Verse. 1111 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اَلَّذِيْنَ يَتَّبِعُوْنَ الرَّسُوْلَ النَّبِيَّ الْاُمِّيَّ الَّذِيْ يَجِدُوْنَہٗ مَكْتُوْبًا عِنْدَہُمْ فِي التَّوْرٰىۃِ وَالْاِنْجِيْلِ۝۰ۡيَاْمُرُہُمْ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْہٰىہُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَہُمُ الطَّيِّبٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْہِمُ الْخَـبٰۗىِٕثَ وَيَضَعُ عَنْہُمْ اِصْرَہُمْ وَالْاَغْلٰلَ الَّتِيْ كَانَتْ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ فَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا بِہٖ وَعَزَّرُوْہُ وَنَصَرُوْہُ وَاتَّبَعُوا النُّوْرَ الَّذِيْۗ اُنْزِلَ مَعَہٗۗ۝۰ۙ اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُفْلِحُوْنَ۝۱۵۷ۧ
Allatheena yattabiAAoona alrrasoola alnnabiyya alommiyya allathee yajidoonahu maktooban AAindahum fee alttawrati waalinjeeli yamuruhum bialmaAAroofi wayanhahum AAani almunkari wayuhillu lahumu alttayyibati wayuharrimu AAalayhimu alkhabaitha wayadaAAu AAanhum israhum waalaghlala allatee kanat AAalayhim faallatheena amanoo bihi waAAazzaroohu wanasaroohu waittabaAAoo alnnoora allathee onzila maAAahu olaika humu almuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» محمدا صلى الله عليه وسلم «الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل» باسمه وصفته «يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات» مما حُرم في شرعهم «ويحرم عليهم الخبائث» من الميتة ونحوها «ويضع عنهم إصرَهُم» ثقلهم «والأغلال» الشدائد «التي كانت عليهم» كقتل النفس من التوبة وقطع أثر النجاسة. «فالذين آمنوا به» منهم «وعَزَّروه» ووقروه «ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه» أي القرآن «أولئك هم المفلحون».

157

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع {ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ } واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق، وقال في قوله: {وَٱلإِنجِيلِ} أن المراد سيجدونه مكتوباً في الإنجيل، لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل، وقال بعضهم: بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي. والقول الثاني أقرب، لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن. فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعاً للنبي الأمي في شرائعه. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى وصف محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع. الصفة الأولى: كونه رسولاً، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف. الصفة الثانية: كونه نبياً، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى. الصفة الثالثة: كونه أمياً. قال الزجاج: معنى {ٱلأُمِّىَّ } الذي هو على صفة أمة العرب. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»تفسير : فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أمياً. قال أهل التحقيق وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير. فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }تفسير : [الأعلى: 6] والثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله: {أية : وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ }تفسير : [العنكبوت: 48] الثالث: أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ } وهدا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل، لأن ذلك لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفِّرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول قوله: فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكوراً في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته. الصفة الخامسة: قوله: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } قال الزجاج: يجوز أن يكون قوله: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } استئنافاً، ويجوز أن يكون المعنى {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ } أنه {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله»تفسير : وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته. أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى، ومن حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام. ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» تفسير : كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف. الصفة السادسة: قوله: {وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان، والقول في صفات الله بغير علم، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين. الصفة السابعة: قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ } من الناس من قال: المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير. الثاني: أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل. الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } قال عطاء عن ابن عباس، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } وأقول: كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليل منفصل. وعلى هذا الأصل: فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصحيحين أنه قال: «حديث : الكلب خبيث، وخبيث ثمنه» تفسير : وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى: {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } وأيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله:{إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } إلى قوله: {أية : رِجْسٌ } تفسير : [المائدة: 90] والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه، والخبيث حرام لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ }. الصفة التاسعة: قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلاْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر (وحده آصارهم) على الجمع، والباقون { إِصْرَهُمْ } على الواحد. قال أبو علي الفارسي: الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته، وهو مفرد إلى الكثرة، كما قال: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ } تفسير : [البقرة: 20] ومن جمع، أراد ضروباً من العهود مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله: {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب: 10]. المسألة الثانية: الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله، والمراد منه: أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة. وقوله: {وَٱلاْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } المراد منه: الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضار الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم وجعلها الله أغلالاً، لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع عن الفعل، وقيل: كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً لله تعالى، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة. واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، لأن كل ما كان ضرراً كان إصراً وغلاً، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا ضرر ولا ضرار»تفسير : في الإسلام، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة»تفسير : وهو أصل كبير في الشريعة. واعلم أنه لما وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع. قال بعده: {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِهِ } قال ابن عباس: يعني من اليهود {وَعَزَّرُوهُ } يعني وقروه. قال صاحب «الكشاف»: أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب، دون الحد، لأنه منع من معاودة القبيح. ثم قال تعالى: {وَنَصَرُوهُ } أي على عدوه {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ } وهو القرآن. وقيل الهدى والبيان والرسالة. وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور. فإن قيل: كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن؟ والقرآن ما أنزل مع محمد، وإنما أنزل مع جبريل. قلنا: معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن. ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات {قَالَ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة.

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأولىٰ ـ روىٰ يحيىٰ بن أبي كثير عن نَوْف البِكَالِيّ الحِمْيَريّ: لما ٱختار موسىٰ قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله تعالىٰ لموسىٰ: أن أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مِرحاض أو حمّام أو قبر، واجعل السكِينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك موسىٰ لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكِينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظراً. فقال الله تعالىٰ: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ـ إلى قوله ـ {ٱلْمُفْلِحُونَ}. فجعلها لهذه الأمة. فقال موسىٰ: يا رب، ٱجعلني نبيّهم. فقال: نبيهم منهم. قال: رب ٱجعلني منهم. قال: إنك لن تدركهم. فقال موسىٰ: يا رب، أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت وفادتنا لغيرنا. فأنزل الله عز وجل: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 159]. فرضي موسىٰ. قال نَوْف: فٱحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم. وذكر أبو نعيم أيضاً هذه القصة من حديث الأوزاعيّ قال: حدّثنا يحيىٰ بن أبي عمرو السّيْبَاني قال حدثني نَوْف البِكالي إذا افتتح موعظة قال: ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم. وذلك أن موسىٰ عليه السلام وفَد ببني إسرائيل فقال الله لهم: إني قد جعلت لكم الأرض مسجداً حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلىٰ فيهن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام والمرحاض. قالوا: لا، إلا في الكنيسة. قال: وجعلت لكم التراب طهوراً إذا لم تجدوا الماء. قالوا: لا، إلا بالماء. قال: وجعلت لكم حيثما صلىٰ الرجل فكان وحده تقبلت صلاته. قالوا: لا، إلا في جماعة. الثانية: قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} هذه الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارىٰ من الاشتراك الذي يظهر في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وخلصت هذه العِدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما. و «يَتَّبِعُونَ» يعني في شرعه ودينه وما جاء به. والرسول والنبيّ اسمان لمعنيين؛ فإن الرسول أخصُّ من النبيّ. وقدّم الرسول اهتماماً بمعنىٰ الرسالة؛ وإلاّ فمعنىٰ النبوة هو المتقدّم؛ ولذلك حديث : ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على البَرَاء حين قال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: «قل آمنت بنبيك الذي أرسلت»تفسير : خرّجه في الصحيح. وأيضاً فإن في قوله: «وبرسولك الذي أرسلت» تكرير الرسالة؛ وهو معنىٰ واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه. بخلاف قوله: «ونبيك الذي أرسلت» فإنهما لا تكرار فيهما. وعلى هذا فكل رسول نبيّ، وليس كل نبيّ رسولا؛ لأن الرسول والنبيّ قد ٱشتركا في أمر عام وهو النبأ، وٱفترقا في أمر خاص وهي الرسالة. فإذا قلت: محمد رسول من عند الله تضمّن ذلك أنه نبيّ ورسول الله. وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. الثالثة: قوله تعالىٰ: {ٱلأُمِّيَّ} هو منسوب إلى الأمة الأمية، التي هي على أصل ولادتها. لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها؛ قاله ابن عزيز. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أمياً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}تفسير : [العنبكوت: 48]. وروي في الصحيح عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنّا أمَّةٌ أميّة لا نَكتب ولا نحسُب»تفسير : . الحديث. وقيل: نسب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة أمِّ القرى؛ ذكره النحاس. الرابعة: قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} روى البخاريّ قال: حدّثنا محمد بن سنان قال حدّثنا فُلَيْح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يَسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. فقال: أجَلْ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}تفسير : [الأحزاب: 45] وحِرْزاً للأمِّيين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكِّل، ليس بفَظٍّ ولا غليظ ولا صَخَّاب في الأسواق. ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالىٰ حتى يِقيم به الملة العَوْجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعْيُناً عُمْياً، وآذاناً صُمَّاً، وقلوباً غُلْقاً. (في غير البخاري) قال عطاء: ثم لقِيت كَعْباً فسألته عن ذلك فما ٱختلفا حرفاً، إلا أن كعباً قال بِلغتِه: قلوباً غُلُوفِياً وآذاناً صمومياً وأعيناً عمومياً. قال ابن عطية: وأظنّ هذا وهماً أو عُجمة. وقد روي عن كعب أنه قالها: قلوباً غلوفاً وآذاناً صموماً وأعينا عمومياً. قال الطبري: هي لغة حِميَرِية. وزاد كعب في صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه بالشأم، وأمّته الحامدون، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل، يُوضِئون أطرافهم ويَأَتَزِرون إلى أنصاف ساقهم، رعاة الشمس، يصلّون الصلوات حيثما أدركتهم ولو على ظهر الكناسة، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة. ثم قرأ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}تفسير : [الصف: 4.] الخامسة: قوله تعالىٰ: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} قال عطاء: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ} بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} عبادة الأصنام، وقطع الأرحام. السادسة: قوله تعالىٰ: {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} مذهب مالك أن الطيِّبات هي المحَلَّلات؛ فكأنه وصفها بالطيب؛ إذ هي لفظة تتضمن مدحاً وتشريفاً. وبحسب هذا نقول في الخبائث: إنها المحرمات؛ ولذلك قال ابن عباس: الخبائث هي لحم الخنزير والرِّبا وغيره. وعلى هذا حلّل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها. ومذهب الشافعيّ رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم؛ إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها؛ لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل يراها مختصة فيما حَلَّله الشرع. ويرىٰ الخبائث لفظاً عاماً في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات؛ فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرىٰ هذا المجرىٰ. والناس على هذين القولين، وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنىٰ. السابعة: قوله تعالىٰ: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} الإصر: الثقل؛ قاله مجاهد وقتادة وابن جبير. والإصر أيضاً: العهد؛ قاله ابن عباس والضحاك والحسن. وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال؛ فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال؛ كغسل البول، وتحليل الغنائم ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها؛ فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه. وروي: جلد أحدهم. وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث الصحيح وغيره. الثامنة: قوله تعالىٰ: {وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال. ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت؛ فإنه يروى أن موسىٰ عليه السلام رأىٰ يوم السبت رجلاً يحمل قصباً فضرب عنقه. هذا قول جمهور المفسرين. ولم يكن فيهم الدّية، وإنما كان القصاص. وأمِروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم، إلى غير ذلك. فشبه ذلك بالأغلال؛ كما قال الشاعر:شعر : فليس كعهد الدار يا أم مالك لكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعادَ الفتىٰ كالكَهْل ليس بقائل سوىٰ العدل شيئاً فٱستراح العواذلُ تفسير : فشبه حدود الإسلام وموانِعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب. ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان:شعر : إذهب بها إذهب بها طُوِّقتَها طوقَ الحمامة تفسير : أي لزمك عارها. يقال: طوّق فلان كذا إذا لزمه. التاسعة: إن قيل: كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد؛ فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة. وقرأ ابن عامر «آصارهم» بالجمع: مثل أعمالهم. فجمعه لاختلاف ضروب المآثم. والباقون بالتوحيد؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: {أية : وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}تفسير : [البقرة: 286]. وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنىٰ؛ مثل {أية : وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7]. {أية : لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ}تفسير : [إبراهيم: 43]. و{أية : مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ}تفسير : [الشورىٰ: 45]. كله بمعنى الجمع. العاشرة: قوله تعالىٰ: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ} أي وقروه ونصروه. قال الأخفش: وقرأ الجحدريّ وعيسىٰ «وعَزرُوه» بالتخفيف. وكذا «وَعَزَرْتُمُوهُمْ». يقال: عَزَره يَعْزِره ويعزِّرُهُ. و{ٱلنُّورَ} القرآن و«الفَلاَحُ» الظفر بالمطلوب. وقد تقدّم (هذا).

ابن كثير

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} وهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما روى الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعي، قلت: لألقين هذا الرجل، فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشراً التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي» تفسير : فقال برأسه هكذا، أي: لا، فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فقال: «حديث : أقيموا اليهودي عن أخيكم» تفسير : ثم تولى كفنه والصلاة عليه. هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح عن أنس. وقال الحاكم صاحب المستدرك: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، حدثنا عبد الله بن إدريس عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة، يعني: غوطة دمشق، فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولاً، وإنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه، وإلا لم نكلم الرسول، فرجع إليه الرسول، فأخبره بذلك. قال: فأذن لنا، فقال: تكلموا، فكلمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب سود، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: ومجلسك هذا والله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملىء وجهه سواداً، فقال: قوموا، وبعث معنا رسولاً إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريباً من المدينة قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك، فأمرنا أن ندخل على رواحلنا، فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فالله يعلم لقد تَنَفَّضَتِ الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح، قال: فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا: أن ادخلوا، فدخلنا عليه، وهو على فراش له، وعنده بطارقة من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه، فضحك فقال: ما عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيا بها، لا يحل لنا أن نحييك بها، قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فكيف تحيون ملككم؟ قلنا: بها، قال: فكيف يرد عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، فلما تكلمنا بها، والله يعلم، لقد تَنَفَّضَت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال: فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تَنَفَّضَت الغرفة، أكلما قلتموها في بيوتكم تَنَفَّضَت عليكم غرفكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال: لوددت أنكم كلما قلتم تَنَفَّضَ كل شيء عليكم، وأني قد خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا، فأمر لنا بمنزل حسن، ونزل كثير، فأقمنا ثلاثاً، فأرسل إلينا ليلاً، فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتاً وقفلاً فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم عليه السلام، وإذا هو أكثر الناس شعراً، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين طويل الخد أبيض اللحية كأنه يبتسم، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال:هذا إبراهيم عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا والله، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وبكينا، قال: والله يعلم أنه قام قائماً ثم جلس، وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو، كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء، وإذا رجل جعد قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان متقلص الشفة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى عليه السلام، وإلى جنبه صورة تشبهه، إلا أنه مدهان الرأس عريض الجبين في عينيه قبل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون بن عمران عليه السلام، ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط عليه السلام، ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة أقنى خفيف العارضين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق، إلا أنه على شفته خال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب عليه السلام، ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف في وجهه الخشوع يضرب إلى الحمرة قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة كصورة آدم، كأن وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا يوسف عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حمش الساقين أخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد سيفاً فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا داود عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل ضخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرساً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود عليهما السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء وإذا شاب شديد سواد اللحية كثير الشعر حسن العينين حسن الوجه فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى بن مريم عليه السلام، قلنا: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء عليهم السلام؛ لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله، فقال: إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبداً لأشركم ملكة حتى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا، وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر، وقال: مسكين لو أراد الله به خيراً لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم. وهكذا أورده الحافظ الكبير البيهقي رحمه الله في كتاب دلائل النبوّة عن الحاكم إجازة، فذكره، وإسناده لا بأس به. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، وأعيناً عمياً، قال عطاء: ثم لقيت كعباً، فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفاً، إلا أن كعباً قال بلغته: قال: قلوباً غلوفياً، وآذاناً صمومياً، وأعيناً عمومياً، وقد رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن سنان عن فليح عن هلال بن علي، فذكر بإسناده نحوه، وزاد بعد قوله: ليس بفظ ولا غليظ: ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وذكر حديث عبد الله بن عمرو، ثم قال: ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق التوراة على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا والله أعلم. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس وراق الحميدي، حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم من ولد جبير بن مطعم قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد، وهي جدتي، عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم قال: خرجت تاجراً إلى الشام، فلما كنت بأدنى الشام، لقيني رجل من أهل الكتاب، فقال: هل عندكم رجل نبياً؟ قلت: نعم، قال: هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، فأدخلني بيتاً فيه صور، فلم أر صورة النبي صلى الله عليه وسلم فبينا أنا كذلك، إذ دخل رجل منهم علينا، فقال: فيم أنتم؟ فأخبرناه، فذهب بنا إلى منزله، فساعة ما دخلت نظرت إلى صورة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رجل آخذ بعقب النبي صلى الله عليه وسلم قلت: من هذا الرجل القابض على عقبه؟ قال: إنه لم يكن نبي إلا كان بعده نبي، إلا هذا النبي، فإنه لا نبي بعده، وهذا الخليفة بعده، وإذا صفة أبي بكر رضي الله عنه. وقال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير، حدثنا حماد بن سلمة: أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بعثني عمر إلى الأسقف، فدعوته، فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب؟ قال: نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرناً، فرفع عمر الدرة، وقال: قرن مه؟ قال: قرن حديد أمير شديد، قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: أجد خليفة صالحاً، غير أنه يؤثر قرابته، قال عمر: يرحم الله عثمان، ثلاثاً. قال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد، قال: فوضع عمر يده على رأسه وقال: يا دفراه يا دفراه قال: يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح، ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول، والدم مهراق. وقوله تعالى: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} هذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، وهكذا كانت حاله عليه الصلاة والسلام، لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر؛ كما قال عبد الله بن مسعود: إذا سمعت الله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فأرعها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 86]. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، هو العقدي، عبد الملك بن عمرو، حدثنا سليمان، هو ابن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد وأبي أسيد رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه» تفسير : رواه الإمام أحمد رضي الله عنه بإسناد جيد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه قال: إذا سمعتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أهنى، والذي هو أنجى، والذي هو أتقى. ثم رواه عن يحيى عن ابن سعيد عن مسعر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: إذا حدثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، فظنوا به الذي هو أهداه وأهناه وأتقاه، وقوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ} أي: يحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك؛ مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم، ويحرم عليهم الخبائث، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى. قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين. وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له. وكذا احتج بها من ذهب من العلماء، إلى أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته؛ وفيه كلام طويل أيضاً. وقوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي: إنه جاء بالتيسير والسماحة؛ كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «حديث : بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا» تفسير : وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت تيسيره، وقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها، وسهلها لهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» تفسير : وقال: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» تفسير : ولهذا قال: أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [البقرة: 286] وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد فعلت، قد فعلت، وقوله: {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} أي: عظموه ووقروه، وقوله: {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىۤ أُنزِلَ مَعَهُ} أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغاً إلى الناس {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمّىَّ } محمداً صلى الله عليه وسلم {ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرٰةِ وَٱلإِنجِيلِ } باسمه وصفته {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ } مما حُرم في شرعهم {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ } من الميتة ونحوها {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } ثقلهم {وَٱلأَغْلَٰلَ } الشدائد {ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } كقتل النفس في التوبة، وقطع أثر النجاسة {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ } منهم {وَعَزَّرُوهُ } ووقّروه {وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ } أي القرآن {أُوْلـَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }.

الماوردي

تفسير : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمّيَّ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وفي تسميته بالأمي ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه لا يكتب. الثاني: لأنه من أم القرى وهي مكة. الثالث: لأن من العرب أمة أمية. {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَاً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} لأن في التوراة في السفر الخامس: إني سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فيه فيقول لهم كل ما أوصيته به. وفيها: وأما ابن الأمة فقد باركت عليه جداً جداً وسأدخره لأمة عظيمة. وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع: يعطيكم فارقليط آخر يكون معكم الدهر كله. وفيها قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذيركم يجمع بين الحق ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي. فهذا تفسير {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ}. ثم قال: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ}. وهو الحق. {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الُْنكَرِ} وهو الباطل وإنما سمي الحق معروفاً لأنه معروف الصحة في العقول، وسمي الباطل منكراً لأنه منكر الصحة في العقول. ثم قال: {وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّباتِ} يعني ما كانت الجاهلية تحرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} يعني ما كانوا يستحلونه من لحم الخنزير والدماء. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه عهدهم الذي كان الله تعالى أخذه على بني إسرائيل. والثاني: أنه التشديد على بني إٍسرائيل الذي كان في دينهم من تحريم السبت وتحريم الشحوم والعروق وغير ذلك من الأمور الشاقة، قاله قتادة. {والأَغْلاَلَ التَّي كَانَتْ عَلَيهِمْ} فيها تأويلان: أحدهما: أنه الميثاق الذي أخذه عليهم فيما حرمه عليهم، قاله ابن أبي طلحة. والثاني: يعني ما بيَّنه الله تعالى في قوله: {أية : غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ} تفسير : [المائدة: 64]. {فَالَّذِينَ أَمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ...} فيه وجهان: أحدهما: يعني عظموه، قاله علي بن عيسى. والثاني: منعوه من أعدائه، قاله أبو جعفر الطبري. ومنه تعزير الجاني لأنه يمنعه من العود إلى مثله. {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ} يعني القرآن، آمنوا به من بعده فروى قتادة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "حديث : أَيُّ الخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيكُم إِيماناً؟ تفسير : قالوا: الملائكة فقال نبي اللَّه (ص): حديث : المَلائِكةُ عِندَ رَبِّهم فَمَا لَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ. تفسير : فقالوا: النبيون، فقال:"حديث : يُوحَى إِلَيهِم فَمَا لَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ" تفسير : قالوا: نحن يا نبي الله. فقال"حديث : أَنَا فِيكُم فَمَا لَكُم لاَ تُؤْمِنونَ،" تفسير : فقالوا: يا نبي الله فمن هم؟ قال: حديث : هُم قَومٌ يَكُونُونَ بَعْدَكُم يَجِدُونَ كِتاباً فِي وَرَقٍ فَيُؤُمِنُونَ بِهِ" تفسير : فهو معنى قوله: {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ}.

ابن عطية

تفسير : هذه الألفاظ أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله {أية : فسأكتبها للذين يتقون} تفسير : [الأعراف:156] وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما، و {يتبعون} معناه في شرعه ودينه، و {الرسول} و {النبي} اسمان لمعنيين فإن الرسول، أخص من النبي هذا في الآدميين لاشتراك الملك في لفظة الرسول، و {النبي} مأخوذ من النبأ، وقيل لما كان طريقاً إلى رحمة الله تعالى وسبباً شبه بالنبيء الذي هو الطريق، ونشدوا: شعر : لأصبح رتماً دقاق الحصى مكان النبيء من الكاثب تفسير : وأصله الهمز ولكنه خفف كذا قال سيبويه وذلك كتخفيفهم خابية وهي من خبأ، واستعمل تخفيفه حتى قد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تنبروا اسمي، تفسير : وقدم الرسول اهتماماً بمعنى الرسالة عند المخاطبين بالقرآن وإلا فمعنى النبوءة هو المتقدم وكذلكحديث : رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء بن عازب حين قال آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وبنبيك الذي أرسلت"تفسير : ليترتب الكلام كما ترتب الأمر في نفسه، لأنه نبىء ثم أرسل، وأيضاً في العبارة المردودة تكرار الرسالة وهو معنى واحد، و "الأُّمي" بضم الهمزة قيل نسب إلى أم القرى وهي مكة. قال القاضي أبو محمد: واللفظة على هذا مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وغير مضمنة معنى عدم الكتابة، وقيل هو منسوب لعدمه الكتابة والحساب إلى الأم، أي هو على حال الصدر عن الأم في عدم الكتابة، وقالت فرقة هو منسوب إلى الأمة، وهذا أيضاً مضمن عدم الكتابة لأن الأمة بجملتها غير كاتبة حتى تحدث فيها الكتابة كسائر الصنائع، وقرأ بعض القراء فيما ذكر أبوحاتم "الأَمي" بفتح الهمزة وهو منسوب إلى الأم وهو القصد، أي لأن هذا النبي مقصد للناس وموضع أم يؤمونه بأفعالهم وتشرعهم، قال ابن جني: وتحتمل هذه القراءة أن يريد الأمي فغير تغيير النسب. والضمير في قوله: {يجدونه} لبني إسرائيل والهاء منه لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد صفته ونعته. وروي أن الله عز وجل قال لموسى قل لبني إسرائيل أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً وأجعل السكينة معكم في بيوتكم وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم، فأخبر موسى بني إسرائيل فقالوا: إنما نريد أن نصلي في الكنائس وأن تكون السكينة كما كانت في التابوت وأن لا نقرأ التوراة إلا نظراً، فقيل لهم فنكتبها للذين يتقون يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي عن عبد الله بن عمر، وفي البخاري أو غيره أن في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله فنقيم به قلوباً غلفاً وآذاناً صماً وأعيناً عمياً". وفي البخاري "حديث : فنفتح به عيوناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً " تفسير : ونص كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إلا أنه قال "قلوباً غلفاً وآذاناً صموماً"، قال الطبري وهي لغة حميرية وقد رويت "غلوفياً وصمومياً". قال القاضي أبو محمد: وأظن هذا وهماً وعجمة. وقوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} يحتمل أن يريد ابتداء وصف الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يجعله متعلقاً بـ {يجدونه} في موضع الحال على تجوز، أي يجدونه في التوراة أمراً بشرط وجوده فالمعنى الأول لا يقتضي أنهم علموا من التوراة أنه يأمرهم وينهاهم ويحل ويحرم، والمعنى الثاني يقتضي ذلك فالمعنى الثاني على هذا ذم لهم، ونحا إلى هذا أبو إسحاق الزجّاج، وقال أبو علي الفارسي في الإغفال {يأمرهم} عندي تفسير لما كتب من ذكره كما أن قوله تعالى {أية : خلقه من تراب} تفسير : [آل عمران:59] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في {يجدونه} لأن الضمير للذكر والاسم، والذكر والاسم لا يأمران. قال القاضي أبو محمد: وما قدمته من التجوز وشرط الوجود يقرب ما منع منه أبو علي، وانظر و {بالمعروف} ما عرف الشرع، وكل معروف من جهة المروءة فهو معروف بالشرع، فقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت لأتمم محاسن الأخلاق " تفسير : و {المنكر} مقابله. و {الطيبات} قال فيها بعض المفسرين إنها إشارة إلى البحيرة ونحوها، ومذهب مالك رحمه الله أنها المحللات فكأنه وصفها بالطيب إذ هي لفظة تتضمن مدحاً وتشريفاً، وبحسب هذا يقول في {الخبائث} إنها المحرمات وكذلك قال ابن عباس "الخبائث" هي لحم الخنزير والربا وغيره، وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والخنافس والعقارب ونحوها، ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير بل يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى "الخبائث" لفظاً عاماً في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى، والناس على هذين القولين إلا أن في تعيين الخبائث اختلافاً ليس هذا موضع تقصيه. وقوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} الآية، {يضع} كأن قياسه أن يكون "يضِع" بكسر الضاد لكن رده حرف الحلق إلى فتح الضاد، قال أبو حاتم وأدغم أبو عمرو "ويضع عنهم" العين في العين وأشمها الرفع وأشبعها أبو جعفر وشيبة ونافع، وطلحة ويذهب عنهم إصرهم، و "الإصر" الثقل وبه فسر هنا قتادة وابن جبير ومجاهد، و "الإصر" أيضاً العهد وبه فسر ابن عباس والضحاك والحسن وغيرهم، وقد جمعت هذه الآية المعنيين فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، وحكى أبو حاتم عن ابن جبير، قال: "الإصر" شدة العبادة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والناس "إصرهم" وقرأ ابن عامر وحده وأيوب السختياني ويعلى بن حكيم وأبو سراج الهذلي وأبو جعفر "آصارهم" بالجمع لما كانت الأعمال كثيرة كانت أثقالها متغايرة، ومن وحد الإصر فإنما هو مفرد اسم جنس يراد به الجمع، قال أبو حاتم: في كتاب بعض العلماء "أصرهم" واحد مفتوح الهمزة عن نافع وعيسى والزيات وذلك غلط، وذكرها مكي عن أبي بكر عن عاصم وقال: هي لغة. {والأغلال التي كانت عليهم} عبارة مستعارة أيضاً لتلك الأثقال كقطع الجلد من أثر البول، وأن لا دية ولا بد من قتل للقاتل، وترك الأشغال يوم السبت، فإنه روي أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلاً يحمل قصباً فضرب عنقه، هذا قول جمهور المفسرين، وهذا مثل قولك طوق فلان كذا إذا ألزمه، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : إذهب بها إذهب بها طوقتها طوق الحمامه تفسير : أي لزمك عارها ومن هذا المعنى قول الهذلي: شعر : فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقابل سوى الحق شيئاً فاستراح العواذل تفسير : يريد أوامر الإسلام ولوازم الإيمان الذي قيد الفتك كما قال صلى الله عليه وسلم، وقال ابن زيد: إنما المراد هنا بـ {الأغلال} قول الله عز وجل في اليهود {أية : غلت أيديهم} تفسير : [المائدة:64] فمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم زالت عنه الدعوة وتغليلها. ثم أخبر تعالى عن حال المؤمنين فقال: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه} وقرأ الجحدري وسليمان التيمي وقتادة وعيسى "عزروه" بالتخفيف، وجمهور الناس على التشديد في الزاي، ومعناه في القراءتين وقروه، والتعزير والنصر مشاهدة خاصة للصحابة، واتباع النور يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، و {النور} كناية عن جملة الشرع، وقوله: {معه} فيه حذف مضاف والتقدير مع بعثه أو نبوته أو نحو هذا، وشبه الشرع والهدى بالنور إذ القلوب تستضيء به كما يستضيء البصر بالنور، و {المفلحون} معناه الفائزون ببغيتهم، وهذا يعم معاني الفلاح فإن من بقي فقد فاز ببغيته.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأُمِّىَّ} لأنه لا يكتب، أو لأنه من أم القرى ـ مكة ـ أو لأنه من أمة أمية هي العرب. {بِالْمعْرُوفِ} بالحق، لأن العقول تعرف صحته. {الْمُنكَرِ} الباطل لإنكارها صحته. {الطَّيِّبَاتِ} الشحوم المحرمة عليهم، أو ما حرمته الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصية والحام. {الْخَبَائِثَ} لحم الخنزير والدماء. {إِصْرَهُمْ} العهد على العمل بما في التوراة، أو تشديدات دينهم كتحريم السبت والشحوم والعروق وغير ذلك. {وَالأَغْلآَلَ} قوله: {أية : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [المائدة: 64] أو عهده فيما حرمه عليهم سماه غلاًّ للزومه. {وَعَزَّرُوهُ} عظَّموه، أو منعوه من عدوه. {النُّورَ} القرآن، يسمون ما ظهر ووضح نوراً. {أُنزِلَ مَعَهُ} عليه، أو في زمانه، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : "أي الخلق أعجب إليكم إيماناً"؟ قالوا: الملائكة؟ فقال: "هم عند ربهم فما لهم لا يؤمنون؟" فقالوا: النبيون، فقال: "النبيون يُوحى إليهم فما لهم لا يؤمنون؟" قالوا: نحن، فقال: "أنا فيكم فما لكم لا تؤمنون" قالوا: فمَن، قال: "قوم يكونون بعدكم فيجدون كتاباً في ورق فيؤمنون به"" تفسير : هذا معنى قوله {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ}.

ابن عادل

تفسير : قوله {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ} في محلِّه أوجه: أحدها: الجر نعتاً لقوله {أية : لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف:156]. الثاني: أنَّهُ بدلٌ منه. الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على القطع. الرابع: أنَّهُ مرفوع على خبر مبتدأ مضمر وهو معنى القطع أيضاً. الخامس: أنه مبتدأ وفي الخبر حينئذٍ وجهان: أحدهما الجملةُ الفعليَّةُ من قوله: "يأمُرُهُم بالمَعْرُوفِ". والثاني: الجملةُ الأسميَّةُ من قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الأعراف: 8] ذكر ذلك أبُو البقاءِ، وفيه ضعف بل مَنْعٌ كيف يجعل: "يَأمُرُهُم" خبراً وهو من تتمة وَصْفِ الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على أنَّهُ معمولٌ للوجدان عند بعضهم؟ كيف يجعل "أولئكَ هُمُ المفلِحُونَ" خبراً لهذا الموصول؟ والموصولُ الثاني وهو قوله: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} يطلبه خبراً، لا يتبادَرُ الذهن إلى غيره، ولو تبادر لم يكن مُعْتَبراً. قوله "الأمِّيَّ" العامَّةُ على ضمِّ الهمزة، نسبةً إمَّا إلى الأمة وهي أمَّةُ العرب؛ وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ومنه الحديث "حديث : أنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ"تفسير : ، وإمَّا نسبةً إلى "الأمّ" وهو مصدر "أمَّ يَؤمُّ" أي: قصد يقصد، والمعنى على هذا: أن النبيَّ الكريم مقصود لكل أحدٍ، وفيه نظر؛ لأنه كان ينبغي أن يقال: "الأَمِّيّ" بفتح الهمزة. وقد يقال: إنَّهُ من تغيير النَّسب، وسيأتي أنَّ هذه قراءةٌ لبعضهم، وإمَّا نسبةً إلى "أمِّ القرى" وهي مكة وإمَّا نسبةً إلى الأمّ، فالأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب على حالةِ ولادته من أمه. وقرأ يعقوب الأَمِّيَّ بفتح الهمزة، وخَرَّجهَا بعضُهُمْ، على أنَّهُ من تَغْييرِ النَّسبِ، كما قالوا في النَّسب إلى أمَيَّة: أموي، وخرَّجها بعضُهم على أنَّهَا نسبةٌ إلى "الأَمِّ" وهو القصد، أي الذي هو على القصْدِ والسَّدادِ، وقد تقدم ذلك في القراءة الشهيرة، فكل من القراءتين يحتملُ أن تكون مُغَيَّرَةً من الأخرى. قوله يَجِدُونَهُ الظَّاهرُ أنَّ هذه متعديةٌ لواحد؛ لأنَّها اللُّقْيَة، والتقدير: يَلْقونَهُ أي: يلقَوْنَ اسمه ونعته مَكْتُوباً؛ لأنَّهُ بمعنى: وُجْدَانِ الضالَّة، يكون مَكْتُوباً حالاً من الهاء في يَجِدُونَه. وقال أبُو عليِّ: "إنَّهَا متعدية لاثنين، أوَّلهما: الهاءُ". والثاني: "مَكْتُوباً". قال "ولا بدّ من حذف هذا المضاف، أعني قوله: ذكره، أو اسمه". قال سيبويه: "تقولُ إذا نظرت في هذا الكتاب: هذا عمرو، وإنَّما المعنى هذا اسم عمرو، وهذا ذِكْر عمرو وقال مجاهد وهذا يجوزُ على سعةِ الكلامِ". قوله {عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ}. هذا الظَّرف، وعديلُه كلاهما متعلِّقٌ بـ "يَجِدُونَ"، ويجوزُ - وهو الأظهر - أن يتعلَّقا بـ "مَكْتُوباً" أي: كُتِبَ اسمُهُ ونَعْتُهُ عندهم في توراتهم وإنجيلهم. قوله يَأمُرُهُم فيه ستة أوجه: أحدها: أنَّهُ مستأنف؛ فلا محلَّ له حينئذ، وهو قول الزجاج. والثاني: أنَّهُ خبر لـ "الّذينَ" قاله أبُو البقاءِ: وقد ذُكِرَ، أي: وقد ذكره فيه ثمَّة. الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على الحال من الهاء في يَجِدُونَهُ، ولا بدَّ من التَّجوز في ذلك، بأن يُجْعَلَ حالاً مقدرة، وقد منع أبو عليِّ أن يكون حالاً من هذا الضَّمير. قال: لأنَّ الضمير للاسم والذِّكْرِ، والاسم والذِّكر لا يأمران يعني أن الكلام على حذف مضاف كما مر؛ فإن تقديره: "يجدون اسمه، أو ذكره"، والذكر أو الاسم لا يأمران، إنما يأمر المذكور والمسمَّى. الرابع: أنه حال من النَّبِيِّ. الخامس: أنَّهُ حال من الضَّمير المُسْتكِن في "مَكْتُوباً". السادس: أنَّهُ مُفَسِّر لِـ "مَكْتُوباً" أي: لِمَا كُتِبَ، قاله الفارسي. قال: كَمَا فَسَّرَ قوله {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }تفسير : [المائدة: 9] [النور: 55] [الفتح: 29] بقوله: {أية : لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [المائدة: 9]، وكما فسَّر المثل في قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ}تفسير : [آل عمران: 59] بقوله: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59]. وقال الزَّجَّاجُ هنا: ويجوزُ أن يكون المعنى: يجدونه مكتوباً عندهم أنَّهُ يأمرهم بالمعروف وعلى هذا يكون الأمرُ بالمعروف، وما ذُكِر معه من صفته التي ذُكِرت في الكتابين، وقد استدرك أبُو علي هذه المقالة، فقال: لا وجه لقوله: "يجدونه مكتوباً عندهم أنَّهُ يأمرهم بالمعروف" إن كان يعني أنَّ ذلك مرادٌ؛ لأنَّهُ لا شيء يَدُلُّ على حذفه، ولأنَّا لا نعلمهم أنهم صدقوا في شيء، وتفسير الآية أنَّ "وجدت" فيها تتعدَّى لمفعولين فذكر نحو ما تقدم عنه. قال شهابُ الدِّينِ: وهذا الردُّ تحاملٌ منه عليه؛ لأنَّهُ أراد تفسير المعنى وهو تفسير حسن. فصل لمَّا بيَّن صفة من تكتب له الرحمة في الدُّنيا والآخرة وهو أن يكون مُتقياً ويؤتي الزكاة، ويؤمن بالآيات، ضمّ إلى ذلك أن يكون مُتَّبِعاً للنبي {الأمِّي الذي يجدُونَهُ مكْتُوباً عندهُمْ في التَّوراةِ والإنجيلِ} واختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: المراد باتباعه اعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته ولا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثته. وقيل في قوله: والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوباً في الإنجيل؛ لأنَّ من المُحَالِ أن يجدوه فيه قبل ما أنزل اللَّهُ الإنجيل. وقيل المراد بهم: مَنْ لَحِقَ من بني إسرائيل أيَّام الرسول - عليه الصلاة والسلام - فبيَّنَ تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلاَّ إذا اتبعوا الرسول الأمِّيَّ، وهذا هو الأقرب، لأن اتباعه قبل بعثته لا يمكن. ووصف هذا النبي بتسع صفات: الأولى: كونه رسولاً، وهو في العُرفِ من أرسله اللَّهُ إلى الخلق لتبليغ التَّكاليف. الثانية: كونه نبيّاً، وهو الرفيع القدر عند الله تعالى. والثالثة: كونه أميّاً. قال الزجاج: وهو الذي على صفة أمة العرب، كما تقدم في قوله عليه السلام: "حديث : إنا أمَّة أمِّيَّةٌ لا نكتب ولا نحسب ". تفسير : قال المحقِّقُون: وكونه أميّاً بهذا التفسير من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: الأول: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى مَنْظُوماً مرَّة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه، ولا تغيير كلماته، والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها؛ فلا بد أن يزيد فيها، وأن ينقص عنها بالقليل والكثير، وهو - عليه الصلاة والسلام - مع أنه ما كان يكتبُ وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير، فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6]. الثاني: لو كان يُحسِن القراءة والخَطَّ لكان مُتَّهما في القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة كلَّما أتى به من غير تعلم، ولا مطالعة؛ فكان ذلك من المعجزات وهو المرادُ من قوله: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 48] الثالث: أن تعلَّم الخط شيء سهل فإن أقلَّ النَّاس ذكاء وفطنة يتعلمون الخطَّ بأهون سعي فعدم تعلمه يدلُّ على نقص عظيم في الهمم، ثم إنَّهُ تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من البشر، ومع تلك القوة العظيمة والفهم جعله بحيثُ لم يتعلم الخط الذي يسهُل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين، وذلك من الأمُورِ الخارقة للعادة وجارية مجرى المعجزات. الصفة الرابعة: قوله: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] وهذا يدُلُّ على أن نعته وصحة نبوته مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل؛ لأنَّ ذلك لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله؛ لأنَّ الإصرار على الكذب من أعظم المنفّرات، والعاقلُ لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر النَّاس عن قبول قوله وإذا كان مذكوراً في التَّوراةِ والإنجيلِ كان معجزة له دالةً على صدقهِ. قال عطاءُ بنُ يسار: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاصِ، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجَلْ، واللَّه إنَّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}تفسير : [الأحزاب: 45] وحِرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سمِّيْتُكَ المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملَّة العَوْجَاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعْيُناً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً. وعن كعب قال: إني أجدُ في التوراة مكتوباً محمد رسول الله لا فظّ، ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحامدون، يحمدون الله في كل منزل، وعلى كلِّ نجد، يأتزرُون على أنصافهم، ويغضون أطرافهم، صَفُّهُمْ في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جوِّ السماءِ، لهم في جوف الليل دَويٌّ كدويِّ النحل، مولده بمكَّة، ومهاجره بطيبة، ومُلْكُهُ بالشَّام. الصفة الخامسة: قوله: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: بالإيمان، وقيل: الشَّريعة والسُّنة. قال عطاءٌ: بمكارم الأخلاق، وخلع الأنداد، وصلة الأرحام. السادسة: قوله {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي: عن الشرك. وقيل: ما لا يعرف في كل شريعة ولا سنَّةٍ. وقيل: المنكرُ عبادة الأوثان، وقطع الأرحام. السابعة: قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ}. قيل: ما كانوا يُحَرِّمونه في الجاهليَّة: من البحيرة والسَّائبة والوصيلة والحامِ. قال ابنُ الخطيب: وهذا بعيد لوجهين: الأول: أنه على هذا التقدير تصير الآية ويحلُّ لهم المُحللات وهذا محضُ التكرير. والثاني: أنَّ على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة، لأنَّ لا ندري الأشياء التي أحلَّها اللَّهُ ما هي وكم هي؟. بل الواجب أن يكون المرادُ بالطَّيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع؛ لأن تناولها يفسد اللَّذة والأصل في المنافع الحل فدلَّت هذه الآية على أنَّ الأصل في كلِّ ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحِلُّ إلاَّ بدليل منفصل. الصفة الثامنة - قوله {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ}. قال عطاءٌ عن ابن عباس: يريد الميتة والدَّم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله: {أية : ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ}تفسير : [المائدة: 3]. قال ابنُ الخطيب: وأقول ههنا: كل ما يستخبثه الطَّبع [وتستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع] فالأصْلُ فيه الحُرمَةُ إلاَّ بدليلٍ منفصل، وعلى هذا يحرم بيع الكلب، قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : الكلبُ خبيثٌ، وخَبيثٌ ثَمنُهُ"تفسير : ، فدخل في قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ}. الصفة التاسعة: قوله {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}. قرأ ابنُ عامر آصارهم بالجمع، على صفة "أفْعَال" فانقلبت الهمزةُ التي هي فاء الكلمة ألفاً لسبقها بمثلها، والباقُون بالإفرادِ. فمن جمع فباعتبار متعلِّقاته وأنواعه، وهي كثيرة، ومن أفْردَ؛ فلأنه اسمُ جنسٍ. وقرأ بعضهم أَصْرَهُمْ بفتح الهمزةِ، وبعضهم أُصْرَهُمْ بضِّمها. والإصْرُ: الثِّقلُ الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحرَاك لثقله، أي: إنَّ شريعة موسى كانت شديدةً، وقد تقدَّم تفسيرُ هذه المادة في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً}تفسير : [البقرة: 286] والأغلالُ جمع غُلٍّ، وهو هنا مثلٌ لِمَا كَلِّفُوهُ كقطع أثر البول، وقتل النَّفس في التَّوبةِ، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللَّحم وجعلها الله أغلالاً؛ لأنَّ التَّحريمَ يمنع من الفعل كما أنَّ الغل يمنع من الفعل. فصل وقيل: كانوا إذَا قاموا إلى الصَّلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم. وقد تقدم تفسير مادة "الغل" في آل عمران عند قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}تفسير : [161] وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأصل في المضار ألا تكون مشروعة؛ لأنَّ كلَّ ما كان ضرراً كان إصْراً وغلاًّ، وهذا النص يقتضي عدم المشروعية، كقوله: "حديث : لا ضرَرَ ولا ضِرارَ في الإسلامِ"تفسير : . وقول "حديث : بُعثِتُ بالحنيفيّة السَّمْحَةِ السَّهْلةِ ". تفسير : فإن قيل: كيف عطف الأغلالَ وهو جمع على الإصْرِ وهو مفرد؟. فالجواب: أنَّ الأصل مصدر يقع على الكثير والقليلِ. قوله: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ}. قال ابنُ عبَّاسٍ: يعني من اليهود وعَزَّرُوهُ يعني وقَّرره. قال الزمخشريُّ: أصلُ العزْر المَنْعُ، ومنه التَّعزير؛ لأنَّهُ يمنع من معاودة القبيح وتقدَّم تفسيرُ التعزير في المائدة، والعَامَّةُ على التشديد وعَزَّرُوهُ. وقرأ الجحدريُّ وعيسى بن عمر، وسليمان التيمي: بتخفيفها، وجعفر بن محمد وعَزَّرُوهُ بزايين معجمتين. ونَصَرُوهُ أي على عَدُوِّهِ. {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} وهو القرآن. وقيل: الهدى والبينات والرسالة. فصل قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى أنزلَ مَعَهُ وإنَّما أُنزِلَ مع جبريل؟. قلت: معناه أُنزل مع نُبوته؛ لأنَّ استنباءهُ كان مَصْحُوباً بالقرآن مَشْفُوعاً به، ويجوزُ أن يتعلَّق بـ "اتَّبَعُوا" أي واتَّبعوا القرآن المنزَّل مع اتِّباع النبي والعمل بسنته، وبما أمَرَ به ونَهَى عنه أو اتبعُوا القرآنَ كما اتَّبعه مصاحبين له في اتِّباعه. يعني بهذا الوجه الأخير أنَّهُ حال من فاعل اتَّبَعُوا. وقيل: "مَعَ" بمعنى "عَلَى" أي: أُنْزِلَ عليه. وجوَّزَ أبُو حيان أن يكون معه ظَرْفاً في موضع الحال. قال: العامل فيها محذوفُ تقديره: أنزل كائناً معه، وهي حالٌ مُقدَّرة كقوله: مَرَرْتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً، فحالةُ الإنزال لم يكن معه، لكنَّه صار معه بعدُ، كما أنَّ الصيدَ لم يكن وقت المرور. ثُمَّ لمَّا ذكر تعالى هذه الصِّفات، قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: الفائزونُ في الدُّنيا والآخرة.

البقاعي

تفسير : ولما كان اليهود ربما ادعوا ذلك مكابرة، وأضح غاية الإيضاح بقوله: {الذين يتبعون} أي بغاية جهدهم {الرسول} ولما كان هذا الوصف وحده غير مبين للمراد ولا صريح في الرسالة عن الله ولا في كونه من البشر،قال: {النبي} أي الذي يأتيه الوحي من الله فبدأ بالأشراف وثنى بما خصه برسالة الله وكونه من الآدميين لا من الملائكة. ولما لم يتم المراد، قال مبيناً لأعظم المعجزات، وهي أن علمه بغير معلم من البشر: {الأمي} أي الذي هو مع ذلك العلم المحيط على صفة الأم، وأمة العرب لا يكتب ولا يقرأ ولا يخالط العلماء العلماء للتعليم منهم بل لتعليمهم، فانطبق الوصف على الموصوف مع التنويه بجلالة الأوصاف والتشويق إلى الموصوف، ولم يعطف لئلا يوهم تعداد الموصوف - والمعنى أني لا أغفر لأحد من بني إسرائيل ولا من غيرهم إلا إن اتبع محمداً صلى الله عليه وسلم، وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه، وتارة يخرج منة القوة إلى الفعل ممن لحق زمانه دعوته،فمن علم الله منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك، وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ولا ريب يتعلل في أمره بعلة، ولذلك أتبعه بقوله: {الذي يجدونه} أي علماء بني إسرائيل؛ ولما اشتد تشوف بذكر الوجدان، قال: {مكتوباً} ثم قرب الأمر بقوله: {عندهم} ثم بين أنه مما لا يدخله شك بقوله: {في التوراة والإنجيل} أي اللذين يعلمون أنهما من عند الله بصفته البينة كما تقدم بيانه عما عللوا عن تبديله منهما في البقرة {أية : وإذا ابتلى إبراهيم ربه } تفسير : [البقرة: 124] وفي آل عمران عند { أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً} تفسير : [آل عمران: 33] وفي النساء عند { أية : ما قتلوه يقيناً} تفسير : [النساء: 157] وفي التوارة أيضاً من ذلك في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب ولا يوجد فيكم من يطلب تعليم العرافين، ثم قال: لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم، يل يقيم لكم نبياً من إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي كما طلبتم إلى الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: لا تسمع صوت الله ربنا ولا تعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ما أحسن ما تكلموا، إني سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي في فيه ويقول لهم ما آمره به، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه - انتهى. هكذا رأيته مترجماً في بعض نسخ التوارة، ثم رأيت السموأل بن يحيى المغربي ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان من أكابر علمائهم بل العلماء فقال: نبياً أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، بع فليؤمنوا - انتهى. وهو يعني أن يكون هذا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه من بني إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقله لا تعلق لها بشريعة قبلها ولا توقف لها عليها، وذلك أن في العبارة كلمتين: مثل وإخوة، وحقيقة الأخ ابن أحد الأبوين، وهو لا يتأتى في أحد من أنبيائهم، فأقرب المجاز إلى حقيقته الحمل على أخي الأب، وهو إسماعيل عليه السلام، والشائع في الاستعمال في نحو ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال: من أنفسهم، لا من إخوتهم، وحقيقة المثل المشارك في أخص الصفات، وأخص صفات موسى عليه السلام الرسالة والكتاب بشريعة مستقلة، ولم يأت منهم بعده من هو بهذه الصفة، لأن عيسى عليه السلام لم ينسخ من شريعة موسى عليه السلام إلا بعض الأحكام، وعلى تقدير دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا النص لوجهين: أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا بواسطة أمه، فحق العبارة فيه: من بني أخواتهم - جمع أخت، وإذا أريد آباء أمه كان المجاز فيهم أبعد من المجاز في بني إسماعيل لما تقدم، ولا ينتقل إلى الأبعد إلا بقرينة تصرف عن الأقرب - والله أعلم. وقال السمؤال بن يحيى أحد أحبارهم في سبب إسلامه: إن اليهود يقولون: إن هذه البشارة نزلت في حق سموأل أحد أنبيائهم الذين بعد موسى لأنه كان مثل موسى عليه السلام في أنه من سبط لاوي، وقال: إنه رأى سموأل عليه السلام في المنام وأنه دفع إليه كتاباً فوجد فيه هذه البشارة فقال له: هنيئاً لك يا نبي الله ما خصك الله به! فنظر مغضباً وقال: أوإياي أراد الله بهذا يا ذكي!ما أفادتك إذن البراهين الهندسية، فقلت: يا نبي الله! فمن أراد الله بهذا؟ قال: الذي أراد في قوله: هوفيع ميهار فاران، وتفسيره إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران، فعرفت أنه يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم، لأنه المبعوث من جبال فاران وهي جبال مكة، ثم قال: أو ما علمت ان الله لم يبعثني بنسخ شيء من التوارة، وإنما بعثني أذكرهم بها وأحيي شرائعها وأخلصهم من أهل فلسطين، قلت: بلى يانبي الله! قال: فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ دينهم ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال أو يرميا أو حزقيل؟ قلت: لا لعمري! فأخذ الكتاب من يدي وانصرف مغضباً فارتعبت لغضبه وازدجرت لموعظته واستيقظت مذعوراً. وقال في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود: إن الله يطلق الإخوة على غير بني إسرائيل كما قال في بني العيص بن إسحاق عليه السلام في الجزء الأول من السفر الخامس ما تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص فإذا كانوا بنو العيص إخوة لبني إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم عليهم السلام، قال: وفي الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة في ذكر البشارة لإبراهيم عليه السلام ما تفسيره: وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك،ها قد باركت فيه وأثمره وأكثره جداً جداً وقال: إن جداً جداً بلسان العبراني مفسر "بماد ماد" وهاتان الكلمتان إذا عددنا حروفها بحساب الجمل كان اثنتين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد صلى الله عليه وسلم، يعني فتعين أن يكون مراداً بها لأنها في البشارة بتكثير إسماعيل عليه السلام، وليس في أولاده من كثره الله به وعدد اسمه هذا العدد غير محمد صلى الله عليه وسلم، قال: وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزاً، لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته من التوراة كما عملوا في غيره - انتهى. وفي آخرة فصول التوراة: دعا موسى عبد الله لبني إسرائيل قبل وفاته قال: أتى ربنا من سيناء وشرق لنا من جبل ساعير وظهر لنا من جبل - وفي نسخة: جبال فاران، معه ربوات الأطهار على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره - وهم يتبعون آثارك ويتناقلون كلماتك. وفي نسخة بدل: معه ربوات الأطهار - إلى آخره: وأتى من ربوات القدس بشريعة نوره من يمينه لهم، واصطفى أيضاً شعباً فجميع خواصه في طاعتك وهم يقفون آثارك وسيتناقلون كلماتك انتهى. فالذي ظهر من جبال فاران هو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم معترفون أنها مكة، ومعه ربوات، أي جماعات الأطهار، وأمته حببت إلى الشعوب، لأن كلاًّ من فريقي أهل الكتاب يقدمهم على الفريق الآخر، ولم يقبل أحد جميع كلام موسى عليه السلام ويتبع جميع آثاره في بشارته ممن يأتي بعد غيرهم - هذا وأما الإنجيل فالبشائر فيه أكثر وقد تقدم كثير منها، وهي تكاد أن تكون صريحة في سورة النساء في قصة رفعه عليه السلام، ومما فيه أيضاً ما في إنجيل متى وغيره وأغلب السياق له: كثيراً أولون يصيرون آخرين وآخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنساناً رب بيت حرج بالغداة يستأجر فعلة الكرمه فشارط الأكرة على دينار واحد في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج في ثالث ساعة فأبصر آخرين قياماً في السوق بطالين، فقال لهم: امضوا أنتم إلى كرمي وأنا أعطيكم ما تستحقون، فمضوا، وخرج أيضاً في الساعة السادسة والتاسعة فصنع كذلك، وخرج في الحادية عشرة فوجد آخرين قياماً، فقال لهم: ما قيامكم كل النهار بطالين؟ فقالوا له: لم يستأجرنا أحد، فقال لهم: امضوا أنتم بسرعة إلى الكرم وأنا أعطيكم ما تستحقون، فلما كان المساء قال رب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأخرة وابدأ بهم من الآخرين إلى الأولين، فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة فأخذوا دينار كل واحد، فجاء الأولون فظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا دينار كل واحد، لما أخذوا تعمقوا على رب البيت وقالوا إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعة واحدة، جعلتهم أسوتنا ونحن حملنا ثقل النهار وحرّه! فقال لواحد منهم: ياصاحب! ما ظلمتك، ألست بدينار شارطتك، خذ شيئك وامض، أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما لي أن أفعل ما أردت بمالي؟ وأن عينك شريرة، كذلك يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين، ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين، وقال: ودخل إلى الهيكل فجاء إليه رؤساء النكهة وشيوخ الشعب وقالوا له وهو يعلم: بأيّ سلطان تفعل هذا؟ ومن اعطاك هذا السلطان؟ أجاب يسوع وقال لهم: أنا أسألكم عن كلمة واحدة، فإن أنتم قلتم لي قلت لكم بأي سلطان أفعل هذا، معمودية يوحنا من أين هي؟ من السماء أو من الناس؟ ففكروا في نفوسهم قائلين: إن قلنا: من السماء قال لنا: لماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، خفنا من الجمع، وقال لوقا: وإن قلنا من الناس فإن جميع الشعب يرجمنا لأنهم قد تيقنوا أن يوحنا نبي؛ وقال متى: لأن يوحنا كان عندهم مثل نبي؛وقال مرقس: لأن جميعهم كان يقول: إن يوحنا نبي؛ قال متى: فقالوا: لا نعلم، فقال: ولا أنا أيضاً أعلمكم بأي سلطان أفعل هذا. قال مرقس: وبدأ يكلمهم بأمثال قائلاً؛ قال متى: ماذا تظنون بإنسان كان له ابنان فجاء إلى الأول فقال له: يابني! اذهب اليوم واعمل في الكرم، فأجاب وقال: ما أريد - وبعد ذلك ندم ومضى، جاء الى الثاني وقال له مثل هذا فأجاب وقال: نعم يارب! أنا امضي - و - لم يمض، من منهما فعل إرادة الأب؟ فقالوا له: الأول، فقال لهم يسوع: الحق أقوال لكم! إن العشارين والزنا يسبقونكم إلى ملكوت الله، جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا به، والعشارون والزناة آمنوا به، فأما أنتم فرأيتم ذلك ولم تندموا أخيراً لتؤمنوا به. اسمعوا مثلاً آخر: إنسان رب بيت غرس كرماً وأحاط به سياجاً وحفر فيه معصرة وبنى فيه برجاً ودفعه إلى فعلة وسافر - قال لوقا: زماناً كثيراً - فلما قرب زمان الثمار أرسل عبيده إلى الفعلة ليأخذوا ثمرته، فأخذ الفعلة عبيده، ضربوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً، فأرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين فصنعوا بهم كذلك، وفي الآخرة أرسل إليهم ابنه وقال: لعلهم يستحيون من ابني، فلما رأى الفعلة الابن قالوا: هذا هو الوارث تعالوا نقلته ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه، فإذا جاء رب البيت ماذا يفعل بهؤلائك الفعلة؟ قالوا له: يهلكهم ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ليعطوه ثمرته في حينه، قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي رذله البناؤون صار رأس الزاوية، هذا كان من قبل الرب وهو عجب في أعيننا، من هذا أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمم يصنعون ثمرتها، ومن سقط على هذا الحجر ترضض، ومن سقط عليه طحنه. فلما سمع رؤساء الكهنة والفريسيين امثاله علموا انه يقول من أجلهم، فهموا أن يمسكوه وخافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي. وقال أيضاً: يشبه ملكوت السماء رجلاً صنع عرساً لابنه، فأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس، فلم يريدوا أن ياتوا، ثم أرسل عبيداً آخرين وقال: قولوا المدعوين: إن طعامي معد، وعجولي المعلوفة قد ذبحت وكل شيء معد، فتعالوا إلى العرس، فتكاسلوا وذهبوا فمنهم إلى حقله ومنهم إلى تجارته والبقية أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم، فلما بلغ الملك غضب وأرسل جنده وأهلك هؤلائك القتلة وأحرق مدينتهم؛ حينئذ قال لعبيده: أما العرس فمستعد، والمدعوون فغير مستحقين، اذهبوا إلى مسالك الطريق وكل من وجدتموه ادعوه إلى العرس، فخرج أولئك العبيد إلى الطرق فجمعوا كل من وجدوا أشراراً وصالحين، فامتلأ العرس من المتكئين، فلما دخل الملك لينظر إلى المتكئين رأى هناك رجلاً ليس عليه ثياث العرس فقال: يا هذا! كيف دخلت هاهنا وليس عليك ثياب العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام: شدوا يديه ورجليه وأخرجوه إلى الظلمة البرانية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين. وعبارة لوقا عن ذلك: إنسان صنع وليمه عظيمة ودعا كثيراً فأرسل عبده يقول للمدعوين يأتون فهو ذا كل شيء معد، فبدؤوا بأجمعهم يستعفون، فالأول قال: قد اشتريت كرماً والضرورة تدعوني إلى الخروج ونظره، فأسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: قد اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماض أجربها، أسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: قد تزوجت امرأة، لأجل ذلك ماأقدر أجي، فأتى العبد وأخبره سيده، فحينئذ غضب رب البيت وقال لعبده: اخرج مسرعاً إلى الطريق وشوارع المدينة وادع المساكين والعور والعميان والمقعدين، اخرج الى الطريق والسياجات وألح عليهم حتى يدخلوا ويمتلىء بيتي ولا أجد من هؤلائك يذوق لي عشاء. وقال يوحنا: الحق أقول لكم! إن من لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يتسور من موضع آخر فإن ذلك لص، الذي يدخل من الباب هو راعي الخراف، والبواب يفتح له، والخراف تسمع له، وكباشه تتبعه لأنها تعرف صوته، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف، فأما الآخر الذي ليس براع وليست الخراف له، فإذا راى الذئب قد أقبل يدع الخراف ويهرب، فيأتي الذئب ويخطف ويبدد الخراف، وإنما يهرب الأجير لأنه مستأجر وليس يشفق على الخراف، أنا الراعي الصالح، ولي كباش أخر ليست من هذا القطيع، فينبغي لي أن آتي بهم أيضاً، فتكون الرعية واحدة، فوقع أيضاً بين اليهود خلف من أجل هذا القول وقال كثير منهم: إن به شيطاناً قد جن، فما استماعكم منه! وقال آخرون: إن هذا ليس كلام مجنون. وفي أوائل السيرة الهشامية: قال ابن إسحاق:وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لمن يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزوني وأيضاً للرب، ولكن لابد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجاناً - أي باطلاً، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس، هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس، هذا الذي من عند الرب خرج، فهو شهيد علي وأنتم أيضاً لأنكم قديماً كنتم معي، هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا. فالمنحمنا بالسريانية محمد، وهو بالرومية البارقليطس - انتهى. ولما دل سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم بأوصافه في نفسه وفي الكتب الإلهيه، دل عليه بشريعته فقال: {يأمرهم بالمعروف} أي بكل ما يعرفونه من التوراة والإنجيل وما يعرفونه فيهما أنه ينسخ شرعهم ويأتي من عند الله بهذا المذكور {وينهاهم عن المنكر} أي عن كل ما ينكرونه فيهما، فثبتت بذلك رسالته، فأنه لكونه أمياً لا يعرف المعروف والمنكر فيهما إلا وهو صادق عن علام الغيوب، ثم شرع بعد ثبوت رسالته يبين لهم ما في رسالته من المنة عليهم بالتخفيف عنهم بإباحة ما كانوا قد حملوا ثقل تحريمه، فكانوا لا يزالون يعصون الله بانتهاك حرماته والإعراض عن تبعاته فقال: {ويحل لهم الطيبات} أي التي كانت حرمت عليهم عقوبة لهم كالشحوم {ويحرم عليهم} وعبر بصيغة الجموع إشارة إلى أن الخبيث أكثر من الطيب في كل مائي الأصل فقال: {الخبائث} أي كل ما يستخبثه الطبع السليم أو يؤدي إلى الخبث كالخمر المؤدية إلى الإسكار والرشى المؤدية إلى النار بعد قبيح العار {ويضع عنهم إصرهم} أي ثقلهم الذي كان حمل عليهم فجعلهم لثقلة كالمحبوس الممنوع من الحركة {والأغلال التي كانت عليهم} أي جميع ما حملوه من الأثقال التي هي لثقلها وكراهة النفوس لها كالغل الذي يجمع اليد إلى العنق فيذهب القوة {فالذين آمنوا به} أي أوجدوا بسببه الأمان من التكذيب بشيء من آيات الله {وعزروه} أي منعوه من كل من يريده بسوء وقووا يده تقوية عظيمة على كل من يكيده: قال في القاموس: والتعزير: ضرب دون الحد أو هو أشد الضرب، والتفخيم والتعظيم ضد، والإعانة كالعزر والتقوية والنصر- انتهى. وقال عبد الحق: العزر: المنع، تقول: عزرت فلاناً عن كذا، أي منعته - انتهى. فالمادة كلها تدور على هذا المعنى والضرب واضح فيه التعظيم وما في معناه منع من يكيده {ونصروه} أي أيدوه وقمعوا مخالفة {واتبعوا النور} أي الوحي من القرآن والسنة {الذي أنزل معه} أي مصاحباً إنزاله إرساله، سمي نوراً لأنه يجعل المقتدي به ببيان طريق الحق كالماشي في ضوء النهار {أولئك هم} أي خاصة {المفلحون*} أي الفائزون بكل مأمول. ولما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى عليه السلام وبيان مناقبه العظام ومآثره الجسام، كان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصباً وأعظمهم رتبة، فساق سبحانه هذه الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي بين أن أعلاهم مراتب وأزكاهم مناقب الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة أو فعلاً، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل اهتماماً به وتعجيلاً له مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته ويوضح أكمليته بقصته مع قومه في مبدإ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورتي الأنفال وبراءة بكمالها. ذكر شيء من الآصار التي كانت عليهم وخففت عنهم لو دخلوا في الإسلام ببركته صلى الله عليه وسلم غير ما أسلفته في آخر البقرة عند قوله تعالى{ أية : ولا تحمل علينا إصراً}تفسير : [البقرة: 286] وفي المائدة عند قوله تعالى { أية : وليحكم أهل الإنجيل} تفسير : [المائدة: 47] قال في السفر الثاني من التوراة: وقال الرب لموسى: اعمد فخذ طيباً - إلى أن قال: وليكن معجوناً طيباً للقدس ودقه واسحقه وبخر منه قدام تابوت الشهادة في قبة الزمان لأواعدك إلى هناك، ويكون عندكم طهراً مخصوصاً، وأيما رجل اتخذ مثله ليتبخر به فليهلك ذلك الرجل من شعبه؛ وقال في الثالث: ثم كلم الرب موسى قال له؛كلم هارون وبنيه وجماعة بني إسرائيل وقل لهم؛ هذا ما أمرني به الرب ان أخبركم،أي رجل من بني إسرائيل يذبح في محلة بني إسرائيل أو يذبح خارجاً من العسكر ولا يجيء بقربانه إلى باب قبة الزمان ليقربه يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً؛ وكلم الرب موسى وقال له: كلم هارون وقل له: من كان عيب من نسلك - أي من الأحبار - في جميع الأحقاب لا يدنو من مقدسي، لا يقرب قربانا ً مثل الرجل الأعراج والأعمى والأفطس والأصمع الأذن أو رجل مسكور اليد أو رجل قيصر أو منحن أو رجل قد أشتر حاجباه أو أجهر العين أو من في عينه بياض أو أبرص أو أحدب أو رجل له خصية واحدة، أي رجل كان فيه عيب من نسل هارون الكاهن لا يدنو من المذبح ليقرب قربان الرب لأن فيه عيباً؛ وقال في السفر الرابع وهو من الحجج على أن التوراة لم تنزل جملة: وكلم الرب موسى في برية سيناء في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الأول وقال: تعمل بنو إسرائيل الفصح في وقته في أربعة عشر يوماً من هذا الشهر - إلى أن قال: وعملوا الفصح، والقوم الذين تنجسوا بأنفس الناس لم يقدروا أن يعملوا الفصح فقالوا:قد تنجسنا بأنفس الناس، أي مسسنا ميتاً، فهل يحرم علينا عمل الفصح؟ فقال لهم موسى: قوموا في مواضعكم حتى تسمعوا ما يأمر الرب فيكم، وكلم الرب موسى وقال له: قل لهم: الرجل إذا تنجس منكم لميت أو كان في مكان بعيد يعمل فصحاً للرب في أربعة عشر يوماً من الشهر الثاني، ومن كان زكياً ولم يكن مسافراً ولم يعمل الفصح في وقته تهلك تلك النفس من بين بني إسرائيل، وقال قبل ذلك: وكلم الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل أن يخرجوا من عسكرهم كل من به برص أو سلس وكل من كان نجساً بنفسه ذكراً كان أو أنثى، يخرجونهم خارج العسكر، ولا تنجسوا عساكركم لأني نازل بينكم؛ ثم ذكر: الرجل إذا غار على امرأته واتهمها، إنه يأتي الكاهن فيقيمها ويلقنها لعناً، فإذا قالته كتبه وأخذ ماء مقدساً في وعاء فخار ووضع فيه من الترب الذي أسفل المذبح وسقاه لها، فإن كانت خانت انتفخ بطنها وفسد فخذاها وتصير لعنة في شعبها، وإن كانت لم تخن تطهرت وولت ذكراً، ثم أمرهم بذبح بقرة وإحراقها حتى تصير رماداً، ويغسل الحبر الذي ذبحها ثيابه ويديه، فكل من يقترب إلى ميت أو ميتة يكون نجساً سبعة أيام، وينضح عليه من ذلك الماء في اليوم الثالث واليوم السابع ويتطهر، وإن لم يرش عليه كذلك فلا يتطهر، وكل من دنا من إنسان ميت ولا ينضح عليه من ذلك الماء فقد نجس جناب الرب، فلتهملك تلك النفس لأنه لم ينضح عليه من ماء الرش شيء، فلذلك يكون نجساً ولا يفارقه نجاسته، وهذه سنة الإنسان إذا مات في قبة الزمان، فكل من كان هناك في القبة وكل من يدخلها يكون نجساً سبعة أيام، وكل وعاء يكون مكشوفاً غير مغطى نجساً، وكل من دنا من قتيل أو يمس عظم إنسان أو يدخل القبر يكون نجساً سبعة أيام ويؤخذ للمنتخس من رماد البقرة ويصيب في وعاء ماء عذب وينضح منه - على كيفية ذكرها - ليكون زكياً، ومن تنجس ولم يرش عليه من ذلك الماء تهلك نفسه من جماعتها، ومن دنا من ماء الرش يكون نجساً إلى الليل، ومن اقترب إلى ذلك الذي تنجس يكون نجساً إلى الليل - ثم قال: ثم كلم الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل وقل لهم: قرابتي يكون محفوظة في أوقاتها - ثم ذكر له كثيراً من أمر القرابين، ثم ذكر من أوقاتها يوم السبت ورؤوس الشهور، ثم قال: وفي أربع عشرة ليلة من الشهر الأول هو فصح الرب، ويوم خمسة عشر اتخذوه عيداً، وكلوا الفطير سبعة أيام، وصيّروا أول يوم من السبعة مميزاً مطهراً لا تعملوا فيه عملاً، واليوم السابع يكون مميزاً مطهراً لا تعملوا فيه عملاً وأول يوم من الشهر السابع يكون مختصاً مطهراً، لا تعملوا فيه عملاً مما يعمل، بل صيروه يوماً يهتف فيه بالقرون، وقربوا ذبائح كاملة - ثم وصفها وكذا غيره من الأيام ثم قال: وكذلك فافعلوا في أول الشهر أبداً، وفي عشر من الشهر السابع اجعلوه يوماً مختصاً، مطهراًَ لا تعملوا فيه عملاً، ولكن قربوا، ويوم خمسة عشر من هذا الشهر السابع، ويكون مدعواً، لا تعملوا فيه عملاً، بل اتخذوه عيداً للرب سبعة أيام؛ ثم قال:حتى إذا كان اليوم الثامن فاحتفلوا بأجمعكم، ولا تعملوا شيئاً مما يعمل، وقربوا قرابين كاملة - وأطال في ذلك جداً على كيفيات حفظها فضلاً عن العلم بها في غاية المشقة؛ ثم قال قربوا للرب في أيام أعيادكم غير نذوركم وغير خواصكم التي تختصون للرب؛ ثم قال مخاطباً للمجاهدين في مدين: وأما أنتم فانزلوا خارجاً من العسكر سبعة أيام، كل من قتل نفساً أو مس قتيلاً ينضح عليه من ماء التطهير في الثالث والسابع - وأمرهم بأشياء من الآصار ثم قال: وتطهروا بالماء في اليوم السابع، ثم بعد ذلك تدخلون العسكر؛ ثم قال في الخامس: هذه السنن والأحكام التي يجب عليكم أن تعملوها وتحفظوها في الأرض التي يعطيكم الله ربكم ميراثاً كل أيام حياتكم، خربوا كل البلدان التي ترثونها، والآلهة التي عبدها أهلها فيها على الجبال الرفيعة والآكام وتحت كل شجرة كبيرة تظل، واستأصلوا مذابحهم وكسروا أنصابهم، وأحرقوا أصنامهم المصنوعة وأوثانهم المنحوته، ولا تصنعوا أنتم مثل ما صنع أولئك في عبادتكم الله ربكم، ولكن المواضع التي يختار الله ربكم أن تصيِّروا اسمه فيها من جميع قبائلكم، وافحصوا عن محلته، وانطلقوا بجمعكم بقرابينكم الكاملة، كلوا هناك أمام الله ربكم أنتم وأهاليكم، ولا تعملوا كما يعمل هاهنا اليوم أي قبل الوصول إلى أرض الميراث؛ ثم قال: انظروا لا تقربوا قرابينكم في المواضع التي تريدون، لكن في المواضع الذي يختار الرب، في حد سبط من أسباطكم؛ ثم قال: وإذا بنيت بيتاً جديداً فحجر على البيت لئلا يقع إنسان من فوقه فليلزمك دمه، ولا تزرعن في حرثك خلطاً لئلا تفسد غلة زرعك وكرمك، لا تحرث بالثور والحمار جميعاً، ولا تنسج ثوباً من قطن وصوف جميعاً، اعمل خيوطاً في أربعة أطراف ردائك الذي تلبس؛ ثم قال: وإن وجد رجل فتاة عذراء لم تملك، فيظفر بها ويضاجعها ويوجد، يدفع إلى أبيها خمسين مثقالاً من فضة، وتصير امرأته لأنه فضحها، ولا يقدر أن يطلقها حتى يموت. ولا يدخل ولد الزنا إلى بيت الرب، ولا يدخل نسله من بعده إلى عشرة أحقاب، ولا يدخل عماني ولا مؤابيّ إلى بيت الرب، ولا يدخل نسلهما من بعدهما إلى عشرة أحقاب، لأنهم لم يضيفوكم ولم يعشوكم بالخبز والماء حيث خرجتم من أرض مصر، ولأنهم اكتروا بلعام بن بعور من فتورام من بين النهرين - وهي حران - ليلعنكم، ولم يحب الرب أن يسمع قول بلعام بن بعور، وقلب الله لعنه إلى الدعاء، لأن الله ربكم أحبكم، فلا تريدوا لهم الخير أيام حياتكم، لا تدفعوا الأدومي عنكم لأنه أخوكم، ولا تبعدوا المصري أيضاً لأنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، وإن كان في معسكركم رجل أصابته جنابة، يخرج خارج العسكر، ولا يجلس بين أصحابه في العسكر، وإذا كان العشيّ فليستحم بالماء، وإذا غابت الشمس وأمسى يدخل العسكر، وليكن لكم موضع معروف خارج العسكر تخرجون إليه إلى الخلاء، ويكون على سلاحكم وتد من حديد، فإذا جلستم للخلاء احفروا موضعاً للخلاء وغطوا رجيعكم، لأن الله ربكم معكم في العسكر لينقذكم ويدفع عنكم أعداءكم، فليكن عسكركم مطهراً مزكياً لئلا يرى فيكم أمراً قبيحاً، فيرتفع عنكم ولا يصحبكم؛ ثم قال: وإن سكن أخوان جميعاً ومات أحدهما ولم يخلف ولداً، لا تتزوج امرأته من رجل غريب، ولكن يتزوج بها وارثه ويقيم زرعاً، وأول ولد تلد ينسب إلى أخيه الذي مات، ويقال إنه ابن ذلك الذي مات ولم يخلف ولداً، لئلا يبيد اسمه من بني إسرائيل،وإن لم يعجب الرجل أن يتزوج امرأة أخيه، ترتفع امرأة أخيه إلى المشيخة فيدعونه، فإن ثبت على قوله تتقدم إليه المرأة بين يدي المشيخة وتخلع خفيه من قدميه وتبصق في وجهه وتقول: كذلك يصنع بالرجل الذي لا يحب أن يبني بيتاً لأخيه، ويدعى اسمه بين بني إسرائيل: صاحب خلع الخفين، وإن شاجر الرجل صاحبه فدنت امرأة أحدهما لتخلص زوجها من الذي يقاتله، فتمد يدها إلى مذاكير الرجل، يقطع يدها ولا يشفق عليها ولا يترحم - انتهى. وكل هذه الآصار على النصارى أيضاً ما لم يرد في الإنجيل نسخها.

ابو السعود

تفسير : . {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ} الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به {ٱلنَّبِىّ} أي صاحبَ المعجزة، وقيل: عنوانُ الرسالةِ بالنسبة إليه تعالى وعنوانُ النبوة بالنسبة إلى الأمة {ٱلأُمّىّ} بضم الهمزة نسبةً إلى الأم، كأنه باقٍ على حالته التي وُلد عليها من أمّه، أو إلى أمة العرب كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنا أمةٌ لا نحسُب ولا نكتب» تفسير : أو إلى أم القرى، وقرىء بفتح الهمزة أي الذي لم يمارس القراءةَ والكتابة وقد جمع مع ذلك علومَ الأولين والآخِرين، والموصولُ بدلٌ من الموصول الأولِ بدلَ الكلِّ أو منصوبٌ على المدح أو مرفوع عليه أي أعني الذين، أو هم الذين، وأما جعلُه مبتدأً على أن خبرَه يأمرُهم أو أولئك هم المفلحون فغيرُ سديد {ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا} باسمه ونعوتِه بحيث لا يشكّون أنه هو لذلك عدل عن أن يقال: يجدون اسمَه أو وصفه مكتوباً {عِندَهُمُ} زيد هذا لزيادة التقريرِ وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرٌ عندهم لا يَغيب عنهم أصلاً {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} اللذيْن تُعِبِّد بهما بنو إسرائيلَ سابقاً ولاحقاً والظرفان متعلقان بـيجدونه أو بمكتوباً وذكرُ الإنجيلِ قبل نزولِه من قبـيل ما نحن فيه من ذكر النبـي عليه الصلاة والسلام والقرآنِ الكريم قبل مجيئِهما {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} كلامٌ مستأنفٌ لا محل له من الإعراب قاله الزجاج متضمنٌ لتفصيل بعض أحكامِ الرحمةِ التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً، فإن ما بُـيّن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث وإسقاطِ التكاليف الشاقةِ كلُّها من آثار رحمتِه الواسعة، وقيل: في محل النصبِ على أنه حال مقدرةٌ من مفعول يجدونه أو من النبـي أو من المستكن في مكتوباً، أو مفسِّرٌ لمكتوباً أي لما كُتب {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ} التي حُرِّمت عليهم بشؤم ظلمِهم {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ} كالدم ولحمِ الخِنزيرِ والربا والرشوة {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلاْغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي يخفف عنهم ما كُلّفوه من التكاليف الشاقةِ التي هي من قَبـيل ما كتب عليهم حينئذ من كون التوبةِ بقتل النفسِ وتعيـين القصاصِ في العمد والخطأ من غير شرعِ الدية، وقطع الأعضاءِ الخاطئةِ وقرضِ موضعِ النجاسة من الجلد والثوب وإحراقِ الغنائم وتحريمِ السبت. وعن عطاء أنه كانت بنو إسرائيلَ إذا قاموا يصلون لبِسوا المُسوحَ وغلّوا أيديَهم إلى أعناقهم، وربما ثقَبَ الرجلُ تَرْقُوتَه وجعل فيها طرف السلسلةِ وأثقلها إلى السارية يحبِس نفسه على العبادة، وقرىء آصارَهم، أصلُ الإصرِ الثقلُ الذين يأسِرُ صاحبه من الحَراك. {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِهِ} تعليمٌ لكيفية اتّباعِه عليه الصلاة والسلام وبـيانٌ لعلو رتبةِ متّبعيه واغتنامِهم مغانمَ الرحمةِ الواسعةِ في الدارين إثرَ بـيانِ نعوتِه الجليلة والإشارةِ إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث، أي فالذين آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه {وَعَزَّرُوهُ} أي عظّموه ووقّروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه وقرىء بالتخفيف وأصلُه المنعُ ومنه التعزير {وَنَصَرُوهُ} على أعدائه في الدين {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ} أي مع نبوته وهو القرآنُ، عبّر عنه بالنور المنبىءِ عن كونه ظاهراً بنفسه ومُظهِراً لغيره أو مظهِراً للحقائق كاشفاً عنها لمناسبة الاتّباعِ، ويجوزُ أن يكون معه متعلقاً باتّبعوا أي واتّبعوا القرآنَ المنزلَ مع اتباعه عليه الصلاة والسلام بالعمل بسنته وبما أمَر به ونهىٰ عنه أو اتبعوا القرآنَ مصاحبـين له في اتباعه {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما فُصّل من الصفات الفاضلةِ للإشعار بعلّيتها للحُكم، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بعلو درجتِهم وسُموِّ طبقتِهم في الفضل والشرفِ أو أولئك المنعوتون بتلك النعوتِ الجليلة {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الفائزون بالمطلوب الناجون عن الكروب لا غيرُهم من الأمم فيدخُل فيهم قومُ موسى عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً حيث لم ينجُوا عما في توبتهم من المشقة الهائلةِ وبه يتحقق التحقيقُ ويتأتّى التوفيقُ والتطبـيقُ بـين دعائِه عليه الصلاة والسلام وبـين الجوابِ لا بمجرد ما قيل من أنه لما دعا لنفسه ولبني إسرائيلَ أجيب بما هو منطوٍ على توبـيخ بني إسرائيلَ على استجازتهم الرؤيةَ على الله عز وجل وعلى كفرهم بآياته العظامِ التي أجراها على يد موسى عليه الصلاة والسلام وعرّض بذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأعراف: 156] وأريد أن يكون استماعُ أوصافِ أعقابِهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به كعبد اللَّه بن سلام وغيرِه من أهل الكتابـين لطفاً بهم وترغيباً في إخلاص الإيمانِ والعمل الصالح.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} [الآية: 157]. قال ابن عطاء: الأمى هو الأعجمى، قال أعجمى عما دوننا عالم بنا وبما ينزل عليه من كلامنا ومن حقائقنا. وقال أيضًا فى قوله: {ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} قال: الذى لا يدنسه شىء من الكون. وقال الأمى: من لا يعلم من الدنيا شيئًا ولا فى الآخرة إلا ما علمه ربه، حالته مع الله حالة واحدة وهو الطهارة بالافتقار إليه والاستغناء عما سواه. قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}. قال جعفر: أثقال الشرك وذل المخالفات وغل الإهمال. قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ}. قال بعضهم: صدقوا ما جاء به وبذلوا المنهج بين يديه. وقيل فى قوله: {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} قال: اتبعوا سنته ليوصلهم اتباع السنن إلى ميادين الأحوال السنية.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ}. أظهر شرفَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه، أو من تعلُّمه وتكلُّفه، أو من اجتهاده وتصرُّفه.. بل ظهر عليه كلُّ ما ظهر مِنْ قِبَله - سبحانه - فقد كان هو أميَّاً غير قارئٍ للكتب، ولا مُتَتَبِّعٍ للسِّيرَ. ثم قال: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}: والمعروف هو القيام بحق الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج في أوطان المُنَى، وما تصوِّره للعبد تزويراتُ الدعوى. والفاصلُ بين الجسمين، والمميِّزُ بين القسمين - الشريعةُ، فالحَسَنُ من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلَهُم ذلك، والقبيح ما كان موافقاً لِلنَّهْيِ والزجرِ فليس لهم فعل ذلك. قوله جلّ ذكره: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}. الإصرُ الثُّقلُ، ولا شيءَ أثقلُ من كَدِّ التدبير، فَمَنْ ترك كد التدبير إلى روْح شهود التقدير، فقد وُضِع عنه كلُّ إصر، وكُفِيَ كُلَّ وِزر وأمر. والأغلالُ التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه مِنْ قبَلِ أنفسهم باختيارهم في التزامِ طاعات اله ما لم يُفْتَرضْ عليهم، فَوُكِلُوا إلى حَوْلِهمُ ومُنَّتِهم فيها؛ فأهملوها، ونقضوا عهودهم. ومَنْ لَقِيَ - بخصائص الرضا - ما تجري به المقادير، وشَهِدَ الحقَّ في أجناس الأحداث، فقد خُصَّ بكل نعمة وفضل. قوله جلّ ذكره: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. اعترف لهم بنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الله حسيبه، ومَنْ كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق.

الطوسي

تفسير : قرأ {إِصارهم} ابن عامر وحده على الجميع. الباقون {إِصرهم} على التوحيد. ومن وحد فلأن (الاصر) مصدر يقع على الكثير والقليل بدلالة قوله تعالى {إصرهم} فأضافه الى الكثرة. وقال {أية : ولا تحمل علينا إصراً}تفسير : ومن جمع أراد ضروبا من الماصر مختلفة، فلذلك جمع. قوله {الذين} في موضع جر، لأنه صفة لـ (الذين) في الآية الاولى بعد صفة في قوله {فسأكتبها للذين يتقون} فذكر أن من تمام صفاتهم اتباعهم للرسول {النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} يعني محمداً (صلى الله عليه وسلم). و (الأمي) الذي لا يكتب. وقيل: إِنه منسوب الى الأمة. والمعنى أنه على جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة. وقيل: إِنه منسوب الى الأمِّ، ومعناه أنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة. وعن أبي جعفر الباقر (ع) أنه منسوب الى مكة، وهي أم القرى. وقيل: إِنه نسب الى العرب، لأنها لم تكن تحسن الكتابة. ومعنى {يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} أنهم يجدون نعته وصفته، ولأنه مكتوب في التوراة (أتانا الله من سينا وأشرف من ساعير، واستعلن من جبال فاران) وفيها (سأقيم لهم نبياً من إِخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيقول لهم كلما أوصيه به) وفيها، (وأما ابن الأمة فقد باركت عليه جداً جداً وسيلد اثني عشر عظيماً وأؤخره لأمَّة عظيمة). وفي الانجيل بشارة بالفار قليط في مواضع منها (يعطيكم فار قليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله) وفيها أنه (اذا جاء فنَّد أهل العلم) وفيها (أنه يدبركم بجميع الخلق، ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي). وقوله تعالى {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} صفة للنبي (صلى الله عليه وسلم) الأمي، وهو في موضع الحال، وتقديره آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وسمي الحق (معروفاً) والباطل (منكراً) لأن الحق يعرف صحته العقل إِذ الاعتماد في المعرفة على الصحة، وينكر الباطل بمعنى ينكر صحته. وقوله {ويحلُّ لهم الطيبات} معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة التي كانت حراماً عليهم، ويحرِّم عليهم الخبائث يعني القبائح، وما يعافي الأنفس. وقوله {ويضع عنهم أصرهم} يعني الثقل بأمور محرمة وفي تكليفها مشقة، كتحريم العروق والغدد وتحريم السبت، وكانت كالاغلال في أعناقهم، كما يقولون هذا طوق في عنقك. وقيل: ما امتحن به بنو اسرائيل من قبل نفوسهم، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم وإِلتزام للمكاره في كل شىء يخالفون الله فيه. وقوله {فالذين آمنوا به} يعني صدقوا بهذا النبي {وعزروه} يعني عظموه بمنعهم كل من أراد كيده، وأصله المنع، ومنه تعزير الجاني وهو منعه بتأديبه من العود، وقال قوم: عزرته معناه رددته، وقال آخرون: معناه أعنته. وقال بعضهم معناه نصرته. وقال آخرون: منعته ونصرته. وقوله {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني القرآن سماه نوراً لأنه يهتدى به كما يهتدى بالنور. واخبر عنهم بأن من فعل ما قلناه فأولئك هم المفلحون الفائزون بثواب ربهم.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ} ابدل عن الموصول الاوّل او الثّانى للاشارة الى انّ الوصف الجامع للاوصاف الثّلاثة هو اتّباع الرّسول {ٱلأُمِّيَّ} المنسوب الى امّ القرى كما فى الرّوايات او المنسوب الى الامّ لكونه لم يكتب ولم يقرأ ولم يحصّل شيئاً من الكمالات الانسانيّة مثل زمان ولادته من امّه {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} باسمه ونعته وانصاره ومبعثه ومهاجره كما فى الرّوايات، فانّ الانبياء (ع) ولا سيّما موسى (ع) وعيسى (ع) بشّروا به اممهم واثبتوا خبره فى كتبهم {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} حال من فاعل يجدونه او مفعوله او كليهما او المستتر فى مكتوباً بتضمين مثل معنى الاتّصاف اى حال كونه يتّصف بالامر لهم بالمعروف او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او نائب فاعل لمكتوباً، واصل المعروف علىّ (ع) ثمّ ولايته ثمّ التّخلّق باخلاقه ثمّ العلم المأخوذ منه ثمّ العمل بالمأخوذ، ثمّ النّبىّ (ص) ثمّ اتّباعه ثمّ العلم المأخوذ منه ثمّ العمل بالمأخوذ وهكذا المنكر مقابلوا علىّ (ع) وهذا هو الدّليل التامّ على صدق الرّسول (ص) فى رسالته، فانّ المعروف والمنكر معلوم اجمالاً لكلّ احد اذا خلّى وطبعه وترك الهوى واتّباعه كما فى حديث؛ اعرفوا الله بالله، والرّسول بالرّسالة، واولى الامر بالامر بالمعروف والنّهى عن المنكر {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} اصل الطّيّبات علىّ (ع) الى ما تستطيبه الطّباع وتستلذّه، واصل الخباثت من كان مقابلاً لعلىّ (ع) الى ما تستكرهه الطّباع وتستقذره، ومعنى احلال الطّيّبات وتحريم الخباثت اذا حملت على معانيها الظّاهرة ظاهر، واذا حملت على معانيها التّأويليّة فمعناهما تسهيل طريق اخذ الطّيّبات وسدّ طريق الوصول الى الخبائث {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} الاصر الثّقل والمراد منه ثقل التّكاليف، فانّ للتّكاليف فى بدو الامر ثقلاً عظيماً بحيث لا يكاد يتحمّله المكلّف فاذا اخذها من الرّسول (ص) او خلفائه يتبدّل ثقلها بالنّشاط والسّرور، وكما يتبدّل ثقلها بالنّشاط يتبدّل ثقيلها ايضاً بالخفيف الّذى دون طاقة المكلّف فى امّة محمّد (ص) كما فى الاخبار الّتى ورد فى تنزيل الآية {وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} النّاشئة من الاهوية المختلفة المتكثّرة المانعة لحركّة المكلّف نحو ولىّ امره فانّ لكلٍّ سلسلة تمنعه من الحركة لكنّ الانسان ما دام فى الدّنيا لا يشاهدها الاّ من فتح الله عينيه وصار من اهل الآخرة وهو بعد فى الدّنيا {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ} بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة {وَعَزَّرُوهُ} عظّموه بمنع الاغيار من ايذائه وبمنع الاهوية الفاسدة والخيالات الكاسدة من الغلبة على اتّباعه وامتثال اوامره ونواهيه، وبعبارة اخرى بالتّبرى عمّا يخالف امره ونهيه، فانّ امر محمّد (ص) هو نازلة محمّد (ص) وظهوره فى المرتبة النّازلة وتعظيم امره (ص) ومنع الاهوية المانعة من امتثاله تعظيم له ومنع عنه {وَنَصَرُوهُ} بنصرة امره ودوام الاتّصال به حتّى يلحقّ امره القالبىّ بامر الولى الّذى هو وارد على القلب، وبعبارة اخرى بالتّولّى له فانّ التّعزير كناية عن التبرّى والنّصرة عن التولّى الّذين يعبّر عنهما تارةً بالزّكوة والصّلوة، وتارةً بالتّقوى والايمان، وتارة بالتبرّى والتّولّى والمفاهيم الظّاهرة من تلك الالفاظ بحسب التّنزيل لا حاجة لها الى البيان {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} النّور هو الولاية ولذلك فسّر بعلىٍّ (ع) فانّه الاصل فيها ويعبّر عنها بالنّور لانّ النّور هو الظّاهر بالذّات والمظهر للغير، والولاة هى الّتى يفتح بها عين القلب فيظهر به الصّحيح من الاعمال والاحوال والاخلاق والعقائد من سقيمها، وبه ايضاً يظهر دناءة الدّنيا وشرافة الآخرة، واتّباع الولاية هو آخر مراتب التّكاليف القالبيّة وهو المقصود من البيعة العامّة النّبويّة الّتى يعبّر عنها بالاسلام وهو ما به ارتضاء الاسلام وما به تماميّة نعمة الاسلام وهو اسنى اركان الاسلام واشرفها وهو الّذى ليس وراءه مطلب سواه، فانّ جميع المراتب الّتى تتصوّر للانسان فى سلوكه مراتب الولاية والمراد بمعيّة النّور لمحمّد (ص) معيّته القيّوميّة، فانّ الولاية روح النّبوّة وقوامها ولذلك قال (ص): "حديث : يا علىّ كنت مع كلّ بنىٍّ سرّاً ومعى جهراً" تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} تكرير المبتدء باسم الاشارة البعيدة تعظيم لهم وتصوير لهم باوصافهم الشّريفة الجليلة وحصر للفلاح الحقيقىّ فيهم {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ قُلْ} يعنى بعد ما اظهرنا اوصافك وما به صدق رسالتك فأظهر رسالتك عليهم وقل {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} لا اختصاص لرسالتى بقومٍ دون قومٍ {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} ذكر اوصافاً ثلاثةً لله مشيراً الى مبتدئيّته ومرجعيّته ومدبّريّته والى توحيد آلهيّته والى انّه الفاعل للحياوة والممات، ردّاً بها على الدّهرية القائلة بانّ العالم لا مبدأ له، والثّنويّة القائلة بانّ مدبّر العالم مبدءان قديمان مستقلاّن، النّور والظّلمة او يزدان واهريمن، والثّنويّة القائلة بانّ مبدء العالم هو الله واهريمن خلق من فكر سيّئٍ ليزدان ولكن خالق الخير ومنه الحيوة يزدان وخالق الشّرّ ومنه الموت اهريمن {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} مقول قول النّبىّ (ص) او قول الله تعالى بصرف الخطاب الى النّاس والتّفريع على قول النّبىّ (ص) والمراد بالايمان هنا الايمان العامّ بقرينة قوله لعلّكم تهتدون {ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} التّكوينيّه والتّدوينيّة المعبّر عنه بالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله الّتى هى اشار الى مراتب العالم من الملائكة المقرّبين والصّافات صفّاً والمدبّرات امراً والملائكة الرّكّع والسّجّد وذوى الاجنحة مثنى وثلث ورباع الّتى مقامها الملكوت العليا وعالم الخلق والملكوت السّفلى الّتى هى دار الجنّة والشّياطين وسجن الاشقياء والمذنبين؛ هذا بحسب النّزول، وقد يعبّر عنها بمراتب الولاية والنّبوّة الّتى يعبّر عنها بمائة واربعة وعشرين الف نبىٍّ وبمائة واربعة وعشرين الف وصىّ كما فى الاخبار وهذا بحسب الصّعود، والمراد بايمانه (ص) بكلمات الله ليس الايمان بالغيب ولا الايمان الشّهودىّ بل الايمان التّحقّقىّ المعبّر عنه بحقّ اليقين فانّه (ص) المتحقّق بجميع المراتب والكلمات {وَٱتَّبِعُوهُ} بامتثال اوامره {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الى الولاية جعل الايمان بالنّبىّ (ص) واتّباعه هداية الى الايمان بعلىّ (ع) وقبول ولايته (ع) كما فى قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ} تفسير : [الحجرات:17] اى لولاية علىٍّ (ع)، فانّ الايمان المقابل للاسلام هو ولاية علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة والميثاق المخصوص كما فى اخبارنا؛ انّ الايمان هو معرفة هذا الامر او ولاية علىّ (ع) او الدّخول فى امرهم.

اطفيش

تفسير : {الَّذين يتَّبعُون} نعت أو خبر لمحذوف، أو مفعول لمحذوف على المدح، أو مبتدأ خبره بأمرهم، أو بدل من الذين بدل كل أو بعض على حذف الرابط، أى الذين يتبعون منهم {الرَّسُولَ النَّبى الأمىَّ} إلخ وهذا منهم تعام وتغافل على العمد عن اشتراط التوحيد والإيمان بالآيات، فإن المراد الآيات كلها كما هو واضح فتشمل القرآن، ومن رد حرفا أو رسولا أشرك، ويجوز أن يكون المراد بوسع الرحمة لكل شىء أنها موجودة لكل أحد، ومن أتى بالإشراك أو بالكبائر فقد أبى منها بنفسه، والمراد بسعتها بسأكتبها الخ أنى أحضرها وأوفق إليها من سبق فى علمى أنه يتقى ويؤتى الزكاة، ويؤمن بآياتنا، ويتبع الرسول، فالرحمة رحمة الآخرة، وقد فسر بعضهم الرحمة بالتوبة. وقيل: إن المراد الرحمة الدنيوية والأخروية، وإن المراد بكل شىء متأهل لها وهم المؤمنون، وإنما أصابت الكافر فى الدنيا تبعا، وتتمحض الرحمة للمؤمنين فى الآخرة كما قال: {فسأكتبها} الخ وهو قول مقبول، والنبوة الوحى بشرع، و الرسالة فى البشر من الله الوحى به مع الأمر بتبليغه، فالرسول أخص من النبى، وقدم مع أن الصفة العامة تقدم على الخاصة، لأن تقديمها غالب، ولأن محله ما إذا لم يكن فى تقديم الخاصة نكتة، وهى هنا الاهتمام بأمر الرسالة باعتبار المخاطبين، أو اعتبر فى جانب رسالته كونها من الله، وفى جانب نبوته كونها للعبادة فأخرت فقدمت، ولتقدم معنى النبوة قال صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب حين قال: آمنت بكتابك الذى أنزلت، وبرسولك الذى أرسلت: حديث : قل وبنبيك الذي أرسلت تفسير : وليسلم من التكرار. والنبى مأخوذ من النبأ وهو الخبر، لأنه مخبر عن الله، ومخبر للخلق، وذلك أنه يخبر ولو لم يؤمر بالإخبار رغبة فى الدين، أو من النبوة وهى الرفعة، وقيل: لما كان طريقا إلى رحمة الله سمى بالنبى الذى هو الطريق، يقال ساد فى النبى أى فى الطريق، ويقال أيضا: النبى بتشديد الياء ولا همزة بعدها، قلبت الهمزة ياء وأدغمت فيها الياء، أو هو من النبوة بالواو، وقلبت ياء وأدغمت فيها الياء، قيل: روى النهى عن هذا التخفيف بالقلب والإدغام والأمر بالهمزة. والأمى نسب إلى الأم أى هو كما خرج من أمه لا يدرى كتابة ولا قراءة ولا حسابا، وذلك إكمال لإعجازه، حيث أتى بكلام لا يساوى ولا يتغير، مع أنه لا يدرى ذلك، وما اشتغل على معلم، فلو درى بذلك لقيل كتبه عن غيره، أو قرأه من كتاب، وفى الحديث: "نحن أمة أمية" تفسير : وذلك أن الأمة العربية لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة، ثم حدث فيهم ذلك، أو نسب إلى امة العرب فإنهم لا يكتبون ولا يقرءون، ويحتمله الحديث، وقيل: إلى أم القرى وهى مكة، وقرأ بعض بفتح الهمزة إلى الأم وهو القصد، فإنه صلى الله عليه وسلم مقصود فى أمر الدين، قال أبو الفتح: أو إلى الأم بالضم فهو من تغيير النسب، وذلك الكلام إن كان مفعولا لموسى فيمن معه من بنى إسرائيل ومن بعده، فالمراد باتباعه اعتقاد أنه رسول سيجئ، وأن ما يقول حق، ولا يشكل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {الَّذى يجدُونَ مكْتوباً عنْدَهم فى التَّوراة والإنْجيلِ} فإنه على التوزيع، فأهل الإنجيل يجدونه فى الإنجيل فى زمانهم، وأهل التوراة فى التوراة فكأنه قال: الذين يتبعونه ممن يجده فى التوراة من أهل زمانك وممن بعد زمانك، وممن يجده فى الإنجيل إذا أنزلته بعد زمانك، فلا حاجة إلى قول بعضهم: إن المراد وستجدونه فى الإنجيل وإن كان مفعولا لمن فى زمانه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ممن آمن به من بنى إسرائيل او غيرهم، وهو قول الجمهور، فالاتباع اتباعه فى الاعتقاد والعمل بشريعته، وكذا فى قول من قال: إنه مقول لمن فى زمانه من بنى إسرائيل، والظاهر أنه مقول لموسى. ويدل له ما رواه البكالى أنه لما اختار موسى السبعين قال له: أجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة فى قلوبكم، وفى رواية: وأجعل السكينة معكم فى بيوتكم، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فأخبر قومه فقالوا: لا ندرى الصلاة إلا فى الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة فى قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ولا نقرؤها إلا نظرا فقال: {فسأكتبها} أى هذه الخصال المرادة هى وغيرها بلفظ الرحمة {للذين يتقون} إلى: {المفلحون} قال: وهم هذه الأمة، فقال موسى: اللهم اجعلنى نبيها، قال، نبيهم منهم، قال: اجعلنى منهم، قال: إنك لن تدركهم، قال: يا رب جعلت وفادتى لأمة محمد، قال البكائى: فاحمد الله الذى جعل وفادة بنى إسرائيل لكم، قال: فأنزل عليه: {أية : ومن قوم موسى أمة}تفسير : إلى: {يعدلون} فرضى. {يأمُرُهم} لا يدل على أن المراد بالذين يتقون الخ من فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، لأن الكلام على التوزيع، فالوجود فى التوراة لأهلها، وفى الإنجيل لأهله بعد نزوله، والأمر والنهى وما بعدهما لمن وجد فى زمانه، صلى الله عليه وسلم، أو بعده، وهذه الجملة حال مستقبلة من هاء يجدونه، أو من المستتر فى مكتوبا كقولك: مررت برجل له صقر صائدا به غدا، وليست الهاء ولا المستتر المذكوران مرادا بهما ذكر نبى ولا لاسمه، ولا لصفته، فضلا عن أن يمتنع الحالية كما زعم الفارسى، فإنهما للنبى صلى الله عليه وسلم، وإنما ذلك مضاف محذوف إلى يجدون نعته أو وصفة، أو ذكره أو اسمه أو أمره. ولا يقال: كيف جاء الحال من الهاء مع أنها مضاف إليه، لأنها بعد حذف المضاف مفعول، ولأن المضاف فى الثلاثة الأولى صالح للعمل، مع أن الفارسى أجاز الحال من المضاف إليه مطلقا، فقد علموا من التوراة والإنجيل أنه يأمر وينهى، ويحل ويحرم ويضع، بخلاف ما إذا جعلت الجملة مستأنفة فى وصفه صلى الله عليه وسلم، وتفسيرا، لما وجدوه مكتوبا كما يقول الفارسى، والحالية أولى لأنه يزيد بها ذم من وجده كذلك ولم يؤمن به، ومرادى بنعته ووصفه وذكره ما هو معنى مصدرى، وما يشمل بيانه مطلقا ولو باسمه واسم أبيه، فدخل فى ذلك بيانه فى الصفة والاسم، وقد ذكر فيهما بهما. {بالمعْرُوفِ} هو ما لا تمجه القلوب السليمة، فيشمل الخلق الحسن وصلة الرحم ولخصال المباحة المحمودة وسائر الأمور الدينية {وينْهاهُم عَن المنْكَر} خلاف المعروف، وقيل: المعروف التوحيد، والمنكر الشرك، والظاهر الأول لعمومه، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"تفسير : والأمور الشرعية كلها داخلة فيها {ويُحلُّ لَهم الطيِّباتِ} ما عوقبوا بتحريمه وما حرم غير عقاب لهم، وذلك كلحم الإبل وشحم الغنم والبقر غير شحم الحوايا والظهور، وقيل: الطيبات كل ما تستلذه النفس، فكل لذيذ حلال إلا ما قام الشرع بتحريمه، والأمر كذلك، ودخل ما ذبح باسم الله، وما يضر حرام، وقيل: الطيبات ما حرمته الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامى، وهذا على أن ما ذكر كله من كلام فيمن كان فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم من العرب، لا يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، فإنهم هم أصحاب البحائر وما بعدها. {ويُحرِّم عَليهم الخَبائثَ} قال ابن عباس: الميتة والدم ولحم الخنزير، والصحيح أن المراد ذلك وغيره من الخبائث كالربا والرشوة والسحت، وما ذبح لغير الله، فإن كل ما حرمته الشريعة فهو بتحريمها خبيث يوصف بالخبث، ويحكم عليه به، ولعل ذلك مراد ابن عباس، ومثل ببعضه، ثم اطلعت على أنه مراده، وقيل: هى ما يستقذره الطبع، فإنه مضروما يضر حرام إلا ما خصه الشرع، وعلى هذا تحرم الحية والوزغة والخنفساء والعقرب ونحوهن، ولم يحرمهن مالك، وقيل: بتحريمهن، وقيل: بكراهتهن وما لا دم فيه كالخنفساء والعقرب والعنكبوت طاهر حيا أو ميتا عندنا، وقيل: كل ميتة حرام إلا الذباب لتخصيصه فى الحديث بأنه إذا وجد فى إناء ماء مثلا فإنه يغمس فيه، لأن فى جناحه الذى يرفعه شفاء وفى المنتقل داء، وحل الجراد والسمك حيا أو ميتا، ويحرم ما يضر بسم أو غيره، فالحية محرمة نجسة، والعقرب محرمة طاهرة. {ويَضَعُ} أصله كسر الضاد وفتحها، لأجل حرف الحلق والمعنى يحط {عَنْهم إصْرهُم} أى ثقلهم، لأنه يأصر صاحبه أى يحبسه عن الحركة، وذلك أن أحكام التوراة شديدة، فهى كالشئ الثقيل المانع لحامله عن التحرك، وذلك قول ابن جبير، وقتادة، ومجاهد، وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن وغيرهم: الإصر العهد، وحكى أبو حاتم، عن ابن جبير: أن الإصر شدة العبادة، والماصدق واحد بالنظر إلى الآيات، فإن أحكام التوراة ثقيلة شديدة، عهدوا أن يعملوا بها، وما ذكر عن نافع وعيسى والزيات من فتح الهمزة غلطا، وذكره مكى عن عاصم، عن أبى بكر، وقال: هو لغة، وقرأ ابن عامر، وأيوب السنحتيانى، ويعلى بن حكيم، وأبو سراج الهذلى: إصارهم بهمزة فألف فصاد فألف جمعا لتعدد تلك الأحكام، والإفراد على إرادة الجنس، وأدغم أبو عمرو فى رواية أبى حاتم عين يضع فى عين عنهم وأشمها الضم، وقرأ طلحة: ويذهب عنهم إصرهم. {والأغْلالَ التى كانَتْ عَليْهم} جمع غل وهو ما يقيد به، وذلك تشبيه لأحكام التوراة بما يغل به الإنسان، فلا يقدر على العمل لثقلها، فكل من الإصر والأغلال عبارة عن ثقل أحكامها وشدتها، كتعيين القصاص، قيل: القصاص فى العمد والخطأ من غير شرع للدية والعفو، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقطع الموضع النجس من الثوب والبدن غير الفرجين، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق من اللحم، ووجوب الصلاة فى الكنائس، وترك العمل يوم السبت. روى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه، وحط ذلك عنا رحمة، ولنداوم على العمل، وفى الحديث: "بعث بالحنيفية السهلة السمحة" وقال عطاء: المراد بالأغلال ظاهرها، كان الرجل إذا قام يصلى لبس المسح وغل يديه إلى عنقه، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها السلسلة وأوثقها إلى السارية، يحبس نفسه على العبادة، وقال أيضا أبو زيد: المراد بالأغلال ما فى قوله تعالى: {غلت أيديهم} فمن آمن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم زالت عنه الدعوة وتغليلها، ومن قال: الكلام مفعول لمن عاصر النبى من العرب إلا قوله: {يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل} فمعنى وضع ذلك عنهم إخبارهم أن ذلك غير واجب عليهم، كما وجب على غيرهم، كأنه قيل: الذين يؤمنون بالنبى الذي تجده أهل الكتاب فى التوراة والإنجيل، فيأمرهم مستأنف لبيان خصاله، أو حال من واو يتبعون، والأولى ما تقدم لسلامة من تخالف مراجع الضمائر، وما ذكر من وضع الإصر والأغلال، وما ذكر قبله موجودان فى التوراة والإنجيل عنه صلى الله عليه وسلم، وقد أذكر شيئا مما ورد فى شأنه فى التوراة والإنجيل فى سورة الشعراء. {فالَّذينَ آمنُوا به وعزَّرُوه} عظموه ووقروه، أو منعوه حتى لا يقوى [عليه] عدو، ومنه التعزير المذكور فى الأحكام، وهو ما دون أربعين جلدة أو سبعين وما دنها، أو على قدر النظر أقوال، وذلك لأنه نعظيم للدين، وتوقير له، ومنع عن معاودة القبيح وقرأ الجحدرى، وقتادة، وسليمان التيمى، وعيسى بن عمرو بالتخفيف. {ونَصَروهُ} على أعدائه {واتَّبَعوا النُّور} القرآن، سمى نورا لأن إعجازه ظاهر كظهور النور، ولزم من ذلك أنه مظهر لغيره، أو سمى بذلك لأنه كاشف للحقائق مظهر لها، مزيل لظلمة الجهل، تستضئ به القلوب كما تستضئ العين بالنور {الَّذى أنزِلَ معَهُ} حال من ضمير أنزل مقدرة، لأنه حال الإنزال، وهى حال المجئ به من السماء غير موجود معه، بل يقدر وجوده معه، وإن أريد بالإنزال إنهاءه إليه مجال المقارنة مع كونه معه أنه عنده حاضر، أو أنه مع بعثه أو نبوته بتقدير مضاف، فإن استنباءه مصحوب بإنزال القرآن، ويجوز تعليقه باتبعوا كقولك: سرت مع زيد، أى سرت أنا وزيد فى وقت واحد، فالمعنى التبعوه هم ومحمد، أو بمحذوف حال من الواو، أى اتبعناه مصاحبين له فى اتباعه، والمعنى فى ذلك كله اتباع القرآن، ويجوز تعليقه باتبعوا على معنى أنهم اتبعوا القرآن واتبعوا النبى، أى سنته كقولك: قرأت الأعراف مع الأنفال تريد أنك قرأتهما معا. {أولئكَ هُم المفْلحُونَ} الفائزون بالرحمة الدائمة، وفائدة قوله: {فالذين آمنوا به} إلى: {المفلحون} ترغيب بنى إسرائيل فى الإخلاص والعمل الصالح، وترك الطالح، كطالب الرؤية باستماع أوصاف أعقابهم المؤمنين، ككعب الأخبار، فيجتهدوا فيما يجمع بينهم فى رحمة الله مع ما تضمن ذلك من تبشير موسى، بأن نبى إسرائيلَ من يصير من هذه الأمة الكريمة، ومن أن ما دعوت به لقومك يكون لهم إن عملوا كأعقابهم.

الالوسي

تفسير : { ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ} الذي أرسله الله تعالى لتبليغ الأحكام {ٱلنَّبِيَّ} / أي الذي أنبأ الخلق عن الله تعالى فالأول تعتبر فيه الإضافة إلى الله تعالى والثاني تعتبر فيه الإضافة إلى الخلق، وقدم الأول عليه لشرفه وتقدم إرسال الله تعالى له على تبليغه، وإلى هذا ذهب بعضهم، وجعلوا إشارة إلى أن الرسول والنبي هنا مراد بهما معناهما اللغوي لاجرائهما على ذات واحدة كما أنهما كذلك في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا} تفسير : [مريم: 54]، وفسر في «الكشاف» الرسول بالذي يوحى إليه كتاب والنبـي بالذي له معجزة، ويشير إلى الفرق بين الرسول والنبـي بأن الرسول من له كتاب خاص والنبـي أعم. وتعقبه في «الكشف» بأن أكثر الرسل لم يكونوا أصحاب كتاب مستقل كإسماعيل ولوط وإلياس عليهم السلام وكم وكم ثم قال: والتحقيق أن النبـي هو الذي ينبىء عن ذاته تعالى وصفاته وما لا تستقل العقول بدرايته ابتداء بلا واسطة بشر، والرسول هو المأمور مع ذلك بإصلاح النوع، فالنبوة نظر فيها إلى الإنباء عن الله تعالى والرسالة إلى المبعوث إليهم، والثاني وإن كان أخص وجوداً إلا أنهما مفهومان مفترقان ولهذا لم يكن رسولاً نبيا مثل إنسان حيوان ا هـ. وفيه مخالفة بينة لما ذكر أولاً، ولا حجر في الاعتبار. نعم ما ذكروه مدفوع بأن الفرق المذكور مع تغاير المفهومين على كل حال من عرف الشرع والاستعمال، وأما في الوضع والحقيقة اللغوية فهما عامان. وقد ورد في القرآن بالاستعمالين فلا تعارض بينهما. ولا يرد أن ذكر النبـي العام بعد الخاص لا يفيد والمعروف في مثل ذلك العكس، ولا يخفى أن المراد بهذا الرسول النبـي نبينا صلى الله عليه وسلم. { ٱلأُمِّىَّ} أي الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو على ما قال الزجاج نسبة إلى أمة العرب لأن الغالب عليهم ذلك. وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» تفسير : أو إلى أم القرى لأن أهلها كانوا كذلك، ونسب ذلك إلى الباقر رضي الله تعالى عنه أو إلى أمه كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، ووصف عليه الصلاة والسلام بذلك تنبيهاً على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته صلى الله عليه وسلم فهو بالنسبة إليه ـ بأبـي هو وأمي ـ عليه الصلاة والسلام صفة مدح، وأما بالنسبة إلى غيره فلا، وذلك كصفة التكبر فإنها صفة مدح لله عز وجل وصفة ذم لغيره. واختلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدر عنه الكتابة في وقت أم لا؟ فقيل: نعم صدرت عنه عام الحديبية فكتب الصلح وهي معجزة أيضاً له صلى الله عليه وسلم وظاهر الحديث يقتضيه، وقيل: لم يصدر عنه أصلاً وإنما أسندت إليه في الحديث مجازاً. وجاء عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم كان تنطق له الحروف المكتوبة إذا نظر فيها، ولم أر لذلك سنداً يعول عليه، وهو صلى الله عليه وسلم فوق ذلك. نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: «ما مات النبـي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال: صدق سمعت أصحابنا يقولون ذلك» وقيل: الأمي نسبة إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب، ويؤيده قراءة يعقوب {الأمي} بالفتح وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضاً، والموصول في محل جر بدل من الموصول الأول، هو إما بدل كل على أن المراد منه هؤلاء المعهودين أو بعض على أنه عام ويقدر حينئذ منهم، وجوز أن يكون نعتاً له، ويحتمل أن يكون في محل نصب على القطع وإضمار ناصب له، وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقيل: على أنه مبتدأ خبره جملة {يَأْمُرُهُم} أو {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} / وكلاهما خلاف المتبادر من النظم. {ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا} باسمه ونعوته الشريفة بحيث لا يشكون أنه هو، ولذلك عدل عن أن يقال: يجدون اسمه أو وصفه مكتوباً {عِندَهُمْ} ظرف لـِ {مَكْتُوبًا} الواقع حالاً أو ليجدون، وذكر لزيادة التقرير وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرة عندهم لا يغيب عنهم أصلاً {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} اللذين تعبد بهما بنو اسرائيل سابقاً ولاحقاً، وكأنه لهذا المعنى اقتصر عليهما وإلا فهو صلى الله عليه وسلم مكتوب في الزبور أيضاً، أخرج ابن سعد والدارمي في «مسنده» والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: «صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة يا أيها النبـي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقيضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا لا إله إلا الله ويفتح أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً»، ومثله من رواية البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وجاء من حديث أخرجه ابن سعد وابن عساكر من طريق موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال: «قرأت في الإنجيل نعت محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم لا يقبل الصدقة ويركب الحمار والبعير ويحلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد». وجاء من خبر أخرجه البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال: «إن الله تعالى أوحى في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلهم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم اضعافاً مضاعفة ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا وقالوا: {أية : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ } تفسير : [البقرة: 156] الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه من قبره العذاب صباً وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار» إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنه صلى الله عليه وسلم مكتوب في الكتب الإلهية. والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوباً. وذكر الإنجيل قبل نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبـي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم قبل مجيئهما. {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} كلام مستأنف، وهو على ما قيل متضمن لتفصيل بعض أحكام / الرحمة التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً إذا ما أشارت إليه المتعاطفات من آثار الرحمة الواسعة، وجوز كونه في محل نصب على أنه حال مقدرة من مفعول {يَجِدُونَهُ} أو من {ٱلنَّبِيَّ} أو من المستكن في {مَكْتُوبًا}، وقيل: هو مفسر لمكتوباً أي لما كتب، والمراد بالمعروف قيل الإيمان، وقيل: ما عرف في الشريعة، والمراد بالمنكر ضد ذلك. {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} فسر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم، والثاني بالأشياء التي يستخبثها كالدم، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في حكم الشرع والخبيث بما خبث فيه كالربا والرشوة. وتعقب بأن الكلام حينئذ يحل ما يحكم بحله ويحرم ما يحكم بحرمته ولا فائدة فيه. وردوه بأنه يفيد فائدة وأي فائدة لأن معناه أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالعقل والرأي، وجوز بعضهم كون الخبيث بمعنى ما يستخبث طبعاً أو ما خبث شرعاً وقال كالدم أو الربا ومثل للطيب بالشحم وجعل ذلك مبينا على اقتضاء التحليل سبق التحريم والشحم كان محرماً عند بني اسرائيل، وعلى اقتضاء التحريم سبق التحليل وجعل الدم وأخيه مما حرم على هذا لأن الأصل في الأشياء الحل، ولا يرد {أية : وأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ } تفسير : [البقرة: 275] لأنه لرد قولهم {أية : إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَٰواْ } تفسير : [البقرة: 275] أو لأن المراد إبقاؤه على حله لمقابلته بتحريم الربا، ودفع بهذا ما توهم من عدم الفائدة. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع موضع النجاسة من الثوب أو منه ومن البدن، واحراق الغنائم، وتحريم السبت، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتعين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه وان لم يكن مأموراً به في الألواح إلا أنه شرع بعد تشديداً عليهم على ما قيل، وأصل الإصر ((الثقل الذي يأصر صاحبه [أي يحبسه] عن الحراك))، والأغلال جمع غل بضم الغين وهي في الأصل كما قال ابن الأثير ((الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضاً))، ولعل غير الحديد إذا جمع به يد إلى عنق يقال له ذلك أيضاً، والمراد منهما هنا ما علمت وهو المأثور عن كثير من السلف، ولا يخفى ما في الآية من الاستعارة. وجوز أن يكون هناك تمثيل، وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة وعلى هذا فالأغلال يمكن أن يراد حقيقته، وقرأ ابن عامر {آصارهم} على الجمع وقرأ {إصرهم} بالفتح على المصدر وبالضم على الجمع أيضاً. {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ} أي صدقوا برسالته ونبوته {وَعَزَّرُوهُ} أي عظموه ووقروه كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال الراغب: ((التعزير النصرة مع التعظيم، والتعزير ضرب دون الحد يرجع [وذلك] يرجع (إليه لأنه) تأديب والتأديب نصرة [ما] لأن أخلاق السوء أعداء ولذا قال في الحديث: «حديث : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقيل كيف أنصره ظالماً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تكفه عن الظلم»تفسير : )) وأصلح عند غير واحد المنع والمراد منعوه حتى لا يقوى عليه عدو، وقرىء {عزروه} بالتخفيف {وَنَصَرُوهُ} على أعدائه في الدين وعطف هذا على ما قبله ظاهر على ما روي عن الحبر وكذا على ما قاله الجمع إذ الأول عليه من قبيل درء المفاسد وهذا من قبيل جلب المصالح، ومن فسر الأول بالتعظيم مع التقوية أخذا من كلام الراغب قال هنا نصروه لي / أي قصدوا بنصره وجه الله تعالى واعلاء كلمته فلا تكرار خلافاً لمن توهمه {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ} وهو القرآن وعبر عنه بالنور لظهوره في نفسه باعجازه وإظهاره لغيره من الأحكام وصدق الدعوى فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه والمظهر لغيره بل هو نور على نور، والظرف اما متعلق بأُنزل والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو إرساله عليه السلام لأنه لم ينزل معهم وإنما نزل مع جبريل عليه السلام. نعم استنباؤه أو إرساله كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به وإما متعلق باتبعوا على معنى شاركوه في اتباعه وحينئذ لم يحتج إلى تقدير، وقد يعلق به على معنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم النبـي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى العمل بالكتاب والسنة، وجوز أن يكون في موضع الحال من ضمير {ٱتَّبَعُواْ} أي اتبعوا النور مصاحبين له في اتباعه وحاصله ما ذكر في الاحتمال الثاني، وأن يكون حالاً مقدرة من نائب فاعل {أُنزِلَ}. وفي «مجمع البيان» أن مع بمعنى على وهو متعلق بأنزل ولم يشتهر وروي ذلك، وقال بعضهم: هي هنا مرادفة لعند وهو أحد معانيها المشهورة إلا أنه لا يخفى بعده وإن قيل حاصل المعنى حينئذ أنزل عليه. {أُوْلَـٰئِكَ} أي المنعوتون بتلك النعوت الجليلة {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الفائزون بالمطلوب لا المتصفون بأضداد صفاتهم، وفي الإشارة إشارة إلى علية تلك الصفات للحكم، وكاف البعد للإيذان ببعد المنزلة وعلو الدرجة في الفضل والشرف، والمراد من الموصول المخبر عنه بهذه الجملة عند ابن عباس رضي الله تعالى عنه اليهود الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما يعمهم وغيرهم من أمته عليه الصلاة والسلام المتصفين بعنوان الصلة إلى يوم القيامة والاتصاف بذلك لا يتوقف على إدراكه صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى وهو الأولى عندي. وادعى بعضهم أن المراد من الموصول في قوله تعالى: {أية : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأعراف: 156] المعنى الأعم أيضاً وجعله ابن الخازن قول جمهور المفسرين، وفيه ما فيه ومما يقضي منه العجب كون المراد منه اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، والجملة متفرعة على ما تقدم من نعوته صلى الله عليه وسلم الجليلة الشأن، وقيل: على كتب الرحمة لمن مر، وذكر شيخ الإسلام أنها تعليم لكيفية اتباعه عليه السلام وبيان علو رتبة متبعيه واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة في الدارين إثر بيان نعوته الجليلة والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم بما في ضمن {يَأْمُرُهُم} الخ، وجعل الحصر المدلول عليه بقوله سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} بالنسبة إلى غيرهم من الأمم ثم قال: فيدخل فيهم قوم موسى عليه السلام دخولا أوليا حيث لم ينجوا عما في توبتهم من المشقة الهائلة، وهو مبني على ما سلكه في تفسير الآيات من أول الأمر ولا يصفو عن كدر.

الواحدي

تفسير : {الذين يتبعون الرسول النبيَّ الأميَّ} وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ، وكانت هذه الخلَّة مؤكِّدة لمعجزته في القرآن {الذي يجدونه} بنعته وصفته {مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل يأمرهم بالمعروف} بالتَّوحيد وشرائع الإِسلام {وينهاهم عن المنكر} عبادة الأوثان وما لا يُعرف في شريعة {ويحلُّ لهم الطيبات} يعني: ما حرَّم عليهم في التَّوراة من لحوم الإِبل، وشحوم الضَّأن {ويحرِّم عليهم الخبائث} الميتة والدَّم، وما ذُكر في سورة المائدة {ويضع عنهم إصرهم} ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم {والأغلال التي كانت عليهم} الشَّدائد التي كانت عليهم، كقطع أثر البول، وقتل النَّفس في التَّوبة، [وقطع] الأعضاء الخاطئة {فالذين آمنوا به} من اليهود {وعزَّروه} ووقَّروه {ونصروه} على عدوه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني: القرآن.. الآيتين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 157- وأخص بها الذين يتبعون الرسول محمدا، الذى لا يكتب ولا يقرأ، وهو الذى يجدون وصفه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، يأمرهم بكل خير وينهاهم عن كل شر، ويحل لهم الأشياء التى يستطيبها الطبع، ويُحرم عليهم الأشياء التى يستخبثها الطبع كالدم والميتة، ويزيل عنهم الأثقال والشدائد التى كانت عليهم. فالذين صدقوا برسالته وآزروه وأيدوه ونصروه على أعدائه، واتبعوا القرآن الذى أنزل معه كالنور الهادى، أولئك هم الفائزون دون غيرهم ممن لم يؤمنوا به. 158- قل - يأيها النبى - للناس: إنى مرسل من اللَّه إليكم جميعا، لا فرق بين عربى وعجمى وأسود وأبيض واللَّه الذى أرسلنى له - وحده - ملك السموات والأرض يدبر أمرهما حسب حكمته، ويتصرف فيهما كيف يشاء، ولا معبود بحق إلا هو، وهو الذى يقدر على الإحياء والإماتة دون غيره، فآمنوا به وبرسوله النبى الذى لا يقرأ ولا يكتب، وهو يؤمن باللَّه الذى يدعوكم إلى الإيمان، ويؤمن بكتبه المنزلة، واتبعوه فى كل ما يفعل ويقول لتهتدوا وترشدوا. 159- ومن قوم موسى جماعة بقوا على الدين الصحيح يهدون الناس بالحق الذى جاء به موسى من عند ربه، ويعدلون فى تنفيذه إذا حكموا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلتَّوْرَاةِ} {وَيَنْهَاهُمْ} {ٱلطَّيِّبَاتِ} {ٱلْخَبَآئِثَ} {وَٱلأَغْلاَلَ} {آمَنُواْ} {أُوْلَـٰئِكَ} (157) - وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى وَصْفَ الذِينَ يَشْمَلُهُمْ بِرَحْمَتِهِ الوَاسِعَةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الذِينَ يَتَّبِعُونَ مُحَمَّداً النَّبيِّ الأُمِّيَّ، الذِي لاَ يَكْتُبُ وَلاَ يَقْرَأُ، وَقَدْ جَاءَ وَصْفُهُ وَالبِشَارَةُ بِهِ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ الخَيْراتِ، وَبِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَضَعُ عَنْهُمُ التَّكَالِيفَ الشَّاقَّةَ، كَاشْتِرَاطِ قَتْلِ النَّفْسِ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ، وَالقِصَاصِ فِي القَتْلِ العَمْدِ أَوِ الخَطَإِ، مِنْ غَيْرَ شَرْعٍ لِلدِّيَةِ، وَقَطْعِ الأَعْضَاءِ الخَاطِئَةِ، وَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ، وَتَحْرِيمِ السَّبْتِ ... فَقَدْ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِمَا هُوَ يُسْرٌ وِسَمَاحَةٌ. [وَقَالَ رَسُولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم يُوصِي أَمِيرِينِ أَرْسَلَهُمَا فِي بَعْثَينِ إِلى اليَمَنِ: "حديث : بَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا"تفسير : ]. وَوَسَّعَ اللهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أُمُورَهَا، وَسَهَّلَهَا لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"تفسير : . فَالذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُميِّ، حِينَ بُعِثَ، مِنْ قَومِ مُوسَى وَعِيسَى، وَمِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَعَزَّرُوهُ بِأَنْ مَنَعُوهُ وَحَمَوْهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُعَادِيهِ، مَعَ التَّعْظِيمِ وَالإِجْلاَلِ، وَنَصَرُوهُ بِاللِّسَانِ وَاليَدِ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الأَعْظَمَ الذِي أُنْزِلَ مَعَ رِسَالَتِهِ، وَهُوَ القُرآنُ .. فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، الفَائِزُونَ بالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ.

الثعلبي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} الآية قال نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله تعالى لموسى أجعل لكم في الأرض مسجداً وطهوراً تصلّون حيث أدركتكم الصلاة إلاّ عند مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك موسى لقومه فقالوا: لا نريد أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلاّ نظراً، فقال الله {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} إلى قوله {ٱلْمُفْلِحُونَ} فجعلها الله لهذه الأمة، فقال موسى: رب اجعلني نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم، قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: يارب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله تعالى {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ} أنفسهم {بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} فرضي موسى، قال نوف: إلا تحمدون ربّاً حفظ غيّكم وأجزل لكم سهمكم وجعل وفادة بني إسرائيل لكم. واختلف العلماء في معنى الأُمّي. فقال ابن عباس: هو منكم كان أميّاً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحاسب قال الله تعالى {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} تفسير : [العنكبوت: 48] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنا أُمة أُميّة لا نكتب ولا نحاسب ". تفسير : وقيل: هو منسوب إلى أُمّته كأن أصله أُمتي فسقطت التاء من النسبة كما سقطت من اليكي والمدى. وقيل: منسوب إلى أُم القرى وهي مكّة أُم القرى {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ} أي صفته ونبوّته ونعته وأمره {مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} قال عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن. {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} تفسير : [الأحزاب: 45] وحرزاً للأُميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالاسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتّى يقيم الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله فيفتح به قلوباً غلفاً وآذناً صُماً وأعيناً عمياً. قال عطاء: ثمّ لقي كعباً فسأله عن ذلك فما اختلفا حرفاً إلاّ أن كعباً قال: بلغته قلوباً غلوفياً وآذاناً صموياً وأعيناً عموميّاً. وروى كعب في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مولده مكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال وفي كل منزلة، يُوَضِئون أطرافهم و [ويتورّون] إلى [الجهاد] وفيهم وعاة الشمس ويصلون الصلاة حيث أدركتهم ولو على ظهر الكناسة، صفهم في القول مثل صفهم في الصلاة ثمّ قرأ {أية : ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} تفسير : [الصف: 4]. وقال الواقدي: حدّثني عثمان بن الضحاك عن يزيد بن [الهادي] عن ثعلبة بن مالك أن عمر بن الخطاب أنه سأل أبا مالك عن صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب بني هرون الذي لم يغير ولم يبدّل أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم ومن آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه في [عينيه] حمرة وبين كتفية خاتم النبوّة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة ويجرى بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي سيفه على عاتقه لا يبالي مَن لقي مِن الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة. مولده بمكّة ومنشأه بها وبدء نبوّته بها ودار هجرته يثرب بين جرّة ونخل [وسبخة] وهو أُمّي لا يكتب بيده، هو بجهاد، يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه الشام، صاحبه من الملائكة جبرئيل يلقى من قومه أذىً شديداً. ويحبّونه حبّاً شديداً ثمّ يدال على قومه يحصرهم حصر [الجرين]، يكون له وقعات في يثرب، منها له ومنها عليه، ثمّ يكون له العاقبة يعدّ معه أقوام هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم قربانهم دماؤهم ليوث النهار ورهبان بالليل يرعب منه عدوه بمسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتّى يخرج ويكلم لا شرطة معه ولا حرس يحرسه. {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بالايمان {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} يعني الشرك، وقيل: المعروف والشريعة والسنة والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف وبخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام ينهاهم عن المنكر عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني الحلالات التي كانت أهل الجاهلية تحرمها: البحائر السوائب والوصائل والحوامي {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} يعني لحم الخنزير والدم والميتة والربا وغيرها من المحرمات. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد يعني: جهدهم الذي كان يأخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. وقال ابن زيد وقتادة: يعني الشدائد الذي كان عليهم في الدين {وَٱلأَغْلاَلَ} يعني الأثقال {ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [بما أُمروا] به من قتل الأنفس في التوراة وقطع الأبهاء، شبّه ذلك بالأغلال كما قال الشاعر: شعر : فليس لعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى العدل شيئاً واستراح العواذل تفسير : فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطّي إلى المحذورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ} أعانوه ووقّروه {وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} يعني القرآن {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى قوله تعالى: {بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ}. قال قتادة: وآياته. وقال مقاتل والسدي: يعني عيسى ابن مريم {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ} يعني بني إسرائيل {أُمَّةٌ} جماعة {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} أي يرشدون إلى الحق، وقيل: خلفاء يهتدون ويستقيمون عليه ويعملون به {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أي ينصفون من أنفسهم ويحمدون. وقال السدي: هم قوم بينكم وبينهم [قوم] من سهل. وقال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم ممّا صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم [وبينه] ففتح الله عليم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصف حتّى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حقاً مسلمون يستقبلون قبلتنا. قال الكلبي والربيع والضحاك وعطاء: هم قوم من قبل المغرب خلف الصين على نهر من الرمل يسمى نهر أودق وليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصبحون بالنهار ويزرعون لا يصل إليهم منّا أحدٌ ولا منهم إلينا أحدٌ وهم على الحق وذكر حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن جبرئيل [ذهب إليهم ليلة] أُسري به فكلّمهم فقال لهم جبرئيل: هل تعرفون مَنْ تُكلّمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمدٌ النبيّ فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إنّ موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منّي السلام. فردّ محمد صلى الله عليه وسلم على موسى: فعليه السلام، ثمّ أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم يكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يُقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا وأن يتركوا السبت .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهذه تسع صفات لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أن الله أوحى إليه كتابًا مختصاً به وهو القرآن، وأنه صاحب المعجزات، أنه بلّغ ونبأ بأفضل وأتم العقائد والعبادات والأخلاق - وهو - عليه الصلاة والسلام - الأمي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إلى معلم، فهو - عليه السلام - باقٍ على الحالة التي ولد عليها، وقد ذكره ربّه - جل وعلا - باسمه وصفاته ونعوته عند اليهود والنصارى في التوارة والإِنجيل وقد كتمها الكافرون منهم أو أساءوا تأويلها، كما وصفه ربه بأنه يأمرهم بالمعروف ويكلفهم بفعل ما تدعوا إليه الطبائع المستقيمة والفطر السليمة؛ لأن في ذلك النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يزجرهم وينهاهم عن كل منكر مستهجن تستقبحه الجبلة القويمة، والخلقة السوية، ويحل لهم ما حرم عليهم من الطيبات التي منعوا منها وحظرها الله عليهم جزاء طغيانهم وضلالهم، ويحرم عليهم كل ضار وخبيث: كأكل الميتة والمال الحرام من الربا والرشوة والغش، ويخفف عنهم ما شق عليهم وثقل من التكاليف التي كانت في شريعة موسى - عليه السلام - كقطع الأعضاء الخاطئة وتحريم الغنائم عليهم ووجوب إحراقها، وكذلك يخفف الله ويحط عنهم المواثيق الشديدة التي فرضت عليهم عقابا لهم على فسوقهم وظلمهم. يقول - جل شأنه -: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [النساء: 160-161] وهكذا أعلم الله الرسل السابقين على سيدنا رسول الله أن يبلغوا أقوامهم بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن الأقوام التي يشهدون ويعاصرون رسالته صلى الله عليه وسلم، صحيح أن رسول الله لم يكن معاصراً لأحد من الرسل، ولكن البشارة به قد جاءت بها أنبياؤهم وسجلت في الكتب المنزلة عليهم، وكل رسول سبق سيدنا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، قد أمره الله أن يبلغ الذين أرسل إليهم أن يتبعوا الرسول محمداً ويؤمنوا به ولا يتمسكوا بسلطة زمنية ويخافوا أن تنزع منهم. ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه معجزة وبينة فلابد أن يؤمنوا به. {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...} تفسير : [آل عمران: 81] إذن فقد صنع الله سبحانه وتعالى خميرة إيمانية حتى لا يتعارض اتباع الأديان. ولا يفهم أصحاب دين موجود أن ديناً آخر جاء لينسخه ويأخذ منه السلطة الزمنية؛ لأن رسالة الإِيمان موصولة وتحدث الأقضية للناس بامتداد الزمان. فكل الرسل يحرصون على أن تكون الحياة آمنة سعيدة تتساند فيها المواهب ولا تتعاند فيها الحركات. وقد طلب الحق من الرسل ذلك وأخذ عليهم العهد وبعد ذلك أكده فقال: {أَأَقْرَرْتُمْ} واستوحى منهم الكلام الذي يؤيد هذا المنهج. ولذلك لا يصح لتابع نبي أن يصادم رسالة جديدة مؤيدة بمعجزة ومؤيدة بمنهج يضمن للإِنسان الحياة وسلامتها وسعادتها. ولم يكتف الحق بأن يجعل الإِيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه ونسلم مجرد خبر، بل وضع لمحمد وحده سمة في الكتب التي سبقته، ووصفه لهم مشخصاً، وحين يصفه مشخصاً فهذا أوضح من الخبر عنه بكلام. ولذلك قال عبدالله بن سلام عندما سأله عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به منّي يا بني. قال: وَلِمَ؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبيّ، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبّل عمر رأسه. ولذلك يقول الحق سبحانه: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ}. ولا شك أن الإِنسان يعرف ابنه معرفة دقيقة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سمات خاصة وهي التي تثبت شخصيته صلى الله عليه وسلم المادية، وليس الأمر في رحلة الإِسراء والمعراج مجرد كلام، بل إنه حينما سئل عن هذه الرحلة قال: "رأيت موسى وإذا رجل ضَرْبٌ، رَجَلٌ كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا رَبعة أحمر كأنه خرج من ديماس- الحمَّام- وأنا أشبه ولد إبراهيم به". وكذلك أعطى الله في التوراة والإِنجيل لا الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل أعطي تفاصيل صورته بحيث تتشخص لهم، فلا يلتبس به عند مجيئه مع التشخيص شريك، فبقول سبحانه: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ}. ولكن فريقاً منهم كتموا الحق ليحتفظوا بالسلطة الزمنية، لأنهم كانوا يظنون أنه حين يأتي دين جديد سيأخذ منهم هذه السلطة الزمنية ويقود الأمم والشعوب. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل رسل السماء إلى الأرض متعاونين لا متعاندين، ينصر بعضهم بعضاً. كما جاء في سورة الفتح: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الفتح: 29] لقد جاء الحق بصورة المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله في التوراة والإِنجيل، لأن الدين الإِسلامي الذي نزل على محمد لن يأتي دين بعده؛ لذلك جاء بسيرة رسول الله وصفاته وصفات أتباعه في التوراة والإِنجيل، وفي هذا الدين ما تفتقده اليهودية التي انجرفت إلى مادية صرفة وتركت الروحانيات؛ لذلك تأتي سيرة أتباع محمد في التوراة: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ}. حين أسرف اليهود في المادية أراد الله أن يأتي برسول يجنح ويميل إلى الروحانية وهو سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام.. ليحصل الاعتدال في تناول الحياة دون إفراط أو تفريط. إذن فالحق سبحانه وتعالى مهد لكل رسول بأن يبشر به الرسول السابق لأنه لا معاندات في الرسالات. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الموكب الرسالي، كان ولابد أن يصفه الله - سبحانه - وصفًّا ليس بالكلام، بل يصفه كصورة، بحيث إذا رأوه يعرفونه، ولذلك نجد سيدنا سلمان الفارسي حين رأى رسول الله في المدينة ورأى منه علامات كثيرة أحب أن يرى فيه علامة مادية، فرأى في كتف الرسول خاتم النبوة. ولكن هل نفع ذلك؟ نعم، فكثير من الناس آمن به. حديث : وقد أقام رسول الله مناظرة بينه وبين اليهود بواسطة عبدالله بن سلام، الذي قال بعد أن أسلم بين يدي رسول الله: "يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبدالله البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي رجل فيكم عبدالله بن سَلاَم؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفرأيتم إن أسلم عبدالله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبدالله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه ". تفسير : إذن فالأوصاف الكلامية والأوصاف الشخصية المشخصة جاءت حتى لا يقال: إن أديان السماء تتعاند، إنها كلها متكاتفة في أن تصل الأرض بالسماء على ما تقتضيه حالة العصر زماناً ومكاناً. وقديماً كان العالم معزولاً عن بعضه، وكل بيئة لها أجواؤها وداءاتها؛ فيأتي الرسول ليعالج في مكان خاص داءات خاصة، لكن الله جاء برسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توحدت هذه الداءات في الدنيا؛ جاء رسولنا الكريم ليعالج هذه الداءات العالمية، وجاء رسول الله مؤيداً بأوصافه ومؤيداًُ بتعاليمه التي تخفف عنهم إصرهم وأغلالهم، والإِصر هو الحِمْل الثقيل، والأغلال جمع غُلّ وهو الحديدة التي تجمع اليدين إلى العنق لتقييد الحركة. وقد ذكر الحق الأوصاف ومهَّد الأذهان إلى مجيء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ليضع عنهم الأغلال بالنور الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالرسالة المحمدية هي الجامعة المانعة، ولذلك يقول الحق بعد ذلك: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أمة هذا النبي من المؤمن والولي بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة وهي: مقام الرسالة والنبوة: التي هي شركة بينه وبين الأنبياء والرسل، والمقام الأمي: الذي هو مخصوص به صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء - عليهم السلام -؛ ومعنى الأمي: أنه كان أم الموجودات وأصلها سمي أمياً، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها كانت مبدأ القرى وأصلها، وكما سمى أم الكتاب أما؛ لأنها مبدأ الكتب وأصلها، فأما إتباعه في مقام الرسالة فإنه يأخذ منه ما آتاه الرسول وينتهي عما نهاه، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. فإن الرسالة تتعلق بأحكام الظاهر، والنبوة تتعلق بأحكام الباطن، فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة، وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له أحوال النبوة في الباطن، من مقام الأنبياء تنبئة الحق تعالى بحيث يصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف الملكية، وربما يؤول حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعل ما يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق في المتابعة لا بالاستقلال، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"تفسير : يشير إلى هذا المقام، وذلك أن المتقدمين من بني إسرائيل في زمن الأنبياء - عليهم السلام - لما وصلوا إلى مقام الأنبياء أعطوا النبوة - والله أعلم - وكانوا مقررين لدين رسولهم، حاكمين بالكتب المنزلة على رسلهم، فكذلك هؤلاء القوم كما قال: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}تفسير : [الأنبياء: 37]. وأما أتباعه في مقام أمته صلى الله عليه وسلم فكذلك مخصوص بأخص الخواص من متابعيه، وهوأنه صلى الله عليه وسلم رجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى مقام الوحدة كما قال: {أية : أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}تفسير : [الكهف: 110] كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 8-9]، فقاب قوسين عبارة عن: مقام التوحيد، أو أدنى: عن مقام الوحدة تفهم - إن شاء الله تعالى - فمن رجع بالسير في متابعته عن مقام البشرية إلى أن بلغ مقام الروحانية، ثم بجذبات النبوة في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة، فقد حظي بمقام أميته صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] يشير إلى أنه مكتوباً عندهم وإلاَّ فهو مكتوب عنده {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ}تفسير : [القمر: 55]، { يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ} [الأعراف: 157] وهو طلب الحق والميل إليه، {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] وهو طلب ما سواه والانقطاع عنه، {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الأعراف: 157] إلى القربات إلى الله تعالى، وإن الطيب هو الله تعالى، {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] وهي الدنيا وما يباعدهم عن الله، {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]؛ يعني: إصرهم من العهد الذي كان بين الله تعالى وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم، بأن لا يوصل أحد إلى مقام أميته وحبيبته إلا أمته وأهل شفاعته تبعيته، كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم"،تفسير : فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال منعهم من الوصل إلى هذا المقام. فقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ} [الأعراف: 157]؛ أي: وقروه، واختصاص هذا المقام أنه مخصوص به من بين سائر الأنبياء والرسل، {وَنَصَرُوهُ} [الأعراف: 157] بالمتابعة، {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} [الأعراف: 157]؛ يعني: حين اختطف بأنوار الهداية عن أنانيته فاستفاد نور الوحدة، كما قال تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ}تفسير : [المائدة: 15]؛ يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، {أية : وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة: 15]؛ يعني القرآن، فأمروا بمتابعة هذا النور؛ ليقتبسوا منه نور الوحدة فيفوزوا بالسعادة الكبرى والنعمة العظمى. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] من حجب الأنانية الفائزون بنور الوحدة، ثم أمر الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أنه هو رسول الله المبعوث إليهم جميعاً، ثم بعد تعريفه لهم عرف نفسه فقال تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الأعراف: 158]؛ أي: سماوات القلوب وأرض النفوس، {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 158]؛ أي: لا مدبر فيهما غيره، {يُحْيِـي} [الأعراف: 158] قلب من يشاء بنور الوحدة، {وَيُمِيتُ} [الأعراف: 158] نفسه عن صفات البشرية والأنانية، {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} [الأعراف: 158]؛ يعني: آمنوا إيمان أهل التوحيد بالله وبرسوله المخصوص بعد الرسالة والنبوة بالله بنور الله وهو: نور الوحدة، وكلماته وهي: ما أوحى الله إليه ليلة المعراج بلا واسطة، كما قال تعالى: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}تفسير : [البقرة: 285]؛ يعني: إيمان العيان في مقام الوحدة. ثم أمرهم باتباعه للوصول إلى مقام الوحدة وخصوصية أميته، فقال تعالى: {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} [الأعراف: 158-159] إلى قوله: {أية : بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 162] الإشارة فيها: أن الله تعالى بعد إظهار كمالات أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم خواص القوم، ثم أخبر عن عوامهم؛ ليظهر الفرق بين الفريقين، فقال تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} يعني: خواصهم الذي يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى عليه السلام. {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]؛ أي: به يحكمون بين العوام فشتان بين أمة أمية بلغوا أعلى مراتب الروحانية بالسير في متابعة النبي الأمي، ثم اختطفوا عن انانية روحانيتهم بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة التي هي مصدر وجودهم في بقاء الوحدة كما قال تعالى: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق"تفسير : وللرجوع والوصول إلى هذا المقام سُموا أمِّيون، فإنهم رجعوا إلى أصلهم الذي صدروا منه إيجاداً وبين أمة كان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية بقوله تعالى: {أية : أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143] فأجب: {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143] لأنك كنت بك لا بي، فإنه لا يراني إلا من كان بي لابه، فأكون بصره الذي يبصر به، وهذا مقام الأمة الأمية، فلهذا قال موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة أحمد شوقاً إلى لقاء ربه، فافهم جدّاً.