٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
156
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة. فقوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً } معناه أنه قرر أولاً أنه لا ولى له إلا الله تعالى وهو قوله: {أَنتَ وَلِيُّنَا } ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران: أحدهما: دفع الضرر. والثاني: تحصيل النفع، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر، وهو قوله: {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا } ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ } وقوله: {وَٱكْتُبْ } أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله: {أية : وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلاْخِرَةِ حَسَنَةً }تفسير : [البقرة: 201]. واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته، وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء، فذكر السبب الأول أولاً، وهو كونه تعالى ولياً له وفرع عليه طلب هذه الأشياء، ثم ذكر بعده السبب الثاني، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال: {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } قال المفسرون: {هُدْنَـا } أي تبنا ورجعنا إليك، قال الليث: «الهود» التوبة، وإنما ذكر هذا السبب أيضاً لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلهاً ورباً وولياً، وكوننا عبيداً له تائبين خاضعين خاشعين، فالأول: عهد عزة الربوبية. والثاني: عهد ذلة العبودية، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما. ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جواباً لموسى عليه السلام، فقال تعالى قال: {عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشآءُ } معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه، وقرأ الحسن {مَنْ أَسَاء } من الإساءة، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } فيه أقوال كثيرة. قيل المراد من قوله: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } وقيل: الوجود خير من العدم، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده، وقيل الخير مطلوب بالذات، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب، وما بالعرض مرجوح مغلوب، وقال المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعاً أو متمكناً من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } وقال أصحابنا قوله: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} من العام الذي أريد به الخاص، كقوله: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء }تفسير : [النمل:23]. أما قوله: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكٰوة والذين هم بِئَايَٰتنا يؤمنون}. فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين: الأول: التروك، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، والاحتراز عنها والاتقاء منها، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله: {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } والثاني: الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه. أما القسم الأول: فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ }. وأما القسم الثاني: فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً وعملاً أما العلم فالمعرفة، وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ } ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ }تفسير : [البقرة: 2، 3].
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} أي وفّقنا للأعمال الصالحة التي تكتب لنا بها الحسنات. {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي جزاء عليها. {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} أي تُبْنا، قاله مجاهد وأبو العالية وقَتادة. والهَوْد: التوبة؛ وقد تقدّم في «البقرة». قوله تعالىٰ: {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} أي المستحقّين له، أي هذه الرجفة والصاعقة عذاب مني أصيب به من أشاء. وقيل: المعنىٰ «من أشاء» أي من أشاء أن أضلّه. قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} عموم، أي لا نهاية لها، أي من دخل فيها لم تعجز عنه. وقيل: وسِعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. قال بعض المفسرين: طمِع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس، فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالىٰ: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} فقالت اليهود والنصارىٰ: نحن متقون؛ فقال الله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} الآية. فخرجت الآية عن العموم، والحمد لله. روىٰ حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: كتبها الله عز وجل لهذه الأمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱكْتُبْ } أوجب {لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ } حسنة {إِنَّا هُدْنَآ } تبنا {إِلَيْكَ قَالَ } تعالى: {عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ } تعذيبه {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ } عمَّت {كُلَّ شَىْءٍ } في الدنيا {فَسَأَكْتُبُهَا } في الآخرة {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُمْ بِئَايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدَّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ} في الحسنة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها النعمة سميت حسنة لحسن موقعها في النفوس. والثاني: أنها الثناء الصالح. والثالث: أنها مستحقات الطاعة. {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه تبنا إليك، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم. والثاني: رجعنا بالتوبة إليك، لأنه من هاد يهود إذا رجع، قاله علي بن عيسى. والثالث: يعني تقربنا بالتوبة إليك من قولهم: ما له عند فلان هوادة، أي ليس له عنده سبب يقربه منه، قاله ابن بحر. {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} وفيه قولان: أحدهما: من أشاء من خلقي كما أصيب به قومك. الثاني: من أشاء في التعجيل والتأخير. {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أن مخرجها عام ومعناها خاص، تأويل ذلك: ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الآية قاله ابن عباس. والثاني: أنها على العموم في الدنيا والخصوص في الآخرة، وتأويل ذلك: ورحمتي وسعت في الدنيا البر والفاجر، وفي الآخرة هي للذين اتقوا خاصة، قاله الحسن، وقتادة. والثالث: أنها التوبة، وهي على العموم، قاله ابن زيد. {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك، قاله ابن عباس. والثاني: يتقون المعاصي، قاله قتادة. {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فيها قولان: أحدهما: أنها زكاة أموالهم لأنها من أشق فرائضهم، وهذا قول الجمهور. والثاني: معناه أي يطيعون الله ورسوله، قاله ابن عباس والحسن، وذهبا إلى أنه العمل بما يزكي النفس ويطهرها من صالحات الأعمال. فأما المكنّى عنه بالهاء التي في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا} فقد قيل إن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلّمه الله وقال: إني قد بسطت لهم الأرض طهوراً ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلا عند مرحاض أو قبر أو حمّام، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرؤون التوراة عن ظهر ألسنهم، قال فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل، فقالوا لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في تابوت، ولا نقرأ التوراة إلا نظراً، ولا نصلي إلا في السكينة، فقال الله تعالى {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} يعني ما مضى من السكينة والصلاة والقراءة، ثم بيَّن من هم فقال:
ابن عطية
تفسير : {اكتب} معناه أثبت واقض، والكتب مستعمل في ما يخلد، و {حسنة} لفظ عام في كل ما يحسن في الدنيا من عافية وغنى وطاعة لله تعالى وغير ذلك وحسنة الآخرة الجنة لا حسنة دونها ولا مرمى وراءها و {هُدنا} بضم الهاء معناه تبنا، وقرأ أبو وجزة "هِدنا" بكسر الهاء ومعناه حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك، وهو مأخوذ من هاد يهيد إذا حرك، وقوله تعالى: {قال عذابي أصيب به من أشاء} الآية، قال الله عز وجل: إن الرجفة التي أنزلت بالقوم هي عذابي أصيب به من شئت ثم أخبر عن رحمته، ويحتمل وهو الأظهر أن الكلام قصد الخبر عن عذابه وعن رحمته من أول ما ابتدأ، ويندرج أمر أصحاب الرجفة في عموم قوله عند {عذابي أصيب به من أشاء} وقرأ الحسنَ وطاوس وعمرو بن فائد "من أساء" من الإساءة أي من عمل غير صالح، وللمعتزلة بهذه القراءة تعلق من وجهين: أحدهما إنفاذ الوعيد، والآخر خلق المرء أفعاله وإن أساء لا فعل فيه لله، وهذان التعلقان فيهما احتمال ينفصل عنه كما ينفصل عن سائر الظواهر إلا أن القرأة أطنبوا في التحفظ من هذه القراءة، وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وذكر أبو حاتم أن سفيان بن عيينة قرأها مرة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقبري وصاح به وأسمعه فقال سفيان: لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع وهذا إفراط من المقربين وحملهم على ذلك شحهم على الدين وظنهم أن الانفصال عن تعلق المعتزلة متعذر. ثم وصف الله تعالى رحمته بأنها {وسعت كل شيء} فقال بعض العلماء: هو عموم في الرحمة وخصوص في قوله {كل شيء} والمراد من قد سبق في علم الله أن يرحمه دون من سواهم، وقال بعضهم: هو عموم في رحمة الدنيا لأن الكافر والمؤمن والحيوان كله متقلب في رحمة الله الدنياوية، وقالت فرقة: قوله: {ورحمتي} يراد به التوبة وهي خاصة على هذا في الرحمة وفي الأشياء لأن المراد من قد تقع منه التوبة، وقال نوف البكالي: إن إبليس لما سمع قول الله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} طمع في رحمة الله فلما سمع {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} يئس إبليس وبقيت اليهود والنصارى، فلما تمادت الصفة تبين أن المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويئس اليهود والنصارى من الآية، وقال نحوه قتادة، وقوله: {فسأكتبها} أي أقدرها وأقضيها، وقال نوف البكالي: إن موسى عليه السلام قال يا رب جعلت وفادتي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال نوف البكالي: فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم، وقوله: {يتقون} في هذه الآية قالت فرقة: معناه يتقون الشرك، وقالت فرقة: يتقون المعاصي. قال القاضي أبو محمد: ومن قال: الشرك لا غير خرج إلى قول المرجئة، ويرد عليه من الآية شرط الأعمال بقوله: {ويؤتون الزكاة} ، ومن قال المعاصي ولا بد خرج إلى قول المعتزلة، والصواب بأن تكون اللفظة عامة ولكن ليس بأن نقول ولا بد من اتقاء المعاصي بل بأن نقول مع أن مواقع المعاصي في مشيئة الله تعالى، ومعنى: {يتقون} يجعلون بينهم وبين المتقى وقاية وحجاباً، فذكر الله تعالى الرتبة العالية ليتسابق السامعون إليها، وقوله: {ويؤتون الزكاة} الظاهر من قوله {يؤتون} أنها الزكاة المختصة بالمال وخصها هنا بالذكر تشريفاً لها وجعلها مثالاً لجميع الطاعات، وقال ابن عباس فيما روي عنه: ويؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَسَنَةً} نعمة، سميت بذلك لحسن وقعها في النفوس، أو ثناءً صالحاً، أو مستحقات الطاعة. {هُدْنَآ} تُبنا، أو رجعنا بالتوبة إليك، هاد يهود: رجع، أو تقرَّبنا بالتوبة إليك، ما له عندي هوادة سبب يقربه {مَنْ أَشَاءُ} من من خلقي، أو من أشاء في التعجيل والتأخير. {وَرَحْمَتِى} توبتي، أو الرحمة خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أو تسع رحمته في الدنيا البر والفاجر وتختص في الآخرة بالمتقين، قاله الحسن - رضي الله تعالى عنه - {يَتَّقُونَ} الشرك، أو المعاصي {الزَّكَاةَ} من أموالهم عند الجمهور، أو يتطهَّرون بالطاعة، قاله ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - {فَسَأكْتُبُهَا} لما انطلق موسى - عليه الصلاة والسلام - بوفد من بني إسرائيل، قال الله - تعالى: قد جعلت لهم الأرض طهوراً ومساجد يصلَّون حيث أدركتهم الصلاة إلا عند مرحاض، أو قبر أو حمام، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرؤون التوراة عن ظهر قلب، فذكره موسى عليه الصلاة والسلام لهم فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا فاجعلها في تابوت، ولا نقرأ التوراة إلا نظراً، ولا نصلي إلا في الكنيسة، فقال الله - تعالى - فسأكتبها - يعني السكينة والقراءة والصلاة لمتَّبعي محمد صلى الله عليه وسلم.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} يعني قال موسى في دعائه واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي واجعلنا ممن كتبت له حسنة وهي ثواب الأعمال الصالحة وفي الآخرة أي واكتب لنا في الآخرة مغفرة لذنوبنا {إنا هدنا إليك} قال ابن عباس معناه إنّا تبنا إليك، وهذا قول جميع المفسرين وأصل الهود الرجوع برفق قال بعضهم وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم فلما نسخت شريعتهم صار اسم ذم وهو لازم لهم {قال} يعني قال الله عز وجل لموسى عليه الصلاة والسلام {عذابي أصيب به من أشاء} يعني من خلقي وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي وعبيدي ومن تصرف في خالص حقه فليس لأحد عليه اعتراض {ورحمتي وسعت كل شيء} يعني أن رحمته سبحانه وتعالى عمَّت خلقه كلهم، وقال بعضهم: هذا من العام أريد به الخاص فرحمة الله عمت البر والفاجر في الدنيا وهي للمؤمنين لسعة في الآخرة وقيل هي للمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة ولكن الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن لسعة رحمة الله له فإذا كان يوم القيامة وجبت للمؤمنين خاصة قال جماعة من المفسرين لما نزلت ورحمتي وسعت كل شيء تطاول إبليس إليها وقال أنا من ذلك الشيء فنزعها الله تعالى من إبليس فقال تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} أيس إبليس منها، وقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله وأثبتها لهذه الأمة فقال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية وقال نوف البكالي لما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً قال الله تعالى لموسى اجعل لك الأرض مسجداً وطهوراً تصلون حيث أدركتكم الصلاة لا عند مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم يقرؤها الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير فقال موسى ذلك لقومه فقالوا لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ولا نستطيع أن نقرأ التوراة على ظهر قلوبنا ولا نريد أن نقرأها إلا نظراً قال الله تعالى {فسأكتبها للذين يتقون - إلى قوله - المفلحون} فجعلها الله تعالى لهذه الأمة، فقال موسى: رب اجعلني نبيهم، قال: نبيهم منهم، قال: اجعلني منهم قال إنك لن تدركهم قال موسى: يا رب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله تعالى {أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : [الأَعراف: 159] فرضي موسى، أما التفسير فقوله الذين يتقون يعني الشرك وسائر ما نهوا عنه لأن جميع التكاليف محصورة في نوعين: الأول: التروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها والاحتراز عنها ولا يقربها وإليه الإشارة بقوله تعالى: {للذين يتقون} والثاني الأفعال المأمور بها وتلك الأعمال بدنية وقلبية أما البدنية فإنها الإشارة بقوله ويؤتون الزكاة وهذه الآية وإن كانت في حق المال لكن يختص بالبدن بإخراجها والأعمال القلبية كالإيمان والمعرفة وإليها الإشارة بقوله تعالى: {والذين هم بآياتنا يؤمنون}. قوله عز وجل: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} ذكر الإمام فخر الدين الرازي في معنى هذه التبعية وجهين: أحدهما: إن المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق وفي قوله والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوباً في الإنجيل لأن من المحال أن يجده فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل. الوجه الثاني: إن المراد من لحق من بني إسرائيل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوه، قال: وهذا القول أقرب لأن اتباعه قبل أن يبعث لا يمكن فبين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بآيات الله في زمن موسى عليه الصلاة والسلام، ومن كانت هذه صفته في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرائعه فعلى هذين الوجهين يكون المراد بقوله الذين يتبعون الرسول من بني إسرائيل خاصة. وجمهور المفسرين على خلاف ذلك فإنهم قالوا: المراد بهم جميع أمته الذين آمنوا به واتبعوه سواء كانوا من بني إسرائيل أو غيرهم وأجمع المفسرون على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصفه بكونه رسولاً لأنه الواسطة بين الله وبين خلقه المبلغ رسالته وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ثم وصفه بكونه نبياً. وهذا أيضاً من أعلى المراتب وأشرفها وذلك يدل على أنه رفيع الدرجات عند الله المخبر عنه ثم وصفه بالأمي. قال ابن عباس: هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب قال الزجاج في معنى الأمي: هو الذي على صفة أمة العرب لأن العرب أكثرهم لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب فالنبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك فلهذا وصفه الله تعالى بكونه أمياً وصح في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" تفسير : قال أهل التحقيق: وكونه صلى الله عليه وسلم كان أمياً من أكبر معجزاته وأعظمها، وبيانه أنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذا الكتاب العظيم الذي أعجزت الخلائق فصاحته وبلاغته وكان يقرؤه عليهم بالليل والنهار من غير زيادة فيه ولا نقصان منه ولا تغيير فدل ذلك على معجزته وهو قوله تعالى: {أية : سنقرئك فلا تنسى}تفسير : [الأَعلى: 6] وقيل: إنه لو كان يحسن الكتابة ثم إنه أتى بهذا القرآن العظيم لكان متهماً فيه لاحتمال أنه كتبه ونقله عن غيره فلما كان أمياً وأتى بهذا القرآن العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين والمغيبات دل ذلك على كونه معجزة له صلى الله عليه وسلم. وأيضاً فإن الكتابة تعين الإنسان على الاشتغال بالعلوم وتحصيلها ثم إنه أتى بهذه الشريعة الشريفة والآداب الحسنة مع علوم كثيرة وحقائق دقيقة من غير مطالعة كتب ولا اشتغال على أحد فدل ذلك على كونه معجزة له صلى الله عليه وسلم وقيل في معنى الأمي: الذي هو منسوب إلى أمه كأنه لم يخرج بعد عما ولدته عليه وقيل سمي أمياً لأنه منسوب إلى أم القرى وهي مكة وقوله تعالى: {الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} يعني يجيدون صفته ونعته ونبوته مكتوباً عندهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسداً منهم له وخوفاً على زوال رياستهم وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه فقد زالت رياستهم ووقعوا في الذل والهوان (خ) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة فقال: أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن {أية : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً}تفسير : [الأَحزاب: 45] وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظِّ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا بدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً. (شرح غريب ألفاظ الحديث) الفظ: السيئ الخلق، والغليظ: الجافي القاسي، وقوله سخاب: بالسين والصاد وهو كثير الصياح في الأسواق، والأعوجاج: ضد الاستقامة وأراد بالملة العوجاء: الكفر والقلب الأغلف: الذي لا يصل إليه شيء ينفعه شبهة بالأغلف كأنه في غلاف. وروى البغوي بسنده عن كعب الأحبار قال: إني أجد في التوراة مكتوباً محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحامدون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد يأتزرون على أنصافهم ويغضون أطرافهم صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء مناديهم ينادي في جوف السماء لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام. وقوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف} يعني بالإيمان وتوحيد الله {وينهاهم عن المنكر} يعني عن الشرك بالله، وقيل: المعروف ما عرف في الشريعة والسنة والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق وصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام {ويحل لهم الطيبات} يعني بذلك ما كان محرماً عليهم في التوراة من الطيبات وهو لحوم الإبل وشحم الغنم والمعز والبقر، وقيل: هو ما كانوا يحرمونه على أنفسهم في الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، وقيل: هي المستلذات التي تستطيبها الأنفس {ويحرم عليهم الخبائث} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الميتة والدم ولحم الخنزير، وقيل: هو كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس، فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل {ويضع عنهم إصرهم} يعني ثقلهم وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحركة لثقله، والمراد بالإصر هنا العهد والميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام فكانت تلك الشدائد {والأغلال التي كانت عليهم} يعني ويضع الأثقال والشدائد التي كانت عليهم في الدين والشريعة وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة عن البدن والثواب بالمقراض وتعيين القصاص في القاتل وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وتتبع العروق في اللحم وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل شبهت بالأغلال مجازاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل، وقيل: شهبت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاء محمد عليه الصلاة والسلام نسخ ذلك كله ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: بعثت بالحنيفية السهلة السمحة {فالذين آمنوا به} يعني بمحمد عليه الصلاة والسلام {وعزروه} يعني وقّروه وعظموه، وأصل التعزير المنع والنصرة وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه وهو قوله {ونصروه} يعني على أعدائه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني القرآن سمي القرآن نوراً لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم {أولئك هم المفلحون} يعني هم الناجون الفائزون بالهداية.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً...} الآية: {ٱكْتُبْ}: معناه: أَثْبتْ وَٱقْضِ، والكَتْب: مستعملٌ في كلِّ ما يخلَّد، و{حَسَنَةً}: لفظ عامٌّ في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة للَّه سبحانه، وغَيْرِ ذلك، وحَسَنَةُ الآخرةِ: الجَنَّة، لا حَسَنَةَ دونها، ولا مَرْمَىٰ وراءها، و{هُدْنَـا } - بضم الهاء -: معناه: تُبْنَا. وقوله سبحانه: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ}، يحتمل أن يريد بـــ «العذاب» الرجفةَ التي نزلَتْ بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتملُ؛ وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخَبَرُ عن عذابه، وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته؛ كما يشاء سبحانه، ويندرجُ في عمومِ العذابِ أصحابُ الرجفة، وقرأ الحسنُ بنُ أبي الحسن، وطَاوُسٌ، وعَمْرُو بن فائدٍ: «مَنْ أَسَاءَ» من الإِساءة، ولا تعلُّق فيه للمعتزلة، وأطنب القُرَّاء في التحفُّظ من هذه القراءَةِ، وَحَمَلَهُمْ على ذلك شُحُّهم على الدِّين. وقوله سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، قال بعض العلماء: هو عمومٌ في الرحمة، وخصوصٌ في قوله: {كُلَّ شَيْءٍ}، والمراد: مَنْ قد سبق في عِلْم اللَّه أن يرحمهم، وقوله سبحانه: {فَسَأَكْتُبُهَا }، أي: أقدِّرها وأقضيها. وقال نَوْفٌ البِكَالِيُّ: إِن موسَىٰ عليه السلام قال: يا رَبِّ، جعلْتَ وِفَادَتِي لأمَّة محمَّد عليه السلام، وقوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ}: الظاهر: أنها الزكاةُ المختصَّة بالمالِ، وروي عن ابن عباس؛ أن المعنى: يؤتون الأعمالَ التي يزكُّون بها أنفسهم. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّيَّ...} الآية: هذه ألفاظٌ أخرجَت اليهودَ والنصَارَىٰ مِنَ ٱلاشتراك الذي يظهر في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ }، وخلُصَتْ هذه العِدَةُ لأُمة محمَّد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس وغيره. قلْتُ: وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسَالة النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف؛ بحَسَب تفاوتهم في حقيقة ٱلاتباعية للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «الإِحياء»: وإِنما أُمَّتُه صلى الله عليه وسلم مَنِ ٱتبعه، وما ٱتبعه إِلاَّ مَنْ أعرض عن الدنيا، وأَقْبَلَ على الآخرةِ، فإِنه عليه السلام ما دَعَا إِلاَّ إِلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وما صَرَفَ إِلاَّ عن الدنيا والحظوظِ العاجلةِ، فبقدْرِ ما تُعْرِضُ عن الدنيا، وتُقْبِلُ على الآخرة، تَسْلُكُ سبيله الذي سَلَكَهُ صلى الله عليه وسلم، وبقَدْرِ ما سَلَكْتَ سبيله، فقد اتبعته، وبقَدْر ما اتبعتَهُ، صِرْتَ من أمته، وبقَدْرِ ما أَقبلْتَ على الدنيا، عَدَلْتَ عن سبيله، ورغبْتَ عَنْ متابعته، وٱلتحقْتَ بالذين قال اللَّه تعالَىٰ فيهم: { أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا * فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ } تفسير : [النازعات:37،38،39]. انتهى، فإن أردتَّ ٱتباعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، وٱقتفَاءَ أثره، فٱبْحَثْ عن سيرته وخُلُقه في كتب الحديث والتفسير. قال ابنُ القَطَّان في تصنيفه الذي صنَّفه في «الآيات والمعجزات»: والقول الوجيز في زُهْدِهِ وعبادتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وسائرِ حُلاَه وَمعَاليه صلى الله عليه وسلم: أنه مَلَكَ مِنْ أقْصَى اليمن إِلَىٰ صحراء عمان إِلى أَقْصَىٰ الحجاز، ثم تُوُفِّيَ عليه السلام، وعليه دَيْنٌ، ودِرْعُهِ مَرْهونةٌ في طَعَام لأهله، ولم يتركْ ديناراً ولا درهماً، ولا شَيَّد قَصْراً، ولا غَرَس نَخْلاً، ولا شَقَّقَ نَهْراً، وكان يأكل على الأرْضِ ويجلسُ على الأرض، ويَلْبَسُ العَبَاءة، ويجالسُ المَساكين، ويَمْشِي في الأسواق، ويتوسَّد يَدُه، ويلعقُ أصابعه، ويُرقِّع ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه، ويُصْلِح خُصَّه، ويمهنُ لأهله، ولا يأكل متْكِئاً، ويقول: «أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْد»، ويقتصُّ من نفْسه، ولا يُرَىٰ ضاحكاً مِلْء فِيهِ ولو دُعِيَ إِلى ذراعٍ، لأجـاب، ولو أُهْدِيَ إِليه كُرَاعٌ لَقِبل، لا يأكلُ وحده، ولا يَضْرِبُ عبده، ولا يمنعُ رفْده ولا ضَرَبَ قطُّ بيدِهِ إِلاَّ في سَبِيل اللَّه، وقام للَّه حتَّى تَوَرَّمَتْ قدماه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللَّه لك مَا تَقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ؟ فقال: «أفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً»، وكان يُسْمَعُ لِجَوْفه أَزِيزٌ؛ كأزيز المِرْجَلِ من البكاءِ؛ إِذا قام بالليل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأتباعه صلاةً دائمةً إِلَىٰ يوم القيامة. انتهى. وقال الفَخْر: قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِين يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ...} الآية، قال بعضهم: الإِشارة بذلك إِلى مَنْ تقدَّم ذكْرُه من بني إِسرائيل، والمعنَىٰ: يتبعونه بٱعتقادِ نبوَّته؛ من حيث وَجَدُوا صفتَهُ في التوراة، وسيجدونه مكتوباً في الإِنجيل. وقال بعضهم: بل المرادُ مَنْ لحق مِنْ بني إِسرائيل أيام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبيَّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمةُ الآخرة إِلاّ إذا اتبعوا النبيَّ الأُميَّ. قال الفخْر: وهذا القول أقربُ. انتهى. وقوله: {يَجِدُونَهُ}، أي: يجدون صفة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ونعته؛ ففي «البخاريِّ» وغيره، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ أنَّ في التوراة مِنْ صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم «يَأيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَحِرْزاً لِلأُمِيِّيِّن، أنْتَ عَبْدِي وَرَسُولي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سخَّاب في الأَسْوَاق، وَلاَ يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو، وَيَصْفَحُ وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّىٰ أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاء؛ بأنْ يَقُولُوا: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوباً غُلْفاً، وأَذَاناً صُمًّا، وَأَعْيُناً عُمْياً»، وفي «البخاريِّ»: «فَيَفْتَحُ بِهِ عُيُونَاً عُمْياً، وآذاناً صُمًّا، وقُلُوباً غُلْفاً»، ونصَّ كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إِلاَّ أنه قال: «قُلُوباً غُلُوفاً، وآذاناً صُمُوماً». وقوله سبحانه: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ...} الآية: يحتملُ أن يكون ٱبتداءَ كلامٍ وُصِفَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أن يكون متعلِّقاً بـــ «يجدونه» في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي: يجدونه في التوراةِ آمراً؛ بشرط وجوده، والمعروف: ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروفٌ بالشرع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: حديث : «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخْلاَقِ» تفسير : و{ٱلْمُنكَرِ}: مقابله، وَ{ٱلطَّيِّبَاتِ }؛ عند مالك: هي المحلَّلات، و{ٱلْخَبَـٰئِثَ } هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثَّقْل، وبه فَسَّرَ هنا قتادةُ وغيره، والإِصْر أيضاً: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين؛ فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة، وقرأ ابن عامر: «آصارَهُمْ» بالجمع فمَنْ وحَّد «الإصر»؛ فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، {وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا بـــ {ٱلأَغْلَـٰلَ } قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود: { أية : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [المائدة:64]، فمنْ آمن بنبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها، ومعنى {عَزَّرُوهُ}: أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، وٱتِّبَاعُ النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إِلَىٰ يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهُدَىٰ بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به؛ كما يستضيء البَصَرُ بالنُّور.
السيوطي
تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} قال: فلم يعطها موسى {قال عذابي أصيب به من أشاء} إلى قوله {المفلحون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} قال: فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة . وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير {واكتب لها في هذه الدنيا حسنه} قال: مغفرة . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله {إنا هدنا إليك} قال: تبنا إليك . وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله {إنا هدنا إليك} قال: تبنا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وجزة السعدي ــ وكان من أعلم الناس بالعربية ــ قال: لا والله لا أعلمها في كلام أحد من العرب {هدنا} قيل: فكيف قال: هدنا بكسر الهاء؟ يقول: ملنا. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله {ورحمتي وسعت كل شيء} قالا: وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله {ورحمتي وسعت كل شيء} قال: رحمته في الدنيا على خلقه كلهم يتقلبون فيها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سماك بن الفضل. أنه ذكر عنده أي شيء أعظم ، فذكروا السموات والأرض وهو ساكت فقالوا: ما تقول يا أبا الفضل؟ فقال: ما من شيء أعظم من رحمته، قال الله تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء} . وأخرج أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نادى: اللهمَّ ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لقد حظرت رحمة واسعة، أن الله خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها، وعنده تسعة وتسعون ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسع وتسعون إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان موقوفاً وابن مردويه عن سلمان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : أن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فأهبط منها رحمة إلى الأرض، فيها تراحم الخلائق، وبها تعطف الوالدة على ولدها، وبها يشرب الطير والوحوش من الماء، وبها تعيش الخلائق، فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين، وزاد تسعاً وتسعين رحمة، ثم قرأ {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} ". تفسير : وأخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه، الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه " . تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والملوك والأشراف. وقالت الجنة: يا رب، يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين. فقال الله للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: لما نزلت {ورحمتي وسعت كل شيء} قال إبليس: يا رب، وأنا من الشيء. فنزلت {فسأكتبها للذين يتقون...} الآية. فنزعها الله من إبليس . وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: لما نزلت {ورحمتي وسعت كل شيء} قال: إبليس: وأنا من الشيء. فنسخها الله، فأنزل {فسأكتبها للذين يتقون} إلى آخر الآية. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: لما نزلت {ورحمتي وسعت كل شيء} قال: إبليس: أنا من كل شيء. قال الله {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} قالت يهود: فنحن نتقي ونؤتي الزكاة. قال الله {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه . وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان بن عيينة قال: لما نزلت هذه الآية {ورحمتي وسعت كل شيء} مد إبليس عنقه فقال: أنا من الشيء. فنزلت {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} فمدت اليهود والنصارى أعناقها فقالوا: نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل، ونؤدي الزكاة. فاختلسها الله من إبليس واليهود والنصارى، فجعلها لهذه الأمة خاصة فقال {الذين يتبعون ...} الآية . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده وابن مردويه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم. قوله {واختار موسى قومه} إلى قوله {فسأكتبها للذين يتقون} فأعطى محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء. سأل موسى ربه في هذه الآية . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فسأكتبها للذين يتقون} قال: كتبها الله لهذه الأمة . وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: دعا موسى فبعث الله سبعين، فجعل دعاءه حين دعاه آمن بمحمد، واتبعه قوله {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين،... فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين يتبعون محمداً} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فسأكتبها للذين يتقون} قال يتقون الشرك . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير {فسأكتبها للذين يتقون} قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال موسى: يا ليتني أخرت في أمة محمد. فقالت اليهود لموسى: أيخلق ربك خلقاً ثم يعذبهم؟ فأوحى الله إليه: يا موسى ازرع. قال: قد زرعت. قال: أحصد. قال: قد حصدت . قال: دس. قال: قد دست. قال: ذر. قال: قد ذريت. قال: فما بقي؟ قال: ما بقي شيء فيه خير. قال: كذلك لا أعذب من خلقي إلا من لا خير فيه . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال: إنهما من السبعين الذين سألهم موسى بن عمران فاخراً حتى أعطيهما محمداً صلى الله عليه وسلم. قال: وتلا هذه الآية {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا ...} الآية . وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إذا كان يوم الجمعة نزل جبريل عليه السلام إلى المسجد الحرام، فركز لواءه بالمسجد الحرام وغدا بسائر الملائكة إلى المساجد التي يجمع فيها يوم الجمعة ، فركزوا ألويتهم وراياتهم بأبواب المساجد، ثم نشروا قراطيس من فضة وأقلاماً من ذهب، ثم كتبوا الأول فالأول من بكَّر إلى الجمعة، فإذا بلغ من في المسجد سبعين رجلاً قد بكروا طووا القراطيس، فكان أولئك السبعون كالذين اختارهم موسى من قومه، والذين اختارهم موسى من قومه كانوا أنبياء . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا راح منا إلى الجمعة سبعون رجلاً كانوا كسبعين موسى الذين وفدوا إلى ربهم أو أفضل ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله {النبي الأمي} قال: كان لا يكتب ولا يقرأ . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {الرسول النبي الأمي} قال: هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب . وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال " حديث : خرج علينا رسول الله صلى عليه وسلم يوماً كالمودع فقال: أنا محمد النبي الأمي، أنا محمد النبي الأمي، أنا محمد النبي الأمي، ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت خزنة النار وحملة العرش، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم كتاب الله، أحلوا حلاله وحرِّموا حرامه " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وان الشهر كذا وكذا، وضرب بيده ست مرات وقبض واحدة " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ من طريق مجالد . قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب، فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال: صدق، سمعت أصحابنا يقولون ذلك . قوله تعالى : {الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل} . أخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل} قال: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم . وأخرج ابن سعد عن قتادة قال: بلغنا أن نعت رسول الله صلى عليه وسلم في بعض الكتب محمد رسول الله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون على كل حال . وأخرج ابن سعد وأحمد عن رجل من الأعراب قال: جلبت حلوية إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل ولأسمعن منه . فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشيان ، فتبعتهما حتى أتيا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ فقال برأسه هكذا؛ أي لا. فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة إن لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال: أقيموا اليهودي عن أخيكم، ثم ولي كفنه والصلاة عليه ". تفسير : وأخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل ــ والله ــ إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن {أية : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً}تفسير : [الأحزاب: 45] وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله. ويفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً . وأخرج ابن سعد والدارمي في مسنده والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة { أية : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً}تفسير : [الأحزاب: 45] وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله. ويفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفا . وأخرج الدارمي عن كعب قال: في السطر الأول : محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام. وفي السطر الثاني: محمد رسوله الله أمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم ، ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جوّ السماء كأصوات النحل . وأخرج ابن سعد والدارمي وابن عساكر عن أبي فروة عن ابن عباس. إنه سأل كعب الأحبار كيف قد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق، ولا يكافىء بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون يحمدون الله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجد، ويوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم ، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جوّ السماء . وأخرج أبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال: نجده موصوفاً فيها محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، وأعطى المفاتيح ليبصر الله به أعيناً عوراً، ويسمع به آذاناً صماً، ويقيم به السنة معوجة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف. وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : صفتي أحمد المتوكل مولده بمكة ومهاجره إلى طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ، يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافىء بالسيئة، أمته الحمادون يأتزرون على أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، أناجيلهم في صدورهم، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال، قربانهم الذي يتقربون به إلى دمائهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار " . تفسير : وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إن أبي كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى ، وكان لم يدخر عني شيئاً مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئاً مما كنت أعلمه، إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما: نبي يبعث قد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما، فلا تعرضن لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيراً ويخرج ذلك النبي تتبعه، ثم أنه مات فدفناه فلم يكن شيء أحب إليّ من أن أنظر في الورقتين ، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين؟ فإذا فيهما : محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويصفح ، وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال ، تذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم ، أناجيلهم في صدروهم وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم . فمكث ما شاء الله ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة، فأخرت حتى استثبت، ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده فقلت: لا أدخل في هذا الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم ، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدمت علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر، فوالله إني لذات ليلة فوق سطحي، فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله {أية : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً...}تفسير : [النساء: 47] الآية. فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي، فما كان شيء أحب إليّ من الصباح فغدوت على المسلمين . وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب "حديث : أن يهودياً كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير، فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما عندي ما أعطيك. قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني. قال: إذن أجلس معك يا محمد فجلس معه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتهددون اليهودي ويتوعدونه ، فقالوا: يا رسول الله، يهودي يحبسك؟ قال: منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره، فلما ترحل النهار أسلم اليهودي وقال: شطر مالي في سبيل الله، أما ولله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحشاء ولا قوّال للخنا ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن الزهري. حديث : أن يهودياً قال: ما كان بقي شيء من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته إلا الحلم، وإني أسلفته ثلاثين ديناراً في ثمر إلى أجل معلوم، فتركته حتى إذا بقي من الأجل يوم أتيته فقلت: يا محمد، اقضني حقي فإنكم معاشر بني عبد المطلب مطل. فقال عمر: يا يهودي الخبيث، أما والله لولا مكانه لضربت الذي فيه عيناك، فقال رسول الله صلى عليه وسلم "غفر الله لك يا أبا حفص، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوج إلى أن تكون أمرتني بقضاء ما عليّ، وهو إلى أن تكون أعنته على قضاء حقه أحوج فلم يزده جهلي عليه إلا حلماً. قال: يا يهودي، إنما يحل حقك غداً، ثم قال: يا أبا حفص، أذهب به إلى الحائط الذي كان سأل أوّل يوم، فإن رضيه فاعطه كذا وكذا صاعاً وزده لما قلت له كذا وكذا صاعاً وزده، فإن لم يرض فاعط ذلك من حائط كذا وكذا، فأتى بي الحائط فرضي تمره فأعطاه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمره من الزيادة، فلما قبض اليهودي تمره قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وأنه والله ما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلا أني قد كنت رأيت في رسول الله صفته في التوراة كلها إلا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهدك أن هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين. فقال عمر: فقلت: أو بعضهم؟ فقال: أو بعضهم. قال: وأسلم أهل بيت اليهودي كلهم إلا شيخ كان بان مائة سنة فعسا على الكفر " . تفسير : وأخرج ابن سعد عن كثيِّر بن مرة قال: إن الله يقول: لقد جاءكم رسول ليس بوهن ولا كسل، يفتح أعيناً كانت عمياً، ويسمع آذاناً كانت صماً، ويختن قلوباً كانت غلفاً، ويقيم سنة كانت عوجاء، حتى يقال: لا إله إلا الله . وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس فقال "أخرجوا إليَّ أعلمكم فقالوا: عبد الله بن صوريا. فخلا به رسول الله صلى عليه وسلم ، فناشده بدينه وبما أنعم به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، أتعلم أني رسول الله ؟ قال: اللهمَّ نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك المبين في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم " . تفسير : وأخرج الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن الفلتان بن عاصم قال: حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم" أتقرأ التوراة؟ قال: نعم قال: والإِنجيل؟ قال: نعم. فناشده هل تجدني في التوراة والإِنجيل؟ قال: نجد نعتاً مثل نعتك ومثل هيئتك ومخرجك، وكنا نرجو أن تكون منا، فلما خرجت تخوَّفنا أن تكون هو أنت، فنظرنا فإذا ليس أنت هو. قال: ولم ذاك؟ قال: إن معه من أمته سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، وإنما معك نفر يسير. قال: والذي نفسي بيده لأنا هو، إنهم لأمتي وأنهم لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين ألفاً" . تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثت قريش النظر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة فقالوا: أتيناكم لأمر حدث فينا، منا غلام يتيم يقول قولاً عظيماً، يزعم أنه رسول الرحمن قالوا: صفوا لنا نعته. فوصفوا لهم قالوا: فمن تبعه منكم؟ قالوا: سفلتنا. فضحك حبر منهم فقال: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله تعالى مائتي سنة، ثم مات فأخذوه فألقوه على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أن أخرج فصلِّ عليه قال: يا رب، بنو إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائتي سنة ، فأوحى الله إليه: هكذا كان لأنه كان كلما نشر التوراة، ونظر إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم قبَّله وضعه على عينيه وصلى عليه، فشكرت له ذلك وغفرت ذنوبه وزوّجته سبعين حوراء . وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإِنجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح . وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال " قدم الجارود بن عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال: والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإِنجيل ولقد بشَّر بك ابن البتول " . وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال: قرأت في الإِنجيل نعت محمد صلى الله عليه وسلم : إنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو طمرين، بين كتفيه خاتم ، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة ، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً، ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر، وهو يفعل ذلك وهو من ذرية اسمعيل عليه السلام . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أوحى الله تعالى إلى شعيب " إني باعث نبياً أمياً أفتح به آذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المتحبب المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح رحيماً بالمؤمنين ، يبكي للبهيمة المثقلة ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوّال للخنا، يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع ــ يعني اليابس ــ لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً ونذيراً، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم ، أجعل السكينة لباسه، والبرَّ شعاره، والمغفرة والمعروف حليته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به من بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب، وأهواء متشتتة وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وتوحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي وتصديقاً لما جاءت به رسلي ، وهم رعاة الشمس . طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، أُلهمهم التسبيح والتكبير والتمجيد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم ، ويصفُّون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياماً وقعوداً وسجوداً ، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، اختم بكتبهم الكتب، وشريعتهم الشرائع ، وبدينهم الأديان ، من أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني بريء ، واجعلهم أفضل الأمم، واجعلهم أمة وسطاء شهداء على الناس ، إذا عضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبَّروني، وإذا تنازعوا سبَّحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، مناديهم في جو السماء، لهم دوي كدوي النحل، طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم " . وأخرج البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال: إن الله أوحى في الزبور " يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً، وقد غفرت له أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء ، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم ، يا داود إني فضَّلت محمداً وأمته على الأمم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته ، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافاً مضاعفة، ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أؤخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صباً، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره ، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار " . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن عمرو قال: أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله كما تحب الحمامة وكرها ، ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإِبل إلى وردها يوم ظمئها . قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} الآية . أخرج الطبراني عن حبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل من الأعراب يستفتيه عن الرجل ، ما الذي يحل له والذي يحرم عليه في ماله ونسكه وماشيته وعنزه وفرعه من نتاج إبله وغنمه؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلَّ لك الطيبات وحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام فتأكل منه حتى تستغني عنه. قال: ما فقري الذي آكل ذلك إذا بلغته؟ أمْ ما غناي الذي يغنيني عنه؟ قال: إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك ، أو كنت ترجو عشاء تصيبه مدركاً فتبلغ إليه بلحوم ماشيتك، وإذا كنت لا ترجو من ذلك شيئاً فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. قال الأعرابي: وما عشائي الذي أدعه إذا وجدته؟ قال: إذا رويت أهلك غبوقاً من اللبن فاجتنب ما حرم عليك من الطعام ، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس منه حرام غير أن في نتاجك من إبلك فرعاً، وفي نتاجك من غنمك فرعاً تغذوه ماشيتك، حتى تستغني، ثم إن شئت فاطعمه أهلك وإن شئت تصدَّق بلحمه، وأمره أن يعقر من الغنم في كل مائة عشراً " . تفسير : وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن جريج في قوله {ويحل لهم الطيبات} قال: الحلال {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} قال: التثقيل الذي كان في دينهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ويحرم عليهم الخبائث} قال: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلون من المحرمات من المآكل التي حرَّمها الله. وفي قوله {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} قال: هو ما كان أخذ الله عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ويضع عنهم إصرهم} قال: عهدهم ومواثيقهم في تحريم ما أحلَّ الله لهم . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإِنجيل . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ويضع عنهم إصرهم} قال: التشديد في العبادة، كان أحدهم يذنب الذنب فيكتب على باب داره: إن توبتك أن تخرج أنت وأهلك ومالك إلى العدو فلا ترجع حتى يأتي الموت على آخركم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ويضع عنهم إصرهم} قال: ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله {والأغلال التي كانت عليهم} قال: الشدائد التي كانت عليهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ويضع عنه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} قال: تشديد شدد على القوم، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالتجاوز عنهم. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير {ويضع عنهم إصرهم} قال: ما غلظوا على أنفسهم من قطع أثر البول، وتتبع العروق في اللحم وشبهه . وأخرج ابن جرير عن مجاهد {ويضع عنهم إصرهم} قال: عهدهم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {عزروه} يعني عَظَّموه وَوَقَّروه . وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {وعزَّروه ونصروه} قال: بالسيف . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وعزَّروه} يقول: نصروه. قال: فأما نصره وتعزيزه وقد سبقتم به، ولكن خيركم من آمن واتبع النور الذي أنزل معه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاده {وعزَّروه} قال: شددوا أمره وأعانوا رسوله ونصروه . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وعزروه} مثقلة .
ابو السعود
تفسير : {وَٱكْتُبْ لَنَا} أي عيِّنْ لنا وقيل: أوجِبْ وحقِّقْ وأثبتْ {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي نعمةً وعافيةً أو خَصلة حسنةً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: اقبَلْ وِفادتَنا ورُدَّنا بالمغفرة والرحمة {وَفِي ٱلأَخِرَةِ} أي واكتبْ لنا فيها أيضاً حسنةً وهي المثوبةُ الحسنى والجنة {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ} أي تُبْنا وأنبْنا إليك، من هاد يهودُ إذا رجَع وقرىء بكسر الهاء من هاده يهيدُه إذا حرَّكه وأماله ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل أو للمفعول بمعنى أمَلْنا أنفسَنا أو أمِلْنا إليك، وتجويزُ أن تكون القراءةُ المشهورة على بناء المفعول على لغة من يقول: عودَ المريضُ مع كونها لغةً ضعيفةً مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل، والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل الدعاءِ فإن التوبةَ مما يوجب قَبولَه بموجَب الوعدِ المحتوم، وتصديرُها بحرف التحقيقِ لإظهار كمالِ النشاطِ والرغبةِ في التوبة، والمعنى إنا تُبنا ورجَعْنا عما صنعنا من المعصية العظيمةِ التي جئناك للاعتذار عنها وعما وقع هٰهنا من طلب الرؤية، فبعيدٌ من لطفك وفضلك أن لا تقبل توبة التائبـين. قيل: لما أخذتْهم الرجفةُ ماتوا جميعاً فأخذ موسى عليه الصلاة والسلام يتضرع إلى الله تعالى حتى أحياهم، وقيل: رجَفوا وكادت تَبـينُ مفاصلُهم وأشرفوا على الهلاك فخاف موسى عليه الصلاة والسلام فبكى فكشفها الله تعالى عنهم. {قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الكلامُ كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى عند دعاءِ موسى عليه السلام؟ فقيل: قال: {عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء} لعله عز وجل حين جعل توبةَ عبدةِ العجلِ بقتلهم أنفسَهم ضمّن موسى عليه السلام دعاءَه التخفيفَ والتيسير حيث قال: واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي خَصلةً حسنةً عاريةً عن المشقة والشدة فإن في قتل أنفسهم من العذاب والتشديد ما لا يخفى، فأجاب تعالى بأن عذابـي شأنُه أن أُصيبَ به من أشاء تعذيبَه من غير دخل لغيري فيه وهم ممن تناولَتْه مشيئتي، ولذلك جُعلت توبتُهم مشوبةً بالعذاب الدنيوي {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء} أي شأنُها أن تسَعَ في الدنيا المؤمنَ والكافرَ بل كلَّ ما يدخل تحت الشيئية من المكلفين وغيرِهم وقد نال قومَك نصيبٌ منها في ضمن العذاب الدنيوي، وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارعِ ونسبةِ السعةِ إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذانٌ بأن الرحمةَ مقتضى الذاتِ وأما العذابُ فبمقتضى معاصي العباد، والمشيئةُ معتبرةٌ في جانب الرحمةِ أيضاً وعدمُ التصريحِ بها للإشعار بغاية الظهور، ألا يُرى إلى قوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا} أي أُثبتها وأعيِّنُها فإنه متفرعٌ على اعتبار المشيئةِ كأنه قيل: فإذا كان الأمرُ كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابـي وسَعةِ رحمتي لكل من أشاء فسأكتبُها كَتْبةً كائنة كما دعوتَ بقولك: واكتب لنا في هذه الخ، أي سأكتبها خالصةً غيرَ مشوبةٍ بالعذاب الدنيوي {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي الكفر والمعاصي إما ابتداء أو بعد ملامستها وفيه تعريض بقومه كأنه قيل: لا لقومك لأنهم غير متقين فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة للعذاب الدنيوي {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ} وفيه أيضا تعريضٌ بهم حيث كانت الزكاةُ شاقةً عليهم، ولعل الصلاةَ إنما لم تذكَرْ مع إنافتها على سائر العبادات اكتفاءً عنها بالاتقاء الذي هو عبارةٌ عن فعل الواجبات بأسرها وتركِ المنكرات عن آخرها، وإيرادُ إيتاءِ الزكاة لما مر من التعريض {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِنَا} جميعاً {يُؤْمِنُونَ} إيماناً مستمراً من غير إخلالٍ بشيء منها، وفيه تعريضٌ بهم وبكفرهم بالآيات العظامِ التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام وبما سيجيء بعد ذلك من الآيات البـيناتِ كتظليل الغمامِ وإنزالِ المنِّ والسلوى وغيرِ ذلك. وتكريرُ الموصول مع أن المرادَ به عينُ ما أريد بالموصول الأولِ دون أن يقال: ويؤمنون بآياتنا عطفاً على يؤتون الزكاة كما عُطف هو على يتقون لما أشير إليه من القَصْر بتقديم الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}[156] أي تبنا إليك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} [الآية: 156]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ذلك فى نفس المعارف ما عرفه أحد إلا تكدر عيشه، وأرباب الحقائق لا يُعذبون فى الدنيا إلا بتواتر نعم الله عليهم والتقرب، حتى يرد عليه ما منه يغيب من الصفات والنعوت، فيرتفع عند سوء الأدب فى السير. قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الآية: 156]. قال الكتانى رحمة الله عليه: تَسَعُ كل شىء ولكن خصَّ بها الأنبياء لقوله تعالى. {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ومن يمكنه تصحيح التقوى فيكون بشرط الآية. قال بعضهم: وصف العذاب بصفة الخصوص مقرونًا بالمشيئة، وعَمَّ الرحمة أنها تسع كل شىء. قال أبو عثمان: لا أعلم فى القرآن آية أقنط من قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} والناس يرونها أرجى آية، وذلك أن الله يقول: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ}. نَطَقَ بلسان التضرع والابتهال حيث صَفَّى إليه الحاجة، وأخلص له في السؤال فقال: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي اهدنا إليك. وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقِّ لأن موسى - عليه السلام قال: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي ....} ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" تفسير : ولا أقلَّ من ذلك، وقال: "حديث : واكفلني كفالة الوليد"تفسير : ثم زاد في ذلك حيث قال: "حديث : لا أحصي ثناء عليك ". تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}. أي مِلْنَا إلى دينك، وصِرْنَا لكَ بالكلية، في غير أَنْ نترك لأنفسنا بقية. قوله جلّ ذكره: {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}. وفي هذا لطيفة؛ حيث لم يقل: عذابي لا أُخْلِي منه أحَداً، بل علَّقَه على المشيئة. وفيه أيضاً إشارة؛ أنّ أفعاله - سبحانه - غيرُ مُعَلَّلَة بأكساب الخلق؛ لأنه لم يقل: عذابي أصيب به العصاة بل قال: {مَنْ أَشَآءُ}؛ وفي ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال: {أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} فإذا شاء ألا يصيب به أحداً كان له ذلك، وإلا لم يكن حينئذٍ مختاراً. ثم لمَّا انتهى إلى الرحمة قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} لم يُعَلِّقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلمَّا كان العذابُ من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} مجالٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم {شَيْءٍ}. قوله جلّ ذكره: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيءٍ لعزِّه في ذاته. قوله ها هنا: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي يجتنبون أَنْ يروا الرحمة باستحقاقهم، فإذا اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللةً بأكسابهم - استوجبوا الرحمة، ويحكم بها لهم. {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال.
البقلي
تفسير : {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} جعل نصيبا منك فى الدنيا مشاهدتك ومعرفتك بالعافية عن قهرك وامتحانك {وَفِي ٱلآخِرَةِ} بغير واسطة الجنة وما فيها {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} رجعنا منا اليك وفررنا منك اليك قال ابن عطا اقبلنا بالكلية عليك ويقال ان موسى جاهر الحق بنعت التحقيق وفارق الحشمة فقال صريحا ان هى الا فتنتك ثم وكل الحكم اليه فقال تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء ثم عقبة ببيان التضرع فقال فاغفر لنا وارحمنا قال الاستاد فى قوله انا هدنا اليك ملنا الى دينك وصرنا لك بالكلية من غير ان نترك لانفسنا بقية فلما سأل موسى وقايت الحق من الحق لئلا تدخل فى مربع الانس واللطف زحمة القهر واستوفى منه حظ مشاهدته بلا كدورة الحجاب فرار من قهره الى لطفه ومنه اليه اجابت الحق ان لطف القديم مع قهر القديم بظهر فوقية قهر القدم على الحدث وادخال اعتاق الخليفة تحت اقدام الهيبة بقوله {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} اى عذاب فراقى وامتناعى عن مطالعة ارواح القلوب عن نعت السرمدية واوصل الى من انشاء من العارفين والمحبين تربية وامحانا لهم فى العبودية وصل عذابه بالمشية وهو موضع وخوف لاهل الايمان ثم عم الكل برحمته الواسعة الازلية الشاملة على كل ذرة بقوله {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} جميع الخلائق مستغرقون فى بحار رحمته لان ايجاد الحق اياهم على اى وصف كانوا عين رحمته حيث جعلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته ومباشرة قدرته فيهم ثم ان الخلق بالتفاوة فى الرحمة فالجمادات مستغرقة فى نور فعله وهى الرحمة الفعلية والحيوانات مستغرقة فى نور صفته وهى الحرمة الصفاتية والعقلاء من الجن والانس والملائكة مسغرقون فى فوز ذاته وهى الرحمة الذاتية القديمة من جهة تعريفهم وربوبيته ووحدانيته وهم من جهة الاجسام وما يجرى عليها فى الرحمة العامة ومن جهة الارواح وما يجى عليها فى الرحمة الخاصة وهم فيها بالتفاوة فبعضهم فى رؤية العظمة ذابوا وبعضهم فى رؤية القدم والبقاء هو وبعضهم فى رؤية الجلال والجمال عشقوا قطاشوا ومن خرج من مقام الرحمة الى اصل الصفة ومن الصفة الى اصل الذات استغرق فى الراحم وفنى عن الحرمة فصار رحمته للعالمين وهذا وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لانه وصل بالكل الى الكل فوصله برحمة لاكل بقوله وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ثم خص رحمة الخاص الصفاتية بعد ان عم الكل برحمته العامة للمتفردين بالله عن غير الله الفانين بعظمته فى عظمته الذين بدلوا وجودهم لحق ربوبيته عليهم بقوله {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} اى يتقون فى مبحة مشاهدته عن كل مالوف ومحظوظ دونه ويؤتون الزكوة يتقربون اليه بذبح نفوسهم لديه والذين هم بأياتنا مؤمنون يشاهدون مشاهدة فى رؤية أياتنا قال الواسطى فى قوله اصيب به من اشاء لك فى نفس العارف ما عرفه احد الا تكدر عيشه وارباب بالحقائق لا يعذبون فى الدنيا الا بتواتر نعم الله عليهم والتقرب حتى يرد عليه ما منه بغيب من الصفات والنعوت فيرفتع عنه سؤ الادب فى السير وقال الكنانى رحمه الله تسمع كل شئ كن خص بها الاتقياء قال الله فساكتبها الذين يتقون وقال ابو عثمان لا اعلم فى القرأن انه يقنط من قوله ورحمتى وسعت كل شئ والناس يرونها ارجى أية وذلك ان الله يقول فساكتبها للذين يقتون ومن يمكنه بصحيح التقوى فتكون بشرط الأية وقال بعضهم وصف العذاب بصفة الخصوص مقرونا بالمشية وعم الرحمة انها تسع كل شئ ثم وصف الله هؤلاء المتقين بالاسوة والقدوة والاقتداء فى تقويمهم بالنبى صلى الله عليه وسلم بقوله {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالامية كان عليه السلام اميا بانه كان قبل لكون فى بحر الوصل ومهد القربة شرب البن النبوة والرسالة والاصطفائية من ثدى مضرعة خاصة الازل كان اميا كالولد العزيز فى حجر امه لا يجرى عليه ما يؤذيه كان فى حجر الازل رباه الله بلطفه وغذاء مشاهدته مقدسا فى وقاية كرمه عن المكر والقهر الا ترى كيف قال عليه السلام اللهم واقية الوليد وصفه تقدس رسالته ولطف نبوته عن جميع علة الاكتشاف تلقف فى فلق شرف لاعناية كلمات الازلية بلا واسطة الحدث لا يلتف الى علم المكتسب من الحدثان لاستغراقة فى بحار علوم الرحمان قال ابن عطا الا مى هو الا عجمى قال اعجميا عما دوننا عالما بنا وبما نزل عليه من كلامنا وحقائقنا وقال الامى من لم يعلم من الدنيا شيئا ولا من الأخرة الا ما علمه ربه حالته مع الله حالة واحدة وهو الطهارة بالافتقار اليه والاستغناء عما سواه وزاد الله فى وصفه عليه السلام فى وضع اثقال الشرك والضلال واغلال المخالفات عنهم فى {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} كان القوم بقوافى اصرار المجاهدات بلا مشاهدات واعلال الرياضيات بلا مكاشفات فلما اتبعوه خرجوا من حد الجهالة بطريق المعرفة واستنار لهم سبل الحقيقة ببركة السنة فوجدوا بدايع الطاف الغيبة بنعت الجذب والمواجيد البديهية فيخفف عنهم ما عليهم من اثقال الرهبانية وانحل عن اسرارهم اغلال الشيطانية النفسانية وايضا لما رأهم عليه السلام تحت قهر البعد واغلال فقدان المعروف حيث انهم كانوا مطايا اثقال القهريات المسرورات باسر الغضب القديم فابرز لهم انوار النبوة من مصابيح الرسالة ودعاهم من طريق الهوى والمنى الى محجة التقوى وسيل الرضا ومشاهدة المولى فاجابوا بنعت الاقتداء فترفهوا من علة البدعة بروح السنة قال جعفر رضى الله عنه يضع عنهم اثقال الشرك وذل المخالفات وغل الاهمال وقال الاستاد لا شئ اثقل من كد التدبير فيمن ثقل عن كد التدبير الى روح شهود التقدير فقد وضع عنه كل اصر وكفى كل وزروا امرو الاغلال التى كانت عليهم ما ابتدعوه من قبل انفسهم من قبل انفسهم باختيارهم فى التزام طاعات الله لم يفرض عليهم ثم وصف هؤلاء بالايمان والايقان واعانة رسوله ونصرته عليه السلام ومتابعة القرأن بقوله {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} اى شاهد وامقامات النبوة بنعت الولاية وبذلوا مهجتهم فى نصرته على اعداء الله وسكلوا بنور القرأن طريق العرفان ثم وصفهم بالفوز النجاة من ايدى الشياطين وهواجس النفوس بنور القرأن والسنة وظفروا بمشاهدة الحق وحلاوة محبته قيل ابتعوا سنته ليوصلهم ابتاع السنن الى مبادى الاحوال السنية قال بعضهم صدقوا ما جاء به وبذلوا المهج بين يديه ثم امر نبيه صلى الله عليه وسلم باظهار ما اعطاه الله من رفيع درجاته وسنى معجزاته ولطيف كراماته لمن له استعداد الانسانية وقبول الحق للعقل حجة للعالمين وانفتاح ابصار الصديقين بانوار جماله وسنا جلاله بقوله {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} اى مخبركم من شوق الله فى وجوه العارفين وطيب امراض الخليقة ودليلهم الى طريق الحقيقة ومنقذ العالمين عن البدعة بانوار الشريعة وامره بوصف جلاله وملكته على انتظام المسوات والارض وايجاد الخلق وانفائهم بالحق بوله {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} نفى الانداد والاضداد من ساحة الكبرياء ووصفه باحاطته على ملك السموات والارض بالعز والبقاء وبانه يحيى قلوب العارفين بمشاهدته ويميت قلوب اعدائه بقهره ثم امره بان يامرهم بالايمان به وبرسوله بنعت معرفته وشهودهم مشاهدة نببيه ثم وصف رسول الله بلامية عما دونه وشهوده مشاهدة قدم به لابنفسه وروية ما اخبر عن اسرار ذاته وصفاته فى كلامه بقوله {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} اى يومن بالله بنعت الرضا عنه فيما يجرى عليه من قضائه وقدره ووصف حضور قلبه بنعت الشكف بين يديه ويوقن ما اخبر له فى اسرار الازل والاباد فلما كمل فى ثنائه ووصفه باحسن الوصف امر الجمهور بمتابعته ليجدوا بنور مناهج معرفته بقوله {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} جعل متابعة نبيه مفاتيح فواتح خزائن كنوز معارف ذاته وصفاته اى اتبعوه بنعت المحبة ووصف الاقتداء بالنسة بغير المخالفة لعلكم ترشدون مشاهد انوار الذات فى الصفات ومساقط تجلى الصفات فى الافعال وهذا وصف من تجانس له فطرة الولاية النبوة والرسالة فاذا وصل نور الرسالة الى نور الولاية ظهر طرق المعرفة لاهل الخالصة من المشاهدة ليس علة المعرفة المتابعة ولكن علة المتابعة المعرفة لان منها ينشعب جميع المعاملات السنية والحلات الشريفة المتابعة تكليف والمعرفة تشريف التكليف للاشباح والتشريف للارواح قال الحسن بن منصور ان الحق ارود تكليفه على ضربين تكليفا عن وسائط وتكليفا بحقائق فتكليف الحقيقة ---- منه وعادت اليه وتكليف الوسائط بدت معارفه عما دونه فمل يصل اليه فتناهى من معارفهما الى --- معرفة اهل الوسائط ولم يناه معارف من احد معارفه عن شهود الحق كل ذلك رفقا من الحق بالخلق من بانه لا يوصل اليه الا بما منه.
الطوسي
تفسير : هذا تمام الاخبار عما قال موسى وقومه الذين كانوا معه، وأنهم سألوا الله تعالى المغفرة وأن يكتب لهم في هذه الدنيا حسنة وهي النعمة، وإِنما سميت النعمة حسنة وإِن كانت الحسنة اسم الطاعة لله لأمرين: أحدهما أن النعمة تتقبلها النفس كما يتقبل العقل الحسنة التي هي الطاعة. والآخر - أن النعمة ثمرة الطاعة لله عز وجل، وإِنما سألوا أن يكتب لهم، ولم يسألوا أن يجعل لهم، لأن ما كتب من النعمة أثبت لا سيما اذا كانت الكتابة خبراً بدوام النعمة، ويقال كتب له الرزق في الديوان، فيدل على ثبوته على مرور الأزمان. {وفي الآخرة} معناه واكتب لنا في الآخرة أيضاً النعمة التي هي الثواب {إِنا هدنا إليك} قال ابن عباس معناه تبنا اليك، وبه قال سعيد بن جبير وابراهيم وقتادة ومجاهد. وأصله الرجوع من هاد يهود، فهو هايد اذا رجع، فمعناه رجعنا بتوبتنا اليك، والتهويد الترفق في السير والتفريج والتمكث. وقال أبو وجرة: - هدنا - بكسر الهاء من هاد يهيد، وهو شاذ، وثوب مهود أي مرقع ذكره الجبائي، وليس اليهود مشتقاً منه، بل إِنما قيل يهودي، لأنه نسب الى يهوذا، لكن العرب غيرته في النسب. وقوله {قال عذابي أصيب به من أشاء} حكاية عما أجابهم الله به من أن عذابه يصيب به من يشاؤه ممن استحقه بعصيانه. وقيل: إِنما علقه بالمشيئة ولم يعلقه بالمعصية لأمرين: أحدهما - الاشعار بأن وقوعه بالمشيئة له، دون المعصية. الثاني - انه لا يشأ ذلك إِلا على المعصية، فأيهما ذكر دل على الآخر وعندنا أنه علقه بالمشيئة، لأنه كان يجوز الغفران عقلاً بلا توبة. وقوله {ورحمتي وسعت كل شيء} معناه إِني أقدر أن أنعم على كل شىء يصح الانعام عليه، وقيل: المعنى إِنها تسع كل شىء إِن دخلوها، فلو دخل الجميع فيها لو سمعتهم الا أن فيهم من يمتنع منها بالضلال بأن لا يدخل معه فيها، وقال ابن عباس: وهي خاصة في المؤمنين، وقال الحسن وقتادة هي عامة للبر والفاجر - في الدنيا - خاصة. وفي الآخرة للبر. وقوله {فسأكتبها للذين يتقون} معناه إِن الرحمة في الآخرة مكتوبة للذين يتقون معاصيه ويحذرون عقابه {ويؤتون الزكاة} قيل في معناه - ها هنا - قولان: أحدهما - يخرجون زكاة أموالهم، فذكره، لانه من أشق فرائضهم. الثاني - يطيعون الله ورسوله في قول ابن عباس والحسن ذهبا الى ما يزكي النفس ويطهرها من الأعمال، والذين هم بآياتنا يؤمنون يعني أكتبها للذين يصدقون بآيات الله وحججه وبيناته، وليس اذا كتب الرحمة للذين يتقون منع أن يغفر للعصاة والفساق بلا توبة، لأن الذي تفيده الآية القطع على وصول الرحمة الى المتقين، والفساق ليس ذلك بمقطوع لهم وإن كان مجوَّزاً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}. قال مجاهد: إنا تبنا إليك. {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} يعني النار. قال: {وَرَحْمَتِي} يعني الجنة {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} يعني أهلها. وهذا الحرف من خفي القرآن. قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية تطاول لها إبليس والأبالسة وقالوا: إنا من ذلك الشيء، وطمع فيها أهل الكتابين والمنافقون، فقال الله: {فَسَأَكْتُبُهَا} أي فسأجعلها {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} قال بعضهم: يتقون الشرك. وقال بعضهم... {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}. قال بعضهم: الزكاة في هذا الموضع التوحيد؛ كقوله: (أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ )تفسير : [فصلت:6-7] أي لا يوحّدون الله ولا يُقِرّون به. {وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي يصدّقون. {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} يعني أهل الكتاب. {يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ} أي ما يعرف العباد عدله {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ} أي ما ينكر العباد عدله. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتُ} أي الحلال منه والشحوم وكل ذي ظفر {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} أي الحرام. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} وهي تقرأ على وجهين: إصرهم وآصارهم. فمن قرأها إصرهم فيقول عهدهم، ومن قرأها آصارهم فيعني عهودهم فيما كان حرم عليهم ببغيهم، أي بكفرهم. {وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} يعني ما كان شدد عليهم فيه؛ فأمرهم الله أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام ويتبعوا ما جاء به. وقال بعضهم في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فقال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. ثم زاد في نعتهم ليبينهم الله ممن سواهم فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ...} إلى آخر الأية. وقال: {فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ} [أي عظموه] {وَنَصَرُوهُ} وهو كلام مثنى {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ} وهو القرآن، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وعمِلوا بفرائضه، وانتهوا عن زواجره {أُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم، {هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: هم السعداء؛ أولئكَ الذين جعلت رحمتي لهم، فأيس منها إبليس وجميع جنوده، وجميع الكفار (أية : كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ ) تفسير : [الممتحنة:13].
اطفيش
تفسير : {واكْتُبْ لنَا} أى أثبت أو أقسم أو قدر {لنَا فى هَذِه الدُّنيا} أى الأوقات التى هى أدنى وأقرب للفوت، أو فى هذه الدار التى هى كذلك، فلفظ الدنيا باق على الوصفية، فهو اسم جنس مقرون بأل المعرفة نعت أو بيان أو بدل، وإن جعل علما لتلك الأوقات أو الدار تعين أن يكون بيانا او بدلا، وأل فيه للمح الأصل، إذ لا مانع على الصحيح من قولك: أعجبنى هذا زيد، بإبدال زيد أو عطفه بيانا {حَسَنةً} من صحة جسم، ونصر وعافية، وسعة رزق، وتوفيق للأعمال الصالحة {وفى الآخِرةِ} الجنة وادعى بعضهم أن المعنى اكتب لنا فى الدنيا حسنة هى ثواب الأعمال، وفى الآخرة مغفرة لذنوبنا. {إنَّاهُدْنا إليكَ} تبنا إليك ورجعنا، يقال: هاد يهود أى رجع يرجع، أو هو مبنى للمفعول من هاده يهيده أى حركة وأماله، والمحرك والميل هو الله أو التوراة، وذلك على لغة من يقول فى البناء للمفعول قول ونوع، وقرأ أبو وجزة السعدى بكسر الهاء على البناء للفاعل والمفعول محذوف، أى هدنا إليك أنفسنا، أى حركناها وأملناها، أو للمفعول على اللغة الفصحى فى بناء قال وباع للمفعول بأن يقال: قيل وبيع وهيد، لكن حذف حرف العلة للساكن بعده، ومن الأول قول بعضهم: شعر : أيا ركب الذنب هدهد واسجد كأنك هدهد تفسير : بضم الهاء ولو كسرت لزم فى السجع مثل سناد، والتوجيه فى الشعر أى تب، قيل: سميت اليهود لقوله: {إنا هدنا إليك} فهو اسم مدح، ولما نسخت شريعتهم ولم يقلعوا عنها صار لا أقبح للإنسان من أن تقول له أنت يهودى، وقيل: لتهودهم فى القراءة، فمن كان مسلما فليكن عند القراءة ولا يتشبه بهم. {قالَ} الله {عَذابِى} وسكن الياء غير نافع {أصِيبُ به مَنْ أشاءُ} تعذيبه من خلقى بالحكمة عدلا جزاء على فعله كالرجفة، والكل ملكى، فلا اعتراض لأحد علىَّ وقرأ الحسن، وطاووس، وعمرو بن فايد: من أساء بالسين المهملة وفتح الهمزة بعد الألف من الإساءة، ولم يتعلق بها خصوصا إنفاذ الوعيد، بل هى كغيرها فى إنفاذ الوعيد ولا بد، ولم يتعلق بها أن المرء خلق فعله، ولا مساس لها بذلك، والظاهر أن القارئ بها لم يقصد بها مجرد ذلك. وزعم قومنا أن القرىءة يتعلق بها ذلك وهم مصيبون فى قولهم أن المرء غير خالق لأفعاله فنهوا عنها، وقالوا: إنها معتزلية، حتى قال الإمام أبو عمرو الدانى: إن هذه القراءة لا تصح عن الحسن وطاووس، وإن عمرو بن فايد رجل سوء، وقرأ بها سفيان بن عيينة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقرى، وصاح به وأسمعه فقال: لم أدر ما يقول أهل البدع، يعنى المعتزلة. {ورَحْمتِى وَسِعتْ كُلَّ شَئٍ} فى الدنيا، من مؤمن وكافر وبهيمة، وطمعت الأبالسة بظاهر الآية فى الجنة للعموم، ثم أويسوا بقوله: {فسأكْتُبها} أى ساقضى بها فى الآخرة وأثبتها {للَّذينَ يتَّقون} يحذرون الشرك والمعاصى، وقدر بعضهم يحذرون المعاصى، ولم يذكر الشرك إدخالا له فى المعاصى، أو للعلم بأن ترك سائر المعاصى لا ينفع مع الشرك، وقدر من زعم أن الموحد العاصى فى الجنة، ومن زعم أنه موكول للمشيئة يحذرون الشرك. {ويُؤْتون الزَّكاة} خصها بالذكر مع دخولها فى اتقاء المعاصى لشرفها ومشقتها على النفس، حتى إن اشتراطها يؤذن باشتراط سائر الطماعات، قيل: جعلها مثالا لجميع الطاعات، مع أن الطاعات داخلة فى اتقاء المعاصى، فإن من لم يفعل ما وجب فعله فقد عصى، كما عصى من فعل ما وجب تركه، وقال ابن عباس: المراد يؤتون الأعمال التى هى زكاة وطهارة لأنفسهم، وعليه فالفعل مبنى للمفعول، والتاء مفتوحة، والواو مسكنة سكونا حيا بخلافه على ما ذكر، وقيل: الزكاة هنا التوحيد، فالفعل مثله فى قول ابن عباس، فالمراد بالاتقاء اتقاء سائر المعاصى. {والَّذين هُمْ بآياتنَا يُؤمنُون} لا يكفرون بشئ منها، وذكر هذا لاستفادته من اشتراط التوحيد بقوله: {يتقون} أو بقوله: {ويؤتون الزكاة} على ما فى تفسيرهما، واليهود والنصارى طامعة فى ذلك كله، وإنما أيسوا بقوله: {الَّذينَ يتَّبعُون...}
اطفيش
تفسير : {وَاكْتُبْ} أَوجب أَو أَثبت أَو أَقسم، واختار الكتب لأَنه أَدوم، أَو وفقنا للحسنات التى يكتبها الحفظة {لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} ما يحسن من طاعة ونعمة وعافية وسهولة الموت {وَفِى الآخِرَةِ} حسنة تسهيل القبر والحشر والحساب والموقف والجنة، وكأَنه قال: اقبل وفادتنا، واجعل جائزتنا المغفرة والرحمة {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} رجعنا إِليك بالتوبة، تعليل جملى للدعاء، فإِن الدعاءَ مما يوجب قبوله، وأَصل الهود الرجوع برفق، سميت به اليهود مدحاً، ولما بدلوا كان ذماً لهم لازماً باعتبار المسمى لا باعتبار مدلول اللفظ، والمراد هدنا إِليك من معصيتنا، والعجب ممن يخطِّئ نافعاً وغيره فى ضم الهاء، ورغم أَنه لا يقال هاد يهود، بل هاد يهيد بمعنى مال يميل، كما قرأَ زيد ابن الإِمام على بن أَبى طالب، فإِن الضم قراءَة متواترة، والقراء إِنما أَخذوا القراءَات عن الصحابة كنافع عن ابن عمر وعن التابعين، ويجوز أَن يكون مبنياً لمفعول، من هاده يهيده حرَّكه، فهم حركوا أَنفسهم أَو حركهم الله أَو الوعظ على لغة من يقول فى باع بوع {قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} تعذيبه لخذلانه أَو تكفير الذنوب به كما أمروا بقتل أَنفسهم وكإِعلاء الدرجات، لا اعتراض على، فإِن المخلوقات كلها ملك لله عز وجل، ولا اعتراض على من تصرف فى خالص ملكه وملك المخلوق غير خالص، فيعترض عليه بالأَمر الشرعى كالنهى عن الإِسراف وظلم العبد وإِخراج الزكاة {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ} فى الدنيا بالإِحياء والصحة والعقل فيمن عقل والرزق للمؤمن والكافر والمكلف وغير المكلف ودفع البلاء وغير ذلك. قيل: هذا معنى رحمتى سبقت غضبى. ويروى غلبت غضبى، وإِذا صار الناس إِلى الآخرة وجبت الرحمة للمؤمنين خاصة والكافر كالمستضئ بنور غيره، فإِذا ذهب نور السراج بالسراج بقى فى الظلمة، عبر بالمضارع فى العذاب وبالماضى فى الرحمة وسعتها، قيل: لأَن الرحمة مقتضى الذات، والعذاب مقتضى المعاصى، والمشيئة معتبرة فى جانب الرحمة أَيضاً، ولم يقل:{وسعت كل شئ} مما أَشاء، أَو وسعت من أَشاءَ تعظيماً لأَمر الرحمة، وقيل: للإِشعار بغاية الظهور، لما نزل ذلك قال إِبليس والمشركون بلسان الحال: أَنا من كل شئ، فنزل قوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الشرك والكبائر، تعريض بأَن هؤلاء غير متقين، والسين للتأكيد لا للاستقبال، والمضارع للحال، أَو بمعنى الماضى، وما قبل هذا إِجمال، وهذا الكتب تفصيل خصوص، وقال بعض إِن المراد بالذين يتقون عموم المتقين من غير أَهل الكتاب، ومن أَهل الكتاب، ونسبه بعض للجمهور {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} المفروضة، لم يذكر الصلاة اكتفاء بالتقوى، إِذ تركها أَعظم ما يتقى بعد الإِشراك من حقوق الله عز وجل، وزعم بعض أَن إِيتاءَ الزكاة هنا تزكية النفس بطاعة الله ورسوله، قيل: ذكر الزكاة لمشقتها على بنى إِسرائيل لمزيد حبهم للدنيا {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} فقالت اليهود والنصارى بلسان الحال: نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل ونؤدى الزكاة، فنزل رداً عليهم قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ} فى شرعه كله إِذا أَدركوه، أَو قومك الآن باعتقاد الإِيمان به، فمن لم يؤمن به من قومك هلك، والرسول أَخص من النبى، وقدم مع ذلك، والغالب تقديم الأَعم، وأَما ما قيل: الرسالة من الله والنبوة الإِخبار منه للعباد، وما قيل أَن النبى نبئَ من الله وما لا تستقل العقول بإِدراكه، وأَنهما مفهومان مفترقان فلا يكفى جواباً {النَّبِىَّ الأُمِّىَّ} وإِنما آخر الصفة العامة وهى النبى لتخصيصها بالأُمى، فالنبى بهذا أَخص من الرسول، ولا سيما أَنه ذكر بلفظى النبى والأُمى فى التوراة، وذلك بحسب الوضع الشرعى والاستعمال، وأما بحسب الوضع واللغة فكل منهما عام وقد جاءَ رسولا نبياً، والأُمى نسب إِلى الأُم كأَنه كما ولد من أمه {الَّذِى يَجِدُونَهُ} أَى باسمه وصفته ولحذفهما أَفرد قوله {مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ} لا يغيب عنهم لظهوره فى التوراة وتكرره فيها {فِى التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ} اسمه فيها "المنحمنا" بضم الميم الأُولى وكسر الثانية أَفصح من فتحها، وهو بالسريانية فى التوراة ومعناه محمد الذى يحمده الخلق وفى الإِنجيل أَحمد، وبسطت الباب فى شرح نونية المديح: "تيمم نجدا فى تلهفه الجانى" وهو أَكثر من ثلاثة مجلدات. وعن كعب هو فى أَهل الجنة عبد الكريم وفى أَهل النار عبد الجبار، وفى أَهل العرش عبد المجيد، وعند الملائكة عبد الحميد، وعند الأَنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القاهر، وعند الحق عبد الرحيم، وفى الجبال عبد الخالق، وفى البر عبد القادر، وفى البحر عبد المهيمن، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرازق، وفى التوراة مود مود وفى الإِنجيل طاب طاب وأَحمد، وفى الصحف عاقب، وفى الزبور فاروق وعند الله طه ومحمد صلى الله عليه وسلم، وفى البخارى ومسلم والبيهقى والدارمى يدخل حديث بعضه فى بعض من التوراة والإِنجيل والزبور أَنه مبشر ناذر، حرز للأُميين، ليس فظاً ولا غليظاً ولا صخابا فى الأَسواق، يعفو، لن يميته الله حتى يهدى الله به أَهل الضلالة، لا قصير ولا طويل، متضع فى أَحواله، اسمه أَحمد ومحمد، يحلب الشاة ويركب الحمار والبعير، غفرت له قبل أَن يعصينى، أَعطيت أمته من النفل ما أَعطيت الأَنبياءَ ومن الفرض حتى يجيئوا يوم القيامة بنور كنور الأَنبياء، وفى (رد الشرود إِلى الحوض المورود) تفاصيل ذلك، {يَأْمُرُهُمْ بِالمعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرََهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} لما نزل {الذين يتبعون الرسول} إِلى آخره، أَيس اليهود والنصارى، وإِنما قلت بلسان الحال لأَن ذلك نزل متصلا، وإِن كان بالقول أَو التمنى، فاجعل بدل قولى نزل سمعوا يصمعون بالأَول ويأيسون بالثانى فى سرد واحد، روى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتاز فى طريقه برجل من اليهود يمرض ابناً له، أَى قائماً على ابنه المريض فمال إِليه فقال: يا يهودى، هل تجدوننى عندكم فى التوراة، فأَومى إِليه اليهودى أَن لا فقال ابن اليهودى: والله يا رسول الله إِنهم يجدونك مكتوباً فى التوراة، ولقد طلعت وإِن فى بيته لسفرا من التوراة يقرأ فيه صفتك وصفة أَصحابك وذكرك، فلما رآك ستره عنك. فأَنا أَشهد أَن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، وأَن محمدا عبده ورسوله، فكان آخر ما تكلم به الغلام حتى مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَقيموا على أَخيكم حتى تقضوا حقه"تفسير : ، قال الراوى: فحلنا بينه وبين أَبيه حتى وارينا وانصرفنا. ويروى أَيضاً أَنه دخل صلى الله عليه وسلم كنيسة فوجد فيها صبياً مريضاً بين اليهود، فقال لهم: "حديث : هل تجدوننى فى التوراة؟ فأَنكروا، فزحف الصبى إِلى سفر من التوراة فقرأَ صفته صلى الله عليه وسلم، وآمن بالله ورسوله فمات وأَمر المسلمين بأَن يتولوا أَمره"تفسير : . وقيل: ها فى أكتبها للرحمة لكن على معنى جعله لهم يوم الجمعة والأَرض مسجداً وطهرا وقراءَة التوراة عن القلب، فقالوا: لا، بل اجعل لنا السبت والصلاة فى الكنائس والقراءَة نظراً فجعل الله ذلك لهذه الأُمة، ومعنى الأمى كأَنه ولد حين الوحى إِليه، لا يعرف الكتابة ولا يقرؤها، أَو أَنه من الأُمة العربية، والكتابة فيهم قليلة، وكذا قراءَتها، قال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنا أَمة أمية لا نكتب ولا نحسب"تفسير : ، ولو كان يكتب أَو يقرأ لقالوا: يأخذ من الكتب ويكتب ما يسمع، أَو أَنه من أم القرى مكة، أَو نسب إِلى الأَم بفتح الهمزة بمعنى القصد، وضمها من تغيير النسب. ويليه قراءَة يعقوب الأُمى بفتح الهمزة، لكن لعل الفتح أَنسب إِلى الأُم بالضم والفتح من تغيير النسب لكن الأَصل خلاف التغير والصحيح الأَول لقوله تعالى فى غيره صلى الله عليه وسلم من العجم ومنهم أميون، والطيبات كلحم الإِبل، وشحم الغنم والبقر حرمت عليهم وأَباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرم عليهم الخبائث التى استحلوها بجهالة أَو عمد كالميتة والدم ولحم الخنزير والرشوة والربا، وقيل: الطيب ما يستلذه الطبع كالشحم، والخبيث ما يستخبثه الطبع كالدم، وذلك قاعدة من الله تعالى إِلا ما دل عليه دليل منفصل، وقيل: الطيب الحلال والخبيث الحرام كالربا، ورد بأَنه لا فائدة فى ذلك، ويجاب بأَن المراد لا يزاد على ما فى الشرع ولا ينقص منه، وأَن الحل والحرمة بالشرع لا بالعقل. والإِصر والأَغلال هى التكاليف الشاقة، وهما شئ واحد سميت إِصراً لأَنه كالشئ الذى يحبس صاحبه عن الحركة، يقال أَصره بمعنى حبسه، وسميت أَغلالا بشبهها بما يربط اليد إِلى العنق مثلا كقتل النفس فى التوبة وقطع الأَعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة من الثوب بالمقراض ونحوه، وقطع العضو العاصى، وتعيين القصاص فى القتل عمداً أَو خطأْ، وتحريم أَخذ الدية وترك العمل يوم السبت، وتحريم الانتفاع بالغنيمة، أَو الإِصر هو العهد أَن يعملوا بما فى التوراة هكذا، والأَغلال تلك المشاق، وفى بعض الآثار: لما أَجاب الله تعالى عليه السلام بما مر قال: أَتيتك يا رب بوفد بنى إِسرائيل فكانت وفادتنا لغيرنا. وعن ابن عباس: دعا موسى ربه سبحانه وتعالى دعاءَه لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعنه سأَل موسى ربه سبحانه وتعالى مسأَلة فأَعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم. وتلا الآية {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ} من بنى إِسرائيل أَو غيرهم إِلى قيام الساعة، وعن ابن عباس: من أَهل الكتاب {وَعزَّرُوهُ} عظموه {وَنَصَرُوهُ} على أَعدائه فى الدين، وقيل التعزيز التعظيم مع النصر، وعليه فمعنى قوله: ونصروه، أَنهم نصروه لى {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ} أَى القرآن، شبهه بالنور الحسى لأَنه ظاهر مظهر للحقائق، والمراد اتباعه بالأَعمال، ومع متعلق بأَنزل أَى أَى أَثبت معه من الله، أَو بمحذوف حال أَى أنزل مصاحباً لنبوته أَو باتبعوا، أَى واتبعوا مع سننه صلى الله عليه وسلم، أَو حال من الواو، أَى اتبعوا القرآن مصاحبين له صلى الله عليه وسلم فى اتباعه فإنه صلى الله عليه وسلم تابع، وهؤلاء الصفات ترغيب لاتباعه وبيان لعلو مرتبته، وبيان لكيفية اتباعه صلى الله عليه وسلم، واغتنام مغانم الرحمة الواسعة فى الدارين {أُولَئِكَ} لا غيرهم ممن كفر به من أَهل زمانك يا موسى أَو بعده إِلى قيام الساعة {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الفائزون برحمة الدنيا والآخرة، وهنا تم خطاب الله عز وجل لموسى عليه السلام.
الالوسي
تفسير : {وَٱكْتُبْ لَنَا} أي أثبت واقسم لنا {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} التي عرانا فيها ما عرانا {حَسَنَةً} حياة طيبة وتوفيقا للطاعة. وقيل: ثناءاً جميلاً وليس بجميل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة {وَفِي ٱلأَخِرَةِ} أي واكتب لنا أيضاً في الآخرة حسنة وهي المثوبة الحسنى والجنة. قيل: إن هذا كالتأكيد لقوله: اغفر وارحم {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ} أي تبنا إليك من هاد يهود إذا رجع / وتاب كما قال:شعر : إني امرىء مما جنيت هائد تفسير : ومن كلام بعضهم:شعر : يا راكب الذنب هدهد واسجد كأنك هدهد تفسير : وقيل: معناه مال، وقرأ بن علي رضي الله تعالى عنهما {هدنا} بكسر الهاء من هاد يهيد إذا حرك، وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبـي وجرة السعدي أنه أنكر الضم وقال: والله لا أعلمه في كلام أحد من العرب وإنما هو هدنا بالكسر أي ملنا وهو محجوج بالتواتر، وجوز على هذه القراءة أن يكون الفعل مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا أنفسنا أو حركنا غيرنا، وكذا على قراءة الجماعة، والبناء للمفعول عليها على لغة من يقول: عود المريض، ولا بأس بذلك إذا كان الهود بمعنى الميل سوى أن تلك لغة ضعيفة، وممن جوز الأمرين على القراءتين الزمخشري وتعقبه السمين بأنه متى حصل الالتباس وجب أن يؤتى بحركة تزيله فيقال: عقت إذا عاقك غيرك بالكسر فقط أو الإشمام إلا أن سيبويه جوز في نحو قيل الأوجه الثلاثة من غير احتراز، والجملة تعليل لطلب المغفرة والرحمة، وتصديرها بحرف التحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة في مضمونها {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى له بعد دعائه؟ فقيل: قال {عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء} أي شأني أصيب بعذابي من أشاء تعذيبه من غير دخل لغيري فيه. وقرأ الحسن وعمرو الأسود {من أساء} بالسين المهملة ونسبت إلى زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وأنكر بعضهم صحتها. {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} أي شأنها أنها واسعة تبلغ كل شيء ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في الدنيا بنعمتي، وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضى الذات وأما العذاب فمقتضى معاصي العباد، والمشيئة معتبرة في جانب الرحمة أيضاً، وعدم التصريح بها قيل: تعظيماً لأمر الرحمة، وقيل: للإشعار بغاية الظهور، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا} فإنه متفرع على اعتبار المشيئة كما لا يخفى، كأنه قيل: فإذا كان الأمر كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابـي وسعة رحمتي لكل من أشاء فسأثبتها إثباتاً خاصاً {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي الكفر والمعاصي أما ابتداءً أو بعد الملابسة {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـٰوةَ} المفروضة عليهم في أموالهم وقيل المعنى يطيعون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والظاهر خلافه، وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له للتعريض بقوم موسى عليه السلام لأن ذلك كان شاقا عليهم لمزيد حبهم للدنيا، ولعل الصلاة إنما لم تذكر مع إنافتها على سائر العبادات وكونها عماد الدين اكتفاءً منها بالاتقاء الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك المنهيات عن آخرها {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِنَا} كلها كما يفيده الجمع المضاف {يُؤْمِنُونَ} إيماناً مستمراً من غير إخلال بشيء منها، وتكرير الموصول مع أن المراد به عين ما أريد بالموصول الأول دون أن يقال ويؤمنون بآياتنا عطفاً على ما قبله كما سلك في سابقه قيل: لما أشير إليه من القصر بتقديم الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض، وفيه تعرض بمن آمن ببعض وكفر ببعض كقوم موسى عليه السلام. واختلف في توجيه هذا الجواب فقال شيخ الإسلام: ((لعل الله تعالى حين جعل توبة عبدة العجل بقتلهم أنفسهم (وكان الكلام الذي أطمع السبعين في الرؤية في ذلك) ضمن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث قال: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} أي خصلة حسنة عارية عن المشقة والشدة فإن في القتل من العذاب الشديد ما لا يخفى فأجابه سبحانه بأن عذابـي أصيب به من أشاء وقومك ممن تناولته مشيئتي ولذلك جعلت توبتهم مشوبة بالعذاب الدنيوي ورحمتي وسعت كل شيء وقد نال قومك نصيب منها في ضمن العذاب الدنيوي وسأكتب الرحمة خالصة غير مشوبة بالعذاب الدنيوي)) كما دعوت لمن صفتهم كيت وكيت لا لقومك لأنهم ليسوا كذلك فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة العذاب، وعلى هذا فموسى عليه السلام لم يستجب له سؤاله في قومه ومن الله تعالى بما سأله على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما أجيب بما ذكر قال: أتيتك يا رب بوفد من بني إسرائيل فكانت وفادتنا لغيرنا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دعا موسى ربه سبحانه فجعل دعاءه لمن آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام واتبعه، وفي رواية أخرى رواها جمع عنه سأل موسى ربه مسألة فاعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم وتلا الآية، لكن لا يخفى أن ما قرره هذا الشيخ بعيد. وقال صاحب الكشف في ذلك: كأنه لما سأل موسى عليه السلام لنفسه ولقومه خير الدارين أجيب بأن عذابـي لغير التائبين ان شئت ورحمتي الدنيوية تعم التائب وغيره وأما الجمع بين الرحمتين فهو للمستعدين فإن تاب من دعوت لهم وثبتوا كأعقابهم نالتهم الرحمة الخاصة الجامعة وأثر فيهم دعاؤك وإن داوموا على ما هم فيه بعدوا عن القبول، والغرض ترغيبهم على الثبات على التوبة والعمل الصالح وتحذيرهم عن المعاودة عما فرط منهم مع التخلص إلى ذكر النبـي صلى الله عليه وسلم والحث على اتباعه أحسن تخلص وحث يحير الألباب ويبدي للمتأمل فيه العجب العجاب، وإلى بعض هذا يشير كلام الزمخشري. وقال العلامة الطيبي في توجيهه: إن هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وقوله سبحانه: {عَذَابِي} الخ كالتمهيد للجواب، والجواب {فَسَأَكْتُبُهَا} الخ، وذلك أن موسى عليه السلام طلب الغفران والرحمة والحسنة في الدارين لنفسه ولأمته خاصة بقوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا} وعلله بقوله: {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ} فأجابه الرب سبحانه بأن تقييدك المطلق ليس من الحكمة فإن عذابي من شأنه أنه تابع لمشيئتي فأمتك لو تعرضوا لما اقتضت الحكمة تعذيب من باشره لا ينفعهم دعاؤك لهم وإن رحمتي من شأنها أن تعم في الدنيا الخلق صالحهم وطالحهم مؤمنهم وكافرهم فالحسنة الدنيوية عامة فلا تختص بأمتك فتخصيصها تحجير للواسع وأما الحسنة الأخروية فهي للموصوفين بكذا وكذا، وجعل {فَسَأَكْتُبُهَا} كالقول بالموجب لأنه عليه السلام طلب ما طلب وجعل العلة ما جعل فضم الله تعالى ما ضم، يعني أن الذي يوجب اختصاص الحسنتين معاً هذه الصفات المتعددة لا التوبة المجردة، ثم ذكر أن ترتيب هذا على ما قبله بالفاء على منوال قوله تعالى جواباً عن قول إبراهيم عليه السلام: {أية : وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] وأيد هذا التقرير بما روي عن الحسن وقتادة وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتقين خاصة ا هـ ما أريد منه. وما ذكره من حديث التحجر في القلب منه شيء فإن الظاهر أن ما في دعاء موسى عليه السلام ليس منه وإنما التحجر في مثل ما أخرجه أحمد. وأبو داود عن جندب عن عبد الله البجلي قال: «جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نادى اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: حديث : لقد حظرت رحمة واسعة إن الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وانسها وبهائمها وعنده تسعة وتسعون». تفسير : وأنا أقول: / قد يقال: إن موسى عليه السلام إنما طلب على أبلغ وجه المغفرة والرحمة الدنيوية والأخروية له ولقومه وتعليل ذلك بالتوبة مما لا شك في صحته، ولا يفهم من كلامه عليه السلام أنه طلب للقوم كيف كانوا وفي أي حالة وجدوا وعلى أي طريقة سلكوا فإن ذلك مما لا يكاد يقع ممن له أدنى معرفة بربه فضلاً عن مثله عليه السلام، وإنما هذا الطلب لهم من حيث إنهم تائبون راجعون إليه عز شأنه، ولا يبعد أن يقال باستجابة دعائه بذلك بل هي أمر مقطوع به بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم؛ وكيف يشك في أنه غفر له ورحم وأوتي خير الدارين وهو ـ هو ـ وأما بالنسبة إلى قومه فالظاهر أن التائب منهم أوتي خير الآخرة لأن هذه التوبة إن كانت هي التوبة بالقتل فقد جاء عن الزهري أن الله تعالى أوحى إلى موسى بعد أن كان ما كان ما يحزنك؟ أما من قتل منكم فحي يرزق عندي وأما من بقي فقد قبلت توبته فسر بذلك موسى وبنو اسرائيل، وإن كانت غيرها فمن المعلوم أن التوبة تقبل بمقتضى الوعد المحتوم، وخير من قبلت توبته في الآخرة كثير، وأما خير الدنيا فقد نطقت الآيات بأن القوم غرقى فيه، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47]. وحينئذ فيمكن أن يقال في توجيه الجواب: أنه سبحانه لما رأى من موسى عليه السلام شدة القلق والاضطراب ولهذا بالغ في الدعاء خشية من طول غضبه تعالى على من يشفق عليه من ذلك سكن جل شأنه روعته وأجاب طلبته بأسلوب عجيب، وطريق بديع غريب فقال سبحانه له: {عَذَابِي} أي الذي تخشى أن تصيب بعض نباله التي أرميها بيد جلالي عن قسى إرادتي من دعوت له أصيب به من أشاء فلا يتعين قومك الذين تخشى عليهم ما تخشى لأن يكون غرضاً له بعد أن تابوا من الذنب وتركوا فعله {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} إنساناً كان أو غيره مطيعاً كان أو غيره فما من شيء إلا وهو داخل فيها سابح في تيارها أو سايح في فيافيها بل ما من معذب إلا ويرشح عليه ما يرشح منها ولا أقل من أني لم أعذبه بأشد مما هو فيه مع قدرتي عليه فطب نفسا وقر عيناً فدخول قومك في رحمة وسعت كل شيء ولم تضق عن شيء أمر لا شك فيه ولا شبهة تعتريه كيف وقد هادوا إليَّ ووفدوا عليَّ أفترى أني أضيق الواسع عليهم وأوجه نبال الخيبة إليهم وأردهم بُخفي حنين فيرجع كل منهم صفر الكفين؟ لا أراني أفعل بل إني سأرحمهم وأذهب عنهم ما أهمهم وأكتب الحظ الأوفر من رحمتي لأخلافهم الذين يأتون آخر الزمان ويتصفون بما يرضيني ويقومون بأعباء ما يراد منهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الخ، ولعل تقديم وصف العذاب دون وصف الرحمة ليفرغ ذهنه عليه السلام مما يخاف منه مع أن في عكس هذا الترتيب ما يوجب انتشار النظم الكريم؛ ووصف أخلاقهم بما وصفوا به لاستنهاض هممهم إلى الاتصاف بما يمكن اتصافهم به منه أو إلى الثبات عليه، ولم يصرح في الجواب بحصول السؤال بأن يقال: قد أوتيت سؤلك يا موسى مثلاً اختياراً لما هو أبلغ فيه، وهذا الذي ذكرناه وإن كان لا يخلو عن شيء إلا أنه أولى من كثير مما وقفنا عليه من كلام المفسرين وقد تقدم بعضه، وأقول بعد هذا كله: خير الاحتمالات ما تشهد له الآثار وإذا صح الحديث فهو مذهبي فتأمل. والسين في {سأكتبها} يحتمل أن تكون للتأكيد، ويحتمل أن تكون للاستقبال كما لا يخفى وجهه على ذوي الكمال.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلزَّكَـاةَ} {بِآيَاتِنَا} (156) - وَأَثْبِتْ لَنَا، بِرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ {ٱكْتُبْ لَنَا} حَيَاةً طَيِّبَةً فِي هذِهِ الدُّنيا، مِنْ عَافِيةٍ وَبَسْطَةٍ في الرِّزْقِ، وَتَوْفِيقٍ للطَّاعَةِ، وَمَثُوبَةٍ حَسَنَةٍ فِي الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَنَيْلِ رِضْوَانِكَ، إِنَّنَا تُبْنَا إِلَيْكَ {هُدْنَـآ إِلَيْكَ} مِمَّا فَرَطَ مِنْ سُفَهَائِنا مِنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَمِنْ تَقْصِيرِ العُقَلاءِ مِنّا فِي نَهْيِهِمْ وَالإِنْكَارِ عَلَيهِمْ. وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دُعَاءِ مُوسَى قَائِلاً: لَقَدْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابِي خَاصّاً أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ مِنَ الكُفَّارِ وَالعُصَاةِ، الذِينَ لَمْ يَتُوبُوا، أَمَّا رَحْمَتِي فَقَدْ وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ، وَسَأُثْبِتُ رَحْمَتِي بِمَشِيئَتِي لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكُفْرَ وَالمَعَاصِيَ، وَيُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَيُؤْتُونَ الصَّدَقَاتِ التِي تَتَزَكَّى بِهَا نُفُوسُهُمْ، وَلِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَيُصَدِّقُونَ بِجَمِيعِ آيَاتِي الدَّالَّةِ عَلَى الوحْدَانِيَّةِ، وَيُصَدِّقُونَ رُسُلي، وَمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أن هذه الآية تضم طلبات جديدة لسيدنا موسى من ربّه بعد قوله: {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا}. ونرى أن خير الغافرين تعود لقول موسى - عليه السلام - : {فَٱغْفِرْ لَنَا} أما الحسنة في قوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} فإنها تعود على طلب الرحمة: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ}. هو إذن يطلب الحسنة في الدنيا وكذلك في الآخرة، والحسنة لها معنى "لغوي"، ومعنى "شرعي" أما المعنى اللغوي فكل ما يستحسنه الإِنسان يُسمى حسنة، ولكن الحسنة الشرعية هي ما حسنه الشرع، فالشرع رقيب على كل فعل من أفعالنا وتصرفاتنا، فالحسنة ليست ما يستحسنه الإِنسان؛ لأن الإِنسان قد يستحسن المعصية، وهذا استحسان بشري بعيد عن المنهج، أما الاستحسان الشرعي فهو في تنفيذ المنهج بـ"افعل" و"لا تفعل". والحسنة المعتبرة في عرف المكلفين من الله هي الحسنة الشرعية؛ لأن الإِنسان قد يستحسن شيئاً وهو غير شرعي لأنه ينظر إلى عاجلية النفع فيه، ولا ينظر إلى آجلية النفع، ولا ينظر إلى كمية النافع. والنفع - كما نعلم - في الدنيا على قدر تصورك في النفع، أما النفع في الآخرة فلا يعلم قدره إلا علاّم الغيوب - سبحانه - إذن فقوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} يكون المراد بها الحسنة الشرعية في الدنيا عملاً، وفي الآخرة جزاءً. ونلحظ أن موسى أراد بالحسنة الأولى ما يعم الحسنة الشرعية والحسنة اللغوية؛ فهو دعاء بالعافية والنعم الجلية الطيّبة؟، وكل خير الدنيا في ضوء منهج الله. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...} تفسير : [الأعراف: 32] إذن فالحسنة الخالصة هي في يوم القيامة، ولكن هناك من ينتفع بها في الدنيا؛ فالجماد منتفع برحمة الله، والنبات برحمة الله، والحيوان منتفع برحمة الله، والكافر منتفع برحمة الله. كل ذلك في الدنيا، وهي الرحمة التي وسعت كل شيء، لكن مسالة الآخرة كجزاء على الإِحسان فهو جزاء خاص بالمؤمنين. ويتابع الحق على لسان موسى عليه السلام: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}. و "هاد" أي رجع، و "هدنا إليك" أي رجعنا إليك، وهذا كلام موسى عن نفسه وعن أخيه، وعن القوم الذين عبدوا العجل ثم تابوا، وما دمنا قد رجعنا إليك يا ربي فأنت أكرم من أن تردنا خائبين. ويرد الحق سبحانه: {...قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] وقوله الحق: {عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} أي لا يوجد من يدفعني ويرشدني في توجيه العذاب لأحد؛ فحين يذنب عبد ذنباً أنا أعذبه أو أغفر له؛ لذلك لا يقولن عبد لمذنب إن الله لابد أن يعذبه؛ لأنه سبحانه هو القائل: {عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ...} [الأعراف: 156] وما المقصود بالرحمة هنا؟ أهي الرحمة في الدنيا أو الرحمة في الآخرة؟ إنها الرحمة في الدنيا التي تشمل الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، ولكنها خالصة في اليوم الآخر - كما قلنا - للمؤمنين. وقوله سبحانه: {فَسَأَكْتُبُهَا} يدل على أن هذا سيكون في الآخرة. أي أن رحمة الله وسعت كل شيء في الدنيا ولكنها رحمة تنتهي بالنسبة للكافرين في إطار الدنيا، ولكن بالنسبة للمؤمنين فهي رحمة مستمرة قد كتبها الله أزلاً وتعطي للمؤمنين فضلاً ومنًّة وعطاء منه - سبحانه - {...فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] وعندما سمع بعض اليهود ذلك قالوا: نحن متقون، فقيل لهم: في أي منهج أنتم متقون أفي منهج موسى؟ لو كنتم متقين في منهج موسى - كما تزعمون - لآمنتم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لأن من تعاليم موسى أن تؤمنوا برسول الله محمد - عليه الصلاة والسلام - ولذلك جاء قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} معناهُ تُبنَا إِليكَ. تفسير : وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [معناهُ] فِي الدّنيا البِرُّ والفَاجِرُ. وفي الآخرةِ المتقون خاصة.
الأندلسي
تفسير : {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} أي ما يحسن من نعمة وطاعة وغير ذلك وحسنة الآخرة هي الجنة لا حسنة دونها. {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تعليل لطلب الغفران والرحمة. وقرأ الجمهور هدنا بضم الهاء من هاد يهود أي تبنا إليك، قاله ابن عباس: وقرأ زيد بن علي وأبو وجزة هدنا بكسر الهاء من هاد يهيد، إذا حرّك أي حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك. قال الشاعر: شعر : قد علمت سلمى وجاراتها أنى من الله لها هائد تفسير : أي مائل. {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} الظاهر أنه استئناف اخبار عن عذابه ورحمته. ومفعول من أشاء محذوف تقديره أشاء إصابته به. وقرأ زيد بن علي والحسن وطاووس وعمرو بن فائد من أساء من الإِساءة وقرأ بها سفيان بن عيينة مرة واستحسنها وذكر أنّ الشافعي رحمه الله صحّف من أشاء بقوله: من أساء، ثم وجدت قراءة كما ذكرنا. {فَسَأَكْتُبُهَا} أي أقضيها وأقررها. والضمير عائد على الرحمة لأنها أقرب مذكور. وفهم المفسرون من قوله: الذين يتقون إلى آخر الأوصاف أن المتصفين بذلك هم أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ} الآية هذا من بقية خطابه تعالى لموسى عليه السلام وفيه تبشير له ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وذكر لصفاته وإعلام له أيضاً أنه ينزل كتاباً يسمى الإِنجيل ومعنى الاتباع الاقتداء به فيما جاء به اعتقاداً وقولاً وفعلاً. وجمع هنا بين الرسالة والنبوة لأن الرسالة في بني آدم أعظم شرفاً من النبوة أو لأنها بالنسبة إلى الآدمي والملك أعم فبدأ به. والأمي الذي هو على صفة أمة العرب إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فأكثر العرب لا يكتب ولا يقرأ، وكونه عليه السلام أمياً من جملة المعجز. ومعنى يجدونه أي يجدون وصفه ونعته. قال ابن عباس: يأمرهم بالمعروف، أي بخلع الأنداد وبمكارم والأخلاق وصلة الرحم. {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي المستلذات ويبعد تفسيره هنا بالحلال. {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} وهي ما كانت العرب تستخبثه كالحية والعقرب والحشرات والدم والميتة ولحم الخنزير وما جاء في الشرع النهي عن أكله كذي مخلب من الطير وذي ناب من السباع وما أمر بقتله كالحدأة والغراب والفأرة والعقرب وغير ذلك. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} تقدم تفسير الإِصْر في آخر البقرة. {وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} هذا مثل لما كلفوا من الأمور الصعبة كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم والقصاص حتماً من القاتل عمداً كان أو خطأً وترك الاشتغال يوم السبت وتحريم العروق في اللحم. {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ} أي أثنوا عليه ومدحوه. وقرىء وعزروه بالتخفيف. وقرىء: بزايين أي وعززوه. والنور القرآن، وهو على حذف مضاف أي أنزل مع نبوته لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الآية لما ذكر تعالى لموسى عليه السلام صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأخبر أنّ من أدركه وآمن به أفلح أمر تعالى نبيّه بإِشهار دعوته ورسالته إلى الناس كافة والدعاء إلى الإِيمان بالله وبرسوله وكلماته واتباعه ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة للإِنس والجن وتقتضيه الأحاديث النبوية والذي في موضع نصب على المدح أو رفع. وأجاز الزمخشري أن يكون مجروراً صفة لله تعالى وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله: إليكم جميعاً. وقال أبو البقاء: ويبعد أن يكون صفة لله تعالى أو بدلاً منه لما فيه من الفصل بينهما بإِليكم وبالحال، وإليكم متعلق برسول وجميعاً حال من ضمير إليكم. وقال الزمخشري: لا إله إلا هو، بدل من الصلة التي هي له ملك السماوات والأرض وكذلك يحيي ويميت، وفي لا إله إلا هو بيان للجملة لأن من ملك العالم كان هو الإِله على الحقيقة. وفي يحيي ويميت بيان لاختصاصه بالألوهية لأنه لا يقدر على الإِحياء والإِماتة غيره. "انتهى". وإبدال الجمل من الجمل غير المشتركة في عامل لا نعرفه. وكان الزمخشري لاحظ أن كلاً من الجملتين يصح أن يكون صلة. والظاهر أن تكون هذه جملاً مستقلة من حيث الإِعراب وان كان متعلقاً بعضها ببعض من حيث المعنى. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية لما ذكر أن رسول الله أمرهم بالإِيمان بالله وبه وعدل عن ضمير المتكلم إلى الظاهر وهو التفات لما في ذلك من البلاغة فإِنه هو النبي السابق ذكره في قوله: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي وانه هو المأمور باتباعه الموجود بالأوصاف السابقة. والظاهر أن كلماته هي الكتب الإِلهية التي أنزلت على من تقدمه وعليه، ولما كان الإِيمان بالله تعالى هو الأصل يتفرع منه الإِيمان بالرسول والنبي بدأ به ثم اتبعه بالإِيمان بالرسول وبالنبي ثم اتبع ذلك بالإِشارة إلى المعجز الدال على نبوته وهو كونه أمياً وظهر عنه من المعجزات في ذاته ما ظهر من القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين مع نشأته في بلد عار من أهل العلم لم يقرأ كتاباً ولم يخط ولم يصحب عالماً ولا غاب عن مكة غيبة تقتضي تعلماً.
الجيلاني
تفسير : {وَٱكْتُبْ لَنَا} يا ربنا {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} لا توقعنا في فتنتك {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أيضاً حسنة توصلنا إلى رزق توحيدك {إِنَّا} بعدما تحققنا بعلو شأنك وسمو برهانك {هُدْنَـآ} أي: تبنا ورجعنا {إِلَيْكَ} من أن نسأل منك ما ليس لنا علم به، سيما بعدما يتعلق بذاتك {قَالَ} سبحانه منفرداً برداء العظمة والكبرياء: {عَذَابِيۤ} ونكالي {أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} من عصاة عبادي {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} من المطيعين والعاصين وغيرهم {فَسَأَكْتُبُهَا} وأثبتها حتماً {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} عن المحارم مطلقاً؛ طلباً لمرضاتي {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} تطهيراً لنفوسهم عن الشح المطاع، الموجب للقسوة والغفلة {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا} أي: بجميعها {يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] يوقونون ويمتثلون بمقتضاها. وهم: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ} المرسل بالتوحيد الذاتي {ٱلنَّبِيَّ} المتمم لمكارم الأخلاق {ٱلأُمِّيَّ} المتحقق، المخصوص بالعلم اللدني الملقاة له من ربه بلا واسطة كسب وتعيم من معلم، وهو {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ} أي: جميع أهل الكتاب {مَكْتُوباً} في كتبهم بعثته ودينه، واسمه وحليته وجميع أوصافه ثابتاً {عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} بأنه إذا بعث {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} التي يحرمونها على نفوسهم {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} التي يحللونها. {وَ} أيضاً {يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} أي: ثقلهم الذي يترهبون ويتزهدون فيه فوق طاقتهم كقطع الأعضاء والجوارح التي يخطئون بها، وقطع موضع النجاسة من الثباب وغير ذلك {وَ} يضع أيضاَ {ٱلأَغْلاَلَ} أي: التكاليف الشاقة {ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ} حين ظهوره ودعوته {وَعَزَّرُوهُ} أي: وقروه حق توقيره وتعظيمة {وَنَصَرُوهُ} تقويةً لدينه {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ} أي: القرآن {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} من عند الله تأييداً له وتصديقاً {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبلون عند الله، الموفقون من عنده باتباعه {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] المقصرون من عنده على الفلاح والفوز بالنجاح.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 294 : 16 : 8 - سفين عن عبد الرحمن الأصبهاني عن سعيد بن جبير في قوله {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} قال، تبنا اليك. [الآية 156].
همام الصنعاني
تفسير : 941- عبد الرزاق، عن مَعْمر: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}: [الآية: 156]، قال: أَخْبَرني يَحْيَى بن أبي كثير عن نوف البكالي. قال: لما انطلق مُوسَى بِوَفْدِ بني إسرائيل فناجَاهُ ربه قال: فإني أجْعَلُ السكينة في قلوبِهِمْ، وأجْعَلهُم يَقرَأُونَ التوراة عن ظهر أَلْسنتهم وأجعل لهم الأرض مَسَاجحدَ يصلون حيث أدركتهم الصَّلاَةَ إلاَّ عنْد مرحاض أو حمام، قال: فقالوا لا نصلي إلا في الكنيسة وَلاَ نستطيع أن نحمل السكينة في قلوبنا، فاجعلها لنا في تابوت. ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر ألسنتنا. قا ل: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ ...} حتى بلغ {ٱلْمُفْلِحُونَ}: [الآيات: 156-157]، قال: فقال موُسَى: ربي جئتك بوَفْدِ بني إسرائيل، فَجَعَلْت وفَادَتَهُمْ لغيرِهم. قال: فقال مُوسى: اجعلني نَبِيَّهُمْ. قال: نَبيُّهُمْ مِنْهُمْ. قال: يا ربي فاجعلني منهم. قا ل: إنك لن تدركهم قال: فقيل له: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}؛ [الآية: 159]، قال: فكان نوفٌ يقول: الحمد لله الذي حفظ غيبكم وأخذ سهمكم وجعل وفادة بني إسرائيل لكم. 944- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}: [الآية: 156]، قال: تبنا إليك. 955- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسنِ، وقتادةَ، في قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}: [الآية: 156] قالا: وسعت في الدنيا البِرَّ والفَاجِرَ وهي يومَ القيامةِ للذين اتَّقَوْا خَاصَّةً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):