل ذلك على الفاصلة هى قوله: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بتعديهم الحدود، وبطر النعم، وضرره عليهم.

الالوسي

تفسير : {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ} أي قوم موسى عليه السلام لا الأمة المذكورة كما يوهمه القرب وقطع يقرأ مشدداً ومخففاً والأول هو المتواتر ويتعدى لواحد وقد يضمن معنى صير فيتعدى لاثنين فقوله تعالى: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ} حال أو مفعول ثان، أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم اثنتي عشرة أمة يتميز بعضها عن بعض، وقوله سبحانه وتعالى: {أَسْبَـٰطاً} كما قال ابن الحاجب في «شرح المفصل» بدل من العدد لا تمييز له وإلا لكانوا ستة وثلاثين، وعليه فالتمييز محذوف أي فرقة أو نحوه، قال الحوفي: إن صفة التمييز أقيمت مقامه والأصل فرقة اسباطاً، وجوز أن يكون تمييزاً لأن مفرد تأويلاً، فقد ذكروا أن السبط مفرداً ولد الولد أو ولد البنت أو الولد أو القطعة من الشيء أقوال ذكرها ابن الأثير، ثم استعمل في كل جماعة من بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، ولعله تسمية لهم باسم أصلهم كتميم، وقد يطلق على كل قبيلة منهم أسباط أيضاً كما غلب الأنصار على جمع مخصوص فهو حينئذ بمعنى الحي والقبيلة فلهذا وقع موقع المفرد في التمييز وهذا كما ثنى الجمع في قول أبـي النجم يصف رمكة تعودت الحرب:شعر : تبقلت في أول التبقل بين رماحي مالك ونهشل تفسير : وتأنيث اثنتي مع أن المعدود مذكر وما قبل الثلاثة يجري على أصل التأنيث والتذكير لتأويل ذلك بمؤنث وهو ظاهر مما قررنا، وقرأ الأعمش وغيره {عشرة} بكسر الشين وروي عنه فتحها أيضاً والكسر لغة تميم والسكون لغة الحجاز، وقوله سبحانه: {أُمَمًا} بدل بعد بدل من (اثنتي عشرة) لا من أسباط على تقدير أن / يكون بدلاً لأنه لا يبدل من البدل، وجوز كونه بدلاً منه إذا لم يكن بدلاً ونعتاً إن كان كذلك أو لم يكن. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ} حين استولى عليه العطش في التيه {أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} تفسير لفعل الإيحاء فَـأن بمعنى أي، وجوز أبو البقاء كونها مصدرية {فَٱنبَجَسَتْ} أي انفجرت كما قال ابن عباس وزعم الطبرسي أن الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة، والتعبير بهذا تارة وبالأخرى أخرى باعتبار أول الخروج وما انتهى إليه والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فضرب فانبجست وحذف المعطوف عليه لعدم الالباس وللإشارة إلى سرعة الامتثال حتى كأن الإيحاء وضربه أمر واحد وأن الانبجاس بأمر الله تعالى حتى كأن فعل موسى عليه السلام لا دخل فيه. وذكر بعض المحققين أن هذه الفاء على ما قرر فصيحة وبعضهم يقدر شرطاً في الكلام فإذا ضربت فقد انبجست {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} وهو غير لائق بالنظم الجليل {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} أي سبط، والتعبير عنهم بذلك للإيذان بكثرة كل واحد من الأسباط، وأُناس إما جمع أو اسم جمع، وذكر السعد أن أهل اللغة يسمون اسم الجمع جمعاً، و {عِلْمٍ} بمعنى عرف الناصب مفعولاً واحداً أي قد عرف {مَّشْرَبَهُمْ} أي عينهم الخاصة بهم، ووجه الجمع ظاهر. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ} أي جعلنا ذلك بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس وكان يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم {وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي الترنجبين والسماني فكان الواحد منهم يأخذ ما يكفيه من ذلك {كُلُواْ} أي قلنا أو قائلين لهم كلوا. {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أي مستلذاته، و {مَا} موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا} عطف على محذوف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح أي فظلموا بأن كفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر إذ لا يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول لإفادة القصر الذي يقتضيه النفي السابق، وفي الكلام من التهكم والإشارة إلى تماديهم على ما هم فيه ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا}. عطف على قوله {أية : ومن قوم موسى أمة} تفسير : [الأعراف: 159] إلخ، فإن ذلك التقطيع وقع في الأمة الذين يهدون بالحق. والتقطيع شدة في القطع وهو التفريق، والمراد به التقسيم، وليس المراد بهذا الخبر الذم، ولا بالتقطيع العقاب، لأن ذلك التقطيع منة من الله، وهو من محاسن سياسة الشريعة الموسوية، ومن مقدمات نظام الجماعة كما فصله السفر الرابع، وهو سفر عدد بني إسرائيل وتقسيمهم، وهو نظير ما فعل عمر بن الخطاب من تدوين الديوان، وهم كانوا منتسبين إلى أسباط إسحاق، ولكنهم لم يكونوا مقسمين عشائِر لمّا كانوا في مصر، ولمّا اجتازوا البحر، فكان التقسيم بعد اجتيازهم البحر الأحمر، وقبلَ انفجار العيون، وهو ظاهر القرآن في سورة البقرة وفي هذه السورة لقوله فيهما: {قد علم كل أناس مشربهم} وذكرهُ هنا الاستسْقاء عقب الانقسام إلى اثنتي عشرة أمة، وذلك ضروري أن يكون قبل الاستسْقاء، لأنه لو وقع السقي قبل التقسيم لحصل من التزاحم على الماء ما يفضي إلى الضر بالقوم، وظاهر التوراة أنهم لما مروا بِحُوريب، وجاء شعيب للقاء موسى: إن شعيباً أشار على موسى أن يقيم لهم رؤساء ألوف، ورؤساء مِئات، ورؤساء خماسين، ورؤساء عشرات، حسب الإصحاح 18 من الخروج، وذلك يقتضي أن الأمة كانت منتسبة قبائِل من قبلُ، ليسهل وضع الرؤساء على الأعداد، ووقع في السنة الثانية من خروجهم أن الله أمر موسى أن يحصي جميع بني إسرائيل، وأن مِوسى وهارون جمعا جميع بني إسرائيل فانتسبوا إلى عشائرهم وبيوت آبائِهم، كما في الإصحاح الأول من سفر العدد، وتقدم ذكر الأسباط عند قوله تعالى: {أية : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} تفسير : في سورة البقرة (136). وجيء باسم العدد بصيغه التأنيث في قوله: {اثنتي عشرة} لأن السبط أطلق هنا على الأمة فحذف تمييز العدد لدلالة قوله: {أمماً} عليه. و{أسباطاً} حال من الضمير المنصوب في {وقطّعناهم} ولا يجوز كونه تمييزاً لأن تمييز اثنتي عشرة ونحوه لا يكون إلاّ مفرداً. وقوله: {أمماً} بدل من أسباط أو من أثنتي عشرة، وعدل عن جعل أحد الحالين تمييزاً في الكلام إيجازاً وتنبيهاً على قصد المنة بكونهم أمماً من آباء أخوة. وأن كل سبط من أولئك قد صار أمة، قال تعالى: {أية : واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّرَكم} تفسير : [الأعراف: 86] مع ما يذكر به لفظ أسباط من تفضيلهم، لأن الأسباط أسباط إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. هذا مظهر من مظاهر حكمة تقسيمهم إلى اثني عشر سبطاً ولم يعطف هذا الخبر بالفاء لإفادة أنه منة مستقلة. وتفسير هذه الآية مضى في مشابهتها عند قوله: {أية : وإذ استسقى موسى لقومه}تفسير : في سورة البقرة (60). و{انبجست} مطاوع بجس إذا شق، والتعقيب الذي دلت عليه الفاء تعقيب مجازي تشبيهاً لقصر المهلة بالتعقيب ونظايره كثيرة في القرآن، ومنه ما وقع في خبر الشّرب إلى أم زرع قولها: «فلقي امرأة معها ولدان كالفهديْن يلعبان من تحت خصرها برُمّانتين فطلّقني ونكحها» إذ التقدير فأعجبته فطلقني ونكحها. ضمائر الغيبة راجعة إلى قوم موسى، وهذه الآية نظير ما في سورة البقرة سوى اختلاف بضميري الغيبة هنا وضميري الخطاب هناك لأن ما هنالك قصد به التوبيخ. وقد أسند فعل (قيل) في قوله: {أية : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية}تفسير : [الأعراف: 161] إلى المجهول وأسند في سورة البقرة (58) إلى ضمير الجلالة {وإذ قلنا} لظهور أن هذا القول لا يصدر إلاّ من الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 160- عدَّد اللَّه نعمه على قوم موسى، فأفاد أنه صيَّرهم اثنتى عشرة فرقة وجعلهم جماعات، وميَّز كل جماعة بنظامها، منعا للتحاسد والخلاف، وأوحى إلى موسى حين طلب منه قومه الماء فى التيه، بأن يضرب الحجر بعصاه، فضربه فانفجرت اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط، وقد عرف كل جماعة منهم مكان شربهم الخاص بهم، فلا يزاحمهم فيه غيرهم، وجعل لهم السحاب يلقى عليهم ظله فى التيه، ليقيهم حر الشمس، وأنزل عليهم المن، وهو طعام يشبه البرد فى منظره، ويشبه الشهد فى مطعمه، وأنزل السلوى، وهو الطير السمانى، وقال لهم: كلوا من مستلذات ما رزقناكم مما أنزلناه عليكم. فظلموا أنفسهم وكفروا بتلك النعم، وطلبوا غيرها، وما رجع إلينا ضرر ظلمهم ولكنه كان مقصورا عليهم. 161- واذكر - يأيها النبى - لمن وجد منهم فى زمانك، تقريعا لهم بما فعل أسلافهم، اذكر لهم قولنا لأسلافهم على لسان موسى: اسكنوا مدينة بيت المقدس بعد الخروج من التيه، وكلوا من خيراتها فى أية ناحية من نواحيها شئتم، وقولوا نسألك يا ربنا أن تحط عنا خطايانا، وادخلوا باب القرية مع انحناء الرءوس كهيئة الركوع تواضعا للَّه. إذا فعلتم ذلك تجاوزنا عن ذنوبكم، وسنزيد ثواب من أحسنوا الأعمال. 162- فخالفوا أمر ربهم، فقالوا بسبب ظلمهم قولا غير الذى قيل لهم قصد الاستهزاء بموسى، فأنزلنا عليهم عذابا من السماء بسبب استمرارهم على الظلم وتجاوز الحد.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمُ} {ٱسْتَسْقَاهُ} {ٱلْغَمَامَ} {طَيِّبَاتِ} {رَزَقْنَاكُمْ} (160) - وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى بَني إسْرَائِيلَ اثْنَتي عَشْرَةَ جَمَاعَةً، إذْ جَعَلَ نَسْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ الاثْنَي عَشَرَ أُمَّةً وَجَمَاعَةً. وَحِينَما عَطِشَ بَنُوا إسْرَائِيل فِي صَحراءِ سِينَاءَ، اسْتَسْقَى لَهُمْ مُوسَى، فَأوْحَى اللهُ إليهِ: أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ حَجَراً مِنْ أحْجَارِ الصَّحْراءِ، فَضَرَبَهُ فَانْبَجَسَتِ المِيَاهُ مِنْهُ، فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ عَيْناً، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَيْنٌ يَشْرَبُ مِنْهَا، مَنْعاً لِلْخِصَامِ والتَّنَافُسِ وَالتَّزَاحُمِ عَلَى المَاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَسَخَّرَ اللهُ لَهُمْ الغَمَامَ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ، لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ، وَأَرْسَلَ إليهِم المَنَّ وَالسَّلْوَى، فَأخَذُوا يَأكُلُونَ مِنْ طِيِّبَاتِ رِزْقِ اللهِ، وَيَشْرَبُونَ مِنَ المَاءِ، فَكَفَرُوا بِهذِهِ النِّعَمِ، وَخَالَفُوا أمرَ اللهِ، فَأَلَحَقُوا الضَّرَرَ بِأنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً. انْبَجَسَتْ - نَبَعَتْ وَتَفَجَّرَتْ. المَنُّ - مَادَّةٌ حُلْوَةٌ تَقَعُ عَلَى الأشْجَارِ. السَّلْوَى - طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى لَحْمُهُ لَذِيذُ الطَّعْمِ. السِّبْطُ - وَلَدُ الوَلَدِ وَأطْلِقَتْ كَلِمَةُ أسْبَاطٍ عَلَى أَحْفَادِ يَعْقُوبَ، عَلَيهِ السَّلاَمُ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَطَّعْنَاهُمُ} يعني بني إسرائيل {ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} روى أبان بن يزيد العطار عن عاصم: وقطعناهم بالتخفيف وأراد بالأسباط القبائل والفرق ولذلك أنشأ العدد والأسباط جمع مذكر. قال الشاعر: شعر : وإن قريشاً كلّها عشر أبطن وأنت بريءٌ من قبائلها العشر تفسير : فذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة فلذلك كان [البطن] مذكر وإنما قال: (أسباطاً أُمماً) بالجمع ولا يقال: أتاني اثنا عشر رجالاً، لأنه أراد الأعداد والجموع فأقام كل عدد مقام واحد، وقيل: معناه وقطعناهم أسباطاً أمماً اثني عشر. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} في التيه {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} قال عطاء: كان الحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين لا يُخالطهم سواه {فَٱنبَجَسَتْ} أخصبت وانفجرت. قال أهل التفسير: انبجست وانفجرت واحد، وكان أبو عمرو بن العلاء يفرق بينهما فيقول انبجست عرفت وانفجرت [سالت]. قال عطاء: كان يظهر على كل موضع من الحجر يضربه موسى (عليه السلام) مثل ثدي المرأة فيعرق أوّلاً ثمّ يسيل {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} من كل سبط {مَّشْرَبَهُمْ} لا يدخل سبط على غيره في شربه وكل سبط من أب واحد. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ} في التيه يقيهم من الشمس {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} إلى قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ} وقرأ أهل المدينة يغفر [بياء] مضمومة وخطاياكم بالرفع، وقرأ ابن [عامر] بتاء مضمومة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين يقول الحق "قطعناهم" فهذه عودة لقوم موسى، ونعرف أن القرآن لا يخصص كأي كتاب فصلاً لموسى وآخر لعيسى وثالثاً لمحمد، لا، بل يجعل من المنهج الإِيماني عجينة واحدة في الدعوة، فيأتي بقضية عيسى، ثم يدخل في الدعوة قضية موسى وغيره وهكذا، ثم يرجع إلى القضية الأصلية كي يستغل انفعالات النفس بعد أي قصة من القصص. وهنا يعود الحق سبحانه لقوم موسى مرة أخرى. فبعد أن أنصفهم وبيّن أن فيهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقول: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}. والمقصود هنا بنو إسرائيل، ومعنى "قطعت الشيء" أن الشيء كان له تمام وجودي مع بعضه، ثم قطعته وفصلت بعضه عن بعض، وجعلته قطعاً وأجزاء. فهم كلهم بنو إسرائيل، ولكن الحق يوضح أنه قطعهم وجعلهم "أسباطاً"، و"السبط" هو ولد والولد، وهم هنا أولاد سيدنا يعقوب وكانوا اثني عشر ولداً، وحكت سورة يوسف وقالت: {أية : ...يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4] وحين تعد وتحصي ستجد أحد عشر كوكباً مرئية، وتضم إليها الشمس والقمر والرائي، فيصير العدد أربعة عشر واترك الشمس والقمر لأنهما يرمزان إلى يعقوب وزوجه، وخذ الأحد عشر كوكباً، وأضف الرائي وهو يوسف فيكون العدد اثنى عشر. وهؤلاء هم الاثنى عشر سبطاً، فقد أنجب سيدنا يعقوب اثنى عشر ابناً من أمهات مختلفة، وعرفنا من قبل أن الأمهات حين تتعدد فالميول الأهوائية بين الأبناء قد تتعاند. ولذلك تنبأ سيدنا يعقوب وقال لسيدنا يوسف: {أية : لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً...} تفسير : [يوسف: 5] هذا أول دليل على أنهم مختلفون، وهو سبب من أسباب وحيثية التقطيع: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً}. وفي سورة يوسف نقرأ: {أية : هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً...} تفسير : [يوسف: 100] وهنا يقول الحق سبحانه:{وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً...} [الأعراف: 160] إنهم لا يريدون حتى مجرد الاشتراك في الماء تحسباً للاختلاف فيما بينهم، فجعل الحق لكل سبط منهم عيناً يشرب منها ليعالج ما فيهم من داءات الغيرة والحقد على بعضهم البعض؛ لأن الحق قال عنهم: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}. وهنا وقفة لغوية فقط، والأسباط في أولاد يعقوب وإسحاق يقابلون القبائل في أولاد إسماعيل، وأولاد إسماعيل "العرب" يسمونهم قبائل، وهؤلاء يسمونهم "أسباطاً"، ونعرف أن لفظ "اثنتي" يدل على أنهم إناث، و"عشرة" أيضاً إناث، لأننا نقول: "جاءني رجلان اثنان" و"امرأتان اثنتان"؛ أي اثنان للذكور، واثنتان للإِناث، وكلمة "اثنتي عشرة" عدد مركب وتمييزه يكون دائماً مفرداً، ولذلك يقول الحق: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}. إذن "اثنتا عشرة" يدل على أنه مؤنث. لكن المذكور هنا "سبط" وسبط مذكر، ولنا أن نعرف أنه إذا جمع صار مؤنثاً لأنهم يقولون: "كل جمع مؤنث" وأيضاً فالمراد بالأسباط القبائل، ومفردها قبيلة وهي مؤنثة، وقطعهم أي كانت لهم - من قبل - وحدة تجمعهم، فأراد الحق أن يلفتنا إلى أنهم من شيء واحد، فجاء بكلمة "أسباط" مكان قبيلة، وقبيلة مفردة مؤنثة، ويقال: "اثنتا عشرة قبيلة"، ولا يقال اثنتا عشرة قبائل، فوضع أسباطاً، موضع قبيلة لأن كل قبيلة تضم أسباطاً لذا جاء التمييز مذكراً... {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً...} [الأعراف: 160] أي جعلنا كل سبط أمة بخصوصها. والواقع الكوني أثبت أنهم كذلك؛ لأنك لا تجد لهم - فيما مضى - تجمعاً قوميًّا وهو ما يسمونه "الوطن القومي لليهود" برغم أن الدول الظالمة القوية أعانوهم وأقاموا لهم وطنًّا على أرض فلسطين، ومع ذلك نجد في كل بلد طائفة منهم تعيش معزولة عن الشعوب التي تحيا في رحابها، وكأنهم لا يريدون أن يذوبوا في الشعوب، ففي باريس - مثلاً - تجد "حي اليهود"، وفي لندن المسألة نفسها، وفي كل مدينة كبيرة تتكرر هذه الحكاية، فهم يعيشون فيها بطقوسهم وبشكلهم وبأكلهم، وبعاداتهم معزولين عن الشعوب، وكأنهم ينفذون قدر الله فيهم: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}. وقطعهم ربنا في الأرض أي أنه نشرهم في البلاد، ولم يجعل لهم وطناً مستقلاً، ولذلك ستقرأ في سورة الإِسراء إن شاء الله: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ...}. أي أنه سبحانه قال لهم بعد سيدنا موسى: اسكنوا الأرض وحين تقول لنا يا رب: "اسكن" فأنت تحدد مكاناً من الأرض. كأن يسكن الإِنسان في الإِسكندرية أو القاهرة أو الأردن أو سوريا، لكن أن يصدر الحكم بأن {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} فهذا يعني أن انساحوا فيها فلا تجمع لكم. ويقول الحق: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً}. أي أنه حين يجيء وعد الآخرة تكون ضربة قاضية عليكم - أيها اليهود - لأن عدوكم لن يتتبعكم في كل أمة من الأمم، ويبعث جيشاً يحاربكم في كل مكان تعيش فيه طائفة منكم، لكن إذا جاء وعد الآخرة يأتي بهم الحق لفيفاً ويتجمعون. في هذا الوطن القومي الذين يفرحون به، ونقول لهم: لا تفرحوا فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم. ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ...} [الأعراف: 160] و"استسقى" المراد منه هو طلب السقيا، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع على الإِنسان العطش، ومادام قد طلبوا السقيا فلابد أنهم يعانون من ظمأ، كأنهم في التيه. وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الرِّي. والحق يقول: {إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ}، أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل الله السقيا. فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ؟ وقال لهم موسى: ليس بذاتي أرويكم، ولكن سأستسقي لكم ربي، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري: الهواء والماء والطعام. وساعة ترى "همزة" وسيناً "وتاء" واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه. مثال ذلك: حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها، أي طلبا طعاماً وهذا هو المقوم الثالث للحياة. وهنا "استسقى" أي طلب المقوم الثاني وهو الماء، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه. لذا لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق. ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع؛ لذلك لم توجد فيه هذه العملية. إنما الطعام يُمكن أن يُملك، والماء يُمكن أن يُملك، فقال سبحانه مرة "استطعم"، وقال هنا "استسقى"، ولم يوجد "استهوى" لطلب الهواء، لكن وجد في القرآن "استهوى" بمعنى طلب أن تكون على هواه: {أية : ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ...} تفسير : [الأنعام: 71] أي طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعاً لما يريدون لا لما يريده الله. وقصة الاستسقاء وردت من قبل في سورة البقرة: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ}. وفي سورة الأعراف التي نحن بصدد خواطرنا عنها هم الذين طلبوا الاستسقاء. فهل هناك تعارض؟. طبعاً لا؛ لأن قوم موسى طلبوا السقيا من موسى، فطلب لهم السقيا من ربه. فهل هذا تكرار؟ لا؛ لأنه سبحانه تكلم عن الواسطة، وبعد ذلك تكلم عن الأصل، وهو سبحانه الواهب للماء؛ فقال هنا: "إذ استسقاه قومه"، وفي سورة البقرة قال: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ}. وهذا ترتيب طبيعي. أقول ذلك لنعرف الفارق بين العبارتين حتى نؤكد أنه لا خلاف ولا تكرار؛ لأن المستسقي هنا القوم، والمستسقي لهم هنا هو موسى والمستسقي منه هو الله - جلت قدرته- وهذا أمر طبيعي. والحق سبحانه يقول في سورة البقرة: {أية : وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ...} تفسير : [البقرة: 60] ونجد الوحي نزل إلى موسى بقوله: {فَقُلْنَا ٱضْرِب}؛ وهنا في سورة الأعراف نجد الحق يقول: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ...} [الأعراف: 160] ولنا أن نعرف أَنَّ {فَقُلْنَا} تساوي "أوحينا" تماماً، لأن المقصود بالقول هنا ليس من مناطات تكليم الله لموسى، بل مناط هذه القضية غير المناط في قوله الحق: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}. فليس كل وحي لموسى جاء بكلام مباشر من الله، بل سبحانه كلمه مرة واحدة كتشريف له، ثم أوحي له من بعد ذلك كغيره من الرسل. وقوله الحق: {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً...} [الأعراف: 160] هذا القول يدلنا على الإِعجاز المطلق، فمرة أمر الحق موسى أن يضرب الماء بالعصا {فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}، ومرة يأمره هنا أن يضرب الحجر فينحبس منه الماء، وهكذا نرى طلاقة قدرة الله في أن يعطي ويمنع بالشيء الواحد، ولم يكن ذلك إلا بالأسباب التي في يد الله يحركها كيف يشاء. ولذلك رأينا أمر الله حين ضرب موسى البحر بعصاه، فصار كل فرق كالطود، أي كالجبل، وامتنعت السيولة، ولما خرج موسى وقومه إلى البر بعد أن عبر البحر أراد أن يضرب البحر ليعود ثانية إلى سيرته الأولى من السيولة، فأوحى له الله: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً}. أي تركه كما هو عليه؛ لأن الله يريد أن يغتر فرعون وقومه بأن يروا اليابس طريقاً موجوداً بين الماء، فيحاولوا النفاذ منه وراء موسى وقومه، وما أن دخل فرعون وقومه خلف موسى حتى عاد الماء إلى سيولته فغرق فرعون وقومه. وهكذا أنجى الله وأغرق بالشيء الواحد، وكذلك في أمر العصا؛ إنها حين ضربت الماء فلقته فصار كل فرق كالطود والجبل الشامخ، ثم ضرب موسى بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا من الماء، وهكذا نرى قدرة من بيده القدرة والأسباب. {ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً...} [الأعراف: 160] وهنا تعبير "انبجست"، وهناك تعبير "انفجرت"، ونعلم أن الانبجاس يحدث أولاً ثم يتبعه الانفجار ثانياً، فالانبجاس أن يأتي الماء قطرة قطرة، ثم يأتي الانفجار وتتدفق المياه الكثيرة، فكان موسى عليه السلام أول ما يضرب الضربة تأتي وتجيء المياه قليلة ثم تنفجر بعد ذلك. إذن فقد تكلم الحق عن المراحل التي أعقبت الضربة في لقطات متعددة لمظهر واحد؛ له أولية وله آخرية. وحين تكلم أمير الشعراء عن عطاء الله وقدرته قال: شعر : سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولى أرسلت بالتوراة موسى مرشداً وابن البتول فعلَّم الإِنجيلا تفسير : ثم جاء لسيدنا محمد وقال: شعر : وفجرت ينبوع البيان محمداً فسقى وناول التنزيلا تفسير : وهنا توفيق رائع في العبارة حين قال: "فسقى الحديث"، فالحديث سقيا أما القرآن فمناولة من الله لخلقه. والحق يقول: {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}. إن الضربة واحدة من عصا واحدة، وكان المفترض أن تحدث هذه الضربة عينا واحدة تنبع منها المياه، لكن الحق أرادها اثنتي عشرة عينا وعلم كل أناس مشربهم؛ لذلك كان لابد أن يكون المكان متسعاً. وأن هذه الضربة كانت إيذاناً بالانفعال من الأرض. {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ...} [الأعراف: 160] ومن أين عرف كل قسم منهم الماء الذي يخصه؟ إنها قسمة الله وصارت كل عين تجذب أصحابها، فلم يتزاحموا، وهذا يدل أيضاً على التساوي، فلم تنفجر عين بماء أكثر من الأخرى فتثير الطمع، لا، بل انتظم الجميع فيما أراده الحق: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. والحق هنا يتكلم عن رحلة بني إسرائيل في التيه، وفي الصحراء والشمس محرقة، ولا ماء، فاستسقوا موسى، فطلب لهم السقيا من الله، وجاءت لهم اثنتا عشرة عينا حتى لا يتزاحموا، وعرف كل منهم مشربه. ويضيف الحق: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ}. ولأن الشمس محرقة يرحمهم الله بمسيرة من الغمامات تظللهم، ولكل سبط غمامة على قدره، فإذا كان الواحد من البشر حين يوزع جماعة من كتل صغيرة، لا يعجز أن يضعهم في عشرين خيمة مثلا، فهل يعجز ربنا عن ذلك؟ طبعاً لا. وإذا كان الحق قد ضمن لنا في الأرض الرزق حتى لا نجوع، ولا نعرى، ولا تحرقنا الشمس، ونجد ماء. إذن لقد بقي أمر الطعام لهؤلاء. فقال: لا تحرقنا الشمس، ونجد ماء. إذن لقد بقي أمر الطعام لهؤلاء. فقال: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ...} [الأعراف: 160] ساعة تأتي كلمة "أنزلنا" نعرف أنها مسألة جاءت من علو، ولا يُفترض أن يكون مكانها عاليًّا، لكن هي مسألة جاءت من أعلى من قدرتك، أي من فوق أسبابك إنها بقدرة الأعلى. و"المنّ" مادة بيضاء اللون حلوة الطعم مثل قطرات الزئبق. يجدونه على الشجر. ولا يزال هذا الشجر موجوداً إلى الآن في العراق، يهزونه صباحاً فيتساقط ما على الورق من قطرات متجمدة لونها أبيض، فيأخذونه على ملاءة بيضاء واسمه عندهم المنْ - أيضاً - وهو طعم القشدة وليونتها، وحلاة العسل. و"السلوى" هو طير من رتبة الدجاجيات يستوطن أوروبا وحوض البحر المتوسط واحدته "سَلواة" وهو "السُّماني" ويسميه أهل السواحل "السُّمان" وهو يأتي مهاجراً ولم يربه أحد، وفي هذا إنزال من الله لأنه رزق من فوق قدرة العباد وأسبابهم. {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ...} [الأعراف: 160] وهناك مصانع تصنع المن في أشكال مختلفة وأنواع من الحلوى جميلة، ومن زار العراق ذاقه أو أحضره لأهله. والسلوى - كما قلنا - هو طائر "السمان" الموجود في بيئة أخرى يغريه ربنا بالطقس الدافئ فيأتي إلينا لنأخذه، وهذه الطيور جاءت طالبة استمرار الحياة، ويبعثها ربنا لتصير لنا طعاماً ليدلل على أنه حين يريد الماء، وكما ظلّلهم بالغمام، وبذلك صارت حاجاتهم قدريَّة ليس لهم فيها أسباب وجاءت لهم بالهناء. فقالوا: ومن يدرينا أن الرزق الذي يأتينا من المن والسلوى سيستمر، ثم كيف لنا أن نصبر على طعام واحد؟ إنهم قالوا لنبيهم سيدنا موسى ما حكاه القرآن بقوله: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا...}تفسير : [البقرة: 61] وهنا قال الحق: اذهبوا إلى أي مِصْرٍ من الأمصار والمدن تجدوا ما تريدون: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}. لقد أعطاهم الحق الرزق بدون السببية، إنه منه مباشرة، فكان من الواجب أن تشكروا من أراحكم، وجعل لكم الرزق ميسرا. لكنهم لم يشكروا الله، بل تمردوا، ولذلك ذيل الحق الآية بقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. نعم فهم ظلموا بعدم شكر النعمة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱنبَجَسَتْ} معناه انفَجرتْ. تفسير : وقوله تعالى: {أَسْبَاطاً} معناهُ قَبَائلُ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {وَقَطَّعْنَاهُمُ} أي: جزأناهم وصيرناهم {ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ} أضراباً على عدد أبناء يعقوب {أَسْبَاطاً} لهم كل حزبٍ سبط لواحد منهم؛ لذلك صاروا {أُمَماً} مختلفة، وإن كان الكل مسمى ببني إسرائيل {وَ} من جملة نعمنا إياهم: إنَّا {أَوْحَيْنَآ} من مقام جودنا {إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} أي: حين صاروا تائهين حائرين، عطاشاً هائمين {أَنِ ٱضْرِب} يا موسى {بِّعَصَاكَ} التي استعنت بها في الأمور {ٱلْحَجَرَ} الذي بين يديك فضرب {فَٱنبَجَسَتْ} أي: خرجت وجرت على الفور بلا تراخ ومهلة {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} جارية بضربة واحدة على عدد الأسباط والفرق؛ بحيث {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} من كل سبط {مَّشْرَبَهُمْ} المخصوص لهم؛ لئلا يقع الخصومة والنزاع بينهم. {وَ} من جملة نعمنا إياهم: إنَّا {ظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ} أي: أمرنا بأن يظل عليهم في التيه؛ لئلا يتضرروا من شدة الحر فيستريحوا {وَ} أيضاً {أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ} الترنجبين لشربهم؛ تبريداً لمزاجهم {وَٱلسَّلْوَىٰ} السماني؛ لغذائهم، وقلنا لهم: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} لتقويم مزاجكم {وَمَا ظَلَمُونَا} أولئك الخارجون عن أوارمنا {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160] أي: يظلمون أنفسهم بما اقترفوا من المعاصي والآثام ويلقونها بذلك في عذاب الدنيا والآخرة، ومع قبح صنيعهم معنا راعيناهم وأنعمنا عليهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عمن أنعم به على تلك الأمة، وعمَّا كفروا بأنعمه، فقال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160]؛ لأنهم حمدوا الله على ما أنعم عليهم، ولا شكروه على نعمه التي أعطاهم؛ ليستحقوا المزيد بل كانوا [يستبدلون] الذي هو أدنى بالذي خير، وكفروا بأنعم الله فاستحقوا العذاب الأليم هذا فيما أنعم الله عليهم من الدنيوية النعمة والأخروية أيضاً أفسدوا على أنفسهم وكفروا بها كما قال تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 161].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} [160] 208- إنا إسحاق بن أبراهيم، أنا النضر، أنا شعبة، أنا عبد الملك بن عُمير قال: سمعت عمرو بن حُريث يقول: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الكَمَأة من المَنِّ، وماؤُها شفاءٌ للعين ". تفسير : 209- أنا محمد بن المُثنى، وعمرو بن يزيد، عن محمد، نا شعبة، أخبرني الحكم، عن الحسن العُرني، عن عمرو بن حُريث، عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. سمعته لما حدثني به الحكم، لم أُنكره من حديث عبد الملك.