٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
153
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} من الكفر والمعاصي. {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا} من بعد السيئات. {وَءامَنُواْ} واشتغلوا بالإِيمان وما هو مقتضاه من الأعمال الصالحة. {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} من بعد التوبة. {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل وكثر كجرائم بني إسرائيل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ } رجعوا عنها {مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ } بالله {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي التوبة {لَغَفُورٌ } لهم {رَّحِيمٌ } بهم.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود . أنه سئل عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، فتلا {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم}
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} أيَّ سيئةٍ كانت. {ثُمَّ تَابُواْ} عن تلك السيئات {مِن بَعْدِهَا} أي من بعد عملها {وَءامَنُواْ} إيماناً صحيحاً خالصاً واشتغلوا بإقامة ما هو من مقتضياته من الأعمال الصالحةِ ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا كالطائفة الأولى {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي من بعد تلك التوبةِ المقرونةِ بالإيمان {لَغَفُورٌ} للذنوب وإن عظُمت وكثُرت {رَّحِيمٌ} مبالِغٌ في إفاضة فنونِ الرحمةِ الدنيويةِ والأخروية، والتعرّضُ لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام للتشريف. {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} شروعٌ في بـيان بقيةِ الحكايةِ إثرَ ما بـيّن تحزب القوم إلى مصر وتائب والإشارةِ إلى مآل كلٍّ منهما إجمالاً أي لما سكن عنه الغضبُ باعتذار أخيه وتوبةِ القوم، وهذا صريحٌ في أن ما حُكي عنهم من الندم وما يتفرّع عليه كان بعد مجيءِ موسى عليه الصلاة والسلام، وفي هذا النظم الكريمِ من البلاغة والمبالغةِ بتنزيل الغضبِ الحاملِ له على ما صدر عنه من الفعل والقول منزلةَ الآمرِ بذلك المُغري عليه بالتحكم والتشديد، والتعبـيرِ عن سكوته بالسكوت ما لا يخفى، وقرىء سَكَن وسكَت وأسكتَ على أن الفاعل هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} التي ألقاها {وَفِى نُسْخَتِهَا} أي فيما نُسخ فيها وكُتب، فُعلة بمعنى مفعول كالخُطبة وقيل: فيما نسخ منها أي من الألواح المنكسرة {هُدًى} أي بـيانٌ للحق {وَرَحْمَةً} للخلق بإرشادهم إلى ما فيه الخيرُ والصلاح {لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ} اللامُ الأولى متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرحمة أي كائنةٌ لهم أو هي لامُ الأجَل أي هدى ورحمةٌ لأجلِهم، والثانيةُ لتقوية عمل الفعلِ المؤخّر كما في قوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } تفسير : [يوسف: 43] أو هي أيضاً لامُ العلة والمفعولُ محذوفٌ أي يرهبون المعاصيَ لأجل ربهم لا للرياء والسمعة {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} شروعٌ في بـيان كيفية استدعاءِ التوبةِ وكيفية وقوعِها واختار يتعدّى إلى اثنين ثانيهما مجرورٌ بمن أي اختار من قومه بحذف الجارّ والمجرور وإيصالِ الفعل إلى المجرور كما في قوله: شعر : اختارك الناسَ إذْ رثَّتْ خلائِقُهم واعتلّ مَنْ كان يُرجَى عنده السُّولُ تفسير : أي اختارك من الناس {سَبْعِينَ رَجُلاً} مفعولٌ لاختار أُخِّر عن الثاني لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر {لّمِيقَـٰتِنَا} الذي وقتناه بعد ما وقع من قومه ما وقع لا لميقاتِ الكلام الذي ذكر قبل ذلك كما قيل. قال السدي: أمره الله تعالى بأن يأتيَه في ناس من بني إسرائيلَ يعتذرون إليه من عبادة العجلِ ووعدهم موعداً فاختار عليه السلام من قومه سبعين رجلاً. وقال محمد بن إسحَاقَ: اختارهم ليتوبوا إليه تعالى مما صنعوه ويسألوه التوبةَ على مَنْ تركوهم وراءهم من قومهم، قالوا: اختار عليه الصلاة والسلام من كل سِبطٍ ستةً فزاد اثنانِ فقال: ليتخَلَّفْ منكم رجلان فتشاحّوا فقال عليه الصلاة والسلام: إن لمن قعد مثلَ أجرِ من خرج فقعد كالبُ ويوشَعُ وذهب من الباقين وأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويُطهِّروا ثيابهم فخرج بهم إلى طور سَيْنا فلما دنَوا من الجبل غشِيَه غمامٌ فدخل موسى بهم الغمامَ وخرّوا سُجّداً فسمِعوه تعالى يكلم موسى يأمرُه وينهاه حسبما يشاءُ وهو الأمرُ بقتل أنفسِهم توبةً {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} مما اجترأوا عليه من طلب الرؤيةِ فإنه يُروىٰ أنه لما انكشف الغمامُ أقبلوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتهم الرجفةُ أي الصاعقةُ أو رجفةُ الجبل فصُعِقوا منها أي ماتوا ولعلهم أرادوا بقولهم: لن نؤمنَ لك، لن نصدِّقك في أن الآمِرَ بما سمعنا الأمرَ بقتل أنفسِهم هو الله تعالى حتى نراه حيث قاسوا رؤيتَه تعالى على سماع كلامِه قياساً فاسداً. فحين شاهد موسى تلك الحالةَ الهائلة. {قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ} أي حين فرّطوا في النهي عن عبادة العجلِ وما فارقوا عبَدَتَه حين شاهدوا إصرارَهم عليها {وَإِيَّـٰىَ} أيضاً حين طلبتُ منك الرؤيةَ أي لو شئتَ إهلاكَنا بذنوبنا لأهلكتَنا حينئذ، أراد به عليه السلام تذكيرَ العفوِ السابقِ لاستجلاب العفوِ اللاحقِ فإن الاعترافَ بالذنب والشكرَ على النعمة مما يربِط العتيدَ ويستجلب المزيد، يعني إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه إلا عدمُ مشيئتِك إياه فحيث لطَفْتَ بنا وعفوتَ عنا تلك الجرائمَ فلا غروَ في أن تعفوَ عنا هذه الجريمةَ أيضاً، وحملُ الكلام على التمني يأباه قوله تعالى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا} أي الذين لا يعلمون تفاصيلَ شؤونِك ولا يتثبتون في المداحض، والهمزةُ إما لإنكار وقوعِ الإهلاكِ ثقةً بلطف الله عز وجل كما قاله ابن الأنباري أو للاستعطاف كما قاله المبرد أي لا تهلكنا {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} استئنافٌ مقررٌ لما قبله واعتذارٌ عما صنعوا ببـيان منشأ غلطِهم أي ما الفتنةُ التي وقع فيها السفهاءُ وقالوا بسببها ما قالوا من العظيمة إلا فتنتُك أي محنتُك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامَك فافتتنوا بذلك ولم يتثبتوا فطمِعوا فيما فوق ذلك تابعين للقياس الفاسد وقوله تعالى: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء} إما استئنافٌ مبـينٌ لحُكم الفتنةِ أو حالٌ من فتنتك أي حالَ كونِها مضِلاًّ بها الخ، أي تُضل بسببها من تشاء إضلالَه فلا يهتدي إلى التثبت وتهدي من تشاء هِدايتَه إلى الحق فلا يتزلزل في أمثالها فيقوىٰ بها إيمانُه {أَنتَ وَلِيُّنَا} أي القائمُ بأمورنا الدنيويةِ والأخرويةِ وناصرُنا وحافظُنا لا غيرُك {فَٱغْفِرْ لَنَا} ما قارفناه من المعاصي والفاءُ لترتيب الدعاءِ على ما قبله من الولاية كأنه قيل: فمن شأن الوليِّ المغفرةُ والرحمةُ، وقيل: إن إقدامَه عليه الصلاة والسلام على أن يقول: إن هي إلا فتنتُك الخ، جراءةٌ عظيمةٌ فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوزَ عنها {وَٱرْحَمْنَا} بإفاضةِ آثارِ الرحمةِ الدنيويةِ والأخروية علينا {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لما قبله من الدعاء، وتخصيصُ المغفرةِ بالذكر لأنها الأهمُّ بحسب المقام.
القشيري
تفسير : وَصَفَهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها، ثم قال: {مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة، أو آمنوا بأن الحق سبحانه لم يُضِرْه عصيانٌ، أو آمِنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله، أو آمنوا أي عَدُّوا ما سبق منهم من نّقض العَهْدِ شِرْكاً. ويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان. أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله، إذ ليس كل مرة تسلم الجرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين عملوا السيآت} أية سيئة كانت {ثم تابوا} من تلك السيآت {من بعدها} اى من بعد عملها {وآمنوا} ايمانا صحيحا خالصا واشتغلوا بما هو من مقتضياته من الاعمال الصالحة ولم يصروا على ما فعلوه كالطائفة الاولى {ان ربك من بعدها} اى من بعد تلك التوبة المقرونة بالايمان {لغفور} للذنوب وان عظمت وكثرت {رحيم} مبالغ فى افاضة فنون الرحمة الدنيوية والاخروية. والاشارة {أية : ان الذين اتخذوا العجل} تفسير : [الأعراف: 152]. عجل الهوى آلها يدل عليه قوله {أية : أفرأيت من اتخذ آلهه هواه سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا} تفسير : يعنى عبادة الهوى موجبة لغضب الله تعالى دل عليه قول النبى عليه الصلاة والسلام "حديث : ما عبد فى الارض اله ابغض على الله من الهوى " . تفسير : وان عابد الهوى يكون ذليل شهوات النفس واسير صفاتها الذميمة من الحيوانية والسبعية والشيطانية ما دام يميل الى الحياة الدنيوية {أية : وكذلك نجزى المفترين} تفسير : [الأعراف: 152]. يعنى وكذلك نجازى بالغضب والطرد والابعاد والذلة عباد الهوى المدعين الذين يفترون على الله انه اعطاها قوة لا تضربنا عبادة الهوى المدعين الذين يفترون على الله انه اعطانا قوة لا تضربنا عبادة الهوى والدنيا ومتابعة النفس وشهواتها {والذين عملوا السيآت} يعنى سيآت عبادة الهوى والدنيا والافتراء على الله تعالى {ثم تابوا من بعدها وآمنوا} بعبودية الحق تعالى وطلبه بالصدق {ان ربك من بعدها} اى من بعد ترك عبادة الهوى والرجوع الى طلب الحق {لغفور رحيم} يعنى يعفو عنهم تلك السيآت ويرحمهم بنيل القربات والكرامات كذا فى التأويلات النجمية. واعلم ان التوبة عند المعتزلة علة موجبة للمغفرة وعندنا سبب محض للمغفرة والتوبة الرجوع اذا وصف بها العبد كان المراد بها الرجوع عن المعصية واذا وصف بها البارى تعالى اريد بها الرجوع عن العذاب بالمغفرة. والتوبة على ضربين ظاهر وباطن. فالظاهر هو التوبة من الذنوب الظاهرة وهى مخالفات ظواهر الشرع وتوبتها ترك المخالفات واستعمال الجوارح بالطاعات. والباطن هو توبة القلب من ذنوب الباطن وهى الغفلة عن الذكر حتى يتصف به بحيث لو صمت لسانه لم يصمت قلبه وتوبة النفس قطع علائق الدنيا والاخذ باليسير والتعفف. وتوبة العقل التفكر فى بواطن الآيات وآثار المصنوعات. وتوبة الروح التحلى بالمعارف الآلهية. وتوبة السر التوجه الى الحضرة العليا بعد الاعراض عن الدنيا والعقبى: قال حضرة جلال الدين الرومى قدس سره شعر : كرسيه كردى تونامه عمر خويش توبه كن زانها كه كردستى توبيش [1] عمر اكر بكذشت بيخش اين دم است آب توبش ده اكر اوبى نم است جون برآرند از بشيمانى انين عرش لرزد از انين المذنبين [2] تفسير : والعبد اذا رجع عن السيئة واصلح عمله اصلح الله تعالى شأنه واعاد عليه نعمه الفائتة. عن ابراهيم بن ادهم بلغنى ان رجلا من بنى اسرائيل ذبح عجلا بين يدى امه فيبست يده فبينما هو جالس اذ سقط فرح من وكره وهو يتبصبص فاخذه ورده الى وكره فرحمه الله تعالى لذلك ورد عليه يده بما صنع فينبغى للمؤمن ان يسارع الى التوبة والعمل الصالح فان الحسنات يذهبن السيآت. عن ابى ذر رضى الله عنه قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله علمنى عملا يقربنى الى الجنة ويباعدنى عن النار "حديث : قال اذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة فانها عشر امثالها قال الله تالى من جاء بالحسنة فله عشر امثالها" تفسير : فقلت يا رسول الله لا اله الا الله من الحسنات قال "حديث : هى احسن الحسنات". شعر : كار نيكوتر بدان جز ذكر نيست تفسير : والله الهادى.
الطوسي
تفسير : لمَّا توعد الله تعالى الذين عبدوا مع الله غيره وعطف على وعيدهم توعيد المفترين عليه والمتخرصين في دينه ما لم يأمر الله به، عطف على ذلك، فقال {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا} وهي جمع سيئة وهي الخصلة التي تسوء صاحبها عاقبتها، وهي نقيض الحسنة، كما أن الاساءة نقيض الاحسان {ثم تابوا من بعدها وآمنوا} يعني رجعوا الى الله تعالى بعد فعلهم السيِّئة وندموا عليها وعزموا على أن لا يعودوا الى مثلها في القبح، وآمنوا بما أوجب الله عليهم أجمع {إِن ربك} يا محمد {من بعدها} يعني من بعد السيئة {لغفور رحيم} يعني يغفرها لهم ويسترها عليهم، لرحمته بعباده. وقد بينا فيما مضى أن التوبة التي أجمعوا على سقوط العقاب عندها هي الندم على القبيح، والعزم على أن لا يعود الى مثله في القبح، وفي غيرها خلاف، يقال: تاب يتوب توبة و (تاب الله عليه) بمعنى وفقه للتوبة على الدعاء له، و (تاب عليه) أيضا: بمعنى قبل توبته، والتوبة طاعة يستحق بها الثواب بلا خلاف ويسقط العقاب عندها بلا خلاف، إِلا أن عندنا يسقط ذلك تفضلا من الله تعالى بورود السمع بذلك وعند المعتزلة العقل يوجب ذلك. فإِن قيل كيف قال {تابوا من بعدها وآمنوا} والتوبة هي إِيمان؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: أحدها - تابوا من بعد المعصية وآمنوا بتلك التوبة. الثاني - استأنفوا عمل الايمان. الثالث - آمنوا بأن الله قابل التوبة. وقيل: إِن الآية نزلت فيمن تاب من الذين كانوا عبدوا العجل، فانهم تابوا وندموا، وأكثرهم تعبدهم الله بأن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضاً، واستسلموا لذلك، فقتل في يوم واحد سبعون ألفاً ثم رفع عنهم ذلك وقبل توبتهم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا} بالتّوبة العامّة النّبويّة والبيعة الظّاهرة ان لم يكونوا من اهل البيعة الظّاهرة او بالتّوبة الخاصّة الولويّة والبيعة الباطنة ان كانوا من اهل البيعة الظّاهرة او استغفروا بينهم وبين الله وندموا على معاصيهم {وَآمَنُوۤاْ} بقبول الميثاق العامّ واحكامه، او الميثاق الخاصّ واحكامه، او بالبيعة الخاصّة الولويّة ان كان المراد بالتّوبة التّوبة العامّة او اذعنوا بالله ان كان المراد من التّوبة الاستغفار بينهم وبين الله {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} من بعد السّيّئات او التّوبة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} استعار السّكوت للسّكون او شبّه الغضب بالامر استعارة تخييليّة {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} الباقية بعد القائها وانكسار بعضٍ وارتفاع بعضٍ وبقاء بعضٍ {وَفِي نُسْخَتِهَا} ما نسخ منها بالكسر والرّفع او ما نسخ وكتب فى الالواح الباقية {هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} فانّهم المنتفعون بالمواعظ دون من استمعها سماع الاسمار.
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ عَمِلوا السَّيئاتِ} شركا أو نفاقا أو صغائر {ثمَّ تابُوا مِنْ بَعْدها} أى من بعد عملها {وآمنُوا} اشتغلوا بالإيمان وما يقتضيه الإيمان، كالإخلاص وغيره من الأعمال الصالحات، والاعتقادات اللائقات، ومنها أن يعتقد أن الله يقبل التوبة ويغفر الذنب. واعلم أن الاشتغال بالإيمان وما يقتضيه يعم دخول المشرك فى التوحيد والعمل الصالح، ويعم دوام الموحد على توحيد، ويعم إحداثه الصالحات إن لم تكن قبل، والدوام عليها إن كانت هذا تحقيق المقام، وقد يقال: إن فى آمنوا تأكيدا لتابوا من حيث إن التوبة ولو كانت عن ذنب، والإيمان التصديق بالله، لكن التوبة تقتضى العمل بمتضمن الإيمان، وتستلزم الإيمان، ولذلك صح تأخير ذكر الإيمان عنها، وأيضا الواو لا ترتب فى العطف، وتحتمل الحالية، أى وقد آمنوا، أو بدون تقدير قد، ويجوز أن يراد بالذين عملوا السيئات المشركون، والسيئات شركهم، فإنه متعدد، أو شركهم ومعاصيهم مطلقا فيدخل غير المشرك بالأولى. {إنَّ ربَّك مِنْ بَعْدِها} أى من بعد عملها {لغفورٌ} لأجل التوبة منها، ويجوز عود الضمير للتوبة المستفادة من تابوا {رَحيمٌ} منعم غاية الإنعام بعد الغفران، ولا بشارة كهذه حيث كانت التوبة ماحية للشرك فما دونه، وأما الطمع فى غفران كبائر النفاق والصغائر مع الإصرار عن التوبة، فطمع عقيم لا ثمرة له إلا الافتضاح.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ عَمِلُوا} من هؤلاء وغيرهم {السَّيِّئَاتِ} الإِشراك وما دونه {ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا} بعد عملها {وَآمَنُوا} عطف سابق على لاحق، فإِن الإِيمان قبل التوبة أَى ثم آمنوا وتابوا، أَو أُريد بالإِيمان مسببه وهو الثبات عليه والعمل بمقتضاه، أَو نزل الإِيمان الثابت مع المعاصى أَو الشرك منزلة العدم، فقال: ثم تابوا وآمنوا أَى أَخلصوا، والمراد بالإِيمان هنا فى عبارتى مجرد التصديق، والتوبة ترك الكفر، ولا يلزم منه الإِيمان لإِمكان خلو النهى عنهما، أَو الإِيمان بأَن الله سبحانه يقبل توبة التائب {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} أَى لغفور لذنوبهم منعم عليهم من بعد السيئات لتوبتهم، ولا يعاظم الله شئ أَو من بعد التوبة المعلومة من تابوا، والأَول أَولى لأَنه أَشد إِدخالا فى الطمع، وإِبعاداً عن الإِياس.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي سيئة كانت لعموم المغفرة ولأنه لا داعي للتخصيص {ثُمَّ تَابُواْ} عنها {مِن بَعْدِهَا} أي من بعد عملها وهو تصريح بما تقتضيه ثم {وَءَامَنُواْ} أي واشتغلوا بالإيمان وما هو مقتضاه وبه وتمامه من الأعمال الصالحة ولم يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى، وهو عطف على {تَابُواْ}، ويحتمل أن يكون حالاً بتقدير قد، وإياً ما كان فهو على ما قيل: من ذكر الخاص بعد العام للاعتناء به لأن التوبة عن الكفر هي الإيمان فلا يقال: التوبة بعد الإيمان كيف جاءت قبله. وقيل: حيث كان المراد بالإيمان ما تدخل فيه الأعمال يكون بعد التوبة. وقيل: المراد به هنا التصديق بأن الله تعالى يغفر للتائب أي ثم تابوا وصدقوا بأن الله تعالى يغفر لمن تاب. {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي من بعد التوبة المقرونة بما لا تقبل بدونه وهو الإيمان، ولم يجعل الضمير للسيئات لأنه كما قال بعض المحققين لا حاجة له بعد قوله سبحانه: {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا} لا لأنه يحتاج إلى حذف مضاف ومعطوف من عملها والتوبة عنها لأنه لا معنى لكونه بعدها إلا ذلك {لَغَفُورٌ} لذنوبهم وإن عظمت وكثرت {رَّحِيمٌ} مبالغ في إفاضة فنون الرحمة عليهم، والموصول مبتدأ وجملة {إِنَّ رَبَّكَ} الخ خبر والعائد محذوف، والتقدير ـ عند أبـي البقاء ـ لغفور لهم رحيم بهم، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل: الخطاب للتائب، ولا يخفى لطف ذلك أيضاً، وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل، وما ألطف قول أبـي نواس غفر الله تعالى له:شعر : يا رب إن عظمت ذنوبـي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم تفسير : ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:شعر : ولما قسا قلبـي وضاقت مذاهبـي جعلت الرجا ربـي لعفوك سلماً تعاظمني ذنبـي فلما قرنته بعفوك ربـي كان عفوك أعظماً تفسير : / ويعجبني قول بعضهم: وما أولى هذا المذنب به:شعر : أنا مذنب أنا مخطىء أنا عاصي هو غافر هو راحم هو عافي قابلتهن ثلاثة بثلاثة وستغلبن أوصافه أوصافي
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُوۤاْ} (153) - وَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ فِعْلاً سَيِّئاً، ثُمَّ يَتُوبُونَ بَعْدَ ذلِكَ وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ، وَيُخْلِصُونَ لًَهُ العِبَادَةَ وَالإِيمَانَ، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُمْ ذلِكَ الفِعْلَ السَّيِّئَ، لأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ} إلى قوله {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى} يعني سكن عن موسى {ٱلْغَضَبُ} يدلّ عليه قراءة معاوية بن مغيرة: ولمّا سكن، بالنون. قال أبو النجم: شعر : وهمت الأفعى بأن تسيحا وسكت المكاء أن يصيحا تفسير : وأصله الكف عن الشيء، ومنه الساكت عن الكلام. {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} التي ألقاها وذهب منها ستة أسباعها {وَفِي نُسْخَتِهَا} أي فما نسخ منها. قال عطاء: يعني فيما بقي منها، ولم يذهب من الحدود و [الأحكام] شيء فقال ابن عباس: وعمرو بن دينار: صام موسى أربعين يوماً فلمّا ألقى الألواح فتكسّرت صام مثلها فردّت عليه وأُعيدت له في لوحين مكان الذي انكسر [ولم يفقد منها شيئاً] {هُدًى وَرَحْمَةٌ}. قال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [يخلفون] وقال الراجز: شعر : يصنع الجزع فيها أو استحيوا تفسير : للماء في أجوافها خريراً أي من أصل الجزع {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} أي من قومه فلمّا نزع حرف الصفة نصب كقول الفرزدق: شعر : ومنّا الذي أُختير الرجال سماحة وبراً إذا هبّ الرياح [الزعازع] تفسير : وقال آخر: شعر : اخترتك للناس إذ رثت خلائقهم واعتل مَنْ كان يُرجى عنده السؤل تفسير : أي من الناس، واختلفوا في سبب اختيار موسى السبعين. وقال السدي: أمر الله أن سيأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعد موعداً، واختار موسى من قومه {سَبْعِينَ رَجُلاً} ثمّ ذهب إليه ليعتذر فلمّا أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة وإنّك قد كلّمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا. وقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوه ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم. وقال مجاهد: اختارهم لتمام الموعد. وقال وهب: قالت بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام): إن طائفة يزعمون أنّ الله لا يكلمك ولو كلمك فأقمت لكلامه ألم ترَ أنّ طائفة منّا سألوه النظر إليه فماتوا فلا تسأله أن [ينزل] طائفة منّا حتّى يكلمك فيسمعوا كلامه فيؤمنوا وتذهب التهمة، فأوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أن اختر من خيارهم سبعين رجلاً، ثمّ ارتق بهم إلى الجبل أنت وهرون. واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون يقول كما أمر الله تعالى واختار سبعين رجلاً. روى المنهال عن الربيع بن حبيب قال: سمعنا أبا سعيد الرقاشي وقرأ هذه الآية قال: كان السبعون ابناً ما عدا عشرين. ولم يتجاوز الأربعين. وذلك أن ابن عشرين قد ذهب [جماله] وصباه وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يعد من عقله شيءٌ. وقال الآخرون: كانوا شيوخاً. قال الكلبي: اختار موسى سبعين رجلاً لينطلقوا إلى الجبل فلم يصب إلاّ ستين شيخاً وأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختار وأصبحوا شيوخاً فاختار من كل سبط ستّة رهط فصاروا اثنين وسبعين. فقال موسى: إنّما أمرت سبعين رجلاً فاستخلف منكم رجلان فتشاجروا على ذلك. فقال: إن لِمن قعد مثل أجر من خرج، فقعد رجلان أحدهما كالب بن [يوقيا] والآخر يوشع بن نون. فأمر موسى السبعين أن تصوموا وتطهروا، وتطهّروا ثيابكم ثمّ خرج بهم إلى طورسيناء لميقات ربّه وكان لا يأتيه إلاّ بإذن منه وذلك قوله تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} اختلفوا في كيفية هذه الرجفة وسبب أخذها إياهم. فقال ابن إسحاق والسدي: إنّهم لمّا أتوا ذلك المكان قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربّنا فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى (عليه السلام) من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتّى يغشي الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وهو عمود فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره فيها: افعل لا تفعل فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعاً. وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله موسى أن يختار من قومه سبعين رجلاً فاختارهم وبرزهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ولا تعطيه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة. قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إنّما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم على موسى قبل هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبر وشبير (عليهم السلام) انطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفّاه الله فلمّا مات دفنه موسى فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفّاه الله، فقالوا: بل أنت قتلته [عمداً] على خُلُقه وَليِنْهِ، قال: فاختاروا من شئتم، فاختاروا سبعين رجلاً وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قال موسى: يا هارون أقتلتَ أم تُوفّيت؟ فقال هارون: ما قتلني أحد. ولكن الله توفاني إليه. فقالوا: ياموسى لن تقصّ بعد اليوم فأخذتهم الرجفة وصعقوا وماتوا، وقال موسى: يارب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلّهم. وقال ابن عباس: إنّما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل، وقال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب: أخذتهم الرجفة لأنّهم لم [يزايلوا] قومهم حين عبدوا العجل ولم يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر. وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتاً ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرجفة وخلقوا فرجفوا حتّى كادت أن تبيّن مفاصلهم وتنقص ظهورهم فلمّا رأى ذلك موسى (عليه السلام) رحمهم وخاف عليهم الموت واشتدّ عليه فقدهم وكانوا له ولداً على الخير سامعين مطيعين فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربّه فكشف الله عنهم تلك الرجفة والرعدة فسكنوا واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم فذلك قوله {قَالَ} يعني موسى {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} بقتل القبطي {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} يعني عبدة العجل. وظن موسى أنّه عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل. وقال السدي: أوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل وكان موسى لا يعلم ذلك فقال موسى: يارب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت أخيارهم وليس معي رجلٌ واحدٌ فما الذي يصدقوني به ويأمنونني عليه بعد هذا، فأحياهم الله، وقال [المبرّد]: قوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا استعلام واستعطاف أي لا تهلكنا قد علم موسى أن الله أعدل من أن يؤاخذ بجريرة الجاني غيره ولكنّه كقول عيسى: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} تفسير : [المائدة: 118] الآية. {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي اختيارك. قال سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع: محنتك، وقال ابن عباس: عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عن من تشاء {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا} ناصرنا ومولانا وحافظنا {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ * وَٱكْتُبْ لَنَا} أي حقق [ووفقنا للأعمال الصالحة] يقال: [كتب] الله عليك السلامة {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} يعني الأعمال الصالحة {وَفِي ٱلآخِرَةِ} يعني المغفرة والجنّة {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} قرأ أبو رجزة السعدي: وكان مصححاً من القراء شاعراً. هدنا بكسر الهاء يقال: هاد يهيد ويهود إذا رجع وتحرك [فأدلّه الميل] قال الشاعر: شعر : قد علمت سلمى [رجلاً] أني من الناس لها هايد تفسير : {قَالَ} الله تعالى: {عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} من خلقي وقال الحسن وابن السميقع: مَنْ أشاء [......] من الإشاءة {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ} عمّت {كُلَّ شَيْءٍ} قال الحسن وقتادة: إن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتّقين خاصة. وقال عطيّة العوفي: وسعت كل شيء ولكن لا يجيب إلاّ الذين يتقون، وذلك أنّ الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن يعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمسير في كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه، قال أبو روق: ورحمتي وسعت كل شيء يعني الرحمة التي قسمها بين الخلائق يعطفه بها بعضهم على بعض، وقال ابن زيد: (ورحمتي وسعت كل شيء) هو التوبة، وقال آخرون: لفظه عام ومعناه خاص لهذه الأُمّة. وقال ابن عباس وقتادة وابن [جرير] وأبو بكر الهذلي: لما نزلت هذه الآية {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قال إبليس: أنا من ذلك الشيء ونزعها الله من إبليس فقال {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} فقالت اليهود والنصارى نحن نتّقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله منهم وجعلها لهذه الأُمة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا ما حدث، فبعد أن اتخذوا العجل، وقال لهم: اقتلوا أنفسكم توبة إلى بارئكم، ثم تابوا إلى الله وآمنوا بما جاءهم، غفر الله لهم. وإذا كان الحق قد قص علينا مظهرية جباريته فإنه أيضاًً لم يشأ أن يدعنا في مظهرية الجبارية، وأراد أن يدخلنا في حنان الرحمانية. لذلك يقول هنا: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [ الأعراف: 153] وقوله: {ثُمَّ تَابُواْ} أي ندموا على ما فعلوا وأصروا وعزموا على ألاَّ يعودوا، ونعلم من قبل أن التوبة لها مظهريات ثلاثة؛ أولاً: لها مظهرية التشريع، ولها مظهرية الفعل من التائب ثانياً، ولها قبولية الله للتوبة من التائب ثالثاً. ومشروعية التوبة نفسها فيها مطلق الرحمة، ولو لم يكن ربنا قد شرع التوبة سيستشري شره في السيئة فهذه رحمة بالمذنب، وبالمجتمع الذي يعيش فيه المذنب. بعد ذلك يتوب العبد، ثم يكون هنا مظهرية أخرى للحق، وهو أن يقبل توبته. التوبة - إذن - لها تشريع من الله، وذلك رحمة، وفعل من العبد بأن يتوب، وذلك هو الاستجابة، وقبول من الله، وذلك هو قمة العطاء والرحمة منه سبحانه. وقوله الحق: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ...} [الأعراف: 153] إنَّ هذا القول يدل على أن عمل السيئة يخدش الإِيمان، فيأمر سبحانه عبده: جدّد إيمانك، واستحضر ربك استحضاراً استقباليًّا؛ لأن عملك السيئة يدل على أنك قد غفلت عن الحق في أمره ونهيه، وحين تتوب فأنت تجدد إيمانك وتجد ربك غفوراً رحيماً: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. إن ذنب العبد يكون فيما خالف منهج ربه في "افعل" و"لا تفعل"، ومادام العبد قد استغفر الله وتاب فسبحانه يقبل التوبة. ويوضح: إذا كنت أنا غفوراً رحيماً، فإياكم يا خلقي أن تُذَكِّروا مذنباً بذنبه بعد أن يتوب؛ لأن صاحب الشأن غفر، فإياك أن تقول للسارق التائب: "يا سارق"، وإياك أن تقول للزاني التائب: "يا زاني"، وإياك أن تقول للمرتشي التائب: "يا مرتشي" لأن المذنب مادام قد جدّد توبته وآمن، وغفر الله له، فلا تكن أنت طفيليًّا وتبرز له الذنب من جديد. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):