٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
155
Tafseer
الرازي
تفسير : في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: الاختيار: افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره، وأصل اختار: اختير، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفاً نحو قال وباع، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما، مختار، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفاً فاستويا في اللفظ. وتحقيق الكلام فيه أن نقول: إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك، وصالحة للفعل ولضده، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدراً لأحد الجانبين دون الثاني، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح، وهو محال، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعاً زائداً وصلاحاً راجحاً، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده. فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحاً على الترك، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيراً من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلاً، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفاً على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً من تركه، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلاً اختيارياً والله أعلم. فإن قيل: إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور. فنقول: إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيراً لا شراً. وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم. المسألة الثانية: قال جماعة النحويين: معناه واختار موسى من قومه سبعين. فحذفت كلمة «من» ووصل الفعل فنسب، يقال: اخترت من الرجال زيداً واخترت الرجال زيداً، وأنشدوا قول الفرزدق:شعر : ومنا الذي اختار الرجال سماحة وجوداً إذا هب الرياح الزعازع تفسير : قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر:شعر : أستغفر الله ذنباً لست أحصيه تفسير : ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر:شعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به تفسير : والله أعلم. وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله: {سَبْعِينَ رَجُلاً } عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات. المسألة الثالثة: ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة، فصاروا اثنين وسبعين، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع. وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخاً، فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات. المسألة الرابعة: هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر؟ فيه أقوال للمفسرين: القول الأول: إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا: إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام، حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام. ودخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل. ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية وقالوا {أية : يا موسى لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ }تفسير : [البقرة: 55] وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية، فقال موسى عليه السلام: {رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا } فالمراد منه قولهم: {أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً }. والقول الثاني: أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل. وثانيها: أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل. وثالثها: أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة. واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور: الأول: أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة، وظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عوداً إلى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في موضع واحد. ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأما ما ذكر بعض القصة، ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى، فإنه يوجب نوعاً من الخبط والاضطراب، والأولى صون كلام الله تعالى عنه. الثاني: أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر، إلا أنهم {قَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال: أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا } علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية. الثالث: أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقاً وأنه جعل الجبل دكاً، وأما الميقات المذكور في هذه الآية، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة، وكيف يقال أخذته الرجفة، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر. واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى: {أية : وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا }تفسير : [الأعراف: 143] فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات، فلما قال في هذه الآية: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَـٰتِنَا } وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات. وجوابه: أن هذا الدليل ضعيف، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى. والله أعلم. والوجه الثالث: في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل، فنام هرون فتوفاه الله تعالى، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هرون، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً وذهبوا إلى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد، فأخذتهم الرجفة هنالك، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب. والله أعلم. المسألة الخامسة: اختلفوا في تلك الرجفة فقيل: إنها رجفة أوجبت الموت. قال السدي: قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم يبق معي منهم واحد؟ فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك؟ فأحياهم الله تعالى. فمعنى قوله: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ } أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني. والقول الثاني: أن تلك الرجفة ما كانت موتاً، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم، وتنقصم ظهورهم، وخاف موسى عليه السلام الموت، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة. أما قوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا } فقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم، فيجب تأويل الآية، وفيه بحثان: الأول: أنه استفهام بمعنى الجحد، وأراد أنك لا تفعل ذلك. كما تقول: أتهين من يخدمك؟ أي لا تفعل ذلك. الثاني: قال المبرد: هو استفهام استعطاف، أي لا تهلكنا. وأما قوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } فقال الواحدي رحمه الله: الكناية في قوله: {هِىَ } عائدة إلى الفتنة كما تقول: إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند. والمعنى: أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوماً فافتتنوا، وعصمت قوماً عنها فثبتوا على الحق، ثم أكد بيان أن الكل من الله تعالى، فقال: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشآءُ } ثم قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر. قالت المعتزلة: لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل؛ تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين، ولأنه تعالى قال: {تُضِلُّ بِهَا } أي بالرجفة، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها، فوجب حمل هذه الآية على التأويل. فأما قوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } فالمعنى: امتحانك وشدة تعبدك، لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها. وأما قوله: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ } ففيه وجوه: الأول: تهدي بهذا الامتحان إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الإيمان، وتعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه. والثاني: أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك، والتقدير: تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمن تشاء. والثالث: أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى، وضلال من ضل، جاز أن يضافا إليه. واعلم أن هذه التأويلات متسعة، والدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن يكون المراد ما ذكرناه، وتقريرها من وجوه: الأول: أن القدرة الصالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر، إلا لأجل داعية مرجحة، وخالق تلك الداعية هو الله تعالى، وعند حصول تلك الداعية يجب الفعل وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من الله تعالى وأن الإضلال من الله تعالى. الثاني: أن أحداً من العقلاء لا يريد إلا الإيمان والحق والصدق، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمناً محقاً، وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى. الثالث: أنه لو كان حصول الهداية والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الاعتقاد الحق عن الاعتقاد الباطل، امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل والتكوين، لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق وأن الآخر هو الباطل، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلاً، وذلك يقتضي كون الشيء مشروطاً بنفسه وأنه محال، فثبت أنه يمتنع أن يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد، وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة والله أعلم. ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك: {أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ } واعلم أن قوله: {أَنتَ وَلِيُّنَا } يفيد الحصر، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ } وقوله: {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا } المراد منه أن إقدامه على قوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } جراءة عظيمة، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ } معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلباً للثناء الجميل أو للثواب الجزيل، أو دفعاً للربقة الخسيسة عن القلب، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بكونه {خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ } والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} مفعولان، أحدهما حذفت منه مِن؛ وأنشد سيبوية:شعر : مِنّا الذي ٱخُتِير الرجالَ سَماحةً وبِرَّاً إذا هَبّ الرِّياح الزَّعازِع تفسير : وقال الراعي يمدح رجلاً:شعر : ٱخترتُك الناسَ إذ رَثّت خلائقُهُم وٱختلّ مَن كان يُرْجَىٰ عنده السُّولُ تفسير : يريد: اخترتك من الناس. وأصل ٱختار ٱختير؛ فلما تحرّكت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفاً، نحو قال وباع. قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي ماتوا. والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة. ويروى أنهم زلزلوا حتى ماتوا. قوله تعالىٰ: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} أي أمَتّهم؛ كما قال عز وجل: {أية : إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ} تفسير : [النساء: 176]. «وإياي» عطف. والمعنى: لو شئت أمتَّنَا من قبل أن نخرج إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني. أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا يحيىٰ بن سعيد القَطّان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن عليّ رضي الله عنه قال: ٱنطلق موسىٰ وهارون صلىٰ الله عليهما وٱنطلق شَبّر وشَبير ـ هما ٱبنا هارون ـ فانتهوا إلى جبل فيه سرير، فقام عليه هارون فقُبض روحه. فرجع موسىٰ إلى قومه، فقالوا: أنت قتلته، حسدتنا على لِينه وعلى خُلُقه، أو كلمة نحوها. الشك من سفيان، فقال: كيف أقتله ومعي ٱبناه! قال: فاختاروا من شئتم؛ فاختاروا من كل سِبْط عشرة. قال: فذلك قوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَـٰتِنَا} فانتهوا إليه؛ فقالوا: مَن قتلك يا هارون؟ قال: ما قتلني أحد ولكن الله توفّاني. قالوا: يا موسىٰ، ما تُعْصَى. فأخذتهم الرجفة، فجعلوا يتردّدون يميناً وشمالاً، ويقول: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}. قال: فدعا الله فأحياهم وجعلهم أنبياء كلَّهم. وقيل: أخذتهم الرجفة لقولهم: أرنا الله جهرة؛ كما قال الله تعالىٰ: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ}تفسير : [البقرة: 55]. على ما تقدّم بيانه في «البقرة». وقال ٱبن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينَهْوا من عبد العجل، ولم يرضَوْا عبادته. وقيل: هؤلاء السبعون غيرُ من قالوا أرنا الله جهرة. وقال وهب: ما ماتوا، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تَبِين مفاصلُهم، وخاف موسىٰ عليهم الموت. وقد تقدّم في «البقرة» عن وهب أنهم ماتوا يوماً وليلة. وقيل غير هذا في معنىٰ سبب أخذهم بالرجفة. والله أعلم بصحة ذلك. ومقصود الاستفهام في قوله: «أَتُهْلِكُنَا» الجَحْد؛ أي لست تفعل ذلك. وهو كثير في كلام العرب. وإذا كان نفياً كان بمعنىٰ الإيجاب؛ كما قال:شعر : ألستمْ خيرَ مَنْ ركب المطايا وأنْدىٰ العالمين بُطون راحِ تفسير : وقيل: معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا؛ وأضاف إلى نفسه. والمراد القوم الذين ماتوا من الرجفة. وقال المبرّد: المراد بالاستفهام استفهامُ استعظامٍ؛ كأنه يقول: لا تهلكنا، وقد علم موسى أن الله لا يهلك أحداً بذنب غيره؛ ولكنه كقول عيسىٰ: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}تفسير : [المائدة: 118]. وقيل: المراد بالسفهاء السبعون. والمعنىٰ: أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم «أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً». {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي ما هذا إلا ٱختبارك وٱمتحانك. وأضاف الفتنة إلى الله عز وجل ولم يضفها إلى نفسه؛ كما قال إبراهيم: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}تفسير : [الشعراء: 80] فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالىٰ. وقال يُوشع: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الكهف: 63]. وإنما استفاد ذلك موسىٰ عليه السلام من قوله تعالىٰ له: {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} تفسير : [طه: 85]. فلما رجع إلى قومه ورأى العجل منصوباً للعبادة وله خُوار قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا} أي بالفتنة. {مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} وهذا رَدٌّ على القدرية.
البيضاوي
تفسير : {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل إليه {سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَـٰتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} روي أنه تعالى أمره أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجداً، فسمعوه تعالى يكلم موسى يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه وقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }تفسير : [البقرة: 55] فأخذتهم الرجفة أي الصاعقة، أو رجفة الجبل فصعقوا منها. {قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ} تمنى هلاكهم وهلاكه، قبل أن يرى ما رأى أو بسبب آخر، أو عنى به أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم بالانقاذ منها فإن ترحمت عليهم مرة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك. {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا} من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، وكان ذلك قاله بعضهم. وقيل المراد بما فعل السفهاء عبادة العجل، والسبعون اختارهم موسى لميقات التوبة عنها فغشيتهم هيبة قلقوا منها ورجفوا حتى كادت تبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك فخاف عليهم موسى فبكى ودعا فكشفها الله عنهم. {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية، أو أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به. {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء} ضلاله بالتجاوز عن حده أو باتباع المخايل. {وَتَهْدِى مَن تَشَاء} هداه فيقوى بها إيمانه. {أَنتَ وَلِيُّنَا} القائم بأمرنا. {فَٱغْفِرْ لَنَا } بمغفرة ما قارفنا. {وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ} تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة. {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} حسن معيشة وتوفيق طاعة. {وَفِي ٱلاْخِرَةِ} الجنة. {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ} تبنا إليك من هاد يهود إذا رجع. وقرىء بالكسر من هاده يهيده إذا أماله، ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل وللمفعول بمعنى أملنا أنفسنا وأملنا إليك، ويجوز أن يكون المضموم أيضاً مبنياً للمفعول منه على لغة من يقول عود المريض. {قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء} تعذيبه. {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء} في الدنيا المؤمن والكافر بل المكلف وغيره. {فَسَأَكْتُبُهَا} فسأثبتها في الآخرة، أو فسأكتبها كتبة خاصة منكم يا بني إسرائيل. {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الكفر والمعاصي. {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ} خصها بالذكر لإنافتها ولأنها كانت أشق عليهم. {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ} فلا يكفرون بشيء منها. {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ} مبتدأ خبره يأمرهم، أو خبر مبتدأ تقديره هم الذين، أو بدل من الذين يتقون بدل البعض أو الكل، والمراد من آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما سماه رسولاً بالإِضافة إلى الله تعالى ونبياً بالإِضافة إلى العباد. {ٱلأُمّىّ} الذي لا يكتب ولا يقرأ، وصفه به تنبيهاً على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. {ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} اسماً وصفة. {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ} مما حرم عليهم كالشحوم. {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰـئِثَ} كالدم ولحم الخنزير أو كالربا والرشوة. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في العمد والخطأ، وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحراك لثقله. وقرأ ابن عامر «آصارهم». {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ } وعظموه بالتقوية. وقرىء بالتخفيف وأصله المنع ومنه التعزير. {وَنَصَرُوهُ} لي. {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ} أي مع نبوته يعني القرآن، وإنما سماه نوراً لأنه بإعجازه ظاهر أمره مظهر غيره، أو لأنه كاشف الحقائق مظهر لها، ويجوز أن يكون معه متعلقاً باتبعوا أي واتبعوا النور المنزل مع اتباع النبي فيكون إشارة إلى اتباع الكتاب والسنة. {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفائزون بالرحمة الأبدية، ومضمون الآية جواب دعاء موسى صلى الله عليه وسلم. {قُلْ يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} الخطاب عام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى كافة الثقلين، وسائر الرسل إلى أقوامهم. {جَمِيعاً} حال من إليكم. {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} صفة لله وإن حيل بينهما بما هو متعلق المضاف إليه لأنه كالتقدم عليه، أو مدح منصوب أو مرفوع، أو مبتدأ خبره {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وهو على الوجوه. الأول بيان لما قبله فإن من ملك العالم كان هو الإِله لا غيره وفي: {يُحْيِي وَيُمِيْتُ} مزيد تقرير لاختصاصه بالألوهية. {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِي الأُمِّي الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ} ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه. وقرىء «وكلمته» على إرادة الجنس أو القرآن، أو عيسى تعريضًا لليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه، وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة لإجراء هذه الصفات الداعية إلى الإيمان به والاتباع له. {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين تنبيهاً على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة. {وَمِن قَوْمِ مُوسَى} يعنى من بني إسرائيل. {أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ} يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق. {وَبِهِ} بالحق. {يَعْدِلُونَ} بينهم في الحكم والمراد بها الثابتون على الإِيمان القائمون بالحق من أهل زمانه، أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيهاً على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر. وقيل مؤمنو أهل الكتاب. وقيل قوم وراء الصين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فآمنوا به. {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ} وصيرناهم قطعاً متميزاً بعضهم عن بعض. {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ} مفعول ثان لقطع فإنه متضمن معنى صير، أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة. {أَسْبَاطًا} بدل منه ولذلك جمع، أو تمييز له على أن كل واحد من اثنتي عشرة أسباط فكأنه قيل: اثنتي عشرة قبيلة. وقرىء بكسر الشين وإسكانها. {أُمَمًا} على الأول بدل بعد بدل، أو نعت أسباط وعلى الثاني بدل من أسباط. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ} في التيه. {أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ} أي فضرب فانبجست وحذفه للإِيماء على أن موسى صلى الله عليه وسلم لم يتوقف في الامتثال، وأن ضربه لم يكن مؤثراً يتوقف عليه الفعل في ذاته {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط. {مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ} ليقيهم حر الشمس. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ} أي وقلنا لهم كلوا. {مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} سبق تفسيره في سورة «البقرة».
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً، فاختار سبعين رجلاً فبرزهم ليدعوا ربهم، وكان فيما دعوا الله أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة، {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ} الآية، وقال السدي: إِن الله أمر موسى أن يأتيه في ثلاثين من بني إِسرائيل يعتذرون إِليه من عبادة العجل، ووعدهم موعداً {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} على عينيه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} يا موسى {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] فإنك قد كلمته، فأرناه {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} تفسير : [البقرة: 55] فماتوا، فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إِسرائيل إِذا لقيتهم، وقد أهلكت خيارهم؟ {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ}. وقال محمد بن إسحاق: اختار موسى من بني إِسرائيل سبعين رجلاً؛ الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، فتوبوا إِليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام، حتى إذا تغشى الجبل كله، دنا موسى، فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إِذا كلمه الله، وقع على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلم موسى؛ يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا: يا موسى {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الرجفة}، وهي الصاعقة، فالتقت أرواحهم، فماتوا جميعاً، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ} قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل. وقال سفيان الثوري: حدثني أبو إسحاق عن عمارة بن عبيد السلولي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون، وشبر وشبير، فانطلقوا إلى سفح جبل، فنام هارون على سرير، فتوفاه الله عز وجل، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه الله عز وجل، قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه، أو كلمة نحوها، قال: فاختاروا من شئتم، قال: فاختاروا سبعين رجلاً، قال: فذلك قوله تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكن توفاني الله، قالوا: يا موسى لن تعصى بعد اليوم، فأخذتهم الرجفة، قال: فجعل موسى يرجع يميناً وشمالاً، وقال: يا رب {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ} قال: فأحياهم الله، وجعلهم أنبياء كلهم. هذا أثر غريب جداً، وعمارة بن عبيد هذا لا أعرفه، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي، فذكره. وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جريج: إنهم أخذتهم الرجفة؛ لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل، ولا نهوهم، ويتوجه هذا القول بقول موسى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} وقوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك، يقول: إن الأمر إلا أمرك، وإن الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر. وقوله: {أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ} الغفر: هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر، يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ} أي: لا يغفر الذنب إلا أنت {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ} الفصل الأول من الدعاء لدفع المحذور، وهذا لتحصيل المقصود {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ} أي: أوجب لنا، وأثبت لنا فيهما حسنة، وقد تقدم تفسير الحسنة في سورة البقرة {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة وغير واحد، وهو كذلك لغة، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن شريك عن جابر عن عبد الله بن يحيى عن علي قال: إنما سميت اليهود؛ لأنهم قالوا: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} جابر هو ابن يزيد الجعفي ضعيف. قوله تعالى: {قَالَ عَذَابِىۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـآيَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ}. يقول تعالى مجيباً لموسى في قوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} الآية، قال: {عَذَابِىۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} أي: أفعل ما أشاء، وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك، سبحانه لا إله إِلا هو، وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} الآية عظيمة الشمول والعموم؛ كقوله تعالى إِخباراً عن حملة العرش ومن حوله، أنهم يقولون: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} تفسير : [غافر: 7]. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري عن أبي عبد الله الجشمي، حدثنا جندب، هو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى راحلته، فأطلق عقالها ثم ركبها، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتقولون هذا أضل أم بعيره، ألم تسمعوا ما قال؟» تفسير : قالوا: بلى، قال: «حديث : لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله عز وجل خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق؛ جنها وإنسها وبهائمها، وأخر عنده تسعاً وتسعين رحمة، أتقولون هو أضل أم بعيره؟» تفسير : رواه أحمد وأبو داود، عن علي بن نصر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِن لله عز وجل مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إِلى يوم القيامة» تفسير : تفرد بإِخراجه مسلم، فرواه من حديث سليمان، هو ابن طرخان، وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان، واسمه عبد الرحمن بن مِلّ، عن سلمان، هو الفارسي، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِن لله مائة رحمة، عنده تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس، وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة، ضمها إِليه» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لله مائة رحمة، فقسم منها جزءاً واحداً بين الخلق به يتراحم الناس والوحش والطير» تفسير : ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه، الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إِبليس رجاء أن تصيبه» تفسير : هذا حديث غريب جداً، وسعد هذالا أعرفه، وقوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الآية، يعني: فسأوجب حصول رحمتي منّةً مني وإِحساناً إليهم كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 54] وقوله: {لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي: سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم{ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي: الشرك والعظائم من الذنوب. قوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال، ويحتمل أن تكون عامة لهما؛ فإن الآية مكية {وَٱلَّذِينَ هُم بِـآيَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي: يصدقون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } أي من قومه {سَبْعِينَ رَجُلاً } ممن لم يعبد العجل بأمره تعالى {لِّمِيقَٰتِنَا } أي للوقت الذي وعدناه بإتيانهم منه ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل فخرج بهم {فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } الزلزلة الشديدة، قال ابن عباس: لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، قال: وهم غير الذين سألوا الرؤية وأخذتهم الصاعقة {قَالَ } موسى {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ } أي قبل خروجي بهم ليعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهموني {وَإِيَّٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا } استفهام استعطاف، أي لا تعذبنا بذنب غيرنا {إن } ما {هِىَ } أي الفتنة التي وقع فيها السفهآءُ {إِلاَّ فِتْنَتُكَ } ابتلاؤك {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ} إضلاله {وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ } هدايته {أَنتَ وَلِيُّنَا } متولي أمورنا {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَـٰتِنَا } هذا شروع في بيان ما كان من موسى، ومن القوم الذين اختارهم، وسبعين مفعول {اختار}، وقومه منصوب بنزع الخافض، أي من قومه على الحذف والإيصال، ومثله قوله الراعي:شعر : اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم واعتل من كان يرجى عنده السول تفسير : يريد اخترتك من الناس، ومعنى {لّمِيقَـٰتِنَا } للوقت الذي وقتناه له، بعد أن وقع من قومه ما وقع. والميقات الكلام الذي تقدم ذكره، لأن الله أمره أن يأتي إلى الطول في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل، كذا قيل. والرجفة في اللغة: الزلزلة الشديدة. قيل: إنهم زلزلوا حتى ماتوا، فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم: {قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ } قاله عليه السلام تحسراً وتلهفاً، لأن سبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } تفسير : [البقرة: 55] على ما تقدّم في البقرة. وقيل: هؤلاء السبعون غير من قالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153] بل أخذتهم الرجفة، بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل. وقيل: إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل، ولا نهوا السامريّ ومن معه عن عبادته، فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم. والمعنى لو شئت إهلاكنا بذنوبنا قبل هذا الوقت اعترافاً منه عليه السلام بالذنب، وتلهفاً على ما فرط من قومه. والاستفهام في قوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا } للجحد، أي لست ممن يفعل ذلك، قاله ثقة منه برحمة الله. والمقصود منه الاستعطاف والتضرّع. وقيل: معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا. قال المبرد: المراد بالاستفهام استفهام الإعظام كأنه يقول: [لا تهلكنا] وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره. ولكنه كقول عيسى: {أية : إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } تفسير : [المائدة: 118]. وقيل المراد بالسفهاء: السبعون، والمعنى: أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153]. وقيل المراد بهم: السامري وأصحابه. قوله: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } أي ما الفتنة التي وقع فيها هؤلاء السفهاء إلا فتنتك التي تختبر بها من شئت، وتمتحن بها من أردت. ولعله عليه السلام استفاد هذا من قوله سبحانه: {أية : فإنا قد فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } تفسير : [طه: 85] {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } أي تضلّ بهذه الفتنة من تشاء من عبادك وتهدي بها من تشاء منهم، ومثله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود: 7]، ثم رجع إلا الاستعطاف والدعاء فقال: {أَنتَ وَلِيُّنَا } أي المتولي لأمورنا {فَٱغْفِرْ لَنَا } ما أذنبناه {وَٱرْحَمْنَا } برحمتك التي وسعت كل شيء {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ } للذنوب. {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً } بتوفيقنا للأعمال الصالحة، أو تفضل علينا بإِفاضة النعم في هذه الدنيا من العافية، وسعة الرزق {وَفِي ٱلآخِرَةِ } أي واكتب لنا في الآخرة الجنة بما تجازينا به، أو بما تتفضل به علينا من النعيم في الآخرة. وجملة {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة، والرحمة، والحسنة، في الدنيا وفي الآخرة، أي: إنا تبنا إليك ورجعنا عن الغواية التي وقعت من بني إسرائيل. والهود: التوبة. وقد تقدّم في البقرة. وجملة: {قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } مستأنفة كنظائرها فيما تقدّم. قيل المراد بالعذاب هنا: الرجفة. وقيل: أمره سبحانه لهم بأن يقتلوا أنفسهم، أي ليس هذا إليك يا موسى، بل ما شئت كان، وما لم أشأ لم يكن. والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته كل عذاب، ويدخل فيه عذاب هؤلاء دخولاً أوّلياً. وقيل المراد: من أشاء من المستحقين للعذاب، أو من أشاء أن أضله وأسلبه التوفيق {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء }: من الأشياء من المكلفين وغيرهم. ثم أخبر سبحانه أنه سيكتب هذه الرحمة الواسعة {لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الذنوب {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ } المفروضة عليهم {وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ } أي يصدّقون بها ويذعنون لها. ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة، ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمّىَّ } وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل. والأمي: إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب، وهم العرب، أو نسبة إلى الأم. والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ المكتوب؛ وقيل نسبة إلى أمّ القرى، وهي مكة. {الذي يجدونه} يعني: اليهود والنصارى، أي يجدون نعته {مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ } وهما مرجعهم في الدين. وهذا الكلام منه سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون. ثم وصف هذا النبيّ الذي يجدونه كذلك بأنه يأمر بالمعروف، أي بكل ما تعرفه القلوب، ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق{وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أي ما تنكره القلوب ولا تعرفه. وهو ما كان من مساوئ الأخلاق. قيل: إن قوله: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } إلى قوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } كلام يتضمن تفصيل أحكام الرحمة التي وعد بها. ذكر معناه الزجاج. وقيل: هو في محل نصب على الحال من النبيّ. وقيل: هو مفسر لقوله: {مَكْتُوبًا }. قوله: {يَحِلَّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ } أي المستلذات. وقيل: يحلّ لهم ما حرّم عليهم من الأشياء التي حرّمت عليهم بسبب ذنوبهم {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } أي المستخبئات كالحشرات والخنازير {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } الإصر الثقل، أي يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة. وقد تقدّم بيانه في البقرة[الآية: 286]. {وَٱلأغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } أي ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم. الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِهِ } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَٱتَّبِعُوهُ } فيما جاء به من الشرائع {وَعَزَّرُوهُ } أي عظموه ووقروه، قاله الأخفش. وقيل: معناه منعوه من عدوّه، وأصل العزر: المنع، وقرأ الجحدريّ «وعزروه» بالتخفيف {ونصروه} أي قاموا بنصره على من يعاديه {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ } أي اتبعوا القرآن الذي أنزل عليه مع نبوّته. وقيل المعنى: واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتباعه بالعمل بسنته، مما يأمر به وينهى عنه، أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه، والإشارة بـ {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بهذه الأوصاف {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } الآية. قال كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً، فاختار سبعين رجلاً فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا الله أن قالوا: اللهم أعطنا مالم تعط أحداً من قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. {قَالَ } موسى {رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ} {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} يقول: إن هي إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {لّمِيقَـٰتِنَا } قال: لتمام الموعد، وفي قوله: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } قال: ماتوا ثم أحياهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن أبي العالية، في قوله {إن هي إلا فتنتك} قال: بليتك. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {إن هي إلا فتنتك} قال: مشيئتك. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنما أخذتهم الرجفة، لأنهم لم يرضوا بالعمل ولم ينهوا عنه. وأخرج سعيد بن منصور، عنه، في قوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ } فلم يعطها موسى {قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } إلى قوله: {ٱلْمُفْلِحُونَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ } قال: فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس، في قوله: {إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } قال تبنا إليك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي وجزة السعدي، وكان من أعلم الناس بالعربية قال: لا والله ما أعلمها في كلام العرب {هدنا}؛ قيل فكيف قال "هدنا" بكسر الهاء، يقول: مِلنا. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة، في قوله: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } قال: وسعت رحمته في الدنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة. وأخرج مسلم وغيره، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق. وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة»تفسير : وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والطبراني، والحاكم، والضياء المقدسي، من حديث جندب بن عبد الله العجلي. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي قال: لما نزلت: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } قال إبليس: وأنا من الشيء. فنسخها الله، فنزلت: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، قال: لما نزلت: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } قال إبليس: أنا من الشيء، قال الله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} قالت اليهود: فنحن نتقي ونؤتي الزكاة، قال الله: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمّىَّ } فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج البزار في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: سأل موسى ربه مسئلة فأعطاها محمداً. قوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } إلى قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } فأعطى محمداً كل شيء سأل موسى ربه في هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } قال: كتبها الله لهذه الأمة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: يتقون الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن النخعي في قوله: {ٱلنَّبِىّ ٱلأُمّىّ } قال: كان لا يقرأ ولا يكتب. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال: هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ } قال: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم. وأخرج ابن سعد، والبخاري، والبيهقي في الدلائل، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن «ياأيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزى بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً». وأخرج ابن سعيد، والدارمي في مسنده، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن عبد الله بن سلام مثله. وقد روي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ، وزيادة في بعض، ونقص في بعض عن جماعة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ } قال: الحلال {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } قال: التثقيل الذي كان في دينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله: {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِث} قال: كلحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرّمات من المآكل التي حرمها الله، وفي قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } قال: هو ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } قال: ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَعَزَّرُوهُ } يعني: عظموه ووقروه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَاتِنَا} وفي الكلام محذوف وتقديره: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً. وفي قوله: {لِّمِيقَاتِنَا} قولان: أحدهما: أنه الميقات المذكور في سؤال الرؤية. والثاني أنه ميقات غير الأول وهو ميقات التوبة من عبادة العجل. {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ} وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها الزلزلة، قاله الكلبي. والثاني: أنه الموت. قال مجاهد: ماتوا ثم أحياهم. والثالث: أنها نار أحرقتهم فظن موسى أنهم قد هلكوا ولم يهلكوا، قاله الفراء. {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} وفي سبب أخذها لهم قولان: أحدهما: لأنهم سألوا الرؤية، قاله ابن إِسحاق. والثاني: لأنهم لم ينهوا عن عبادة العجل قاله ابن عباس. {...أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهَاءُ مِنَّآ} فيه قولان: أحدهما: أنه سؤال استفهام خوفاً من أن يكون الله قد عمهم بانتقامه كما قال تعالى: {أية : وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25]. والثاني: أنه سؤال نفي، وتقديره: إنك ل تعذب إلاَّ مذبناً فكيف تهلكنا بما فعل السفهاء منا. فحكى أن الله أمات بالرجفة السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، لا موت فناء ولكن موت ابتلاء ليثبت به من أطاع وينتقم به ممن عصى وأخذت موسى غشية ثم أفاق موسى وأحيا الله الموتى، فقال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} فيه وجهان: أحدهما: أن المراد بالفتنة العذاب، قاله قتادة. والثاني: أن المراد بها الابتلاء والاختبار.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِّمِيقَاتِنَا} الميقات الأول الذي سأل فيه الرؤية، أو ميقات آخر للتوبة من عبادة العجل. {أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} لسؤالهم الرؤية أو لأنهم لم ينهوا عن عبادة العجل، والرجفة: زلزلة، أو موت أُحيوا بعده، أو نار أحرقتهم فظنّ موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنهم هلكوا ولم يهلكوا. {أَتُهْلِكُنَا} نفى أن يعذب إلا من ظلم، أو الاستفهام على بابه، خاف من عموم العقوبة، كقوله: {أية : لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}تفسير : [ الأنفال: 25] {فِتْنَتُكَ} عذابك، أو اختبارك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {عذابي أصيب} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع {أصارهم} على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون على التوحيد. الوقوف {لميقاتنا} ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب {وإياي} ط {منا} ج لتصدر "ان" النافية مع اتحاد القائل {فتنتك} ج لأن ما بعده مستأنف {وتهدي من تشاء} ط {الغافرين} ه {إليك} ط {من أشاء} ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ {كل شيء} ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص {يؤمنون} ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل {الإنجيل} ج لأن {يأمرهم} يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من {مكتوباً} أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة {كانت عليهم} ط {أنزل معه} لا لأن ما بعده خبر "فالذين". {المفلحون} ه {والأرض} ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك {ويميت} ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة. {تهتدون} ه {يعدلون} ه. التفسير: الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلاً اختيارياً، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً له من تركه. قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف. من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً. وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي. وجوّز بعضهم في الآية أن يراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولاً أوّل من غير واسطة ويكون {سبعين} بدلاً أو بياناً قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع. وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً. وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه. وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟ الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية. والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك} وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل. واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يتقضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك القصة وإلا انخرم التناسب. عن علي عليه السلام أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله تعالى، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله تعالى فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك. قيل: كانت موتاً. وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله تعالى وقال {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا {أتهلكنا} جميعاً يعني نفسه وإياهم {بما فعل السفهاء منا} قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله تعالى أهلك قوماً بذنوب غيره، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا. قيل: لو كان تسفيههم لقولهم{أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [النساء:153] ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء. فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية {إن هي إلا فتنتك} الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي. ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل {تضل بها} أي بالفتنة من تشاء فيفتتن {وتهدي من تشاء} فيثبت على الحق. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة ظاهرة على مذهبنا أن الإضلال والهداية من الله تعالى. وقالت المعتزلة: إن محنته لما كانت سببباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمر يعود إلى الرجفة أي {تضل} على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك {من تشاء وتهدي} إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا {من تشاء} أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء {أنت ولينا} يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت {فاغفر لنا وارحمنا} قيل: تذكر أن قوله {إن هي إلا فتنتك} جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة {وأنت خير الغافرين} لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم. {واكتب} أوجب {لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة{أية : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}تفسير : [البقرة: 201] وقد فسرنا في سورة البقرة. واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته. وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء. فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله {إنَّا هدنا إليك} قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا. وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين {قال} الله تعالى في جواب موسى {عذابي} من حالة وصفته أني {أصيب به من أشاء} إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي. وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وقرأ الحسن {من أساء} من الإساءة {ورحمتي} من شأنها أنها {وسعت كل شيء} قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص. وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته. وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله {فسأكتبها للذين يتقون} وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته. وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب. وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة. واعلم أن تكاليف الله تعالى كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال. فقوله {فسأكتبها للذين يتقون} إشارة إلى التروك. التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله {ويؤتون الزكاة} وإما غيره وذلك قوله {والذين هم بآياتنا يؤمنون} فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً. ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره. وصف محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة. الثانية النبوة. فإن قيل: النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟ قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله{أية : جاعل الملائكة رسلاً}تفسير : [فاطر: 1] وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر. ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً. الثالثة. كونه أمياً. قال الزجاج: معناه أنه على صفة أمة العرب. قال صلى الله عليه وآله:"حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"تفسير : . وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة. وكان هذا من جملة معجزاب نبينا صلى الله عليه وسلم وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل. والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله {أية : سنقرئك فلا تنسى}تفسير : [الأعلى: 6] الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله {أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} تفسير : [العنكبوت: 48] الثالث: أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه. ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين. الصفة الرابعة {الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله {والإنجيل} أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك. الخامسة والسادسة {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله" تفسير : فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها. السابعة {ويحل لهم الطيبات} قيل: أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة. وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله تعالى بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات. وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل. وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها. الثامنة {ويحرم عليهم الخبائث} قال عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات. وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل. التاسعة {ويضع عنهم إصرهم} الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة. وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب. وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله تعالى أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل. عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة. فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" تفسير : وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة. ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله {فالذين آمنوا به} قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم {وعزروه} وقروه وعظموه. قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح. فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله {ونصروه} فرق كبير {واتبعوا النور الذي أنزل معه} وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق بـ {اتبعوا} أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه {أولئك هم المفلحون} الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه سبحانه لما قال {فسأكتبها للذين يتقون} بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال {قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً} وانتصابه على الحال من {إليكم} وفيه دليل على أن محمداً صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافاً لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم. وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه غير مبعوث إلى غير المكلفين بقوله: صلى الله عليه وسلم:"حديث : رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق"تفسير : وأيضاً يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته. والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضاً حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه. قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثاً إلى كلهم. وقد تمسك جمع من العلماء بالحديث المشهور:"حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون"تفسير : ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثاً إلى كل الناس وقتئذ. ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده في رواية أخرى: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك. وأيضاً أن آدم لم يكن مبعوثاً إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقرباً. ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً وأشار إليه بقوله {الذي له ملك السموات والأرض} إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول. ومحل {الذي} نصب أو رفع على المدح أو جر بدلاً أو وصفاً لله. وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله {لا إله إلا هو} إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر. وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال {يحيى ويميت} وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف. أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فرداً منزهاً عن الشريك والنظير مستقلاً بالأمر والنهي. وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالاً له إلى الجزاء إلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي} اقتصر من الصفات المذكورة ههنا على الأمية لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي. ثم وصفه بقوله {الذي يؤمن بالله وكلماته} لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه. وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قول {إني رسول الله} بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة. ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان، أنا أو غيري إظهاراً للنصفة واحترازاً عن العصبية. واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله {فآمنوا بالله} وإما عملية وإليها الإشارة بقوله {واتبعوه} والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واضب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحاً على تركه. ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوباً له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه. ومعنى الترجي في {لعلكم تهتدون} قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله{أية : لعلكم تتقون}تفسير : [البقرة: 21] ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} أي يهدون الناس بكلمة الحق {وبه} أي بالحق {يعدلون} بينهم في الحكم لا يجورون. وهذه الآية متى حصلت في أي زمان كانت؟ اختلف المفسرون في ذلك. فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما. ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله{أية : إن إبراهيم كان أمة}تفسير : [النحل: 120] وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين. ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل ذهب به صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي فآمنوا به. وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى عليه السلام ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم. التأويل: {واختار موسى قومه} المختار من الخلق من اختاره الله تعالى{أية : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}تفسير : [القصص: 68] فالذي اختاره الله كان مثل موسى{أية : وأنا اخترتك}تفسير : [طه: 13]. والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة. وههنا نكتة هي أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله {رب أرني أنظر إليك} قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا{أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}تفسير : [البقرة: 55] قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة. فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة. ولما كان موسى عليه السلام ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال {إن هي إلا فتنتك} تزيع بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف. {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} الرؤية كما كتبت لمحمد صلى الله عليه وسلم {فسأكتبها} يعني حسنة الرؤية والرحمة {للذين يتقون} بالله عن غيره {ويؤتون} عن نصاب هذا المقام {الزكاة} إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون، وفي قوله {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : . وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون. فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك{أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}تفسير : [الحشر: 7] فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يُؤوَّل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" تفسير : وأما اتباعه في مقام أمبته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته {مكتوباً عندهم} بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق {يأمرهم بالمعروف} وهو طلب الحق {وينهاهم عن المنكر} طلب ما سواه {ويحل لهم الطيبات} كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب {ويحرم عليهم الخبائث} الدنيا وما فيها {ويضع عنهم أصرهم} أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله:"حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم" تفسير : فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام. فقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله {فالذين آمنوا به وعزروه} وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة {واتبعوا} نور الوحدة الذي {أنزل معه} له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية. وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى {وبه يعدلون} في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ {لن تراني} وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" تفسير : فلهذا دعا موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: واخْتَارَ مُوسَى. الآية، "اخْتَار" يتعدَّى لاثنين، إلى أوَّلهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجرِّ، ويجوزُ حذفُهُ. تقول: اخْتَرْتُ زيداً من الرِّجالِ ثم تتسع فتحذف "من" فتقولُ "زَيْداً الرِّجَالَ" قال: [البسيط] شعر : 2587 - اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إذْ رَثَّتْ خلائِقُهُمْ واعْقَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عندهُ السُّؤلُ تفسير : وقال الرَّاعي: [الطويل] شعر : 2588 - فَقُلْتُ لَهُ اخْتَرْهَا قَلُوصاً سَمِينَةً وناباً علينا مِثْلَ نَابِكَ فِي الحَيَا تفسير : وقال الفرزدق: [الطويل] شعر : 2589 - مِنَّا الذي اخْتِير الرِّجالَ سَماحَةً وجُوداً إذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعازعُ تفسير : وهذا النوعُ مقصورٌ على السَّماعِ، حصرهُ النحاة في ألفاظ، وهي: "اختار" و "أمَرَ". كقوله: [البسيط] شعر : 2590 - أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ مَا أمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشَبِ تفسير : و "اسْتَغْفَرَ"، كقوله: [البسيط] شعر : 2591 - أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ العبادِ إليهِ الوَجْهُ والعملُ تفسير : و "سَمَّى"؛ كقوله: سَمَّيْتُ ابني بِزَيْدٍ، وإن شِئْتَ: زَيْداً، و "دَعَا" بمعناه؛ قال: [الطويل] شعر : 2592 - دَعَتْنِي أخَاهَا أم عَمْرٍو، ولمْ أكُنْ أخَاهَا ولمْ أرْضَعْ لَهَا بِلَبَانِ تفسير : و "كَنَى"؛ تقولُ: كَنَيْتُه بفلانٍ، وإن شئت: فلاناً. و "صَدَقَ" قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}تفسير : [آل عمران: 152]، و "زَوَّجَ"؛ قال تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا}. ولم يزد أبُو حيَّان عليها. ومنها أيضاً: "حدَّث" و "نَبَّأ" و "أخْبَرَ" و "خَبَّرَ" إذا لم تُضَمَّنْ معنى "أعْلَمَ". قال تعالى: {أية : مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا}تفسير : [التحريم: 3]؛ وقال: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ}. وتقول حدَّثْتُكَ بكذا، وإن شئت: كذا؛ قال: [الطويل] شعر : 2593 - لَئِنْ كانَ مَا حُدِّثْتُهُ اليَوْمَ صَادِقَاً أصُمْ في نَهَارِ القَيْظِ للشَّمْسِ بَادِيَا تفسير : و "قومه" مفعولٌ ثانٍ على أوَّلِهِمَا، والتقديرُ: واختار موسى سبعين رجلاً من قومه، ونقل أبُو البقاءِ عن بعضهم أنَّ "قَومَهُ" مفعول أول، و "سَبْعِينَ" بدلٌ، أي: بدل بعض من كل، ثم قال: "وأرى أنَّ البدل جائزٌ على ضَعْفٍ، وأنَّ التقدير: سَبْعِينَ رجلاً منهم". قال شهابُ الدِّين: إنَّما كان ممتنعاً أو ضعيفاً؛ لأنَّ فيه حذف شيئين. أحدهما: المختار منه؛ فإنَّهُ لا بُدَّ للاختيار من مختارٍ، ومختار منه، وعلى البدل إنَّما ذُكِر المختارُ دون المختار منه. والثاني: أنَّه لا بُدَّ من رابط بين البدل والمبدل منه، وهو "مِنْهُمْ" كما قدره أبُو البقاء، وأيضاً فإنَّ البدل في نيَّةِ الطَّرح. قال ابْنُ الخطيبِ: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا، وأراد بـ "قَوْمَهُ" السبعين المعتبرين منهم؛ إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منه. وقوله سَبْعينَ رجلاً عطف بيانٍ؛ وعلى هذا فلا حاجةَ إلى ما ذكروه من التكلُّفات. فصل الاختيار: افتعالٌ من لفظ الخير كالمصطفى من الصفوة. يقال: اختار الشَّيء إذا أخذ خيره وخياره، وأصل اختارَ: اختير، فتحرّكت الياءُ وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً نحو: بَاعَ: ولذلك استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما مختار، والأصل مختيِر ومختيَر فقلبت الياء فيهما ألفاً. فصل ذكروا أنَّ مُوسَى - عليه الصَّلاة والسَّلام - اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة؛ فصارُوا اثنين وسبعين. فقال: ليتخلف منكم رجلان؛ فتشاجروا. فقال: إنَّ لمن قعد منكم أجر مَنْ خرج، فقعد كالب ويوشع. وروي أنَّهُ لم يجد إلاَّ ستين شيخاً، فأوْحَى الله إليه أن يختار من الشَّبابِ عشرةً، فاختارهم، فأصبحوا شيوخاً فأمرهم اللَّهُ أن يصوموا، ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى الميقات. واختلفوا في هذا الاختيار هل هو الخروج إلى ميقات الكلام، وسؤال موسى ربَّه عن الرؤيّةِ أو للخروج إلى موضع آخر؟ فقال بعضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لميقات الكلامِ وطلب الرُّؤية. قالوا: إنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء، فلما دَنَا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى، ودخل فيه. وقال للقوم: ادنُوا، فدنوا فلما دخلوا الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام وأقبلوا إليه. وقالوا: {أية : يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ}تفسير : [البقرة: 55] وهي الرَّجفة المذكورة ههنا. فقال موسى: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ}[الأعراف: 155] وهو قولهم {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [النساء: 153]. وقيل: المراد من هذا الميقات غير ميقات الكلام، وطلب الرُّؤيةِ، واختلفوا فيه. فقيل: إنَّ قوم موسى لمَّا عَبَدُوا العجل ثم تَابُوا أمر الله تعالى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أن يجمع السَّبعين ويحضروا موضعاً يظهرون فيه تلك التَّوْبة، فأوحى اللَّهُ تعالى إلى تلك الأرضِ، فرجفت بهم فعند ذلك قال موسى: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ}، وإنَّمَا رجفت بهم الأرض لوجوه: أولها: أنَّ هؤلاء السبعين وإن كانُوا ما عبدُوا العجل، إلاَّ أنهم ما فارقُوا عبدة العجل عن اشتغالهم بعبادة العجل. وثانيها: أنَّهم ما بالغُوا في النهي عن عبادة العجل. وثالثها: أنَّهُم لمَّا خرجوا إلى الميقاتِ ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا: اعْطِنَا ما لم تُعْطِه أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فأنكر اللَّهُ عليهم ذلك فأخذتهم الرجفة. واحتجوا لهذا القول بوجوه: أحدها: أنَّهُ تعالى ذكر قصة ميقات الكلام، وطلب الرُّؤيَةِ ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة، وظاهر الحال يقتضي أن هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة، ويمكن أن يكون عَوْداً إلى تتَّمةِ الكلام في القصة الأولى، إلاَّ أنَّ الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصَّةِ الواحدة في موضع واحد، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأما ذكر بعض القصَّةِ، ثم الانتقال إلى قصَّة أخرى، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصَّة الأولى؛ فإنَّه يوجب نوعاً من الخبط والاضطراب، والأولى صون كلام الله عنه. وثانيها: أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم ينكر منهم إلاَّ قولهم{أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [النساء: 153] فلو كانت الرجفة المذكورة ههنا إنما حصلت بسبب هذا القول لوجب أن يقال: أتهلكنا بما يقوله السفهاء مِنَّا؟ فلمَّا لم يقُلْ ذلك بل قال {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بإقدامهم على عبادة العجل لا على القول. وثالثها: أن في ميقات الكلام أو الرؤية خرَّ موسى صعقاً وجعل الجبل دكّاً وأمَّا هذا الميقات فذكر تعالى أن القوم أخذتهم الرَّجْفَةُ، ولم يذكر أن موسى - عليه الصلاة والسلام - أخذته الرَّجفة، وكيف يقال أخذته الرجفة، وهو الذي قال: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} [الأعراف: 155] وهذه الخصوصيات تدلُّ على أن هذا الميقات غير ميقات الكلام وطلب الرُّؤية. وقيل: المراد بهذا الميقات ما رُوي عن علي - رضي الله عنه - قال: إنَّ موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبلٍ؛ فنام هارون فتوفَّاهُ الله، فلمَّا رجع موسى قالوا إنَّهُ هو الذي قتل هارون: فاختار موسى سبعين رجلاً وذهبُوا إلى هارونَ فأحياه الله وقال ما قتلني أحدٌ، فأخذتهم الرَّجفة هناك. فصل اختلفُوا في تلك الرَّجفةِ. فقيل: إنَّهَا رجفة أوْجَبتِ الموتَ. قال السُّديُّ: قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل، وقد أهلكت خيارهم ولم يبق منهم رجل واحد؟ فما أقول لبني إسرائيل، وكيف يأمنوني على أخدٍ منهم؟ فأحياهم الله. فمعنى قوله {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} أنَّ مُوسى خاف أن يتَّهِمَهُ بنو إسرائيل عن السَّبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوا أنهم ماتوا. فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك، ولا يتهموني. وقيل: إنَّ تلك الرَّجفة ما كانت موتاً، ولكن القومَ لمَّا رأوا تلك الحالةَ المهيبة أخذتهم الرعدة، ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم، وخاف موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الموت فعند ذلك بكى، ودعا؛ فكشف الله عنهم الرعدة. قوله: "لميقاتِنَا" متعلقٌ بـ "اختارَ" أي: لأجل ميقاتنا، ويجوز أن يكون معناها الاختصاصَ أي: اختارهم مخصصاً بهم الميقات، كقولك: اختر لك كذا. قوله "لَوْ شِئْتَ" مفعولُ المشيئة محذوف، أي: لو شئت إهلاكنا، و "أهلكْتَهُم" جواب "لَوْ" والأكثر الإتيانُ باللاَّم في هذا النحو ولذلك لم يأتِ مجرداً منها إلاَّ هنا وفي قوله: {أية : أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُم}تفسير : [الأعراف: 100] وفي قوله: {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}تفسير : [الواقعة: 70]. ومعنى من قبل أي قبل الاختيار، وأخذ الرَّجفة. وقوله: "وإيَّايَ" قد يتعلَّقُ به من يرى جواز انفصال الضمير مع القُدْرَةِ على اتصاله، إذ كان يمكن أن يقال: أهلكتنا. وهو تعلُّقٌّ واهٍ جداً، لأنَّ مقصوده صلى الله عليه وسلم التنصيص على هلاك كُلٍّ على حدته تعظيماً للأمر، وأيضاً فإنَّ موسى لَمْ يتعاط ما يقتضي إهلاكهُ، بخلاف قومه. وإنَّما قال ذلك تسليماً منه لربِّه، فعطف ضميرَه تنبيهاً على ذلك، وقد تقدم نظيرُ ذلك في قوله: {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ}تفسير : [النساء: 131] وقوله: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 1]. قوله: "أتُهْلِكُنَا" يجوزُ فيه أن يكون على بابه أي: أتَعْمُّنَا بالإهلاك أم تخصُّ به السفهاء مِنَّا؟ ويجوز أن يكون بمعنى النَّفي، أي: ما تُهْلك مَنْ لَمْ يُذْنِبْ بذنب غيره، قاله ابنُ الأنباري. قال وهو كقولك: "أتهينُ من يكرمك"؟ وعن المُبرِّدِ هو سؤالُ استعطاف ومِنَّا في محل نصب على الحال من السُّفَهَاء ويجوز أن يكون للبيان. قوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}. قال الواحديُّ: الكناية في قوله هِيَ عائدة على الفِتْنَةِ كما تقولُ: إن هو إلاَّ زيد، وإن هي إلاَّ هند، والمعنى: أنَّ تلك الفتنة التي وقع فيها السُّفهاءُ لم تكن إلاَّ فتنتك أضللت بها قوماً فافتتنوا، وعصمْتَ قوماً فثبتُوا على الحق. ثُمَّ أكَّد بيان أنَّ الكل من الله تعالى، فقال: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ}. ثم قال الواحديُّ: وهذه الآية من الحُجَّج الظَّاهرة على القدريَّةِ التي لا يبقى لهم معها عذر. قالت المعتزلةُ لا تعلق للجبريَّةِ بهذه الآية؛ لأنه لم يقل: تضلُّ بها من تشاء عن الدين؛ ولأنه قال تُضِلُّ بِهَا أي بالرَّجْفة، والرَّجفة لا يضِلُّ اللَّهُ بها؛ فوجب تأويل الآية. فمعنى قوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي: امتحانُك وشدة تعبدك؛ لأنَّهُ لمَّا أظْهَرَ الرَّجْفَة كلَّفهم بالصَّبْرِ عليها، وأمَّا قوله: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ} ففيه وجوه: أحدها: تَهْدِي بهذا الامتحان إلى الجنَّةِ والثَّوابِ بشرط أن يؤمن ذلك المكلف، ويبقى على الإيمان، وتُعاقِب من تشاء بشرط ألا يؤمن، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه، وثانيها: أن يكون المرادُ بالإضلال الإهلاك، أي: تُهلك من تشاء بهذه الرَّجفة وتصرفُها عَمَّنْ تشاء، وثالثها: أنَّهُ لمَّا كان هذا الامتحان كالسَّببِ في هداية من اهتدى، وضلال من ضَلَّ، جاز أن يُضافَ إليه. فصل واعلم أن هذه تأويلات مُتعَسَّفة، والدلائل العقليَّة دالةٌ على أنَّ المراد ما ذكرناه، وتقريره من وجوه: الأول: أنَّ القدرة الصَّالحة للإيمان والكفر لا يترجحُ تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطَّرَف الآخر، إلاَّ لداعية مرجحة، وخالق تلك الداعية هو اللَّهُ تعالى، وعند حصول الداعية يجب الفعل، وإذا ثَبَتَتْ هذه المقدمات ثبت أنَّ الهداية والإضلال من الله تعالى. الثاني: أنَّ العاقل لا يُريدُ إلاَّ الإيمان، والحقَّ، والصدقَ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كلُ أحدٍ مؤمناً محقاً، وحيثُ لم يكن الأمر كذلك؛ ثبت أنَّ الكل من الله تعالى. الثالث: لو كان حصولُ الهداية بفعل العبد فما لم يتميز عنده اعتقاد الحق من اعتقاد الباطل؛ امتنع أن يخصّ أحدُ الاعتقادين بالتَّحْصيلِ، لكن علمه بأنَّ هذا الاعتقاد هو الحق، وأنَّ الآخر هو الباطل، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه، فلزمَ أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد هو الأول، وأنَّ الآخر مشورطاً بكون ذلك الاعتقاد حاصلاً وذلك يقتضي كون الشَّيء مَشْرُوطاً بنفسه، وهو محالٌ، فامتنع أن يكون حصولُ الهداية بتحصيل العبد، وأمَّا إبطال تأويلاتهم، فقد تقدَّم مراراً. قله تُضِلُّ بِهَا يجوزُ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مستأنفةً فلا مَحَلَّ لها، والثاني أن تكون حالاً من فِتْنَتُكَ أي: حال كونها مُضلاًّ بها، ويجوزُ أن تكون حالاً من الكاف؛ لأنَّهَا مرفوعةٌ تقديراً بالفاعليَّةِ، ومنعه أبُو البقاءِ قال: "لعدم العامل فيها" وقد قدم البحث معه مراراً. قوله: "أنْتَ وَلينَا" يفيد الحَصْرَ، أي: لا ولي لنا، ولا ناصر، ولا هادي إلاَّ أنت، وهذا من تمام ما تقدَّم من قوله: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ}. وقوله: {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا} المُرادُ منه: أنَّ إقدامه على قوله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} جراءة عظيمة، فطلب من الله غفرانها والتَّجاوز عنها. وقوله: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} أي: أنَّ كلَّ مَنْ سواك فإنَّمَا يتجاوزُ عن الذَّنب إمَّا طلباً للثناء الجميل، أو للثَّواب الجزيل، أو دفعاً للرقة الخسيسة عن القلب، أمَّا أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب غرض وعوض، بل لمحض الفضل والكرم. قوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ} الكتابة تذكر بمعنى الإيجاب. ولمَّا قرَّرَ أنَّه لا ولي له إلاَّ الله، والمتوقع من الولي والنَّاصر أمران: أحدهما: دفع الضَّرر والثاني: تحصيل النَّفع، ودفع الضَّرر مقدم على تحصيل النَّفع؛ فلهذا السَّبَبِ بدأ بطلب دفعِ الضَّررِ وهو قوله: {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا} [الأعراف: 155] ثُمَّ أتبعه بتحصيل النَّفْعِ، وهو قوله {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ} والمُرادُ بالحسنة في الدُّنْيَا، النَّعمةُ والعافيةُ، والحسنةُ في الآخرة: المغفرة والجنة. قوله: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} العامَّةُ على ضم الهاءِ، من هاد يَهُود بمعنى: مال؛ قال: [السريع] شعر : 2594 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وجَارَاتُهَا أنِّي مِنَ اللَّهِ لَهَا هَائِدُ تفسير : أو "تَابَ" من قوله: [الرجز] شعر : 2595 - إنِّي امْرؤ مِمَّا جَنَيْتُ هَائِدُ تفسير : ومن كلام بعضهم: {المجتث] شعر : 2596 - يَا رَاكِبَ الذَّنْبِ هُدْهُدْ واسْجُدَ كأنَّكَ هُدْهُدْ تفسير : وقرأ زيد بنُ علي، وأبو وجزة "هِدْنَا" بكسر الهاء مِنْ "هَادَ يَهِيدُ" أي: حَرَّكَ. أجاز الزمخشريُّ في "هُدْنا"، و "هِدْنا" - بالضمِّ والكسر - أن يكون الفعلُ مبنياً للفاعل أو للمفعول في كُلٍّ منهما بمعنى: مِلْنَا، أو أمَالَنَا غَيْرُنَا، أو حَرَّكْنَا نَحْنُ أنفسنَا، أو حَرَّكَنَا غَيْرُنَا، وفيه نظر؛ لأنَّ بعض النَّحويين قد نصَّ على أنَّهُ متى ألْبِسَ، وجبَ أن يُؤتَى بحركةٍ تزيل اللبس. فيقال في "عقتُ" من العوق إذَا عاقك غَيْرُكَ: "عِقْت" بالكَسْرِ فقط، أو الإشمامِ، وفي: "بعت يا عبد" إذا قصد أن غيره باعه "بُعْت" بالضم فقط أو الإشمام، ولكن سيبويه جوَّز في "قيل وبيع" ونحوهما الأوجه الثلاثة من غير احتراز. و "هِيَ" ضميرٌ يُفَسِّره سياقٌ الكلام إذ التقديرُ: إنْ فَتنتُهُمْ إلاَّ فِتنَتُكَ. وقيل يعودُ على مسألة الإرادة من قوله: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [النساء: 153] أي: إنَّهُ من مسألة الرُّؤيةِ. قوله: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ} مبتدأ وخبر. والعامَّةُ على "مَنْ أشَاءُ" بالشِّينِ المعجمةِ. وقرأ زيدُ بن علي، وطاووس، وعمرو بن فائد "أسَاءُ" بالمهملة. قال الدَّانِي: لا تصحُّ هذه القراءة عن الحسن، ولا عن طاووس، وعمرو بن فائد رجل سَوْء واختار الشَّافعيُّ هذه القراءة، وقرأها سفيان بْنُ عيينة، واستحسنها فقام عبد الرَّحْمنِ المقرىء فصاح به وأسمعه. فقال سفيانُ: "لَمْ أفطِنْ لِمَا يقولُ أهل البدع". يعني عبد الرحمن أنَّ المعتزلة تعلَّقُوا بهذه القراءة في أنَّ فعل العَبْدِ مَخْلُوقٌ لهُ، فاعتذرَ سفيان عن ذلك. ومعنى الآية: إنِّي أعذبُ مَنْ من أشَاءُ، وليس لأحدٍ عليَّ اعتراض {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} أي: أنَّ رحمته في الدُّنيا تعُمُّ الكل، وأمَّا في الآخرةِ فهي مختصة بالمؤمنين لقوله هنا {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وهذا من العام الذي أريد به الخاص كقوله {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل: 23]. قال عطيَّةُ العوفي: "وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ" ولكن لا تَجِب إلاَّ للمُتَّقينَ، وذلك أنَّ الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن، لسعة رحمةِ الله للمؤمن، فإذا صار للآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السِّراج بسراجه. قال ابنُ عباس وقتادة وابن جريج: لما نزلت: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قال إبليس أنا من ذلك الشيء فقال الله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} فتمنَّاها اليهودُ والنصارى. وقالوا: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن فجعلها اللَّهُ لهذه الأمَّة بقوله {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ}تفسير : [الأعراف: 157]. واعلم أنَّ جميع التَّكاليف محصورة في نوعين: الأول: المتروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، وهو المُرادُ بقوله: "للَّذينَ يتَّقُونَ". والثاني: الأفعال، وهي إمَّا أن تكون في مال الإنسان أو في نفسه، فالأول: هو الزكاة وهو المراد بقوله "ويُؤتُونَ الزَّكاةَ" والثاني يدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً وعملاً أمَّا العلمُ فالمعرفةُ، وأمَّا العملُ فالإقرارُ باللسان والعمل بالأركان، فيدخل فيه الصَّلاة وإلى هذا المجموع أشار بقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} ونظيره قوله تعالى في أوَّل سورة البقرةِ {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}تفسير : [البقرة: 2،3].
البقاعي
تفسير : ولما فرغ سبحانه من ذكر الوعد بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه السلام فيما يهديهم إلى صراط الله، وذكر سعيهم فيما أضلهم عن الطريق باتخاذهم العجل، وكان ختام ذلك ما بدا من موسى عليه السلام من الشفقة على أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند الفراغ مما يجب من الغضب لله، رد الكلام على ذكر شيء فعله في الميقات مرادٍ به عصمتُهم في صراط الله بنقلهم - بمشاركته في سماعهم لكلام الله - من علم اليقين إلى عين اليقين بل حق اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم، ليكون إخبارهم عما رأوا مؤيداً لما يخبر به، فيكون ذلك سبباً لحفظهم من مثل ما وقعوا فيه من عبادة العجل، ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت، فقال: {واختار} أي اجتهد في أخذ الخيار {موسى قومه} ثم أبدل منهم قوله: {سبعين رجلاً} إشارة إلى أن من عداهم عدم، لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي أراده، وهو نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة "تفسير : ثم ذكر علة الاختيار فقال: {لميقاتنا} أي فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد من عظمتنا في الوقت الذي حددناه له، ودنا بهم من الحضرة الخطابية في الجبل هو وهارون عليهما السلام، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون عليه السلام، كل ذلك عن أمر الله له، وفي هذا الكلام عطف على قوله{أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} تفسير : [الأعراف: 142] فيكون الميقات هو الأول وهو ظلاهر التوارة كما مر بيانه في البقرة، ويجوز أن يكون عطفاً على قوله{أية : واتخذ قوم موسى} تفسير : [الأعراف: 148] أو على قوله{أية : أخذ الألواح} تفسير : [الأعراف: 154] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول، ويؤيده ما نقل من أن هارون عليه السلام كان معهم، وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب بعضهم الرؤية جاعليها شرطاً لإيمانهم فقالوا:{ أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55] كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين فنقص أكثرهم، فأخذتهم الرجفة فماتوا، فخشي موسى عليه السلام أن يتهمه بنو إسرائيل في موتهم كنفس واحدة {فلما أخذتهم} أي أخذ قهر وغلبة {الرجفة} أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا{أية : أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة}تفسير : [النساء: 153] وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء، فالظاهر أن سبب الرجفة ما رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام الذي تغشى الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي رعدة - تفرق أوصالهم بعضها من بعض {قال} أي موسى تملقاً لربه سبحانه {رب} أي أيها المحسن إليّ {لو شئت أهلكتهم} أي أمتّهم. ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقاً للماضي، أدخل الجارفقال: {من قبل وإياي} أي قدرتك عليّ وعليهم قبل أن نقترب من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا كقدرتك علينا حين تشرفنا بها، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت علينا نعمتك ونحن في غيرالحضرة فلم تهلكنا، فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط القرب والأنس أولى. ثم لما كان الحال مقتضياً لأن يقال: ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه، وكان كأنه قال: إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء، دل على ذلك بقوله استعطافاً: {أتهلكنا} وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ينهوا عن عبادة العجل مع أنهم لم يرضوا بذلك. وكأن موسى عليه السلام عبر بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز أنه كما أهلك هؤلاء يهلك غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلاً حتى يعمهم الهلاك {بما فعل السفهاء منا} فكأنه صلى الله عليه وسلم رضي أنه إن لم يشملهم العفو أن يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو عمن قصر بالسكوت، وعلى تقدير كون الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيكون موسى عليه السلام خاف أن يكون إهلاكهم فتنة لبني إسرائيل وسبباً لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة أيام الثلاثين في الميقات الأول سبباً لاتخاذهم العجل، ويجوز حينئذ أن يراد بفعل السفهاء اتخاذ العجل، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين، قال معرضاً بالسؤال في العفو عن الجميع: {إن هي} أي الفتنة التي أوقعها السفهاء {إلا فتنتك} أي ابتلاؤك واختبارك {تضل بها من تشاء} أي تظهر في عالم الشهادة من ضلاله ما كان معلوماً لك في عالم الغيب {وتهدي من تشاء} أي تظهر ما في علمك من ذلك. ولما أثبت أن الكل بيده، استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: {أنت} أي وحدك {ولينا} أي نعتقد أنه لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك، وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر، بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء،ونحن على بصيرة من أن افعالك لا تعلل بالأغراض، وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرنا، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك. ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره، وكان من شأن الولي جلب النفع ودفع الضر، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئاً بدفع الضرر: {فاغفر لنا} أي امح ذنوبنا {وارحمنا} أي ارفعنا؛ ولما كان التقدير: فأنت خير الراحمين، عطف عليه قوله: {وأنت خير الغافرين*} أي لأن غيرك يتجاوز عن الذنب للثناء أو الثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه، وأنت منزه عن ذلك، وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفاً على سؤاله فيه: {واكتب لنا} أي في مدة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} أي الحاضرة والدنية {حسنة} أي عيشة راضية طيبة {وفي} الحياة {الآخرة} أي كذلك؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنا هدنا} أي تبنا {إليك} أي عما لا يليق بجنابك كما أمرتنا أن نخبر ما عساه يقع منا بالمبادرة إلى التوبة، فبدأ بذكر عزة الربوبية وثنى بذلة العبودية وهما أقوى أسباب السعادة، وهذا تلقين لهم وتعليم وتحذير من مثل ما وقعوا فيه وحث على التسليم، وكأنه لما كان ذنبهم الجهر بما لا يليق به سبحانه من طلب الرؤية، عبر بهذا اللفظ أو ما يدل على معناه تنبيهاً لهم على أن اسمهم يدل على التوبة والرجوع إلى الحق والصيرورة إلى الصلاح واللين والضعف في الصوت والاستكانة في الكلام والسكوت عما لا يليق، وأن يهودا الذي أخذ اسمه من ذلك إنما سموا به ونسبوا إليه تفاؤلاً لهم ليتبادروا إلى التوبة. ولما كان في كلامه عليه السلام إنكار إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ذلك إنما كان على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه تعالى وله أن يفعل ما يشاء بدليل قوله { أية : ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي}تفسير : [الأعراف: 155] استأنف سبحانه الإخبار عن الجواب عن كلامه على وجه منبه للجماهير على أن له التصرف المطلق بقوله: {قال عذابي} أي انتقامي الذي يزيل كل عذوبه عمن وقع به {أصيب به} أي في الدنيا والآخرة {من أشاء} أي أذنب أو لم يذنب {ورحمتي} أي إنعامي وإكرامي. ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من العدم فهو إكرام في الجملة،قال: {وسعت كل شيء} أي هذا شأنها وصفتها في نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما عساه أن يبلغ، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيح " حديث : إن رحمتي سبقت - وفي رواية: غلبت - غضبي" تفسير : سواء قلنا:إن السبق بمعنى الغلبة، أو قلنا إنه على بابه، إما الأول فلأن تعلق الرحمة أكثر، لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به الرحمة بإيجاد وإفاضة الرزق عليه، ولا عكس كالحيونات العجم والجمادات وأهل السعادة من المؤمنين والملائكة والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى. ولما أعلم أن رحمته واسعة وقدرته شاملة، وكان ذلك موسعاً للطمع، سبب عن ذلك قوله ذاكراً شرط إتمام تلك الرحمة ترهيباً لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط: {فسأكتبها} أي أخص بدوامها بوعد لا خلف فيه لأجل تمكني بتمام القدرة مما أريد مبتوتاً أمرها بالكتابة {للذين يتقون} أي يوجد لهم هذا الوصف الحامل على كل خير ولا يخلّ بوسعها أن أمنع دوامها بعد الإيجاد من غيرهم، فإن الكل لو دخلوا فيها دائماً ما ضاقت بهم، فهي في نفسها واسعة ولكني أفعل ما أشاء. ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به، أتبعه النظر إلى الخلائق فقال: {ويؤتون الزكاة} ولعله خصها لأن فرضها كان في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق كما أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم باتباعه كذلك؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجاً لمن يوجد منه ذانك الوصفان في الجملة على غير جهة العموم: {والذين هم بآياتنا} أي كلها {يؤمنون} أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقاً لذلك بالأكارن، فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {واختار موسى قومه} الآية. قال: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً فاختار سبعين رجلاً فبرز بهم، فكان ليدعو ربكم فيما دعوا الله أن قالوا: اللهمَّ اعطنا ما لم تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة قال موسى {لو شئت أهلكتهم من قبل... إن هي إلا فتنتك} يقول: إن هو إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف الحميري قال: لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً ، واجعل السكينة معكم في بيوتكم، واجعلكم تقرأون التوراة من ظهور قلوبكم فيقرأها الرجل منكم والمرأة ، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال: موسى: إن الله قد جعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً. قالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس. قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا: لا نريد إلا كما كانت في التابوت. قال: ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم، فيقرأها الرجل منكم والمرأة، والحر والعبد ، والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظراً. قال الله {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} إلى قوله {المفلحون} قال موسى: أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم اجعلني نبي هذه الأمة. قال: إن نبيهم منهم. قال: اجعلني من هذه الأمة. قال: إنك لن تدركهم . قال: رب أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم. قال: فأوحى الله إليه { أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون }تفسير : [الأعراف: 159] قال: فرضي موسى. قال نوف: ألا تحمدون رباً شهد غيبتكم ، وأخذ لكم بسمعكم ، وجعل وفادة غيركم لكم ؟ . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف البكالي. أن موسى لما اختار من قومه سبعين رجلاً قال لهم: فِدوا الى الله وسلوه فكانت لموسى مسألة ولهم مسألة، فلما انتهى إلى الطور ــ المكان الذي وعده الله به ــ قال لهم موسى: سلوا الله. قالوا {أية : أرنا الله جهرة} تفسير : [النساء: 153] قال: ويحكم ...! تسألون الله هذا مرتين؟ قال: هي مسألتنا أرنا الله جهرة فأخذتهم الرجفة فصعقوا، فقال موسى: أي رب جئتك سبعين من خيار بني إسرائيل، فأرجع إليهم وليس معي منهم أحد ، فكيف أصنع ببني إسرائيل، أليس يقتلونني؟ فقيل له: سل مسألتك: قال: أي رب إني أسألك أن تبعثهم . فبعثهم الله فذهبت مسألتهم ومسألته، وجعلت تلك الدعوة لهذه الأمة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سعيد الرقاشي في قوله {واختار موسى قومه سبعين رجلاً} قال: كانوا قد جاوزوا الثلاثين ولم يبلغوا الأربعين، وذلك أن من جاوز الثلاثين فقد ذهب جهله وصباه ، ومن بلغ الأربعين لم يفقد من عقله شيئاً . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا} قال: لتمام الموعد. وفي قوله {فلما أخذتهم الرجفة} قال: ماتوا ثم أحياهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله {إن هي إلا فتنتك} قال: بليتك . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {إن هي إلا فتنتك} قال: مشيئتك . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال موسى : يا رب إن هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفحها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: رب فأنت إذاً أضللتهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن راشد بن سعد. أن موسى لما أتى ربه لموعده قال: يا موسى، إن قومك افتتنوا من بعدك. قال: يا رب وكيف يفتنون وقد أنجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم؟ قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً جسداً له خوار. قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت أضللتهم يا رب. قال: يا موسى، يا رأس النبيين، يا أبا الحكماء، إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي عمر العدني في مسنده وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا بالعجل، ولم ينهوا عنه . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن أولئك السبعين كانوا يلبسون ثياب الطهرة ثياب يغزله وينسجه العذارى، ثم يتبرزون صبيحة ليلة المطر إلى البرية فيدعون الله فيها، فوالله ما سأل القوم يومئذ شيئاً إلا أعطاه الله هذه الأمة . وأخرج أبو الشيخ عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن. أن السبعين الذين اختار موسى من قومه كانوا يعرفون بخضاب السواد .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} [الآية: 155]. قال بعضهم: اختار موسى على عدد الأولياء فى الأمم السالفة وفى أمته وهم السبعون الذين إليهم متضرع الخلق وبهم يحفظون.
القشيري
تفسير : شتان بين أمة وأمة؛ أمة يختارهم نبيُّهم - عليه السلام، وبين أمة اختارها الحقُّ - سبحانه، فقال: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الدخان: 32]. الذين اختارهم موسى قالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ}تفسير : [النساء: 153] والذين اختارهم الحق - سبحانه - قال الله تعالى فيهم: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. ويقال إن موسى - عليه السلام - جاهر الحقَّ - سبحانه - بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحاً: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} ثم وَكَلَ الحكمَ إليه فقال: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} ثم عقَّبها ببيان التضرع فقال: {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا}، ولقد قدَّم الثناءَ على هذا الدعاء فقال: {أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} اختار موسى من شربة فى الولاية شربة فى النبوة من اولياء امته الا ترى قولهم لما سمعوا خطاب الحق بلا واسطة واستلذوه وسكر وابطيب الخطاب كيف قالوا ارنا الله جهرة وكيف احرقهم الصعقة لانهم ضعفاء فى الحقائق اختار منهم سبعين لان فى كل امة سبعين من البدلاء والاولياء والنجباء وكذاى فى امة محمد صلى الله عليه وسلم قال بعضهم اختار موسى على عدد الاولياء فى الامم السالفة وفى امته وهم السبعون الذين ليهم يفرغ الخلق وبهم يحفظون ثم لما وصل الى القوم ما وصل الى موت صعقوا وفنوا تحت الصعقة لضعف قلوبهم عن حمل سطوات العظمة اشتد على كليم الله وهاج سره بالانبساط لقوله {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} اهلكتهم بنظرهم الى العدل بين بنى اسرائيل واياى فى صعقتى {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} تواخذنا بتقصير عبدة العجل وهذا عادة الملوك اذا جنوا اخذوا واعيانهم ويمكن ان قوله بما فعل السفهاء اشارة الى الغائبين فى سكرهم بلذة خطاب الحق حين سعوه وقالوا ارنا لله جهزة وهم ضعفاء الحالات اى يهلكنا بقول السكارى {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} اطلق لسان الانبساط وخرج من سجف الاحتشام من بقايا خمار تلك الشربات فى وقت التجلى اى ما هى الصعقة الا امتحانك لعشاقك من عشقك لهم فى الازل وهذا من صنيعك بمحبتك الا ترفع محبك عن المشتاقين اليك شعر : الى متى تحتجب منا اما ان للهجران ان تنصر ما والغصن غصنا لبان ان يتبسما وللعاشق الصب الذى داب وانحنا الم يان ان يبكى عليه ويرحما تفسير : وفى هذا المعنى انشد حسين بن منصور حين ارادوا قتله كان يتنجتر ويقول شعر : تديمى غير منسوب الى شئ من الحيف سقانى مثل ما يشرب كفعل الضيف فلما داره الكاس دعا بالنطع والسيف كذا من يشرب الراح مع التنين فى الصيف تفسير : فلما سكن موسى من حدة الانبساط رجع الى مقام التوحيد وقطع الاسباب فى ُالعبودية وقال {تُضِلُّ بِهَا} اى تضل وتحجب بامتحانك واختيارك {مَن تَشَآء} مشاهدتك {وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} الى وصالك فمنا من بقى فى الصعقة عن المشاهدة ومنا من وصل بك اليك فى الصعقة وذلك فرق بين مراتب النبوة والولاية ثم نظر الى كلايته انبيائه واوليائه فى مقام امتحانه فقال {أَنتَ وَلِيُّنَا} انت حافظنا منك فيك {فَٱغْفِرْ لَنَا} جناية انبساطه فى مقام رؤية هيبتك {وَٱرْحَمْنَا} وارحمنا بكشف مشاهدتك لنا بلا امتحان ولا واسطة الحيل {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} لانك قديم ومغفرتك صفتك شاملة على جميع الجنايات منزهة عن علل الحدثان.
اسماعيل حقي
تفسير : {واختار موسى} الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال اختار الشيء اذا اخذ خيره وخياره {قومه} اى من قومه بحذف الجار وايصال الفعل الى المجرور وهو مفعول ثان {سبعين رجلا} مفعول اول {لميقاتنا} اى للوقت الذى وقتناه له وعيناه ليأتى فيه بسبعين رجلا من خيار بنى اسرائيل ليعتذروا عن ما كان من القوم من عبادة العجل فهذا الميقات ميقات التوبة لا ميقات المناجاة والتكليم وكان قد اختار موسى عليه السلام عند الخروج الى كل من الميقاتين سبعين رجلا من قومه وكانوا اثنى عشر سبطا فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال موسى ليتخلف منكم رجلان فانى انما امرت بسبعين فتنازعوا فقال ان لمن قعد مثل اجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين الى الجبل {فلما اخذتهم الرجفة} مما اجترأوا عليه من طلب الرؤية حيث قالوا {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55]. والرجفة هى الارتعاد والحركة الشديدة المراد اخذتهم رجفة الجبل فصعقوا منها اى ماتوا واكثر المفسرين على انهم سمعوه تعالى يكلم موسى يأمره بقتل انفسهم توبة فطمعوا ى الرؤية وقالوا ما قالوه ويرده قوله تعالى {أية : يا موسى انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى} تفسير : [الأعراف: 144]. كما ذهب الهي صاحب التيسير {قال} موسى {رب لو شئت اهلكتهم من قبل} اى حين فرطوا فى النهى عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا اصرارهم عليها {واياى} ايضا حين طلبت منك الرؤية اى لو شئت اهلا كنا بذنوبنا لاهلكتنا حينئذ اراد به تذكر العفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق {أتهلكنا} الهمزة لانكار وقوع الاهلاك ثقة بلطف الله تعالى اى لا تهلكنا {بما فعل السفهاء} حال كونهم {منا} من العناد والتجاسر على طلب الرؤية وكأن ذلك قاله بعضهم اىلا يليق بشأنك ان تهلك جما غفيرا بذنب صدر عن بعضهم الذى كان سفيها خفيف الرأى {ان هى} اى ما الفتنة التى وقع فيها السفهاء {الا فتنتك} اى محنتك وابتلاؤك حيث اسمعتهم كلامك فافتتنوا بذلك ولم يثبتوا فطمعوا فى الرؤية. يقول الفقير هذا يدل على انهم سمعوا كلامه تعالى على وجه الامتحان والابتلاء لا على وجه التكرمة والاجلال وذلك لا يقدح فى كون موسى عليه السلام مصطفى بالرسالة والكلام مع انه فرق كثير بين سماعهم وسماعه عليه السلام والله اعلم [ودر فصل الخطاب مذكورست كه حق تعالى موسى عليه السلام را در مقام بسط بداشت تابكمال حال انس رسيده وازروى دلال بدين جراءت اقدام نمود ودلال در مرتبه محبوبيت است وحضرت مولوى قدس سره فرمودكه كه كستاخى عاشق ترك ادب نيست بلكه عين ادبست] شعر : كفت وكوى عاشقان دركار رب جوشش عشقست نه ترك ادب هركه كردازجام حق يكجرعه نوش نه ادب ماند درونه عقل وهوش تفسير : {تضل بها} اى بسبب تلك الفتنة {من تشاء} ضلالة فيتجاوز عن حده بطلب ما ليس له {وتهدى من تشاء} هدايته الى الحق فلا يتزلزل فى امثالها فيقوى بها ايمانه {انت ولينا} اى القائم بامورنا الدنيوية والاخروية وناصرنا وحافظنا لا غير {فاغفر لنا} اى ما اقترفناه من المعاصى {وارحمنا} بافاضة آثار الرحمة الدنيوية والاخروية. قال ابن الشيخ المغفرة هى اسقاط العقوبة والرحمة ايصال الخير وقدم الاول على الثانى لان دفع المضرة مقدم على تحصيل المنفعة {وانت خير الغافرين} تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة. وايضا كل من سواك انما يتجاوز عن الذنب اما طلبا للثناء الجميل او للثواب الجزيل او دفعا للقسوة من القلب واما انت فتغفر ذنوب عبادك لا لاجل غرض وعوض بل بمحض الفضل والكرم فلا جرم انت خير الغافرين وارحم الراحمين وتخصيص المغفرة بالذكر لانها الاهم بحسب المقام {واكتب لنا} اى اثبت وعين لنا وذكر الكتابة لانها ادوم {فى هذه الدنيا حسنة} حسن معيشة وتوفيق طاعة {وفى الآخرة} اى واكتب لنا فيها ايضا حسنة وهى المثوبة الحسنى او الجنة {انا هدنا اليك} تعليل لطلب الغفران والرحمة من هاد يهود اذا رجع اى تبنا ورجعنا اليك عما صنعنا من المعصية العظيمة التى جئناك للاعتذار عنها وعما وقع ههنا من طلب الرؤية فبعيد من لطفك وفضلك ان لا تقبل توبة التائبين. قيل لما اخذتهم الرجفة ماتوا جميعا فاخذ موسى عليه السلام يتضرع الى الله حتى احياهم وقد تقدم فى سورة البقرة {قال} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا قال الله تعالى عند دعاء موسى عليه السلام فقيل قال {عذابى} [عذاب من وصفت او آنست كه] {اصيب به} البا للتعدية معناه بالفارسية [ميرسانم] {من أشاء} تعذيبه من غير دخل لغيرى فيه {ورحمتى} [ورحمت من وصفت او آنست كه] {وسعت} فى الدنيا معناه {رسيده است} {كل شيء} المؤمن والكافر بل المكلف وغيره من كل ما يدخل تحت الشيئية وما من مسلم ولا كافر الا وعليه آثار رحمته ونعمته فى الدنيا فيها يتعيشون وبها ينقلبون ولكنها تختص فى الآخرة بالمؤمنين كما قال تعالى {فسأكتبها} اى اثبتها واعينها فى الآخرة {للذين يتقون} الكفر والمعاصى {ويؤتون الزكاة} خصها بالذكر لانها كانت اشق عليهم {والذين هم بآياتنا} جميعا {يؤمنون} ايمانا مستمرا فلا يكفرون بشيء منها. قال ابن عباس رضى الله عنهما لما انزلت هذه الآية تطاول لها ابليس فقال انا شيء من الاشياء فاخرجه الله تعالى من ذلك بقوله {فسأكتبها} الخ فقالت اليهود والنصارى نحن نتقى ونؤتى الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فاخرجهم الله منها بقوله {الذين يتبعون الرسول} فى محل الجر انه صفة للذين يتقون او بدل منه يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم الذى نوحى اليه كتابا مختصا به {النبى} اى صاحب المعجزة. وقال البيضاوى انما سماه رسولا بالاضافة الى ونبياً وبالاضافة الى العباد {الامى} الذى لا يكتب ولا يقرأ وكونه عليه السلام اميا من جملة معجزاته فانه عليه السلام لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما بانه ربما طالع فى كتب الاولين والآخرين فحصل هذه العلوم بتلك المطالعة فلما اتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على علوم الاولين من غير تعلم ومطالعة كان ذلك من جملة معجزاته الباهرة شعر : نكار من كه بمكتب نرفت وخط ننوشت بغمزه مسأله آموز صد مدرس شد تفسير : من كان القلم الاعلى يخدمه واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره لا يحتاج الى تصوير الرسوم. وقد وصف الله تعالى هذه الامة فى الانجيل امة محمد اناجيلهم فى صدورهم ولو لم يكن رسم الخطوط لكانوا يحفظون شرائعه صلى الله وسلم بقلوبهم لكمال قوتهم وظهور استعداداتهم. والام الاصل وعنده ام الكتاب {الذين يجدونه مكتوبا} باسمه وصفته {عندهم} متعلق بيجدون او بمكتوبا وكذا قوله {فى التورية والانجيل} اللذين تعبد بهما بنوا اسرائيل سابقا ولاحقا: وفى المثنوى شعر : بيش ازانكه نقش احمد رونمود نعت اوهر كبررا تعويذ بود سجده مى كردند كارى رب بشر درعيان آريش هرجه زودتر نقش اومى كشت اندر راهشان دردل ودر كوش درافواه شان اين همه تعظيم وتفخيم ووداد جون بديدندش بصورت بردباد قلب آتش ديددردم شد سياه قلب را در قلب كى بودست راه تفسير : فان قيل الرحمة المذكورة لو اختص بها لزم ان لا تثبت لغيرهم من المؤمنين وليس كذلك. اجيب بان هذا الاختصاص بالاضافة الى بنى اسرائيل الموجودين فى زمان النبى الامى ولم يؤمنوا به لا بالاضافة الى جميع ما عداهم {يأمرهم بالمعروف} اى بالتوحيد وشرائع الاسلام {وينهيهم عن المنكر} اى عن كل ما يعرف فى شريعة ولا سنة {ويحل لهم الطيبات} التى حرمت عليهم بشؤم ظلمهم كالشحوم {ويحرم عليهم الخبائث} كالدم ولحم الخنزير. فالمراد بالطيبات ما يستطيبه الطبع ويستلذه. وبالخبائث ما يستخبثه الطبع ويتنفر منه فتكون الآية دليلا على ان الاصل فى كل ما يستطيبه الطبع الحل وكل ما يستخبثه الطبع الحرمة الا لدليل منفصل. ويجوز ان يراد بهما ما طاب فى حكم الشرع. وما خبث كالربا والرشوة ومدلول الآية حينئذ ان ما يحكم الشرع بحله فهو حلال وما يحكم بحرمته فهو حرام ولا حكم لاستطابة الطبع واستخباثه فيهما {ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم} اى يخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة كتعين القصاص فى العمد والخطأ من غير شرع الدية وقطع الاعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وعدم الاكتفاء بغسله واحراق الغنائم وتحريم العمل يوم السبت بالكلية شبهت هذه التكاليف الشاقة بالحمل الثقيل وبالاغلال التى تجمع اليد الى العنق واصل الاصر الثقل الى يأصر صاحبه اى يحبسه من الحراك لثقله {فالذين آمنوا به} اى بنبوة الرسول النبى الامى واطاعوه فى اوامره ونواهيه {وعزروه} اى عظموه ووقروه واعانوا بمنع اعدائه عنه {ونصروه} على اعدائه فى الدين {واتبعوا النور الذى انزل معه} يعنى القرآن الذى ضياؤه فى القلوب كضياء النور فى العيون. قال صاحب الكشاف فان قلت ما معنى قوله انزل معه وانما انزل مع جبريل قلت انزل مع نبوته لان استتباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به انتهى فمعه متعلق بانزال حال من ضميره بتقدير المضاف اى انزل ذلك النور مصاحباً لنبوته {اولئك} المنعوتون بتلك النعوت الجلية {هم المفلحون} اى الفائزون بالمطلوب الناجون من الكروب لا غيرهم من الامم فيدخل فيهم قوم موسى خولا اوليا حيث لم ينجوا مما فى توبتهم من المشقة الهائلة وبه يتحقق التحقيق ويتأتى التوفيق والتطبيق بين دعائه عليه السلام وبين الجواب وهو من قوله عذابى الى هنا فقد علم ان اتباع القرآن وتعظيم النبى عليه السلام بعد الايمان سبب للفوز والفلاح عند الرحمن ونصرته عليه السلام على العموم والخصوص فالعموم للعامة من اهل الشريعة والخصوص للخاصة من ارباب الطريقة واصحاب الحقيقة وهم الواصلون الى كمال انوار الايمان واسرار التوحيد بالاخلاص والاختصاص. واعلم ان المقصود الالهى من ترتيب سلسلة الانبياء عليهم السلام هو وجود محمد صلى الله عليه وسلم فوجود الانبياء قبله كالمقدمة لوجود الشريف فهو الخلاصة والنتيجة والزبدة واشرف الانبياء والمرسلين كما قال عليه السلام "حديث : فضلت على الانبياء بست اعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلت لى الغنائم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا وارسلت الى الخلق كافة وختم بى النبيون " . تفسير : وكذلك المقصود من الكتب الالهية السالفة هو القرآن الذى انزل على النبى عليه السلام فهو زبدة الكتب الالهية واعظمها ومصدق لما بين يديه لانه بلفظ قد اعجز البلغاء ان يأتوا بسورة من مثله وبمعناه جامع لما فى الكتب السالفة من الاحكام والآداب والفضائل متضمن للحجج والبراهين والدلائل وكذا المقصود من الامم السالفة هو هذه الامة المرحومة اعنى امة محمد صلى الله عليه وسلم فهى كالنتيجة لما قبلها وهى الامة الوسط كما قال تعالى {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا} تفسير : [البقرة: 143]. وكذا المقصود من الملوك الماضية والسلاطين السالفة هو الملوك العثمانية فهو زبدة الملوك ودولتهم زبدة الدول حيث لا دولة بعدها لغيرهم الى ظهور المهدى وعيسى ويقاتلون من هم مبادى الدجال من الكفرة الفجرة من الافرنج والانكروس وغيرهم ولهم الجمعية الكبرى واليد الطولى والدولة العظمى فى الاقاليم السبعة واطراف البلاد من المغرب والمشرق ولم يعط هذا لواحد قبل دولتهم ويدل على هذه الجمعية كون اسم جدهم الاعلى عثمان فان عثمان رضى الله عنه جامع القرآن فهم مظاهر لاسم الحق كما كان عمر رضى الله عنه كذلك حيث انه لما اسلم قال يا رسول الله ألسنا على الحق قال عليه السلام "حديث : والذى بعثنى بالحق نبيا كلنا على الحق " . تفسير : قال انا والذى بعثك بالحق نبيا لا نعبد الله بعد اليوم سرا فاظهر الله الدين بايمانه فكان ظهور الدين مشروطا بايمانه فهذا اول الظهور ثم وثم الى ان انتهى الى زمن الدولة العثمانية ولذلك يقاتلون على الحق فالسيف الذى بيدهم قد ورثوه كابرا عن كابر ومجاهدا عن مجاهد - حكى - ان عثمان الغازى جد السلاطين العثمانية انما وصل الى ما وصل برعاية كلام الله تعالى وذلك انه كان من اسخياء زمانه يبذل النعم للمترددين فثقل ذلك على اهل قريته وانعكس اليه ذلك وذهب ليشتكى من اهل القرية الى الحاج بكتاش او غيره من الرجال فنزل فى بيت رجل قد علق فيه مصحف فسأل عنه فقالوا هو كلام الله تعالى فقال ليس من الادب ان نقعد عند كلام الله فقام وعقد يديه مستقبلا اليه فلم تزل الى الصبح فلما اصبح ذهب الى طريقه فاستقبله رجل وقال انا مطلبك ثم قال له ان الله تعالى عظمك واعطاك وذريتك السلطنة بسبب تعظيمك لكلامه ثم امر بقطع شجرة وربط براسها منديلا وقال ليكن ذلك لواء ثم اجتمع عنده جماعة فجعل اول غزوته الى بلاجك وفتح بعناية الله تعالى ثم اذن له السلطان علاء الدين فى الظاهر ايضا فصار سلطانا ثم بعد ارتحاله صار ولده اورخان سلطانا ففتح هو بروسة المحروسة بالعون الآلهى فالدولة العثمانية من ذلك الوقت الى هذا الآن على الازدياد بسبب تعظيم كلام الله القديم وكما ان الله تعالى اظهر لطفه للاولين وكذلك يظهره للآخرين وان كان فى بعض الاوقات بظهر القهر والحلال تأديبا وتنبيها فتحته لطف وجمال: قال السعدى قدس سره شعر : زظلمت مترس اى بسنديده دوست كه ممكن بود كاب حيوان دروست دل از يى مرادى بفكرت مسوز شب آبستن است اى برادر بروز تفسير : والاشارة فى الآيات ان الله تعالى امتحن موسى عليه السلام قومه ليعلم ان المختار من الخلق من اختاره الله لا الذى اختاره الخلق وان الله الاختيار الحقيقى لقوله {أية : وربك يخلق ما يشاء ويختار} تفسير : [القصص: 68]. وليس للخلق الاختيار الحقيقى لقوله {أية : ما كان لهم الخيرة} تفسير : [القصص: 68]. ثم استخرج من القوم المختار ما كان موجبا للرجفة والصعقة والهلاك وهو سوء الادب فى سؤال الرؤية جهارا وكان ذلك مستورا عن نظر موسى متمكنا فى جبلتهم وكان الله المتولى للسرائر وحكم موسى بظاهر صلاحيتهم فاراه الله ان الذى اختاره يكون مثلك كقوله تعالى {أية : وانا اخترتك فاستمع لما يوحى} تفسير : [طه: 13]. والاذى تختاره يكون كالقوم فلما تحقق لموسى ان المختار من اختاره الله حكم بسفاهة القوم واظهر الاستكانة والتضرع والاعتذار والتوبة والاستغفار والاسترحام كما قال {فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل واياى آتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وفيه اشارة اخرى الى ان نار شوق الرؤية كما كانت متمكنة فى قلب موسى بالقوة وانما ظهرت بالفعل بعد ان سمع كلام الله تعالى من اصطكاك زناد الكلام وحجر القلب ظهر شرر نار الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان الصدوق وشعلت شعلة السؤال فقال {أية : رب ارنى انظر اليك} تفسير : [الأعراف: 143]. كذلك كانت نار الشوق متمكنة فى احجار قلوب القوم فباصطكاك زناد سمع الكلام ظهر شرر الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان ولما لم يكن اللسان لسان النبوة صعد منه دخان السؤال الموجب للصعقة والرجفة والسر فيه ان يعلم موسى وغيره ان قلوب العباد مختصة بكرامة ايداع نار المحبة فيها لئلا يظن موسى انه مخصوص به ويعذر غيره فى تلك المسألة فانها من غلبات الشوق تطرأ عند استماع كلام المحبوب ولذا قال عليه السلام "حديث : ما خلق الله من بنى آدم من بشر الا وقلبه بين اصبعين من اصابع الرحمن ان شاء اقامه وان شاء ازاغه " . تفسير : وبالاصبعين يشير الى صفتى الجمال والجلال وليس لغير الانسان قلب مخصوص بهذه الكرامة واقامة القلب وازاغته فى ان يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب عليه الشوق والمحبة لطفا ورحمة وفى ان يجعله مرآة صفات الجلال فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهرا وعزة فالنكتة فيه ان قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصا بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله لرؤية شعلة نار المحبة مقرونا بحفظ الادب على بساط القرب بقوله {أية : رب ارنى انظر اليك} تفسير : [الأعراف: 143]. قدم عزة الربوبية واظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فان نار الشوق تصاعدت بسوء الادب فقالوا {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55]. قدموا الجحود والانكار وطلبوا الرؤية جهارا فاخذتهم الصاعقة بظلمهم فشتان بين صعقه موسى وصعقة قومه فان صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلى صفة الربوبية وان صعقتهم كانت صعقة القهر عند اظهار صفة العزة والعظمة ولما كان موسى عليه السلام ثابتا فى مقام التوحيد كان ينظر بنور الوحدة فيرى الاشياء كلها من عند الله فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفة قهره فتنة واختبارا لهم فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر موسى باقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال {ان هى الا فتنتك تضل بها من تشاء} أى تزيغ قلت من تشاء باصبع صفة القهر {وتهدى من تشاء} اى تقيم قلب من تشاء باصبع صفة اللطف {انت ولينا} اى المتولى لامورنا والناصر فى هدايتنا {فاغفر لنا} ما صدر منا {وارحمنا} بنعمة الرؤية التى سألناكها {وانت خير الغافرين} اى خير من يستر على ذنوب المذنبين يعنى انهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤلهم فانت الذى تستر الذنب وتبدله بالحسنات وتعطى سؤل اهل الزلات {واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة} يعنى حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد عليه السلام ولخواص امته هذه الحسنة فى الدنيا وفى الآخرة يعنى خصنا بهذه الفضيلة فى الدنيا {وفى الآخرة انا هدنا اليك} رجعنا اليك فى طلب هذه الفضيلة فى السر لا بالعلانية وانت الذى تعلم السر والاخفى واجابهم الله تعالى سرا بسر واضمارا باضمار {قال عذابى اصيب به من اشاء} اى بصفة قهرى آخذ من اشاء وبقراءة من قرأ أساء أى من أساء فى الادب عند سؤال الرؤية حيث قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة آخذهم على سوء ادبهم فادبهم بتأديب عذاب الفرقة {ورحمتى وسعت كل شيء} نعمة وايجادا وتربية {فساكتبها} يعنى حسنة الرؤية والرحمة بها التى انتم تسألونها {للذين يتقون ويؤتون الزكاة} يعنى يتقون بالله عن غيره ويؤتون من نصاب هذا المقام الزكاة الى طلابه {والذين هم بآياتنا يؤمنون} يعنى الذين يؤمنون بأنوار شواهد الآيات لا بالتقليد بل بالتحقيق وهم خواص هذه الامة كما عرف احوالهم وصرح اعمالهم بقوله {الذين يتبعون الرسول النبى الامى} وفيه اشارة الى ان فى امته من يكون مستعدا لاتباعه فى هذه المقامات الثلاثة وهى مقامات الرسالة والنبوة التى هى مشتركة بينه وبين الرسول والانبياء والمقام الامى الى هو مخصوص به صلى الله عليه وسلم من بين الانبياء والرسل عليهم والسلام ومعنى الامى انه ام الموجودات واصل المكونات كما قال "حديث : اول ما خلق الله روحى " . تفسير : وقال حكاية عن الله "حديث : لولاك لما خلقت الكون " . تفسير : فلما كان هو اول الموجودات واصلها سمى اميا لانها كانت مبدأ القرى واصلها وكما سمى ام الكتاب اما لأنه مبدأ الكتب واصلها فاما اتباعه فى مقام الرسالة والنبوة فبان يأخذ ما آتاه الرسول وينتهى عما نهاه عنه كما قال تعالى {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} تفسير : [الحشر: 7]. فان الرسالة تتعلق واحكام الظاهر والنبوة تتعلق باحوال الباطن فللعوام شركة مع الخواص فى الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة فمن ادى حقوق احكام الرسالة فى الظاهر يفتتح له بها احوال النبوة فى الباطن من مقام تنبئة الحق تعالى بحيث يصير صاحب الاشارات والالهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف الملكية وربما يؤول حاله الى ان يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة ولعله يصير مأمورا بدعوة الخلق الى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال عليه السلام "حديث : علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل " . تفسير : يشير الى هذا القوم وذلك أن المتقدمين من بنى اسرائيل فى زمن الانبياء عليهم السلام لما وصلوا الى مقام الانبياء اعطوا النبوة والله اعلم وكانوا مقررين لدين رسولهم حاكمين بالكتب المنزلة على رسلهم فكذلك هذا المقام كما قال تعالى {أية : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا} تفسير : [السجدة: 24] الآية واما اتباعه فى مقام اميته صلى الله عليه وسلم فذلك مخصوص باخص الخواص من متابعيه وهو انه صلى الله عليه وسلم رجع من مقام بشريته الى مقام روحانيته الاولى ثم بجذبات الوحى انزل فى مقام التوحيد ثم اختطف بانوار الهوية عن انانيته الى مقام الوحدة كما قال تعالى {أية : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد} تفسير : [الكهف: 110] وكما قال {أية : ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} تفسير : [النجم: 8-9]. فقاب قوسين عبارة عن مقام التوحيد واوادنى عن مقام الوحدة تفهم ان شاء الله تعالى فمن رجع بالسير فى متابعته من مقام البشرية الى ان بلغ مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة انزل فى مقام التوحيد ثم اختطف بانوار المتابعة عن انانيته الى مقام الوحدة فقد حظى بمقام اميته صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى {الذين يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل} يشير الى انه مكتوب عندهم والا فهو مكنون عنده مقعد صدق {يأمرهم بالمعروف} وهو طلب الحق والنيل اليه {وينهيهم عن المنكر} وهو طلب ما سواه والانقطاع عنه {ويحل لهم الطيبات} اى القربات الى الله وان الطيب هو الله {ويحرم عليهم الخبائث} وهى الدنيا وما يباعدهم عن الله {ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم} يعنى اصرهم من العهد الذى كان بين الله تعالى وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم بان لا يصل احد الى مقام اميته وحبيبته الا امته واهل شفاعته بتبعيته كما قال تعالى {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى} تفسير : [آل عمران: 31]. الآية وقال عليه السلام "حديث : الناس يحتاجون الى شفاعتى حتى ابراهيم " . تفسير : فكان من هذا العهد عليهم شدة واغلال تمنعهم من الوصول الى هذا المقام فقد وضع النبى عليه السلام عنهم هذا الاصر والاغلال بالدعوة الى متابعته ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه} اى وقروه باختصاص هذا المقام فانه مخصوص به من بين سائر الانبياء والرسل ونصروه بالمتابعة {واتبعوا النور الذى انزل معه} يعنى حين اختطف بانوار الهوية عن انانيته فاستفاد نور الوحدة قلم يبق من ظلمة انانيته شئ وكان نورا صرفا فلما ارسل الى الخلق انزل معه نور الوحدة كما قال تعالى {أية : قد جاءكم من الله نور} تفسير : [المائدة: 15]. يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وكتاب مبين يعنى القرآن فامروا بمتابعة هذا النور ليقتبسوا منه نور الوحدة فيفوزوا بالسعادة الكبرى والنعمة العظمى {أولئك هم المفلحون} فى حجب الانانية الفائزون بنور الوحدة كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: {واختارَ موسى قومه} من قومه {سبعين رجلاً} يعتذرون عن قومهم في عبادة العجل، {لميقاتنا} الذي وقتنا لهم يأتون إليه، وقيل: إن الله تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستةً، فزاد على السبعين اثنان، فقال: يتخلف منكم رجلان، فتشاجروا، فقال: إن لِمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب معه الباقون، فلما دنوا من الجبل غشية غمام، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سُجدًا، فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً } تفسير : [البَقَرَة:55]، {فأخذتهم الرجفة} أي: الصعقة، أو رجفة الجبل، عقابًا لهم على قولهم، فصعقوا منها، يحتمل أن تكن رجفة موت أو إغماء. والأول أظهر؛ لقوله: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ }تفسير : [البَقَرَة:56]. {فلما أخذتهُم الرّجفَةُ قال} موسى: {ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبل وإيّايَ}، تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه، إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ربما قالوا: عرّضهم للهلاك، أو يكون قال ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء، أي: لو شئت أن تُهلكنا من قبل ذلك لفعلت، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء، أو يكون قاله على وجه التضرع والرغبة، أي: لو ئشت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنك عافيتنا وأنقذتنا وأغرقت عدونا، فافعل بنا الآن كما عودتنا، وأحيي هؤلاء الذي أمتهم، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك، {أَتُهلِكُنا بما فعلَ السفهاءُ منّا} من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل. {إن هي إلا فتنتُك} أي: ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك، حتى طمعوا في الرؤية، أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به، وهذا اعتراف بالقدر، ورجوع إلى قوله: {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ...} تفسير : [طه:85] الآية، ولذلك قيل: إنه قال له تعالى: نعم هي فتنتي يا حكيم الحكماء. هـ. أي: ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك {تُضلَّ بها من تشاء} ضلالته، باتباع المخايل، {وتهدي من تشاء} هدايته، فيقوي بها إيمانه، وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء الله ومشيئته. {أنت وليُّنا} القائم بأمرنا، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك، {فاغفر لنا} ما قارفنا من الذنوب، {وارحمنا} أي: اعصمنا من الوقوع في مثله، {وأنت خير الغافرين}؛ تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة، {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} أي:حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة، {وفي الآخرة} حسنة؛ نعيم الجنة، {إنا هُدنا إليك} أي: تبنا إليك، من هادَ يهود: إذا رجع، أي: رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا. الإشارة: السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب، ولذلك قيل: قف بالبساط، وإياك والانبساط. وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر الأنبياء، والأولياء المحققين بمقام المحبوبية، المتحَفين بغاية الخصوصية، ومنه قول سيدنا موسى عليه السلام: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا}، كما قال في الإحياء. والإدلال: هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة الخاصة، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه، ليس عليه بغية من نفسه، ولا شعور بوجوده وأنانيته، وإلا ردّ في وجهه وكان سبب عطبه. ومن الإدلال: ما وقع لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه الكبير، من قوله: وليس من الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك...الخ. وقد وقع لغيره من المحبوبين. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق ـ سبحانه وتعالى ـ سؤال موسى عليه السلام في قوله: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} فقال: {...قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} يقول الحقّ جلّ جلاله: في جواب سيدنا موسى عليه السلام: {قال عذابي أُصيب به من أشاءُ} ممن أخذّته الرجفة وغيرهم، {ورحمتي وَسِعت كلَّ شيء} في الدنيا للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين، {فسأكتبها} كتابة خاصة لا تليق بكم يا بني إسرائيل، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب المرضية، الذين {يتقون} الكفر والمعاصي، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة، {ويُؤتون الزكاة}، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم. {والذين هم بآياتنا يؤمنون} فلا يكفرون بشيء منها، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغيرهم. ولذلك خصهم الله بهذه الرحمة؛ فَنَصرَهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكّن لهم ما لم يمكن لغيرهم. {الذين يتبعون الرسول} صلى الله عليه وسلم {النبي الأميَّ} وهو نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه أُميًّا شرفٌ له، إذ الكتابة وسيلة للعلوم، وقد أُعطي منها ما لم يُعطَ أحَدٌ من العالمين، من غير تعب تعلمها، ولارتفاع الارتياب في نبوته صلى الله عليه وسلم، فهي من جملة معجزاته؛ قال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ...}تفسير : [العَنكبوت:48] الآية. قال بعضهم: لما قال الله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} طمع فيها كل أحد، حتى إبليس، فلما قال: {فسأكتبها للذين يتقون} يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: {الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ} يئس اليهود والنصارى. هـ. {الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل} اسمًا وصفة، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري، عن عبد الله بن سلام:"حديث : يا أيُّهَا النَبِيُّ إنَّا أرسلَنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشَّرًا ونَذِيرًا، وحِرزًا للأمِّيينَ، أنتَ عَبدِي ورَسُولِي، سَمَّيتُكَ المُتَوكلَ، لِيسَ بفظٍ ولا غليظ ولا صَخَّابِ في الأسوَاقُ، ولا يُجَازِي بالسَّيِّئةَ السَّيِّئة، ولكِن يَعَفُو ويَصفَحُ، ولَن يَقبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوجاءَ؛ بِأن يَقُولُوا: لا إله إلاَّ الله، فَيفَتَح بِها أعيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلفًا ". تفسير : ومما في التوراة أيضًا، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق في أيديهم إلى الآن؛ أن الملك قد نزل على إبراهيم، فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه، وأنميه، وأكثره، وأعظمه بما ذماذ، وتفسيره: محمد صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك مما في التوراة أيضًا: أن الرب ـ تعالى ـ جاء من طور سيناء، وطلع على "ساغين"، وظهر من جبل فاران، ويعني طور سيناء: موضع مناجاة موسى، وساغين موضع عيسى، وفاران هي مكة، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التوراة أيضًا: أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة، تراءى لها ملكٌ، فقال لها: يا هاجر، أين تريدين، ومن أين أقبلتِ؟ فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: يا هاجر، ارجعي إلى سارة، وستحملين وتلدين ولدًا اسمه إسماعيل، وهو يكون عَين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. هـ. وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو مكانه، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه، وفي التوراة أيضًا: أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء مُحمدٍ المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. هـ. ونص ما في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقَليط، الذي لا يتكلم من قِبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. هـ. والفارقليط بالعبرانية: اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه: الشافع المشفع. وعن شَهر بن حَوشبٍ ـ في قصة إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حميرـ: أن كعبًا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل ظهوره، قال كعب: وكان أبي من أعلم الناس بالتوراة وكُتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا بني، قد علمتَ أني لم أكن أدخر عنك شيئًا مما كنتُ أعلم، إلا أني حَبَستُ عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يُبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابي، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرًا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إليّ من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فإذا فيهما: "حديث : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمَّادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتُذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويتأزرون على أوساطهم، وأنَاجِيلُهُم في صدورهم، ويأكلون قربانهم في بطونهم، ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع فيهم " تفسير : . ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. يقول الحقّ جلّ جلاله: في بقية أوصاف نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحِلُّ لهم الطيبات} مما حرم على اليهود؛ كالشحوم وغيرها، {ويُحرَّم عليهم الخبائث} كالدم والحم الخنزير وسائر الخبائث، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي: مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلا ما حرمه الشرع منها، كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب. هـ. {ويضعُ عنهم إصرَهم} أي: الثقل الذي عليهم، وهو مثال لما كُلفوا به ـ أي: بنو إسرائيل ـ في شرعهم من المشقات؛ كقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتعيين القصاص في العمد والخطأ. {والأغلآل التي كانت عليهم}؛ عبارة عما منعت منه شريعتهم، كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك. {فالذين آمنوا به وعزّرُوه} أي: منعوه وحفظوه من عدوه، حتى لا يقوى عليه، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر، وأصله: المنع، ومنه التعزير، {ونصروه} حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته، {واتبعوا النورَ الذي أُنزل معه} وهو القرآن، وإنما سماه نورًا؛ لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها. {أولئك هم المفلحون} الفائزون بالرحمة الأبدية، وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السلام. الإشارة: قوله تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء}، قال القشيري: لم يُعَلَّقها بالمشيئة ـ يعني: كما قال في العذاب ـ لأنها نفس المشيئة، ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم، فلمَّا كان العذاب من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: {وسعت كل شيء}: مجالٌ لآمال العُصَاة؛ لأنهم، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فهم "شيء". هـ. قلت: وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل، وذلك أنه لما تراءى له، ضحك، فقال له: كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله؟ فقال له: قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} وأنا شيء فسكت سهل، ثم تذكر تمام الآية، فقال: قال تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون}، فهي مُقيدة لا مطلقة، فقال له: التقوى فعل العبد، والرحمة صفة الرب، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد، فعجز سهل. قلت: والجواب: أن إبليس جاء من جهة الفرق، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه، والتقوى فعله، وفعله يغير وصفه، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة، لأن إيجاد الحق إياهم، على أي: وصف كانوا، عين رحمته، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته، ومباشرة قدرته فيهم، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله، وهي الرحمة الفعلية، والحيوانات مستغرفة في نور صفاته، وهي الرحمة الصفاتية، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها، في الرحمة العامة، ومن جهة الأرواح وما يجري عليها، في الرحمة الخاصة، وهم فيها بالتفاوت، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم، وفنى عن الرحمة، فصار رحمة للعالمين، وهذا وصف نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ، لأنه وصل بالكل إلى الكل، فوصفه برحمة الكل بقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إَلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبيَاء:107]، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله: {فسأكتبها للذين يتقون...}. هـ. قال في الحاشية: واعتبر قوله: {فسأكتبها}، فإنه يقتضي كون الرحمة السابقة مطلقة، والتغيير طارىء، والطارىء لا ينافي الذات. هـ. قلت: فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شيء رحمة عامة، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادًا وإمدادًا، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة، ويدل على هذا ما في القوت على قوله: {فسأكتبها للذين يتقون}، قال: معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. هـ. وقال السيوطي: فسأكتبها في الآخرة، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين: تمحضها هنالك من غير شوب بضد، ولا كذلك في الدنيا، وإن كانت غالبة، والكافر عمته في الدنيا عمومًا ظاهرًا، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر، وإن لم يخل عنها في الجملة، لأن عضبه تعالى لا حدّ له لولا رحمته. وحاصله: أنه لم تفي جهنم بغضبه، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه، وفي الإمهال فسحة في الحال وأمل الإقلاع في المآل، وقد يتفق كثيرًا، أي: الإقلاع، فلا يتعين أن يكون الإمهال استدراجًا، على أنه إنما يتجلى تجليًا أوليًا ذاتيًا برحمة مطلقة من غير تفصيل، إذ لا تعدد في الذات، وإنما يظهر التفصيل بالصفات، وإن كان يسري إليها من الذات، ولكن الرحمة تظهر أولاً من الذات، مع قطع النظر عن الصفات؛ لظهورها، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات، وهي خفية في تجلي الذات المطلق، ولذلك قال: {ورحمتي وسعت كل شيء}، وعلق العذاب على المشيئة، فخص به دونها. هـ. من الحاشية مع زيادة بيان. ثم أمره بالدعاء إلى الإيمان، فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}.
الطوسي
تفسير : الاختيار هو إِرادة ما هو خير يقال: خيره بين أمرين فاختار أحدهما: والاختيار والايثار بمعنى واحد. أخبر الله تعالى أن موسى (ع) اختار من قومه سبعين رجلاً وحذف (من) لدلالة الفعل عليه مع ايجاز اللفظ قال الشاعر: شعر : ومنا الذي اختير الرجال سماحة وجوداً إِذا هب الرياح والزعازع تفسير : وقال غيلان: شعر : وأنت الذي اخترت المذاهب كلها بوهبين إِذ ردت عليَّ الأباعر تفسير : وقال آخر: شعر : فقلت له اخترها قلوصاً سمينة وناباً عليها مثل نابك في الحيا تفسير : يريد أختر منها، وقال العجاج: شعر : تحت الذي اختار له الله الشجر تفسير : وإِنما اختار اخراجهم للميقات. والميقات المذكور - ها هنا - هو الميقات المذكور أولاً، لأنه في سؤال الرؤية، وقد ذكر أولاً ودل عليه ثانياً. وقيل هو غيره، لأنه كان في التوبة من عبادة العجل. وقوله {فلما أخذتهم الرجفة} قيل في السبب الذي، لأجله أخذتهم الرجفة قولان: أحدهما - لأنهم سألوا الرؤية في قول ابن اسحاق. الثاني - قال ابن عباس: لأنهم لم ينهوا عن عبادة العجل. وقد بينا معنى الرجفة فيما مضى، وأنها الزلزلة العظيمة والحركة الشديدة. وقوله {قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإِياي} حكاية عما قال موسى لله تعالى، وأنه ناداه، وقال يارب لو شئت أهلكتني وإِياهم من قبل هذا الموقف. وقوله {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} معناه النفي، وإِن كان بصورة الانكار كما تقول (أتشتمني وأسكت عنك) أي لا يكون ذلك، والمعنى إِنك لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، فبهذا نسألك رفع المحنة بالاهلاك عنا. وقوله {إِن هي إِلا فتنتك} معناه إِن الرجفة إِلا اختبارك وابتلاؤك ومحنتك أي تشديدك تشديد التبعد علينا بالصبر على ما أنزلته بنا من هذه الرجفة والصاعقة اللتين جعلتهما عقاباً لمن سأل الرؤية وزجراً لهم ولغيرهم، ومثله قوله {أية : أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين}تفسير : يعني بذلك الأمراض والأسقام التي شدد الله بها التعبد على عباده، فسمى ذلك فتنة من حيث يشدد الصبر عليها، ومثله {أية : الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}تفسير : ومعناه لا ينالهم شدائد الدنيا والامراض وغيرها، ويحتمل أن يكون المراد بذلك ان هي الا عذابك وقد سمى الله تعالى العذاب فتنة في قوله {أية : يوم هم على النار يفتنون}تفسير : أي يعذبون، فكأنه قال ليس هذا الإِهلاك إِلا عذابك لهم بما فعلوه من الكفر وعبادة العجل، وسؤالهم الرؤية، وغير ذلك. والسبعون الذين كانوا معه وإِن لم يعبدوا العجل، فقد كانوا سألوا موسى أن يسأل الله تعالى ان يريه نفسه، ليخبروا بذلك أمته ويشهدوا له بأن الله كلمه، فإِن بني اسرائيل قالوا لموسي: لا نصدقك على قولك إِن الله كلمك من الشجرة، فاختار السبعين حتى سمعوا كلام الله، وشهدوا له بذلك عند قومه، فسألوا أن يسأل الله الرؤية أيضاً ليشهدوا له، فلذلك استحقوا الاهلاك ولم يثبت أن السبعين كانوا معصومين، ولا أنهم كانوا أنبياء، فينتفى عنهم ذلك. وقيل المراد بقوله {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} أي أتميتنا بالرجفة التي تميتهم بها، وإِن لم يكن ذلك عقوبة لنا. والهلاك الموت، لقوله {أية : إِن امرؤ هلك} تفسير : والفتنة الكشف والاختبار، قال المسيب بن علس: شعر : إِذ تستبيك بأصلتي ناعم قامت لتفتنه بغير قناع تفسير : أي لتكشفه وتبرزه. وقوله {تضل بها من تشاء} معناه تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك. ودخول جنتك، وتهدي بالرضا بها والصبر عليها من تشاء، وإِنما نسب الضلال الى الله لأنهم ضلوا عند أمره وامتحانه، كما أضيفت زيادة الرجس الى السورة في قوله {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : وإِن كانوا هم الذين ازدادوا عندها. والمعنى تختبر بالمحنة من تشاء لينتقل صاحبه عن الضلالة، وتهدي من تشاء معناه تبصره بدلالة المحنة ليثبت صاحبها على الهداية من تشاء. وقوله {أنت ولينا}. معناه أنت ناصرنا وأولى بنا {فاغفر لنا} سؤال منه المغفرة له ولقومه. وقوله {وارحمنا وأنت خير الغافرين} إِخبار من موسى بأن الله خير الساترين على عباده والمتجاوزين لهم عن جرمهم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} من قومه {سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} روى عن الرّضا (ع) انّه سئل: كيف يجوز ان يكون كليم الله موسى (ع) بن عمران لا يعلم انّ الله لا يجوز عليه الرّؤية حتّى يسئله هذا السّؤال؟ - فقال: انّ كليم الله علم انّ الله منزّه عن ان يرى بالابصار ولكنّه لمّا كلّمه الله وقرّبه نجيّاً رجع الى قومه فأخبرهم انّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعته وكان القوم سبعمائة الفٍ فاختار منهم سبعين الفاً ثمّ اختار منهم سبعة الآف ثمّ اختار منهم سبعمائةٍ ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج الى طور سيناء فاقامهم فى صفح الجبل وصعد موسى (ع) الى الطّور وسأل الله ان يكلّمه ويسمعهم كلامه وكلّمه الله وسمعوا كلامه من فوق واسفل ويمين وشمال ووراء وامام، لانّ الله احدثه فى الشّجرة ثمّ جعله منبعثاً منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن بانّ هذا الّذى سمعناه كلام الله حتّى نرى الله جهرةً، فلمّا قالوا هذا القوم العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عليهم صاعقة فاخذتهم الصّاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى (ع): يا ربّ ما اقول لبنى اسرائيل اذا رجعت اليهم وقالوا انّك ذهبت بهم فقتلهم لانّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة الله ايّاك؟! فأحياهم وبعثهم معه، فقالوا: انّك لو سألت الله ان يريك تنظر اليه لاجابك فتخبر كيف هو ونعرفه حقّ معرفته فقال موسى (ع): يا قوم انّ الله لا يرى بالابصار ولا كيفيّة له وانّما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله فقال موسى (ع) يا ربّ انّك قد سمعت مقالة بنى اسرائيل وانت اعلم بصلاحهم فاوحى الله اليه: يا موسى (ع) سلنى ما سألوك فلم اؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (ع): ربّ ارنى انظر اليك قال لن ترانى ولكن انظر الى الجبل فان استقرّ مكانه وهو يهوى فسوف ترانى فلمّا تجلى ربّه للجبل بآية من آياته جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلّما أفاق قال سبحانك تبت اليك وانّا اوّل المؤمنين {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ} اهلاكنا {أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} يعنى من قبل وعدى بنى اسرائيل باسماع كلامك واتيانى بهم الى ميقاتك حتّى لا يتّهمونى بالكذب واهلاك من جئت بهم الى ميقاتك {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} من الجرأة على طلب الرّؤية {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} ان العجل وخواره الاّ فتنتك على ان يكون مقطوعاً من سابقه على ما روى انّ الله اخبره بضلال قومه بالعجل، فقال: يا ربّ ان كان السّامرىّ صنعه فمن أخاره؟ - فقال: انا، فقال: ان هى الاّ فتنتك، او على ان يكون السّبعون المختارون من عبدة العجل اختارهم ليمقات التّوبة فاخذتهم الرّجفة لهيبة الله، او المعنى ان اسماعهم لكلامك حتّى طمعوا فى سؤال الرّؤية الاّ فتنتك او ان الرّجفة منك الاّ فتنتك، وتأنيث الضّمير على الوجوه السّابقه لمراعاة الخبر {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا} المتصرّف فى امورنا {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} لمّا كان الحسن الحقيقىّ هو الولاية فكلّ ما كان مرتبطاً بالولاية من علم وخلق وفعل فهو حسن بحسنها، والسّير على طريق الولاية ايضاً حسن بحسنها، وتسهيل السّير بقوّة الولاية ورفع موانع السّير وقلّة الامتحانات فى الطّريق والّذكر المأخوذ من الامام والاتّصال بملكوت الامام كلّها حسن بحسنها، والتّاء فى الحسنة للنّقل فتفسيرها بالولاية وبالطّاعة وبتوفيقها وبتسيهل السّير ورفع موانع السّير وتقليل الامتحانات ودوام الّذكر وتمثّل صورة الشّيخ كلّها صحيح {وَفِي ٱلآخِرَةِ} ايضاً حسنة والحسنة فى الآخرة هو شهود الحقّ تعالى فى مظاهره بمراتبها: ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه بالفارسىّ فى تفسير الحسنة فى الدّنيا والآخرة: شعر : راه را برسا جو بستان كن لطيف مقصد ما باش هم تو اى شريف تفسير : {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} من هاد يهود اذا رجع {قَالَ} جواباً له: انّ لى سخطاً ورضى وعذاباً ورحمة ولكلّ اهل، فلى ان اعذّب من كان اهلاً للعذاب، وارحم من كان اهلاً للرّحمة {عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} ولمّا لم يكن المعصية سبباً للعذاب على الاطلاق لم يقل من عصانى {وَرَحْمَتِي} الرّحمانيّة {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} لانّها صفة الوجود والوجود قد احاط بكلّ موجودٍ فى الدّنيا والآخرة {فَسَأَكْتُبُهَا} اى الرّحمة الرّحيميّة بطريق الاستخدام {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} المحرّمات الّتى اصلها اتّباع ائمّة الجور الّذى اصله اتّباع اهواء النّفس {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} حقوق المال الحلال وفضول التّمتّعات المحلّلة والالتذاذات المباحة المأمور بها بان يتمتّع ويلتذّ ويقلّل منها تدريجاً وقوّة القوى العّلامة والعمّالة بصرفها فى قضاء حقوق الاخوان وعبادة الرّحمن {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} وهذه صفات مترتّبة فانّ التّقوى بهذا المعنى مقدّمة على الزّكاة، والزّكاة الّتى هى تضعيف قوى النّفس مقدّمة على ادراك كون الآية التّدوينيّة او التّكوينيّة آية، والايمان بها بعد درك كونها آية وللاشارة الى انّ الايمان هو المقصد الاسنى كرّر الموصول.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي بليّتك {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} أي تأمر وتنهي، لا يكون أحد ضالاً ولا مهتدياً إلا بعد الأمر والنهي، فمن فعل ما أمر به كان مهتدياً، ومن فعل ما نُهِيَ عنه كان ضالاً. {أَنتَ وَلِيُّنَا} في المنّ والتوفيق والعصمة {فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ}. قال الكلبي: إن السبعين قالوا لموسى عليه السلام حين كلمه ربه: يا موسى، إن لنا عليك حقاً؛ كنا أصحابك، لم نختلف ولن نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته. فقال موسى: لا والله ما رأيته. [ولقد أردته على ذلك فأبى]، ولا يُرى. ولقد أبدى الله بعض آياتِه للجبل فكان دكاً، وهو أشد مني، وخررت صعقاً، فلما أفقت سألت الله تعالى واعترفت بالخطيئة التي كانت مني إذ تقدمت بين يدي الله. فقالوا: فإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم. فظن موسى أنهم إنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل. فقال: لربه: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}، يعني أصحاب العجل، {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ...} إلى آخر الآية. ثم بعثهم اللهُ من بعد موتهم فقال: (أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تفسير : [البقرة:56]. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة. قال بعضهم: ذكر لنا أن ابن عباس قال: إنما تناولت الرجفة السبعين لأنهم لم يزايلوا القوم حتى نصبوا العجل، وقد كرهوا أن يجامعوهم عليه. وذكر لنا أولئك السبعين كانوا يلبسون الثياب الطاهرة ثم يبرزون صبيحة شاتية إلى البرية فيدعون الله فيها، فوالله ما سأل القوم يومئذ شيئاً إلا أعطاه الله هذه الأمة. ذكر بعضهم في قول الله: (أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا) تفسير : [القصص:46]. قال: نودي بأمة محمد: أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني.
اطفيش
تفسير : {واخْتارَ مًوسَى قَومَه} أى من قومه، فهومنصوب على نزع الخافض، و المفعول ما بعده، ويجوز أن يكون هو المفعول وما بعده بدل بعض، والرابط محذوف، أى واختار موسى قومه سبعين رجلاً منهم. {سَبْعينَ رجُلاً} من كل سبط ستة، وزاد اثنين على السبعين، وقد أمره الله بسبعين فقط، فقال: لا بد أن يتخلف منكم اثنان فتشاحوا، فقال: لمن تخلف أجر من خرج، فقعد يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا فلم يخرجا، وقيل: قال ذلك فى أصل الجبل، فقعدا فيه، وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخا، فأوحى الله إليه أن يختار من الشباب عشرة، فاختار فأصبحوا شيوخا، وقيل: إنه لم يكن فى السبعين من تحت العشرين، ولا من فوق الأربعين أذهب الله سبحانه عنهم الجهل والصبا. {لميقَاتِنَا} هو ميقات المناجاة المذكور الذى سئلت فيه الرؤية، أمر السبعين أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم، ويصوموا، وذهب بهم إلى طور سيناء. قال جار الله: فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودخل فيه، ويقال للقوم ادنوا، وقد طلبوا سماع الكلام فدنوا، حتى دخلوا فيه، ووقعوا سجدا فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه يطلبون الرؤية، فوعظهم وزجرهم، وأنكر عليهم، فقالوا: {أية : يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} {أية : قال رب أرنى أنظر إليك} تفسير : يريد أن يسمع الرد والإنكار من جهته، أى بلا واسطة موسى، فأجيب: {لن ترانى} ورجف بهم الجبل فصعقوا كما قال. {فَلما أخذتْهمُ الرَّجْفةُ} أى الصعقة فقيل: ماتوا وهو أكثر الروايات، وقال وهب بن منبه: لم يموتوا بل ارتعدوا حتى كادت مفاصلهم تنفصل للاضطراب الشديد وقوله: {قالَ ربِّ} يا رب {لو شِئْت أهْلكتهُم} أمتَّهم {مِنْ قَبلُ} قبل هذا الخروج للجبل وطلبهم الرؤية {وإيَّاى} عطف على الهاء ظاهر على أكثر الروايات، وأما على رواية وهب فوجهه أنه لما رأى ارتعادهم ظنه مقدمة موت، فقال: {لو شئت} الخ ولو للتمنى، تمنى إهلاكهم من قبل بفرعون أو بالبحر أو بغيرهما لئلا يتهمه بنو إسرائيل عليهم قتلتهم لانفراده بهم فيقولوا: {أتهْلِكنا} إياى وهؤلاء السبعين؟ والاستفهام استعطاف {بما فَعَل السُّفهاءُ منَّا} وهم من طلب الرؤية من السبعين إن طلبها بعض دون بعض، أو هم السبعون على أنهم طلبوها كلهم أو طلبها بعض ورضى بعض، وإنما خاف الهلاك على غير السفهاء بفعل السفهاء زيادة فى الخضوع، أو لأن عذاب الدنيا قد يعم، أو لأنه طلب الرؤية زجرا لهم من غير أن يؤذن له فى ذلك، أو لأن الاستفهام للنفى، أى لست تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وقاله تقوية لما أعتقد. {إنْ هِىَ} أى الرؤية المطلوبة، أو الفتنة وهى طلبها على حد {أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا} تفسير : أى ما الفتنة {إلا فتْنتُك} أى ابتلاؤك ومحنتك {تُضلُّ بها مَنْ تَشاءُ} إضلاله مثل هؤلاء الذين سمعوا كلامك فاستدلوا جهلا بالكلام على الرؤية استدلالا فاسدا وطمعوا فيها {وتَهْدى مَنْ تَشاء} هدايته، وهم الثابتون فى معرفتك، غير الناقضين لها بادعاء جواز الرؤية. اهـ كلام جار الله بزيادة. وعن على: أنهم ماتوا بالرجفة، وأحياهم الله وجعلهم أنبياء وهو ضعيف، وقال الثعلبى فى عرائس القرآن: لما وعد الله موسى أربعين ليلة، وذهب للميعاد، فتن قومه بعبادة العجل، فأوحى الله إليه ذلك، يا رب كيف يفتنون وقد نجيتهم من البحر ومن فرعون، وأنعمت عليهم؟ قال: إنهم اتخذوا العجل إلها من دونى، وهو عجل جسد له خوار. قال: يا رب من نفخ فيه الروح؟ قال: أنا. قال: أنت وعزتك أفتنتهم {إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء} الآية فقال تعالى: يا رأس النبيين، يا أبا الأحكام إنى رأيت ذلك فى قلوبهم فزينته لهم. فلما رجع موسى من الميقات إلى قومه، وقرب منهم، سمع اللفظ حول العجل، وكانوا يقبرون حوله، ولم يخبر موسى أصحابه الذى كانوا معه فى ذلك الموعد وهم سبعون أيضا، وقيل: مضى إليه وحده، وعلى الأول قالوا: هذا قتال فى المحلة، وكان غير مخبر لهم بذلك، فقال: لا، ولكنهم فتنوا بعبادة غير الله، وذلك قوله تعالى: {أية : ولما رجع موسى إلى قومه} تفسير : الخ. ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه فى أناس من خيار بنى إسرائيل ليعتذروا إليه من عبادة قومهم العجل، فاختار سبعين وأرادهم شيوخا كما مر، فذهبوا للطور ودخلوا الغمام، وسجدوا وطلبوا الرؤية بعد انكشاف الغمام، فأخذتهم الصاعقة وهى نار من السماء فأحرقتهم. وقال وهب: أرسل جندا من السماء، فسمعوا حسهم فماتوا فى يوم وليلة، وقال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بنى إسرائيل وقد قتلت خيارهم؟ وما زال يدعو حتى أحياهم الله رجلا رجلا، ينظر بعض إلى بعض كيف يحيون، اهـ كلام الثعلبى فى عرائس القرآن. وعليه فالميقات فى هذه الآية غير ميقات أربعين ليلة، والسفهاء عبدة العجل، وقوله: هى ضمير العبادة والفتنة التى هى العبادة، وقال بذلك الفراء والكلبى والسدى وجماعة، وقالوا: إن موسى ظن أنهم أهلكوا بعبادة العجل، وإنما أهلكوا بطلب الرؤية، ورده جماعة بأنه لا يجوز على موسى أن يظن أن الله يهلك قوما بذنوب غيرهم، بل قال: {أتهلكنا} الخ زيادة خضوع، أو لأن عذاب الدنيا قد يعم، لكن إن كان موتا فقط كالطاعون، وأما إن كان إحراقا أو مثلة فلا يعم إلا من رضى بالمنكر، أو لم ينه، أو لأن الاستفهام نفى. قال الكلبى: قال له السبعون حين كلمه ربه: نحن أصحابك لم نختلف عليك، ولم نعبد العجل كقومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته، فقال: لم أره، ولكن قد سألت الرؤية فظهرت آية الجبل الذى هو أقوى منى فصار دكا، وخررت صعقا، وقد ثبت، وهذا على أنهم عرفوا بعبادة العجل قبل الرجوع بإخبار موسى بالوحى، فقالوا: فإنا لا نؤمن حتى نراه جهرة، فأحرقوا بنار. وقيل: إن السبعين ما فارقوا القوم حتى نصبوا العجل، ولذا تناولتهم الرجفة، وبه قال ابن عباس، وفى عرائس القرآن: كان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطاع النظر إليه، فضرب الحجاب بينه وبين من معه، فأدنوا فسمعوا كلام الله، ومما سمعوا: إنني أنا الله لا إله ألا أنا ذو مكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى. وعن أنس، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا راح منا إلى الجمعة سبعون كانوا كالسبعين الذين وفدوا مع موسى وأفضل"تفسير : . اهـ. وروى عن ابن عباس: أمر الله تعالى [موسى] أن يختار سبعين رجلاً، فاختار فبرزوا معه ليدعوا الله، فقالوا فى دعائهم: اللهم أعطنا ما لم يُعط أحد قبلنا، ولا تعطيه أحدا بعدنا، فأخذتهم الرجفة لاعتدائهم فى الدعاء، حكاه الثعالبى، ولم ينسبه لابن عباس، قال: وقيل: أخذتهم لما جرى بينهم وبين موسى، ذهب هو وهارون للتعبد أو نحوه، فمات هارون فدفنه، وروى أنه رأى فراشا على شجرة، وقال علىّ: على سرير فى سفح جبل، فاشتهى النوم عليه فنام فقبض، فرجع فقال بنو إسرائيل: أين هارون؟ فقال: مات، فاقلوا: أنت قتلته حسدتنا عليه لحسن خلقه وعشرته، فاختار السبعين، وقيل: اختارهم، وذلك لينهضوا معه إلى قبر هارون فنهضوا، فقال له: أقتلت أم مت؟ قال: متّ، فأخذتهم الرجفة هى موت وارتعاد أو صاعقة، اهـ بزيادة من غيره. وقيل: أخذتهم لأنهم عبدوا العجل فيمن عبد، وقيل: إنهم لم ينهوا عنه، وهذا ونحوه على أن العجل منصوب سرا قبل خروجهم، روى أن الله لم يستجب للسبعين ولم يطلبوا شيئا جائزا إلا أعطاه هذه الأمة. {أنْتَ} لا غيرك لتعريف الطرفين المفيد للحصر {وليُّنا} متولى منافعنا من حفظ عن المضار، ومن نصر ورزق وغيرهما كعفو وغفران {فاغْفِر لَنَا} ذنوبنا دعا لنفسه ولمن تاب من قومه وللمؤمنين الذين لم يقارفوا ما ذكر من عبادة العجل وغيرها أصلا، وذكر بعضهم أن قوله: {إن هى إلا فتنتك} كأنه بعض اجتراء، فاستغفر منه لنفسه ومن عبادة العجل، وطلب الرؤية لقومه {وارْحَمْنا} زدنا نعما وأدم لنا ما أنعمت به وما تنعم به {وأنْتَ خَيرُ الغَافِرِينَ} لعموم غفرك للذنوب، وردها حسنات، وعدم الرجوع عنه، ولكونه فضلا وكرما لا طلبا لمنفعة أو دفعا لمضرة، بخلاف غفر المخلوق للمخلوق.
اطفيش
تفسير : {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} أَى من قومه {سَبْعِينَ رَجُلاً} سبعين مفعول به لاختار، أَو المفعول قومه بلا تقدير لمن وسبعين بدل بعض والربط محذوف، أَى سبعين رجلا منهم، ولا بأس بذلك ولا ضعف للعلم به، وهو أَولى من نصب قوم على نزع الجار، والسبعون ممن لم يعبد العجل، وهم اثنا عشر أَلفاً، وجملة من خرج معه من مصر ستمائة أَلف وعشرون أَلفاً كلهم عبدو العجل إِلا اثنى عشر أَلفاً {لِمِيقَاتِنَا} هو الميقات المعهود فى قوله عز وجل "أية : ولما جاءَ موسى لميقاتنا" تفسير : [الأَعراف: 143] وقوله {أية : فتم ميقات ربه}تفسير : [الأَعراف: 142] وهو ميقات الكلام وطلب الرؤية، والميقات الوقت الذى وعده أَن يأْتوه فيه، قلبت الواو ياء للكسر قبلها، أَمره الله جلا وعلا أَن يأتيه إِلى الجبل فى سبعين غيره من بنى إِسرائيل، فاختار من كل سبط ستة، والأَسباط اثنا عشر، وزاد اثنين وقال: ليتخلف منكم اثنان، فتشاجروا، فقال: لمن قعد أَجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وقيل: لم يجد إِلا ستين شيخاً، فأَوحى الله إِليه أَن يختار من الشباب عشرة فاختارهم فصاروا شيوخاً، وأَمر السبعين أَن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ولما دنوا من الجبل غشيه غمام فدخله موسى بهم وخروا سجدا، فسمعوا الكلام الذى خلقه الله لموسى بالأَمر والنهى، ولما انكشف الغمام أَقبلوا عليه، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأَخذتهم الرجفة.. وقيل: الميقات ميقات وعده الله لموسى أَن يأتيه فيه بسبعين رجلا من خيار بنى إِسرائيل ليعتذروا عن عبادة بنى إِسرائيل العجل وقد تابوا من عبادته ولما بلغوا أَسفل الجبل أَخذتهم الرجفة، وقيل: ذهب موسى إِلى الجبل بهارون، فنام هارون أَسفل الجبل فتوفاه الله، ولما رجع موسى قالوا: قتله موسى. فاختار سبعين بأَمر الله عز وجل، وذهب بهم إِلى هارون فأَحياه الله، وقال: ما قتلنى أَحد، بل توفانى الله تعالى. فأَخذتهم الرجفة. وقيل: أَوحى الله تعالى إِليه إِنى متوفى أَخيك فاذهب إِلى غار كذا فإِذا فيه سرير، فاضطجع فيه وبحضرته ابن هارون، فقال لهارون: ادخل واضطجع. فمات، ورجع هو وابنه، فقالوا: قتلته حسداً لحبنا إِياه. فقال: ويحكم، أَأَقتل أَخى وقد سأَلت الله أَن يجعله وزيرى، وهذا ابنه معى، فذهب إِليه فأَحياه الله تعالى، فقال: ما قتلنى. فقالوا: أَنت لا تغلب فادع الله أَن يجعلنا أَنبياءَ فأَهلكهم الله تعالى. فدعاه فأَحياهم ورجعوا وهم أَنبياءَ، ولا دليل على صحة هذا. وقيل: قالوا: أَنت منا وتزعم أَن الله عز وجل كلمك، لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فقال: اختاروا سبعين فاختاروهم، وبرزوا وماتوا {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} الزلزلة الشديدة، قال ابن عباس: لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل عوقبوا بالرجفة، قال ابن عباس: هم غير السبعين الذين سأَلوا عن الرؤية وأَخذتهم الصاعقة وماتوا، الذين كانوا فى ميعاد أَخذ التوراة، والمراد هنا من جاءوا للاعتذار والتوبة من عبادة العجل، فأَخذتهم الرجفة لا الصاعقة، وهم بعد الذين أَخذتهم الصاعقة. واختلفوا: هل مع الرجفة موت، والجمهور على أَنهم ماتوا، وعن وهب ماتوا يوماً وليلة، وقال وهب: لم يموتوا لكن لما رأَوا الهيبة أَخذتهما الرعدة فظنها موسى موتاً، فدعا الله عز وجل وبكى فكشفها عنهم، وقيل: الرجفة الموت بالصاعقة، وهى النار الخفيفة السريعة، وقيل عوقبوا بالموت أَو الصاعقة لطلب الرؤية، أَو لنفى الإِيمان عن أَنفسهم حتى يروه، وقيل: الرجفة الصيحة، أَو حسيس جنوده فماتوا به، وقيل: زلزلة الجبل، ولكن الذين جاءوا إِلى قبر هارون لا يحرقون ولا يعاقبون إِن كانوا غير الذين قالوا: قتله موسى، إِلا إِن كان منهم أَحداث مثل إِن لم يؤمنوا بقوله: ما قتلنى أَحد {قَالَ رَبِّ} يا رب {لَوْ شِئْتَ} إِهلاكهم {أَهْلَكْتَهُمْ} أَمتهم {مِنْ قَبْلُ} قبل خروجى بهم ليعاينوا موته فلا يتهمونى بقتله، أَو من قبل عبادة العجل {وَإِيَّاىَ} عطف على الهاء، وهذا تسليم لقضاء الله وتواضع له أَن له أَن يفعل ما يشاء، ولم يفعل موسى ما يعاقب عليه بالإِهلاك، وقيل: لو شئت أَهلكتنى لقتلى القبطى ولكن عفوت عنى، ولما أَخذتهم الرجفة قال: يا رب ما أَقول لبنى إِسرائيل إِذا رجعت إِليهم وقد أَهلكت خيارهم ولم يبق معى رجل واحد منهم، لو شئت أَمتهم وإِياى معهم من قبل أَن يصحبونى ليعاين بنو إِسرائيل ذلك فلا يتهمونى، لو شرطية، والتمنى إِنما يستفاد من جملة الكلام كما يقول من يتمنى الغيث: لو شاءَ الله سقانا، تمنى أَن يموتوا هم وهو قبل أَن يرى ما رأَى، كما قالت مريم "أية : يا ليتنى مت قبل هذا"تفسير : [مريم: 23]، أَو أَن يكون ذلك بسبب آخر، مثل أَن يهلكهم فرعون أَو يغرقوا، ولو أَنقذتهم من هذا الإِهلاك لم يبعد من فضلك العام كما أَنقذتهم، أَى لو شئت أَهلكتهم من قبل لفعلت لكن لم تشأ، فكذلك لو تشاء لم تهلكهم الآن، أَو تمنى ودعا أَن يحييهم ويرجعهم إِلى قومهم كما أَحياهم قبل عن فرعون والغرق، ولو أَردت إِهلاكهم بذنوبهم من قبل لفعلت، وذلك ذكر للعفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} من عبادة العجل، وطلب الرؤية، والاستفهام استعطاف، أَى لا تعذبنا بذنوب غيرنا، أَو إِنكار لوقوع الإِهلاك ثقة بلطف الله {إِنْ هِىَ} أَى الرجفة أَو الفتنة المعلومة مما ذكر التى هى عبادة العجل أَو مسأَلة الرؤية {إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أَى فتنة منك لا من غيرك، لأَن غيرك لا يوجد شيئاً إِلا بك، أَو إِلا اختبارك القوم بخلق الحياة فى العجل والخوار، وكلامك المطمع فى طلب الرؤية فزاغ بعض بذلك، وثبت آخرون كما قال {تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ} إِضلاله بالخروج عن الحق فيها واعتقاد السوء أَو الشبهة أَو الجزع ضد ما فى قوله تعالى {وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ} هدايته باتباع الحق فيها، وقوة الإِيمان، وقيل: تصيب بهذه الرجفة من تشاء، وتصرفها عمن تشاء {أَنْتَ وَليُّنَا} متولى أُمورنا بالتصرف فيها القائم، فأَنت الناصر لنا. والحصر مستفاد من تعريف الطرفين {فَاغْفِرْ لَنَا} ما قارفنا من عبادة العجل وطلب الرؤية، هذا عن قومه إِذا طلبها عنهم، وأَيضاً ندم عن طلبها عنهم ومن إِلقاء الأَلواح، وجر الأَخ إِليه بشعر رأسه، وهذا عن نفسه، ومن قال استغفر من قوله "إِلا فتنتك" وأَنه جرأَة على الله عظيمة، وقد وصف رسول الله موسى بصفته المجبرة فيكفر، وليس ذلك جرأَة على الله فيستغفر منه، بل رضى بالقضاء. ومما يروى ولا يقبل أَنه قال: يا رب من جعل الروح فى العجل؟ قال: أَنا.. قال: فأَنت أَضللتهم يا رب. قال: يا رأس النبيين، يا أَبا الحكماء إِنى رأَيت ذلك فى قلوبهم فيسرته لهم، فإِن قوله فأَنت أَضللتهم عبارة سوء، ولو كان الله هو المضل لهم تحقيقاً فإِنه لفظ إِجبار، وكيف يرتب المدح برأس النبيين وأَبى الحكماء على هذا اللفظ الذى لا يحسن، وكيف يقول: رأَيته فى قلوبهم فزينته لهم كأَن وقع فى قلوبهم بلا إِيقاع منه تعالى فيها، فلو صح هذا على معنى غير الإِجبار، ومن غير الوقوع بلا إِيقاع منه لقلنا طلب المغفرة من لفظ لا يحسن حاشاه منه {وَارْحَمْنَا} فى الدارين، قدم المغفرة لأَنها تخلية، وأَخر الرحمة لأَنها تحلية {وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ} لأَنك تغفر بلا عوض ولا خوف ولا حاجة ولا رقة. وتبدل الحسنة بالسيئة، وغيرك يغفر لذلك بلا تبديل للسيئة بالحسنة، ولم يقل: وأَنت خير الراحمين، ولا وأَنت خير الغافرين والراحمين لأَن المغفرة أَهم مع أَنها تضمن الرحمة، وهى تبديل للسيئة حسنة.
الالوسي
تفسير : {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} تتمة لشرح أحوال بني إسرائيل، وقال البعض: إنه شروع في بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها {وَٱخْتَارَ} يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه، ونحوه قول الفرزدق:شعر : / منا الذي اختير الرجال سماحة وجوداً إذا هب الرياح الزعازع تفسير : وقوله الآخر:شعر : فقلت له: اخترها قلوصاً سمينة ونابا علا بامثل نابك في الحيا تفسير : وقوله سبحانه: {سَبْعِينَ رَجُلاً} مفعول أول لاختار على المختار وأخر عن الثاني لما مر مراراً، وقيل: بدل بعض من كل، ومنعه الأكثرون بناءاً على أن المبدل منه في نية الطرح والاختيار لا بد له من مختار ومختار منه وبالطرح يسقط الثاني، وجوزه أبو البقاء على ضعف ويكون التقدير سبعين منهم، وقيل: هو عطف بيان. {لِّمِيقَـٰتِنَا} ذهب أبو علي وأبو مسلم وغيرهما من مفسري السنة والشيعة إلى أنه الميقات الأول وهو الميقات الكلامي قالوا: إنه عليه السلام اختار لذلك من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين فقال عليه السلام: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع، وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله تعالى أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً، وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يتجاوزوا الأربعين فذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن يصوموا ويتطهروا ويتطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سيناء فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه، وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً فسمعوه وهو سبحانه يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية فوعظهم وكان ما كان، وذهب آخرون وهو المروي عن الحسن إلى أنه غير الميقات الأول قالوا: إن الله سبحانه أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار من اختاره فلما أتوا الطور قالوا ما قالوا، وروي ذلك عن السدي، وعن ابن إسحاق أنه عليه السلام إنما اختارهم ليتوبوا إلى الله تعالى ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم. ورجح ذلك الطيبـي مدعياً أن الأول خلاف نظم الآيات وأقوال المفسرين. أما الأول فلما قال الإمام: ((إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بقصة العجل وما يتصل بها فظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة للمتقدمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى وإنه اضطراب يصان عنه كلامه تعالى))، وأيضاً ذكر في الأولى خرور موسى عليه السلام صعقاً، وفي الثانية قوله بعد أخذ الرجفة: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم}، وأيضاً لو كانت الرجفة بسبب طلب الرؤية لقيل: أتهلكنا بما قال السفهاء وضم إليه الطيبـي أنه تعالى حيث ذكر صاعقتهم لم يذكر صعق موسى عليه السلام وبالعكس فدل على التغاير، وأما الثاني فلما نقل عن السدي مما ذكرناه آنفاً، وتعقب ما ذكر في الترجيح أولاً صاحب «الكشف» بأن الإنصاف أن المجموع قصة واحدة في شأن ما منَّ على بني إسرائيل بعد إنجائهم من تحقيق وعد إيتاء الكتاب وضرب ميقاته وعبادة العجل وطلب الرؤية كان في تلك الأيام، وفي ذلك الشأن فالبعض مربوط بالبعض بقي إيثار هذا الأسلوب وهو بين لأن الأول في شأن الامتنان عليهم وتفضيلهم كيف وقد عطف {أية : وٰعَدْنَا } تفسير : [الأعراف: 142] على {أية : أَنْجَيْنَـٰكُمْ } تفسير : [الأعراف: 141] وقد بين أنه تبيين للتفضيل، وتعقيب حديث الرؤية مستطرد للفرق بين الطلبين عندنا وليلقمهم الحجر عند المعتزلي. والثاني في شأن جنايتهم بعد ذلك الإحسان البالغ باتخاذ العجل والملاحة والافتراق من لوازم النظم، وتعقب ما ذكر فيه ثانياً بأن قول السدي وحده لا يصلح رداً كيف وهذا يخالف ما نقله محي السنة في قوله سبحانه: / {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم} إنهم كانوا له وزراء مطيعين فاشتد عليه عليه السلام فقدهم فرحمهم وخاف عليهم الفوت وأين {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } تفسير : [البقرة: 55] من الطاعة وحسن الاستئزار قال: ثم الظاهر من قوله تعالى: {أية : فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ } تفسير : [النساء: 153] إن اتخاذ العجل متأخر عن مقالتهم تلك خلاف ما نقل عن السدي والحمل على تراخي الرتبة لا بد له من سند كيف ولا ينافي التراخي الزماني فلا بد من دليل يخصه به، هذا وقد اعترف المفسرون في سورة طه بأنه اختار سبعين لميقات الكلام ذكروه في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 83] وما اعتذر عنه الطيبـي بأن اختيار السبعين كان مرتين وليس في النقل أنهم كانوا معه عند المكالمة وطلب الرؤية فظاهر للمنصف سقوطه انتهى. وذكر القطب في توهين ما نقل عن السدي بأن الخروج للاعتذار إن كان بعد قتل أنفسهم ونزول التوبة فلا معنى للاعتذار، وإن كان قبل قتلهم فالعجب من اعتذار ثمرته قتل الأنفس، ثم قال: ولا ريب أن قصة واحدة تتكرر في القرآن يذكر في سورة بعضها، وفي أخرى بعض أخر وليس ذلك إلا لتكرار اعتبار المعتبرين بشيء من تلك القصة فإذا جاز ذكر قصة في سور متعددة في كل سورة شيء منها فلم لا يجوز ذلك في مواضع من سورة واحدة لتكرر الاعتبار ا هـ، وهو ظاهر في ترجيح ما ذهب إليه الأولون، وأنا أقول: إن القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول ليس بعاطل من القول وبه قال جمع كما أشرنا إليه، وكلامنا في البقرة ظاهر فيه إلا أن الإنصاف أن ظاهر النظم هنا يقتضي أنه غيره وما ذكره صاحب «الكشف» لا يقتضي أنه ظاهر في خلافه، وإلى القول بالغيرية ذهب جل من المفسرين. فقد أخرج عبد بن حميد من طريق أبـي سعد عن مجاهد أن موسى عليه السلام خرج بالسبعين من قومه يدعون الله تعالى ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم فعلم موسى أنهم أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم، قال أبو سعد: فحدثني محمد بن كعب القرظي أنه لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف. وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى بن أخي الرقاشي أن بني إسرائيل قالوا ذات يوم لموسى عليه السلام ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب العزة؟ فإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فلما أبوا إلا ذلك أوحى الله تعالى إلى موسى أن اختر من قومك سبعين رجلاً فاختار سبعين خيرة ثم قال لهم: اخرجوا فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به الخبر. وهو ظاهر في أن هذا الميقات ليس هو الأول. نعم إنه مخالف لما روي عن السدي لكنهما متفقان على القول بالغيرية ويوافق السدي في ذلك الحسن أيضاً فليس هو متفرداً بذلك كما ظنه صاحب «الكشف»، وما ذكره من مخالفة كلام السدي لما نقله محي السنة في حيز المنع، وقوله: فإنا لن نؤمن لك الخ يظهر جوابه مما ذكرناه في البقرة عند هذه الآية من الاحتمالات، والقول بأن الاختيار كان مرتين غير بعيد وبه قال بعضهم، وما ذكره القطب من الترديد في الخروج للاعتذار ظاهر بعض الروايات عن السدي يقتضي تعين الشق الأول منه. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عنه أنه قال: انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما كلمه قال: {أية : مَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 83] فأجابه موسى بما أجابه فقال سبحانه: {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} تفسير : [طه: 85] الآية فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً فأبـى الله تعالى أن يقبل توبتهم إلا بالحال التي كرهوا ففعلوا ثم أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون من عبادة العجل فوعدهم موعداً فاختار موسى سبعين / رجلاً الخ وهو كما ترى ظاهر فيما قلناه، والقول بأنه لا معنى للاعتذار بعد قتل أنفسهم ونزول التوبة أجيب عنه بأن المعنى يحتمل أن يكون طلباً لزيادة الرضى واستنزال مزيد الرحمة، ويحتمل أن يكونوا أمروا بذلك تأكيداً للإيذان بعظم الجناية وزيادة فيه وإشارة إلى أنه بلغ مبلغاً في السوء لا يكفي في العفو عنه قتل الأنفس بل لا بد فيه مع ذلك الاعتذار، ويمكن أن يقال إنه كان قبل قتلهم أنفسهم: والسر في أنهم أمروا به أن يعلموا أيضاً عظم الجناية على أتم وجه بعدم قبوله والله تعالى أعلم. {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي الصاعقة أو رجفة الجبل فصعقوا منها والكثير على أنهم ماتوا جميعاً ثم أحياهم الله تعالى، وقيل: غشي عليهم ثم أفاقوا وذلك لأنهم قالوا: {أية : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] على ما في بعض الروايات أو ليتحقق عند القائلين ذلك من قومهم مزيد عظمته سبحانه على ما في البعض الآخر منها، أو لمجرد التأديب على ما في خبر القرظي، والظاهر أن قولهم: {لَنْ نُؤْمِنَ} الخ صدر منهم في ذلك المكان لا بعد الرجوع كما قيل: ونقلناه في البقرة وحينئذٍ يبعد على ما قيل القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول لأن فيه طلب موسى عليه السلام الرؤية بعد كلام الله تعالى له من غير فصل على ما هو الظاهر فيكون هذا الطلب بعده، وبعيد أن يطلبوا ذلك بعد أن رأوا ما وقع لموسى عليه السلام. وما أخرجه ابن أبـي الدنيا وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: لما حضر أجل هارون أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن انطلق أنت وهارون وابنه إلى غار في الجبل فإنا قابضو روحه فانطلقوا جميعاً فدخلوا الغار فإذا سرير فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال: ما أحسن هذا المكان يا هارون فاضطجع عليه هارون فقبض روحه فرجع موسى وابن أخيه إلى بني إسرائيل حزينين فقالوا له: أين هارون؟ قال مات. قالوا: بل قتلته كنت تعلم أنا نحبه فقال لهم: ويلكم أقتل أخي وقد سألته الله تعالى وزيراً ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني. قالوا بلى: قتلته حسداً، قال: فاختاروا سبعين رجلاً فانطلق بهم فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً فانطلق هو وابن هارون وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هارون فقال: يا هارون من قتلك؟ قال: لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا: ما تعصى يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان اللذان خلفوا وقام موسى عليه السلام يدعو ربه فأحياهم الله تعالى فرجعوا إلى قومهم أنبياء لا يكاد يصح فيما أرى لتظافر الآثار بخلافه وإباء ظواهر الآيات عنه. {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ} عرض للعفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق يعني أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم ولم تهلكهم فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جرياً على مقتضى كرمك وإنما قال: {وَإيَّـٰيَ} تسليماً منه وتواضعاً، وقيل: أراد بقوله: {مِن قَبْلُ} حين فرطوا في النهي عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا إصرارهم عليها أي لو شئت إهلاكهم بذنوبهم إذ ذاك وإياي أيضاً حين طلبت منك الرؤية، وقيل: حين قتل القبطي لأهلكتنا، وقيل: هو تمن منه عليه السلام للإهلاك جميعاً بسبب محبته أن لا يرى ما يرى من مخالفتهم له مثلاً أو بسبب آخر وفيه دغدغة. {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا} من العناد وسوء الأدب أو من عبادة العجل، والهمزة إما لإنكار وقوع الإهلاك ثقة بلطف الله عز وجل كما قال ابن الأنباري أو / للاستعطاف كما قال المبرد أي لا تهلكنا، وإياً ما كان فهو من مقول موسى عليه السلام كالذب قبله، وقول بعضهم: كان ذلك قاله بعضهم غير ظاهر ولا داعي إليه، والقول بأن الداعي ما فيه من التضجر الذي لا يليق بمقام النبوة لا يخفى ما فيه، ولعل مراد القائل بذلك أن هذا القول من موسى عليه السلام يشبه قول أحد السبعين فكأنه قاله على لسانهم لأنهم الذين أصيبوا بما أصيبوا به دونه فافهم. {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} استئناف مقرر لما قبله واعتذار عما وقع منهم و (إن) نافية وهي للفتنة المعلومة للسياق أي ما الفتنة إلا فتنتك أي محنتك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فطمعوا في رؤيتك واتبعوا القياس في غير محله أو أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به. أخرج ابن أبـي حاتم عن راشد بن سعد أن الله تعالى لما قال لموسى عليه السلام: إن قومك اتخذوا عجلا جسدا له خوار قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا قال: فأنت أضللتهم يا رب قال: يا رأس النبيين يا أبا الحكماء إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم، ولعل هذا إشارة إلى الاستعداد الأزلي الغير المجعول. وقيل: الضمير راجع على {ٱلرَّجْفَةُ} أي ما هي إلا تشديدك التعبد والتكلف علينا بالصبر على ما أنزلته بنا، وروي هذا عن الربيع وابن جبير وأبـي العالية، وقيل: الضمير لمسألة الإراءة وإن لم تذكر. {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ} استئناف مبين لحكم الفتنة، وقيل: حال من المضاف إليه أو المضاف أي تضل بسببها من تشاء إضلاله بالتجاوز عن الحد أو باتباع المخايل أو بنحو ذلك وتهدي من تشاء هداه فيقوى بها إيمانه، وقيل: المعنى تصيب بهذه الرجفة من تشاء وتصرفها عمن تشاء، وقيل: تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك ودخول جنتك وتهدي بالرضا لها والصبر عليها من تشاء وهو كما ترى. {أَنتَ وَلِيُّنَا} أي أنت القائم بأمورنا الدنيوية والأخروية لا غيرك {فَٱغْفِرْ لَنَا} ما يترتب عليه مؤاخذتك {وَٱرْحَمْنَا} بإفاضة آثار الرحمة الدنيوية والأخروية علينا، والفاء لترتيب الدعاء على ما قبله من الولاية لأن من شأن من يلي الأمور ويقوم بها دفع الضر وجلب النفع، وقدم طلب المغفرة على طلب الرحمة لأن التخلية أهم من التحلية، وسؤال المغفرة لنفسه عليه السلام في ضمن سؤالها لمن سألها له مما لا ضير فيه وإن لم يصدر منه نحو ما صدر منه كما لا يخفى، والقول بأن إقدامه عليه السلام على أن يقول: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} جرأة عظيمة فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوز عنها مما يأباه السوق عند أرباب الذوق، ولا أظن أن الله تعالى عد ذلك ذنباً منه ليستغفره عنه، وفي ندائه السابق ما يؤيد ذلك. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ} إذ كل غافر سواك إنما يغفر لغرض نفساني كحب الثناء ودفع الضرر وأنت تغفر لا لطلب عوض ولا غرض بل لمحض الفضل والكرم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبل، وتخصيص المغفرة بالذكر لأنها الأهم. وفسر بعضهم ما ذكر بغفران السيئة وتبديلها بالحسنة ليكون تذييلاً لاغفر وارحم معا.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَـٰتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}. عطفت جملة {واختار موسى} على جملة: {أية : واتخذ قوم موسى} تفسير : [الأعراف: 148] عطَف القصة على القصة: لأن هذه القصة أيضاً من مواقع الموعظة والعبرة بين العبَر المأخوذة من قصة موسى مع بني إسرائيل، فإن في هذه عبرة بعظمة الله تعالى ورحمته، ودعاء موسى بما فيه جُماع الخيرات والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وملاك شريعته. والاختيار تمييز المرغوب من بين ما هو مخلوط من مرغوب وضده، وهو زنة افتعال من الخير صيغ الفعل من غير دلالة على مطاوعة لفعل (خار). وقوله: {سبعين رجلا} بدل من {قَوْمَه} بدلَ بعض من كل، وقيل إنما نُصب قوَمه على حذف حرف الجر، والتقدير: اختار من قومه، قالوا وحذْفُ الجار من المتعلق الذي هو في رتبة المفعول الثاني شائِع في ثلاثة أفعال: اختار، واستغفر وأمر، ومنه أمْرُتك الخير وعلى هذا يكون قوله: {سبعين} مفعولاً أول. وأيّاً مَّا كان فبناء نظم الكلام على ذكر القوم ابتداء دون الاقتصار على سبعين رجلاً اقتضاه حال الإيجاز في الحكاية، وهو من مقاصد القرآن. وهذا الاختيار وقع عندما أمره الله بالمجيىء للمناجاة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: {أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} تفسير : [الأعراف: 142] الآية، فقد جاء في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج: إن الله أمر موسى أن يصعد طور سينا هو وهارون و(ناداب) و(أبيهو) و(يشوع) وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ويكون شيوخ بني إسرائيل في مكان معين من الجبل ويتقد موسى حتى يدخل في السحاب ليسمع كلام الله وأن الله لما تجلى للجبل ارتجف الجبل ومكث موسى أربعين يوماً. وجاء في الإصحاح الثاني والثلاثين والذي يعده، بعدَ ذكر عبادتهم العجل وكسر الألواح، أن الله أمر موسى بأن ينحت لوحين من حجر مثل الأولين ليكتب عليهما الكلمات العشر المكتوبة على اللوحين المنكسرين وأن يصعد إلى طور سينا وذكرتْ صفة صعود تقارب الصفة التي في الإصحاح الرابع والعشرين، وأن الله قال لموسى من أخطأ أمحُوه من كتابي، وأن موسى سجد لله تعالى واستغفر لقومه قلة امتثالهم وقال فإن عفرْتَ خطيئتهم وإلا فامحُني من كتابك. وجاء في الإصحاح التاسع من سفر التثنية: أن موسى لما صعد الطور في المناجاة الثانية صام أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل طعاماً ولا يشرب ماء استغفاراً لخطيئة قومه وطلباً للعفو عنهم. فتبين مما في التوراة أن الله جعل لموسى ميقاتين للمناجاة، وأنه اختار سبعين رجلاً للمناجاة الأولى ولم تَذْكر اختيارهم للمناجاة الثانية، ولما كانت المناجاة الثانية كالتكملة للأولى تعيّن أن موسى استصحب معه السبعين المختارين، ولذلك وقعت فيها الرجفة مثل المرة الأولى، ولم يذكر القرآن أن الرجفة أخذتهم في المرة الأولى، وإنما ذكر أن موسى خَرَّ صعقاً، ويتعين أن يكون السبعون قد أصابهم ما أصاب موسى لأنهم كانوا في الجبل أيضاً، وذكر الرجفة في المرة الثانية ولم تذكرها التوراة. والضمير في أخذتهم الرجفة للسبعين. فالظاهر أن المراد في هذه الآية هو حكاية حال ميقات المناجاة الثانية التي وقع فيها الاستغفار لقومه، وأن الرجفة المحكية هنا رجفة أخذتهم مثل الرجفة التي أخذتهم في المناجاة الأولى، لأن الرجفة تكون من تجلي أثر عظيم من آثار الصفات الإلهية كما تقدم، فإن قول موسى {اتهلكنا بما فعل السفهاء منا} يؤذن بأنه يعني به عبادتهم العجل، وحضورَهم ذلك. وسكوتهم، وهي المعنيُ بقوله: {إن هي إلا فتنتك} وقد خشي موسى أن تلك الرجفة مقدمة عذاب كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الريح أن يكون مبدأ عذاب. ويجوز أن يكون ذلك في المناجاة الأولى وأن قوله: {بما فعل السفهاء منا} يعني به ما صدر من بني إسرائيل من التصلب قبل المناجاة، كقولهم {أية : لن نصبر على طعام واحد}تفسير : [البقرة: 61]، وسؤالهم رؤية الله تعالى. لكن الظاهر أن مثل ذلك لا يطلق عليه (فَعَل) في قوله: {بما فعل السفهاء منا}. والحاصل أن موضع العبرة في هذه القصة هو التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، ومقامُ الرسل من الخشية، ودعاء موسى، إلخ. وقد صيغ نظم الكلام في قوله: {فلما أخذتهم الرجفة} على نحو ما صيغ عليه قوله: {أية : ولما رجع موسى إلى قومه غضبانَ أسفا}تفسير : [الأعراف: 150] كما تقدم. والأخذ مجاز في الإصابة الشديدة المتمكنة تمكن الآخذ من المأخوذ. و(لو) في قوله: {لو شئت أهلكتهم} يجوز أن تكون مستعملة في التمني وهو معنى مجازي ناشىء من معنى الامتناع الذي هو معنى (لو) الأصلي ومنه قول المثل (لو ذات سوار لطمتني) إذ تقدير الجواب. لو لطمتني لكان أهون علي، وقد صرح بالجواب في الآية وهو {شئت أهلكتهم} أي ليتك أردت إهلاكهم أي السبعين الذين معه. فجملة أهلكتهم بدل اشتمال من جملة {شئت} من قبل خطيئة القوم التي تسبب عنها الرجوع إلى المناجاة. وعلى هذا التقدير في (لو) لا يكون، في قوله {أهلكتهم} حذف اللام التي من شأنها أن تقترن بجواب (لو) وإنما قال: {أهلكتهم} وإياي ولم يقل: أهلكتنا، للتفرقة بين الإهلاكين لأن إهلاك السبعين لأجل سكوتهم على عبادة العجل، وإهلاك موسى، قد يكون لأجل أن لا يشهد هلاك القوم، قال تعالى: {أية : فلما جاء أمرنا نجينا هوداً} تفسير : [هود: 58] الآية ونظائرها كثيرة، وقد خشي موسى أن الله يهلك جميع القوم بتلك الرجفة لأن سائر القوم أجدر بالإهلاك من السبعين، وقد أشارت التوراة إلى هذا في الإصحاح «فرجع موسى إلى الله وقال إن الشعب قد أخطأ خطيئة عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة فان غفرت لهم خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت. فقال الله لموسى من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي» فالمحو من الكتاب هو محو تقدير الله له الحياةَ محوَ غضب، وهو المحكي في الآية بقوله {لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وقد خشي موسى أن تكون تلك الرجفة إمارة غضب ومقدمة إهلاك عقوبة على عبادتهم العجل، فلذلك قال {اتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فالسفهاء هم الذين عبدوا العجل وسمي شركهم سفهاً؛ لأنه شرك مشوب بخسة عقل إذ جعلوا صورة صنعوها بأنفسهم إلهاً لهم. ويجوز أن يكون حرف (لو) مستعملاً في معناه الأصلي: من امتناع جوابه لامتناع شرطه، فيتجه أن يتساءل عن موجب حذف اللام من جواب (لو) ولم يقل: لأهلكتهم مع أن الغالب في جوابها الماضي المثبت أن يقترن باللام فحذف اللام هنا لنكتة أن التلازم بين شرط لو وجوابها هنا قوي لظهور أن الإهلاك من فعل الله وحده فهو كقوله تعالى: {أية : لو نشاء جعلناه أجاجاً} تفسير : سورة الواقعة (70) وسيأتي بيانه. ويكون المعنى اعترافاً بمنة العفو عنهم فيما سبق، وتمهيداً للتعريض بطلب العفو عنهم الآن، وهو المقصود من قوله {أتهلكنا بما فعل السفهاء} أي أنك لم تشأ إهلاكهم حين تلبسوا بعبادة العجل فلا تهلكهم الآن. والاستفهام في قوله: {أتهلكنا} مستعمل في التفجع أي: أخشى ذلك، لأن القوم استحقوا العذاب ويخشى أن يشمل عذابُ الله من كان مع القوم المستحقين وإن لم يشاركهم في سبب العذاب، كما قال: {أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}تفسير : [الأنفال: 25] وفي حديث أم سلمة أنها قالت: «حديث : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ــــ قال ــــ نعم إذا كثر الخبثُ» تفسير : وفي حديث آخر، «حديث : ثم يحشرون على نياتهم» تفسير : وقد خشي موسى سوء الظنة لنفسه ولأخيه وللبراء من قومه أن يُظنهم الأمم التي يبلغها خبرهم أنهم مجرمون. وإنما جمع الضمير في قوله: {أتهلكنا} لأن هذا الإهلاك هو الإهلاك المتوقع من استمرار الرجفة، وتوقعه واحد في زمن واحد، بخلاف الإهلاك المتقدم ذكره فسببه مختلف فناسب توزيع مفعوله. وجملة: {أتهلكنا} مستأنفة على طريقة تقطيع كلام الحزين الخائف السائل. وكذلك جملة: {إن هي إلا فتنتك} وجملة {أنت ولينا}. وضمير {إن هي} راجع إلى ما فعل السفهاء لأن ما صْدقَ ما فعل السفهاء هو الفتنة، والمعنى: ليست الفتنةُ الحاصلة بعبادة العجل إلا فتنة منك، أي من تقديرك وخلْق أسباببِ حدوثها، مثل سخافة عقول القوم، وإعجابهم بأصنام الكنعانيين، وعيبة موسى، وليننِ هارون، وخشيته من القوم، وخشية شيوخ إسرائيل من عامتهم، وغير ذلك مما يعلمه الله وأيقن موسى به إيقاناً إجمالياً. والخبر في قوله: {إن هي إلا فتنتك} الآية: مستعمل في إنشاء التمجيد بسعة العلم والقدرة، والتعريض بطلب استبقائهم وهدايتهم، وليس مستعملاً في الاعتذار لقومه بقرينة قوله: {تضل بها من تشاء} الذي هو في موضع الحال من {فتنتك} فالإضلال بها حال من أحْوالها. ثم عرَّض بطلب الهداية لهم بقوله: {وتهدي من تشاء} والمجرور في قوله {بها} متعلق بفعل {تضل} وحده ولا يتنازعه معه فعل {تهدي} لأن الفتنة لا تكون سبب هداية بقرينة تسميتها فتنة، فمن قدر في التفسير: وتهدي بها أو نحوه، فقد غفل. والباء: إما للملابسة، أي تضل من تشاء ملابساً لها، وإما للسببية، أي تضل بسبب تلك الفتنة، فهي من جهة فتنة، ومن جهة سبب ضلال. والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال، ومرجها، وتشتت البال، وقد مضى تفسيرها عند قوله تعالى: {أية : وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة } تفسير : في سورة البقرة (102). وقوله: {أية : وحسبوا أن لا تكون فتنة}تفسير : في سورة العقود (71) وقوله: {أية : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : في سورة الأنعام (23). والقصد من جملة: {أنت ولينا} الاعتراف بالانقطاع لعبادة الله تعالى، تمهيداً لمطلب المغفرة والرحمة، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره. والولي: الذي له وَلاية على أحد، والوَلايةِ حلف أو عتق يقتضي النصرة والإعانة، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مَولى، وإن كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي (ولي) وللضعيف (مَولى) وإذ قد كانت الولاية غير قابلة للتعدد، لأن المرء لا يتولى غيرَ مواليه، كان قوله: {أنتَ ولينا} مقتضياً عدم الانتصار بغير الله. وفي صريحه صيغة قصر. والتفريع عن الولاية في قوله: {فاغفر لنا} تفريع كلام على كلام وليس المراد أن الولي يتعين عليه الغفران. وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة، فإن المغفرة تنهية لغضب الله المترتب على الذنب، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا. والرضا يقتضي الإحسان. و{وخيرُ الغافرين} الذي يغفر كثيراً، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى: {أية : بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} تفسير : في سورة آل عمران (150). وإنما عطف جملة: {وأنت خير الغافرين} لأنه خبر في معنى طلب المغفرة العظيمة، فعطف على الدعاء، كانه قيل: فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ذنوبنا، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة. و{اكتُب} مستعار لمعنى العطاء المحقَق حصوله، المجدد مرة بعد مرة، لأن الذي يريد تحقيقَ عقد أو عدة، أو عطاء، وتعلّقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفة، فلا يقبل النكران، ولا النقصان، ولا الرجوع، وتسمى تلك الكتابة عهداً، ومنه ما كتبوه في صحيفة القطيعة، وما كتبوه من حلف ذي المجاز، قال الحارث بن حلزة: شعر : حذر الجَور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء تفسير : ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة، لأن الحوز أو التمكين مغن عن الكتابة، كما قال تعالى: {أية : إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها}تفسير : [البقرة: 282] فالمعنى: آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا وفي يوم القيامة، دل على هذا المعنى لفظ {اكتب} ولولاه لكان دعاء صادقاً باعطاء حسنة واحدة، فيحتاج إلى الاستعانة على العموم بقرينة الدعاء، فإن النكرة يراد بها العموم في سياق الدعاء كقول الحريري في المقامة الخامسة:شعر : يا أهل ذا المغنى وُقيتم ضُرا تفسير : (أي كل ضر وليس المراد وقيتم ضرا معيّنا). والحسنة الحالة الحسنة، وهي: في الدنيا المرضية للناس، ولله تعالى، فتجمع خير الدنيا والدين، وفي الآخرة حالة الكمال، وقد تقدم بيانها في تفسير قوله تعالى: {أية : ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة} تفسير : في سورة البقرة (201). وجملة: {إنا هدنا إليك} مسوقة مساق التعليل للطلب والاستجابة، ولذلك فصلت ولان موقع حرف التأكيد في أولها موقع الاهتمام، فيفيد التعليل والربط، ويغني غناء فاء السببية كما تقدم غير مرة. و{هُدْنا} معناه تبنا، يقال: هَادَ يهود إذا رجع وتاب فهو مَضموم الهاء في هذه الآية باتفاق القراءات المتواترة والمعنى تبنا مما عسى أن نكون ألممنا به من ذنب وتقصير، وهذا إخبار عن نفسه، وعن المختارين من قومه، بما يعلم من صدق سرائرهم. {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. جملة: {قال} الخ جوابٌ لكلام موسى عليه السلام، فلذلك فصلت لوقوعها على طريقة المحاورة، كما تقدم غير مرة، وكلام موسى، وإن كان طلبا، وهو لا يستدعي جواباً، فإن جواب الطالب عناية به وفضْل. والمراد بالعذاب هنا عذاب الدنيا، لأن الكلام جواب لقول موسى: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} والإهلاك عذاب، فبيّن اللَّهُ له أن عذاب الدنيا يصيب الله به من يشاء من عباده، وقد اجمل الله سبب المشيئة وهو أعلم به، وموسى يعلمه إجمالاً، فالكلام يتضمن طمأنة موسى من أن يناله العذاب هو والبزآء من قومه، لأن الله أعظم من أن يعاملهم معاملةَ المجرمين. والمعنى إني قادر على تخصيص العذاب بمن عصوا وتنجية من لم يشارك في العصيان، وجاء الكلام على طريقة مجملة شأن كلام مَن لا يُسأل عما يعقل. وقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء} مقابل قول موسى: {فاغفر لنا وارحمنا}. وهو وعد تعريض بحصول الرحمة المسؤولة له ولمن معه من المختارين، لأنها لما وسعت كل شيء فهم أرجى الناس بها، وأن العاصين هم أيضاً مغمورون بالرحمة، فمنها رحمة الإمهال والرزق، ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة. وقوله: {عذابي أصيب به من اشاء} ــــ إلى قوله ــــ {كل شيء} جواب إجمالي، هو تمهيد للجواب التفصيلي في قوله: {فسأكتبها}. والتفريع في قوله: {فسأكتبها} تفريع على سعة الرحمة، لأنها لما وسعت كل شيء كان منها ما يكتب أي يعطى في المستقبل للذين أجريت عليهم الصفات ويتضمن ذلك وعداً لموسى ولصلحاء قومه لتحقق تلك الصفات فيهم، وهو وعد ناظر إلى قول موسى {إنا هدنا إليك} والضمير المنصوب في {أكْتُبها} عائدِ إلى {رحمتي} فهو ضمير جنس، وهو مساو للمعرف بلام الجنس، أي اكتب فَردا من هذا الجنس لأصحاب هذه الصفات، وليس المراد أنه يكتب جميع الرحمة لهؤلاء لأن هذا غير معروف في الاستعمال في الإخبار عن الأجناس، لكن يُعلم من السياق أن هذا النوع من الرحمة نوع عظيم بقرينة الثناء على متعلِقها بصفات توذن باستحقاقها، وبقرينة السكوت عن غيره، فيعلم أن لهذا المتعلِق رحمة خاصة عظيمة وأن غيره داخل في بعض مراتب عموم الرحمة المعلومة من قوله: {وَسِعت كل شيء} وقد أفصح عن هذا المعنى الحصر في قوله في آخر الآية {أولئك هم المفلحون}. وتقدم معنى {أكتبها} قريباً. وقد تقدم معنى: {وسعت كل شيء} في قوله تعالى: {أية : وسع ربنا كل شيء علما} تفسير : في هذه السورة (89). والمعنى: أن الرحمة التي سألها موسى له ولقومه وعدَ اللَّهُ بإعطائِها لمن كان منهم متصفاً بأنه من المتقين والمؤتين الزكاة، ولمن كان من المؤمنين بآيات الله، والآياتُ تصدق: بدلاِئل صدق الرسل، وبكلمات الله التي شرع بها للناس رَشادهم وهديهم، ولا سيما القرآن لأن كل مقدار ثلاث آيات منه هو آية لأنهُ معجز فدال على صدق الرسول، وهو المقصود هنا، وهم الذين يتبعون الرسول الامي إذا جاءهم، أي يطيعونه فيما يأمرهم، ولما جعلت هذه الأشياء بسبب تلك الرحمة علم أن التحصيل على بعضها يحصّل بعض تلك الرحمة بما يناسبه، بشرط الإيمان، كما علم من آيات أخرى خاطب الله بها موسى كقوله آنفاً {أية : والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا} تفسير : [الأعراف: 153] فتشمل هذه الرحمة من اتقى وآمن وآتى الزكاة من بني إسرائيل قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فإن أتباعهم إياه متعذر الحصول قبل بعثته، ولكن يجب أن يكونوا عازمين على اتباعه عند مجيئه إن كانوا عالمين بذلك كما قال تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} تفسير : [آل عمران: 81، 82]. وتشمل الرحمة أيضاً الذين يؤمنون بآيات الله، والمعنى بها الآيات التي ستجيء في المستقبل، لأن آيات موسى قد استقر الإيمان بها يومئذ، وهذا موجب إعادة اسم الموصول في ذكر أصحاب هذه الصلة، للإشارة إلى أنهم طائفة أخرى، وهم من يكون عند بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك أبدل منهم قوله: {الذين يتبعون الرسولَ} إلخ. وهو إشارة إلى اليهود والنصارى الكائنين في زمن البعثة وبعدها لقوله: {الذي يجدونه مكتوباً عندهم} ولقوله: {ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم} فإنه يدل على أنهم كانوا أهل شريعة فيها شدة وحرج، والمراد بآيات الله: القرآن، لأن ألفاظه هي المخصوصة باسم الآيات، لأنها جُعلت معجزات للفصحاء عن معارضتها. ودالة على أنها من عند الله وعلى صدق رسوله، كما تقدم في المقدمة الثامنة. وفي هذه الآية بشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهي مشيرة إلى ما في التوراة من الإصحاح العاشر حتى الرابع عشر، والاصحاح الثامن عشر من سفر التثنية: فإن موسى بعد أن ذكَرهم بخطيئة عبادتهم العجل، وذكر مناجاته لله للدعاء لهم بالمغفرة، كما تضمنه الاصحاح التاسع من ذلك السفر، وذكرناه آنفاً في تفسير قوله: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا}، ثم ذكر في الإصحاح العاشر أمرهم بالتقوى بقوله: «فالآن يا إسرائيل ما يطلب منكَ الرب إلا أن تتقي ربك لتسلك في طرقه وتحبه». ثم ذكر فيه وفي الثلاثة بعده وصايا تفصيلاً للتقوى، ثم ذكر في الاصحاح الرابع عشر الزكاة فقال «تعشيراً تعشر كل محصول زرعك سنة بسنة عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار بقرك وغنمك، وفي آخر ثلاث سنين تخرج كل عشر محصولك في تلك السنة فتضعه في أبوابك فيأتي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين على أبوابك فيأكلون ويشبعون» إلخ. ثم ذكر أحكاماً كثيرة في الإصحاحات الثلاثة بعده. ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله: «يُقيم لك الرب نبياً ومن وسط إخواتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبتُ من الرب في حُوريب (أي جبل الطور حين المناجاة) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» فدل هذا على أن هذا النبي من غير بني إسرائيل لقوله: «من وسط أخوتك» فإن الخطاب لبني إسرائيل، ولا يكونون إخوة لأنفسهم. وإخوتُهم هم أبناء أخي أبيهم: إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب، ولو كان المراد به نبيئاً من بني إسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم، وعُلم أن النبي رسول بشرع جديد من قوله: «مثلك» فإن موسى كان نبياً رسولاً، فقد جمع القرآن ذلك كله في قوله: {للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} إلخ. ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى أن اليهود بدّلوا وصف الرسول، وعبروا عنه بالنبي، ليصدق على أنبياء ليصدق على أنبياء بني إسرائيل، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك، وحذفوا وصف الأمي، وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى اليهودي، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه «غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود». فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ الله عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا عالمين ببعثته يقيناً فهم آمنوا به، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به، لأنهم استعدوا لذلك، وتشمل المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي. وتقديم وصف الرسول لأنه الوصف الأخص الأهم، ولأن في تقديمه زيادة تسجيل لتحريف أهل الكتاب، حيث حذفوا هذا الوصف ليصير كلام التوراة صادقاً بمن أتى بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل، ولأن محمداً صلى الله عليه وسلم اتشهر بوصف النبي الأمي، فصار هذا المركب كاللقب له، فلذلك لا يغير عن شهرته، وكذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن. والأمي: الذي لا يعرف الكتابة والقراءة، قيل هو منسوب إلى الأم أي هو أشبه بأمه منه بأبيه، لأن النساء في العرب ما كُنّ يعرفن القراءة والكتابة، وما تعلمْنها إلاّ في الإسلام، فصار تعلم القراءة والكتابة من شعار الحرائر دون الإماء كما قال عُبيْد الراعي، وهو إسلامي:شعر : هُنَّ الحرائِر لا ربّاتُ أخمرَة سُودُ المحاجِر لا يقْرأن بالسّوَرِ تفسير : أما الرجال ففيهم من يقرأ ويكتب. وقيل: منسوب إلى الأمّة أي الذي حاله حال معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم وهي العربية، وكانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة والكتابة إلاّ النادر منهم، ولذلك يصفهم أهلُ الكتاب بالأُمييّن، لما حكى الله تعالى عنهم في قوله: {أية : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأُميين سبيل} تفسير : في آل عمران (75). والأميّة وصف خص الله به من رسله محمداً، إتماماً للإعجاز العلمي العقلي الذي أيده الله به، فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له، ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة، ليظهر أن كماله النفساني كمالٌ لدُنّي إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لمّا حصل له من المعرفة وسداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، وكان على يقين من علمه، وبينة من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنّما هو من فيوضات إلهية. ومعنى: {يجدونه مكتوباً} وجدان صفاته ونعوته، التي لا يشبهه فيها غيره، فجعلت خاصته بمنزلة ذاته. وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازاً بالاستخدام، وإنما الموجود نعته ووصفه، والقرينة قوله: {مكتوباً} فإن الذات لا تكتب، وعُدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم يجدون وصفاً لا يقبل الالتباس، وهو: كونه أمياً، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويُحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، وشدة شريعتهم. وذكرالإنجيل هنا لأنه منزل لِبني إسرائيل، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم، وقد أعلم الله موسى بهذا. والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفاً، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة، ففي إنجيل متّى في الإصحاح الرابع والعشرين «ويقوم أنبياء كذَبةٌ كثيرون ويُضلون كثيرون، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى (أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم) فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى» (أي منتهى الدنيا)، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر «وإما المُعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلتُه لكم» (ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولاً مشرعاً لا نبيّاً موكداً). وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران. وجملة: {يأمرهم بالمعروف} قال أبو علي الفارسي: «هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير {يجدونه} لأن الضمير راجع للذكر والاسم. والذكر والاسم لا يأمران» أي فتعين كون الضمير مجازاً، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذِكرُه، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها. وقد جعل الله المعروف والمنكر، والطيبات، والخبائث، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة. فالمعروفُ شامل لكل ما تقبلُه العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى: {أية : ولتْكُن منكم أمة يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} تفسير : في سورة آل عمران (104). ويجمعها معنى: الفطرة، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى: {أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها} تفسير : [الروم: 30]، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية. والطيبات: جمع طيبة، وقد روعي في التأنيث معنى الأكِيلة، أو معنى الطُّعمة، تنبيهاً على أن المراد الطيبات من المأكولات، كما دل عليه قوله في نظائِرها نحو: {أية : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} تفسير : في البقرة (168) وقوله: {أية : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} تفسير : في سورة المائدة (4)، وليس المراد الأفعال الحسنة؛ لأن الأفعال عُرّفت بوصف المعروف والمنكر. والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبُولها ومرفوضها، وإنما تمتلك الناسَ فيها عوائِدُهم، ولما كان الإسلام دينَ الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه، ناط حال المأكولات بالطّيب وحرمتها بالخُبث، فالطّيب ما لا ضُر فيه ولا وخامَة ولا قذارة، والخبيثُ ما أضر، أوْ كان وَخيم العاقبة، أو كان مستقذراً لا يقبله العقلاء، كالنجاسة، وهذا ملاك المُباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلاّ في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وُضع على مَائدة رسول الله فكره أن يأكل منه، وقال: ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه ولهذا فالوجه: إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح، وقد يكون مكروهاً اعتباراً بمضرة خفيفة، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه، على الكراهة، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه، وأي ضُر في أكل لحم الأسد، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، لاختلاف عوائِد الناس في أكلها وعدمه، فقد كانت جَرْم لا يأكلون الدجاج، وَفقعس يأكلون الكلب، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائِدة، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائِع المأكولات وصفاتها، وما جهلت بعض صفاته وحرمته الشريعة مثل تحريم الخنزير. وَوْضع الإصر إبطال تشريعه، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرايع الإلهية السابقة، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل، وهو هنا مجاز في إبطال التكليف بالأعمال الشاقة. وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف (في) الظرفية، فإذا عُدي إليْه بـ (عن) دل على نقل المفعول الأول من مدخول (عن) وإذا عدي إلى المفعول الثاني بـ (على) كان دالاً على حط المفعول الأول في مدخول (على) حطا متمكناً، فاستعير يضعُ عنهم} هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر والأغلال فيشمل الوضْعُ معنى النسخ وغيره، كما سيأتي. و«الإصر» ظاهر كلام الزمخشري في «الكشاف» و«الأساس» إنه حقيقة في الثّقل، (بكسر الثاءِ) الحسيّ بحيث يَصعب معه التحرك، ولم يقيده غيره من أصحاب دواوين اللغة، وهذا القيد من تحقيقاته، وَهو الذي جرى عليه ظاهر كلام ابن العربي في «الأحكام»، والمراد به هنا التكاليف الشاقة والحرج في الدين، فإن كان كما قيده الزمخشري يكن {ويضع عنهم أصرهم} تمثيلية بتشبيه حال المزال عنه ما يحْرجه من التكاليف بحال مَن كان محمّلاً بثقل فأزيل عن ظهره ثَقله، كما في قوله تعالى: {أية : يحملون أوزارهم على ظهورهم} تفسير : [الأنعام: 31] وإن لم يكن كذلك كان «الإصر» استعارة مكنية {ويضع} تخييلاً، وهو أيضاً استعارة تبعية للإزالة. وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل على معاص كثيرة، منها العمل يومَ السبتتِ، ومثلُ تحريم مأكولات كثيرة طيبة وتغليظ التحريم في أمور هينة، كالعمل يوم السبت، وأشد ما في شريعة التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب، ولا استتابة المُجرم، والإصر قد تقدم في قوله تعالى: {أية : ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} تفسير : في سورة البقرة (286) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات المشهورة، (آصارهم) بلفظ الجمع، والجمع والإفراد في الأجناس سواء. و{الأغلالُ} جمع غُل ــــ بضم الغين ــــ وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير والجاني ويمسك بسير من جلد، أو سلسلة من حديد بيد المُوكّل بحراسة الأسير، قال تعالى: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} تفسير : [غافر: 71] ويستعار الغُل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهوَ استعارة فإن بنيْنا على كلام الزَمخشري كان {الأغلال} تمثيلية بتشبيه حال المحرر من الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر، فتعيّن أن وضع الأغلال استعارة لما يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت المقدس، وزوال ملك يهوذا، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في الجامعة الإسلامية، فلا يبقى فيه مَيز بين أصيل ودخيل، وصميم ولصيق، كما كان الأمر في الجاهلية، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح، لأن الأغلال من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما. وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود، المتحدث عنهم في خطاب الله تعالى لموسى، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قد كان لهم شرع، وكان فيه تكاليف شاقة، بخلاف غير اليهود من العرب والفرس وغيرهم، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم، ووَصف الأغلال بما فيه ضميرهم، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم، مثل تحريم بعض الطيبات في الجاهلية، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة الفطرية، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة، وإذلال الرؤساء، وشدة الأقوياء على الضعفاء، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات، والتكايُل في الدماء، وأكلهم أموالهم بالباطل، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بديننِ من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائِد، كما قال تعالى: {أية : وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 107] ولذلك فسرنا الوضع بما يَعم النسخ وغيره، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر، ولا يناكد هذا ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة، فإنه فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر، وهو التحلل الذي نظر إليه أبو خِراش الهُذلي في قوله، يَعْني شريعة الإسلام:شعر : فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحَاطت بالرقاب السلاسل تفسير : والفاء في قوله: {فالذين آمنوا به} فاء الفصيحة، والمعنى: إذا كان هذا النبي كما علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته، ومن اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا هديه، هم المفلحون. والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي، أي هم الذين أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه، ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام، ويجوز أن يكون القصر ادعائياً، دالاً على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي، ففلاح غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلاَ فلاح، إذا نُسب إلى فلاحهم، أي إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة، وإنهم الذين تنالهم الرحمة الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى: {أية : وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107]. ومعنى {عزروه} أيدوه وقّووْه، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته، وصفات شريعته، وإعلان ذلك بين الناس، وذلك شيء زائِد على الإيمان به، كما فعل عبد الله بن سَلاَم، وكقول ورقة بن نوفل: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، وهو أيضاً مغاير للنصر، لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح، ومن أجل ذلك عطف عليه {ونصروه}. واتّباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن: شبه حال المقتدي بهدي القرآن، بحال الساري في الليل إذا رأى نوراً يلوح له اتّبعه، لعلمه بأنه يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير، وأجزاءُ هذا التمثيل استعارات، فالإتباع يصلح مستعاراً للاقتداء، وهو مجاز شائِع فيه، والنور يصلح مستعاراً للقرآن؛ لأن الشيء الذي يعلّم الحقّ والرشد يشبّه بالنور، وأحسن التمثيل ما كان صالحاً لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه. والإشارة في قوله: {أولئك هم المفلحون} للتنويه بشأنهَم، وللدلالة على أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم الإشارة كقوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واختار موسى قومه سبعين رجلاً: أي أخذ خيار قومه وهم سبعون رجلاً. لميقاتنا: أي للوقت الذي حددناه ليأتينا مع سبعين رجلاً. أخذتهم الرجفة: الصاعقة التي رجفت لها القلوب. السفهاء: جمع سفيه: وهو الذي لا رشد له في سائر تصرفاته. إن هي إلا فتنتك: أي ما هي إلا فتنتك أي اختبارك لأهل الطاعة من عبادك. أنت ولينا: أي المتولي أمرنا وليس لنا من ولي سواك. هدنا إليك: أي رجعنا إليك وتبنا. الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. المعروف، والمنكر: ما عرفه الشرع والمنكر: ما أنكره الشرع. ويحرم عليهم الخبائث: أي بإذن الله والخبائث جمع خبيثة: كالميتة مثلاً. ويضع عنهم إصرهم والأغلال: الإِصر: العهد والأغلال: الشدائد في الدين. عزروه: أي وقروه وعظموه. واتبعوا النور الذي أنزل معه: القرآن الكريم. هم المفلحون: الفائزون أي الناجون من النار الداخلون الجنة. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث موسى مع بني إسرائيل فإنه بعد الحدث الجلل الذي حصل في غيبة موسى وذلك هو عبادة جل بني إسرائيل العجل واتخاذهم له إلهاً فإن الله تعالى وقت لموسى وقتاً يأتيه فيه مع خيار بني إسرائيل يطلب لهم التوبة من الله سبحانه وتعالى. قال تعالى {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} ولما انتهى بهم إلى جبل الطور وغشيت الجبل غمامة وأخذ موسى يناجي ربه تعالى وهم يسمعون قالوا لموسى لن نؤمن لك بأن الذي كان يكلمك الرب تعالى حتى نرى الله جهرة أي عياناً وهنا غضب الله تعالى عليهم فأخذتهم صيحة رجفت لها قلوبهم والأرض من تحتهم فماتوا كلهم، وهو معنى قوله تعالى {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تفسير : [الأعراف: 78، 91] وهنا أسف موسى عليه السلام لموت السبعين رجلاً وقد اختارهم الخير فالخير فإذا بهم يموتون أجمعون فخاطب ربه قائلا {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ} أي من قبل مجيئنا إليك {وَإِيَّايَ} وذلك في منزل بني إسرائيل حيث عبدوا العجل {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} أي بسبب فعل السفهاء الذين لا رشد لهم، وهم من عبدوا العجل كمن سألوا رؤية الله تعالى، وقوله عليه السلام {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي إلا اختبارك وبليتك {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا} فليس لنا سواك {فَٱغْفِرْ لَنَا} أي ذنوبنا {وَٱرْحَمْنَا} برفع العذاب عنا {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} بأن توفقنا لعمل الصالحات وتتقبلها منا، {وَفِي ٱلآخِرَةِ} تغفر ذنوبنا وتدخلنا جنتك مع سائر عبادك الصالحين، وقوله {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} أي إنا قد تبنا إليك فأجابه الرب تعالى بقوله {عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} أي من عبادي وهم الذين يفسقون عن أمري ويخرجون عن طاعتي {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} وبهذا القيد الوصفي، وبما بعده خرج إبليس واليهود وسائر أهل الملل ودخلت أمة الإِسلام وحدها إلا من آمن من أهل الكتاب واستقام على دين الله وهو الإِسلام. وقوله {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} هو محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} وذلك بذكر صفاته والثناء عليه وعلى أمته، وقوله {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي التي كانت قد حرمت عليهم بظلمهم {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} الخمر ولحم الخنزير والربا وسائر المحرمات في الإِسلام، وقوله {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} أي ويحط عنهم تبعة العهد الذي أخذ عليهم بالعمل فيما في التوراة والإِنجيل بأن يعملوا بكل ما جاء في التوراة والإِنجيل، وقوله {وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي الشدائد المفروض عليهم القيام بها وذلك كقتل النفس بالنفس إذ لا عفو ولا دية وكقطع الثوب للنجاسة تصيبه وغير ذلك من التكاليف الشاقة كل هذا يوضع عليهم إذا أسلموا بدخولهم في الإِسلام وقوله تعالى {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَعَزَّرُوهُ} أي وقروه وعظموه {وَنَصَرُوهُ} على أعدائه من المشركين والكافرين والمنافقين {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} وهو القرآن الكريم {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي وحدهم دون سواهم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب التوبة من كل ذنوب، ومشروعية صلاة ركعتين وسؤال الله تعالى عقبها أن يقبل توبة التائب ويغفر ذنبه. 2- كل سلوك ينافي الشرع فهو من السفه المذموم، وصاحبه قد يوصف بأنه سفيه. 3- الهداية والإِضلال كلاهما بيد الله تعالى فعلى العبد أن يطلب الهداية من الله تعالى ويسأله أن لا يضله. 4- رحمة الله تعالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تنال اليهود ولا النصارى ولا غيرهم. 5- بيان شرف النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. 6- بيان فضل تزكية النفس بعمل الصالحات وإبعادها عن المدسيات من الذنوب. 7- بيان فضل التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 8- وجوب توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ونصرته واتباع الكتاب الذي جاء به والسنن التي سنها لأمته.
القطان
تفسير : اختار موسى قومه: اختار موسى من قومه. اختار: انتقى واصطفى. الرجفة: الصاعقة. السفهاء: الجهلاء. الفتنة: الاختبار والامتحان والابتلاء. انت ولينا: المتولي امورنا. الحسنة: في الدنيا: حسن المعيشة، والعافية.. وفي الآخرة: دخول الجنة. هُدنا اليك: تبنا ورجعنا اليك. النبي: هو من اوحى اليه الله وانبأه بما لم يكن يعلم. والرسول: نبي امره الله بتبليغ شرع ودعوة دين. الأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب. واهل الكتاب يلقبون العرب بالاميين كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } تفسير : [آل عمران:75] المعروف: ما تعرف العقول السليمة حسنة. والمنكر. ما تنكره القلوب وتأباه. الطيبات: كل ما تستطيبه الاذواق من الاطعمة وتستفيد منه التغذية النافعة. الخبائث: كل ما حرم اكله وذبحه، والخبيث من الأموال: ما أُخذ بغير حق. الإصر: الثقل الذي يتعب صاحبه. الأغلال: واحدها غُلّ بضم الغين، هو القيد الذي يقيَّد به الأسير والجاني. وهنا معناها الشدائد والمحن. عزّروه: نصروه وهي من الكلمات التي لها معنيان مختلفان. ثم أمر الله موسى أن يأتيه في جماعة من قومه يعتذرون عمّن عبدوا العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لم يشاركوا في عبادة العِجل، وذهب بهم الى الطور. وهنالك سألوا الله أن يكشف عنهم البلاء، ويتوب على من عبد العجل من قومهم. فأخذتهم في ذلك المكان رجفة شديدة غُشي عليهم بسببها، وكان هذا جزاءً لهم لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم ينهوهم عن المنكر. فلما رأى موسى ذلك قال: يا ربِّ،لو شئتَ إهلاكَهم أهلكتَهم من قبل خروجهم الى الميقات، وأهلكتني معهم، ليرى ذلك بنو إسرائيل فلا يتهموني، فلا تهلكنا يا رب بما فعل الجهّال منا، فما محنة عبَدَة العجل الا فتنة منك، أضللتَ بها من شئتَ إضلاله ممن سلكوا سبيل الشر، وهدَيت بها من شئت هدايته.. إنك أنت المتولِّي امرونا والقائم علينا، فتجاوزعن سيئاتنا، وتفضل علينا باحسانك، وانت أَكرم من يفعل ذلك. كذلك قَدِّر لنا في هذه الدنيا حياة طيبة، وهبْنا من لدنك عافية وتوفيقا لطاعتك، وامنحنا من فضلك في الآخرة مثوبة حسنة ومغفرة ورحمة ندخل بها جنتك وننال رضوانك، فقد تُبنا ورجعنا اليك. فقال له ربه: إن عذابي أصيبُ به من أشاء ممن لم يتب، ورحمتي وسعت كل شيء. ثم بين من ستكتب له الرحمة فقال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. سأكتبها للذين يتّقون شرّ المعاصي من قومك، ويؤدون الزكاة المفروضةَ عليهم، ويصدّقون بجميع الكتب المنزلة وسوف أخصُّ بها أولئك الذين يتبعون الرسول محمدا، الأميَّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو الّذي يجدون وصفه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بكل خير وينهاهم عن كل شر، ويُحِل لهم ما يستطيبه الطبع من الأشياء، ويحرِّم عليهم ما يستخبثه منها، ويزيل عنهم الاثقال والشدائد التي كانت عليهم: فالّذين صدّقوا برسالته وآزروه وأيّدوه ونصروه على أعدائه، واتبعوا القرآن الذي أُنزل معه - هؤلاء هم الفائزون بالرحمة والرضوان دون سواهم. لقد ظهر في هذه الايام كتاب جديد بعنوان "محمد في الكتاب المقدس" تأليف خوري طائفة الكلدانيين، واستاذ اللاهوت؛ البروفسور "عبد الحق داود" فقد اعتنق الاسلام والف هذا الكتاب وبين فيه المواضع التي ذكر فيها اسم سيدنا محمد أو الاشارة اليه في التوراة والانجيل وكيف حرفت تلك الأصول. وقد ترجم الكتاب الى اللغة العربية صديقنا السيد فهمي شما.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّمِيقَاتِنَا} {وَإِيَّايَ} {ٱلْغَافِرِينَ} (155) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى، عَلَيهِ السَّلامُ، بِأَنْ يَأْتِيَهُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ، يَعْتَذِرُونَ إِليهِ عَنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَوَاعَدَهُمْ مَوْعِداً. فَاخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ رَجُلاً مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ، وَذَهَبَ مَعَهُمْ. فَلَمَّا أَتَوُا المَكَانَ المَوْعُودَ، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ عِيَاناً وَجَهْرَةً، فَأَنْتَ كَلَّمَتُهُ فَاجْعَلْنَا نَرَاهُ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا، كَمَا جَاءَ فِي آيةٍ أُخْرَى، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللهَ تَعَالى وَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلى المِيقَاتِ وَأَهْلَكْتَنِي مَعَهُمْ، لِيَرى ذلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَلاَ يَتَّهِمُونِي بِقَتْلِهِمْ، فَلاَ تُهْلِكُنَا يَا رَبِّ بِمَا فَعَلَهُ الجُهَّالُ مِنَّا، فَمَا مِحْنَةُ عِبَادَةِ العِجْلِ إلاَّ ابْتِلاءٌ مِنْكَ وَفِتْنَةٌ أَضْلَلْتَ بِهَا مَنْ شِئْتَ إِضْلاَلَهُ مِمَّنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الغوَايةِ، وَهَدَيْتَ بِهَا مَنْ شِئْتَ هِدَايَتَهُ، وَلاَ هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، فَاغْفِرْ لَنَا وَلاَ تُؤَاخِذْنَا بِذُنُوبِنا، وَارْحَمْنَا لِكَيْلا نَقَعَ فِي مِثْلِ ذلِكَ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ الغَافِرِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "اختار" تدل على أن العمل الإِختياري يُرجح العقل فيه فعلاً على عدم فعل أو على فعل آخر، وإلا فلا يكون في الأمر اختيار؛ لأن "اختار" تعني طلب الخير والخيار، وكان في مكنتك أن تأخذ غيره، وهذا لا يتأتى إلا في الأمور الاختيارية التي هي مناط التكليف، مثال ذلك: اللسان خاضع لإِرادة صاحبه الاختيارية التي هي مناط التكليف، مثال ذلك: اللسان خاضع لإِرادة صاحبه فخضع للمؤمن حين قال: لا إله إلا الله، وخضع للملحد حين قال - لعنه الله -: لا وجود لله، ولم يعص اللسان في هذه، ولا في تلك. والذي رجح أمراً على أمر هو ترجيح الإِِيمان عند المؤمن في أن يقول: لا إله إلا الله، وترجيح الإِلحاد عند الملحد في أن يقول ما يناقض ذلك. والحق هنا يقول: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً}. والذين درسوا اللغة يقولون: إن هناك حدثاً. وأنّ هناك موجدا للحدث نسميه فاعلاً مثل قولنا: "كتب زيد الدرس" أي أن زيداً هو الذي أدى الكتابة، ونسمي "الدرس" الذي وقعت عليه الكتابة مفعولاً به، ومرة يكون هناك ما نسميه "مفعولاً له" أو "مفعولاً لأجله" مثل قول الابن: قمت لوالدي إجلالاً، فالذي قام هو الابن، والإِجلال كان سبباً في إِيقاع الفعل فنسميه "مفعولا لأجله": ونقول: "صُمْت يوم كذا" ونسميه "مفعولاً فيه"، وهو أن الفعل، وقع في هذا الزمن. فمرة يقع الحدث على شيء فيكون مفعولاً به، ومرة يقع لأجل كذا فيكون مفعولاً لأجله، ومرة يقع في يوم كذا؛ العصر أو الظهر فيكون مفعولاً فيه، ومرة يكون مفعولاً معه "مثل قولنا: سرت والنيل: أي أن الإِنسان سار بجانب النيل وكلما مشى وجد النيل في جانبه. وهنا يقول الحق: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا...} [الأعراف: 155] ولأن اختيار موسى للسبعين كان وقع من القوم؛ فيكون المفعول قد جاء من هؤلاء القوم، ويسمى "مفعولاً منه"؛ لأنه لم يخترهم كلهم، إنما اختار منهم سبعين رجلاً لميقاته مع الله سبحانه. وقالوا في علة السبعين إن من اتبعوا موسى كانوا أسباطاً، فأخذ من كل سبط عدداً من الرجال ليكون كل الأسباط ممثلين في الميقات، وكلمة "ميقات" مرت قبل ذلك حن قال الله: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ...} تفسير : [الأعراف: 143] وهل الميقات هذا هو الميقات الأول؟ لا؛ لأن الميقات الأول كان لكلام موسى مع الله، والميقات الثاني هو للاعتذار عن عبدة العجل. {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ...} [الأعراف: 155] ولماذا أخذتهم الرجفة؟ لأنهم لم يقاوموا الذين عبدو العجل المقاومة الملائمة، وأراد الله أن يعطي لهم لمحة من عذابه، والرجفة هي الزلزلة الشديدة التي تهز المرجوف وتخيفه ونترهبه من الراجف. وحين أخذتهم الرجفة قال موسى: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ}. أوضح موسى: لقد أحضرتهم من قومهم. وأهلوهم يعرفون أن السبعين رجلاً قد جاءوا معي، فإن أهلكتهم يا رب فقد يظن أهلهم أنني أحضرتهم ليموتوا وأسلمتهم إلى الهلاك. ولو كنت مميتهم يا رب وشاءت مشيئتك ذلك لأمتّهم من قبل هذه المسألة وأنا معهم أيضاً. ويضيف القرآن على لسان موسى والقوم معاً: {... أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} {الأعراف: 155] أنت أرحم يا رب من أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وهذا القول يدل على أن العملية عملية فعل، والفعل هو عبادة العجل؛ فلو أن هذا هو الميقات الأول لما احتاج إلى مثل هذا القول؛ لأن قوم موسى لم يكونوا قد عبدوا العجل بعد. ولكنهم قالوا بعد الميقات الأول: مادام موسى قد كلم الله، فلابد لنا أن نرى الله، وقالوا فعلاً لموسى: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً...} تفسير : [النساء: 153] إذن نجد أن ما حصل من قوم موسى بعد الميقات الأول هو قولهم: {أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} وليس الفعل، أما هنا فالآية تتحدث عن الفعل: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}. وهكذا نعلم أن الآية تتحدث عن ميقات ثانٍ تحدد بعد أن عبد بعضهم العجل، والفتنة هي الاختبار، والاختبار ليس مذموماً في ذاته، ولا يقال في أي امتحان إنه مذموم. إنما المذموم هو النتيجة عند من يرسب، والاختبار والامتحان غير مذموم عند من ينجح. إذن فالفتنة هي الابتلاء والاختبار، وهذا الاختبار يواجه الإِنسان الجاهل الذي لا يعلم بما تصير إليه الأمور وتنتهي إليه ليختار الطريق ويصل إلى النتيجة. ولا يكون ذلك بالنسبة لله؛ لأنه يعلم أزلاً كل سلوك لعباده، لكن هذا العلم لا يكون حجة على العباد؛ ولابد من الفعل من العباد ليبرز ويظهر ويكون له وجود في الواقع لتكون الحجة عليهم. والأخذ بالواقع هو الأعدل. وقول موسى عليه السلام: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ...} [الأعراف: 155] هذا القول يعني: أنك يا رب قد جعلت الاختبار لأنك خلقتهم مختارين؛ فيصح أن يطيعوا ويصح أن يعصوا. والله سبحانه هو من يُضل ويهدي؛ لأنه مادام قد جعل الإِنسان مختاراً فقد جعل فيه القدرة على الضلال، والقدرة على الهدى. وقد بيّن سبحانه من يشاء هدايته، ومن يشاء إضلاله فقال: {أية : ...وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [آل عمران: 86] والسبب في عدم هدايتهم هو ظلمهم، وكذلك يقول الحق: {أية : ...وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264] وهكذا نرى أن الكفر منهم هو الذي يمنعهم من الهداية. إذن فقد جعل الله للعبد أن يختار أو أن يختار الضلال، وما يفعله العبد ويختاره لا يفعله قهراً عن الله؛ لأنه سبحانه لو لم يخلق كلا منا مختاراً لما استطاع الإِنسان أن يفعل غير مراد الله، ولكنه خلق الإِنسان مختاراً، وساعة ما تختار - أيها الإِنسان - الهداية أو تختار الضلال فهذا ما منحه الله لك، وسبحانه قد بيّن أن الذي يظلم، والذي يفسق هو أهل لأن يعينه الله على ضلاله، تماماً كما يعين من يختار الهداية؛ لأنه أهل أن يعينه الله على الهداية. ويقول الحق على لسان سيدنا موسى في نهاية هذه الآية: {...أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] والولي هو الذي يليك، ولا يليك إلا من قربته منك بودك له، ولم تقربِّه إلا لحيثية فيه قد تعجبك وتنفعك وتساعدك إذا اعتدى عليك أحد أو تأخذ من عمله لأنه عليم. إذن فالمعنى الأول لكلمة الولي أي القريب الذي قربته لأن فيه خصلة من الخصال التي قد تنفعك، أو تنصرك، أو تعلمك. وقول موسى {أَنتَ وَلِيُّنَا} أي ناصرنا، والأقرب إلينا، فإن ارتكب الإِنسان منا ذنباً فأنت أولى به، إنك وحدك القادر على أن تغفر ذنبه؛ لذلك يقول موسى: {فَٱغْفِرْ لَنَا}، ونعلم من هذا أنه يطلب درء المفسدة أولاً لأن درءها مقدم على جلب المصلحة، فقدم موسى عليه السلام طلب غفر الذنب، ثم طلب ودعا ربّه أن يرحمهم، وهذه جلب منفعة. وقد قال ربنا في مجال درء المفسدة: { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} وهذا درء مفسدة وهو البعد عن النار: {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ}. وهذا جلب منفعة ومصلحة. إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، - وعلى سبيل المثال - إنك ترى تفاحة على الشجرة، وتريد أن تمد يدك لتأخذها، ثم التفت فوجدت شابًّا يريد أن يقذفك بطوبة، فماذا تصنع؟ انت في مثل هذه الحالة الانفعالية تدفع الطوبة أولاً ثم تأخذ التفاحة من بعد ذلك. وهذا هو درء المفسدة المقدم على جلب المصلحة، وهنا درء المفسدة متمثل في قول موسى: {فَٱغْفِرْ لَنَا} ثم قال بعد ذلك: {وَٱرْحَمْنَا} وهذا جلب مصلحة، والقرآن يقول: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ...} تفسير : [الإِسراء: 82] لأن الداء يقع أولاً، وحين تذهب لمنهج القرآن يشفيك من هذا الداء، والرحمة ألاَّ يجيء لك داء بالمرة. فإذا أخذت القرآن لك نصيراً فلن يأتي لك الداء أبداً. {...فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] ومثلها مثل قول الحق سبحانه: {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، و{خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}، و{خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} و{خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} هنا؛ لأن المغفرة قد تكون من الإِنسان للإِنسان، ولكنا نعرف أن مغفرة الرب فوق مغفرة الخلق؛ لأن الغافر من البشر قد يغفر رياء، وقد يغفر سمعة، قد يغفر لأنه خاف بطش المقابل. لكنه سبحانه لا يخاف من أحد، وهو خير الغافرين من غير مقابل. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱكْتُبْ لَنَا...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):