Verse. 1108 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُّوْسَى الْغَضَبُ اَخَذَ الْاَلْوَاحَ۝۰ۚۖ وَفِيْ نُسْخَتِہَا ہُدًى وَّرَحْمَۃٌ لِّلَّذِيْنَ ہُمْ لِرَبِّہِمْ يَرْہَبُوْنَ۝۱۵۴
Walamma sakata AAan moosa alghadabu akhatha alalwaha wafee nuskhatiha hudan warahmatun lillatheena hum lirabbihim yarhaboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولمَّا سكت» سكن «عن موسى الغضب أخذ الألواح» التي ألقاها «وفي نسخَتها» أي ما نسخ فيها، أي كتب «هدىّ» من الضلالة «ورحمهٌ للذين هم لربِّهم يرهبون» يخافون، وأدخل اللام على المفعول لتقدمه.

154

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ } أقوال: القول الأول: أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وكذا، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك، فلما زال الغضب، صار كأنه سكت. والقول الثاني: وهو قول عكرمة، أن المعنى: سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة. القول الثالث: المراد بالسكوت السكون والزوال، وعلى هذا جاز {سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ } ولا يجوز صمت لأن {سَكَتَ } بمعنى سكن، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام، وذلك لا يجوز في الغضب. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هرون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره، فعند ذلك سكن غضبه. وهو الوقت الذي قال فيه: {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلأَخِى } تفسير : [الأعراف: 151] وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه. المسألة الثالثة: قوله: {أَخَذَ ٱلاْلْوَاحَ } المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَى ٱلالْوَاحَ } تفسير : [الأعراف: 150] وظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله: {وَفِى نُسْخَتِهَا } النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف. قلت: نسخت ذلك الكتاب، كأنك نقلت ما في الأصل إلى الكتاب الثاني. قال ابن عباس: لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً، فأعاد الله تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى، فعلى هذا قوله: {وَفِى نُسْخَتِهَا } أي وفيما نسخ منها. وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضاً تكون نسخاً على هذا التقدير وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةٌ } أي {هُدًى } من الضلالة {وَرَحْمَةٌ } من العذاب {لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } يريد الخائفين من ربهم. فإن قيل: التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله: {لِرَبِّهِمْ}. قلنا فيه وجوه: الأول: أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية، ونظيره قوله: {أية : لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } تفسير : [يوسف: 43] الثاني: أنها لام الأجل والمعنى: للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة. الثالث: أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعدياً كقولك قرأت في السورة وقرأت السورة، وألقى يده وألقى بيده، وفي القرآن {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } تفسير : [العلق: 14] وفي موضع آخر {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ } فعلى هذا قوله {لِرَبِّهِمْ} اللام صلة وتأكيد كقوله: {رَدِفَ لَكُم } وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: {أية : وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 73].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} أي سكن. وكذلك قرأها معاوية بن قُرَّة «سكن» بالنون. وأصل السكوت السكون والإمساك؛ يقال: جرى الوادي ثلاثاً ثم سكن، أي أمسك عن الجَرْي. وقال عِكْرمة: سكت موسى عن الغضب؛ فهو من المقلوب. كقولك: أدخلت الأصبع في الخاتم، وأدخلت الخاتم في الأصبع. وأدخلت القَلَنْسُوَة في رأسي، وأدخلت رأسي في القلنسوة. {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} التي ألقاها. {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} أي «هُدًى» من الضلالة؛ «وَرَحْمَةٌ» أي من العذاب. والنسخ: نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر. ويقال للأصل الذي كتبتَ منه: نسخة، وللفرع نسخة. فقيل: لما تكسّرت الألواح صام موسى أربعين يوماً، فرُدّت عليه وأُعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئاً؛ ذكره ابن عباس. قال القُشَيْرِيّ: فعلى هذا «وَفِي نُسْخَتهَا» أي وفيما نسخ من الألواح المتكسّرة ونُقل إلى الألواح الجديدة هدًى ورحمةٌ. وقال عطاء: وفيما بقي منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستّة أسباعها. ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء. وقيل: المعنى «وَفِي نُسْخَتَها» أي وفيما نُسخ له منها من اللوح المحفوظ هُدًى. وقيل: المعنى وفيما كتب له فيها هدًى ورحمةٌ، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه. وهذا كما يقال: انسخْ ما يقول فلان، أي ٱثبته في كتابك. قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} أي يخافون. وفي اللام ثلاثة أقوال: قول الكوفيين هي زائدة. قال الكِسائِيّ: حدّثني من سمِع الفرزدق يقول: نقدت لها مائة درهم، بمعنى نقدتها. وقيل: هي لام أجْل؛ المعنى: والذين هم من أجل ربّهم يرهبون لا رياء ولا سمعة؛ عن الأخفش. وقال محمد بن يزيد: هي متعلقة بمصدر؛ المعنى: للذين هم رهبتهم لربهم. وقيل: لما تقدّم المفعول حسن دخول اللام؛ كقوله: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ }تفسير : [يوسف: 43]. فلما تقدّم المعمول وهو المفعول ضَعُف عملُ الفعل فصار بمنزلة ما لا يتعدَّى.

البيضاوي

تفسير : {وَلَمَّا سَكَتَ} سكن وقد قرىء به. {عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} باعتذار هارون، أو بتوبتهم وفي هذا الكلام مبالغة وبلاغة من حيث إنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالأمر به والمغري عليه حتى عبر عن سكونه بالسكوت. وقرىء {سَكَتَ} و «أسكت» على أن المسكت هو الله أو أخوه أو الذين تابوا. {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} التي ألقاها. {وَفِى نُسْخَتِهَا} وفيما نسخ فيها أي كتب، فعلة بمعنى مفعول كالخطبة وقيل فيما نسخ منها من الألواح المنكسرة. {هُدًى } بيان للحق. {وَرَحْمَةً} إرشاد إلى الصلاح والخير. {لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ} دخلت اللام على المفعول لضعف الفعل بالتأخير، أو حذف المفعول واللام للتعليل والتقدير يرهبون معاصي الله لربهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ} أي: سكن {عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} أي: غضبه على قومه، {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} أي: التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرة لله وغضباً له، {وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} يقول كثير من المفسرين: إنها لما ألقاها تكسرت، ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف: فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل، فذهب، وزعموا أن رضاضها لم يزل موجوداً في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا. وأما الدليل الواضح على أنها تكسرت حين ألقاها، وهي من جوهر الجنة، فقد أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها{هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} ضمن الرهبة معنى الخضوع، ولهذا عداها باللام. وقال قتادة: في قوله تعالى: {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} قال: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون، أي: آخرون في الخلق، سابقون في دخول الجنة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها، وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظراً، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئاً، ولم يعرفوه، وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم. قال: رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول، وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فصول الضلالة، حتى يقاتلون الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم من الأمم إِذا تصدق بصدقة، فقبلت منه، بعث الله عليها ناراً، فأكلتها، وإن ردت عليه، تركت فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم، قال: رب فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إِني أجد في الألواح أمة إِذا هم أحدهم بحسنة، ثم لم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشر أمثالها، إِلى سبعمائة ضعف، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إِني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فأجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمدـ قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا سَكَتَ } سكن {عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ } التي ألقاها {وَفِى نُسْخَتِهَا } أي ما نُسِخَ فيها، أي كُتِبَ {هُدًى } من الضلالة {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } يخافون، وأدخل اللام على المفعول لتقدمه.

ابن عطية

تفسير : معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام لما سكن غضبه أخذ الألواح التي كان ألقى، وقد تقدم ما روي أنه رفع أكثرها أو ذهب في التكسر، وقوله: {سكت} لفظة مستعارة شبه خمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكوته، قال يونس بن حبيب: تقول العرب سال الوادي يومين ثم سكت، وقال الزجاج وغيره: مصدر قولك سَكَتَ الغضب، سكْت، ومصدر قولك سكت الرجل سكوت، وهذا يقتضي أنه فعل على حدة وليس من سكوت الناس، وقيل إن في المعنى قلباً، والمراد ولما سكت موسى عن الغضب فهو من باب أدخلت فمي في الحجر وأدخلت القلنسوة في رأسي، وفي هذا أيضاً استعارة، إذ الغضب ليس يتكلم فيوصف بالسكوت، وقرأ معاوية بن قرة: "ولما سكن"، وفي مصحف حفصة "ولما سكت"، وفي مصحف ابن مسعود "ولما صبر عن موسى الغضب"، قال النقاش: وفي مصحف أبيّ: "ولما اشتق عن موسى الغضب"، وقوله: {وفي نسختها} معناه وفيما ينسخ منها ويقرأ، واللام في قوله {لربهم} يحتمل وجوهاً، مذهب المبرد أنها تتعلق بمصدر كأنه قال الذين رهبتهم لربهم، ويحتمل أنه لما تقدم المفعول ضعف الفعل فقوي على التعدي باللام، ويحتمل أن يكون المعنى: هم لأجل طاعة ربهم وخوف ربهم يرهبون العقاب والوعيد ونحو هذا. وقوله تعالى: {واختار موسى قومه} الآية، معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام اختار من قومه هذه العدة ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء ليكون منه ومنهم اعتذار إلى الله عز وجل من خطأ بني إسرائيل في عبادة العجل وطلب لكمال العفو عمن بقي منهم، وروي عن علي بن أبي طالب أن اختيارهم إنما كان بسبب قول بني إسرائيل أن موسى قتل هارون حين ذهب معه ولم يرجع، فاختار هؤلاء ليذهبوا فيكلمهم هارون بأنه مات بأجله، وقوله: {لميقاتنا} يؤيد القول الأول وينافر هذا القول لأنها تقتضي أن ذلك كان عن توقيت من الله عز وجل وعدة في الوقت الموضع، وتقدير الكلام: واختار موسى من قومه، فلما انحذف الخافض تعدى الفعل فنصب، وهذا كثير في كلام العرب. واختلف العلماء في سبب {الرجفة} التي حلت بهم، فقيل كانت عقوبة لهم على سكوتهم وإغضائهم على عبادة العجل، وقيل: كانت على عبادتهم العجل بأنفسهم وخفي ذلك عن موسى في وقت الاختيار حتى أعلمه الله، قاله السدي، وقيل: كانت عقوبة لهم لأنهم لما دنوا وعلموا أن موسى يسمع كلام الله قالوا له: أرنا ربك فأخذتهم الرجفة، وقيل: كانت عقوبة لتشططهم في الدعاء بأن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ولا تعطيه أحداً بعدنا، فأخذتهم الرجفة، وقيل: إنما أخذتهم لما سمعوا كلام هارون وهو ميت، وذلك أن موسى وهارون ذهبا إلى التعبد أو نحوه فمات هارون فدفنه موسى وجاء فقالت له بنو إسرائيل: أين هارون؟ فقال: مات، فقالوا بل أنت قتلته لأنك حسدتنا على حسن خلقه وعشرته، فاختار السبعين ليمضوا معه حتى يروا برهان ما قال لهم، فلما وصلوا قال له موسى يا هارون أقتلت أم مت؟ فناداه من القبر بل مت فأخذت القوم الرجفة. قال القاضي أبو محمد: وروي أنهم ماتوا في رجفتهم هذه، ويحتمل أن كانت كالإغماء ونحوه، و {الرجفة} الاهتزاز والتقلقل للهول العظيم، فلما رأى موسى ذلك أسف عليه وعلم أن أمر بني إسرائيل سيتشعب عليه إذا لم يأت بالقوم فجعل يستعطف ربه أي رب لو أهلكتهم قبل هذه الحال إياي لكان أحق عليّ، وهذا وقت هلاكهم فيه مفسد على مؤذٍ لي، ثم استفهم على جهة الرغبة والتضرع والتذلل، ويحتمل قوله: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} أن يريد وقت إغضائهم على عبادة العجل أي وقت عبادتهم على القول بذلك وفي نفسه هو وقت قتله القبطي، أي فأنت قد سترت وعفوت حينئذ فكيف الآن إذا رجوعي دونهم فساد لبني إسرائيل، فمنحى الكلام على هذا محض استعطاف، وعلى التأويل الأول منحاه الإدلاء بالحجة في صيغة استعطاف، وإذا قلنا إن سبب "الرجفة" كان عبادة العجل كان الضمير في قوله: {اتهلكنا} له وللسبعين، و {السفهاء} إشارة إلى العبدة من بني إسرائيل، وكذلك إذا كان سببها قول بني إسرائيل له قتلت هارون، وإذا كان سبب الرجفة طلبهم الرؤية وتشطههم في الدعاء أو عبادتهم بأنفسهم العجل فالضمير في قوله: {أتهلكنا} يريد به نفسه وبني إسرائيل، أي بالتفرق والكفر والعصيان يكون هلاكهم، ويكون قوله: {السفهاء} إشارة إلى السبعين، وروي أن السبعين لم يكن فيهم من زاد على الأربعين ولا من قصر عن العشرين، وروي عن علي بن أبي طالب أنهم أحيوا وجعلوا أنبياء كلهم، وقالت فرقة: إن موسى عليه السلام لما أعلمه الله عز وجل أن السبعين عبدوا العجل تعجب وقال: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء} أي الأمور بيدك تفعل ما تريد، وقيل: إن الله تعالى لما أعلم موسى بعبادة بني إسرائيل العجل وبصفته قال موسى: أي رب ومن أخاره؟ قال أنا، قال موسى: فأنت أضللتهم إن هي إلا فتنتك ويحتمل أن يشير بها إلى قولهم: أرنا الله إذ كانت فتنة من الله أوجبت الرجفة، وفي هذه الآية رد على المعتزلة، و {اغفر} معناه استر.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب} يعني: سكن لأن السكوت أصله الإمساك عن الشيء ولما كان السكوت بمعنى السكون استعير في سكون الغضب لأن الغضب لا يتكلم لكنه لما كان بفورته دالاًّ على ما في نفس المغضب كان بمنزلة الناطق فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة السكوت عما كان متكلماً به وقيل معناه ولما سكت موسى عن الغضب فهو من المقلوب كما تقول أدخلت القلنسوة في رأسي والمعنى أدخلت رأسي في القلنسوة والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير {أخذ الألواح} يعني التي ألقاها قال الإمام فخر الدين: وظاهر هذا يدل على أن الألواح لم تتكسر ولم يرفع من التوراة شيء {وفي نسختها} النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتاباً من كتاب حرفاً بحرف قد نقلت ما في الأصل إلى الفرع فعلى هذا قيل أراد بها الألواح لأنها نسخت من اللوح المحفوظ، وقيل: أراد بها النسخة المكتتبة من الألواح التي أخذها موسى بعدما تكسرت. وقال ابن عباس وعمرو بن دينار: لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوماً فردت عليه في لوحين وفيهما ما في الأولى بعينها فيكون نسخها نقلها وعلى قول من قال إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بعينها بعد ما ألقاها يكون معنى وفي نسختها المكتوب فيها {هدى ورحمة} قال ابن عباس: يعني هدى من الضلالة ورحمة من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} يعني للخائفين من ربهم. قوله عز وجل: {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا} الاختيار افتعال من لفظ الخيار يقال اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره. والمعنى اختار موسى من قومه فحذف كلمة من وذلك سائغ في العربية لدلالة الكلام عليه. قال أصحاب الأخبار: إن موسى عليه الصلاة والسلام اختار من كل سبط من قومه ستة نفر فكانوا اثنين وسبعين فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد يوشع بن نون وكالب بن يقونا وقيل إنه لم يجد إلا ستين شيخاً فأوحى الله إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم ذهب بهم إلى ميقات ربه واختلف أهل التفسير في ذلك الميقات فقيل إنه الميقات الذي كلمه فيه ربه وسأل فيه الرؤية وذلك أنه لما خرج إلى طور سيناء أخذ معه هؤلاء السبعين فلما دنى موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودخل موسى فيه وقال لقومه ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجداً وسمعوا الله تعالى وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل كذا لا تفعل كذا فلما انكشف الغمام أقبلوا على موسى وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية. وقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعداً فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً ثم ذهب بهم إلى ميقات ربه ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا{أية : لن نؤمن لك}تفسير : [البقرة: 55] يا موسى {أية : حتى نرى الله جهرة}تفسير : [البقرة: 55] فإنك قد كلمته فأرِناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. وقال محمد بن إسحاق اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلاً الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ثم خرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال السبعون فيما ذكر لي حين فعلوا ما أمرهم به وخرجوا مع موسى لميقات ربه اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عموم الغمام حتى غشي الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا فكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجوداً فسمعوا الله وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة}تفسير : [البقرة: 55] وهي مرجفة فماتوا جميعاً فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه يقول رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، وقال ابن عباس: كان الله أمر موسى أن يختار من قومه سبعين رجلاً فبرز بهم ليدعو ربهم فكان فيما دعوا الله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، وقيل: إنما أخذتهم الرجفة من أجل أنهم ادعوا على موسى أنه قتل هارون. قال علي بن أبي طالب: انطلق موسى وهارون إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفاه الله فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه، وكان هارون حسن الخلق محبباً في بني إسرائيل فقال لهم موسى اختاروا من شئتم فاختاروا سبعين رجلاً فلما انتهوا إليه قالوا يا هارون من قتلك قال ما قتلني أحد ولكن الله توفاني فأخذتهم الرجفة فجعل موسى يرجع يميناً وشمالاً ويقول {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} الآية فأحياهم الله عز وجل وقيل إنما أخذتهم الرجفة لتركهم فراق عبدة العجل لا لأنهم كانوا من عبدته. قال ابن عباس: إنما تناولتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا القوم حين نصبوا العجل وما كرهوا أن يجامعوهم عليه. قال ابن جريج فلما خرجوا ودعوا الله أماتهم ثم أحياهم: وقال مجاهد: واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا الميقات الموعد فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم، وقال محمد بن كعب القرظي: لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف فأخذتهم الرجفة فماتوا ثم أحياهم الله وقوله تعالى: {فلما أخذتهم الرجفة} أصل الرجفة الاضطراب الشديد الذي يحصل معه التغيير والهلاك ولهذا اختلفوا في تلك الرجفة التي حصلت لهؤلاء هل كان معها موت أم لا فمعظم الروايات التي تقدمت أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة. وقال وهب بن منبه: لم تكن تلك الرجفة موتاً ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا حتى كادت أن تبين مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت واشتد عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا موسى وبكى وناشد ربه فكشف الله عنهم تلك الرجفة فاطمأنوا وسمعوا كلام الله فذلك قوله تعالى: {فلما أخذتهم الرجفة} {قال} يعني موسى {رب} أي يا رب {لو شئت أهلكتهم من قبل} يعني من قبل عبادتهم العجل {وإياي} وذلك أنه خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا رجع إليهم وما هم معه ولم يصدقوه بأنهم ماتوا فقال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل يعني قبل خروجهم إلى الميقات وإياي معهم فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحاب العجل العجل فقال أتهلكنا بما فعل السفهاء منا يعني عبدة العجل وإنما أهلكوا بسبب مسألتهم الرؤية وهي قولهم أرنا الله جهرة، وهذا قول الكلبي وجماعة، وقال جماعة من أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم ولكن قوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا استفهام بمعنى الجحد أي لست تفعل ذلك وهذا قول ابن الأنباري، وقال المبرد: هذا استفهام استعطاف أي لا تهلكنا {إن هي إلا فتنتك} قال الواحدي: الكناية في هذ تعود إلى الفتنة كما تقول إن هو إلا زيد والمعنى أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أي اختبارك وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا لأن معناه لا تهلكنا بفعلهم فإن تلك الفتنة كانت اختباراً منك وابتلاء أضللت بها قوماً فافتتنوا وهديت قوماً فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك وهو المراد من قوله: {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر {أنت وليّنا} يعني أنت يا ربنا ناصرنا وحافظنا وهذا يفيد الحصر أي لا وليّ لنا ولا ناصر ولا حافظ إلا أنت {فاغفر لنا} سأل موسى عليه الصلاة والسلام لنفسه ولقومه الغفران أما لنفسه فلقوله إن هي إلا فتنتك وهذا فيه إقدام على الحضرة المقدسة وأما لقومه فلقولهم أرنا الله جهرة وفي هذا إقدام على الحضرة المقدسة فلهذا السبب سأل موسى عليه الصلاة والسلام الغفران له ولقومه {وارحمنا} أي اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء {وأنت خير الغافرين} يعني أن كل من سواك إنما يغفر الذنب طلباً للثناء الجميل أو لدفع ضرر وأما أنت يا رب فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض ولا غرض بل لمحض الفضل والكرم فأنت خير الغافرين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اعطى الله موسى التوراة ف سبعة الواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة التوراة مكتوبة، فلما جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفاً على العجل، فرمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هرون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } قال: فيما بقي منها . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد . أن سعيد بن جبير قال: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى والرحمة ، وقرأ {أية : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} تفسير : [الأعراف: 145] وقرأ {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة} قال: ولم يذكر التفصيل ههنا . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا} قال: اختارهم ليقوموا مع هرون على قومه بأمر الله {فلما أخذتهم الرجفة} تناولتهم الصاعقة حين أخذت قومهم . وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي سعد عن مجاهد {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة} بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم. قال أبو سعد: فحدثني محمد بن كعب القرضي قال: فلم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف، فأخذتهم الرجفة فماتوا ثم احياها الله . وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى ابن أخي الرقاشي. إن بني إسرائيل قالوا: ذات يوم لموسى : ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب العزة، فانا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فلما أن أبوا إلا ذلك أوحى الله إلى موسى : ان اختر من قومك سبعين رجلاً. فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً خيرة، ثم قال لهم: اخرجوا. فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به فأخذتهم الرجفة، قالوا: يا موسى ردنا. فقال لهم موسى: ليس لي من الأمر شيء سألتم شيئاً فجاءكم فماتوا جميعاً، قيل: يا موسى ارجع. قال: رب إلى أين الرجعة؟ {أية : قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} تفسير : [الأعراف: 155] إلى قوله {أية : فسأكتبها للذين يتقون...} تفسير : [الأعراف: 155] الآية. قال عكرمة: كتبت الرحمة يومئذ لهذه الأمة . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال: لما حضر أجل هرون أوحى الله إلى موسى: أن انطلق أنت وهرون وابن هرون إلى غار في الجبل فأنا قابض روحه، فانطلق موسى وهرون وابن هرون، فما انتهوا إلى الغار دخلوا فإذا سرير، فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال: ما أحسن هذا المكان يا هرون، فاضطجع هرون فقبض روحه، فرجع موسى وابن هرون إلى بني إسرائيل حزينين. فقالوا له: اين هرون؟ قال: مات. قالوا: بل قتلته، كنت تعلم أنا نحبه. فقال لهم موسى: ويلكم أقتل أخي وقد سألته الله وزيراً، ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني!؟ قالوا له: بلى قتلته حسدتناه. قال: فاختاروا سبعين رجلاً فانطلق بهم، فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً ، فانطلق موسى وابن هرون وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هرون، فقال: يا هرون من قتلك؟ قال: لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا: ما تقضي يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء. قال: فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان اللذان خلفوا، وقام موسى يدعو ربه {لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فأحياهم الله فرجعوا إلى قومهم أنبياء .

القشيري

تفسير : تشير إلى حسن إمهاله - سبحانه - للعبد إذا تغيَّر عن حدِّ التمييز، وغَلَبَ عليه ما لا يطيق ردَّه من بواده الغيب. وإذا كانت حالة الأنبياء - عليهم السلام - أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار فكيف الظن بِمنْ دونهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما سكت عن موسى الغضب} اى لما سكن عنه الغضب باعتذار اخيه وتوبة القوم والسكوت قطع الكلام وقطع الكلام فرع ثبوته وهو لا يتصور قطعه ايضا فهو محمول على المعنى المجازى الذى هو السكون شبه الغضب بانسان يغرى موسى عليه السلام ويقول له ان اخاك قصر فى كف قومك عن الكفر فاستحق اهانتك وعقوبتك خذ بشعر رأسه فجره الى نفسك وقل له كذا وكذا والق ما فى يدك من الالواح ثم يقطع الاغراء ويترك الكلام ففيه استعارة مكنية وسكت قرينة الاستعارة. قال الحدادى قيل معناه سكت موسى عن الغضب وهذا من المقلوب كما يقال ادخلت قلنسوة فى رأسى يريد ادخلت رأسى فى قلنسوة {اخذ الالواح} التى القاها وهو دليل على انها لم تتكسر حين القاها وعلى انه لم يرفع منها شيء كما ذهب اليه بعض المفسرين {وفى نسختها} اى والحال انه فيما نسخ فيها وكتب نقلا عن الاصل وهو اللوح المحفوظ فان النسخ عبارة عن نقل اشكال الكتابة وتحويلها من الاصل المنقول عنه فاذا كتبت كتابا آخر حرفا بعد حرف قلت نسخت هذا الكتاب من ذلك الكتاب اى نقلته منه {هدى} اى بيان للحق وهو مبتدأ وفى نسختها خبره {ورحمة} للخلق بارشادهم الى ما فيه الخير والصلاح كائنة {للذين هم لربهم يرهبون} اى يخشون واللام فى لربهم لتقوية عمل الفعل المؤخر كما فى قوله تعالى {أية : ان كنتم للرؤيا تعبرون} تفسير : [يوسف: 43] يعنى انها دخلت جابرة للضعف العارض للفعل بسبب تأخره عن مفعوله وانما خص اهل الرهبة بالذكر لانهم هم المنتفعون بآيات الكتاب فالعبد اذا رغب الى الله بصدق الطلب والى الجنة بحسن العمل ورهب من اليم عذاب فرقته والانقطاع ومن دخول النار فقد اخذ بالخوف والرجاء ووصل بهما الى ما هوى. واعلم ان الخشية انما تنشأ عن العلم بصفات الحق سبحانه وعلامة خشية الله تعالى ترك الدنيا والخلق ومحاربة النفس والشيطان قالوا رهبوت خير من رحموت اى لان ترهب خير من ان ترحم وذلك لان التخلية قبل التحلية. ومن الترهيبات ما حكى عن يحي بن زكريا عليهما السلام انه شبع مرة من خبز شعير فنام عن حزبه تلك الليلة فاوحى الله اليه يا يحيى هل وجدت جارا خيرا لك من دارى او جوارا خيرا لك من جوارى وعزتى وجلالى لو اطلعت على الفردوس اطلاعه لذاب جسمك ولزهقت نفسك اشتياقا الى الفردوس الاعلى ولو اطعت على نار جهنم اطلاعة لبكيت الصديد بعد الدموع وللبست الحديد بعد المنسوج. قال الحسن البصرى الكلب اذا ضرب وطرد وجفى عليه وطرح له كسرة اجاب ولم يحقد على ما مضى وذلك من علامة الخاشعين فينبغى لكل مؤمن ان تكون فيه تلك الصفة: قال الحافظ شعر : وفا كنيم وملامت كشيم وخوش باشيم كه در طريقت ما كافريست رنجيدن تفسير : وفى الحديث "حديث : من لم يخف الله خف منه " . تفسير : قال الامام السخاوى معناه معناه صحيح فان عدم الخوف من الله تعالى يوقع صاحبه فى كل محذور ومكروه: وفى المثنوى شعر : لا تخافوا هست نزل خائقان هست درخور ازبراى خائف آن هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترسنده را ساكن كنند آنكه خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست او محتاج درس

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لما سكت} أي: سكن {عن موسى الغضبُ}؛ لَمَّا كان الغضب هو الحامل له على ما فعل صار كأنه كان يأمره به ويغريه عليه، حتى عبَّر عن سكونه بالسكوت، أي: لما سكن غضبه {أخذَ الألواحَ} التي ألقاها، {وفي نُسختها} أي: وفيما نسخ فيها، أي: كُتب {هُدَىً ورحمة} أي: بيان للحق وإرشاد إلى الصلاح والخير، {للذين هم لربهم يرهبون} أي: للذين يخافون ربهم ويهابونه؛هم المنتفعون بها، ودخلت اللام في المفعول؛ لضعف العامل بتأخره. الإشارة: الغضب لأجل النفس يُفسد الإيمان، كالحنظل مع العسل، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ للذي قال له: أوصني، قال: "لا تَغضَب"، ثم كرر عليه: أوصني، قال: "لا تَغضَب"، ثلاثًا، لأن الغضب المفرط يغطي نور العقل، فيصدر من صاحبه أمور منكرة، قد يخرج بها عن الإيمان بالكلية، وقد يؤدي إلى قتل نفسه والعياذ بالله، والغضب معيار الصوفية؛ قال بعضهم: إذا أردت أن تعرف الرجل فغضبه وانظر ما يخرج منه، إلى غير ذلك مما ورد فيه، فإن كان غضبه لله أو بالله فلا كلام عليه، وهو حال الأنبياء وأكابر الأولياء ـ رضي الله عنهم ـ. ولما انقضت قضية العجل أراد سيدنا موسى عليه السلام أن يذهب بقوم، يعتذرون عن عبادة العجل، كما قال تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً}.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {ولم سكت} سكن، وسمي ذلك سكوتاً وإِن كان الغضب لا يتكلم، لأنه لما كان بفورته دالاً على ما في النفس من المغضوب عليه كان بمنزلة الناطق بذلك، فاذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلماً به والسكوت في هذا الموضع أحسن من السكون، لتضمنه معنى سكوته عن المعاتبة لأخيه، مع سكون غضبه. والسكوت هو الامساك عن الكلام بهيئة منافية لسببه، وهو تسكين آلة الكلام. وإِنما قيل: سكت الغضب وسكت الحزن على طريق المجاز إِلا أنه في شيء يظهر أثره، فيكون بمنزلة الناطق به، قال أبو النجم: شعر : وهمَّت الافعى بأن تسيحا وسكت المكاء أن يصيحا تفسير : فإِن قيل: كيف جاز أن يستفزه غضب الحمية عن غضب الحكمة؟ قلنا: ليس كذلك، ولكن غضب الحكمة صحبه غضب الحمية لما توجبه الحكمة. وسكون الغضب عن موسى (ع) لا يدل على أن قومه كانوا تابوا من عبادة العجل، لأنه يحتمل أن تكون زالت فورة الغضب ولم يزل الغضب، لأنه لم يخلص توبتهم بعد. ويحتمل أن يكون زال غضبه لتوبتهم من كفرهم، وإِذا احتمل الأمران لم يحكم بأحدهما إِلا بدليل. وقوله تعالى {أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} معناه أنه لما سكن غضبه رجع فأخذ الألواح التي كان ألقاها، وكان الالواح مكتوبا فيها ما هو هدى وحجة وبيان ورحمة للذين هم لربهم يرهبون بمعنى يخافون عقابه، ويجوز أن يقال: لربهم يرهبون، ولا يجوز يرهبون لربهم، لأنه اذا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه فصار بمنزلة ما لا يتعدى في دخول اللام عليه تقدم أو تأخر، كما قال تعالى {أية : ردف لكم}. تفسير : وفي الآية دلالة على أنه يجوز إِلقاء التوراة للغضب الذي يظهر بالقائها ثم أخذها، للحكمة التي فيها من غير أن يكون إِلقاؤها رغبة عنها.

الأعقم

تفسير : {ولما سكت عن موسى الغضب}، قيل: زال غضبه لتوبتهم {أخذ الألواح} التي كان فيها التوراة {وفي نسختها} يعني ما نسخ وكتب فيها عن أبي مسلم، وقيل: في نسختها التي نسخ منها بنو إسرائيل {هدى ورحمة} قال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} أي يخشون فيعلمون بها {واختار موسى قومه سبعين رجلاً}، قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة حتى كانوا اثنين وسبعين فقعد كالب ويوشع، وروي أنه لم يصب الاَّ ستين شيخاً، فأوحى الله إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختارهم، فأصبحوا شيوخاً فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم حتى خرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين رجلاً من بني إسرائيل فلما دنا موسى من الجبل وقعوا سُجّداً لله تعالى فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فأقبلوا اليه فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم فقالوا: {أية : يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55] ثم {أية : قال رب أرني أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143] يريد أن يسمعوا الرد والإِنكار من جهته فأجيب بلن تراني، ثم رجف بهم الجبل فصعقوا، وقيل: ماتوا فعند ذلك {قال} موسى {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} من قبل الميقات، وقيل: أن يرى ما يُرى من تبعه طلب الرؤية، قوله تعالى: {أتهلكنا} يعني جميعاً نفسه وإياهم إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء {إن هي إلا فتنتك} يعني محبتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك فاستدلوا به على الرؤية حتى افتتنوا فضلّوا {تضل بها من تشاء} يعني تعاقب من تشاء وهم أهل المعصية، وقيل: تضل من تشاء بالترك {وتهدي من تشاء} بألطافك {أنت ولينا} ناصرنا وحافظنا {فاغفر لنا} الآية {واكتب لنا} يعني واثبت لنا {في هذه الدنيا حسنةً} يعني عافية وحياة طيبة وتوفيقاً في الطاعة {وفي الآخرة} الجنة {إنَّا هدنا إليك} أي تبنا إليك {قال عذابي أصيب به من أشاء} وهو من استحق العقوبة وقرأ الحسن من أساء الاساءة {ورحمتي وسعت كل شيء} أي نعمتي عمَّت كل شيء قيل: تعمّ البر والفاجر في الدنيا والآخرة للبرّ خاصة {فسأكتبها} أي أوجبها يعني الرحمة {للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} قالت اليهود والنصارى: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها منهم وجعلها لهذه الأمة، فقال: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} نزلت في المؤمنين لما نزلت الآية المتقدمة قالت اليهود والنصارى: هذه صفتنا، وقيل: هو من آمن من اليهود مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واختلف العلماء في معنى الأمي فقال ابن عباس: هو نبيكم كان أميّاً لا يقرأ ولم يكتب، قال الله تعالى: {أية : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك}تفسير : [العنكبوت: 48]، وقيل: منسوب إلى أم القرى أي مكة {الذي يجدونه} أي صفته ونبوته ونعته {مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل} وعن عمر بن الخطاب: سألت ابن مالك عن صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من علماء اليهود فقال: صفته التي لم تبدل ولم تحول أحمد من ولد اسماعيل بن ابراهيم، وهو آخر الأنبياء، وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة، ويمشي في الأسواق، ومعه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، مولده بمكة ومنشأه ونبوته ودار هجرته بيثرب وهو أُمِّي لا يكتب بيده، سلطانه بالشام، صاحبه من الملائكة جبريل، وعن كعب في صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مولده بمكة وهجرته بيثرب وملكه بالشام وأمته الحامدون يحمدون الله على كل حال يصلون الصلاة حيث أدركتهم، روي ذلك في الثعلبي {يأمرهم بالمعروف} بالشريعة والسنة {وينهاهم عن المنكر} قيل: هو الكفر والمعاصي {ويحل لهم الطيبات} هو ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة من الشحوم وغيرها، وما طاب في الشريعة، والحكم مما ذكر اسم الله عليه عند الذبح {ويحرم عليها الخبائث} كل ما يستخبث نحو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما خبث في الحكم كالربا والرشوة وغيرها من الخبيثة {ويضع عنهم إصرهم} الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه، وقيل: هو العهد بأن يعملوا في التوراة، وقيل: التشديد الذي كان عليهم في الدين ونحو ذلك من الأفعال الشديدة كقتل النفس وتحريم السيب وتحريم العروق {والأغلال التي كانت عليهم} في شريعتهم الشاقة نحو قطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد، والقضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من شرع الدية {فالذين آمنوا به} يعني الذين آمنوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيرهم من أهل الكتاب {وعزروه} أي عانوه ووقروه {ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني القرآن {قل يأيها الناس إني رسول الله اليكم جميعاً}، قيل: بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى كافة الجن والإِنس {النبي الأُمِّي}، قيل: الذي لا يكتب ولا يقرأ، وقيل: منسوب إلى أم القرى، وهي مكة كأنه قيل: النبي المكِّي {الذي يؤمن بالله وكلماته} آياته {واتبعوه لعلكم تهتدون}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغَضَبُ} أي سكن {أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا} يعني الكتاب الذي نسخت منه التوراة {هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} والرهب الخوف. وقال بعضهم: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً} قال: إن موسى لما أخذ الألواح قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في طاعة الله، رب فاجعلهم من أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب أني أجد في الألواح أمة هم الآخرون والسابقون يوم القيامة، أي الآخرون والسابقون في دخول الجنة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها، وأجد قوماً يقرأون كتابهم نظراً، إذا رفعوه لم يحفظوا منه شيئاً ولم يعوه؛ فإن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الآدميين، قال: رب اجعلهم أمتي: قال: تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، رب فاجعلهم أمتي، قال:تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم ويؤجرون عليها، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم، وكان من قبلكم إذا تصدق أحدهم بصدقة أنزلت عليها نار من السماء فأكلتها، فاجعلها اللهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. [قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد]. قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، رب فاجعلهم أمتي. قال تلك أمة أحمد. وذكر لنا أنه نبذ الألواح، وقال: رب اجعلني من أمة أحمد. فأعطى اثنتين لم يعطوهما. قال:{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرسَالاَتِي وبِكَلاَمِي} فرضي. ثم أعطى الثانية: (أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) تفسير : [الأعراف:159] فرضى موسى كل الرضى.

اطفيش

تفسير : {ولمَّا سَكتَ عَن مُوسَى الغَضَب} أى سكن باعتذار هارون أو بتوبتهم أو بهما، شبه سكون الغضب بعد هيجانه بالسكوت بعد التكلم، بجامع أنه كلام بعد وجود وإمساك بعد شروع، فسمى السكون باسم السكوت، واشتق سكت بمعنى سكن على طريق الاستعارة التبعية التصريحية، أو شبه الغضب بإنسان متكلم يقول: قل لقومك كذا، وألقى الألواح وجرّ أخاك إليك برأسه ولحيته، ثم ترك القول، وذلك تشبيه مضمر على طريق الاستعارة المكنية والسكوت رمزاً واستعارة تخيلية، فعلى الوجه فقد جعل الغضب كالاغراء لموسى والأمر له بإسكان الميم، وعلى الثانى بقسميه جعل كالمغرى له، والأمر بالمد وكسر الميم، ولا يخفى ما فى ذلك من المبالغة والبلاغة، مع أن الاستعارة مطلقا مبنية على المبالغة بجعل المشبه من جنس المشبه به مبالغة وادعاء. هذا ما ظهر لى فى الآية، ثم رأيت بعضه لجار الله، والقاضى، وشيخ الإسلام، والسكوت مصدر لسكت بمعنى ترك التكلم، ولسكت بمعنى سكن، وقال الزجاج: إن مصدر هذا سكت بفتح السين وإسكان الكاف، يقتضى أن سكت بمعنى سكن حقيقة وفعل على حدة، وقيل ذلك من القلب، أى سكت موسى عن الغضب، كقولك: أدخلت الخاتم فى أصبعى، والأصل أدخلت أصبعى في الخاتم، وحكاه بعضهم، وتوهم أنه لا استعارة فيه، وأنه حقيقة، وليس كذلك، بل هو من الاستعارة، فإن الغضب ليس مما يسكت عنه، وإنما يسكت عن الكلام، وقرئ: ولما سكت بالتشديد والبناء للمفعول، وفى مصحف حفصة: ولما أسكت بالهمزة والبناء للمفعول، وفى مصحف ابن مسعود: ولما صبر، وفاعل ذلك الله أو هارون باعتذاره، أو القوم بتوبته أو هما، قال النقاش: وفى مصحف أبىّ ولما اشتق عن موسى الغضب أى زال عنه، وقرأ معاوية بن قرة: ولما سكن، وليس فيهما المبالغة والبلاغة المذكورتان. {أخَذَ الألواحَ} ما كسر وما لم يكسر، وقال الإمام الرازي، هذا يدل على أن الألواح لم تكسر، ولم يرفع من التوراة شئ اهـ. المشهور أنه أنكسر بعضها كما مر ورفع ما فى المنكسر، وقيل: ذهب بالانكسار ولم يتبين {وفي نُسْختها} أى ما نسخ فيها، أى كتب كالخطبة بمعنى الألفاظ المخطوب بها، والضحكة بإسكان الحاء بمعنى الإنسان المضحوك عليه، ونسخ فيها من اللوح المحفوظ، وقيل: وفيما نسخ منها أو ينسخ، وذلك أنهم نسخوا ما فى الألواح المنكسرة وغيرها على القول بأن ما فى المنكسرة لم يرفع ولم يذهب، أو نسخوا ما فى غير المنكسرة على القول بالرفع، أو الذهاب، وعن ابن عباس: أنها انكسرت كلها فصام أربعين يوما فردت عليه فى لوحين فيهما ما كان فى كلها. {هُدًى} بيان للحق {ورحْمةٌ} إرشاد إلى ما يوجب الإنعام الدائم {للَّذينَ هُم لربِّهم} اللام لام التقوية، دخلت على مفعول الفعل من قوله: {يرْهبُون} أى يخافون لضعفه على العمل بتقدم مفعوله، هذا هو المختار، وعليه ابن هشام، ويجوز أن تكون تعليلية، فمفعول يرهب محذوف أى يرهبون المعاصى لأجل ربهم، أى لتعظيمه أو لعقابه، ولا يصح قول بعضهم: إن المعنى لأجل طاعة ربهم، أو خوف ربهم يرهبون العقاب والوعيد، إلا إن أراد أن طاعة الله أو خوفه خوف إجلال كانت سببا لرهبتهم العقاب، ولو لم يطيعوه ولم يخافوه لقست قلوبهم فيغفلون عن العقاب، فلا يتصفون برهبته، ولا مانع من جمع الخوف خوف إجلال، والخوف خوف عقاب، وعن المبرد متعلق بمصدر، والتقدير: والذين رهبتهم لربهم، ومراده بالتعلق مجرد رجوع المعنى إلى ذلك المصدر، فإن المصدر مبتدأ ولربهم متعلق بمحذوف خبر له لا به.

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} أَى انكف وزال، مجاز مرسل تبعى لعلاقة الإِطلاق والتقييد أَو أَحدهما، فإِن السكوت موضوع لانقطاع الكلام، واعتبر لمطلق الانقطاع، فاستعمل فى جزئى من هذا الانقطاع المطلق، وهو الغضب، أَو شبه انقطاع الغضب بانقطاع الكلام فسماه سكوتاً، واشتق منه سكت، أَو شبه الغضب بإِنسان يغرى موسى عليه الصلاة والسلام ويقول له: قل لقومك كذا وكذا، أَو أَلق الأَلواح وخذ برأس أَخيك. واجرره إِليك. ثم يسكت. ورمز إِلى ذلك باللازم وهو السكوت، فهو تخييل أَو استعارة تصريحية {أَخَذَ الأَلْوَاحَ} التى أَلقاها كلها لأَن المعهود الكل وأَل للعهد، وتقدم بحث ذلك {وَفِى نُسْخَتِهَا} أَى فيما كتب فيها فعلة بمعنى مفعولة، أَى فى مكتوبها وهو الحروف كما هو ظاهر، أَو الأَلفاظ بواسطة الحروف، أَو المعانى بواسطة الأَلفاظ المدلول عليها بالحروف. أَو المراد ما نسخ موسى من الأَلواح المكسورة، وهو أَنسب لأَن أَصل النسخ غير الكتابة الأُولى، إِلا أَن يعتبر أَن الأَلواح نسخت من اللوح المحفوظ، وقال عطاء: فى نسختها، ما بقى منها. وقيل: لقن الله التوراة لموسى فنسخها من قلبه فى الأَلواح المذكورة، والمشهور أَنها جاءَت مكتوبة من الله عز وجل {هُدًى} من الضلال إِلى الحق فى الدنيا {وَرَحْمَةٌ} أَى إِنعام فيها وفى الآخرة، أَو إِرشاد إِلى الصلاح ديناً ودنيا {لِلَّذِينَ} تنازعه هدى ورحمة، أَو هو نعت لهما {هُمْ لِرَبِّهِمْ} منصوب بقوله {يَرْهَبُونَ} وقوى باللام لضعفه بتقديم المنصوب، فهى لام التقوية كقوله تعالى "أية : إِن كنتم للرؤيا تعبرون" تفسير : [يوسف: 43] والأَصل الذين هم يرهبون ربهم، أَو التقدير يرهبون المعاصى أَو العقاب لأَجل ربهم، فاللام للتعليل والتقديم على كل وجه للاختصاص والفاصلة، وعلى طريقة العرب فى التقديم للاهتمام.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} شروع في بيان بقية الحكاية أثر ما بين تحزب القوم إلى مصر وتائب، والإشارة إلى مآل كل منهما إجمالاً، أي ولما سكت عنه الغضب باعتذار أخيه وتوبة القوم، وهذا صريح في أن ما حكى عنهم من الندم وما يتفرع عليه كان بعد مجىء موسى عليه السلام، وقيل: المراد ولما كسرت سَوْرَة غضبه عليه السلام وقل غيظه باعتذار أخيه فقط لا أنه زال غضبه بالكلية لأن توبة القوم ما كانت خالصة بعد، وأصل السكوت قطع الكلام، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبه الغضب بشخص ناه آمر وأثبت له السكوت على طريق التخييل، وقال السكاكي: إن فيه استعارة تبعية حيث شبه سكون الغضب وذهاب حدته بسكون الآمر الناهي والغضب قرينتها، وقيل: الغضب استعارة بالكناية عن الشخص الناطق والسكوت استعارة تصريحية لسكون هيجانه وغليانه فيكون في الكلام مكنية قرينتها تصريحية لا تخييلية، وإياً ما كان ففي الكلام مبالغة وبلاغة لا يخفى علو شأنهما، وقال الزجاج: مصدر سكت الغضب السكتة ومصدر سكت الرجل السكوت وهو يقتضي أن يكون سكت الغضب فعلاً على حدة؛ وقيل ونسب إلى عكرمة: إن هذا من القلب وتقديره ولما سكت موسى عن الغضب، ولا يخفى أن السكوت كان أجمل بهذا القائل إذ لا وجه لما ذكره. وقرأ معاوية بن قرة {سكن} والمعنى على ذلك ظاهر إلا أنه على قراءة الجمهور أعلى كعباً عند كل ذي طبع سليم وذوق صحيح، وقرىء {سكت} بالبناء لما لم يسم فاعله والتشديد للتعدية و {أسكت} بالبناء لذلك أيضاً على أن المسكت هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون. {أَخَذَ ٱلاْلْوَاحَ} التي ألقاها {وَفِى نُسْخَتِهَا} أي فيما نسخ فيها وكتب، ففعلة بمعنى مفعول كالخطبة، والنسخ الكتابة، والإضافة بيانية أو بمعنى في، وإلى هذا ذهب الجبائي وأبو مسلم وغيرهما، وقيل: معنى منسوخة ما نسخ فيها من اللوح المحفوظ، وقيل: النسخ هنا بمعنى النقل، والمعنى فيما نقل من الألواح المنكسرة. وروي عن ابن عباس وعمرو بن دينار أن موسى عليه السلام لما ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر صام أربعين يوماً فرد عليه ما ذهب في لوحين وفيهما ما في الأول بعينه فكأنه نسخ من الأول {هُدًى} أي بيان للحق عظيم {وَرَحْمَةً} جليلة بالإرشاد إلى ما فيه الخير والصلاح {لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} أي يخافون أشد الخوف، واللام الأولى متعلقة بمحذوف وقع صفة لما قبله أو هي لام الأجل أي هدى ورحمة لأجلهم، والثانية لتقوية عمل الفعل المؤخر كما في قوله سبحانه: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } تفسير : [يوسف: 43] أو هي لام العلة والمفعول محذوف أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم لا للرياء والسمعة، واحتمال تعلقها بمحذوف أي يخشون لربهم كما ذهب إليه أبو البقاء بعيد.

ابن عاشور

تفسير : نظم هذا الكلام مثل نظم قوله: {أية : ولما سقط في أيديهم} تفسير : [الأعراف: 149] وقوله: {أية : ولما رجع موسى إلى قومه غضبان}تفسير : [الأعراف: 150]، أي: ثم سكَت عن موسى الغضب ولَمّا سكت عنه أخذ الألواح. وهذه الجملة عطف على جملة {أية : ولما رجع موسى إلى قومه}تفسير : [الأعراف: 150]. والسكوت مستعار لذهاب الغضب عنهُ، شُبّه ثَوَرانُ الغضب في نفس موسى المنشىء خواطر العقوبة لأخيه ولقومه، وإلقاء الألواح حتى انكسرت، بكلام شخصُ يغريه بذلك، وحسّن هذا التشبيه أن الغضبان يجيش في نفسه حديث للنفس يدفعه إلى أفعال يطفىء بها ثَوران غضبه، فإذا سكن غضبه وهدَأت نفْسه كان ذلك بمنزلة سكوت المغري، فلذلك أطلق عليه السكوت، وهذا يستلزم تشبيه الغضب بالناطق المغري على طريقة المكنية، فاجتمع استعارتان، أو هو استعارة تمثيلية مكنية؛ لأنه لم تذكر الهيئة المشبهُ بها ورُمزَ إليها بذكر شيء من رَوادفها وهو السكوت، وفي هذا ما يؤيد أن إلقاء الألواح كان أثر للغضب. والتعريف في {الألواح} للعهد، أي الألواح التي ألقاها، وإنما أخذها حفظاً لها للعمل بها، لأن انكسارها لا يضيع ما فيها من الكتابة. والنُسخة بمعنى المنسوخ، كالخُطبة والقُبضة، والنّسخ هو نقللِ مثل المكتوب في لوح أو صحيفة أخرى، وهذا يقتضي أن هذه الألواح أخذت منها نسخة، لأن النسخة أضيفت إلى ضمير الألواح، وهذا من الإيجاز، إذ التقدير: أخذ الألواح فجُعلت منها نسخة وفي نسختها هدى ورحمة، وهذا يشير إلى ما في التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر الخروج «ثم قال الرب لموسى إنحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتُبُ أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما» ــــ ثم قال ــــ «فنحت لوحين من حجر كالأولين إلاهان» ــــ قال ــــ «وقال الرب لموسى أكتُبْ لنفسك هذه الكلمات» ــــ إلى أن قال ــــ «فكتَب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر». فوصْفُ النسخة بأن فيها هدى ورحمة يستلزم الأصل المنتسخ بذلك، لأن ما في النسخة نظيرُ ما في الأصل، وإنما ذكر لفظ النسخة هنا إشارة إلى أن اللوحتين الأصليين عوضا بنسخة لهما، وقد قيل إن رضاض الألواح الأصلية وضعه في تابوت العهد الذي أشار إليه قوله تعالى: {أية : أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى} تفسير : في سورة البقرة (248). وقوله: {للذين هم لربهم يرهبون} يتنازع تعلّقه كلٌ من {هدى} و{رحمة}، واللام في قوله: {لربهم يرهبون} لام التقوية دخلت على المفعول لضعف العامل بتأخيره عن المعمول.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 154- ولما ذهب عن موسى الغضب باعتذار أخيه، عاد إلى الألواح التى ألقاها وأخذها، وفيما نُسِخَ فيها هدى وإرشاد وأسباب رحمة، للذين يخافون غضب ربهم. 155- ثم أمر اللَّه موسى أن يأتيه فى جماعة من قومه يعتذرون عَمَّن عبدوا العجل، ووعدهم موْعدا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل، وهم يمثلون قومه، وذهب بهم إلى الطور، وهنالك سألوا اللَّه أن يكشف عنهم البلاء، ويتوب على من عبد العجل منهم، فأخذتهم فى ذلك المكان زلزلة شديدة غشى عليهم بسببها، وهذا لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر، فلما رأى موسى ذلك قال: يا رب لو شئت إهلاكهم أهلكتهم من قبل خروجهم إلى الميقات، وأهلكتنى معهم، ليرى ذلك بنو إسرائيل فلا يتهمونى بقتلهم فلا تهلكنا يا رب بما فعل الجُهَّال منا، فما محنة عبدة العجل إلا فتنة منك، أضللت بها من شئت إضلاله ممن سلكوا سبيل الشر، وهديت بها من شئت هدايته. أنت القائل وسأكتبها للذين يتقون الكفر والمعاصي من قومك ويؤدي الزكاة المفروضة، يتجاوز عن السيئات وأنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا. 156- ولأنك يا رب خير من يغفر نسألك أن تقدّر لنا فى هذه الدنيا حياة طيبة، وتوفيقا للطاعة، وفى الآخرة مثوبة حسنة ورحمة، لأننا رجعنا إليك وتبنا إليك، فقال له ربه: عذابى أصيب به من أشاء ممن لم يتب، ورحمتى وسعت كل شئ، وسأكتبها للذين يتقون الكفر والمعاصى من قومك، ويؤدون الزكاة المفروضة، والذين يصدقون بجميع الكتب المنزلة.

القطان

تفسير : السكوت: ترك الكلام، وهنا معناه: لما ذهب الغضب عن موسى. وفي نسختها: ما كتب منها هدى: بيان للحق الرهبة: اشد الخوف. بعد ان ذكر الله حال القوم وبين انهم قسمان: قسم مصرّ على الذنب وعبادة العجل، وقسم تائب منيب الى ربه - ذكَر هنا بيان حال موسى بعد ان سكنتْ سَورة غضبه. ولما ذهب عن موسى الغضبُ باعتذار أخيه، عاد الى الالواح التي ألقاها، فأخذها، وكان فيها الهدى والرشاد، واسباب الرحمة للّذين يخافون الله ويرجون ثوابه.

د. أسعد حومد

تفسير : (154) - وَلَمَّا سَكَنَ غَضَبُ مُوسَى باعتِذارِ أخيهِ إِلَيهِ، وَبَعْدَ أَنْ لَجأَ إِلَى اللهِ بالدُّعَاءِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَلأخِيهِ خَطَايَاهُمَا، عَادَ إِلى الألوَاحِ فَأَخَذَهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَ أَلْقَاهَا مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، فَوَجَدَ فِيهَا أَحْكَاماً وأوامِرَ وَنَوَاهِيَ، إِذا أَخَذَ بِهَا الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، رَحِمَهُمُ اللهُ. (أَوْ أَنَّها هُدًى وَرَحْمَةٌ لِمَنْ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهل للغضب سكوت؟ هل للغضب مشاعر حتى يسكت؟ نعم؛ لأن الغضب هيجان النفس لتعمل عملاً نزوعيًّا أمام من أذنب، فكأن الغضب يلح عليه، ويقول للغاضب: اضرب، اشتم، اقتل. كأن الغضب قد مُثِّل وصُوِّر في صورة شخص له قدرة إصدار الأوامر، فشبَّه الله الغضب بصورة إنسان يلح على موسى في أن يفعل كذا، ويفعل كذا، فلما قال الله ذلك كأن الغضب قد سكت عنه. أو هو كما قال إخواننا العلماء: من القلب في اللغة، أي أنه يقلب المسألة، اتكالاً على أن فطنة السامع سترد كل شيء إلى أصله؛ كما نسمع في اللغة: خرق الثوبُ المسمارَ، نفهم من هذا القول أن المسمار هو الذي قام بخرق الثوب؛ لأننا لن نتخيل أنّ الثوب يخرق مسماراً. ويسمى ذلك "القلب" أي أن يأتي بمسألة مقلوبة تفهمها فطنة السامع. أو أن المسمار مستقر في مكانه، والثوب هو الذي طرأ عليه فانخرق، فيكون سبب الخرق من الثوب، فكأن الفاعلية الحقيقية من الثوب: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ}. أو تكون كلمة (سكت) كناية عن أن الغضب زال وانتهى. {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] وأول عمل قام به موسى ساعة أن كان غضبان أسفاً أنه ألقى الألواح، وأول ما ذهب الغضب عنه وزايله أخذ الألواح، وهذا أمر منطقي، فالغضب جعله يلقي الألواح، ويأخذ برأس أخيه، ثم فهم ما فعله أخوه واعتذر به فقبل عذره، وطلب من الله أن يغفر له، وأن يغفر لأخيه وانتهى الغضب وكانت الألواح ملقاة فأخذها ثانية. {... وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] النسخة من الكتاب مأخوذة من الشيء المنسوخ أي المنقول من مكان إلى مكان، ويقال: نسخت الكتاب الفلاني من الكتاب الفلاني. أي أن هناك كتاباً مخطوطاً ثم نقلناه بالطباعة أو بالكتابة إلى نسخة أو عدد من النسخ، أي أخذته من الأصل إلى الصورة، واسمه منسوخ، وكلمة نُسخة على وزن "فُعْلَة" وتأتي بمعنى مفعولة، فنسخة تعني منسوخة، وفي القرآن مثل هذا كثير. والحق سبحانه وتعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ...} تفسير : [البقرة: 249] و"غُرْفة" أي مغروفة، وهي القليل من المياه في اليد لتبل الريق فقط، والغرفة أيضاً تكون في البيوت؛ لأنها مكان متقطع من مكان آخر ولها جدران تحددها. واسمها غرفة لأنها مغروفة من المكان في حيز مخصوص. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ}. و"هدى" المقصود بها المنهج الموصل للغاية في "افعل" و"لا تفعل". إنّه يوصل للغاية وهي ثواب الآخرة. إذن فالهدى والرحمة شيء واحد له طرفان، فالهدى هو المنهج الذي إن اتبعته تصل إلى الرحمة، ولذلك يقول الحق: {هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}. وهكذا نجد المنهج هدى ورحمة، فمن يسمع كلام الله ويتبعه يهتدي ويرحمه ربنا؛ لأنه جعل الله في باله, وخاف من صفات الجبارية في الحق، ولهذا لابد أن يستحضر الإِنسان أو المؤمن رهبته لربه وخوفه منه - سبحانه - ليكون المنهج هدى ورحمة له. ويكون من الذين يرهبون ربهم. وساعة ترى المفعول تقدم في مثل قوله سبحانه هنا: {... لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] نفهم أن هذا هو ما يسمى في اللغة "اختصاص" وقََصْر مثلما قال الحق في فاتحة الكتاب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. وما الفرق بين {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} و "نعبدك"؟ إن قلنا: "نعبدك" فهو قول لا يمنع من العطف عليه، فقد نعبدك ونعبد الشركاء معك؛ لكن قولنا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي خصصناك بالعبادة وقصرناها عليك سبحانك فلا تتعدى إلى غيرك. إذن حين تقدم المفعول فهذا هو عمل الاختصاص. ومثال ذلك في حياتنا حين نقول: "أكرمتك"، ولا مانع أن نقول بعدها "وأكرمت زيداً وأكرمت عمراً". لكن إن قلت: إياك أكرمت، فهذا يعني أني لم أكرم إلا إياك. وهنا يقول الحق: {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}. ولقائل أن يقول: ألا يمكن أن يدعي أحد الرهبة ظاهراً وأنه ممتثل لأمر الله رياء أو سمعة حتى يقول الناس: إن فلاناً حسن الإِسلام، ويأخذون في الثناء عليه؟ ولكن هنا نجد التخصيص الذي يدل على أن العبد لا يرهب أحداً غير الله، وأن الرهبة خالصة لله، وليست رياء، ولا سمعة، ولا لقصد الثناء. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} معناهُ سَكنٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر أن رضا الرب في سكون الغضب بقوله تعالى: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} [الأعراف: 154] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} [الأعراف: 154] إشارة إلى أن موسى عليه السلام الروح مهما اتصف بصفة من صفات النفس مثلاً: الغضب وغيره وباقي ما لاح له من اللوائح الربانية عند استيلاء تلك الصفة، ولمَّا سكت عنه تلك الصفة واضمحلت يعود إليه ما كان بحاله من تلك اللوائح الربانية والكشوف الربانية، {وَفِي نُسْخَتِهَا} [الأعراف: 154]؛ أي: في المنتسخ منها؛ يعني: في الذي عاد إلى الروح من اللوائح التي ألقاها عند غلبة صفة من صفات النفس {هُدًى} [الأعراف: 154] ما يهدي إلى الحق {وَرَحْمَةٌ} [الأعراف: 154] ما هو يرحم، {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154]؛ أي: على أهل الرغبة والرهبة ممن يرغب إلى الله بصدق الطلب، ويرهب من عذاب أليم والانقطاع عنه. ثم أخبر عن اختيار أهل الاختيار بقوله تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155] إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] الإشارة فيها: أن الله تعالى امتحن موسى عليه السلام باختيار قومه، كما قال تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} ليعلم أن المختار من الخلق من اختاره الله لا الذي اختاره الخلق، وأن لله الاختيار الحقيقي؛ لقوله تعالى: {أية : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ}تفسير : [القصص: 68] وليس للخلق الاختيار الحقيقي لقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ}تفسير : [القصص: 68] ثم استخرج من القوم المختار ما كان موجباً للرجفة والصعقة والمهالك وهو: سوء الأدب في سؤال الرؤية جهاراً، وكان ذلك مستوراً عن نظر موسى عليه السلام متمكناً في جبلتهم وكان الله المتولي للسرائر، وحكم موسى بظاهر صلاحتيهم فأراه الله تعالى أن الذين اختارهم يكون مثلك لقوله تعالى {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ}تفسير : [طه: 13]، والذي يختاره يكون كالقوم، فلما تحقق موسى عليه السلام أن المختار من اختاره الله حكم بسفاهة القوم، وأظهر الاستكانة والتضرع والاعتذار والتوبة والإنابة والاستغفار والاسترحام، كما قال تعالى: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} [الأعراف: 155] وفيه إشارة أخرى: أن نار شوق الرؤية كما كانت متمكنة في قلب موسى عليه السلام بالقوة، وإنما ظهرت بالفعل بعد أن سمع كلام الله تعالى، فإن من اصطكاك حجر القلب ظهرت شرر نار الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان الصدوق وصعدت شعلة السؤال، {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]، كذلك كانت نار الشوق متمكنة في أحجاره قلوب العوام فباصطكاك زناد سماع الكلام ظهر شوق الشرر فاشتغل منه كبريت اللسان، ولمَّا لم يكن اللسان لسان النبوة صعد منه دخان السؤال الموجب للصعقة والرجفة؛ والسر فيه أن يعلم موسى عليه السلام وغيره أن قلوب العباد مختصة بكرامة إيداع المحبة فيها؛ لئلا يظن موسى أنه مخصوص به، ويعذره غيره عن تلك المسألة فإنها من غلبات الشوق فظهر عند استماع كلام المحبوب؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه"تفسير : وبالأصبعين يشير إلى صفات الجمال والجلال، وليس لغير الإنسان قلب مخصوص بهذه الكرامة، وإقامة القلب في أن يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب عليه الشوق والمحبة لطفاً ورحمة، وإزاغته في أن يجعله مرآة صفات الجلال فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهراً وعزة، فالنكتة فيه أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143] قدم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية، فإن نار الشوق تصاعدت بسوء الأدب، فقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة: 55] قدموا الجحود والإنكار وأخروا طلب الرؤية جهاراً {أية : فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ}تفسير : [البقرة: 55] بظلمهم، فشتان بين صعقة موسى عليه السلام وبين صعقة قومه، فأن صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلي الربوبية، وإن صعقتهم كان صعقة القهر عند إظهار العزة والعظمة، ولمَّا كان موسى عليه السلام في مقام التوحيد ثابتاً كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله تعالى، فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً له، فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر بأقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ} [الأعراف: 155]؛ أي: تزيغ قلب من تشاء بإصبع صفة القهر. {وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} [الأعراف: 155]؛ أي: تقيم قلب من تشاء بأصبع صفة اللطف؛ ليرى جمالك في مرآة القلب، {أَنتَ وَلِيُّنَا} [الأعراف: 155] المتولي لأمورنا والناظر في هدايتنا، {فَٱغْفِرْ لَنَا} [الأعراف: 155] ما صدر منا، {وَٱرْحَمْنَا} [الأعراف: 155] بنعمة الرؤية التي ساكناها، {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155]؛ أي: خير من يستر على ذنب المذنبين؛ يعني أنهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤالهم، وأنت الذي تستر الذنب وتبدل السيئات بالحسنات وتعطي سؤال أهل الزلات، {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} [الأعراف: 156] بعد حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولخواص أمته هذه الحسنة في الدنيا. {وَفِي ٱلآخِرَةِ} [الأعراف: 156]؛ يعني: خصنا بهذه الفضيلة في الدنيا والآخرة {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]؛ أي: رجعنا إليك في طلب هذه الفضيلة في السر لا بالعلانية وأنت الذي تعلم السر وأخفى؛ فأجابهم الله تعالى سراً بسر وإضماراً بإضمار، {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} [الأعراف: 156]؛ أي: بصفة قهري آخذ من أشاء، وبقراءة من قرأ أساء من الإساءة؛ أي: من أساء في الأدب عند سؤال الرؤية، قالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة: 55]، آخذهم على سوء أدبهم، فأدبهم تأديب عذاب الفرقة، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] نعمة وإيجاداً وتربية، {فَسَأَكْتُبُهَا} [الأعراف: 156] مني حسنة الرؤية والرحمة التي أنتم تسألونها، {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} [الأعراف: 156]؛ يعني: يتقون الله عن غيره، ويؤتون عن نصاب هذا المقام الزكاة طلابه، {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعرالإ: 156] الذين هم يؤمنون؛ يعني: الذين هم يؤمنون بأنوار شواهد الآيات لا بالتقليد بل بالتحقيق وهم خواص هذه الأمة، كما عرف أحوالهم وصرَّح أعمالهم بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ}تفسير : [الأعراف: 157].