Verse. 1113 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَ مِنْ قَوْمِ مُوْسٰۗي اُمَّۃٌ يَّہْدُوْنَ بِالْحَقِّ وَبِہٖ يَعْدِلُوْنَ۝۱۵۹
Wamin qawmi moosa ommatun yahdoona bialhaqqi wabihi yaAAdiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن قوم موسى أمَّةٌ» جماعة «يهدون» الناس «بالحق وبه يعدلون» في الحكم.

159

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته، ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من اتبع الحق وهدى إليه، وبين أنهم جماعة، لأن لفظ الأمة ينبىء عن الكثرة، واختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت، وفي أي زمان كانت؟ فقيل هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، وأسلموا مثل عبد الله بن سلام، وابن صوريا والاعتراض عليه بأنهم كانوا قليلين في العدد، ولفظ الأمة يقتضي الكثرة، يمكن الجواب عنه بأنه لما كانوا مختلفين في الدين، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } تفسير : [النحل: 120] وقيل: إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء، بقي سبط في جملة الإثني عشر فما صنعوا وسألوا الله أن ينقذهم منهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ثم هؤلاء اختلفوا، منهم من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن ومنهم من قال إنهم الآن على دين محمد صلى الله عليه وسلم يستقبلون الكعبة، وتركوا السبت وتمسكوا بالجمعة، لا يتظالمون ولا يتحاسدون ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد. وقال بعض المحققين: هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال: وصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما وصل إليهم هذا الخبر. فإن قلنا: وصل خبره إليهم، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار، فكيف يجوز وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون؟ وإن قلنا بأنهم لم يصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا بعيد، لأنه لما وصل خبرهم إلينا، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل أخبارهم، فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر محمد عليه الصلاة والسلام مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره وذكره؟ فإن قالوا: أليس إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم؟ قلنا: هذا ممنوع، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا إليهم، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ } أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق {وَبِهِ يَعْدِلُونَ } قال الزجاج: العدل الحكم بالحق. يقال: هو يقضي بالحق ويعدل؛ وهو حكم عادل، ومن ذلك قوله: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 129] وقوله: {أية : وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ } تفسير : [الأنعام: 152].

القرطبي

تفسير : أي يدعون الناس إلى الهداية. و{يَعْدِلُونَ} معناه في الحكم. وفي التفسير: إن هؤلاء قوم من وراء الصين، من وراء نهر الرّمل، يعبدون الله بالحق والعدل، آمنوا بمحمد وتركوا السبت، يستقبلون قبلتنا، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منا إليهم أحد. فروىٰ أنه لما وقع الاختلاف بعد موسى كانت منهم أمة يهدون بالحق، ولم يقدِروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في عزلة من الخلق، فصار لهم سرَب في الأرض، فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين؛ فهم على الحق إلى الآن. وبين الناس وبينهم بحر لا يوصل إليهم بسببه. ذهب جبريل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم ليلة المعراج فآمنوا به وعلمهم سوراً من القرآن وقال لهم: هل لكم مكيال وميزان؟ قالوا: لا، قال: فمن أين معاشكم؟ قالوا: نخرج إلى البرية فنزرع، فإذا حصدنا وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدنا إليه يأخذ حاجته. قال: فأين نساؤكم؟ قالوا: في ناحية مِنا، فإذا ٱحتاج أحدنا لزوجته صار إليها في وقت الحاجة. قال: فيكذِب أحدكم في حديثه؟ قالوا: لو فعل ذلك أحدنا أخذته لظىٰ، إن النار تنزل فتحرقه. قال: فما بال بيوتكم مستوية؟ قالوا لئلا يعلو بعضنا على بعض. قال: فما بال قبوركم على أبوابكم؟ قالوا: لئلا نغفل عن ذكر الموت. ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل عليه: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 181] يعني أمة محمد عليه السلام. يعلمه أن الذي أعطيت موسىٰ في قومه أعطيتك في أمتك. وقيل: هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه السلام من أهل الكتاب. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسىٰ قبل نسخه، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق، ويعدلون به؛ كما قال تعالى: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113] وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [آل عمران: 199] وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [القصص: 52-54] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } تفسير : [الإسراء:107-109] وقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبراً عجيباً، فقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج قوله: { وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله عز وجل أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا، قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: { وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَٰءِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} ووعد الآخرة عيسى بن مريم. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً. وقال ابن عيينة: عن صدقة أبي الهذيل عن السدي: { وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال قوم: بينكم وبينهم نهر من شهد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ } جماعة {يَهْدُونَ } الناس {بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } في الحكم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى } لما قص الله علينا ما وقع من السامريّ وأصحابه، وما حصل من بني إسرائيل من التزلزل في الدين، قص علينا سبحانه أن قوم موسى أمة مخالفة لأولئك الذين تقدّم ذكرهم، ووصفهم بأنهم {يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ } أي يدعون الناس إلى الهداية حال كونهم متلبسين بالحق {وَبِهِ } أي: بالحق {يَعْدِلُونَ } بين الناس في الحكم. وقيل: هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم منهم. قوله: {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا } الضمير يرجع إلى قوم موسى المتقدّم ذكرهم، لا إلى هؤلاء الأمة منهم الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، والمعنى: صيرناهم قطعاً متفرّقة، وميزنا بعضهم من بعض. وهذا من جملة ما قصه الله علينا من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، والمعنى: أنه ميز بعضهم من بعض حتى صاروا أسباطاً كل سبط معروف على انفراده لكل سبط نقيب، كما في قوله تعالى: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } تفسير : [المائدة: 12] وقد تقدّم، وقوله: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ } هو ثاني مفعولي {قطعنا} لتضمنه معنى التصيير. و{أسباطاً} تمييز له أو بدل منه. و {أُمَمًا } نعت للأسباط أو بدل منه. والأسباط جمع سبط: وهو ولد الولد، صاروا اثنتي عشرة أمة من اثني عشر ولداً، وأراد بالأسباط القبائل، ولهذا أنث العدد، كما في قول الشاعر:شعر : وإن قريشاً كلها عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر تفسير : أراد بالبطن القبيلة. وقد تقدّم تحقيق معنى الأسباط في البقرة [الآية: 58]. وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ "قطعناهم" مخففاً، وسماهم أمماً، لأن كل سبط كان جماعة كثيرة العدد، وكانوا مختلفي الآراء يؤمّ بعضهم غير ما يؤمه الآخر. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ } أي وقت استسقائهم له لما أصابهم العطش في التيه {أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } تفسير لفعل الايحاء {فَٱنبَجَسَتْ } عطف على مقدّر يدل عليه السياق، أي فضرب فانبجست، والانبجاس: الانفجار، أي فانفجرت {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } بعدد الأسباط، لكل سبط عين يشربون منها {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } أي: كل سبط منهم العين المختصة به التي يشرب منها. وقد تقدّم في البقرة ما فيه كفاية مغنية عن الإعادة. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ } أي جعلناه ظللاً عليهم في التيه، يسير بسيرهم ويقيم بإقامتهم {وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } أي: الترنجبين والسماني كما تقدّم تحقيقه في البقرة {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } أي: وقلنا لهم كلوا من المستلذات التي رزقناكم {وَمَا ظَلَمُونَا } بما وقع منهم من المخالفة وكفران النعم وعدم تقديرها حق قدرها {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أي: كان ظلمهم مختصاً بهم مقصوراً عليهم، لا يجاوزهم إلى غيرهم. {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } أي: واذكر وقت قيل لهم هذا القول وهو {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } أي: بيت المقدس أو أريحاء. وقيل غير ذلك مما تقدم بيانه {وَكُلُواْ مِنْهَا } أي: من المأكولات الموجودة فيها {حَيْثُ شِئْتُمْ } أي: في أيّ مكان شئتم من أمكنتها، لا مانع لكم من الأكل فيه {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } قد تقدم تفسيرها في البقرة [الآية: 58] {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } أي: باب القرية المتقدمة حال كونكم {سُجَّدًا } أمروا بأن يجمعوا بين قولهم {حطة} وبين الدخول ساجدين. فلا يقال كيف قدّم الأمر بالقول هنا على الدخول وأخّره في البقرة؟ وقد تقدّم بيان معنى السجود الذي أمروا به {نَغْفر لَكُمْ خَطِيئَـٰتِكُمْ} جواب الأمر، وقرىء "خَطِيتِكُمْ"، ثم وعدهم بقوله: {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: سنزيدهم على المغفرة للخطايا بما يتفضل به عليهم من النعم. والجملة استئنافية جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: فماذا لهم بعد المغفرة؟ {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ } قد تقدّم بيان ذلك في البقرة [الآية: 59] {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء } أي: عذاباً كائناً منها {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } أي: بسبب ظلمهم. قوله: {وَاسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ } معطوف على عامل إذ المقدّر، أي اذكر إذ قيل لهم واسألهم، وهذا سؤال تقريع وتوبيخ، والمراد من سؤال القرية: سؤال أهلها، أي اسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها المخالف لما أمرهم الله به. وفي ضمن هذا السؤال فائدة جليلة، وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن اطلاعه لا يكون إلا بإخبار له من الله سبحانه، فيكون دليلاً على صدقه. واختلف أهل التفسير في هذه القرية: أيّ قرية هي؟ فقيل أيلة. وقيل طبرية. وقيل مدين. وقيل إيليا. وقيل قرية من قرى ساحل الشام التي كانت حاضرة البحر، أي التي كانت بقرب البحر. يقال كنت بحضرة الدار، أي بقربها. والمعنى: سل يا محمد هؤلاء اليهود الموجودين عن قصة أهل القرية المذكورة. قرىء {واسألهم} وقرىء «سلهم». {إِذْ يَعْدُونَ } أي وقت يعدون، وهو ظرف لمحذوف دلّ عليه الكلام، لأن السؤال هو عن حالهم وقصتهم وقت يعدون. وقيل: إنه ظرف لـ {كانت} أو لـ {حاضرة}. وقرىء «يُعِدُّون» بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من الإعداد للآلة. وقرأ الجمهور {يعدون} بفتح الياء وسكون العين وضم الدال مخففة، أي يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه. وقرىء «يعدّون» بفتح الياء والعين وضم الدال مشدّدة بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال. والسبت: هو اليوم المعروف وأصله السكون. يقال سبت: إذا سكن وسبت اليهود تركوا العمل في سبتهم، والجمع أسبت، وسبوت، وأسبات، وقرأ ابن السمفع في «الأسبات» على الجمع. {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ } ظرف لـ {يعدون}. والحيتان: جمع حوت، وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان يوم السبت دون ما عداه. و {يَوْمَ سَبْتِهِمْ } ظرف لـ {تأتيهم}. وقرىء «يوم أسباتهم» و {شُرَّعًا } حال، وهو جمع شارع، أي ظاهرة على الماء. وقيل رافعة رؤوسها. وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش البيض. قال في الكشاف: يقال شرع علينا فلان إذا دنى منا وأشرف علينا، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا انتهى. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } أي: لا يفعلون السبت، وذلك عند خروج يوم السبت لا تأتيهم الحيتان، كما كانت تأتيهم في يوم السبت {كَذٰلِكَ نَبْلُوهُم } أي: مثل ذلك البلاء العظيم نبلوهم بسبب فسقهم. والابتلاء الامتحان والاختبار. {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ } معطوف على {إذ يعدون} معمول لعامله، داخل في حكمه. والأمة الجماعة، أي قالت جماعة من صلحاء أهل القرية لآخرين ممن كان يجتهد في وعظ المتعدّين في السبت حين أيسوا من قبولهم للموعظة، وإقلاعهم عن المعصية {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } أي: مستأمل لهم بالعقوبة {أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } بما انتهكوا من الحرمة، وفعلوا من المعصية، وقيل: إن الجماعة القائلة {لم تعظون قوماً}؟ هم العصاة الفاعلون للصيد في يوم السبت، قالوا ذلك للواعظين لهم حين وعظوهم. والمعنى: إذا علمتم أن الله مهلكنا كما تزعمون فلم تعظوننا؟ {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ } أي: قال الواعظون للجماعة القائلين لهم {لم تعظون}، وهم طائفة من صلحاء القرية على الوجه الأوّل، أو الفاعلين على الوجه الثاني {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ } قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف {مَعْذِرَةً } بالنصب، وهي قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع. قال الكسائي: ونصبه على وجهين: أحدهما على المصدر، والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة، أي لأجل المعذرة. والرفع على تقدير مبتدأ: أي موعظتنا معذرة إلى الله، حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذين أوجبهما علينا، ولرجاء أن يتعظوا فيتقوا ويقلعوا عما هم فيه من المعصية. قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق: فرقة عصت وصادت وكانت نحو سبعين ألفاً، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص، فقالت الطائفة التي لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا } يريدون الفرقة العاصية {ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ } قالوا ذلك على غلبة الظنّ لما جرت به عادة الله من إهلاك العصاة أو تعذيبهم، من دون استئصال بالهلاك، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون. ولو كانوا فرقتين فقط ناهية غير عاصية، وعاصية لقال: لعلكم تتقون. قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } أي: لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر، ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء } أي: الذين فعلوا النهي، ولم يتركوه {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وهم العصاة المعتدون في السبت {بِعَذَابِ بَئِيس} أي: شديد من بؤس الشيء يبؤس بأساً إذا اشتد، وفيه إحدى عشرة قراءة، للسبعة وغيرهم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } أي: بسبب فسقهم، والجار والمجرور متعلق بأخذنا {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ } أي: تجاوزوا الحد في معصية الله سبحانه تمرّداً وتكبراً {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً } أي: أمرناهم أمراً كونياً لا أمراً قولياً، أي مسخناهم قردة. قيل: إنه سبحانه عذبهم أوّلاً بسبب المعصية، فلما لم يقلعوا مسخهم قردة. وقيل: إن قوله: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ } تكرير لقوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } للتأكيد والتقرير، وأن المسخ هو العذاب البئيس، والخاسىء الصاغر الذليل أو المباعد المطرود، يقال خسأته فخسىء، أي باعدته فتباعد. واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينجح من العذاب إلا الفرقة الناهية التي لم تعص لقوله: {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء } وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } فإن كانت الطوائف منهم ثلاثاً كما تقدّم، فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية؛ لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي، وعتت عما نهاها الله عنه من ترك النهي عن المنكر. ويحتمل أنها لم تمسخ، لأنها وإن كانت ظالمة لنفسها عاتية عن أمر ربها ونهيه، لكنها لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة، وهي صيد الحوت في يوم السبت، ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد. وأما إذا كانت الطائفة الثالثة ناهية كالطائفة الثانية، وإنما جعلت طائفة مستقلة لكونها قد جرت المقاولة بينها وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين، فهما في الحقيقة طائفة واحدة لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ. وقد أخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: قال موسى: يا ربّ أجد أمة أناجيلهم في قلوبهم، قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد. قال: يا ربّ أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهنّ، قال: تلك أمة تكون بعدك: أمة أحمد. قال: يا ربّ أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم، فيأكلون، قال: تلك أمة بعدك: أمة أحمد. قال: يا ربّ اجعلني من أمة أحمد. فأنزل الله كهيئة المرضاة لموسى {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ } الآية، قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } تفسير : [الإسراء: 104] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم. قال ابن عباس ساروا في السرب سنة ونصفاً. أقول: ومثل هذا الخبر العجيب والنبأ الغريب محتاج إلى تصحيح النقل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة. وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، ولتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } فهذه التي تنجو. وأما النصارى فإن الله يقول: {أية : مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } تفسير : [المائدة: 66] فهذه التي تنجو. وأما نحن فيقول: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 181] فهذه التي تنجو من هذه الأمة. وقد قدّمنا أن زيادة "كلها في النار" لم تصح لا مرفوعة ولا موقوفة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {فَٱنبَجَسَتْ } قال: فانفرجت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس، وهو يقرأ هذه الآية: {وَاسأَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ } قال: يا عكرمة هل تدري أيّ قرية هذه؟ قلت لا، قال: هي أيلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الزهري قال: هي طبرية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قله: {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ } قال: يظلمون. وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله: {شُرَّعًا } يقول: من كل مكان. وأخرج ابن جرير، عنه، أيضاً قال: ظاهرة على الماء. وأخرج ابن المنذر، عنه، قال: واردة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه، في الآية قال: هي قرية على شاطىء البحر بين مصر والمدينة، يقال لها أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غياً، فقالت طائفة من النهاة يعلمون أن هؤلاء قوم حق عليهم العذاب {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } وكانوا أشدّ غضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا {لِمَ تَعِظُونَ } والذين قالوا: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ } وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، أنهم ثلاث فرق: فرقة العصاة، وفرقة الناهون وفرقة القائلين {لم تعظون}؛ فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم، وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون إن للناس لشأناً فانظروا ما شأنهم؟ فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر القصة، وفي آخرها أنه قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا. ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها. قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم. وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } قال فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أيضاً قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عنه قال: والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا } نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحبّ إلي مما عدل به. وفي لفظ: من حمر النعم، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: ما أدري أنجا الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } أم لا؟ قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة. وأخرج عبد بن حميد، عن ليث بن أبي سليم، قال: مسخوا حجارة الذين قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {بِعَذَابِ بَئِيس} قال: أليم وجيع.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ} الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم كابن لاسم وابن صوريا، أو قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو الذين تمسكوا بالحق لما قُتلت الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال موسى: يا رب، أجد أمة انجيلهم في قلوبهم؟ قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد. قال: يا رب، أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارة لما بينهن؟ قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد. قال: يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون؟ قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد. قال: يا رب، اجعلني من أمة أحمد . فأنزل الله كهيئة المرضية لموسى {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ليلى الكندي قال: قرأ عبدالله بن مسعود " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" فقال رجل: ما أحب إني منهم. فقال عبدالله: لم ما يزيد صالحوكم على أن يكونوا مثلهم؟ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {ومن قوم موسى أمة} الآية. قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله له نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مستقبلين يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله {أية : وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً } تفسير : [الإِسراء: 104] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم . قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} وأما النصارى فإن الله يقول {أية : منهم أمة مقتصدة} تفسير : [المائدة: 66] فهذه التي تنجو، وأما نحن فيقول {أية : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : [الأعراف: 181] فهذه التي تنجو من هذه الأمة . وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: إن مما فضل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، دعوا ربهم وهم بالأرض المقدسة فقالوا : اللهمَّ أخرجنا من بين أظهرهم، فاستجاب لهم فجعل لهم سرباً في الأرض فدخلوا فيه، وجعل معهم نهراً يجري وجعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم، فساروا فيه سنة ونصفاً وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه، فأخرجهم الله إلى أرض تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين بها، ليس فيها ذنوب ولا معاص، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ومعه جبريل، فآمنوا به وصدقوه وعلَّمهم الصلاة وقالوا: إن موسى قد بشَّرهم به . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} قال: بينكم وبينهم نهر من سهل، يعني من رمل يجري . وأخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن عمرو قال: هم الذين قال الله {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} يعني سبطان من أسباط بني إسرائيل يوم الملحمة العظمى ينصرون الإِسلام وأهله . وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إن لله عباداً من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون عملاً ، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم ، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر، فمنها يأكلون . قوله تعالى: {فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً} . أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {فانبجست} قال: فانفجرت . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ {فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً} قال: أجرى الله من الصخرة اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط عين يشربون منها. قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم. أما سمعت بشر بن أبي حازم يقول : شعر : فاسلبت العينان مني بواكف كما انهل من واهي الكلى المتبجس

ابو السعود

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَى} كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتّبعي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من حِرمانِ أسلافِ قومِ موسى عليه السلام من كل خير وبـيانِ أن كلَّهم ليسوا كما حُكيت أحوالُهم بل منهم {أُمَّةٌ يَهْدُونَ} أي الناسَ {بِٱلْحَقّ} أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق {وَبِهِ} أي بالحق {يَعْدِلُونَ} أي في الأحكام الجاريةِ فيما بـينهم، وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحكاية الحالِ الماضيةِ، وقيل: هم الذين آمنوا بالنبـي صلى الله عليه وسلم ويأباه أنه قد مر ذكرُهم فيما سلف، وقيل: إن بني إسرائيلَ لما بالغوا في العتُوّ والطغيان حتى اجترأوا على قتل الأنبـياءِ عليهم السلام تبرّأ سِبطٌ منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرِّق بـينهم وبـين أولئك الطاغين ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنةً ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين، وهم اليوم هنالك حنفاءُ مسلمون يستقبلون قِبلتَنا وقد ذكر عن النبـي صلى الله عليه وسلم أن جبريلَ عليه السلام ذهب به ليلة الإسراءِ نحوَهم فكلمهم فقال جبريلُ عليه السلام: هل تعرِفونَ من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد النبـي الأمي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا مَنْ أدرك منكم أحمدَ فليقرأ مني عليه السلام فرد محمدٌ على موسى عليهما السلامَ ثم أقرأهم عشرَ سورٍ من القرآن نزلت بمكةَ ولم تكن نزلت يومئذ فريضةٌ غيرَ الصلاة والزكاة وأمرهم أن يُقيموا مكانهم وكانوا يسْبِتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبْتَ هذا، وأنت خبـيرٌ بأن تخصيصَهم بالهداية من بـين قومِه عليه السلام مع أن منهم مَنْ آمن بجميع الشرائعِ لا يخلو عن بعد.

السلمي

تفسير : قوله {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} قيل: يدلون الخلق على طريق الحق وإياه يسلكون.

القشيري

تفسير : هم الذين سبقت لهما العناية، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل، وأدركتهم الرحمةُ السابقةُ، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير، ولا خفيُّ تبديل.

البقلي

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} وصف الله قوما من امة كليمه عليه السلام الذين وصل اليهم ما من الله على موت كشف من انوار لارواحهم وفتح اذان قلوبهم لسماع خطابه هم وجدوا الله بالله واتصفوا بصفاته فاخبر الحق عن اتصافهم بصفاته حيث قال يهدون بالحق والهداية صفته اى يهدون بنور الله عباد الله الى الله لابهم وهم على الحق لا بصورة العميا والغلط والظنون والحظوظ وبه يعدلون اى يعدله وباتصابهم بعدله يعدلون بين الحق للحق لانفسهم يتصفون بالله لله لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يوتيه من يشاء قيل يدلون الخلق على طريق الحق واياه يسكلون ثم وصف الله قوم موسى بانهم على اثنى عشر طريقا من طرق المعارف بقوله {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} وجعل ضرب موسى الحجر مثلا لانفتاح قلوبهم مشارب الالوهية بقوله {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} ضرب يد الاحدية بعضا العناية صفوان الازل فظهر من عيون لاقدم وبحار الاولية لارواح الموحدين وقلوب العارفين وعقول العاشقين واسرار الشائقين وهمم المحبين وافئدة الموقنين وخواطر المكاشفين وصدور المشاهدين وعلوم السالكين ونيات الصادقين ومزار نور الراضين ووجود المريدين اثنا عشر عينا من عيون الصفات الخاصة لعرفان اهل العيان منها عين القدم وهو مشرب ارواح الموحدين ومنها عين البقاء وهى مورد قلوب العارفين ومنها عين الجمال وهى مورد عقول العاشقين ومنها علين تجلى الوجه الذى هو صفته الخاصة وهى مشرب اسرار العاشقين ومنها عين الجلال وهى مشرب همم المحبين ومنها عين القدرة وهى مشرب افئدة الموقنين ومنها عين العلوم وهى مشرب خواطر المكاشفين ومنها عين صفة السمع وهى مشرب صدور المشاهدين ومنها عين صفة البصر وهى مشرب علوم السالكين ومنها عين الكلام الازل وهى مشرب نيات الصادقين ومنها علين الارادة القديمة وهى مشرب من انوار الراضين ومنها عين الحياة القديمة وهى مشرب وجود المريدين اما انفخار عين القدم لارواح المحدين لان القدم اصل الاصل وماهية عين الكل ومنها انفتح انوار التوحيد للموحدين والموحد لم يبلغ الى درجة حقائق التوحيد الا بعد شربه زلال الحقيقة من بحار القدم وذلك الشرب يكون للارواح الطائرة باجنحة القدم فى القدم وتلك الارواح ولا يترج من تلك البحار لانها تعيش بها ابدا ولا ترجع منها الى غيرها من الصفات الا ما شاء الله واما انفتاح عين البقاء لقلوب العارفين لانها مصارف جميع الصفات وهى اصل ثان ومنها تنبت كشوف الصفات وشهود انوار الذات والعارف لا يبلغ الى درجة المعرفة الا بعد ان شرب منها شراب وصال البقاء بنعت السكر والصحو من زاد سكره للبقاء زاد صحوه لان البقاء يوجب التمكين وهم لا يلتفتون من ذلك المقام الى مقام أخر لان قلوبهم استغرقت فى ذلك البحر بحر البقاء باق لها ليس له ساحل وهى لزيادة العطش واما انحباس عين الجمال العقول العاشقين لان الجمال يوجب العشق لللعاشقين ولا يكون العاشق الا بعد رويته جمال الحق سبحانه وتلك العقول هائمة فى ذلك لا تسكن عنها ابدا ولا ترجع الى مقام أخر من استلذاذها حلاوة الجمال واما انفتاح عين تجلى الوجه لاسرار الشائقين لانها سبب سكر العشاق سكرت تلك الاسرار برؤية تلك الانوار وهى هائمة ابدا لا يرجع منها الى غيرها من المقامات والحالات لان الشوق الذ الاحوال ولا يبلغ الشائق الى درجة الشوق الا بعد كشف تجلى الوجه له واما انفتاح عين الجلال لهمم المحبين لان الجلال مشرب تك الهمم بوقعها الى البحرين بحر الهيبة وبحر الاجلال والاجلال يورث لها الخوف والهيبة تورث لها الحياء وهما اخص صفات المحبين وصفة الجلال شاملة لصفة الجمال والجمال يظهر لها فى الجلال لذلك استروحت تلك الهمم فى اوقات عن برجاء الجلال وكل محب لم يبلغ مشاهدة الجلال لم يبلغ الى درجة المحبة بالكمال وتلك الهمة يتصرف بذاتها عن ذلك المقام تارة الى محل الجمال لاقتباس نور الشوق والعشق لان الجلال والجمال مصدرهما عين واحد وان كان تأثيرهما فى التجلى والمباشرة مختلفا واما انتفاح عين القدرة لافئدة الموقنين وهى بكشوفها تزيد انوار الايقان للموقنين ولذلك قال تعالى وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين ومشربها تجرى على سوابق الايات والافعال فى حدود الالتباس ونحلت نفس الصفة صرفا بغير رؤية الأيات اذا كان صرفا فهى توجب العرفان واذا لم تكن صرفا يوجب الايقان وكيف يكون الموقن موقنا ولم يشرب فواده من هذين السقيين وافئدة الموقنين هامت من سركها من شرب سلسبيل عين القدرة ولا يرجع منها الا بعد الاستيقاء منها الى اعلى المقامات من شهود العين ورؤية جميع الصفات فهى على نعت الترقى لان تواثير القدرة فى الاشياء على نعوت التغائر وان كانت عينها مقدسة من علة التلوين واما انتفاح عين العلوم الازلية اللدنية لخواطر المكاشفين وذلك ان عرائس الغيوب بلباس العلوم تنكشف لخواطر الكاشفين وهى تورث لعيونها مشاهدة الصفات والذات وتورث من فوائد وجدان نضارتها وبهجة سناها علوم المعارف الالهية وكل كشف بغير علم لا يكون على حد الكمال والعلم لا تفارق الكشف لان الكشف محل الخطاب والخطاب يوجب العلم لكن ربما تلوح بوادى الكشوف لضعفاء الطريق بالبديهة ولا يفهمون عنها انياء العجيبة الالهية وكل خاطر لم يشرف على هذين المنزلين فهو ناقص عن محل الربانية وتلك الخواطر معادنها علوم الازلية مستلذة دقائق العلوم ممن حيث حلاوة الشكف وحلاوة الخطاب واما انفتاح عين السمع لصدور المشاهدين يوجب لها اسماع الالهية التى تسمع بها اصوات جريان اقلام القضاء والقدر من العرش الى الثرى وبسمع من الحق بسمع الحق ما يقولا لحق قال تعالى {أية : أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : وتلك الصدور حاضرة الغيب الغيب لا تحس لهواجس النفوس واصطكاك غيوم ظلام الشياطين ومن لم يبلغ الى وجدان تلك الصفة فى صدوره لم يكن من السامعين اصوات جرس الوصلة واما انفتاح عين البصر لعلوم السالكين وذلك ان انوارها تبين لعلوهم طريائق الغيب واحكام المتشابهات ومغيبات الحكم ومن لم يبلغ الى ذلك المقام ولم يشرب من شربه لم تكن من المتفرسين فى القلوب ولم يكن من المشاهدين فى الغيوب واما انفتاح عين الكلام الازلى لنيات الصادقين وذلك المشرب مخبر مشارب جميع الصافت لانه من كل صفة له مزاج فكل صادق يتكلم الحق معه بكلام القديم يصير بنور مطلقا على جميع الصفات عالما باسمائها ونعوتها مشاهد الذات مع جميع الصفات ويكون نيته معلقة بجريان خطاب الازل مجرى بجريانه حيث تجرى ويدور حيث يدور من ذلك هو محفوظ من خطرات الشك والريب مرقمة بنورا لاخلاص من لم يذق طعم ذلك المشرب ليس بصادق فى المعرفة لانه لم يكن معه مفاتيح كنوز الذات والصفات من الكلام واما انتفاح عين الارادة القديمة لمرار نور الراضين وذلك ان الرضا بالارادة يكون من نور الارادة والارادة مزيل كل ارادة غير ارادة الله فاذا ازلت الارادات عن مرار نور اهل الرضا بقيت ارادة الله فيه فتكسبه سناها حتى تصير ارادة الراضى ارادة الحق فاذا كانت الارادة فرده ولم يبق غيرها اورثت له حسن الرشا وذلك الرضا من رضوان الله فصار متصفين بورثان من معدن الاصل الرضا للراضى محينئذ ارادة بارادة الله ورضا برضى الله قال الله تعالى {أية : رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : وكل ذلك جرى له فى سباق الحكم والعلم فاباشر حين وقع تجلاه على قلب الراضى بغير علة اكتسابه ولا بتحوله وقوته واما انفتاح عين الحياة الازلية لوجود المريدين وذلك ان المريد ميت عن من عين حياة الازلية تستقيم بها فى رؤية جميع لاصفات لان الحياة اصل جيمع الصفات وجميع الصفات اكنه قائمة بها ومن لم يشرب من ذلك المشرب شربه الحياة لم يقدر ان يسع بهميته فى بحار الملكوت والجبروت لوم ير جواهر الصفات ولالى الحكم والعلم فى بحر البقاء والازل ولهؤلاء الطيار فى هواء الهويب والسيارين على مراكب الجود فى ميادين الاحدية طريان وسيران بقوة الشرب من مشارب الغيب لترفى لمقامت والدرجات الى اعلى معالى دراتهم من القرب والوصال وكل طائفة منهم عرفوا مشاربهم قال الله تعالى فى تام الأية قد علم كل اناس مشربهم لكل واحد منهم اعلام طريقة الى اله من شلب المواجيد وحركات الجذب وظهور الصفة والقاء السمع واستماع الخطاب ويعرف منتهاه ويعلم مقدصه وزيادة طلب من قرب الحق ووصاله حكى عن الرضا عن ابيه عن جفعر بن محمد فى هذه الأية قال انبحبست من المعرفة اثنا عشر عينا كشرب كل اهل مرتبة فى مقام من عين من تلك العيون على قدرها فاولى عين منها عين التوحيد والثانى عين العبودية والسر وربها والثالث عين الاخلاص والرابع عين الصدق والخامس عين التواضع والسادس عين الرضا والتفويض والسابع عين السكينة والوقار والثامن عين السحار والثقة بالله والتاسع عين اليقين والعاشر عين الفعل والحادى عشر عين المحبة والثانى عشر عين الانس والخلوة وهى عين المعرفة بنفسها ومنها ينفجر هذه العيون من شرب من عين منها يجد حلاوتها ويطمع فى العين التى هى ارفع منها من عين الى عين حتى يصل الى الاصل فاذا وصل الى الاصل تحقق بالحق وقال بعضهم فى قوله قد علم كل اناس مشربهم ظهر لكل سالك سلوكه وأثار برهانه وبركات سعيه وانوار حقائقه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن قوم موسى} لما ذكر الله تعالى عبدة العجل ومن قالوا {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55]. وهم الاشقياء اتبع ذكرهم بذكر اضدادهم السعداء فالمراد بالقوم بنوا اسرائيل الموجودن فى زمن موسى عليه السلام {امة} اى جماعة {يهدون} [راه مينمايندخلق را] فالمفعول محذوف {بالحق} ملتبسين به اى محقين {وبه} اى بالحق {ويعدلون} اى فى الاحكام الجارية بينهم وصيغة المضارع فى الفعلين لحكاية الحال الماضية والاشهر ان المراد بهذه الامة قوم وراء الصين باقصى المشرق وذلك بان بنى اسرائيل لما بالغوا فى العتو والطغيان بعد وفاة موسى ووفاة خليفة يوشع حتى اجترأوا على قتل انبيائهم ووقع الهرج والمرج تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله تعالى ان يفرق بينهم وبين اولئك الطاغين ففتح الله لهم وهم فى بيت المقدس نفقا فى الارض وجعل امامهم المصابيح لتضئ لهم بالنهار فاذا امسوا اظلم عليهم النفق فنزلوا فاذا اصبحوا اضاءت لهم المصابيح فساروا ومعهم نهر من ماء يجرى واجرى الله تعالى عليهم ارزاقهم فساروا فيه على هذا الوجه سنة ونصف سنة حتى خرجوا من وراء الصين الى ارض باقصى المشرق طاهرة طيبة فنزلوها وهم مختلطون بالسباع والوحوش والهوام لا يضر بعضهم وهم متمسكون بالتوراة مشتاقون الى الاسلام لا يعصون الله تعالى طرفة عين تصافحهم الملائكة وهم فى منقطع من الارض لا يصل اليهم احد منا ولا احد منهم الينا اما لان بين الصين وبينهم واديا جاريا من رمل فيمنع الناس من اتيانهم كما قال ابن عباس رضى الله عنهما او نهرا من شهد كما قال السدى وانهم كبنى اب واحد ليس لاحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويضحون بالنهار ويزرعون ويحصدون جميعا فيضعون الحاصل فى اماكن من القرية فيأخذ كل رجل منهم قدر حاجته ويدع الباقى حديث : - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبرائيل ليلة المعراج انى احب ان ارى القوم الذين اثنى الله عليهم بقوله {ومن قوم موسى أمة} الآية فقال ان بينك وبينهم مسيرة ست سنين ذهابا وست سنين ايابا ولكن سل ربك حتى يأذن لك فدعا النبى عليه السلام وامن جبريل فاوحى الله تعالى الى جبريل انه اجيب الى ما سأل فركب البراق فخطا خطوات فاذا هو بين اظهر القوم فسلم عليهم وردوا عليه سلامه وسألوه من انت فقال "انا النبى الامى" قالوا انت الذى بشر بك موسى عليه السلام واوصانا بان قال لنا من ادرك منكم احمد عليه الصلاة والسلام فليقرأ عليه منى السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم على موسى سلامه وقالوا فمن معك قال "أو ترون قالوا" نعم قال هو جبريل قال "فرأيت قبورهم على ابواب دورهم فقلت فلم ذلك" قالوا اجدر ان نذكر الموت صباحا ومساء فقال "ارى بنيانكم مستويا" قالوا ذلك لئلا يشرف بعضنا على بعض ولئلا يسد احد على احد الريح والهواء قال "فمالى لا ارى لكم قاضيا ولا سلطانا" قالوا انصف بعضنا بعضا واعطينا الحق فلم نحتج الى قاض ينصف بيننا قال "فمالى ارى اسواقكم خالية" وقالوا نزرع جميعا ونحصد جميعا ونحصد جميعا فيأخذ كل احد منا وما يكفيه ويدع الباقى لاخيه فلا نحتاج الى مراجعة الاسواق قال "فمالى ارى هؤلاء القوم يضحكون" قالوا مات لهم ميت فيضحكون سرورا بما قبضه الله على التوحيد قال "فما لهؤلاء القوم يبكون" قالوا ولد لهم مولود فهم لا يدرون على أى دين يقبض فيغتمون لذلك قال "فاذا ولد لكم ذكر فماذا تصنعون" قالوا نصوم لله شكرا شهرا قال "فالانثى" قالوا نصوم لله شكرا شهرين قال "ولم" قالوا لان موسى عليه السلام اخبرنا ان الصبر على الانثى اعظم اجرا من الصبر على الذكر قال "أفتزنون" قالوا وهل يفعل ذلك احد لو فعل ذلك احد لحصبته السماء وخسفت به الارض من تحته قال "أفترابون" قالوا انما يرابى من لا يؤمن برزق الله قال "أفتمرضون" قالوا لا نمرض ولا نذنب أنما تذنب امتك فيمرضون ليكون ذلك كفارة لذنوبهم قال "هل فى ارضكم سباع وهوام" قالوا نعم تمر بنا ونمر بها ولا تؤذينا ولا نؤذيها فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم شريعته والصلوات الخمس عليهم وعلمهم الفاتحة وسورا من القرآن. قال الحدادى اقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم يكن يؤمئذ نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فامرهم بالصلاة والزكاة وان يتركوا تحريم السبت ويجمعوا وامرهم ان يقيموا مكانهم فهم اليوم هناك حنفاء مسلمون مستقبلون قبلتنا ". تفسير : يقول الفقير التجميع وهو بالفارسى [نمار آذينه آمدن وكزاردن آن] انما شرع بعد الهجرة فتناقض اول الكلام مع آخره وكذا امر القبلة ولعل النبى عليه السلام علمهم اولا ما نزل بمكة من الشرائع والاحكام ثم اكمل لهم الدعوة بطريق آخر فان المعراج بالروح والجسد معاوان حصل له عليه السلام مرة واحدة بمكة وفى ليلته فرضت الصلاة على ما عليه الكل الا انه عليه السلام كان يصل جسده الشريف فى لمحة الى حيث يصل اليه بصره وكان عنده القريب والبعيد على السواء هذا ما خطر بالضمير بعد ما رأيت من اهل التفسير ما يتنافى الاول منه بالاخير والله هو العليم الخبير. والاشارة فى الآية {ومن قوم موسى امة يهدون بالحق} يعنى خواصهم يهدون بالحق يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى عليه السلام {وبه يعدلون} اى به يحكمون بين العوام او شتان بين امة امية بلغوا اعلى مراتب الروحانية بالسير فى متابعة النبى الامى ثم اختطفوا عن انانية روحانيتهم بجذباب انوار المتابعة الى مقام الوحدة التى هى مصدر وجودهم فى بقاء الوحدة كما قال تعالى "حديث : كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبى يسمع وبى يبصر وبى ينطق " . تفسير : وبالرجوع الى هذا المقام سموا اميين فانهم رجعوا الى اصلهم الذين صدروا عنه ايجادا وبين امة كان نبيهم محجوبا بحجاب الانانية عند سؤال الرؤية بقوله {أية : أرنى أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143] فاجيب {أية : لن ترانى} تفسير : [الأعراف: 143]. لانك كنت بك لابى فانه لا يرانى الا من كان بى لا به فاكون بصره الذى يبصر به وهذا مقام الامة الامية فلهذا قال موسى عليه السلام اللهم اجعلنى من امة احمد شوقا الى لقاء ربه فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية شعر : مصطفى را نبيا امت شدند جمله در زير لواء اوبدند بابه اين امت مرحومه بين كى يقالوا بين ارباب اليقين رفعتش بين الامم جون آفتاب درميان انجم اى عالى جناب يبشه كن اى حقى شرع اين نبى تا نباشد فوت ازتو مطلبى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن قوم موسى}، يعني بني إسرائيل، {أمةٌ} طائعة {يهدون} الناس بكلمة الحق، أو متلبسين {بالحق}؛ وهم الذين ثبتوا حين افتتن الناس بعباده العجل، والأحبار الذين تمسكوا بالتوراة من غير تحريف، أو الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وبه} أي: بالحق {يعدِلُون} في أحكامهم وقضاياهم. قال البيضاوي: أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن؛ تنبيهًا على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر. هـ. الإشارة: في كل أمة، وفي كل عصر، أمة صالحة، يُبَصِّرُونَ الناس بالحق، ويدعون إلى الله، فمنهم مَن يهدي إلى تزيين الظواهر بالشرائع، وهم العلماء الأتقياء، ومنهم من يَهدي إلى تنوير السرائر بالحقائق، وهم الصوفية الأولياء، المحققون بمعرفة الله. وبالله التوفيق. ثم ذكر أحوال بني إسرائيل، فقالوا: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى أن من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. قال ابن عباس والسدي: قوم وراء الصين. وقال ابوجعفر عليه السلام: هم قوم خلف الرمل لم يغيروا ولم يبدلوا. وأنكر الجبائي قول ابن عباس، وقال شرع موسى عليه السلام، منسوخ بشرع عيسى عليه السلام وشرع محمد صلى الله عليه وآله فلو كانوا باقين لكفروا بنبوة محمد. وهذا ليس بشيء، لأنه لا يمتنع ان يكون قوم لم تبلغهم الدعوة من النبي صلى الله عليه وآله فلا نحكم بكفرهم. وقال الجبائي يحتمل ذلك وجهين: احدهما - انهم كانوا قوما متمسكين بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم. والاخر - انهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله مثل ابن سلام وابن صوريا وغيرهما. وتقدير الكلام في معنى الآية إذاً: كان من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، قد مدحوا بذلك وعظموا، فعلى كل أمة أن يكونوا كهذه الأمة الكريمة في هذا المعنى. والامة الجماعة التي تؤم أمراً بأن تقصده وتطلبه وأمة محمد صلى الله عليه وآله تؤم شريعته وأمة موسى وعيسى مثل ذلك. وليس في الآية ما يدل على ان في كل عصر أمة هادية من قوم موسى لأن بعد نبوة نبينا صلى الله عليه وآله لم يبق أحد يجب اتباعه في شرع موسى عليه السلام وكذلك قوله تعالى {أية : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : ولا دلالة في ذلك على ان تلك الأمة موجودة في كل عصر، بل لو لم توجد هذه الأمة الا في وقت واحد هادية بالحق عادلة به لصح معنى الآية على ان عندنا في كل عصر لا يخلون من قوم بهذا الوصف وهم حجج الله على خلقه، المعصومين الذين لا يجوز عليهم الخطأ والزلل، فقد قلنا بموجب الآية. وصريح الآية يدل على بطلان قول من قال لا يهدي إلى الحق الا الله تعالى، لأن الله تعالى بين ان فيمن خلقه امة يهدون بالحق وبه يعدلون، وظاهر ذلك الحقيقة وصريح الآية بخلاف ما يقوله المخالف، ولا ينافي ذلك قوله تعالى {أية : من يهد الله فهو المهتدي} تفسير : لانه يصح اجتماعه مع ذلك، والمعنى من يهده الله إلى الجنة فهو المهتدي اليها على ان قوله تعالى {أية : من يهد الله فهو المهتدي} تفسير : لا يمنع من ان يهديه ايضاً غير الله ويهتدي، لان المتعلق بذلك تعلق بدليل الخطاب. وهو ليس بصحيح عند اكثر العلماء، على ان من هدى غيره إلى الحق فانما يهديه بأن ينبهه على الحجج التي نصبها الله على الحق فجاز ان يضاف ذلك إلى انه بهداية الله. ومن حمل قوله تعالى {يهدون} على ان المعنى يهتدون فقد غلط، لان ذلك لا يعرف في اللغة.

الجنابذي

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} قد عرفت انّ الحقّ الاضافىّ هو الولاية المطلقة والمتحقّق بها هو علىّ (ع) {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} من العدل مقابل الجور وقد ورد فى الاخبار، انّ هذه الامّة قوم من وراء الصّين بينهم وبين الصّين وادحار من الرّمل لم يغيّروا ولم يبدّلوا ليس لاحدهم مال دون صاحبه، يمطّرون باللّيل ويضحون بالنّهار ويزرعون، لا يصل اليهم منّا احد ولا يصل منهم الينا وهم على الحق.

الأعقم

تفسير : {ومن قوم موسى أمة} هم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل {يهدون} الناس بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم {وبه} وبالحق {يعدلون} بينهم في الحكم، وقيل: ان بني اسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هناك حنفاء مسلمون، وذكر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ذهب به جبريل (عليه السلام) ليلة الإِسراء نحوهم فكلمهم، فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد النبي الأمِّي، فآمنوا به، قالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم محمد فليقرأ عليه مني السلام، فردّ محمد على موسى السلام ثم أقرأهم (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر سور من القرآن وأمرهم أن يقيموا مكانهم وأن يجمعوا ويتركوا السبت، رواه جار الله {وقطعناهم} أي صيرناهم قطعاً، أي فرقاً {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً} يعني اثني عشر قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب، أمماً لأن كل سبط كان أمة عظيمة قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر}، قيل: كان له أربعة أوجه لكل وجه ثلاث أعين {فانبجست} أي فانفجرت وهو الانفتاح {قد علم كل أناس} أي كل سبط {مشربهم وظللنا عليهم الغمام} في التيه يقيهم حرّ الشمس {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية}، قيل: هي بيت المقدس {وكلوا منها} أي من نعيمها {حيث شئتم} أي أنّى شئتم {وقولوا حطة} أي حطَّ عنَّا ذنوبنا {وادخلوا الباب سجداً}، قيل: ساجدين، وقيل: خاضعين {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم} أي غيّروه، فقالوا: حنطة، وقيل: قالوا: حنطة في شعيرة {فأرسلنا عليهم رجزاً} أي عذاباً {من السماء بما كانوا يظلمون}، قوله تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر}، قيل: سؤال توبيخ على ما كان منهم من الخطيئة، وقيل: سؤال تقرير عليهم، وقيل: سؤال تقريع، والقرية قيل: آيلة، وقيل: الطبرية، وحاضرة البحر أي تقرب من البحر {إذ يعدون في السبت}: أي يتجاوزون أمر الله تعالى يوم السبت، وكانوا نهوا عن صيد الحوت يوم السبت، وحرم عليهم صيدها فيه، فاصطادوا يوم السبت، وقيل: احتالوا بحبس الصيد يوم السبت وأخذوا يوم الأحد {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً} أي متتابعة، وقيل: من كل مكان {كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} أي نختبرهم، وعن الحسن بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوماً والحرام يأتيك جرافاً؟ قال: نعم في قصة داوود وآيلة {تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً} الآية، وعن ابن عباس: كان إذا قرأها يبكي رواه الثعلبي، وروي فيه أيضاً: أن اليهود في زمان داوود (عليه السلام) حرم عليهم صيد الحيتان في يوم السبت، وذلك أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم فيه يوم الجمعة فتركوه واختاروا يوم السبت فابتلوا فيه، وحرم عليهم فيه الصيد وأمروا بتعظيمه وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت على ما ذكر الله تعالى، وروي أنه إذا كان يوم السبت لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبِّتُون لا تأتيهم، روي أن الشيطان وسوس إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم السبت فتبقى فيها ولا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد {وإذ قالت أمة} جماعة من أهل القرية من صلحائهم {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم} وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم {قالوا معذرة إلى ربكم} أي موعظتنا إبلاء عذر إلى الله تعالى {ولعلهم يتقون} يعني ولطمعنا في أن يتقوا.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ} أي عصابة وجماعة. {يَهْدُونَ بِالحَقِّ} أي يهتدون بالحق {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}. به يحكُمون. وقال بعضهم: يهدون بالحق أي: يدعون بالحق؛ كقوله: (أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) تفسير : [الأنبياء:73] أي يدعون بأمر الله. وقد فسّرناه في الآية الأولى. قال فرضي موسى كل الرضا. قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَمَاً} يعني بني إسرائيل. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}. قال بعضهم: كان موسى احتمل معه من الجبل، جبل الطور، حجراً؛ فإذا نزلوا ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين مستعذَب ماؤها {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} وذلك في تيههم. قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى}. قال بعضهم: كان المن ينزل عليهم من السماء في محلتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وكان أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل، والسلوى السّمّان. وهو هذا الطائر الذي يقال له السمّان، كانت تحشرها عليهم الجَنوب. وقد فسَّرنا أمرهم في سورة البقرة. وقال الحسن: السلوى السمّان. قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني المنّ والسلوى. وقال الحسن: هذا حين خرجوا من البحر، أعطاهم الله ذلك لأنهم خرجوا إلى أرض بيضاء ليس فيها نبات ولا بناء، وليس معهم طعام ولا شراب. قال: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

اطفيش

تفسير : {ومِنْ قَوم مُوسَى} بنى إسرائيل {أمةٌ} جماعة {يَهْدُونَ} الناس {بالحقِّ} حال، أو متعلق بيهدون، وهو مثل التوحيد والصلاة وغيرهما، وهم أيضا فى أنفسهم مهتدون كما يدل عليه المقام، فإنه مقام مدح وإرضاء لموسى، فلو كانوا هداة لغيرهم غير مهتدين فى أنفسهم لما مدحوا ولما وقع بهم الإرضاء {وبهِ} لا بغيره، وتقديمه للحصر والفاصلة {يعْدِلونَ} يحكمون فيما بينهم، فالحق المذكور شامل لما ليس من أمر الحكومة كالتوحيد والصلاة، ولما هو من أمر الحكومة كالحكم بالقتل، والحكم بين المتنازعين، ومن عادة القرآن تعقيب ذكر المبطلين بذكر المحقين، وذكر المحقين بذكر المبطلين، تنبيها على تزاحم الخير والشر، والحق والباطل، ما أراد الله بالناس خيرا وإذا أراد بهم شرا اتفقوا على الشر والباطل. وهؤلاء القوم هم من ثبت على دين موسى من أهل زمانه وبعده أخبر أن فى بنى إسرائيل، على شدة عوهم وخلافهم، من ثبت على الدين، وقيل: هم من كان فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم وآمن به، ككعب وعبد الله بن سلام وغيرهما، ممن آمن بجميع الكتب والأنبياء، واعترض بقلتهم، فلا يسمون أمة، ويجاب بجواز تسمية الثلاثة أمة، بل أجيز أيضا تسمية الاثنين جماعة، وقد فسروا الأمة بالجماعة، وأيضا لو سلمنا أنه لا تسمى أمة إلا الكثير، فإنهم سموا أمة تعظيما لإخلاصهم وتشبثهم فى الدين، ولمخالفتهم سائر اليهود، والمخالف للكثير يسمى فى اللغة أمة، ولو واحدا وفى ذلك استجلاب وترغيب للباقين فى الإسلام. وقال السدى، وابن جريج وغيرهما: إنه لما قتلوا أنبياءهم، وتفرقوا اثنى عشر سبطا، اعتزل منهم سبط وتمسكوا بدين الله، وسألوا الله أن يبعدهم، ففتح لهم سربا فى الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، وساروا فيه على ما رواه الطبرى، عن ابن جريج، عن ابن عباس سنة ونصفا، فهم هنالك حنفاء مستقبلون قبلتنا. قال السدى، وابن جريج: هم خلف وادٍ من شهد، وقال الكلبى، والضحاك، والربيع: قوم خلف الصين بأقصى المشرق على نهر يجرى بالرمل يسمى أردان، مستوون فى المال، لا يحبون الزيادة فيه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون ولا يصلهم أحد منا، وإنما جاءنا خبرهم بإخبار النبى صلى الله عليه وسلم عنهم، وقد كلمهم ليلة الإسراء، فقال جبريل: هل تعرفون من كلمكم؟ قالوا: لا، قال: إنه محمد النبى الأمى فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم محمداً فليقرئه السلام، فرد عليه السلام. وإنما أوصاهم بذلك لأنه لا يعلم أنه سيجتمعون به فى السماء السادسة، أو علم وأوصاهم رغبة، وأقرأهم عشر سور مما نزل عليه بمكة وقد نزل عليه أكثر، واقتصر عليها، وأمرهم بالصلاة والزكاة، ولو كان فرض الزكاة بالمدينة إذ لا مانع من أن تفرض على هؤلاء قبل غيرهم، لتعذر الوصول إليهم بعد ذلك، بل قال بعض العلماء: إن الزكاة فرضت بمكة، بقيد أن الإخبار بها والحمل عليها لا يكون بمكة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، ويتركوا السبت ويأخذوا بالجمعة، وليس ذلك ببعيد، وقد صح أنه نزل ليلة الإسراء بالمدينة ومدين وبيت لحم، وصلى فيهن، وليس بعيدا عن قدرة الله أن يمر بهؤلاء ولو لم يكونوا على طريقه بأن يعدل إليهم، نعم ذلك كلام لم تروه الثقات أعنى كلام القوم وراء الصين، وكونهم المراد بالآية، فالمختار القول الأول ويليه الثانى.

الالوسي

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ} يعني بني إسرائيل {أُمَّةٌ} جماعة عظيمة {يَهْدُونَ} الناس {بِٱلْحَقِّ} أي محقين على أن الباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال أو بكلمة الحق على أن الباء للآلة والجار لغو {وَبِهِ} أي بالحق {يَعْدِلُونَ} في الأحكام الجارية فيما بينهم، وصيغة المضارع في الفعلين للإيذان بالاستمرار التجددي، واختلف في المراد منهم فقيل أناس كانوا كذلك على عهد موسى صلى الله عليه وسلم والكلام مسوق لدفع ما عسى يوهمه تخصيص / كتب الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم موسى عليه السلام في كل خير وبيان أن كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم بل منهم الموصوفون بكيت وكيت، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. واختار هذا شيخ الإسلام ولا يبعد عندي أن يكون ذلك بياناً لقسم آخر من القوم مقابل لما ذكره موسى عليه السلام في قوله: {أية : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ } تفسير : [الأعراف: 155] فيه تنصيص على أن من القوم من لم يفعل، وقيل: أناس وجدوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم موصوفون بذلك كعبد الله بن سلام وأضرابه ورجحه الطيبـي بأنه أقرب الوجوه، وذلك أنه تعالى لما أجاب عن دعاء موسى عليه السلام بقوله تعالى: {أية : فَسَأَكْتُبُهَا}تفسير : [الأعراف: 156] إلى قوله سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ } تفسير : [الأعراف: 157] الخ ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما فيه تبكيت لليهود وتنبيه على افترائهم فيما يزعمونه في شأنه عليه السلام مع إظهار النصفة وذلك بقوله تعالى: {أية : قُلْ يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } تفسير : [الأعراف: 158] الخ وقوله سبحانه: {أية : فَآمِنُواْ} تفسير : [الأعراف: 158] الخ عقب ذلك بقوله عز شأنه: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ} الخ، والمعنى أن بعض هؤلاء الذين حكينا عنهم ما حكينا آمنوا وأنصفوا من أنفسهم يهدون الناس إلى أنه عليه الصلاة والسلام الرسول الموعود ويقولون لهم: هذا الرسول النبـي الأمي الذي نجده مكتوباً عندنا في التوراة والإنجيل ويعدلون في الحكم ولا يجورون ولكن أكثرهم ما أنصفوا ولبسوا الحق بالباطل وكتموه وجاروا في الأحكام فيكون ذكر هذه الفرقة تعريضاً بالأكثر. واعترض بأن الذين آمنوا من قوم موسى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قليلين ولفظ أمته يدل على الكثرة، وأيضاً إن هؤلاء قد مر ذكرهم فيما سلف، وأجيب بأن لفظ الأمة قد يطلق على القليل لا سيما إذا كان له شأن بل قد يطلق على الواحد إذا كان كذلك كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً } تفسير : [النحل: 120] وبأن ذكرهم هنا لما أشير إليه من النكتة لا يأبى ذكرهم فيما سلف لغير تلك النكتة وتكرار الشيء الواحد لاختلاف الأغراض سنة مشهورة في الكتاب على أنه قد قيل: إنهم فيما تقدم قد وصفوا بما هو ظاهر في أنهم مهتدون وهنا قد وصفوا بما هو ظاهر في أنهم هادون فيحصل من الذكرين أنهم موصوفون بالوصفين. نعم يبقى الكلام في نكتة الفصل ولعلها لا تخفى على المتدبر، وقيل هم قوم من بني إسرائيل وجدوا بين موسى ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام وهم الآن موجودون أيضاً، فقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج أنه قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك حنفاء يستقبلون قبلتنا، وإليهم الإشارة كما قال ابن عباس بقوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } تفسير : [الإسراء: 104] وفسر وعد الآخرة بنزول عيسى عليه السلام وقال: إنهم ساروا في السرب سنة ونصفاً. وذكر مقاتل كما روى أبو الشيخ أن الله تعالى أجرى معهم نهراً أو جعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم وأن أرضهم التي خرجوا إليها تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين وأن النبـي صلى الله عليه وسلم أتاهم ليلة المعراج ومعه جبريل عليه السلام فآمنوا به وعلمهم الصلاة، وعن الكلبـي والضحاك والربيع أنه عليه الصلاة والسلام علمهم الزكاة وعشر سور من القرآن نزلت بمكة وأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت وأقرؤه سلام موسى عليه السلام فرد النبـي عليه الصلاة والسلام السلام، وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال بينكم وبينهم نهر من رمل / يجري، وضعف هذه الحكمة ابن الخازن وأنا لا أراها شيئاً ولا أظنك تجد لها سنداً يعول عليه ولو ابتغيت نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : قَالَ يَـا مُوسَىٰ إِنّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي}تفسير : [الأعراف: 144] دون رؤيتي على ما يقوله نفاة الرؤية {أية : فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ}تفسير : [الأعراف: 144] بالتمكين {أية : وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 144] بالاستقامة في القيام بحق العبودية التي لا مقام أعلا منها شعر : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي تفسير : وبالشكر تزداد النعم كما نطق بذلك الكتاب {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلاْلْوَاحِ}تفسير : [الأعراف: 145] أي أظهرنا نقوش استعداده في ألواح تفاصيل وجوده من الروح والقلب والعقل والفكر والخيال فظهر فيها {أية : مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}تفسير : [الأعراف: 145] أي بعزم لتكون من ذويه {أية : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}تفسير : [الأعراف: 145] أي أكثرها نفعاً وهي العزائم {أية : سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [الأعراف: 145] أي عاقبة الذين لا يأخذون بذلك {أية : سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقَّ } تفسير : [الأعراف: 146] هم الذين في مقام النفس فيكون تكبرهم حجاباً لهم عن آيات الله تعالى وأما المتكبرون بالحق وهم الذي فنيت صفاتهم وظهرت عليهم صفات مولاهم فليسوا بمحجوبين ولا يعد تكبرهم مذموماً لأنه ليس تكبرهم حقيقة وإنما حظهم منه كونهم مظهراً له {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَاءِ ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [الأعراف: 147] حيث حجبوا بصفاتهم وأفعالهم حبطت أعمالهم فلا تقربهم شيئاً {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً} تفسير : [الأعراف: 148] صنعه لهم السامري وكان من قوم يعبدون العجل أو ممن رآهم فوقع في قلبه لسوء استعداده حبه وأضمر عبادته واختار صياغته من حليهم ليكون ميلهم إليه أتم لأن قلب الإنسان يميل حيث ماله سيما إذا كان ذهباً أو فضة، وكثير من الناس اليوم عبيد الدرهم والدينار وهما العجل المعنوي لهم وإن لم يسجدوا له وأكثر الأقوال أن ذلك العجل صار ذا لحم ودم وإليه الإشارة بقوله سبحانه: {أية : جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ }تفسير : [الأعراف: 148] وفي كلام الشيخ الأكبر قدس سره أنه صار ذا روح بواسطة التراب الذي وطئه الروح الأمين ولم يصرح بكونه ذا لحم ودم {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ}تفسير : [الأعراف: 150] أي ذهل من شدة الغضب عنها وتجافى عن حكم ما فيها ونسيان ما يستحسن من الحلم مثلاً عند الغضب مما يجده كل أحد من نفسه {أية : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [الأعراف: 150] ظناً أنه قصر في كفهم. {أية : قَالَ ٱبْنَ أُمَّ } تفسير : [الأعراف: 150] ناداه بذلك لغلبة الرحمة عليه، وتأويل ذلك في الأنفس على ما قاله بعض المؤولين أن سامري الهوي بعد توجه موسى عليه السلام الروح لميقات مكالمة الحق اتخذ من حلي زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس معبوداً يتعجلون إليه له خوار يدعون الخلق به إلى نفسه {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} تفسير : [الأعراف: 148] بما ينفعهم {أية : وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} تفسير : [الأعراف: 148] إلى الحق {أية : ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 148] حيث عدلوا عن عبادة الحق إلى عبادة غيره في نظرهم {أية : وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأعراف: 149] أي ندموا عند رجوع موسى الروح {أية : قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} تفسير : [الأعراف: 149] بجذبات العناية {أية : وَيَغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الأعراف: 149] بأن يستر صفاتنا بصفاته سبحانه وتعالى: {أية : لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 149] رأس مال هذه النشأة وهو الاستعداد {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [الأعراف: 150] وهم الأوصاف الإنسانية {أية : غَضْبَـٰنَ } تفسير : [الأعراف: 150] مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا {أية : أَسَفاً } تفسير : [الأعراف: 150] على ما فات لها من عبادة الحق {أية : قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي } تفسير : [الأعراف: 150] حيث لم تسيروا سيري {أية : أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 150] بالرجوع إلى الفاني من غير أمره تعالى {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ } تفسير : [الأعراف: 150] أي ما لاح له من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي {أية : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } تفسير : [الأعراف: 150] وهو القلب يجره إليه قسراً، {أية : قَالَ ٱبْنَ أُمَّ } تفسير : [الأعراف: 150] ناداه بذلك مع أنه / أخوه من أبيه وهو عالم الأمر وأمه وهو عالم الخلق لأنهما في عالم الخلق {أية : إِنَّ ٱلْقَوْمَ } تفسير : [الأعراف: 150] أي أوصاف البشرية {أية : ٱسْتَضْعَفُونِي } تفسير : [الأعراف: 150] عند غيبتك {أية : وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي } تفسير : [الأعراف: 150] يزيلون مني حياة استعدادي بالكلية {أية : فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَاء } تفسير : [الأعراف: 150] وهم ـ وهم ـ، وهذا ما يقتضيه مقام الفرق، {أية : قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي} تفسير : [الأعراف: 151] استر صفاتنا {أية : وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} تفسير : [الأعراف: 151] بإفاضة الصفات الحقة علينا {أية : وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرٰحِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 151] لأن كل رحمة فهو شعاع نور رحمتك {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} تفسير : [الأعراف: 152] أي عجل الدنيا إلهاً {أية : سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ} تفسير : [الأعراف: 152] وهو عذاب الحجاب {أية : وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأعراف: 152] باستعباد هذا الفاني المدني لهم {أية : وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ } تفسير : [الأعراف: 152] الذين يفترون على الله تعالى فيثبتون وجوداً لما سواه، {أية : وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ} تفسير : [الأعراف: 153] رجعوا إليه سبحانه وتعالى بمجاهدة نفوسهم وإفنائها {أية : إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ} تفسير : [الأعراف: 153] فيستر صفاتهم {أية : رَحِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 153] فيفيض عليهم من صفاته {أية : وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ } تفسير : [الأعراف: 154] الربانية، {أية : وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى } تفسير : [الأعراف: 154] إرشاد إلى الحق {أية : وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } تفسير : [الأعراف: 154] يخافون لحسن استعدادهم، ويقال في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَـٰتِنَا}تفسير : [الأعراف: 155] إن موسى عليه السلام اختار سبعين رجلاً من أشراف قومه ونجباءهم أهل الاستعداد والصفاء والإرادة والطلب والسلوك {أية : فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تفسير : [الأعراف: 155] أي رجفة البدن التي هي من مبادي صعقة الفناء عند طريان بوارق الأنوار وظهوره طوالع تجليات الصفات من اقشعرار الجسد وارتعاده وكثيراً ما تعرض هذه الحركة للسالكين عند الذكر أو سماع القرآن أو ما يتأثرون به حتى تكاد تتفرق أعضاؤهم، وقد شاهدنا ذلك في الخالدين من أهل الطريقة النقشبندية، وربما يعتريهم في صلاتهم صياح معه فمنهم من يستأنف صلاته لذلك ومنهم من لا يستأنف، وقد كثر الإنكار عليهم وسمعت بعض المنكرين يقولون: إن كانت هذه الحالة مع الشعور والعقل فهي سوء أدب ومبطلة للصلاة قطعاً وإن كانت مع عدم شعور وزوال عقل فهي ناقضة للوضوء ونراهم لا يتوضؤون، وأجيب بأنها غير اختيارية مع وجود العقل والشعور، وهي كالعطاس والسعال ومن هنا لا ينتقض الوضوء بل ولا تبطل الصلاة، وقد نص بعض الشافعية أن المصلي لو غلبه الضحك في الصلاة لا تبطل صلاته ويعذر بذلك فلا يبعد أن يلحق ما يحصل من آثار التجليات الغير الاختيارية بما ذكر ولا يلزم من كونه غير اختياري كونه صادراً من غير شعور فإن حركة المرتعش غير اختيارية مع الشعور بها، وهو ظاهر فلا معنى للإنكار. نعم كان حضرة مولانا الشيخ خالد قدس سره يأمر من يعتريه ذلك من المريدين بالوضوء واستئناف الصلاة سداً لباب الإنكار، والحق أن ما يعتري هذه الطائفة غير ناقض الوضوء لعدم زوال العقل معه لكنه مبطل للصلاة لما فيه من الصياح الذي يظهر به حرفان مع أمور تأباها الصلاة ولا عذر لمن يعتريه ذلك إلا إذا ابتلي به بحيث لم يخل زمن من الوقت يسع الصلاة بدونه فإنه يعذر حينئذ ولا قضاء عليه إذا ذهب منه ذلك الحال كمن به حكة لا يصبر معها على عدم الحك. وقد نص الجد عليه الرحمة في «حواشيه على شرح الحضرمية» للعلامة ابن حجر [الهيتمي] في صورة ابتلي بسعال مزمن على نحو ذلك، ثم قال: فرع لو ابتلي بذلك وعلم من عادته أن الحمام يسكنه عنه مدة تسع الصلاة وجب عليه دخوله حيث وجد أجرة الحمام فاضلة عما يعتبر في الفطرة وإن فاتته الجماعة وفضيلة أول الوقت انتهى. نعم ذكر عليه رحمة الله تعالى في الفعل الكثير المبطل للصلاة وهو ثلاثة أفعال أنه لو ابتلي بحركة اضطرارية نشأ عنها عمل كثير فمعذور، وقال أيضاً: إنه لا يضر الصوت الغير المشتمل على النطق بحرفين متواليين من أنف / أو فم وإن اقترنت به همهمة شفتي الأخرس ولو لغير حاجة وإن فهم الفطن كلاماً أو قصد محاكاة بعض أصوات الحيوانات وإن لم يقصد التلاعب وإلا بطلت، وينبغي التحري في هؤلاء القوم فإن حالهم في ذلك متفاوت لكن أكثر ما شاهدناه على الطراز الذي ذكرناه، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من «الكتب الفقهية». {أية : قَالَ} تفسير : [الأعراف: 155] موسى {أية : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} تفسير : [الأعراف: 155] وذلك من شدة غلبته الشوق، و {أية : لَوْ} تفسير : [الأعراف: 155] هذه للتمني، {أية : أَتُهْلِكُنَا} تفسير : [الأعراف: 155] بعذاب الحجاب والحرمان {أية : بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ} تفسير : [الأعراف: 155] من عبادة العجل {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف: 155] لا مدخل فيها لغيرك، وهذا مقتضى مقام تجلي الأفعال، {أية : فَٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الأعراف: 155] ذنوب صفاتنا وذواتنا كما غفرت ذنوب أفعالنا، {أية : وَٱرْحَمْنَا} تفسير : [الأعراف: 155] بإفاضة أنوار شهودك ورفع حجاب الآنية بوجودك، {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً}تفسير : [الأعراف: 156] وهي حسنة الاستقامة بالبقاء بعد الفناء، {أية : وَفِي ٱلآخِرَةِ } تفسير : [الأعراف: 156] حسنة المشاهدة، والكلام في بقية الكلام لا يخفى على من له أدنى ذوق خلا أن بعضهم أول العذاب في قوله سبحانه وتعالى:{أية : عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ } تفسير : [الأعراف: 156] بعذاب الشوق المخصوص الذي يصيب أهل العناية من الخواص وهو الرحمة التي لا يكتنه كنهها ولا يقدر قدرها وإنها لأعز من الكبريت الأحمر، وأهل الظاهر يرونه بعيداً والقوم يقولون نراه قريباً، وقالوا: الأمي نسبة إلى الأم لكن على حد أحمري، وقيل: للنبـي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه أم الموجودات وأصل المكنونات، واختير هذا اللفظ لما فيه من الإشارة إلى الرحمة والشفقة وهو الذي جاء رحمة للعالمين وإنه عليه الصلاة والسلام لأشفق على الخلق من الأم بولدها إذ له صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر من التخلق بأخلاق الله تعالى وهو سبحانه أرحم الراحمين، وذكروا أن أتباعه من حيث النبوة الخواص ومن الأمية خواص الخواص ومن حيث الرسالة هؤلاء المذكورون كلهم والعوام نسأل الله تعالى أن يوفقنا لاتباعه صلى الله عليه وسلم في سائر شؤونه.

ابن عاشور

تفسير : {ومن قوم موسى} عطف على قوله: {أية : واتخذ قوم موسى من بعده من حُليهم عِجلاً} تفسير : [الأعراف: 148] الآية، فهذا تخصيص لظاهر العموم الذي في قوله: {أية : واتخذ قوم موسى} تفسير : [الأعراف: 148] قصد به الاحتراس لئلا يتوهم أن ذلك قد عمله قوم موسى كلُّهُم، وللتنبيه على دفع هذا التوهم، قُدّم {ومن قوم موسى} على متعلقه. وقوم موسى هم أتباع دينه من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فمن بقي متمسكاً بدين موسى، بعد بلوغ دعوة الإسلام إليه، فليس من قوم موسى، ولكن يقال هو من بني إسرائيل أو من اليهود، لأن الإضافة في {قوم موسى} تؤذن بأنهم متبعو دينه الذي من جملة أصوله ترقب مجيء الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم و{أمة}: جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : أمة واحدة} تفسير : في سورة البقرة (213)، والمراد أن منهم في كل زمان قبل الإسلام. و{يَهدون بالحق} أي يهدون الناس من بني إسرائيل أو من غيرهم ببث فضائل الدين الإلهي، وهو الذي سماه الله بالحق ويعدلون أي يحكمون حكماً لا جَور فيه. وتقديم المجرور في قوله: {وبه يعدلون} للاهتمام به ولرعاية الفاصلة، إذ لا مقتضي لإرادة القصر، بقرينة قوله: {يهدون بالحق} حيث لم يقدم المجرور، والمعنى: إنهم يحكمون بالعدل على بصيرة وعِلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحدَ القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق؛ لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها.

الواحدي

تفسير : {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} يدعون إلى الحقِّ {وبه يعدلون} وبالحقِّ يحكمون، وهم قوم وراء الصِّين آمنوا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منَّا إليهم. وقوله: {فانبجست} أَي: انفجرت، وهذه الآية مفسَّرة في سورة البقرة.

القطان

تفسير : قطعناهم: صيرناهم فِرَقا كل فرقة سبط، والسبط ولد الولد، واسباط بني اسرائيل: سلائل اولاده. الامة: الجماعة التي تؤلف بين افرادها رابطة او نظام او مصلحة. الاستسقاء: طلب الماء للشرب. انبجس: انفجر. الغمام: السحاب. المن: مادة بيضاء تنزل من السماء مثل الندى حلوة الطعم. السلوى: طائر قدْر الحمام طويل الساقين والعُنق سريع الحركة. بعد ان بيّن تعالى ان من يتبع النبيَّ الكريمَ من قوم موسى مفلحون مهتدون - ذكر هنا حال خواصّ أتباع موسى عليه السلام الذي اتّبعوه حق الاتباع، ثم ذكرحالّين من أحوال بني اسرائيل: أولاهما: انه قسمهم اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباطهم الاثني عشر. ثانيتهما: أنهم لما استسقَوا موسى ضرب موسى الحجر (اشارة الى امكانية الحفر)، فانبجستْ منه اثنتا عشرة عيناً، بقدر عدد الأسباط. وقد تقدم ذكر هاتين الواقعتين في سورة البقرة. ومن قوم موسى جماعة تمسَّكوا بما جاء به موسى من الدين الصحيح، فظلوا يهدون الناس الى الحق الذي جاء به نبيُّهم، فلا يتّبعون هوى، ولا يأكلون سُحتاً ولا رشوة. ثم عدّد الله نعمة على قوم موسى، فذكر انه صيّرهم اثنتي عشرة فرقة، وميّز كل جماعة بنظامها، منعا للتحاسُد والخلاف. وأنه اوحى الى موسى حين طلب قومه الماء في التيه، ان يضرب الصخر في الأرض، ففعل موسى ذلك، فانفجرت عنه ذلك اثنتا عشرة عيناً قد عرف كل سبط من القوم مورد شربهم الخاص بهم. هذا كما جعل لهم السحابَ يلقي عليهم ظلّه في اليته ليقيَهم حر الشمس، وانزل عليهم المنّ وهو طعام حلو شهيّ والسلوى وهو طائر يشبه السُّمانَى. وقال لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم. لكنهم ظلموا انفهسم وكفروا بتلك النعم، وتمسَّكوا بالجحود والانكار. وهذا دأبهم وتلك اخلافهم لم تتغير ولم تتبدل.

د. أسعد حومد

تفسير : (159) - وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى جَمَاعَةٌ كَثِيرةُ العَدَدِ (أُمَّةٌ) يَهْدُونَ النَّاسَ بِالحَقِّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَيَعْدِلُونَ فِي تَنْفِيذِهِ إِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَتَّبِعُونَ هُوًى، وَلاَ يَأْكُلُونَ سُحْتاً وَلاَ مَالاً حَرَاماً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين يسمع قوم موسى هذا القول سيقولون في أنفسهم أنه يعلم ما في صدورنا من تفكير في الإِيمان برسالة صلى الله عليه وسلم. ولكن لو عمَّم الحكم فمن يفكر في الإِيمان بمحمد يقول: لماذا يصدر حكماً ضدي وأنا أفكر في الإِيمان؟ لكن الحق "صان الاحتمال" وأوضح لكل واحد من هؤلاء الذين يفكرون في الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يتجه إلى إعلان الإِيمان فقال: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] أي يدلون الناس على الحق ويدعونهم إلى طريق الخير، وبهذا الحق يعدلون في حكمهم بين الناس ولا يجورون. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ...}

الأندلسي

تفسير : {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ} الآية لما أمروا بالإِيمان بالله ورسوله وأمروا باتباعه ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من وفق للهداية وعدل ولم يجر ولا تكون له هداية إلا باتباع شريعة موسى عليه السلام قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وباتباع شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه فهذا إخبار عمن كان من قوم موسى بهذه الأوصاف فكان المعنى أنهم كلهم لم يكونوا ضلالاً بل كان منهم مهتد كعبد الله بن سلام وأصحابه. {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ} الآية، اثنتي عشرة حال. وأجاز أبو البقاء ان يكون قطعنا بمعنى صيرنا وأن ينتصب اثنتي عشرة على أنه مفعول ثان لقطعنا، ولم يعد النحويون قطعنا في باب ظننت وجزم به الحوفي فقال: اثنتي عشرة مفعول لقطعناهم أي جعلناهم اثنتي عشرة وتمييز اثنتي عشرة محذوف لفهم المعنى تقديره اثنتي عشرة فرقة وأسباطاً بدل من اثنتي عشرة. وتقدم تفسير الاسباط في البقرة. و{أُمَماً} قال أبو البقاء: نعت لإِسباط، أو بدل بعد بدل، ولا يجوز أن يكون إسباطاً تمييزاً لأنه جمع وتمييز هذا النوع لا يكون إلا مفرداً. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} تقدم تفسير نظيره في البقرة. {فَٱنبَجَسَتْ} أي غرقت وانفجرت سالت. وقال الواحدي: الانجباس الانفجار. يقال: بجس وانبجس بمعنى واحد. وقال الزمخشري: أناس، إسم جمع غير تكسير نحو: رخاء وثناء وتؤام وأخوات لها. ويجوز أن يقال: أن الأصل الكسر والتكسير والضمة بدل من الكسر كما أبدلت في نحو: سكارى وغيارى. "انتهى". لا يجوز ما قال لأن سيبويه نص في كتابه على أن فعالي جمع تكسير أصل كما أن فعالي كذلك ولم يسمع كسر همزة أناس كما سمع الضم في فعالي. {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} تقدمت هذه القصة وتفسيرها في البقرة وكان هذه مختصرة من تلك، إذ هناك وإذ قلنا ادخلوا، وهنا وإذ قيل لهم اسكنوا، وهناك رغداً، أو وسقط هنا، وهناك، وسنزيد، وهنا سنزيد، وهناك فأنزلنا على الذين ظلموا، وهنا فأرسلنا عليهم، وبينهما تغاير في بعض الألفاظ لا تناقض فيه بقوله: وإذ قيل لهم، وهناك وإذ قلنا، فهنا حذف الفاعل للعلم به وهو الله تعالى، وهناك ادخلوا، وهنا اسكنوا، والسكنى ضرورة فتعقب الدخول فأمروا هناك بمبدأ الشىء، وهنا بما تسبب عن الدخول، وهناك فكلوا بالفاء، وهنا بالواو، فجاءت الواو على أحد محتملاتها من كون ما بعدها وقع بعدما قبلها. وقيل: الدخول حالة منقضية فحسن ذكر فاء التعقيب بعده. والسكنى حالة مستمرة فحسن الأمر بالأكل معه لا عقبيه فحسنت الواو الجامعة للأمرين في الزمن الواحد وهو أحد محاملها. وقيل: ثبت رغداً بعد الأمر بالدخول لأنها حالة قدوم فالأكل فيها ألذ وأتم وهم إليه أحوج بخلاف السكنى فإِنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها ألذ ولا هم أحوج إليه. وأما التقديم والتأخير في قوله: وقولوا وادخلوا، فقال الزمخشري: سواء قدموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون في الإِيجاد بينهما. "انتهى". وقوله: سواء قدموا وأخروها، تركيب غير عربي وإصلاحه سواء أقدموا أم أخروها، كما قال تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا}تفسير : [إبراهيم: 21]. ويمكن أن يقال ناسب تقديم الأمر بدخول الباب سجداً مع تركيب ادخلوا هذه القرية لأنه فعل دال على الخضوع والذلة وحطة قول والفعل أقوى في إظهار الخضوع من القول فناسب أن يذكر مع مبدأ الشىء وهو الدخول ولأن قبله ادخلوا فناسب الأمر بالدخول للقرية الأمر بدخول بابها على هيئة الخضوع، ولأن دخول القرية لا يمكن إلا بدخول بابها فصار باب القرية كأنه بدل من القرية أعيد معه العامل بخلاف الأمر بالسكنى. وأما سنزيد هنا فقال الزمخشري: موعد بشيئين بالغفران والزيادة، وطرح الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: وماذا بعد الغفراء. فقيل له: سنزيد المحسنين. وزيادة منهم بيان وأرسلنا وأنزلنا ويظلمون ويفسقون من واد واحد. وقرأ الحسن حطة بالنصب على المصدر أي حط ذنوبنا حطة ويجوز أن ينتصب يقولوا على حذف التقدير، وقولوا قولاً حطة أي ذا حطة. فحذف واو صار حطة وصفاً للمصدر المحذوف، كما تقول: قلت حسناً قلت حقاً أي قولاً حسناً وقولاً حقاً.