Verse. 1106 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اتَّخَذُوا الْعِـجْلَ سَيَنَالُہُمْ غَضَبٌ مِّنْ رَّبِّہِمْ وَذِلَّۃٌ فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۭ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِيْنَ۝۱۵۲
Inna allatheena ittakhathoo alAAijla sayanaluhum ghadabun min rabbihim wathillatun fee alhayati alddunya wakathalika najzee almuftareena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين اتخذوا العجل» إلها «سينالهم غضب» عذاب «من ربِّهم وذلَّة في الحياة الدنيا» فعذبوا بالأمر بقتل أنفسهم وضربت عليهم الذلة إلى يوم القيامة «وكذلك» كما جزيناهم «نجزي المفترين» على الله بالإشراك وغيره.

152

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل. واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي ـ الاتخاذ ـ محذوف، والتقدير: اتخذوا العجل إلهاً ومعبوداً ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ }تفسير : [طه: 88] وللمفسرين في هذه الآية طريقان: الأول: أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل، وهم الذين قال فيهم: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } وعلى هذا التقدير ففيه سؤال، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب، وإذا تاب الله عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا }. والجواب عنه: أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة، وتفسير ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم، والمراد بقوله: {وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } هو أنهم قد ضلوا فذلوا. فإن قالوا: السين في قوله: {سَيَنَالُهُمْ } للاستقبال، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا؟ قلنا: هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا، فكان هذا الكلام سابقاً على وقوعهم في القتل وفي الذلة، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار. والطريق الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم-، وعلى هذا التقدير: ففي الآية وجهان: الوجه الأول: أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب. يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك، ثم حكم عليهم بأنه {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } في الآخرة {وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } كما قال تعالى في صفتهم: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } تفسير : [لبقرة: 61]. والوجه الثاني: أن يكون التقدير {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ } أي الذين باشروا ذلك {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } أي سينال أولادهم، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه. أما قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ } فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ } فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولاً، وذلك بأن يتركها أولاً ويرجع عنها، ثم يؤمن بعد ذلك. وثانياً: يؤمن بالله تعالى، ويصدق بأنه لا إله غيره {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران، لأن قوله: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } يتناول الكل. والتقدير: أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} الغضب من الله العقوبة. {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} لأنهم أُمِروا بقتل بعضهم بعضاً. وقيل: الذِّلة الجِزْية. وفيه بعد؛ لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذريّاتهم. ثم قيل: هذا من تمام كلام موسى عليه السلام؛ أخبر الله عز وجل به عَنه، وتمّ الكلام. ثم قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}. وكان هذا القول من موسى عليه السلام قبل أن يتوب القوم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لمّا تابوا وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم ـ كما تقدّم بيانه في «البقرة» ـ أخبرهم أن من مات منهم قتيلاً فهو شهيد، ومن بَقِي حيّاً فهو مغفور له. وقيل: كان ثَمَّ طائفة أشْرِبوا في قلوبهم العجل، أي حُبّه، فلم يتوبوا؛ فهم المعنِيّون بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ}. وقيل أراد من مات منهم قبل رجوع موسى من المِيقات. وقيل: أراد أولادهم. وهو ما جرى على قُريظة والنضِير؛ أي سينال أولادهم. والله أعلم. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه: ما من مُبْتَدِع إلا وتجد فوق رأسه ذِلّة، ثم قرأ {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} ـ حتى قال ـ {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} أي المبتدِعين. وقيل: إن موسى أمر بذبح العجل، فجرى منه دَمٌ وبَردَه بِالْمِبْرد وألقاه مع الدم في اليَمِّ وأمرهم بالشرب من ذلك الماء؛ فمن عبد ذلك العجلَ وأُشْرِبَه ظهر ذلك على أطراف فَمِه؛ فبذلك عرف عبدة العجل. وقد مضى هذا في «البقرة» ثم أخبر الله تعالى أن الله يقبل توبة التائب من الشرك وغيره. وقد مضى هذا في غير موضع. {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي الكفر والمعاصي. {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا} أي من بعد فعلها. {وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي من بعد التوبة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ} وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم. {وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } وهي خروجهم من ديارهم. وقيل الجزية. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ} على الله ولا فرية أعظم من فريتهم وهي قولهم هذا إلهكم وإله موسى، ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم.

ابن كثير

تفسير : أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضاً؛ كما تقدم في سورة البقرة: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 54] وأما الذلة، فأعقبهم ذلك ذلاً وصغاراً في الحياة الدنيا، وقوله: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ} نائلة لكل من افترى بدعة؛ فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه؛ كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين. وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ} فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل، ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أوشرك أونفاق أوشقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ} أي: يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة {مِن بَعْدِهَا} أي: من بعد تلك الفعلة {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، حدثنا قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن ذلك، يعني: عن الرجل يزني بالمرأة، ثم يتزوجها، فتلا هذه الآية: { وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} فتلاها عبد الله عشر مرات، فلم يأمرهم بها، ولم ينههم عنها.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ } إلهاً {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } عذاب {مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا } فعذبوا بالأمر بقتل أنفسهم وضربت عليهم الذلة إلى يوم القيامة {وَكَذٰلِكَ } كما جزيناهم {نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ } على الله بالإِشراك وغيره.

الشوكاني

.تفسير : الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب، والذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله: {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } تفسير : [البقرة: 61]. وقيل: هي إخراجهم من ديارهم. وقيل: هي الجزية، وفيه نظر لأنها لم تؤخذ منهم، وإنما أخذت من ذراريَهم. والأولى أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا، لقوله: {فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} وأن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهاً، لا لمن بعدهم من ذراريهم. ومجرّد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من الله عليهم، وبه يصيرون أذلاء. وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم، وبه يصبرون أذلاء. وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا يصحّ تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، وهو لم يتعذر هنا {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ } أي: مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله من الله غضب وذلة في الحياة الدنيا. وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه، وأن فيه ذلة بأيّ نوع كان {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } أي: سيئة كانت {ثُمَّ تَابُواْ } عنها {مِن بَعْدِ } عملها {وَءامَنُواْ } بالله {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي: من بعد هذه التوبة، أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد تاب عنها فاعلها وآمن بالله {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم. قوله: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ } أصل السكوت: السكون والإمساك، يقال جرى الوادي ثلاثاً ثم سكن، أي أمسك عن الجري. قيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك، فترك الإغراء وسكت. وقيل: هذا الكلام فيه قلب، والأصل: سكت موسى عن الغضب، كقولهم أدخلت الإصبع الخاتم، والخاتم الإصبع. وأدخلت القلنسوة رأسي، ورأسي القلنسوة. وقرأ معاوية ابن قرّة «ولما سكن عن موسى الغضب». وقرىء "سكت وأسكت" {أَخَذَ ٱلألْوَاحَ } التي ألقاها عند غضبه {وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ } النسخ نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر. ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة، وللمنقول نسخة أيضاً. قال القشيري: والمعنى {وَفِى نُسْخَتِهَا } أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة {هُدًى وَرَحْمَةً}. وقيل المعنى: وفيما نسخ له منها، أي من اللوح المحفوظ. وقيل المعنى: وفيما كتب له فيها هدى ورحمة، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه، وهذا كما يقال أنسخ ما يقول فلان، أي أثبته في كتابك. والنسخة فعلة، بمعنى مفعولة كالخطبة. والهدى ما يهتدون به من الأحكام، والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة. واللام في {لّلَّذِينَ هُمْ } متعلقة بمحذوف، أي كائنة لهم أو لأجلهم، واللام في {لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } للتقوية للفعل، لما كان مفعوله متقدّماً عليه، فإنه يضعف بذلك بعض الضعف. وقد صرح الكسائي بأنها زائدة. وقال الأخفش: هي لام الأجل، أي لأجل ربهم يرهبون. وقال محمد بن يزيد المبرد: هي متعلقة بمصدر الفعل المذكور، والتقدير: للذين هم رهبتهم لربهم يرهبون. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أيوب، قال: تلا أبو قلابة هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ } إلى قوله: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ } قال: هو جزاء كل مفتر، يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: أعطى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة. ولما جاء فرأى بني إسرائيل عكوفاً على العجل رمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هارون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ } قال: فيما بقي منها. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، قال: كانت الألواح من زمرّد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل، وبقي الهدى والرحمة، وقرأ {وكتبنا له في الألواح [من كل شيء] موعظة وتفصيلاً لكل شيء} وقرأ {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة} قال: ولم يذكر التفصيل هاهنا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ} أما التوبة من السيئات فهي الندم على ما سلف والعزم على ألاّ يفعل مثلها. فإن قيل فالتوبة إيمان فما معنى قوله: {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ} فالجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنهم تابوا من المعصية واستأنفوا عمل الإيمان بعد التوبة. والثاني: يعني أنهم تابوا بعد المعصية وآمنوا بتلك التوبة. والثالث: وآمنوا بأن الله قابل التوبة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا }، وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسَىٰ عليه السلام، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين: الذِّلَّة: الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج: الإِشارةُ إِلَىٰ من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضراً وقت القَتْلِ، والغَضَبُ من اللَّه عزَّ وجلَّ، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}، المرادُ أَولاً أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى اللَّه سبحانَهُ في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة وغيرهما: كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة، ذليلٌ؛ وٱستدلوا بالآية. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...} الآية تضمَّنت وعداً بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين؛ وقرأ معاوية بنُ قُرَّة «وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ». قال أبو حَيَّان: واللام في {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو {يَرْهَبُونَ } إلى مفعوله المتقدِّم. وقال الكوفيُّون: زائدةٌ. وقال الأخفشُ: لام المفعول له، أي: لأجْلِ ربِّهم. انتهى. قلْتُ: قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْني» ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ؛ إِما لتأخيرٍ؛ نحو: {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }، و { أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ } تفسير : [يوسف:43] أو لكَوْنِهِ فرعاً في العمل؛ نحو: { أية : مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ } تفسير : [البقرة:91] { أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } تفسير : [البروج:16]، وقد ٱجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في: { أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } تفسير : [الأنبياء:78]. انتهى. وقوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ...} الآية: قال الفَخْرُ: قال جماعة النحوِّيين: معناه: وٱختارَ موسَىٰ مِنْ قومه، فحذف «مِنْ»، يقال: ٱخترْتُ مِنَ الرجالِ زيْداً، واخترْتُ الرجالَ زَيْداً. انتهى. قال * ع *: معنى هذه الآية أَن موسىٰ عليه السلام اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة؛ لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم ٱعتذارٌ إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطإِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في «سورة البقرة» [البقرة:51] قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء: إِنَّ موسَىٰ عليه السلام لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسَىٰ: أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره؟ قَالَ: أنا، قال موسَىٰ: فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ، {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ} أيْ: إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريدُ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} الآية. المفعول الثاني من مفعولي - الاتِّخاذِ - محذُوف، والتقديرُ، اتَّخذوا العجل إلهاً ومَعْبُوداً، يدلُّ على هذا المحذوف قوله تعالى: {أية : فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ}تفسير : [طه: 88] وللمفسرين ههنا طريقان: أحدهما: المراد بالذين اتَّخَذُوا العجل قوم موسى، وعلى هذا فيه سؤال هو أن أولئك القوم تَابَ اللَّهُ عليهم: بأن قتلوا أنفسهم في معرض التَّوْبَةِ على ذنبهم، وإذا تاب الله عليهم فكيف قيل في حقِّهم: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}؟ ويُجاب عنه بأن ذلك الغضب إنَّما حصل في الدُّنْيَا لا في الآخرة، وهو أنَّ اللَّهَ تعالى أمرهم بقتل أنفسهم والمُرَادُ بقوله: {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} هو أنَّهُمْ قد ضَلُّوا فَذُلُّوا. فإن قيل: السِّينُ في قوله سَيَنالُهُمْ للاستقبال، فكيف يحمل هذا على حكم الدُّنيا؟ فالجواب: أنَّ هذا حكاية عَمَّا أخبر اللهُ به موسى حين أخْبَرَهُ بافتتان قومه، واتِّخاذهم العِجْلَ، وأخبره في ذلك الوقت أن سَيَنالُهُمْ غضبٌ من ربهم وذلَّةٌ، فكان هذا الكلامُ سابقاً على وقوعهم في القَتْل وفي الذِّلَّة فَصَحَّ هذا التَّأويل. الطريق الثاني: أنَّ المُرادَ بالذين اتَّخَذُوا العجلَ أبناؤهم الذين كانوا في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: أنَّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقبِ؛ يقولون للأبناء فعلتم كذا وكذا، وإنَّمَا فعل ذلك أسلافهم كذلك ههنا. قال عطيَّةُ العوفيُّ: أراد بهم اليهود الذين كانوا في عصر النَّبي صلى الله عليه وسلم، عَيَّرهُم بصنع آبائهم ونسبه إليهم، ثمَّ حكى عليهم بأنَّهُ: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} في الآخرةِ: {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} أراد: ما أصَابَ بني قريظة والنَّضير من القتل والجلاء. وقال ابنُ عبَّاسٍ: هي الجزية. الوجه الثاني: أن يكون التقديرُ: {إنَّ الذينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ} أي الذين باشرُوا ذلك سَيَنالُهُمْ أي: سينال أولادهم، ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه. ثمَّ قال: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} أي: ومثل ذلك النِّيل والغضب والذِّلّة "نَجْزِي المُفْترينَ" الكاذبين. قال أبُو قلابة: "هو واللَّه جزاء كلِّ مفترٍ إلى يوم القيامة أن يذلَّه اللَّهُ". وقال سفيان بنُ عيينة: "هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة". وقال مالكُ بْنُ أنسٍ: "ما من مُبْتَدع إلاَّ ويجدُ فوق رأسه ذِلَّة". قوله: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} مبتدأ وخبره قوله إنَّ ربَّكَ إلى آخره. والعائد محذوف، والتقدير: غفورٌ لهم ورحيم بهم، كقوله: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}تفسير : [الشورى: 43] أي منه. قوله: مِن بَعْدِهَا يجوز أن يعود الضمير على السّيِّئاتِ، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون عائداً على التوبة المدلول عليها بقوله: "ثُمَّ تَابُوا" أي: من بعد التوبة. قال أبو حيان: "وهذا أوْلَى، لأنَّ الأوَّلَ يلزُم منه حذفُ مضافٍ ومعطوفه، إذ التقدير: من بعد عمل السّيئات والتوبة منها". قوله: "وَآمَنُوا" يجوزُ أن تكونَ الواوُ للعطفِ، فإن قيل: التَّوبة بعد الإيمان، فكيف جاءت قبله؟ فيقال الواو لا تُرتِّبُ، ويجوز أن تكون الواوُ للحال، أي: تَابُوا، وقد آمنوا {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: "وَلَمَّا سَكَتَ" السُّكُوتُ والسُّكَاتُ قطعُ الكلامِ، وهو هنا استعارةٌ بديعة. قال الزمخشريُّ: هذا مثلٌ كأنَّ الغضبَ كان يُغْريهِ على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا، وألْقِ الألواحَ وخُذْ برأس أخيك إليك، فترك النُّطق بذلك، وترك الإغراء به، ولم يستحسن هذه الكلمة، ولمْ يَسْتفصِحْهَا كلُّ ذي طبع سليم وذوق صحيح إلاَّ لذلك، ولأنَّهُ من قبيل شُعَب البلاغة، وإلاَّ فما لقراءة معاوية بن قرة: ولمَّا سَكَنَ بالنُّونِ، لا تجدُ النَّفس عندها شيئاً من تلك الهمزة وطرفاً من تلك الرَّوعة؟ وقيل: شَبَّه جمود الغذب بانقطاع كلام المُتكلِّم. قال يونسُ: "[سال] الوادي ثم سكت فهذا أيضاً استعارةٌ". وقال الزَّجَّاجُ: مصدر: سَكَتَ الغَضَبُ: السكتةُ، ومصدر: سَكَتَ الرَّجلُ: السُّكُوتُ وهو يقتضي أن يكون "سكت الغضبُ" فعلاً على حدته. وقيل: هذا من باب القلب، والأصلُ: ولما سكت موسى عن الغضب، نحو: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأسِي، أي: أدخلت رأسي في القلنسوة. قاله عكرمةُ: وهذا ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه، مع ما في القلب من الخلافِ المُتقدِّم. وقيل المُرادُ بالسُّكوت: السُّكون والزَّوال، وعلى هذا جاز سَكَتَ عن مُوسَى الغَضَبُ ولا يجوزُ صمت؛ لأن سَكَتَ بمعنى سكن، وأما صَمَتَ بمعنى سدَّ فاه عن الكلام، فلا يجوزُ في الغضب. فصل ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - لمَّا عرف أن أخاه هارون لم يقع منه تقصير وأظهر له صحة عذرة، فحينئذ سكن غضبهُ، وهو الوقت الذي قال فيه: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي}. وقوله: "أخَذَ الألوَاحَ" ظاهر هذا يدلُّ على أن شيئاً منها لم ينكسر، ولم يرفع منها ستة أسباعها كما نقل عن بعضهم. وقوله: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى} هذه الجملة في محلِّ نصب على الحال من الألوَاح، أو من ضمير مُوسَى والأوَّلُ أحسنُ. وهذا عبارةٌ عن النَّقْلِ والتَّحويل فإذا كتب كتاب عن كتاب حرف بعد حرف قلبت نُسخَةُ ذلك الكتاب، كأنَّك نقلت ما في الأصل إلى الكتاب الثاني. قال ابنُ عبَّاسٍ: لمَّا ألقَى موسى الألواح فتكسّرت صام أربعين يوماً، فأعَادَ اللَّهُ الألواح وفيها نفس ما في الأولى، فعلى هذا قوله "وفِي نُسْخَتِهَا" أي: "وفيما نسخ منها" وإن قلنا: الألواح لم تنكسر، وأخذها موسى بأعيانها؛ فلا شك أنَّها مكتوبة من اللَّوح المحفوظ فهي نسخ على هذا التقدير. وقوله: "هُدًى ورَحْمَةٌ" أي: هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب. قوله: "لِلَّذِين" متعلق بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لرَحْمَة أي: رحمة كائنة للَّذين، يجوزُ أن تكون اللاَّم لامَ المفعول من أجله، كأنَّه قيل: هُدًى ورحمةٌ لأجْلِ هؤلاء، وهُمْ مبتدأ ويَرْهَبُونَ خبره، والجملةُ صلة الموصول. قوله: لِرَبِّهم يَرْهَبُونَ. في هذه اللاَّم أربعةُ أوجُهٍ: أحدها أنَّ اللاَّم مقوية للفعل لأنَّهُ لمَّا تقدَّم معمولُه ضَعُفَ فقوي باللاَّم كقوله: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}تفسير : [يوسف: 43] وقد تقدَّم أنَّ اللاَّم تكونُ مقويةً حيث كان العاملُ مؤخراً أو فرعاً نحو: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [هود: 107] ولا تُزَادُ في غير هذين إلا ضرورةً عند بعضهم؛ كقول الشاعر: [الوافر] شعر : 2586 - ولمَّا أنْ تَواقَفْنَا قَليلاً أنَخْنَا لِلكَلاكِلِ فَارْتَمَيْنَا تفسير : أو في قليل عند آخرين؛ كقوله تعالى: {أية : رَدِفَ لَكُم}تفسير : [النمل: 72]. والثاني: أنَّ اللاَّم لامُ العلَّةِ وعلى هذا فمفعولُ يَرْهَبُونَ محذوفٌ، تقديره: يرهبونَ عقابه لأجله، أي لأجل ربهم لا رياء ولا سمعة وهذا مذهب الأخفش. الثالث: أنَّها متعلقةٌ بمصدرٍ محذوف، تقديره: الذين هم رهبتهم لربهم. وهو قول المُبَرِّدِ وهذا غيرُ جارٍ على قواعد البصريين، لأنَّهُ يَلْزَمُ منه حَذْفُ المصدر، وإبقاءُ معموله، وهو ممتنعٌ إلاَّ في شعرٍ، وأيضاً فهو تقدير مخرج للكلام عن فصاحته. الرابع: أنَّها متعلقةٌ بفعلٍ مُقَدِّرٍ أيضاً، تقديره: يخشعون لربَّهم. ذكرهُ أبُو البقاء، وهو أولى مِمَّا قبله. وقال ابْنُ الخطيبِ: قد يزادُ حرفُ الجرِّ في المفعول، وإن كان الفعل متعدياً، كقوله: قرأتُ في السُّورة وقرأت السُّورةَ، وألْقَى يَدَهُ "وألقى بيده"، قال تعالى {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ}تفسير : [العلق: 4] فعلى هذا تكون هذه اللام صلةً وتأكيداً كقوله {أية : رَدِفَ لَكُم}تفسير : [النمل: 72]، وقد ذكروا مثل هذا في قوله: {أية : وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 73].

البقاعي

تفسير : ولما كان له ولأخيه وهما معصومان من الذنوب، طوى ما يتعلق بالمغفرة وذكر متعلق الرحمة بخلاف ما يأتي في السؤال له وللسبعين من قومه فإنه عكس فيه ذلك؛ ولما صحت براءة الخليفة، وأشير إلى أنه مع ذلك فقير إلى المغفرة، التفتت النفس إلى حال المفسدين فقال مخبراً عن ذلك: {إن الذين اتخذوا العجل} أي رغبوا رغبة تامه في أخذهم إلهاً مع المخالفة لما ركز في الفطرة الأولى ودعاهم إليه الكليم عليه السلام {سينالهم } أي بوعد لا خلف فيه {غضب} أي عقوبة فيها طرد أو إبعاد، ولعله ما أمروا به من قتل أنفسهم، واشار إلى انه فيه رفق بهم وحسن تربية لتوبة من يبقى منهم بقوله: {من ربهم} أي الذي لا محسن إليهم غيره، يلحقهم في الدنيا ويتبعهم في الآخرة {وذلة في الحياة الدنيا} أي جزاء لهم على افترائهم وكذلك من رضي فعلهم ولا سيما إن كان من أولادهم كقريظة والنضير وأهل خيبر {وكذلك} أي ومثل جزائهم {نجزي المفترين*} أي المعتمدين للكذب، وهذا نص في أن كل مفتر ذليل، كما هو المشاهد - وإن أظهر الجراءة بعضهم. ولما ذكر المصرين علىالمعصية، عطف عليه التائبين ترغباً في مثل حالهم فقال: {والذين عملوا السيئات} عبر بالعمل إشارة إلى بالعفو وإن أقدموا عليها على علم، وجمع إعلاماً بأنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم وكثر وإن طال زمانه، ولذلك عطف بأداة البعد فقال: {ثم تابوا} وحقق الأمر ونفى المجاز بقوله: {من بعدها} ثم ذكر الأساس الذي لا يقبل عمل لم يبن عليه على وجه يفهم أنه لا فرق بين أن يكون في السيئات ردة أو لا فقال: {وآمنوا} ثم أجاب المبتدأ بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بقبول توبة التائبين لما سيرك من ذلك لأنك بهم رؤوف رحيم {من بعدها} أي التوبة {لغفور} أي محاء لذنوب التائبين عيناً وأثراً وإن عظمت وكثرت {رحيم*} أي فاعل بهم فعل الرحيم من البر والإكرام واللطف والإنعام، وكأن المصرين هم الذين قتلوا لما أمرهم موسى عليه السلام بقتل أنفسهم، فلما أهلك المصرّ وتاب الباقي، وصحت براءة أخية وبقاؤه على رتبته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد في أمر الله، زال موجب الغضب فأخبر سبحانه عما يعقبه فقال: {ولما سكت} أي كف، شبه الغضب بمتكلم كان يحث موسى عليه السلام ويغريه على ما يوجبه ويقتضيه، فلما شفى غيظه سكن وقطع كلامه فخلفه ضده وهوالرضى {عن موسى الغضب} وهو غليان القلب بما يتأذى به النفس {أخذ الألواح} أي التي جاء بها من عند الله بعدما ألقاها {وفي} أي والحال أنه في {نسختها} أي الأمر المكتوب فيها، فعلة بمعنى مفعولة، وعن ابن عباس أنه لما ألقاها صام - مثل ما كان صام للمناجاة - أربعين يوماً أخرى، فردت عليه في لوحين مكان ما تكسر. {هدى} أي شيء موضح للمقاصد {ورحمة} أي سبب للإكرام {للذين هم لربهم} أي لا لغيره {يرهبون*} أي هم أهل لأن يخافوا خوفاً عظيماً مقطعاً للقلوب موجباً للهرب ويستمرون على ذلك. شرح ما في هذه الآيات من عند قوله{سأوريكم دار الفاسقين} من البدائع من التوراة - قال المترجم في السفر الخامس منها بعد أن بكتهم ببعض ما فعلوه مما أوجب لهم الغضب والعقوبة بالتيه وحثهم على لزوم أمر الله لينصرهم: وأما الوصايا التي آمركم بها اليوم فاحفظوها واعملوا بها لتحيوا وتكثروا وترثوا الأرض التي أقسم الله لآبائكم فتذكروا كل الطريق الذي سيركم الله ربكم فيه، ودبركم منذ أربعين سنة في البرية ليواضعكم ويجربكم وليعلم ما في قلوبكم هل تحفظون وصاياه أم لا، فواضعكم وأجاعكم وأطعمكم منّاً لم تعرفوه أنتم ولا آباؤكم ليبين لكم أنه ليس إنما يعيش الإنسان بالخبز فقط، بل إنما يعيش بما يخرج من فم الله، ولم تبل ثيابكم ولم تجف أقدامكم منذ أربعين سنة، احفظوا وصايا الله ربكم وسيروا في طرقة واتقوه، لأن الله ربكم هو الذي يدخلكم إلى الأرض المخصبة، أرض كثيرة الأدوية والينابيع والعيون التي تجري في الصحارى والجبال، أرض الحنطة والشعير، فيها الكروم والتين والرمان والزيتون والدهن والعسل،أرض لاتحتاجون فيها ولا تأكلون خبزكم بالفقر، ولا يعوزكم فيها شيء، أرض حجارتها حديد تستخرجون النحاس من جبالها، فاحتفظوا، لا تنسوا الله ربكم، واحفظوا وصاياه وشرائعه التي آمركم بها اليوم، لا تبطروا، فإذا أكلتم وشبعتم وبنيتم بيوتاً وسكنتموها وكثر غنمكم وبقركم وكثرت أموالكم فتعظم قلوبكم وتنسوا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وأنقذكم من العبودية ودبركم في البرية المرهوبة العظيمة حيث الحيات الحردات والعقارب وفي مواضع العطش وحيث لم يكن لكم ماء، أخرج لكم من ماء الظران، وأطعمكم منّاً لم يعرفه آبائكم ليواضعكم ويجربكم ويحسن إليكم آخر ذلك، وانظروا، لا تقولوا في قلوبكم إنا إنما استفدنا هذه الأموال بقوتنا وعزة قلوبنا، ولكن اذكروا الله ربكم الذي قواكم أن تستفيدوا هذه الأموال ليثبت العهد الذي أقسم لآبائكم، وإن أنتم نسيتم الله ربكم وتبعتم آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لها أشهدت عليكم اليوم فأعلمتكم أنكم تهلكون هلاك سوء، كما أهلكت الشعوب التي أباد الرب بين أيديكم كذلك تهلكون، اسمعوا يا بني إسرائيل! بل أنتم تجوزون اليوم نهر الأردن وتنطلقون لتمتلكوا الشعوب التي هي أقوى وأعظم منكم وتظفروا بالقرى الكبار المشيدة إلى السماء وبشعب كبير عظيم بني الجبابرة، وقد علمتم وسمعتم أنه ما يقدر إنسان أن يقوم بين يدي الجبابرة، وتعلمون يومكم هذا أن الله ربكم يجوز أمامكم وهو نار محرقة، وهو يهلكهم ويهزمهم أمامكم، ولا تقولوا في قلوبكم إنه إنما أدخلنا الرب ليرث هذه الأرض من أجل برنا، لأنه إنما يهلك الرب هذه الشعوب من أجل خطاياهم، وليثبت الأقوال التي وعد بها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاعلموا أنه ليس من أجل بركم يورثكم الله هذه الأرض المخصبة، لأنكم صلاب الرقاب، اذكروا ولا تنسوا أنكم أسخطتم الله ربكم في البرية منذ يوم خرجتم من أرض مصر حتى انتهيتم إلى هذه البلاد، ولم تزالوا مسخطين لله ربكم ونحوريت أيضاً أغضبتم الرب، وغضب الرب عليكم وأراد هلاككم حيث صعدت إلى الجبل وأخذت لوحي العهد الذي عاهدكم الرب، ومكثت في الجبل أربعين يوماً بلياليها لم أذق خبزاً ولم أشرب ماء، وأعطاني الرب لوحين من حجارة مكتوب عليهما بأصبع الله، وكانت كل الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل يوم الجمعة ومن بعد الأربعين، وأعطاني لوحي العهد، قال لي الرب: قم فانزل من هاهنا سريعاً، لأن شعبك الذي أخرجته من أرض مصر قد فسدوا ومالوا عن الطريق الذي أمرتهم عاجلاً، وعملوا لهم إلهاً مسبوكاً،وقال لي الرب: رأيت هذا الشعب فإذا هو شعب قاسي القلب، فدعني الآن حتى أهلكهم وأبيد أسماءهم من تحت السماء وأصيرك مدبراً لشعب أعظم وأعز منهم، وأقبلت فنزلت من الجبل والجبل يشتعل ناراً ولوحا العهد بيدي، ورأيت أنكم أذنبتم أمام الله ربكم سريعاً، وعمدت إلى لوحي الحجارة فرميت بهما من يدي وكسرتهما قدامكم، وصليت أمام الرب كما صليت أولاً أربعين يوماً بلياليها، لم أذق طعاماً ولم أشرب شراباً من أجل جميع الخطايا التي ارتكبتم وما عملتم من الشر بين يدي الرب وأغضبتموه: لأني فرقت وخفت غضب الله وزجره أنه أراد إهلاككم، واستجاب الله لي في ذلك الزمان، وأما عجل خطاياكم الذي عملتموه فأخذته وأحرقته بالنار وسحقته وطحنته جداً حتى صار مثل التراب وطرحت ترابه في الوادي الذي ينزل في الجبل، وبالحريق والبلايا وبقبور أصحاب الشهوة، أغضبتم الرب، وإذ أرسلكم ربكم من رقام الحي وقال لكم: اصعدوا ورثوا الأرض التي أعطيكم، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه ولم تؤمنوا به ولم تسمعوا قوله، ولم تزالوا لله مسخطين منذ يوم عرفتكم، وصليت أمام الرب أربعين يوماً بلياليها، لأن الرب أمر بهلاككم، وقلت في صلاتي، يارب! لا تهلك شعبك وميراثك الذي خلصته بعظمتك وأخرجتهم من أرض مصر بيد عزيزة، ولكن اذكر عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولا تنظر إلى معصية هذا الشعب وإثمه وخطاياه، لئلا يقول سكان تلك الأرض التي أخرجتهم منها: إن الرب لم يقو أن يدخلهم الأرض التي قال لهم، وإنما أخرجهم من عندنا لبغضه لهم ليضلهم في البرية، وهو شعبك وميراثك الذي أخرجتهم بقوتك العظيمة وذراعك العزيزة، فقال لي الرب في ذلك الزمان أن أنقر لوحين من حجارة مثل اللوحين الأولين واصعد إلى الجبل إليّ واعمل تابوتاً من خشب الشمشاد - وفي نسخة: السنط - ونقرت اللوحين من الحجارة مثل اللوحين الأولين وصعدت إلى الجبل واللوحان في يدي، وكتب على اللوحين الكتاب الأول، وهي العشر الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل من النار يوم الجماعة، ودفعها الرب إليّ فأقبلت نازلاً من الجبل ووضعت اللوحين في التابوت الذي عملت وتركتهما فيه كما فيه أمر الرب، وارتحل بنو إسرائيل من ثروات بني يعقان وموسار، وتوفي هارون هناك، وصار أليعازر ابنه حبراً مكانه، وارتحلوا من هناك إلى جدجد، ومن جدجد إلى يطبت أرض مسايل الماء، في ذلك الزمان أفرز الرب سبط لاوي ليحملوا تابوت عهد الرب، وأن يقوموا أمام الرب ويخدموه وأن يبركوا باسم الرب إلى اليوم، ولذلك ليس لبني لاوي حصة مع بني إسرائيل في ميراثهم، لأن ميراثهم لله ربهم كما قال لهم، وأنا قمت بين يدي الرب في الجبل مثل الأيام الأولى أربعين يوماً بلياليها، واستجاب لي الرب في ذلك الزمان أيضاً، ولم يخذلكم الله ربكم ولم يفسدكم، وقال لي الرب: قم فارتحل وسر أمام الشعب ليدخلوا ويرثوا الأرض التي أقسمت لآبائهم أن أعطيهم، والآن يابني إسرائيل ما الذي يطلب الله ربكم منكم! ما يطلب الآن إلا أن تتقوا الله ربكم من كل قلوبكم وتسيروا في طرقه وتحبوه، وأن تعبدوا الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم، وأن تحفظوا وصايا الله ربكم التي آمركم بها اليوم ليحسن إليكم لأن السماء وسماء السماء هما لله ربكم والأرض وجميع ما فيها، وبآبائكم وحدهم سر الرب وأحبهم وانتخب نسلهم من بعدهم وفضلهم على جميع الشعوب كاليوم، اختتنوا غلفة قلوبكم، ولا تقسوا رقابكم أيضاً، لأن الله ربكم هو إله الآلهة ورب الأرباب، إله عظيم جبار مرهوب لا يحابي ولا يرتشي، ينصف للأيتام والأرامل، ويحب الذي يقبل إليه برزقه طعاماً وكسوة، فأحبوا الذين يقبلون إليه واذكروا أنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، فاتقوا الله ربكم واتبعوه واعبدوه وأقسموا باسمه، لأنه إلهكم ومريحكم، وهو الذي أكمل لديكم العجائب التي رأت أعينكم، واعلموا أنه إنما أنزل آبائكم إلى مصر سبعين رجلاً، والآن فقد كثركم الله ربكم مثل نجوم السماء، أحبوا الله ربكم واحفظوا سننه وأحكامه كل الأيام، واعلموا يومكم هذا أنه ليس لبنيكم الذين لم يعاينوا ولم يعلموا ما رب الرب وعظمته ويده المنيعة وذراعه العظيمة وآياته وأعماله التي عمل بمصر وبفرعون ملك مصر وكل أرضه وما صنع بأجناد ملك مصر وما فعل بالخيل والمراكب وفرسانها الذين قلب عليهم ماء بحر سوف حيث خرجوا في طلبكم وأهلكهم الرب إلى اليوم وجميع ما صنع بكم في البرية حيث انتهيتم إلى هذه البلاد وما صنع بداثان وأبيرم ابني أليب بن روبيل اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما وبيتهما، وخيامهم وكل شيء هو لهم إذ كانوا قياماً على أرجلهم بين يدي جميع بني إسرائيل، ولكن قد رأت أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي عمل، فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها نسلهم - وستأتي تتمته إن شاء الله تعالى عند {أية : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} تفسير : [يونس: 93]، وفيه من المتشابه قوله: فم الله، وإصبع الله، والأول - لكونه لا يجوز إطلاقه في شرعنا - مؤوّل بالكلام، والثاني بالقدرة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال: تلا أبو قلابة هذه الآية {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} قال: هو جزاء لكل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {وكذلك نجزي المفترين} قال: كل صاحب بدعة ذليل . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سفيان بن عيينة قال: لا تجد مبتدعاً إلا وجدته ذليلاً، الم تسمع قول الله {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} . وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينه قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه، وهو في كتاب الله. قالوا: أين هي؟ قال أما سمعتم إلى قوله {إن الذين اتخذوا العجل...} الآية؟ قالوا: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجل خاصة...! قال: كلا، اقرأ ما بعدها {وكذلك نجزي المفترين} فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [الآية: 152]. قال أبو عثمان: من أقبل على الله فلينتظر الراحة، والزلفة والفرج من القبول، ومن أعرض عن الله فلينتظر الذل والسخط والبغض مع غضب الله فى الآخرة. قال الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} الآية. قال الحسين بن الفضل: لا ترى مبتدعًا إلا ذليلاً، لأن الله يقول: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}.

القشيري

تفسير : يعني إن الذين اتخذوا العِجْلَ معبوداً سَيَنالهُم في مستقبل أحوالهم جزاءُ أعمالهم. والسين في قوله "سينالهم" للاستقبال، ومَنْ لا يضره عصيان العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال، وفَرْقٌ بين الإمهال والإهمال، والحق - سبحانه - يمهل ولكنه لا يهمل، ولا ينبغي لِمَنْ يذنب ثم لا يُؤَاخَذُ في الحال أَنْ يَغْترَّ بالإمهال.

البقلي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} لما اخطاؤا طريق طلب الحق واقتدوا بمن لا يعرف الله ابقاهم الله فى شره شرب حب العجل وصارو بين الموحدين والعارفين اذلاء كذا حال كل مخطئ فى الطريق ومبطل الاقتداء بقوله وكذلك نجزى المفترين الذين يدعون ما لم يجدوا من المقامات والاحوال لكن من فضله ورحمته عرفهم موقع الخطا حين قال سبحانه {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ}

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين اتخذوا العجل} الا آلها واستمروا على عبادته كالسامرى واشياعه من الذين اشربوه فى قلوبهم {سينالهم} اى فى الآخرة {غضب} عظيم كائن {من ربهم} اى مالكهم لما ان جريمتهم اعظم الجرائم واقبح الجرائر والمراد بالغضب ههنا غايته وهى الانتقام والتعذيب لان حقيقة الغضب لا تتصور فى حقه تعالى {وذلة فى الحيوة الدنيا} هى ذلة الاغتراب والمسكنة المنتظمة لهم ولاولادهم والذلة التى اختص بها السامرى من الانفراد بالناس والابتلاء بلا مساس كما روى ان موسى عليه السلام هم بقتل السامرى فاوحى الله اليه لا تقتل السامرى فانه سخى ولكن اخرجه من عندك فقال له موسى فاذهب من بيننا مطرودا فان لك فى الحياة اى فى عمرك ان تقول لمن اراد مخالطتك جاهلا بحالك لا مساس اى لا يمسنى احد ولا امس احد وان مسه احدهما جميعا فى الوقت وروى ان ذلك موجود فى اولاده الى الآن وايراد ما نالهم فى حيز السين مع مضيه بطريق تغليب حال الاخلاف على حال الاسلاف {وكذلك نجزى المفترين} على الله ولا فرية اعظم من فريتهم هذا الهكم واله موسى ولعله لم يفتر مثلها احد قبلهم ولا بعدهم.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حذف، وتقديره إِن الذين اتخذوا العجل إِلهاً ومعبوداً سينالهم غضب، فحذف لدلالة الكلام عليه، وقوله في موضع آخر {أية : فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إِلهكم وإِله موسى فنسي}. تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين اتخذوا العجل إِلهاً وعبدوه من دون الله سينالهم غضب، ومعناه فسيلحقهم، والنول اللحوق وأصله مدُّ اليد الى الشىء الذي يبلغه، ومنه قولهم: نولك أن تفعل كذا أي ينبغي أن تفعله فانه يلحقك خيره ونواله. وتقول: ناوله مناولة، وتناول تناولا، وأناله إِنالة. وقوله {غضب من ربهم} يعني عقاب من الله تعالى وإِنما ذكر الغضب مع الوعيد بالنار لانه ابلغ في الزجر عن القبيح، كما أن ارادة الحسنة في الدعاء اليها والترغيب فيها أبلغ من الاقتصار على الوعد بها. وقوله {وذلة في الحياة الدنيا} بمعنى صغر النفس والاهانة، يقال: ذل يذل ذلة، اذله إِذلالاً، وتذلل تذللاً، وذلـله تذليلاً، واستذله استذلالاً. وقيل المراد به ما يؤخذ منهم من الجزية على وجه الصغار. وقوله {وكذلك نجزي المفترين} إِخبار منه تعالى أنه مثل هذا الوعيد والعذاب والغضب يجزي الكاذبين والمتخرصين عليه، وإِنما كان عبادة غير الله كفراً لأنه تضييع لحق نعمة الله كتضييعه بالجحد للنعمة في عظم المنزلة، وذلك لما ينطوي عليه من تسوية من أنعم بأجل النعمة بمن لم ينعم، وفى ذلك إِبطال لحق النعمة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} معبوداً {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} فى الآخرة {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} بقتلهم انفسهم {وَكَذَلِكَ} الجزاء من الغضب والّذلّة {نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} فتنبّهوا يا امّة محمد (ص) ولا تفتروا او لا تأخذوا العجل والسّامرىّ خليفة بعد محمّد (ص) والافتراء اعمّ ممّا وقع قولاً او فعلاً او حالاً او اعتقاداً، ولمّا توهّم انّ المفترى جزاؤه ما ذكر مطلقاً وصار سبباً ليأس اهل المعاصى سيّما على تعميم الافتراء استدركه بقوله {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا}.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ اتَّخذوا العجْلَ} إلهاً {سَينَالهم} يصيبهم، هذا كلام من الله لموسى قبل أن ينالهم، فالسين على حاله من الدلالة على الاستقبال، لا بعد أن نالهم، ولا لنبينا، فضلا عن أن نحتاج إلى قول بعضهم: إن السين قد تأتى للاستمرار {غَضبٌ مِّن ربِّهم} وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم توبة، فهو بمعنى العقوبة وإحلال النقمة فهو صفة فعل، أو هو إرادته بهم ما يسوءهم وهو القتل، أي ينالهم ما تضمنته هذه الإرادة فهو صفة ذات {وذلةٌ فى الحياةِ الدُّنيا} هى إسلامهم أنفسهم للقتل، أو خروجهم من ديارهم بالقتل، فإنهم إذا قتلوا فقد أخرجوا عنها، ولا يعودون إليها، وفي متعلقة بينال، أو يتنازع فيها مع ما بعدها غضب وذلة، وأما فى الآخرة فلا يصيبهم غضب ولا ذلة لتوبتهم. هذا ما ظهر لى، ثم اطلعت على أنه مذهب الجمهور، وقال ابن جريج: المراد بهؤلاء من لم يتب فلم يسلم نفسه للقتل، وبالغضب عليهم الغضب الذى يصيبهم في الآخرة، فيعاقبون بالنار، والمراد بالذلة ما يصيبهم من الهوان فى الدنيا، ففى متعلقة بالذلة، ويجوز الوجهان السابقان فى التعلق، فإن من يناله الغضب فى الآخرة فقد ناله أيضاً في الدنيا، بمعنى أنه قد ثبت عليه وعدله وهو في الدنيا. وقال ابن عباس، وعطية العوفى: إن هذا كلام من الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد اليهود الذين في زمانه، وعليه فنسبة اتخاذ العجل إليهم إما على طريق العرب في نسبة فعل الأب للابن في المدح والذم، وإما على حذف مضاف أولا وآخراً أى إن عقاب الذين اتخذوا العجل سينالهم، أو إن الذين اتخذوا العجل سينالهم عقابهم، فقال ابن عباس: الغضب عذاب الآخرة، والذلة الجزية، وقال عطية: الغضب والذلة ما أصاب بنى النضير وقريظة من القتل والإخراج من الديار والأموال، وقيل: الغضب القتل والإخراج، والذلة الجزية. {وَكَذلكَ نَجْزى المُفْتَرِين} الكاذبين على الله، ولا فرية أعظم من قول السامرى: هذا إلهكم وإله موسى، وقيل: ولعله لم يفتر مثلها أحد قبله ولا بعده، قال أبو قلابة، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة: الغضب والذلة جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة، وعابد غير الله مفتر عدوًا لله، والمبتدع في الدين مفتر عليه، واستدلوا بالآية.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ اتَخَذُوا العِجْلَ} أَى إِنهم، ووضع الظاهر موضع المضمر، أَى إِنهم صاغوه من الحلى، أَو اتخذوه إِلهاً، وفى التوراة: لا تتخذوا الصور المنسوبة للحياة، ولم يخص النهى بعبادتها، {سَيَنَالُهُمْ} فى أَنفسهم وأَعقابهم، وما ينال العقب كأَنه نال السلف فى التوجع وبالعكس {غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا} هذا من جملة ما أَوحى الله إِلى موسى صلى الله عليه وسلم حين أَخبره بأَمر العجل عند الطور، أَو فى رجوعه قبل الوصول أَو بعد الوصول، فالاستقبال باعتبار تلك الأَزمنة لا باعتبار نزول القرآن، وغضب الله هنا فعل لا صفة لأَنه عذابهم فى الدنيا والاخرة، إِلا أَن يقال سينالهم مقتضى غضبه أَى علمه وقضاؤه. والمراد القتل لأَنفسهم ومن غيرهم والجزية والجلاء والمسكنة وعذاب جهنم، وهوانهم فى الدنيا والآخرة، ومن ذلك لا مساس، قيل: وتحريق إِلههم ونسفه فى اليم، ولعل تحريقه ونسفه لا يحزنون به لأنه يتبادر لما زجرهم عليه السلام ثابت إِليهم عقولهم، وقد شاهدنا قضية لا مساس بمد الغربى أَو غيره يده إِلى يده فيغطى يده بنحو ثوب فيمس بها مطوية يد المغربى، وأَقروا أَن ذلك لحمى تصيبه بالمس مباشرة {وَكَذَلِكَ نَجْزِى المُفْتَرِينَ} أَى نجزيهم على هذا الوصف وهو الافتراء بالإِشتراك، وهو تكرير لذكر فعله بهم، ووصف الشئ غير وقوعه، فليس ذلك تشبيه الشئ بنفسه، أَو المراد المفترون غير هؤلاء أَو هؤلاء مع غيرهم إِن حييوا، أَو تكرر افتراؤهم ولا فرية أَعظم من قولهم: هذا إِلهكم وإِله موسى، فإِن فرعون فى عتوه لعله لم يقل لقومه هذه الآلهة آلهة لكم ولموسى، ولعله لم يفتر أَحد مثلها قبلهم ولا بعدهم ولا معهم، ووصفهم بالافتراء لا ينافى أَنهم ماتوا شهداءَ بقتلهم أَنفسهم توبة وطاعة لأَمر الله كما تصف الزانى بالزنى بعد توبته، والقاذف بالقذف بعد توبته ولو أَخرج الحد منهما، يزنى ويتوب وترجمه وتجلده فتقول: زنى وفعلنا به ذلك، وتقول افترى ولو جلد، إِلا أَنه ليس كل مفتر على الله يجزى بهذا الجزاء الذى منه قتلهم أَنفسهم الذى فى ظاهره قهر وباطنه لطف، والجواب أَن التشبيه فى نفس الجزاء لا فى خصوص الجزاء، وقيل سينال أَولاد الذين عبدوا العجل، وهم الذين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذلة والغضب ما أَصاب النضير وقريظة من القتل والجلاء والجزية، أَو ذلك من تعيير الأَبناء بما فعل الآباء. وقيل المراد بالذين المتخذون، وبهاء ينالهم أَخلافهم، وبالغضب الغضب الأُخروى، وبالذلة الجزية ونحوها كما فعل بهم بخت نصر.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} أي بقوا على اتخاذه واستمروا عليه كالسامري وأشياعه كما يفصح عنه كون الموصول الثاني عبارة عن التائبين فإن ذلك صريح في أن الموصول الأول عبارة عن المصرين {سَيَنَالُهُمْ} أي سيلحقهم ويصيبهم في الآخرة جزاء ذلك {غَضَبٌ} عظيم لا يقادر قدره مستتبع لفنون العقوبات لعظم جريمتهم وقبح جريرتهم {مّن رَّبّهِمُ} أي مالكهم، والجار والمجرور متعلق بينالهم، أو بمحذوف وقع نعتاً لغضب مؤكداً لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائن من ربهم {وَذِلَّةٌ} عظيمة {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وهي على ما أقول: الذلة التي عرتهم عند تحريق إلههم ونسفه في اليم نسفاً مع عدم القدرة على دفع ذلك عنه، وقيل: هي ذلة الاغتراب التي تضرب بها الأمثال والمسكنة المنتظمة لهم ولأولادهم جميعاً، والذلة التي اختص بها السامري من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس، وروي أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإذا مس أحدهم أحد غيرهم حما جميعاً في الوقت، ولعل ما ذكرناه أولى والرواية لم نر لها أثراً، وإيراد ما نالهم بالسين للتغليب، وقيل: وإليه يشير كلام أبـي العالية المراد بهم التائبون، وبالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم، وبالذلة إسلامهم أنفسهم لذلك واعترافهم بالضلال، واعتذر عن السين بأن ذلك حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل فإنه قال له: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} الخ فيكون سابقاً على الغضب، وجعل الكلام جواب سؤال مقدر وذلك أنه تعالى لما بين أن القوم ندموا على عبادتهم العجل بقوله سبحانه: {أية : وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } تفسير : [الأعراف: 149] والندم توبة ولذلك عقبوه بقولهم: {أية : لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا } تفسير : [الأعراف: 149] وذكر عتاب موسى لأخيه عليهما السلام ثم استغفاره اتجه لسائل أن يقول: يا رب إلى ماذا يصير أمر القوم وتوبتهم واستغفار نبـي الله تعالى وهل قبل الله تعالى توبتهم؟ فأجاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} أي نقم قبل توبة موسى وأخيه وغفر لهما خاصة وكان من تمام توبة القوم أن الله سبحانه أمرهم بقتل أنفسهم فسلموها للقتل، فوضع الذين اتخذوا العجل موضع القوم إشعاراً بالعلية. وتعقب بأن سياق النظم الكريم وكذا سباقه ناب عن ذلك نبواً ظاهراً كيف لا وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ} ينادي على خلافه فإنهم شهداء تائبون فكيف يمكن وصفهم بعد ذلك بالافتراء وأيضاً ليس يجزي الله تعالى كل المفترين بهذا الجزاء الذي ظاهره قهر وباطنه لطف ورحمة إلا أن يقال: يكفي في صحة التشبيه وجود وجه الشبه في الجملة ولا بد من التزام ذلك على الوجه الذي ذكرناه أيضاً؛ وما ذكر في / تحرير السؤال والجواب مما تمجه أسماع ذوي الألباب. وقال عطية العوفي: المراد سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأريد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وقريظة من القتل والجلاء، أو ما أصابهم من ذلك ومن ضرب الجزية عليهم، وفي الكلام على هذا حذف مضاف وهو الأولاد، ويحتمل أن لا يكون هناك وهو من تعيير الأبناء بما فعل الآباء، ومثله في القرآن كثير. وقيل: المراد بالموصول المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم وبالغضب الغضب الأخروي وبالذلة الجزية التي وضعها الإسلام عليهم أو الأعم منها ليشمل ما ضربه بختنصر عليهم. وتعقب ذلك أيضاً بأنه لا ريب في أن توسيط حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، والمراد بالمفترين المفترون على الله تعالى، وافتراء أولئك عليه سبحانه قول السامري في العجل {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 88] ورضاهم به ولا أعظم من هذه الفرية ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: كل صاحب بدعة ذليل وتلا هذه الآية.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن قوله: {إن الذين اتخذوا العجل} إلى قوله: {الدنيا} من تمام كلام موسى، فبعد أن دعا لأخيه بالمغفرة أخبر أن الله غضب على الذين عبدوا العجل. وأنه سيظهر أثر عضبه عليهم، وستنالهم ذلة في الدنيا وذلك بوحي تلقاه، وانتهى كلام موسى عند قوله: {في الحياة الدنيا}، وأن جملة: {وكذلك نجزي المفترين} خطاب من جانب الله في القرآن، فهو اعتراض والواو اعتراضية ذيل الله بهذا الاعتراض حكاية كلام موسى فأخبر بأنه يجازي كل مفتر بمثل ما أخبر به موسى عن مفتري قومه، وأن جملة: {والذين عملوا السيئات} إلى آخر الآية تكملة للفائدة ببيان حالة أضداد المتحدث عنهم وعن أمثالهم. ويجوز أن تكون جملة: {إن الذين اتخذوا العجل} إلى آخرها خطاباً من الله لموسى، جواباً عن دعائه لأخيه بالمغفرة بتقدير فعللِ قول محذوف: أي قلنا إن الذين اتخذوا العجل إلى آخره، مثل ما حكى الله تعالى عن إبراهيم في قوله تعالى: {أية : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً}تفسير : [البقرة: 126] الآية. و{ينالهم} يصيبهم. والنول والنّيْل: الأخذُ وهو هنا استعارة للإصابة والتلبس كما في قوله تعالى: {أية : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} تفسير : في هذه السورة (37)، والذين اتخذوا العجل هم الذين عبدوه فالمفعول الثاني {لاتخذوا} محذوف اختصاراً، أي اتخذوه إلاهاً. وتعريفهم بطريق الموصولية، لأنها أخصر طريق في استحضارهم بصفة عرفوا بها، ولأنه يؤذن بسببية ما نالهم من العقاب، والمراد بالغضب ظهور أثره من الخذلان ومنع العناية، وأما نفس الغضب فهو حاصل في الحال. وغضب الله تعالى إرادته السوء بعبده وعقابه في الدنيا والآخرة أو في إحداهما. والذلة: خضوع في النفس واستكانة من جرّاء العجز عن الدفع، فمعنى: نيل الذلّة إياهم أنهم يصيرون مغلوبين لمن يغلبهم، فقد يكون ذلك بتسليط العدو عليهم، أو بسلب الشجاعة من نفوسهم. بحيث يكونون خائفين العدو، ولو لم يسلّط عليهم، أو ذلّة الاغتراب إذ حرمهم الله ملك الأرض المقدسة فكانوا بلا وطن طول حياتهم حتى انقرض ذلك الجيل كله، وهذه الذلّة عقوبة دنيوية قد لا تمحوها التوبة، فإن التوبة إنما تقتضي العفو عن عقاب التكليف، ولا تقتضي ترك المؤاخذة بمصائب الدنيا، لأن العقوبات الدنيوية مسببات تنشأ عن أسبابها، فلا يلزم أن ترفعها التوبة إلا بعناية إلهية خاصة، وهذا يشبه التفرقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف كما يؤخذ من حديث الإسراء لما أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناءَيْن أحدهما من لبن والآخر من خمر، فاختار اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر لغَوَتْ أمتك، هذا وقد يمحو الله العقوبة الدنيوية إذا رَضي عن الجاني والله ذو فضل عظيم. والقول في الإشارة من قوله: {وكذلك} تقدم في قوله {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} تفسير : في سورة البقرة (143)، أي ومثل ذلك الجزاء العظيم نجزي المفترين. والافتراء الكذب الذي لا شبهة لكاذبه في اختلاقه، وقد مضى في قوله تعالى: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} تفسير : في سورة المائدة (103). والمراد بالافتراء الاختلاق في أصول الدين بوضع عقائِدَ لا تستند إلى دليل صحيح من دلالة العقل أو من دلالة الوحي، فإن موسى عليه السلام كان حذرهم من عبادة الأصنام كما حكاه الله فيما مضى في قوله تعالى: {أية : وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم...}تفسير : [الأعراف: 138 ـــ 140] الآيات الثلاث المتقدمة آنفاً، فجعل الله جزاءهم على الافتراء الغضبَ والذلة، وذلك إذا فعلوا مثله بعد أن جاءتهم الموعظة من الله، ولذلك لم يكن مشركو العرب أذلاّء، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهداهم فاستمروا على الافتراء عاقبهم الله بالذلة، فأزال مهابتهم من قلوب العرب، واستأصلهم قتلاً وأسراً، وسلَب ديارهم، فلما أسلم منهم من أسلموا صاروا أعزة بالإسلام. ويؤخذ من هذه الآية أن الكذاب يُرمى بالمذلّة. وقوله: {والذين عملوا السيئات ثم تابوا} الآية اعتراض بأنهم إن تابوا وآمنوا يغفر الله لهم على عادة القرآن من تعقيب التهديد بالترغيب، والمغفرة ترجع إلى عدم مؤاخذتهم بذنوبهم في عقاب الآخرة، وإلى ارتفاع غضب الله عنهم في المستقبل، والمراد بالسيئات: ما يشمل الكفر، وهو أعظم السيّئات. والتوبةُ منه هي الإيمان. وفي قوله: {من بعدها} في الموضعين حذف مضاف قبل ما أضيفت إليه (بَعْد) ــــ وقد شاع حذفهُ ــــ دل عليه {عملوا} أي من بَعد عَملها، وقد تقدم الكلام على حذف المضاف مع (بعد) و(قبل) المضافين إلى مضاف للمضاف إليه عند قوله تعالى: {أية : ثم اتخذتم العجل من بعده} تفسير : في سورة البقرة (51). وحرف (ثم) هنا مفيد للتراخي، وذلك إلجاء إلى قبول التوبة، ولو بعد زمان طويل مملوء بفعل السيّئات. وقوله: {من بعدها} تأكيد لمفاد المهلة التي أفادها حرف (ثم) وهذا تعريض للمشركين بأنهم إن آمنوا يغفر لهم ولو طال أمد الشرك عليهم. وعطف الإيمان على التوبة، مع أن التوبة تشمله من حيث إن الإيمان توبة من الكفر، إما للاهتمام به، لأنه أصل الاعتداد بالأعمال الصالحة عند الله تعالى كقوله: {أية : وما أدراك ما العقبة فكّ رقبة} تفسير : [البلد: 12- 13] إلى قوله: {أية : ثم كان من الذين آمنوا} تفسير : [البلد: 17]. ولئلا يظن أن الإشراك لخطورته لا تنجي منه التوبة. وإما أن يراد بالإيمان إيمان خاص، وهو الإيمان بإخلاص، فيشمل عمل الواجبات. والخطاب في قوله: {إن ربك} لمحمد صلى الله عليه وسلم على الوجه الأظهر، أو لموسى على جعل قوله: {إن الذين اتخذوا العجل} مقولاً من الله لموسى. وفي تعريف المسند إليه بالإضافة توسل إلى تشريف المضاف إليه بأنه مربوب لله تعالى، وفي ذكر وصف الربوبية هنا تمهيد لوصف الرحمة. وتأكيد الخبر بإن ولام التوكيد وصيغتي المبالغة في {غفور رحيم} لمزيد الاهتمام به ترغيب للعصاة في التوبة، وطرداً للقنوط من نفوسهم، وإن عظمت ذنوبهم، فلا يحسبوا تحديد التوبة بحد إذا تجاوزتْه الذنوب بالكثرة أو العِظَم لم تقبل منه توبة. وضمير: {من بعدها} الثاني مبالغة في الامتنان بقبول توبتهم بعد التملّي من السيئات. وحذف متعلق {غفور رحيم} لظهوره من السياق، والتقدير: لغفور رحيم لهم. أو لكل من عمل سيّئة وتاب منها.

القطان

تفسير : الغضب: هنا، هو ما امروا به من قتل انفسهم. بعد ان ذكرت الآيات عتاب موسى لأخيه هارون، ثم استغفاره لنفسه ولأخيه، استطردتْ تذكر ما استحقه بنو اسرائيل من الجزاء على اتخاذ العجل. ان الذين اتخذوا العجل إلهاً واستمروا على ذلك، كالسامريّ وأتباعه، سيواجهون غضباً عظيماً من ربهم في الدنيا، فلن يقبل الله توبتهم الا إذا قتلوا انفسهم، وستنزل بهم مذلّة ومهانة شديدة. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}. بمثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي كل من اختلق الكذب على الله وعبَدَ غيره. هذا بخلاف الذين اقترفوا السيئات من الكفر والمعاصي ثم تابوا ورجعوا الى الله وصدقوا به، فإن الله سيغفر لهم ويعفو عنهم، فعفو الله أكبر وأجلّ، وكرمه أعظم، بشرط التوبة والندم والاستغفار.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَياةِ} (152) - إِنَّ الذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلَى عِبَادَةِ العِجْلِ، كَالسَّامِريِّ وَأَشْيَاعِهِ، سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ عَظِيمٌ مِنْ رَبِّهِمْ في الدَّارِ الآخِرَةِ، وَمَهَانَةٌ شَدِيدَةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَمِثْلُ ذلِكَ الجَزَاءِ الشَّدِيدِ يَجْزِي بِهِ اللهُ كُلَّ مَنِ اخْتَلَقَ الكَذِبَ عَلَيْهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ. افْتَرَى - اخْتَلَقَ الكَذِبَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حين يقال: {ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} قد نجد من يتساءل: هل اتخذوه مذبوحاً يأكلونه؟ أو يثير الأرض أو يسقي الحرث ويدير السواقي؟ لأن العجل موجود لهذه المهام، لكنهم لم يأخذوا العجل لتلك المهام، بل إنهم قد اتخذوا العجل إلهاً ومعبوداً، أما اتخاذه فيما خُلِقَ له فلا غبار عليه، وهو هنا محذوف ومتروك لفطنة السامع؛ فإذا اتخذنا العجل فيما خُلِقَ له العجل لا ينالنا غضب من الله، أما الذين سينالهم غضب الله فهم من اتخذوا العجل في غير ما خُلِقَ له، إنهم اتخذوه إلهاً: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}. وقوله: {سَيَنَالُهُمْ} يدل على أن أوان الغضب والذلة لم يأت بعد، وسيحدث في المستقبل، ومستقبل الدنيا هو الآخرة، ولكن الحق هنا يقول: إن الذلة ستحدث في الدنيا، فكيف يكون {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} مع أنهم تابوا؟ ويوضح سبحانه لنا ذلك في قوله: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ}. فبعضهم تاب إلى بارئه وقتل نفسه فلماذا إذن الغضب؟ ويوضح الحق لنا أن الذي ينالهم من الغضب هو ما ألجأهم إلى أن يقال لهم: "اقتلوا أنفسكم"، وهكذا نفهم أن قوله تعالى: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ} أي قبل أن يتوبوا، وقتل النفس هو منتهى الذلة ومنتهى الإهانة. {... سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] أي أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم، فكل مفتر يتجاوز حده فوق ما شرعه الله لابد أن يناله هذا الجزاء؛ لأن ربنا حين يقول لنا ما حدث في تاريخهم؛ وحين يسرد لنا هذه القصة فإنه يريد من وراء ذلك - سبحانه - أن يعتبر السامع للقصة في نفسه. واعتبار السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له الله تنبيهاً وتحذيراً: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} أي احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ما نالهم، وهو سبحانه ينبه كلا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة فإنَّ التاريخ مسرود لأخذ العبرة، والعظة ليتعظ بها السامع. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ...}

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} الآية الظاهر أنه من كلام الله تعالى إخباراً عما ينال عبّاد العجل ومخاطبة لموسى عليه السلام بما ينالهم. ويدل عليه قوله آخر الآية: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}. {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي من الكفر والمعاصي وغيره. {ثُمَّ تَابُواْ} أي رجعوا إلى الله. {مِن بَعْدِهَا} أي من بعد عمل السيئات. {وَآمَنُوۤاْ} داموا على إيمانهم وأخلصوا فيه. والذين مبتدأ، وخبره أن ربك، والعائد على المبتدأ محذوف تقديره لغفور لهم رحيم بهم. {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} الآية سكوت غضبه كان والله أعلم بسبب اعتذار أخيه وكونه لم يقصر في نهي بني إسرائيل عن عبادة العجل ووعد الله إياه بالانتقام منهم وسكوت الغضب استعارة شبه خمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكونه جعل الغضب كأنه إنسان يناجي موسى عليه السلام ويهيجه لما فعل قومه من اتخاذهم العجل، ولذلك ألقى الألواح ثم انه سكت عنه وهذا من بديع الاستعارة جعل سكون الغضب سكوتاً. وقرأ معاوية بن قرة: ولما سكن، بالنون عوض التاء. {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} هو جواب لما وكان إلقاؤها غضباً على قومه فلما سكت الغضب أخذها. {وَفِي نُسْخَتِهَا} أي فيما نقل وحول منها. واللام في لربهم مقوية لوصول الفعل الذي هو يرهبون إلى المفعول المتقدم، كقوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ}تفسير : [يوسف: 43]. {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} اختار افتعل من الخير وهو التخير والانتقاء واختار من الأفعال التي تعدت إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بواسطة حرف الجر ثم بحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل فتقول اخترت زيداً من الرجال، واخترت زيداً الرجال. قال الشاعر: شعر : اخترتك الناس إذ رئت خلائقهم واعتل من كان يرجى عند السول تفسير : {لِّمِيقَاتِنَا} قال وهب بن منبه: قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام ان طائفة تزعم أن الله لا يكلمك فخدمنا من يذهب معك يسمعوا كلامه فيؤمنوا فأوحى الله تعالى إليه أن يختار سبعين من خيارهم ثم ارتق بهم الجبل أنت وهارون واستخلف يوشع ففعل فلما سمعوا كلامه سألوا موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الرجفة. وفي الكلام حذف تقديره فرجف بهم الجبل وصعقوا. {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ} مفعول شئت تقديره لو شئت أهلاكنا وجوابه أهلكتهم ولم يأت الجواب باللام. {وَإِيَّايَ} ضمير المتكلم معطوف على الضمير المنصوب في أهلكتهم. {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} الآية، الظاهر أنه استفهام استعلام أيقع إهلاك المختارين وهم خير بني إسرائيل بما فعل غيرهم إذ من الجائز في العقل ذلك، ألا ترى قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}تفسير : [الأنفال: 25]. وقوله عليه السلام: حديث : وقد قيل أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم إذا كثر الخبث تفسير : . وكما ورد أن قوماً يخسف بهم وفيهم الصّالحون فقيل يبعثون على نياتهم أو كلا ما هذا معناه بما فعل السفهاء منا، وهم عبّاد العجل. {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} إن نافية بمعنى ما وهي ضمير يعود على ما يفهم من سياق الكلام أي ان الفتنة إلا فتنتك أي راجعة إليك إذ أنت موجد الخير والشر وأنت موقع ضلال من فتنة وهداية من شئت وهذا هو الاعتقاد الصحيح. {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} ومفعول تشاء محذوف تقديره من تشاء إضلاله ومن تشأ هدايته. {أَنتَ وَلِيُّنَا} أي القائم بأمرنا. {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} سأل الغفران والرحمة له ولهم لما كان قد اندرج قومه في قوله: أنت ولينا، وفي سؤال المغفرة والرحمة له ولهم. وكان قومه أصحاب ذنوب أكد استعطاف ربه تعالى في غفران تلك الذنوب فأكد ذلك ونبه بقوله: وأنت خير الغافرين، ولما كان هو وأخوه عليهما السلام من المعصومين من الذنوب فحين سأل المغفرة له ولأخيه وسأل الرحمة لم يؤكد المغفرة بل قال: وأنت أرحم الراحمين، فنبّه على أنه تعالى أرحم الراحمين. ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف: 156]، وكان تعالى خير الغافرين لأن غيره يتجاوز عن الذنب طلباً للثناء أو الثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة عن القلب وهي صفة الحقد. والبارىء تعالى منزه عن أن يكون غفرانه لشىء من ذلك.

الجيلاني

تفسير : قال سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} المصوغ إلهاً بمجرد الخوار الذي صدر منه {سَيَنَالُهُمْ} وينزل عليهم في النشأة الأخرى {غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} يطردهم ويبعدهم عن ساحة عز حضوره {وَذِلَّةٌ} صغار وهوان {فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَلِكَ} في النشأة الأولى والآخرى {نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] المشركين لنا غيرنا من مخلوقاتنا؛ افتراءً ومراءً. ثمَّ قال سبحانه {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} قصداً وخطأً {ثُمَّ تَابُواْ} ورجعوا نحونا نادمين {مِن بَعْدِهَا} أي: من بعد توتبهم {وَ} الحال أنه قد كان توبتهم مقرونة بالإيمان بأن {آمَنُوۤاْ} بالله وملائكته وكتبه، ورسله {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {مِن بَعْدِهَا} أي: من بعد ما جاءوا بالتوبة عن ظهر القلب {لَغَفُورٌ} لما صدر عنهم من الذنوب {رَّحِيمٌ} [الأعراف: 153] يقبل توبتهم بعدما وفقتهم بها. {وَلَماَّ سَكَتَ} أي: سكن وذهب {عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} الذي استولى عليه إلى حيث ألقى ألواح التوارة، وأخذ شعر أخيه يجره {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} المنكسرة المتلاشية وإن انكسر ما فيها تفصيل كل شيء {وَ} قد بقي منها ما {فِي نُسْخَتِهَا} أي: ما نسخ ورقم عنها سالمة عن الانكسار {هُدًى} أي: أوامر ونواهي توصلهم إلى توحيد الحق إن امتثلوا به وقبلوا {وَرَحْمَةٌ} تنجيهم عن الضلال إن اتصفوا بها، كل ذلك حاصل {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] أي: يخافون من الله؛ طلباً لرضاه لا لغرض آخر من الرياء والسمعة، بل من طلب الجنة وخوف العذاب أيضاً. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك قصة الكليم حين {ٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} أي: اختار وانتخب موسى ب إذن منا من قومه {سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} فانتخب من كل سبط من الأسباط الاثني عشر ستة نفر فزاد على المبلغ اثنين، فأمر موسى بتقاعدهما فتخاصموا وتشاجروا في تعيينهما، إلى أن قال موسى: إن أجر من قعد مثل أجر من صعد، بل أكثر فقعد كالب ويوشع، وذهب موسى معهم، فلما دخلوا شعب الجبل وأرادوا الصعود غشيته غمام كثيف مظلم، قد خلوا الغمام وخروا سجداً، فسمعوا يتكلم سبحانه مع موسى يأمره وينهاه، وهو يناجي ربه. فلمَّا تم الكلام وانكشف الغمام قالوا بعدما سمعوا كلامه سبحانه مستكشفين عن ذاته: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً ظاهرة، منكشفة ذاته لأبصارنا، كما انكشف كلامه لأسماعنا، فأخذتهم الرجفة؛ بسبب سؤالهم هذا {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} الصاعة النازلة من قهر الله وغضبه؛ لطلبهم ما ليس في وسعهم واستعدادهم {قَالَ} موسى مشتكياً إلى الله: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ} أي: لو تعلقت مشيتئك لإهلاكهم لِمَ لَمْ تهلكهم {مِّن قَبْلُ} أي: من قبل إسماعهم كلامك؟ {وَإِيَّايَ} أيضاً؛ أي: لِمَ لَمْ تهلكني؛ حتى لاتنسب إليَّ إهلاكهم عند عوام بني إسرائيل وتشأمهم بي من غاية اضطرابه؟ {أَتُهْلِكُنَا} بالصاعقة الشديدة يا رب {بِمَا فَعَلَ} أي: بسبب سؤال سائل {ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} صدر عنهم هفوة بلا علم لهم بعظمتك وجلالك وحق قدرك وعزك. بل {إِنْ هِيَ} أي: هل هي {إِلاَّ فِتْنَتُكَ} اختبارك، ابتلاؤك إياهم، بأن أسمعت لهم كلامك فأوقعتهم بهذه الفتنة؛ إذ أنت {تُضِلُّ بِهَا} أي: بفتنتك {مَن تَشَآءُ} من عبادك، بأن اجترءوا بعد انكشافك عليهم نوع انكشاف إلى انكشاف أعلى منه وأجلى فضلوا وكفوا بلا علم لهم إلى مقتضى استعدادهم {وَتَهْدِي} بها {مَن تَشَآءُ} بأن سكتوا عن السؤال مطلقاً، وفوضوا أمورهم كلها إليك ولا يسألون عنك ما لم يستأذنوا منك، والكل بيدك {أَنتَ وَلِيُّنَا} ومولي أمورنا، ومولى نعمنا {فَٱغْفِرْ لَنَا} ما جرى علينا من المعاصي والآثام {وَٱرْحَمْنَا} برحمتك الواسعة تفضلاً علينا وامتناناً، واعف عنا بفضلك وجودك {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] الساترين ذنوب العصاة المسرفين.

همام الصنعاني

تفسير : 938- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال: تَلاَ أبو قُلاَبَة: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}: [الآية: 152]. قال: هو جزاء كل مفتر يكون إلى يَوْمِ القيامَةِ أنْ يُذِلَّهُ اللهُ تعالى. 939- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: لما أخذ موسى الألواح قال: أي ربي، إني أجد في الألواح أمة هي خير الأمم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: أي ربي، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: أي ربي، إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم قلوبهم وكانوا يقرأون نظراً فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: أي ربي، إني أجد في الألواح أمة يأخذون صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد.