٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
158
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية. فقال: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وفي هذه الكلمة مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى جميع الخلق. وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني: أن محمداً رسول صادق مبعوث إلى العرب. وغير مبعوث إلى بني إسرائيل. ودليلنا على إبطال قولهم؛ هذه الآية. لأن قوله: {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } خطاب يتناول كل الناس. ثم قال: {إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس، وأيضاً فما يعلم بالتواتر من دينه، أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى كل العالمين. فأما أن يقال: إنه كان رسولاً حقاً أو ما كان كذلك، فإن كان رسولاً حقاً، امتنع الكذب عليه. ووجب الجزم بكونه صادقاً في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثاً إلى جميع الخلق، وجب كونه صادقاً في هذا القول، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثاً إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل. وأما قول القائل: إنه ما كان رسولاً حقاً، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك، أما الأولون فقالوا: إنه دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول إلى الناس إذاكانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولاً إليهم، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق»تفسير : والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين: أما الأول: فتقريره أن قوله: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } ليسوا إلا المكلفين من الناس، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال: إن قوله: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } عام دخله التخصيص. وأما الثاني: فلأنه يبعد جداً أن يقال: حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام، وخبر معجزاته وشرائعه، وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص. المسألة الثانية: هذه الآية وإن دلت على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق، بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثاً إلى كل الخلق أم لا؟ إلى سائر الدلائل. فنقول: تمسك جمع من العلماء في أن أحداً غيره ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي. وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي»تفسير : . ولقائل أن يقول: هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب، لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه، وأيضاً قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع أولاده، وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثاً إلى جميع الناس، وأن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة، كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه، مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم. أما قوله تعالى: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى. واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة. الأصل الأول: إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً. والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وذلك لأن أجسام السموات والأرض، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده، أو إن حصل له مؤثر، لكن كان ذلك المؤثر موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكناً. والأصل الثاني: إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند، وإليه الإشارة بقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان، وأرسل أحد الإلهين نبياً إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقاً له، بل كان مخلوقاً للإله الثاني، وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته، فكان بعثة الرسول إليه، وإيجاب الطاعة عليه ظلماً وباطلاً. أما إذا ثبت أن الإله واحد، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيداً له، ويكون تكليفه في الكل نافذاً وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازماً، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحداً لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكاليف جائزاً. والأصل الثالث: إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثاً ولغواً، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله: {يُحْىِ وَيُمِيتُ } لأنه لما أحيا أولاً، ثبت كونه قادراً على الإحياء ثانياً، فيكون قادراً على الإعادة والحشر والنشر، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاماً عظيماً، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائماً مقام الشكر عن الإحياء الأول، وأيضاً لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني، فحينئذ يكون قادراً على إيصال الجزاء إليه. واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة. ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه، وأيضاً إنه منعم على الكل بأعظم النعم، وأيضاً إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام، في أنه يحسن منه تكليف الخلق، أما بحسب السبب الأول، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته، وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة، وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً، وعلى أن هذا الإله واحد، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب. واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله: {فَئَامِنُواْ بالله ورسوله} وهذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه لما بين أولاً أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن، أردفه بذكر أن محمداً رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولاً، ثم حصوله ثانياً، ثم إنه بدأ بقوله: {فئامنوا بالله} لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه، والأصل يجب تقديمه. فلهذا السبب بدأ بقوله: {فَئَامنوا بالله} ثم أتبعه بقوله: {وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىّ ٱلامّىّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ }. واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبياً حقاً، وتقريره: أن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على نوعين: النوع الأول: المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة، وأجلها وأشرفها أنه كان رجلاً أمياً لم يتعلم من أستاذ، ولم يطالع كتاباً، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء، وما غاب رسول الله عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة، ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه، مع أنه كان رجلاً أمياً لم يلق أستاذاً ولم يطالع كتاباً من أعظم المعجزات، وإليه الإشارة بقوله: {ٱلنَّبِىِّ ٱلامِّىِّ }. والنوع الثاني: من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه. وهي تسمى بكلمات الله تعالى، ألا ترى أن عيسى عليه السلام، لما كان حدوثه أمراً غريباً مخالفاً للمعتاد، لا جرم سماه الله تعالى كلمة. فكذلك المعجزات لما كانت أموراً غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى، وهذا النوع هو المراد بقوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ } أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه، فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبياً صادقاً من عند الله. واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه على التفصيل، وما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله وأفعاله وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَٱتَّبِعُوهُ }. واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل. أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرفي الأمر والنهي والترغيب والترهيب. وأما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك، فثبت أن لفظ {وَٱتَّبِعُوهُ } يتناول القسمين. وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُوهُ } دليلاً على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي، ويجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه الدليل، وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من خواص الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: الشيء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان واجباً عليه، ويحتمل أيضاً أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً، فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً، فلو أتينا به على سبيل أنه واجب علينا، كان ذلك تركاً لمتابعته، ونقضاً لمبايعته. والآية تدل على وجوب متابعته، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا. قلنا: المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع، بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل، قيل: إنه تابعه عليه. ولو لم يأت به. قيل: إنه خالفه فيه. فلما كان الإتيان بمثل فعل المتبوع متابعة، ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. بقي ههنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب. فنقول: حال الدواعي والعزائم غير معلوم، وحال الإتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم، فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن حال العزائم والدواعي، لكونها أموراً مخفية عنا، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر. لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها، فزالت هذه الشبهة، وتقريره: أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا لإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل. إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال. قلنا: إن هذا العمل فعله أفضل من تركه، وإذا كان الأمر كذلك: فحينئذ نعلم أن الرسول قد أتى به في الجملة، لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل. وأما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك، والمشكوك لا يعارض المعلوم، فثبت أنه عليه السلام أتى بالجانب الأفضل. ومتى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية: {وَٱتَّبِعُوهُ } فهذا أصل شريف، وقانون كلي في معرفة الأحكام، دال على النصوص لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ } تفسير : [النجم: 3، 4] فوجب علينا مثله لقوله تعالى: {وَٱتَّبِعُوهُ }. وأما قوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ففيه بحثان: أحدهما: أن كلمة «لعل» للترجي، وذلك لا يليق بالله، فلا بد من تأويله. والثاني: أن ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من كل المكلفين الهداية والإيمان على قول المعتزلة، والكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا الكتاب مراراً كثيرة، فلا فائدة في الإعادة.
القرطبي
تفسير : ذكر أن موسىٰ بَشَّر به، وأن عيسىٰ بَشّر به. ثم أمره أن يقول بنفسه «إني رسول الله إليكم جميعاً». و{وَكَلِمَاتِهِ} كلمات الله تعالىٰ كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم{قُلْ} يا محمد {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي {إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة؛ كما قال الله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وقال تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هـود: 17] وقال تعالى: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ} تفسير : [آل عمران: 20] والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم. قال البخاري رحمه الله في تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر حدثني بُسْر بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء، رضي الله عنه يقول: كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضباً، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء: ونحن عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما صاحبكم هذا فقد غامر» تفسير : أي: غاضب وحاقد. قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، قال أبو الدرداء: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» تفسير : انفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخراً: بعثت إلى الناس كافة؛ الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت الشفاعة، فأخرتها لأمتي يوم القيامة، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً» تفسير : إسناد جيد، ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك، قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم، فقال لهم: «حديث : لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي؛ أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب؛ ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر، لملىء مني رعباً، وأحلت لي الغنائم أكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها؛ كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت؛ وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي قيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» تفسير : إسناد جيد قوي أيضاً ولم يخرجوه. وقال أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سمع بي من أمتي، أو يهودي أو نصراني، فلم يؤمن بي، لم يدخل الجنة» تفسير : وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو سليم بن جبير، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي أو نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» تفسير : تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خمساً: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة، وإني قد اختبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئاً» تفسير : وهذا أيضاً إسناد صحيح، ولم أرهم خرجوه، والله أعلم. وله مثله من حديث ابن عمر بسند جيد أيضاً وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضاً، من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة»تفسير : . وقوله: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ} صفة الله تعالى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة وله الحكم وقوله: {فَـئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلأُمِّىِّ} أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به {النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} أي: الذي وعدتم به، وبشرتم به في الكتب المتقدمة؛ فإنه منعوت بذلك في كتبهم، ولهذا قال: النبي الأمي. وقوله: {ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ} أي: يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه {وَٱتَّبِعُوهُ} أي: اسلكوا طريقه، واقتفوا أثره {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: إلى الصراط المستقيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ لآ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِ } القرآن {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ترشدون.
الشوكاني
. تفسير : لما تقدّم ذكر أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم المكتوبة في التوراة والإنجيل، أمره سبحانه أن يقول هذا القول المقتضى لعموم رسالته إلى الناس جميعاً، لا كما كان غيره من الرسل عليهم السلام، فإنهم كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، و{جميعاً} منصوب على الحال، أي حال كونكم جميعاً. و{ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } إما في محل جرّ على الصفة للاسم الشريف، أو منصوب على المدح، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وجملة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } بدل من الصلة مقرر لمضمونها مبين لها، لأن من ملك السموات والأرض وما فيهما هو الإله على الحقيقة، وهكذا من كان يحيى ويميت هو المستحق لتفردّه بالربوبية ونفى الشركاء عنه. والأمر بالإيمان بالله وبرسوله متفرع على ما قبله. وقد تقدّم تفسير النبيّ الأميّ. وهما وصفان لرسوله. وكذلك: {ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ } وصف له، والمراد بالكلمات ما أنزله الله عليه وعلى الأنبياء من قبله أو القرآن فقط. وجملة {وَٱتَّبِعُوهُ } مقررة لجملة {فَآمِنُواْ بِٱللَّه}، و{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } علة للأمر بالإيمان والاتباع. وقد أخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا }. والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة، فلا نطيل بذكرها. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ } قال: آياته. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد {وَكَلِمَـٰتِهِ } قال: عيسى.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يهْدُونَ بِالْحَقِّ} فإن قيل فهذا يدل على أن في اليهود من هم على حق. الجواب عند ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الذين تمسكوا بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم، ولا يدل هذا على استدامة حاله على الأبد. والثاني: أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام، قاله ابن عباس، والسدي. والثالث: أنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وابن صوريا وغيرهما، قاله الكلبي.
ابن عطية
تفسير : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَألأَرْضِ لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنَتَىَ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} هذا أمر من الله عز وجل لنبيه بإشهار الدعوة والحض على الدخول في الشرع، وذلك أنه لما رجا الأمة المتبعة للنبي الأمي التي كتب لهم رحمته عقب ذلك بدعاء الناس إلى الاتباع الذي معه تحصل تلك المنازل وهذه الآية خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم بين الرسل، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة وإلى الجن، قاله الحسن، وتقتضيه الأحاديث، وكل نبي إنما بعث إلى فرقة دون العموم، ثم إنه لما أعلن بالرسالة من عند الله أردف بصفة الله التي تقتضي الإذعان له وهي أنه ملك السموات والأرض بالخلق والإبداع والإحياء والإماتة لا إله إلا هو ولا معبود سواه. وقوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله} الآية، هو الحض على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {الذي يؤمن} يريد الذي يصدق {بالله وكلماته} والكلمات هنا الآيات المنزلة من عنده كالتوراة والإنجيل، وقرأ جمهور الناس "كلماته" بالجمع، وقرأ عيسى بن عمر "كلمته" بالإفراد الذي يراد به الجمع، وقرأ الأعمش "الذي يؤمن بالله وآياته" بدل "كلماته"، وقال مجاهد والسدي: المراد بـ "كلماته" أو "كلمته" عيسى بن مريم، وقوله تعالى: {لعلكم تهتدون} أي على طمعكم وبحسب ما ترونه، وقوله: {واتبعوه} لفظ عام يدخل تحته جميع إلزامات الشريعة جعلنا الله من متبعيه على ما يلزم بمنه ورحمته. وقوله: {ومن قوم موسى} الآية، {يهدون} معناه يرشدون أنفسهم، وهذا الكلام يحتمل أن يريد به وصف المؤمنين المتقين من بني إسرائيل على عهد موسى وما والاه من الزمن، فأخبر أنه كان في بني إسرائيل على عتوهم وخلافهم من اهتدى واتقى وعدل، ويحتمل أن يريد الجماعة التي آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، ويحتمل ما روي من أن بني إسرائيل لما تقطعوا مرت أمة منهم واعتزلت ودخلت تحت الأرض فمشت في سرب تحت الأرض سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين، فهم هنالك خلف واد من شهد يقيمون الشرع ويهدون بالحق، قاله السدي وابن جريج، وروي بعضه عن ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث بعيد، وقرأ بعض من الناس "وقطّعناهم" بشد الطاء، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة "وقطَعناهم" بتخفيف الطاء، ورواها أبان عن عاصم، ومعناه فرقناهم من القطع، وقرأ جمهور الناس "عشْرة" بسكون الشين، وهي لغة الحجاز وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وطلحة بن سليمان بخلاف "عَشرة" بفتح الشين، وقرأت هذه الجماعة أيضاً وطلحة بن مصرف وأبو حيوة "عشِرة" بكسر الشين وهي لغة تميم، وقال أبو حاتم والعجب أن تميماً يخففون ما كان من هذا الوزن أي أهل الحجاز يشبعون وتناقضوا في هذا الحرف، وقوله: {أسباطاً} بدل من {اثنتي} . والتمييز الذي بين العدد محذوف مقدر اثنتي عشرة فرقة أو قطعة أسباطاً، وإما أن يزول عن التمييز ويقدر وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة ثم أبدل أسباطاً، والأول أحسن وأبين، ولا يجوز أن يكون {أسباطاً} تمييزاً لأن التمييز لا يكون إلا مفرداً نكرة، وأيضاً فالسبط مذكر وهو قد عد مؤنثاً على أن هذه العلة لو انفردت لمنعت إذ السبط بمعنى الأمة، قال الطبري، وقال بعض الكوفيين لما كان السبط بمعنى الأمة غلب التأنيث وهو مثل قول الشاعر: [الطويل] شعر : فإن كلاباً هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشرِ تفسير : قال القاضي أبو محمد: وأغفل هذا الكوفي جمع الأسباط، وإن ما ذهب إليه إنما كان يجوز لو كان الكلام اثنتي عشرة سبطاً والسبط في ولد إسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل، وقد قال الزجّاج وغيره: إن السبط من السبط وهو شجر. قال القاضي أبو محمد: وإنما الإظهر فيه عبراني عرب. قوله عز وجل: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُُونَ} قد تقدم في سورة البقرة أمر الحجر والاستسقاء وأين كان وأمر التظليل وإنزال المن والسلوى، وذكرنا ذلك بما يغني عن إعادته هاهنا. و {انبجست} معناه انفجرت إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار، وقرأ الأعمش وعيسى الهمداني {كلوا من طيبات ما رزقناكم} بتوحيد الضمير.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد للناس إني رسول الله إليكم جميعاً لا إلى بعضكم دون بعض ففي الآية دليل على عموم رسالته إلى كافة الخلق، لأن قوله يا أيها الناس خطاب عام يدخل فيه جميع الناس ثم أمره الله عز وجل بأن يقول إني رسول الله إليكم جميعاً، وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس (ق) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة"تفسير : وفي رواية "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"تفسير : وقوله في الرواية الأولى وبعثت إلى كل أحمر وأسود قيل أراد بالأحمر العجم وبالأسود العرب وقيل أراد بالأحمر الإنس وبالأسود الجن فعلى هذا تكون رسالته صلى الله عليه وسلم عامة إلى كافة الخلق من الإنس والجن. (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : فضلت على الأنبياء بستة أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلخلق كافة وختم بي النبيون " تفسير : وقوله تعالى: {الذي له ملك السموات والأرض} لما أمر الله عز وجل رسوله محمداً بأن يقول {أية : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}تفسير : [الأَعراف: 158] أردفه بما يدل على صحة دعواه: يعني أن الذي له ملك السموات والأرض وهو مدبرهما ومالك أمرهما هو الذي أرسلني إليكم وأمرني بأن أقول لكم إني رسول الله إليكم جميعاً {لا إله إلا هو يحيي ويميت} وصف الله نفسه بالإلهية وأنه لا شريك له فيها وأنه القادر على إحياء خلقه وإماتتهم ومن كان كذلك فهو القادر على إرسال الرسل إلى خلقه {فآمنوا بالله ورسوله} لما أمر الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس إني رسول الله إليكم جميعاً أمر الله جميع خلقه بالإيمان به ورسوله وذلك لأن الإيمان بالله هو الأصل والإيمان برسوله فرع عنه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى بالإيمان برسوله فقال فآمنوا بالله ورسوله ثم وصفه الله تعالى فقال {النبي الأمي} تقدم معناهما {الذي يؤمن بالله وكلماته} قال قتادة: يعني آياته وهو القرآن، وقال مجاهد والسدي: أراد بكلماته عيسى ابن مريم لأنه خلق بقوله كن فكن، وقيل: هو على العموم يعني يؤمن بجميع كلمات الله تعالى: {واتبعوه} يعني واقتدوا به أيها الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه وقيل: المتابعة على قسمين: متابعة في الأقوال ومتابعة في الأفعال. أما المتابعة في الأقوال فبأن يتمثل التابع جميع ما أمره به المتبوع على طريق الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأما المتابعة في الأفعال فبأن يقتدي به في جميع أفعاله وآدابه إلا ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت بالدليل أنه من خصائصه فلا متابعة فيه وقوله تعالى: {لعلكم تهتدون} يعني لكي تهتدوا وترشدوا وتصيبوا الحق والصواب في متابعتكم إياه. قوله عز وجل: {ومن قوم موسى} يعني من بني إسرائيل {أمة} أي جماعة {يهدون بالحق} يعني يهتدون بالحق ويستقيمون عليه ويعملون به ويرشدون إليه {وبه يعدلون} يعني وبالحق يحكمون وبالعدل يأخذون ويعطون ويتصفون. واختلفوا في هؤلاء من هم فقيل هم الذين أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام وأصحابه فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن واعترض على هذا بأنهم كانوا قليلين ولفظ الأمة يقتضي الكثرة. وأجيب عنه بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله إن إبراهيم كان أمة وقيل هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه الصلاة والسلام قبل التحريف والتبديل ودعوا الناس إليه. وقال السدي وابن جريج وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وأن يبعدهم عنهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفاً رواه الطبري. وحكى البغوي عن الكلبي والضحاك والربيع قالوا: هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصحون بالنهار ويزرعون ولا يصل إليهم أحد منا وهم على الحق. وذكر لنا أن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء به فكلمهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قالوا هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم موسى وأقرأهم عشر سور من القرآن نزلت عليه بمكة وأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت وهذه الحكاية ضعيفة من وجوه: الأول: قولهم إن أحداً منا لا يصل إليهم وإذا كان كذلك فمن ذا الذي أوصل خبرهم إلينا. الوجه الثاني: قولهم إن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء به وهذا لم يرد به نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث ولا يلتفت إلى قول الإخباريين والقصاص في ذلك. الوجه الثالث: قولهم إنهم بلغوا النبي صلى الله عليه وسلم موسى وقد صح في حديث المعراج أنه سلم عليه في السماء السادسة وأيضاً قولهم وأقرأهم عشر سور وقد نزل عليه بمكة أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضيتها فإذا ثبت بما ذكرناه بطلان هذه الرواية فالمختار في تفسير هذه الآية أنها إما أن تكون نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه والله أعلم بمراده.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} هذا أمر من اللَّه سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم مِنْ بين سائر الرسُلِ؛ فإِنه صلى الله عليه وسلم بُعِثَ إِلى الناس كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم. وقوله سبحانه: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: حَضٌّ على اتباع نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ }، أيْ: يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا: الآياتُ المنزلة مِنْ عند اللَّه؛ كالتوراة والإنجيل، وقوله: و{ٱتَّبِعُوهُ} لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته. قُلْتُ: فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأَخُ، فعَلَيْكَ بٱتباع النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه. قال عِيَاضٌ: وَمِنْ إِعظامه صلى الله عليه وسلم وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، وما لَمَسَهُ عليه السلام أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائراً، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشَىٰ باكياً منشداً: [الطويل] شعر : وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا فُؤَاداً لِعِرْفَانِ الرُّسُومَ وَلاَ لُبَّا نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَا تفسير : وحُكِيَ عن بعض المريدين؛ أنه لما أشْرَفَ عَلَىٰ مدينة الرسول عليه السلام، أنشأ يقُولُ: [الكامل] شعر : رُفِعَ الحِجَابُ لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُ وَإِذَا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّداً فَظُهُورُهُنَّ عَلَىٰ الرِّجَالِ حَرَامُ قَرَّبْنَنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِىءَ الحَصَى فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ تفسير : وحُكِيَ عن بعض المشايِخِ؛ أنه حجَّ ماشياً، فقيل له في ذلك، فقال: العَبْدُ الآبِقُ يأتي إلى بيت مولاه راكباً؟ لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ عَلَىٰ رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي. قال عياض: وجديرٌ لمواطنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل؛ وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل، وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح؛ وضجَّتْ عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملَتْ تربتها عَلَىٰ جَسَد سَيِّد البَشَر؛ وٱنْتَشَرَ عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما ٱنْتَشَرَ، مدارسُ وآيات؛ ومَسَاجِدُ وصَلَوَات؛ ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات؛ ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات - أنْ تعظَّم عَرَصَاتها؛ وتُتَنَسَّمَ نفحاتها؛ وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها: [الكامل] شعر : يَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه هَدْيُ الأَنَام وَخُصَّ بِالآيَاتِ عِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ وَصَبَابَةٌ وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِ تفسير : الأبيات. انتهى من «الشفا». وقوله سبحانه: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ }، أي: يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، علَىٰ عهد مُوسَىٰ، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل علَىٰ عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ ٱهتدَىٰ واتقَىٰ وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، علَىٰ جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: {أَسْبَاطًا}: بَدلٌ من {ٱثْنَتَىْ}، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره: ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطاً. وقوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ...} الآية: {ٱنْبَجَسَتْ}: بمعنى ٱنْفَجَرَتْ، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المعاني في «البقرة».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} الآية. لمَّا بيَّن تعالى أنَّ من شُرُوطِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لأولئك المُتَّقِينَ، كونهم مُتَّبِعين للرَّسُولِ، حَقَّقَ في هذه الآية رسالته إلى كلِّ الخلق. وقوله إلَيْكُمْ مُتعلِّقٌ بـ "رَسُولُ"، وجَمِيعاً حال من المجرورِ بـ "إلى". فصل هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى جميع الخَلْقِ. وقالت طائفة من اليهُودِ يقال لهم العيسوية، وهم أتباع عيسى الأصفهانيّ: إنَّ محمداً رسول صادق مبعوث إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل وهذه الآية تبطلُ قولهم؛ لأن قوله {يا أيُّهَا النَّاسُ} خطابٌ يتناولُ كلَّ النَّاسِ، وقد أقرُّوا بكونِهِ رسولاً حقًّا صادقاً وما كان كذلك امتنع الكذب عليه، ووجب الجزمُ بكونه صادقاً في كلِّ ما يدَّعيه، وقد ثبت بالتَّواتُرِ وبهذه الآية أنه كان يدَّعي كونه مبعوثاً إلى جميع الخلق؛ فوجب كونُه صادقاً في هذا القول. فصل هذه الآيةُ دلَّتْ على أن محمداً عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مبعوثٌ إلى كل الخلق فهل شاركه في هذه الخصوصيَّةِ أحد من الأنبياء؟. فقال بعضهم: نعم كان آدم عليه الصَّلاة والسَّلام مبعوثاً إلى جميع أولاده، وأنَّ نوحاً لما خرج من السفينة كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه، وهم جميع النَّاسِ في ذلك الوقت، وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : أعطيتُ خمْساً لَمْ يُعْطَهنَّ أحَدٌ من الأنبياءِ قَبْلِي" تفسير : المرَادُ أنَّ مجموعَ الخَمْسَةِ لم يحصل لأحدٍ سواه، ولم يلزم من كون المجموع من خواصه عدم مشاركة غيره في آحاد أفرادها. قوله: {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. يجوزُ فيه: الرَّفْعُ، والنَّصْبُ، والجَرُّ، فالرَّفْعُ والنَّصْبُ على القطع كما تقدم [الأعراف: 57]، والجَرُّ من وجهين: إمَّا النَّعْتِ للجلالة، وإمَّا البدلِ منها. قال الزمخشريُّ: ويجوزُ أن يكون جَرًّا على الوصفِ، وإن حيلَ بين الصِّفةِ والموصوف بقوله "إليْكُمْ جَمِيعاً". واستضعف أبُو البقاءِ هذا ووجه البدل، فقال: ويَبْعُدُ أن يكون صفة لله أو بدلاً منه، لما فيه من الفصل بينهما بـ "إلَيْكُمْ" وبحالٍ، وهو مُتعلِّقٌ بـ "رَسُولُ". قوله {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} لا محلَّ لهذه الجملةِ من الإعراب، إذ هي بدل من الصلةِ قبلها وفيها بيان لها؛ لأنَّ من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقةِ، وكذلك قوله "يُحْيي ويُمِيتُ" هي بيان لقوله لا إله إلاَّ هُوَ سِيقَتْ لبيان اختصاصه بالإلهيَّةِ؛ لأنه يَقْدِرُ على الإحياء والإماتةِ غَيْرُهُ. قاله الزمخشريُّ: وقال أبُو حيَّان: "وإبدالُ الجُمَلِ من الجُمَلِ غير المشتركة في عاملٍ لا نعرفه". فصل وقال الحُوفيُّ: إن "يُحْيِي ويُمِيتُ" في موضع خبر لا إله. قا: "لأنَّ الإله" في موضع رفع بالابتداء، وإلاَّ هُوَ بدلٌ على الموضع. قال: والجملةُ أيضاً في موضع الحال من اسم اللَّهِ. ويعني بالجملةِ قوله: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} ويعني باسم الله، أي: الضَّمير في لهُ مُلْكُ أي استقرَّ له الملك في حال انفراده بالإلهيَّةِ. وقال أبُو حيَّان: والأحْسَنُ أن تكون هذه جملاً مستقلة من حيث الإعراب، وإن كان متعلقاً بعضها ببعضٍ من حيث المعنى. وقال في إعراب الحوفي المتقدم إنَّهُ متكلَّفٌ. قوله: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}. فصل اعلم أنَّ الإيمان بالله أصل، والإيمان بالنبوَّةِ والرسالة فرع عليه، والأصلُ يجب تقديمه فلهذا بدأ بقوله: فأمِنُوا باللَّهِ ثم أتبعه بقوله: {وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} وهذا إشارة إلى ذِكْرِ المعجزاتِ الدالَّة على كونه نبيّاً حقاً؛ لأنَّ معجزاته عليه الصلاة والسلام كانت على نوعين. الأول: المعجزاتُ التي ظهرت في ذاته المباركة وهو كونه أمِّياً، وقد تقدم الكلامُ على كون هذه الصِّفَةِ معجزة. الثاني: المعجزات الَّتي ظهرت من خارج ذاته مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع ونحوها، وهي تسمى بكلمات الله، لأنَّهَا أمورٌ عظيمة. ألا ترى أن عيسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - لمَّا كان حدوثُه أمراً عظيماً غريباً مخالفاً للعادة، سمَّاهُ اللَّهُ كلمة، فكذلك المعجزات لمَّا كانت أموراً غريبة خارقة للعادة لم يبعُد تسميتُها كلمات، وهذا هو المُرادُ بقوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ}. وقرأ مجاهدٌ وعيسى وكلمته بالتَّوحيد، والمرادُ بها الجِنسُ كقوله - عليه الصَّلاة والسَّلامُ -: "حديث : أصْدَقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ"تفسير : ويسمُّون القصيدة كلها كلمةً، وقد تقدَّم. قال الزمشريُّ: فإن قلت: هَلاَّ قيل: فآمنوا باللَّه وبِي، بعد قوله {إنِّي رسولُ اللهِ إليكمْ جَمِيعاً}؟. قلت: عدل عن الضمير، إلى الاسم الظاهر، لتَجْرِي عليه الصفاتُ التي أُجْرِيَتْ عليه، ولِمَا في طريق الالتفات من البلاغةِ، وليُعْلِم أنَّ الذي يجبُ الإيمانُ به واتِّباعهُ، هو هذا الشخص المستقل بأنه النَّبيُّ الأميُّ الذي يؤمنُ بالله وكلماته، كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنَّصَفة، وتفادياً من العصبية لنفسه. قوله: {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. وهذا الأمرُ يدلُّ على وجوب متابعةِ الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام في كلِّ ما يأتي به قولاً كان أو فعلاً أو تركاً إلا ما خصه الدَّليل. فصل فإن قيل: إذا أتى الرَّسول بشيء فيحتمل أنه أتى به على سبيل الوُجوبِ، ويحتمل الندب فعلى سبيل أنه أتى مندوباً، فلو أتينا به على أنَّه واجب علينا، كان ذلك تركاً لمتابعته والآيةُ تدلُّ على وجوب المتابعةِ، فثبت أنَّ فعل الرَّسُولِ لا يدُلُّ على الوجوب علينا. فالجوابُ: أنَّ المتابعةَ في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع؛ لأنَّ من أتى بفعل ثم إنَّ غيرهُ وافقه في ذلك الفعل، قيل: إنَّهُ تابعهُ عليه، ولوْ لَمْ يأتِ به، قيل: إنه خالفه، وإن كان كذلك، ودلَّت الآية على وجوب المتابعة؛ لزم أن يجب على الأمة متابعته. بقي علينا أنَّا لا نعرف هل أتى به - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - قاصداً الوجوب أو النَّدب؟. فنقول: حال الدَّوَاعي والعزائم غير معلوم، وحال الإتيان بالفعل الظاهر معلومٌ؛ فوجب أن لا يُلتفتَ إلى حال العزائم والدَّواعي؛ لأنَّها أمورٌ مخفية عَنَّا، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظَّاهر؛ لأنَّهُ من الأمور التي يمكن رعايتها. وقد تقدَّم الكلامُ على لفظ لعلّ وأنَّها للترجي وهو في حق اللَّهِ تعالى محال، فلا بد من تأويلها فيلتفت إليه. قوله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}. لمَّا وصف الرسول، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته، ذكر أنَّ في قوم موسى من اتَّبَعَ الحق وهُدي إليه وبين أنهم جماعة، لأن لفظ "الأمَّة" ينبىء عن الكثرة. واختلفوا فيهم. فقيل: هم اليهودُ الذين آمنوا بالرسول - عليه الصلاة والسلام - مثل عبد الله بن سلام، وابن صوريا. فإن قيل: إنهم كانوا قليلين في العدد، ولفظ "الأمة" ينبىء عن الكثرة. فالجواب: إنهم لمَّا أخلصُوا في الدِّين جاز إطلاق لفظ "الأمَّةِ" عليهم كقوله تعالى {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}تفسير : [النحل: 120]. وقيل: إنَّهم قومٌ بَقوا على الدِّين الحق الذي جاء به موسى ودعوا النَّاسَ إليه وصانوه عن التَّحريف والتَّبديل في زمن تفرّق بني إسرائيل فيه وإحداثهم البدع. وقال الكلبيُّ والضحاكُ والربيعُ والسُّديُّ: لمَّا كفر بنو إسرائيل وقتلوا الأنبياء، تبرأ سبط من الاثني عشر مِمَّا صنعُوا وسألوا اللَّهَ أن يُنقذهم منهم، ففتح اللَّهُ لهم نفقاً في الأرضِ فَسَارُوا فيه حتَّى خرجوا من وراء الصين بأقصى الشرق على نهري مجرى الرَّمل يسمى نهر الأردُن، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون باللَّيل ويُصْبِحون بالنَّهار يزرعون، لا يصل إليهم منا أحدٌ وهم على الحق. وذكر أنَّ جبريل ذهب بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إليهم وكلَّمهم. فقالوا: يا رسول الله إنَّ موسى أوصانا أنَّ مَنْ أدرك منكم أحْمَدَ؛ فليقرأ عليه منِّي السلام، فردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على مُوسَى السلام، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصَّلاة والزَّكاةِ وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا، ويتركوا السَّبْتَ. وقوله: {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} يدعُون النَّاس إلى الهداية بالحقِّ وقوله وَبِهِ يَعدِلُونَ؛ قال الزَّجَّاجُ: العدلُ: الحُكْمُ بالحق. يقال هو يقضي بالحق، ويعدل وهو حاكم عادلٌ، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 129] وقوله {أية : وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ}تفسير : [الأنعام: 152]
البقاعي
تفسير : ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حثاً على الإيمان به وإيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر؛ أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرّح بما أخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقاً لعموم رسالته وشمول دعوته فقال: {قل} وأتى بأداة البعد لأنه محلها {يا أيها الناس} وقد مضى في الأنعام أن اشتقاقهم من النوس، وأن الإمام السبكي قال: إن ذلك يقتضي دخول الجن والكملائكة فيهم. وتقدم عند{ولا تبخسوا الناس أشياءهم} في هذه السورة ما ينفع هنا {إني رسول الله} أي الذي له جميع الملك {إليكم جميعاً} أي لا فرق بين أدركني ومن تأخر عني أو تقدم عليّ في أن الكل يشترط عليهم الإيمان بي والاتباع لي؛ وهذا المراد بقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه الذراع فنهش منها فقال: " حديث : أنا سيد الناس يوم القيامة " تفسير : وللدرامي في أوائل مسنده عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر" تفسير : وللترمذي في المناقب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال؛ "حديث : أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر" تفسير : وقال: حديث حسن غريب، وله في المناقب أيضاً عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر"تفسير : وقال: حسن صحيح غريب؛ وللترمذي والدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : ألا! وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامه تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامه ولا فخر، وانا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر"تفسير : وللترمذي وقال: حسن - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامه ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" تفسير : الفخر: ادعاء العظمة والكبر والشرف، أي لا أقوله تبجحاً، ولكن شكراً وتحديثاً بالنعمة؛ وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم قبل موته وبعده، اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماماً، ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماماً، وأما يوم الجمع الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه ويؤمنون بالرسالة، وما أحال بعض الكابر على بعض إلا علماً منهم بأن الختام يكون به. ليكون أظهر للاعتراف بأمانته والانقياد لطاعته، لأن المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك الشيء، ولو أحال أحد ممن قبل عيسى عليه السلام لطرقه احتمال، والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم يظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى الخلق كافة، فيظهر سر هذه الآية {الذين يتبعون الرسول} والله الموفق. ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات الدال على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى للجن والملائكة، أيد ذلك بقوله: {الذي له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} أي فلا بدع أن يرسله إلى جميع من فيهما، بل وما فيهما. ولما كان مما بالغه في الدنيا أنه ربما في مملكة الملك من يناظره أو يقرب منه من ولي عهد أو نحوه، فربما رد بعض أمره في صورة نصح أو غيره؛ نفى ذلك بقوله مبيناً تمام ملكه: {لا إله إلا هو} أي فالكل منقادون لأمره خاضعون له، لأنه لا موجود بالفعل ولا بالإمكان من يصلح للإلهية سواه؛ ثم علل ذلك بقوله {يحيي ويميت} أي له هاتان الصفتان مختصاً بهما، ومن كان كذلك كان منفرداً بما ذكر، وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أول الفرقان مع ما مضى في أوائل الأنعام، لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهم السلام في عموم الدعوة. ولما تقرر أنه لا منازع له، تسبب عن ذلك توجيه الأمر بالانقياد لرسوله فقال: {فآمنوا بالله} أي لما ثبت له من العظمة والإحاطة بأوصاف الكمال وبكل شيء فإن الإيمان به أساس لا ينبني شيء من الذين إلا عليه. ولما كان أقرب الفروع الأصلية إليه الرسالة قال: {ورسوله} أي لأنه رسوله؛ ثم وصفه بما دل على قربه فقال: {النبي} أي الذي يخبره بما يريد من الأمور العظيمة غيباً وشهادة، ويعليه عن كل مخلوق بإخباره بإرساله؛ ولما كان علوه على كل عالم - مع أنه ثم يتعلم من آدمي - أدل شيء على صدقه قال: {الأمي} أي الذي هو - مع كونه لا يحسن كتابة ولا قراءة، بل هو على الفطرة الأولى السليمة التي لم يخالطها هوى، ولا دنسها حظ ولا شهوة - بحيث يؤم ويقصد للاقتداء به، لما حوى من علوم الدنيا والآخرة والتخلق باوصاف الكمال. ولما أشارة بهذه الصفة إلى أن سبب الإيمان الخلاص من الهوى بالكون على الفطره الأولى، قال منبهاً على وجوب الإيمان به، لكونه أول فاعل لما يدعو إليه: {الذي يؤمن بالله} أي لأجل ما يقتضية ذاته سبحانه من التعبد له لما له من العظمة، فكلما تجدد له علم من علوم الذات بحسب ترقيه في رتب الكمال من رتبة كاملة إلى أكمل منها إلى ما لا نهاية له، جدد له إيماناً بحسبه، لا تعتريه غفلة ولا يخالطه سهو ولا شائبة فتور {وكلماته} كذلك أيضاً، كلما تجدد له علم بصفة منها جدد لها إيماناً، ومنها المعجزات التي جرت على يديه، كل واحدة منها كلمة لأن ظهوره بالكلمة، كما سمى عيسى عليه السلام كلمة لذلك. ولما تقرر أنه امتثل ما أمر به، فثبتت بذلك رسالته، استحق أن يكون قدوة فقال: {واتبعوه} أي في كل ما يقول ويفعل مما ينهى عنه أو يأمر به أو يأذن فيه {لعلكم تهتدون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى له حصول ما سأل في الفاتحة من الاهتداء، أي خلق الهداية في القلب مع دوامه. ولما كثر عد مثالب إسرائيل، وختم بتخصيص المتبع لهذا النبي الكريم بالهداية والرحمة المسببة عنها، وكان فيهم المستقيم على ما شرعه له ربه، المتمسك بما لزمه أهل طاعته وحزبه، سواء كان من صفات النبي صلى الله عليه وسلم أو غيرها، مع الإذعان لذلك كله؛ نبه عليه عائداً إلى تتميم أخبارهم، ثم ما وقع في أيام موسى عليه السلام وبعدها من شرارهم، تعزية لهذا النبي الكريم وتسلية، وتطييباً لنفسه الزكية وتأسية، وهو مع ما بعده من أدله {أية : سأصرف عن آياتي} تفسير : [الأعراف: 146] فقال تعالى عاطفاً على { أية : واتخذ قوم موسى من بعده} تفسير : [الأعراف: 148] {ومن قوم موسى أمة} أي قوم يستحقون أن يؤموا لأنهم لا يتكبرون في الأرض بغير الحق، بل {يهدون} أي يوقعون الهداية وهي البيان {بالحق وبه} أي خاصه {يعدلون*} أي يجعلون القضايا المختلفة المتنازع فيها معادلة ليقع الرضى بها، لا يقع منهم جور في شيء منها، ومنهم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله عنهما.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود فقال {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} . وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: حديث : كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فاغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضباً. فأتبعه أبو بكر فسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلَّم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ الخبر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"هل أنتم تاركو لي صاحبي، إني قلت {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} فقلتم : كذبت. وقال أبو بكر: صدقت . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يؤمن بالله وكلمته} قال: عيسى . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {يؤمن بالله وكلماته} على الجماع .
ابو السعود
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} لما حُكي ما في الكتابـين من نعوت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشرف مَنْ يتّبعه من أهلهما ونيلِهم لسعادة الدارين أُمر عليه الصلاة والسلام ببـيان أن تلكَ السعادةَ غيرُ مختصةٍ بهم بل شاملةٌ لكل من يتبعه كائناً مَنْ كان ببـيان عمومِ رسالتِه للثقلين مع اختصاص رسالةِ سائرِ الرسلِ عليهم السلام بأقوامهم وإرسالِ موسى عليه السلام إلى فرعونَ وملئِه بالآيات التسعِ إنما كان لأمرهم بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانُه وتركِ العظيمةِ التي كان يدّعيها الطاغيةُ ويقبلها منه فئتُه الباغيةُ وبإرسال بني إسرائيلَ من الأسر والقسرِ، وأما العملُ بأحكام التوراةِ فمختصٌّ ببني إسرائيل {جَمِيعاً} حالٌ من الضمير في إليكم {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} منصوبٌ أو مرفوعٌ على المدح أو مجرورٌ على أنه صفةٌ للجلالة وإن حيل بـينهما بما هو متعلقٌ بما أضيف إليه فإنه في حكم المتقدّمِ عليه وقوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بـيانٌ لما قبله فإن مَنْ ملَك العالمَ كان هو الإلٰهَ لا غيرُه وقوله تعالى: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} لزيادة ألوهيتِه والفاءُ في قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} لتفريع الأمرِ على ما تمهّد وتقرّر من رسالته عليه الصلاة والسلام، وإيرادُ نفسِه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ على طريقة الالتفاتِ إلى الغَيْبة للمبالغة في إيجاب الامتثالِ بأمره، وصفُ الرسول بقوله: {ٱلنَّبِىّ ٱلأُمّىّ} لمدحه عليه الصلاة والسلام بهما ولزيادة تقريرِ أمرِه وتحقيقِ أنه المكتوبُ في الكتابـين، ووصفُه بقوله تعالى: {ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ} أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسلِ عليهم السلام من كُتُبه ووحيِه لحمل أهلِ الكتابـين على الامتثال بما أُمروا به، والتصريحُ بإيمانه بالله تعالى للتنبـيه على أن الإيمانَ به تعالى لا ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به، وقرىء وكلمتِه على إرادة الجنسِ أو القرآنِ تنبـيهاً على أن المأمورَ به هو الإيمانُ به عليه الصلاة والسلام من حيث أنزل عليه القرآنُ لا من حيثيةٍ أخرى، أو على أن المرادَ بها عيسى عليه الصلاة والسلام تعريضاً باليهود وتنبـيهاً على أن من لم يؤمن به لم يُعتدَّ بإيمانه {وَٱتَّبِعُوهُ} أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} علةٌ للفعلين أو حالٌ من فاعليها أي رجاءً لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له، وفي تعليقه بهما إيذانٌ بأن من صدّقه ولم يتبعْه بالتزام أحكام شريعتِه فهو بمعزل من الاهتداء مستمرٌّ على الغي والضلالة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الآية: 158]. قال الحسين: إن الحق أورد تكليفًا عن وسائط وتكليف الحقائق، فتكليف الحقيقة بدت معارفه منه وعادت إليه، وتكليف الوسائط بدت معارفه عمن دونه فلا يصل إليه، فتناهى من معارفهم إلى نهايات معرفة أهل الوسائط، ولا تتناهى معارف من أحد معارفه عن شهود الحق، كل ذلك رفق من الحق بالخلق، لعلمه بأنه لا يوصل إليه إلا بما منه.
القشيري
تفسير : صَرِّحْ بما رقَّيْنَاكَ إليه من المقام، وأفصِحْ عما لقيناك به من الإكرام، قُلْ إني إلى جماعتكم مُرسلٌ، وعلى كافتكم مُفَضَّل، وديني - لِمَنْ نظر واعتبر، وفكَّر وسَبَرَ - مُفَصَّل. فإِلهي الذي لا شريكَ له ينازعه، ولا شبيهَ يُضَارِعه له حقُّ التصرف في مُلْكِه بما يريد من حكمه. ومن جملة ما حكم وقضى، ونفذ به التقدير وأَمْضى - إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذروا من ارتكاب ما يزجركم. وإِنَّ مما أَمَرَكُم به أنه قال لكم: آمِنوا بالنبي الأُمِّي، واتبعوه لتُفْلِحوا في الدنيا والعقبى، وتستوجبوا الزُّلفى والحسنى، وتتخلصوا من البلوى والهوى.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد {يا ايها الناس انى رسول الله اليكم جميعا} الخطاب عام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثا الى الكافة من الثقلين الى من وجد فى عصره والى من سيوحد بعده الى يوم القيامة بخلاف سائر الرسل فانهم بعثوا الى اقوامهم اهل عصرهم ولم تستمر شرائعهم الى يوم القيامة واليكم متعلق بقوله رسول وجميعا حال من ضمير اليكم. قال الحدادى انى رسول الله اليكم كافة ادعوكم الى طاعة الله وتوحيده واتباعه فيما اؤديه اليكم. وفى آكام المرجان لم يخالف احد من طوائف المسلمين فى ان الله تعالى ارسل محمدا صلى الله عليه وسلم الى الجن والانس والعرب والعجم فان قلت فى بعثة سليمان عليه السلام مشاركة له لانه ايضا كان مبعوثا الى الانس والجن وحاكما عليهما بل جميع الحيوانات قلت ان سليمان لم يبعث الى الجن بالرسالة بل بالملك والضبط والسياسة والسلطنة لانه عليه السلام استخدمهم وقضى بينهم بالحق وما دعاهم الى دينه لان الشياطين والعفاريت كانوا يقومون فى خدمته وينقادون له مع انهم على كفرهم وطغيانهم كذا حققه والهى الاسكوبى. قال ابن عقيل الجن داخلون فى مسمى الناس لغة وهو من ناس ينوس اذا تحرك. قال الجوهرى وصاحب القاموس الناس يكون من الانس ومن الجن جمع انس اصله اناس جمع عزيز ادخل عليه الـ {الذى} منصوب او مرفوع على المدح اى اعنى الله الذى او هو الذى {له ملك السموات والارض} [مراوراست بادشاهى آسمانها وزمينها وتدبير وتصرف دران] {لا اله الا هو} [هيج معبودى نيست مستحق عبادت جزاو] وهو بدل من الصلة التى قبله وفيه بيان لها لان من ملك العالم كان هو الاله المتفرد بالالوهية واسم هو ضمير غيبة وهو من اخص اسمائه تعالى اذا الغيبة الحقيقية انما هى له اذ لا تتصوره العقول ولا تحده الاوهام وهو اسم لحضرة الغيب الثانية التى هى اول تعينات الذات الذى هو برزخ جامع بين حكمى الاسم الباطن والظاهر وحيث تخفى فيه الواو فهو اسم لحضرة غيب الغيب وهى الحضرة الاولى من حضرات الذات وهو فاتحة الاسماء وام كتابها تنزل منزلة الالف من الحروف كذا فى ترويح القلوب لعبد الرحمن البسطامى قدس سره. واعلم ان المقربين لا يرون موجودا سوى الله تعالى فاذا قالوا هو اشاروا له الى الحق سبحانه سواء تقدم له مرجع اولا وتحقيقه فى حواشى ابن الشيخ فى سورة الاخلاص {يحيى ويميت} زيادة تقرير للالوهية لأنه لا يقدر على الاحياء والاماتة الا الذى لا اله الا هو. قال الحدادى يحيى الخلق من النطفة ويميتهم عند انقضاء آجالهم لا يقدر على ذلك احد سواه وقيل معناه يحيى الاموات للبعث ويميت الاحياء فى الدنيا {فآمنوا بالله ورسوله} الفاء لتفريع الامر على ما تمهد وتقرر من رسالته عليه الصلاة والسلام {النبى الامى} مدح له عليه السلام ومعنى الامى لا يقرأ ولا يكتب فيؤمن من جهته ان يقرأ الكتب وينقل اليهم اخبار الماضين ولكن يتبع لما يوحى اليه {الذى يؤمن بالله وكلماته} اى ما انزل عليه من اخبار سائر الرسل ومن كتبه ووحيه وانما وصف به لحمل اهل الكتابين على الامتثال بما امروا به والتصريح بايمانه بالله تعالى للتنبيه على ان الايمان به تعالى لا ينفك عن الايمان بكلماته ولا يتحقق الا به {واتبعوه} اى فى كل ما يأتى وما يذر من امور الدين {لعلكم تهتدون} علة للفعلين او حال من فاعليهما اى رجاء لاهتدائكم الى المطلوب اوراجين وفى تعليقه بهما ايذان بان من صدقه ولم يتبعه بالتزام احكام شريعته فهو بمعزل من الاهتداء مستمر على الغى والضلالة. قال سيد الطائفة الجنيد قدس سره الطرق كلها مسدودة على الخلق الا على من اقتفى اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته لان طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه وعلى المقتفين أثره والمتابعين سنته. قال الشيخ العارف الواصل الوارث الكامل محيى الدين ابن العربى قدس سره فى بيان السنة والسنى الانسان لا يخلو ان يكون واحدا من ثلاثة بالنظر الشرعى وهو اما ان يكون باطنيا محضاً وهو القائل بتجريد التوحيد عندنا حالا وفعلا وهذا يؤدى الى تعطيل احكام الشرائع وقلب اعيانها وكل ما يؤدى الى هدم قاعدة من قواعد الدين او سنة من سننه ولو فى العادات كالاكل والشرب والرقاع فهو مذموم بالاطلاق عصمنا الله واياكم من ذلك واما ان يكون ظاهريا محصنا متقلقلا بحيث ان يؤديه ذلك الى التجسيم والتشبيه نعوذ بالله منهما فى باب الاعتقادات او يكون معتمدا على مذهب فقيه من الفقهاء اصحاب علوم الاحكام المحجوبة قلوبهم بحب الدنيا عن معاينة الملكوت فتراه خائفا من الخروج عن مذهبه فاذا سمع سنة من سنن النبى عليه السلام يحيلها على مذهب فقيه آخر فيترك العمل بها ولو اوردت الف حديث مأثور فى فضائلها فيتصامم عن سماعها بل يسئ الظن برواية المتقدمين من التابعين والسلف بناء على عدم ايراد ذلك الفقيه اياها فى كتابه فمثل ذلك ايضا ملحوق بالذم شرعا والى الله نفزع ونلتجئ من ان يجعلنا واياكم منهم واما ان يكون جاريا مع الشريعة على فهم اللسان حيث ما مشى الشارع مشى وحيث ما وقف وقف قدما بقدم حتى فى اقل شئ من الفضائل فى العبادات والعادات صارفا جل عنايته وباذلا كل مجهوده فى ان لا يفوته شئ من الافعال المحمدية فى عباداته وعاداته على حسب ما سنح له فى اثناء مطالعاته من كتب الاحاديث المعول عليها او القى فى اذنه من استاذه وشيخه المعتمد عليه ان لم يكن من اهل المطالعة فهذا هو الوسط وهو السنة والآخذ به هو السى وبهذا يصح محبة الله له - وحكى - ان الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قال راعيت جميع ما صدر عن النبى عليه السلام سوى واحد وهو انه عليه السلام زوج بنته عليا رضى الله عنه وكان يبيت فى بيتها بلا تكلف ولم يكن لى بنت حتى افعل كذلك - وحكى - عن سلطان العارفين ابى يزيد البسطامى قدس سره انه قال ذات يوم لاصحابه قوموا بنا حتى ننظر الى ذلك الذى قد سهر نفسه بالولاية قال فمضينا فاذا بالرجل قد قصد المسجد فرمى بزاقه نحو القبلة فانصرف ابو زيد ولم يسلم عليه وقال هذا ليس بمأمون على ادب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه من مقامات الاولياء والصديقين - وحكى - عن احمد بن حنبل رحمه الله قال كنت يوما ما مع جماعة تجردوا ودخلوا الماء فعملت بالحديث وهو "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام الا بمئزر " . تفسير : ولم اتجرد فرأيت تلك الليلة قائلا يقول لى يا احمد ابشر فان الله قد غفر لك باستعمالك السنة وجعلك اماما يقتدى بك فقلت من انت قال جبريل عليه السلام. وعن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقبل الحجر الاسود ويقول انى لأعلم انك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا انى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. واتفق المشايخ على ان من القى زمامه فى يد كلب مثلا حتى لا يكون تردده بحكم طبعه فنفسه أقوم لقبول الرياضة ممن جعل زمامه فى حكم نفسه يسترسل بها حيث شاء كالبهائم فالواجب عليك ان تكون تابعا لا مسترسلا شعر : سك اصحاب كهف روزى جند بى مردم كرفت ومردم شد تفسير : فاذا اتبعت فاتبع سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم الذى آدم ومن دونه من الانبياء والاولياء تحت لوائه فاذا اتبعت واحدا من امته فلا تتبعه لمجرد كونه رجلا مشهورا بين الناس مقبولا عند الامراء والسلاطين بل كان الواجب عليك ان تعرف اولا الحق ثم تزن الرجال به وفيه قال باب العلم الربانى على رضى الله عنه من عرف الحق بالرجال حار فى متاهات الضلال بل اعرف الحق تعرف اهله وبقدر متابعتك للنبى صلى الله عليه وسلم تستحكم مناسبتك به وتتأكد علاقة المحبة بينك وبينه كل ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه او زيارة قبره او جواب المؤذن والدعاء له عقيبه كنت مستحقا لشفاعته قالوا لو وضع شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم او عصاه او سوطه على قبر عاص لنجا ذلك العاصى ببركات تلك الذخيرة من العذاب وان كانت فى دار انسان او بلدة لا يصيب سكانها بلاء ببركاتها وان لم يشعروا بها ومن هذا القبيل ماء زمزم والكفن المبلول به وبطانة استار الكعبة والتكفن بها. قال الامام الغزالى رحمه الله واذا اردت مثالا من خارج فاعلم ان كل من اطاع سلطانا وعظمه فذا دخل بلدته ورأى فيها سهما من جعبته او سوطا له فانه يعظم تلك البلدة واهلها فالملائكة يعظمون النبى صلى الله عليه وسلم فاذا رأوا ذخائره فى دار او بلدة او قبر عظموا صاحبه وخففوا عنه العذاب ولذلك السبب ينفع الموتى ان توضع المصاحف على قبورهم ويتلى عليهم القرآن ويكتب القرآن على القراطيس وتوضع فى ايدى الموتى كذا فى الاسرار المحمدية: قال فى المجلد الثالث من المثنوى شعر : از انس فرزند مالك آمدست كه بمهانئ او شخصى شدست او حكايت كرد كز بعد طعام ديد انس دستار خوانرا زردفام جرك آلوده وكفت اى خادمه اندرا فكن درتنورش يكدمه درتنور بر زآتش درفكند آن زمان دستار خوانرا هوشمند جمله مهمانان دران حيران شدند انتظار دود كندورى بدند بعد يكساعت برآورد ازتنور باك واسبيدو ازان اوساخ دور قوم كفتند اى صحابئ عزيز جون نسوزيد ومنقا كشت نيز كفت زانكه مصطفى دست ودهان بس بماليد اندرين دستارخوان اى دل ترسنده ازنار وعذاب باجنان دست ولبى كن اقتراب جون جمادى راجنتيت تشريف داد جان عاشق راجها خواهد كشاد تفسير : اللهم اجعل حرفتنا محبته وارزقنا شفاعته.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {يا أيها الناس إَني رسولُ الله إليكم جميعًا}؛ الأحمر والأسود، والعرب والعجم، والإنس والجن، خص بهذه الدعوة العامة، وإنما بعثت الرسل إلى قومها خاصة. فادع الناس أيها الرسول إلى الله تعالى، {الذي له ملك السماوات والأرض} يتصرف فيهما كيفما شاء، {لا إله إِلا هو}؛ لأن من ملك العالم كان هو الإله لا غير، {يُحيي ويميت}؛ لعموم قدرته ونفوذ أمره، {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأُمي الذي يُؤمن بالله وكلماته} أي: ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه. وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة، أي: ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه. وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة، أي: لم يقل: فآمنوا بالله وآمنوا؛ لإجراء هذه الصفات عليه، الداعية إلى الإيمان به وأتباعه، ولذلك قال: {واتبعوه لعلكم تهتدون} إلى طريق الحق والرشد، جعل رجاء الاهتداء آثر الأمرين؛ تنبيهًا على أن من صدّقه، ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة. قاله البيضاوي. الإشارة: لا غنى للمريد عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو بلغ ما بلغ، لقوله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون}، وغاية الاهتداء غير متناهية، لأن آدب العبودية مقرونٌ مع عظمة الربوبية، فكما أن الترقي في مشاهدة الربوبية لا نهاية له، كذلك أدب العبودية لا نهاية له، ولا تُعرف كيفية الأدب إلا بواسطة تعليمه عليه الصلاة والسلام، فواسطة النبي صلى الله عليه وسلم لا تفارق العبد، ولو عرف ما عرف، وبلغ ما بلغ. والله تعالى أعلم. ثم رجع الحق تعالى إلى الكلام مع بني إسرائيل، فقال: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يخاطب الخلق، ويقول لهم إني رسول الله أرسلني اليكم يعني إلى الناس أجمع {الذي له ملك السماوات والأرض} يعني ارسلنى اليكم الذي له التصرف في السماوات والارض من غير دافع، ولا منازع {لا إله} اي لا معبود {إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله} أمر من النبي صلى الله عليه وآله للخلق بأن يصدقوا بتوحيد الله ويقروا بنبوة النبي {الأمي الذي يؤمن} يعني يصدق بالله وكلماته، وأمرهم بأن يتبعوه ويرجعوا إلى طاعته لكي يهتدوا إلى الثواب والجنة. و{جميعاً} نصب على الحال من ضمير المخاطب الذي عمل حرف الاضافة فيه والعامل في الحال معنى الفعل في {رسوله} الا أنه لايتقدم على حرف الاضافة، لانه قد صار بمنزلة العامل. وإنما وصفه بأنه يحيي ويميت لأنه لا يقدر على الاحياء إلا الله، ولاعلى الاماتة أيضاً سواه لانه لو قدر أحد على الاماتة لقدر على الاحياء، لأن من شأن القادر على الشيء أن يكون قادراً على ضده، وانما استعمل بمعنى لتهتدوا على الرجاء والطمع في الفوز به من العذاب.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} ذكروا عن الحَسَن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : بعثت إلى كل أحمر وأسود تفسير : . وفي تفسير عمرو عن الحسن قال: بعثت إلى الناس كافة، ولم يُعْطَ هذه المنزلة نبي قط، قال: {إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}. {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَئَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ} وهي تقرأ على وجهين: {وكَلِمَاتِهِ} {وكَلِمَتِه}. وكان الحسن يقرأها: {وَكَلِمَاتِه} قال: كلمات الله وحيه الذي أنزل على محمد عليه السلام. ومن قرأها: {وَكَلِمَتِهِ} فهو يعني عيسى روحَ الله وكلمته. وقال بعضهم: {وَكَلِمَاتِهِ} أي: وآياته. قال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا. ولعلّ من الله واجبة.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد {يا أيُّها الناسُ إنِّى رسُولُ اللهِ إليْكم جَميعاً} حال من الكاف، وإلى الأنبياء والرسل وأممهم من قبلى، وما بعث نبى إلا أخذ عنه ميثاق أن يؤمن به، وإلى الجن، وإلى الجماد والحيوانات كلها والملائكة قاله بعضهم، وذلك حض على اتباعه، وأحلت له الغنائم، ونصر بالرعب أمامه شهر أو تقدم مما خصت به أمته معه شئ ولم يعط ذلك غيره. {الَّذِى} مفعول لأعنى محذوفا أو خبر لمحذوف، وذلك على المدح، أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو، أو نعت لله فصل بينهما بمعموليه، قيل: لأنهما كالمتقدم على لفظ الجلالة {لَه مُلْك السَّماوات والأرْضِ} فهو المدبر والمالك، وهو الذى أمرنى أن أخبركم برسالتى إليكم، وكونه مالك السماوات والأرض، موجب لأن يذعن له فى الرسالة من شاء وغيرها. {لا إلَه إلاَّ هُو} إذا لم يجعل خبرا للذى فهو بدل اشتمال من قوله: {له ملك السماوات والأرض} لا بدل كل، ولا عطف بيان منه لتغايرهما، وأيضا عطف البيان على ما اشتهر يختص بالأسماء، لا يكون فى جمل خلافا لجار الله، وأيضا ليست هذه لمجرد الإيضاح والتفسير، نعم بينهما وبين الجملة قبلها سببية، فإن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة، فليست بأجنبية، ولذلك قلت: إنها بدل اشتمال، وهى تتضمن بيانا للجملة قبلها. {يُحْيى ويُميتُ} بدل اشتمال ثان على إجازة تعدد البدل، أو بدل من البدل على إجازة الإبدال من البدل، أو مستأنف، وعلى كل حال ففيه تقدير للألوهية، لأن غيره لا يقدر على الإحياء والإماتة، فليس بإله ولا بمرسل نبيا {فآمنُوا بالله ورسُولِه} قدم الله لأن الإيمان به أوجب وأصل {النَّبىَّ الأمىِّ} هذا من كلام الله، فليس فيه التفات، وإن قيل: إنه من كلام رسوله المأمور بقوله، ففيه التفات من تكلم لغيبة فى الالتفات مزية بلاغة، والأصل فآمنوا بالله وبى. وعلى الوجهين ففى الكلام التعبير بالظاهر وهو رسول مكان المضمر، إذ الأصل على الوجه الأول فآمنوا بالله وبه، وعلى الثانى فآمنوا بالله وبى، ونكتته إجراء الصفات عليه، وتأكيد الرسالة، وإيذان بان الذى يجب الإيمان به هو رسالته، وهو المعنى بالإيمان به، وبأن موجب الإيمان والرسالة فى أى إنسان كانت، وفى ذلك إظهار للإنصاف وتبرؤ من العصبية لنفسه، ونكتته أيضا إجزاء الصفات الداعية إلى الإيمان به والاتباع له. {الَّذِى يُؤمنُ باللهِ وكَلماتِه} ما أنزل عليه وعلى غيره من الأنبياء من الكتب والوحى، وقرأ عيسى بن عمر: وكلمته بالإفراد على إرادة الجنس، أو القرآن أو عيسى، وبه قال مجاهد، وإنما سمى كلمة لأنه لم يكن لوجوده سبب سوى قول الله سبحانه: {كن} ولم يكن من نطفة رجل ولا امرأة، وقيل: كان من نطفة تحدرت من أمه، ويجوز أن يراد بكلماته أو كلمته ما تكوَّن به عيسى وغيره من المخلوقات وهى كن، وزعموا عن قتادة أن المراد بآياته القرآن، وزعموا عن مجاهد والسدى أن المراد بكلماته بالجمع أيضا عيسى، وفى التفسير بعيسى فى الإفراد أو الجمع تعريض باليهود أن من لم يؤمن به فلا إيمان له، وفى التفسير بكتب الله ووحيه تعريض بأن من أنكر حرفا لم يكن مؤمنا، وقرأ الأعمش: الذى يؤمن بالله وآياته. {واتَّبعُوه} فى أمره ونهيه ووعظه وأخباره وقوله وفعله واعتقاده {لَعلَّكُم تَهتَدُون} رجاء الاهتداء، أو لكى تهتدوا، وقالوا: لعل من الله واجبة، وإن لم تتبعوه فلا اهتداء لكم ولو آمنتم به.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} العرب والعجم بنى إِسرائيل وغيرهم {إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وبهذا العموم وقوله نذير. الحصر فى أولئك هم المفلحون، وقوله: كافة للناس يحكم ويبين ما أَوهم من الآيات أَن بنى إِسرائيل أمروا أَن يحكموا بما فى التوراة والإِنجيل، وإِنما ذلك فيما قبله صلى الله عليه وسلم، أَو فيما معه بشرط موافقة القرآن، أَو قبل نزول ما ينقضه من القرآن، أو ما فيهما من صفاته وأَحكامه {الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} صفة الله، أَو أَعنى الذى، أَو هو الذى، ولا يضر فصل النعت بمعمولى عامل منعوته لأَن عامل الكل واحد وهو رسول {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} بيان لقوله{الذى له ملك السماوات والأَرض} ولو كان لا محل للجملة المتبوعة، وزاده تقريراً بقوله {يُحْيِى وَيُمِيتُ} أَى لا يقدر على الإِحياء والإِماتة إِلا من هو إِله، ولا تعلقان لسوق الكلام لمفعولهما لأَن المراد ذو الإِحياء والإِماتة فلا يقدر لهما مفعول. اللهم إِلا أَن يقدر يحيى ما يشاء ويميت ما يشاء، ويجوز أَن يكون الذى مبتدأ خبره يحيى ويميت، {فَآمِنُوا} تفريع بالفاء للإِيمان على ما تقرر من رسالته صلى الله عليه وسلم، فإِن المقصود من الإِرسال الأَمر بالإِيمان، وهذا من قوله صلى الله عليه وسلم إِلى قوله: تهتدون. وإِنما قال: {بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبىِّ الأُمِّى الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ} القرآن وغيره مما أَنزل الله، ولم يقل بالله وبى لتجرى عليه الصفات المذكورة الداعية إِلى الإِيمان، وهى الرسالة والنبوة وكونه لا يكتب ولا يعرف قراءَة، ومع ذلك أَتى بما يعجز، وكونه يؤمن بالله وكلماته، والضمير لا يوصف، وليفيد بلاغة بطريق الالتفات من التكلم للغيبة، وليفيد أَن الذى يجب الإِيمان به هو المتصف بالنبوة والأُمية والإِيمان بالله وكلماته الذى فى التوراة والإِنجيل بهذه الأَوصاف كائنا من كان إِياى أَو غيرى، وهذا إِرخاء للعنان وإِظهار للصفة {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أرجو الاهتداءَ باتباعه، أَو لكى تهتدوا، فإِنه لا هدى لمن كذبه أَو لم يتابعه: {وَمَنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ} جماعة {يَهْدُونَ} هدوا الناس {بِالحَقِّ} والباء للملابسة أَو للآلة، ودون ذلك أَن تكون بمعنى إِلى أَو اللام أَو صلة فى المفعول الثانى لهدى، والأَول الناس، ويتعين الأَولان فى قوله {وَبِهِ} بالحق {يَعْدِلُونَ} عدلوا فى الحكم، وعدل للمضارع لحكاية الحال الماضية قبل التحريف، هم على عهد موسى عموما بالتقوى، أَو قوم مخصوصون على عهده أَيضاً، وفى ذلك دفع لما يتوهم من تخصيص هذه الأُمة بذلك، أَو هم من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى إِسرائيل على عهده كعبد الله بن سلام، ولا يلزم من لفظ الأُمة الكثرة ولو كان الغالب الكثرة، وهؤلاء كثير بالنسبة ولا سيما من قبل التحريف، وأَيضاً المنفرد عن قومه أمة ولو واحداً "أية : إِن إِبراهيم كان أمة"تفسير : [النحل: 120]، أَو لما أَخلصوا عظموا وكانوا كالكثير جداً. وقيل: سبط من بنى إِسرائيل تبرءوا من قتل الأَسباط أَنبياءَهم فسأَلوا الله أَن يفارقوهم، ففتح لهم سرباً وأَجرى معهم نهراً، وأَرزاقا ومصابيح تطفأ ليلا ويبيتون، وساروا سنة ونصفاً، وخرجوا وراءَ الصين فى أَرض طيبة لا يضرهم ما خالطهم من سباع وهوام؛ إِذ لا يعصون الله طرفة عين، تصافحهم الملائكة، لا يصل إِليهم أَحد، ولا يصلون إِلى أَحد يمطرون ليلا، ويزرعون نهاراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإِسراء لجبريل عليه السلام: أحب أَن أَرى القوم الذين أَثنى الله عز وجل عليهم {ومن قوم موسى أمة} الآية، قال: بينك وبينهم ست سنين ذهاباً وست رجوعاً فادع ربك، فدعا، وأَمن جبريل، فأَوحى الله أَن أَجبه فركب البراق فبلغهم فى خطوات، فقالوا: من أَنت؟ قال: النبى الأُمى.. قالوا: أَنت الذى بشر بك موسى، قالوا: فمن معك؟ قال: أَترونه؟ قالوا: نعم. قال: جبريل. قال: فلم كانت قبوركم على أَبواب دوركم؟ قالوا: لنذكر الموت صباحاً ومساء، قال: فلم تساوى بنيانكم؟ قالوا: لئلا نشرف ولا نسد الريح، قال: فلم لم يكن قاض ولا سلطان؟ قالوا: لإِنصافنا.. قال: ولم لم يكن سوق؟ قالوا: نزرع جميعاً ونحصد ونأخذ الكفاية.. قال: فلم يضحك هؤلاء؟ قالوا: مات ميتهم على الإِسلام، قال: ولم يبكى هؤلاء؟ قالوا: ولد لهم مولود ولا يدرون علام يموت، قال: فما تصنعون إِذا ولد ذكر؟ قالوا: نصوم شهراً شكراً لله، قال: وأنثى؟ قالوا: شهرين. قال: لم؟ قالوا: لأَن موسى عليه السلام قال: إِن للصبر عليها أَجراً عظيماً.. قال: أَتزنون؟ قالوا: لوزنا أَحد لحصبته السماء وبلعته الأَرض. قال: أَتربون؟ قالوا: إِنما يربى من لا يؤمن برزق الله. قال: أَتمرضون؟ قالوا: لا، إِذ لا نذنب، والمرض كفارة لذنوب أُمتك. وعلمهم شريعة الإِسلام، والصلوات الخمس، والفاتحة وسوراً عشراً، وأَمرهم أَن يتركوا السبت، وأَن يستقبلوا الكعبة ويجمعوا، وقالوا: أَوصانا موسى أَن يبلغك من أَدركك سلامه، فرد عليه وعليهم السلام. ومعنى أَن يجمعوا أَن يصلوا جماعة، ويروى أَن بينكم وبينهم نهراً من رمل يجرى، ولا صحة لذلك.
الالوسي
تفسير : {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} لما حكى ما في الكتابين من نعوته صلى الله عليه وسلم وشرف من يتبعه على ما عرفت، أمر عليه الصلاة والسلام بأن يصدع بما فيه تبكيت لليهود الذين حرموا اتباعه وتنبيه لسائر الناس على افتراء من زعم منهم أنه صلى الله عليه وسلم مرسل إلى العرب خاصة، وقيل: إنه أمر له عليه الصلاة والسلام ببيان أن سعادة الدارين المشار إليهما فيما تقدم غير مختصة بمن اتبعه من أهل الكتابين بل شاملة لكل من يتبعه كائناً من كان وذلك ببيان عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وهي عامة للثقلين كما نطقت به النصوص حتى صرحوا بكفر منكره وما هنا لا يأبى ذلك، والمفهوم / فيه غير معتبر عند القائل به لفقد شرطه وهو ظاهر {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} في موضع نصب بإضمار أعني أو نحوه أو رفع على إضمار هو. وجوز أن يكون في موضع جر على أنه صفة للاسم الجليل أو بدل منه، واستبعد ذلك أبو البقاء لما فيه من الفصل بينهما، وأجيب بأنه مما ليس بأجنبـي وفي حكم ما لا يكون فيه فصل ورجح الأول بالفخامة إذ يكون عليه جملة مستقلة مؤذنة بأن المذكور علم في ذلك أي اذكر من لا يخفى شأنه عند الموافق والمخالف، وقيل: هو مبتدأ خبره. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وهو على الوجوه الأول بيان لما قبله وجعله الزمخشري مع ذلك بدلاً من الصلة وقد نص على جواز هذا النحو سيبويه وذكر العلامة أن سوق كلامه يشعر بأنه بدل اشتمال، ووجه البيان أن من ملك العالم علويه وسفليه هو الإله فبينهما تلازم يصحح جعل الثاني مبيناً للأول وليس المراد بالبيان الإثبات بالدليل حتى يقال الظاهر العكس لأن الدليل على تفرده سبحانه بالألوهية ملكه للعالم بأسره مع أنه يصح أن يجعل دليلاً عليه أيضاً فيقال الدليل على أنه جل شأنه المالك المتصرف في ذلك انحصار الألوهية فيه إذ لو كان إله غيره لكان له ذلك، واعترض أبو حيان القول بالبدلية بأن إبدال الجمل من الجمل غير المشتركة في عامل لا يعرف، وتعقب بأن أهل المعاني ذكروه وتعريف التابع بكل ثان أعرب بإعراب سابقه ليس بكلي، وقوله سبحانه: {يُحْيىِ وَيُمِيتُ} لزيادة تقرير إلهيته سبحانه، وقيل: لزيادة اختصاصه تعالى بذلك وله وجه وجيه. والفاء في قوله عز شأنه: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لتفريع الأمر على ما تقرر من رسالته صلى الله عليه وسلم وإيراد نفسه الكريمة عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة على طريق الالتفات إلى الغيبة للمبالغة في إيجاب الامتثال ووصف الرسول بقوله تعالى: {ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} لمدحه ولزيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين {ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ} ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل عليهم السلام من كتبه ووحيه، وقرىء {وَكَلِمَتُهُ} على إرادة الجنس أو القرآن أو عيسى عليه السلام كما روي ذلك عن مجاهد تعريضاً لليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به عليه السلام لم يعتبر إيمانه، والإتيان بهذا الوصف يحمل أهل الكتابين على الامتثال بما أمروا به والتصريح بالايمان بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمان به سبحانه لا ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به ولا يخفى ما في هذه الآية من إظهار النصفة والتفادي عن العصبية للنفس وجعلوا ذلك نكتة للالتفات وإجراء هاتيك الصفات {وَٱتَّبِعُوهُ} أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} علة للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاء لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له، وفي تعليقه بهما إيذان بأن من صدقه ولم يتبعه بالتزام شرعه فهو بعد في مهامه الضلال.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة معترضة بين قصص بني إسرائيل جاءت مستطردة لمناسبة ذكر الرسول الأمي، تذكيرً لبني إسرائيل بما وعد الله به موسى عليه السلام، وإيقاظاً لأفهامهم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو مِصداق الصفات التي علمها الله موسى والخطاب بــــ {يا أيها الناس} لجميع البشر، وضمير التكلم ضمير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتأكيد الخبر بــــ (إن) باعتبار أن في جملة المخاطبين منكرين ومترددين، استقصاء في إبلاغ الدعوة إليهم. وتأكيد ضمير المخاطبين بوصف {جميعاً} الدال نصاً على العموم، لرفع احتمال تخصيص رسالته بغير بني إسرائيل، فإن من اليهود فريقاً كانوا يزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيء، ويزعمون إنه نبيُء العرب خاصة، ولذلك لما قال رسول الله لابن صياد ــــ وهو يهودي ــــ أتشهد أني رسول الله، قال ابن صياد: أشهد إنك رسول الأميين. وقد ثبت من مذاهب اليهود مذهب فريق من يهود أصفهان يدعون بالعيسوية وهم أتباع أبي عيسى الأصفهاني اليهودي القائِل بأن محمداً رسول الله إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل، لأن اليهود فريقان: فريق يزعمون أن شريعة موسى لا تنسخ بغيرها، وفريق يزعمون أنها لا تنسخ عن بني إسرائيل، ويجوز أن يبعث رسول لغير بني إسرائيل. وانتصب {جميعاً} على الحال من الضمير المجرور، بــــ (إلى) وهو فعيل بمعنى مفعوُل أي مجموعين، ولذلك لزم الإفرادَ؛ لأنه لا يطابق موصوفه. {الذي له ملك السماوات والأرض} نعت لاسم الجلالة، دال على الثناء. وتقديم المجرور للقصر، أي: لا لغيره مما يعبده المشركون، فهو قصر إضافي للرد على المشركين. وجملة: {لا إلٰه إلاّ هو} حال من اسم الجلالة في قوة متفرداً بالإلهية، وهذا قصر حقيقي لتحقيق صفة الوحدانية، لا لقصد الرد على المشركين. وجملة: {يُحيي ويميت} حال، والمقصود من ذكر هذه الأوصاف الثلاثة: تذكير اليهود، ووعظهم، حيث جحدوا نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وزعموا أنه لا رسول بعد موسى، واستعظموا دعوة محمد، فكانوا يعتقدون أن موسى لا يشبهه رسول، فذُكّروا بأن الله مالك السماوات والأرض، وهو واهب الفضائِل، فلا يُستعظم أن يرسل رسولاً ثم يرسل رسولاً آخر، لأن الملك بيده، وبأن الله هو الذي لا يشابهه أحد في ألوهيته، فلا يكون إلهان للخلق، وأما مرتبة الرسالة فهي قابلة للتعدد، وبأن الله يحيي ويميت فكذلك هو يميت شريعة ويحيي شريعة أخرى، وإحياء الشريعة إيجادها بعد أن لم تكن: لأن الإحياء حقيقته إيجاد الحياة في الموجود، ثم يحصل من هذه الصفات إبطال عقيدة المشركين بتعدد الآلهة وبإنكار الحشر. وقد انتظم أن يفرع على هذه الصفات الثلاث الطلب الجازم بالإيمان بهذا الرسول في قوله: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأُمي} والمقصود طلب الإيمان بالنبي الأمي؛ لأنه الذي سِيق الكلام لأجله، ولكن لما صُدّر الأمر بخطاب جميع البشر وكان فيهم من لا يؤمن بالله، وفيهم من يؤمن بالله ولا يؤمن بالنبي الأمّي، جُمع بين الإيمان بالله والإيمان بالنبي الأمي في طلب واحد، ليكون هذا الطلب متوجهاً للفرَق كلهم، ليجمعوا في إيمانهم بين الإيمان بالله والنبي الأمي، مع قضاء حق التأدب مع الله بجعل الإيمان به مقدماً على طلب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم للإشارة إلى أن الإيمان بالرسول إنما هو لأجل الإيمان بالله، على نحو ما أشار إليه قوله تعالى: {أية : ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} تفسير : [النساء: 150]، وهذا الأسلوب نظير قوله تعالى: {أية : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة}تفسير : [النساء: 171] فإنهم آمنوا بالله ورُسله، وإنما المقصود زيادة النهي عن اعتقاد التثليث، وهو المقصود من سياق الكلام. والإيمان بالله الإيمانُ بأعظم صفاته وهي الإلهية المتضمن إياها اسم الذات، والإيمان بالرسول الإيمانُ بأخص صفاته وهو الرسالة، وذلك معلوم من إناطة الإيمان بوصف الرسول دون اسمه العلم. وفي قوله: {ورسوله النبي الأمي} التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة لقصد إعلان تحقق الصفة الموعود بها في التوراة في شخص محمد صلى الله عليه وسلم. ووصف النبي الأمي بالذي يؤمن بالله وكلماته، بطريق الموصولية للإيماء إلى وجه الأمر بالإيمان بالرسول، وإنه لا معذرة لمن لا يؤمن به من أهل الكتاب، لأن هذا الرسول يؤمن بالله وبكلمات الله، فقد اندرج في الإيمان به الإيمان بسائِر الأديان الإلهية الحق، وهذا نظير قوله تعالى، في تفضيل المسلمين: {أية : وتؤمنون بالكتاب كله}تفسير : [آل عمران: 119] وتقدم معنى الأمي قريباً. وكلمات جمع كلمة بمعنى الكلام مثل قوله تعالى: {أية : كلاّ إنها كلمة هو قائِلها}تفسير : [المؤمنون: 100] أي قولُه: {أية : ربِ ارْجِعُون لعليِّ أعْمل صالحاً فيما تركت} تفسير : [المؤمنون: 99، 100]. فكلمات الله تشمل كتبه ووحيه للرسل، وأوِثر هنا التعبير بكلماته، دون كتبه، لأن المقصود الإيماء إلى إيمان الرسول عليه الصلاة والسلام بأن عيسى كلمة الله، أي أثَرُ كلمته، وهي أمر التكوين، إذ كان تكّون عيسى عن غير سبب التكون المعتاد بل كان تكونه بقول الله {كُن} كما قال تعالى: {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كُن فيكون}تفسير : [آل عمران: 59]، فاقتضى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن بعيسى، أي بكونه رسولاً من الله، وذلك قطع لمعْذرة النصارى في التردد في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واقتضى أن الرسول يؤمن بأن عيسى كلمة الله، وليس ابن الله، وفي ذلك بيان للإيمان الحق، ورد على اليهود فيما نسبوه إليه، ورد على النصارى فيما غَلْوا فيه. والقول في معنى الاتّباع تقدم، وكذلك القول في نحو {لعلكم تهتدون}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}. هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى جميع الناس، وصرح بذلك في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28]، وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وقوله: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17]، وقيد في موضع آخر: عموم رسالته ببلوغ هذا القرآن، وهو قوله تعالى: {أية : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19]، وصرح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب بقوله: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [آل عمران: 20] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} الآية. لم يبين هنا كثرة كلماته ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} تفسير : [الكهف: 109]، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 27].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا الله. النبي الامي: المنبىء عن الله والمنبأ من قبل الله تعالى، والأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب. نسبة إلى الأم كأنه ما زال لم يفارق أمه فلم يتعلم بعد. يؤمن بالله وكلماته: الذي يؤمن بالله ربا وإلهاً، وبكلماته التشريعية والكونية القدرية. تهتدون: ترشدون إلى طريق كمالكم وسعادتكم في الحياتين. أمة يهدون بالحق: أي جماعة يهدون أنفسهم وغيرهم بالدين الحق وبه يعدلون في قضائهم وحكمهم على أنفسهم وعلى غيرهم انصافاً وعدلا لا جور ولا ظلم. أسباطاً: جمع سبط: وهو بمعنى القبيلة عند العرب. استسقاه قومه: أي طلبوا منه الماء لعطشهم. فانبجست: فانفجرت. المن والسلوى: المن: حلوى كالعسل تنزل على أوراق الأَشجار، والسلوى: طائر لذيذ لحمه. اسكنوا هذه القرية: هي حاضرة فلسطين. وقوله "حطة": أي احطط عنا خطايانا بمعنى الإِعلان عن توبتهم. رجزاً من السماء: أي عذاباً من عند الله تعالى. معنى الآيات: بعد الإِشادة بالنبي الأمي وبأمته، وقصر الفلاح في الدارين على الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه قد يظن ظان أن هذا النبي شأنه شأن سائر الأنبياء قبله هو نبي قومه خاصة وما ذكر من الكمال لا يتعدى قومه فرفع هذا الوهم بهذه الآية [158] حيث أمر الله تعالى رسوله أن يعلن عن عموم رسالته بما لا مجال للشك فيه فقال {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} وقوله {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وصف لله تعالى وقوله {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تقرير لألوهية الله تعالى بعد ذكر قدرته وسلطانه وملكه وتدبيره لذا وجب أن لا يكون معبود إلا هو وهو كذلك إذ كل معبود غيره هو معبود عن جهل وعناد وظلم. وقوله {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ} أمر الإِله الحق إلى الناس كافة بالإِيمان به تعالى رباً وإلهاً، وبرسوله النبي الأمي نبياً ورسولاً، وقوله {ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} صفة للنبي الأمي إذ من صفات النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم أنه يؤمن بالله حق الإِيمان وأوفاه ويؤمن بكلماته أي بكلمات الرب التشريعية وهي آيات القرآن الكريم، والكونية التي يُكوِّن الله بها ما شاء من الأكوان إذ بها يقول للشيء كن فيكون كما قال لعيسى بتلك الكلمة كن فكان عيسى عليه السلام وقوله {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} هذا أمر الله إلى الناس كافة بعد الأمر بالإِيمان به وبرسوله النبي الأمي أمر باتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم رجاء هداية من يتبعه فيما جاء به فيهتدي إلى سبيل الفوز في الدارين هذا ما تضمنته الآية الأولى [158] أما الآية الثانية [159] فقد تضمنت الإِخبار الإِلهي بأن قوم موسى وإن ضلوا أو أجرموا وفسقوا ليس معنى ذلك أنه لم يكن فيهم أو بينهم من هم على هدى الله فهذه الآية كانت كالاحتراس من مثل هذا الفهم، إذ أخبر تعالى أن {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ} أي جماعة تكثر أو تقل {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} أي يعملون بالحق في عقائدهم وعباداتهم ويدعون إلى ذلك وبالحق يعدلون فيما بينهم وبين غيرهم فهم يعيشون على الإِنصاف والعدل، ولم يذكر تعالى أين هم ولا متى كانوا هم؟ فلا يبحث ذلك، إذ لا فائدة فيه، ثم عاد السياق إلى قوم موسى يذكر احداثهم للعظة والاعتبار وتقرير الحق في توحيد الله تعالى وإثبات نبوة رسوله وتقرير عقيدة البعث والجزاء أو اليوم الآخر فقال تعالى في الآية الثالثة [160] {وَقَطَّعْنَاهُمُ} أي بني إسرائيل {ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} أصل السبط ابن البنت وأريد به هنا أولاد كل سبط من أولاد يعقوب عليه السلام، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب كل قبيلة تنتسب إلى أبيها الأول، وأتت لفظ اثنتي عشرة لأن معنى الأسباط الفرق والفرقة مؤنثة، وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} أعلمناه بطريق الوحي وهو الإِعلام الخفي السريع، ومعنى {ٱسْتَسْقَاهُ} طلبوا منه السقيا لأنهم عطشوا لقلة الماء في صحراء سينا. {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} هذا الموحى به، فضرب {فَٱنبَجَسَتْ} أي انفجرت {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} ليشرب كل سبط من عينه الخاصة حتى لا يقع اصطدام أو تدافع فينجم عنه الأذى وقوله تعالى {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} يريد عرف كل جماعة ماءهم الخاص بهم وقوله تعالى {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} هذا ذكر لإِنعامه تعالى على بني إسرائيل وهم في معية موسى وهارون في حادثة التيه، حيث أرسل تعالى الغمام وهو سحاب أبيض بارد يظلهم من الشمس حتى لا تلفحهم، وأنزل عليهم المن وهي حلوى كالعسل سقط ليلاً كالطل على الأشجار، وسخر لهم طائراً لذيذ اللحم يقال له السلوى وهو طائر السماني المعروف وقلنا لهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وقوله تعالى {وَمَا ظَلَمُونَا} بتمردهم على أنبيائهم وعدم طاعتهم لربهم حتى نزل بهم ما نزل من البلاء، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة [161] فقد تضمنت حادثة بعد أحداث التيه في صحراء سيناء وذلك أن يوشع بن نون بعد أن تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاة موسى وهارون وانقضاء مدة التيه وكانت أربعين سنة غزا يوشع ببني إسرائيل العمالقة في أرض القدس وفتح الله تعالى عليه فقال لبني إسرائيل ادخلوا باب المدينة ساجدين أي منحنين خضوعاً لله وشكراً على نعمة الفتح بعد النصر والنجاة من التيه، وقوله أثناء دخولكم الباب كلمة "حطة" الدالة على توبتكم واستغفاركم ربكم لذنوبكم فإن الله تعالى يغفر لكم خطئياتكم، وسيزيد الله المحسنين منكم الإِنعام والخير الكثير مع رضاه عنكم وإدخالكم الجنة، هذا معنى قول تعالى {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أي مدينة فلسطين {وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} لما فيها من الخيرات {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}. أما الآية الرابعة [162] فهي قد تضمنت الإِخبار عن الذين ظلموا من بني إسرائيل الذين أمروا بدخول القرية ودخول الباب سجداً. حيث بدلوا {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} فبدل حطة قالوا حنطة، وبدل الدخول منحنين ساجدين دخلوا يزحفون على أستاههم، فلما رأى تعالى ذلك التمرد والعصيان وعدم الشكران أنزل عليهم وباء من السماء كاد يقضي على آخرهم هذا معنى قوله تعالى {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عموم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لكافة الناس عربهم وعجمهم أبيضهم وأصفرهم. 2- هداية الإِنسان فرداً أو جماعة أو أمة إلى الكمال والإِسعاد متوقفة على اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم. 3- إنصاف القرآن للأمم والجماعات فقد صرح أن في بني إسرائيل أمة قائمة على الحق، وذلك بعد فساد بني إسرائيل، وقبل مبعث النبي الخاتم أما بعد البعثة المحمدية فلم يبق أحد على الحق، إلا من آمن به واتبعه لنسخ سائر الشرائع بشريعته. 4- إذا أنعم الله على عبد أو أمة نعمة ثم لم يشكرها تسلب منه أحب أم كره وكائناً من كان.
القطان
تفسير : كلماته: كل ما أَنزل من تشريع على أَلسنَةِ رسُله الكرام. بعد ان ذكر تعالى ما في التوراة والانجيل من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، وشرفَ من يتبعه من اهل الكتاب، ونيلَهم السعادة في الدنيا والآخرة - بيّن هنا عموم رسالته، ودعوة الناس كافّة الى الايمان به. قل يا أيها النبيّ لجميع بني البشر: إني رسول اليكم جميعا، أرسلني الله، الذي له وحده ملك السماوات والارض، فهو يدبّر أمرهما بحكمته، ويتصرف فيهما كيف يشاء. انّه لا معبودَ بحق إلا هو، وهو وحده الذي يُحيي ويُميت.. آمنوا به وحده، وصدّقوا رسوله، فهو النبيّ الأمّيُّ الذي لا يقرأ ولا يكتب. واتّبِعوه في كل ما ينقل منا لدن ربّه، واسلكوا طريقه واقتفوا أثره. بذلك تهتدون وترشدون.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {فَآمِنُواْ} {وَكَلِمَاتِهِ} (158) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ للنَّاسِ جَمِيعاً: إِنِّي رَسُولُ اللهِ تَعَالَى إِلى جَمِيعِ البَشَرِ، وَإِن اللهَ تَعَالَى هُوَ الذِي أَرْسَلَنِي، وَهُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَالِكُهُمَا، وَهُوَ مُدَبِّرُهُمَا وَمُصَرِّفُهُما حَسْبَ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، فَهُوَ المَعْبُودُ وَحْدَهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ الكَائِنَاتِ، وَهُوَ الذِي يَقْضِي بِفَنَائِهَا. فَآمِنُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ جَمِيعاً بِاللهِ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَهَذا الرَّسُولُ يُؤْمِنُ بِتَوْحِيدِ اللهِ، وَيُؤْمِنُ بِكَلِمَاتِهِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ. وَاتَّبِعُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ طَرِيقَ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ، وَاقْتَفُوا أَثَرَهُ، فِي كُلِّ مَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يأمر الحق رسوله بالآتي: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} في رسالة تعم الزمان، وتعم المكان. وفي ذلك يقول رسول الله: "حديث : أعطيت خمساً لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي.. نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة ". تفسير : ثم بعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية تسخير الكون للخلق؛ لذلك كان الحديث موجهاً إلى كافة الناس: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}. وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم: {إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} وأراد سبحانه أن يعطينا الحيثيات التي تجعل لله رسولاً يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج الله في حركة حياتهم، فقال: {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. ومادام هو الذي يملك السموات والأرض، ولم يدّع أحد من خلقه أنه يملكها، وفي السموات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد. ولو أن السماء لواحد، والهواء لواحد، والأرض لواحد، وما بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا، وإله هناك وإله هنالك. وفي هذا يقول الحق: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ...} تفسير : [المؤمنون: 91] إذن فما دام الوجود كله من السموات والأرض وما سواهما لله، فهو الأوْلى أن يعبد، وأول قمة العبادة أن تشهد بأنه لا إله إلا الله، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السمٰوات والأرض. وما دام إلهاً فلا بد أن يطاع، ولا يطاع إلا بمنهج، ولا منهج إلا بافعل ولا تفعل. وأول المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد. وجعل الله للتوحيد حيثية من واقع الحياة فقال: {يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. وهذا أمر لم يدعه أحد أبداً؛ لأن الله هو الذي له ملك السموات والأرض، ولأنه يحيي ويميت. ولذلك نجد من حاجّ إبراهيم في ربه يقول الحق عنه: {أية : أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ...} تفسير : [البقرة: 258] وحاول هذا الملك أن يدير حواراً سفسطائيًّا مضللا ليفحم ويسكت إبراهيم - عليه السلام - فقال: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ...} تفسير : [البقرة: 258] وذلك بأن يأمر بقتل انسان ثم يعفو عنه، وهو بذلك لا يميته بل يحييه في منطق السفسطائيين. لكن هل الأمر بالقتل هو الموت؟. طبعا لا؛ لأن هناك فارقا بين الموت والقتل، فقد يقتل إنسان إنساناً آخر، لكنه لا يمكن أن يميته؛ لأن الموت يأتي بدون هدم بنيته بشيء؛ برصاصة أو بحجر أو بقنبلة. ولا أحد قادر على أن يميت احداً إذا رغب في أن يميته، فالموت هو الحادث بدون سبب، لكن أن يقتل إنسان إنساناً آخر فهذا ممكن، ولذلك يقول الحق سبحانه عن نفسه: {يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} [الأعراف: 158] وانظروا إلى الدقة في الأداء؛ فما دام قد أمر الحق رسوله أن يقول: إني رسول الله إليكم جميعاً، وحيثية الإِيمان هي الإِقرار والاعتقاد بوحدانية الإِله الذي له ملك السموات والأرض، وهو لا إله إلا هو، وهو يحيي ويميت؛ لذلك يدعوهم إلى الإِيمان بالخالق الأعلى: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}. لم يقل محمدٌ وآمنوا بي؛ لأنها ليست مسألة ذاتية في شخصك ما يا محمد، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس، فالإِِيمان لا بذاتك وشخصك، ولكن لأنك رسول الله، فجاء بالحيثية الأصلية {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، والرسول قد يكون محمداً أو غير محمد.. وبعد ذلك قال في وصف النبي: {ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ}. والأمية - كما علمنا من قبل - شرف في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يؤمن بكلمات الله، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن، وإمّا بالذي قاله موسى لقومه: "وجعل كلامي في فيه". ويقول فيه عيسى - الذي لا يتكلم من قِبَل نفسه -، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه، والقول الشامل في وصف كلمات محمد صلى الله عليه وسلم: ما بيّنه الحق في قوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3] أو أن الإِيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق بكلمة منه: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله شيئاً وهو لم يكن بعد؟ ونقول: إنه سبحانه قد علمه أزلاً، ووجوده ثابت وحاصل، ولكن الله يريد أن يبرز هذا الموجود للناس، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله، وكأنه يقول للشيء: اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطموراً في طيّ قدرتي. وسواء أكانت الكلمة بخلق الأسباب، مثل خلث الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب، كعيسى - عليه السلام - فأنه "كلمة منه" أي كلمة تخطت نطاق الأسباب؛ بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل. وفي هذا تخطٍ للأسباب، ولذلك قال الحق سبحانه: {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ}. ونعلم أن كل شيء لا يكون إلا بكلمة منه سبحانه، ولكن بكلمة لها أسباب، أو بكلمة لا أسباب لها. والكلمات هي أيضاً الآيات التي فيها منهج الأحكام، ولذلك يأتي قوله الحق:{أية : قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 136] ويروي لنا الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام قال لربه: "أني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد". وقول موسى آمنوا بالكتاب الآخر، هو الذي يدل عليه قول الحق سبحانه: {أية : قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ...} تفسير : [البقرة: 136] ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. و"لعل" رجاء وطلب. ونعلم أن كل طلب يتعلق بأحد أمرين: إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك تحبه، وهو لون من التمني مثل قول من قال: ليت الشباب يعود يوماً، إنه يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب. أو كقول إنسان: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، وهذا طلب لمحال، إلا أنه يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه، إمَّا طلب ممكن التحقيق. وهو ما يسمى بالرجاء. وله مراحل: فأنت حين ترجو لإِنسان كذا، تقول: لعل فلاناً يعطيك كذا، والإِدخال في باب الرجاء أن تقول: لعلي أعطيك؛ لأن الرجاء منك أنت، وأنت الذي تقوله، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه، والأقوى أن تقول: لعل الله يعطيك. أما الله يعطيك. ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب الله لك وقد لا يستجيب، أما إذا قال الله: لعلكم، فهذا أرجي الرجاءات، ولابد أن يتحقق. وحينما يتكلم الحق عن قوم موسى، يتكلم عنهم بعرض قصصهم، وفضائحهم للعهد بعد نعم الله الواسعة الكثيرة عليهم، وأوضح لنا: إياكم أن تأخذوا هذا الحكم عاماً؛ لأن الحكم لو كان عاماً، لما وُجد من أمة موسى من يؤمن بمحمد. ولذلك قلنا قديماً إن هناك ما يسمى "صيانة الاحتمال". ومثال على ذلك نجد من اليهود من آمنوا برسالة رسول الله مثل مخريق الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مخريق خير يهود". تفسير : وعبدالله بن سلام إن بعض اليهود كانوا مشغولين بقضية الإِيمان، ولذلك لا تأخذ المسألة كحكم عام؛ لأن من قوم موسى من يصفهم الحق بالقول الكريم: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ...}
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل الهادي للكل، المرسل إلى كافة البرايا: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على الغفلة، الناسون عهد الله وميثاقه، المحتاجون إلى المرشد الهادي يهديكم إلى طريق الرشاد {إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ} أرسلني {إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} لأهديكم إلى توحيده الذاتي واعلموا أيها المجبولون على فطرة التوحيد سبحانه، هو العليم القدير {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وما فيها إيجاداً وتصرفاً بالاستقلال والاختيار {وَٱلأَرْضِ} وما عليها كذلك وبالجملة: {لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا متصرف في الشهود، ولا مالك في الوجود {إِلاَّ هُوَ} المتصرف المستقل بالألوهية والوجود {يُحْيِـي} ويظهر بلطفه من يشاء من مظاهره {وَيُمِيتُ} بقهره من يشاء، ومتى عرفتم أن الملك كله لله والتصرف بيده {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ} المتوحد المتفرد بالألوهية {وَرَسُولِهِ} المنزل من عنده؛ ليبيِّن طريق توحيده. {ٱلنَّبِيِّ} المخبر لأحوال النشأة الأولى والأخرى {ٱلأُمِّيِّ} المكاشف {ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} أي: يوقن ويذعن بتوحيد الله، ويصدق بجميع كلماته المفصلة المنزلة من عنده سبحانه من لدن نفسه القدسية بلا مدرس ومرشد، ومعلوم منبه {وَ} إذا كان شأنه هذا {ٱتَّبِعُوهُ} أيها الطالبون لطريق الحق، القاصدون نحو توحيده {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] بمتابعته صلى الله عليه وسلم ما تقصدون إليه من التوحيد الذاتي. ثمَّ قال سبحانه تنبيهاً على المؤمنين: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ} أي: من بني إسرائيل {أُمَّةٌ} جماعة متقصدة {يَهْدُونَ} الناس إلى توحيد الحق، ملتبسين {بِٱلْحَقِّ} الصدق المطابق للواقع؛ لنجابة فطرتهم واستقامة عقيدتهم {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] أي: بسبب الحق يقتصدون لا يفرطون، ولا يفرّطون في الأحكام أصلآً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):